اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الخامس 5 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الخامس 5 بقلم نهي طلبة 


جلست علياء على إحدى الأرائك الحجرية المنتشرة على الشرفة حيث اصطحبها مازن بعد انتهاء رقصتهما.. حتى تنعش نفسها قليلاً بالهواء النقي.. كما أخبرها مازن, الذي ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة وهو يلمح محاولة يزيد للتقدم منهما, تلك المحاولة التي أحبطتها ريناد بفاعلية حينما تعلقت بعنقه استعداداً للرقصة القادمة... فما كان منه إلا جذب علياء نحو الشرفة الخارجية.. بعيداً عن جموع الشباب الذين بدءوا بالتحلق حولها طمعاً في مراقصة فراشة الحفل.. كما اطلقوا عليها...

وقف مازن أمامها وهي تتأوه بنزق بينما تخلع صندلها وتفرك أصابع قدميها في الأرض المكسوة برخام فخم:

ـ آآآآه.. يااااه.. أنت عارف أنا بقى لي قد ايه ما رقصتش تانجو.. يجي خمس سنين..

ضحك ضحكة خفيفة وهو يسألها:

ـ خمس سنين!!.. ليه هو أنتِ اتعلمتِ الرقص وأنتِ عندك كام سنة؟..

ضحكت علياء بسعادة وهي تسترجع أيام سعيدة بالنسبة لها:

ـ أنا اتعلمت الرقص قبل المشي.. ماما الله يرحمها قبل ما تتجوز كانت راقصة باليه محترفة.. علمتني حاجات كتيير.. ولولا الظروف كان ممكن احترف الرقص.. على الأقل الباليه.. لكن وفاة بابا.. وتحكم أعمامي.. أجبر أمي أنها تهرب منهم.. لكنها ما قدرتش تبعد عن الرقص.. ففتحت صالون لتعليم الرقص كان في جزء للبنات الصغيرين كانت بتعطيهم مبادئ للباليه.. وجزء تاني لرقص الصالونات.. والــ تانجو وسامبا وحتى سالسا.. وأنا بقى كنت معاها على طول.. أخرج من المدرسة.. جري... على قاعة الرقص.. أراقب.. وأتعلم.. وأما كبرت شوية بقيت أشارك في الدورات اللي ماما بتنظمها.. لحد ما اتجوزت عمو عصام.. و.. بدأت تتعب.. و..

أدرك مازن أن ذكرياتها السعيدة انتهت بوفاة والدتها فحاول تغيير الموضوع:

ـ بصراحة أنا اتفاجئت.. طول الوقت بتخيلك في المزرعة بين الخيل والزرع.. سرحانة في عالم لوحدك.. بترسمي لوحاتك.. زي ما يزيد بيقول.. بس أنتِ بترقصي روعة.. محترفة فعلاً..

أجابته بخجل:

ـ أنت كمان بترقص كويس قوي..

ضحك وهو يخبرها:

ـ آه.. هقولك سر.. جدتي كانت بتصر أننا ناخد دروس في الرقص.. حسن كان دايماً بيهرب.. وأنا اللي كنت بتدبس.. بس دلوقتِ.. زي ما أنتِ شايفة.. أكيد هو هيموت من الحسد.. وهو شايفني برقص مع فراشة الحفلة..

ابتسمت علياء بخجل ولم ترد على إطرائه الرقيق.. وعاودت ارتداء صندلها.. ووقفت تستعد للدخول الى القاعة.. فسألها بفضول:

ـ عايزة تدخلي ولا ايه؟..

أومأت موافقة:

ـ ايوه ما يصحش نتأخر بره أكتر من كده..

سكتت قليلاً.. ثم أخبرته بتردد:

ـ أنا متشكرة قوي..

أجابها بعجب:

ـ على إيه؟!..

ـ على الرقصة.. و..

احتارت ماذا تقول له.. فهو أنقذها من ليلة كانت ستقضيها وحيدة تراقب يزيد يراقص ريناد.. ونيرة تشاغل حسن.. كل شخص له من يؤنس وحدته ما عدا هي..

قالت بتردد:

ـ وعلى كل حاجة..

ربت على كتفها بمودة:

ـ أنتِ زي أختي الصغيرة يا عليا.. لو احتجتِ أي حاجة..

شدد على جملته ثانية:

ـ أي حاجة يا عليا.. أوعي تترددي تتصلي بيا.. ماشي..

أومأت موافقة وقد بدأت تترقرق دموع الإمتنان في عينيها لصدق كلماته, فتحركت حتى تدخل القاعة بسرعة, وتحرك ليدخل معها عندما رن جرس هاتفه.. فالتقطه ليرى من المتحدث.. اقتربت منه هامسة:

ـ على فكرة.. نيرة كانت متضايقة قوي من رقصنا سوا..

تجمدت يده على الهاتف وهو يلمح الصغيرة تدلف إلى القاعة وهي تشير له أنها ذاهبة إلى غرفة السيدات.. وبذهنه يتردد ألف سؤال..

" ما الذي تقصده الصغيرة؟.. وهل حقاً غضبت نيرة لرقصه مع علياء؟.. ولماذا تغضب؟.. "

دار عقله بدوامات من الأفكار بينما تعالى رنين هاتفه للمرة الثانية.. فأجابه وهو غائب مع أفكاره ليجد عم نصر على الهاتف ليخبره بموافقته على عرضه السابق بالعمل على السيارة الأجرة لصديقه..

أجابه مازن بارتياح:

ـ ألف مبروك علينا وجودك معانا يا راجل يا طيب.. العقد هيكون جاهز عشان تمضي عليه بكره إن شاء الله..

جاءه صوت نصر المحرج:

ـ بس.. مش الأول افاتح والدك في أني هسيب الشغل معاه.. دي الأصول يا بني ولا ايه؟..

ـ براحتك يا عم نصر.. العقد موجود والعربية كمان مفاتيحها معايا.. في الوقت اللي يناسبك.. نبدأ إن شاء الله..

أغلق مازن هاتفه والتفت ليفاجئ بيزيد في مواجهته.. وإمارات الغضب تبدو على وجهه..

***********

ما أن اقتربت علياء من الباب المؤدي إلى غرفة السيدات حتى سمعت النقاش الساخن الذي يدور بين ريناد ونيرة.. حيث سمعت صوت نيرة يسأل باستفزاز:

ـ صحيح يا ريناد.. هو انتوا لسه ما حددتوش الفرح؟.. ايه هو يزيد ناوي يقضيها خطوبة وبس..

ثم أطلقت ضحكة ساخرة عالية قطعتها على الفور عندما أجابتها ريناد باستخفاف:

ـ لو كان على يزيد كنا اتجوزنا من شهور.. بس في حاجة اسمها.. إنك تعززي نفسك عند خطيبك.. تخليه هو اللي هيتجنن علشان يجمعكوا بيت واحد.. بس يمكن أنتِ بس ما سمعتيش عن الحكاية دي..

دفعت علياء الباب بقوة لتدخل قبل أن تتهور نيرة وتقوم بقتل ريناد أو فقأ عينيها..

ـ مساء الخير..

ألقت التحية في هدوء.. فلمحت النيران المشتعلة في أعماق عينيّ نيرة.. وهي ترمق ريناد بنظرات كفيلة باحراقها حية..

أما ريناد فما أن رأت علياء حتى أخبرتها بهدوء يخفي وراءه غضب:

ـ حلوة الرقصة بتاعتك يا عليا..

شكرتها عليا في هدوء:

ـ متشكرة قوي..

صمتت الفتيات الثلاث بينما كان حديث النظرات أبلغ مما يمكن ان تعبر عنه أي كلمات..

وأخيراً استأذنت ريناد لتخرج تاركة علياء مع نيرة وحدهما.. فتكلمت عليا بتردد:

ـ هو حصل ايه؟.. شكلك متضايق قوي.. هي قالت لكِ حاجة ضايقتك؟

رمقتها نيرة بنظرة فاحصة.. لا تعلم إذا ما كانت سمعت تعليق ريناد المستفز حول وضعها مع حسن.. أم لا.. ولكنها تعلم تمام المعرفة أن علياء تحبها ولن تشمت بها أبداً.. ورغم أن رقصتها مع مازن أشعلت مراجل الغضب بأعماق نيرة.. ولكنها لا تستطيع الصراخ بها أو حتى الغضب منها.. لا تعلم ماذا يوجد بهذه الفتاة ويمنعها من إظهار طبيعتها السيئة معها..

أجابتها بهدوء:

ـ لا ما تقلقيش.. العادي اللي بيني وبين ريناد.. بس هي عندها حق.. رقصتك كانت حلوة وملفتة قوي..

قالت كلمتها الأخيرة بنبرة غير مفهومة.. فسألتها علياء بقلق:

ـ يعني إيه ملفتة؟.. قصدك إيه يا نوني؟..

أمسكت نيرة كتفي علياء وهي تخبرها بهدوء:

ـ أنا عارفة أني قلت لك تحاولي تخلي يزيد يغير.. بس مش لازم مع مازن..

رفعت عليا يديها إلى وجهها وهي تشهق بقوة:

ـ يا خبر.. لا يا نيرة.. أنا مش ده كان قصدي.. أنا بس حبيت أرقص.. رجعت لذكرياتي مع ماما.. صحيح كنت بفكر بيزيد.. لكن ما حاولتش استخدم مازن أبداً..

سكتت قليلاً وهي تنزل يديها لتخبر نيرة بلهجة رقيقة:

ـ مازن ده إنسان جميل قوي.. هو أخد باله إني لوحدي وكده.. فعرض علي نرقص..

لمعت شرارات غضب في عيني نيرة:

ـ وبعدين عملتوا إيه في الفرانده بعد كده؟..

أجابت عليا بنفس اللهجة الرقيقة:

ـ نيرة.. هو مازن يهمك؟.. أقصد..

أشاحت نيرة بيدها وهي تنفي بقوة:

ـ لا طبعاً.. أنتِ بتقولي إيه.. أنا بس مش عاوزة تحصل مشاكل.. خاصة أنه مازن ويزيد أصحاب قوي..

أومأت عليا برأسها بتفهم وشيء بداخلها يخبرها أن الأمر أكبر من هذا.. هي لا تجهل طبيعة نيرة الأنانية.. فهل غضبت نيرة لأن علياء جذبت منها الأنظار؟.. أم لأن عقلها الملتوي صور لها أن علياء تحاول خطف عاشقها المتيم...

************

ـ مازن.. أبعد عن علياء.. ما تدخلهاش في صراع هي ما لهاش فيه..

كانت تلك كلمات يزيد التي وجهها مباشرة إلى مازن فور إن التقى وجهيهما..

أجابه مازن بعجب:

ـ صراع!!.. صراع إيه..

ـ بص.. أنت عايز نيرة تغير.. وتفوق من هوسها بحسن.. بس..

قاطعه مازن بغضب:

ـ يزيد.. أوعى.. شوف أوعى يجي على بالك للحظة واحدة أني ممكن أعمل أي حاجة عشان ألفت انتباه نيرة.. خطيبة أخويا.. فاهم..

أجابه يزيد بقوة:

ـ خطيبة أخوك اللي هو مش عايزها..

ـ حتى لو هو مش عايزها.. لكنها في الأول والآخر شايلة دبلة عليها اسمه.. يعني شايلة اسمه.. ومش أنا اللي أطعن أخويا في ضهره..

ـ أومال ليه الرقصة؟..

أجابه بسخرية:

ـ يمكن عايز حد تاني يفوق!!

صرخ به يزيد:

ـ وبعدين معاك بقى في التلميحات دي؟

وضع مازن يده على كتف يزيد وهو يخبره بهدوء:

ـ يزيد.. فكر كويس قوي قبل ما تتسرع في جوازك لمجرد إنك بتهرب أو بتراضي أي حد على حساب نفسك.. دور شوف يكون في مشاعر جواك ناحية عليا.. البنت بتحبك.. أي أعمى ممكن يشوف مشاعرها في عينيها..

قبل أن يرد يزيد بأي كلمة دخل حسن إلى الشرفة ليجدهما يتهماسان معاً فصاح بهما في غيظ:

ـ أنتوا هنا!!!.. بتعملوا إيه... أنا قاعد لوحدي بقى لي ساعة..

افتعل يزيد ضحكة قصيرة:

ـ يعني الحق علينا اللي بنفضي لك الجو مع نيرة هانم..

دفعه حسن في كتفه بغيظ:

ـ أيوه.. اتريق اتريق.. ما هو أنا بقيت النكتة بتاعتك اليومين دول.. بس اطمن.. نيرة هانم راحت تصلح مكياجها..

ضحك يزيد وهو يخبره:

ـ أيوه.. وريناد كمان.. نفسي أعرف مين اللي كسره لهم..

ضرب حسن كفه بجبهته وهو يتصنع الخوف:

ـ ريناد مع نيرة في مكان واحد.. لازم نستعين بقوات مكافحة الشغب..

ضحك الرجال الثلاثة معاً.. وهم يتبادلون المزاح قليلاً ثم تحول حوارهم إلى العمل وأحوال السوق وما إلى ذلك.. حتى نظر يزيد إلى ساعته واستأذن من صديقيه لليذهب بحثاً عن ريناد.. فأخبره حسن:

ـ أنا اتفقت مع نيرة أننا نوصل عليا..

فأشار له يزيد بابهامه علامة الموافقة.. ثم ذهب بحثاً عن خطيبته بينما التفت مازن إلى حسن:

ـ عم نصر وافق على العرض..

تنهد حست بارتياح:

ـ بجد يا مازن.. الحمد لله.. كده ابقى ارتحت من ناحية عم نصر.. وبعدته عن أذى بابا.. على الأقل مش هيكون مهدد بقطع عيشه..

ـ بس أنت عارف بابا.. وأنت فاكر باقي تهديداته.

أومأ حسن موافقاً:

ـ ايوه فاكر.. والحل الوحيد إني أتجوز منى بسرعة.. أنا كنت ناوي استناها أما تخلص الكلية السنة دي.. لكن كل ما اتحركت أسرع كل ما كان أفضل.. لأن بأي حال من الأحوال بابا مش هيقدر ينفذ تهديده وهي مراتي.. هيخاف على اسمه..

ـ تفتكر يا حسن؟

ـ أيوه.. هو أهم حاجة عنده الاسم والسمعة.. لكن ده مش معناه أنه هيسكت.. أكيد هيقلب الدنيا.. بس خلي كل شيء لوقته.. أنا ماشي خطوة بخطوة.. وعندي ثقة كبيرة في ربنا إنه يساعدني..

ربت مازن على كتفه:

ـ ربنا معاك يا حسن..

****************

دلف يزيد إلى غرفته وأغلق الباب خلفه وهو يزفر بحنق.. لا يدري ماذا أصابه.. ولا يستطيع وصف مشاعره.. إنه غاضب..

كلا.. بل أنه محبط..

كلا.. كلا..

إنه غاضب لأنه محبط..

بل غاضب لأنه غير قادر على إيجاد سبب وجيه لإحباطه ذاك..

وذلك يشعره باختناق شديد..

خلع سترته بغضب واتبعها بربطة عنقه.. وفتح عدة أزرار من قميصه ولكن شعوره بالاختناق لم يقل.. فاتجه نحو النافذة ليفتحها على مصرعيها ويأخذ نفس عميق.. ليطلقه بعد ذلك بزفير ساخن.. يحمل سخونة قبلاته لريناد منذ قليل..

ابتسم ابتسامة بلا معنى وهو يتذكر إيصاله لريناد إلى منزلها منذ قليل..

لقد توقف بالسيارة أمام الباب الداخلي للفيلا.. وأوقف السيارة ليسمعها تلقي عليه تحيتها المعتادة.. وانتظر خروجها من السيارة ولكنها ظلت جالسة بجواره ترمقه بنظرات طويلة.. ثم سألته أخيراً:

ـ مالك يا يزيد؟؟ أنت زعلان مني؟.

هز رأسه نفياً:

ـ لا طبعاً.. هزعل ليه؟..

ـ عشان موضوع تأجيل جوازنا.. وعشان تغييري المستمر في ديكور البيت.. والله أنا نفسي أكون معاك.. بس مش بقدر أسيطر على إحساسي أنه كل حاجة لازم تكون مثالية زي ما تخيلتها بالظبط.. أرجوك يا يزيد.. حاول تفهمني..

أطرق يزيد برأسه ولم يجب عليها.. إنه مدرك لذلك الهوس الشديد الذي تعاني منه حول فكرة المثالية والكمال في كل شيء.. ولكنه بحاجة إليها.. يريدها إلى جواره.. يحتاج حبها أن ينزع من تفكيره أي خيال عن فراشة الحفل.. نعم.. لقد سمع اللقب الذي أطلقه عليها جمهور الحفل الليلة.. كم يناسبها لقب الفراشة.. فهي ناعمة رقيقة.. سريعة العطب مثل الفراشة بالضبط..

سمع ريناد تناديه بدلال:

ـ يزيد.. زيزو.. رد علي..

التفت لها ليجيبها برقة:

ـ أيوه.. يا ريناد.. أنا فاهم كويس ومقدر والله.. بس عايزك جنبي..

شعر بأصابع ريناد الرفيعة وهي تتلمس كم بذلته وهي تهمس له:

ـ طيب ما أنا كمان عايزاك جنبي..

التفت لها وفوجئ بنظراتها المغوية والتي يلمحها في عينيها للمرة الأولى.. وأناملها التي مازالت تداعب ذراعه بإلحاح.. فما كان منه إلا أن أحنى رأسه ببطء ليقترب من شفتيها وهو يتوقع تهربها منه كالعادة.. ولكنها وعلى الغير المتوقع رحبت بقبلته, بل وبادلته إياها.. قبلة استمرت واستمرت.. بل إنها رفعت ذراعيها لتطوق عنقه وكأنها شعرت أن أفكاره جمحت بعيداً.. بعيداً عنها, فأرادت تطويقه بشبكة جاذبيتها وحبها الذي يستجديه منها في كل مرة وهي تقابله بالدلال والتغليّ..

خبط يزيد إطار النافذة بغيظ.. أخيراً.. نال قبلة من حبيبته المتمردة.. لابد أن يكون في أقصى درجات السعادة والنشوى.. فلماذا يشعر بهذا الإحباط.. هذا الخواء الشديد بداخله.. وكأنه لم يحلم بتلك القبلة لسنوات.. فلماذا هذا الإحساس المقيت بداخله الذي يطالب بالاكتفاء.. لماذا تركته ريناد كالعطشان الذي أطفأ ظمأه بماء البحر.. لم يرتوي بل ازداد ظمأً.. فلا هو ارتوى.. ولا ظل على عطشه القديم.. بل أدرك أن ماء البحر لن يطفأ ظمأه أبداً..

ازداد إحساسه بالاختناق فخلع قميصه ليرميه بعيداً.. ودخل إلى الحمام حيث ألقى برأسه تحت الماء البارد حتى يهدأ من فوران أفكاره..

شعرت عليا بارتجاف كل خلية بجسدها.. دقات قلبها تدوي كطبول الحرب.. أنفاسها تتسارع وكأنها تعدو هاربة من خطر داهم.. وأخذت تلوم نفسها وتعنفها ألف مرة على تهورها الخطر فهي لا تعلم ماذا دهاها لتستمع لنصيحة نيرة...

"اضربي الحديد وهو سخن.. ده عينه كانت هتطلع عليكِ الليلة"

ونفذت علياء النصيحة بحذافيرها فلم تخلع ثوبها بعد عودتها من الحفل وظلت ساهرة بانتظار عودة يزيد بعدما قام بايصال ريناد.. وتوجهت إلى غرفته وطرقت الباب بخفة ثم فتحته ودخلت بسرعة قبل أن يلمحها أي من سكان المنزل...

خرج يزيد من الحمام ليفاجئ بعلياء في غرفته فهتف بها في غضب:

ـ أنتِ بتعملي ايه هنا؟..

ما أن لمحته علياء عاري الصدر حتى هربت منها الكلمات.. ولم تعرف أين تذهب بنظرها أو ماذا تخبره.. فبدأت تتلعثم بكلماتها:

ـ أنا.. أنا.. أصل...

جذبها من مرفقها بقوة وهو يصيح بها:

ـ أصل إيه وفصل إيه!!.. إيه اللي جايبك أوضتي في الوقت المتأخر دا يا علياء؟

رفعت قبضتها تضغطها بين أسنانها وهي تحاول التحكم في رجفتها.. واسترجاع كلمات نيرة بأن تحاول استمالته والاقتراب منه, بل وملامسته إن أمكن..

حاولت تحريك يدها لتضعها على صدره لكنها تذكرت عريه فشهقت بقوة.. وأدركت أنها أضعف من أن تبدأ بالمحاولة فلم تستطع سوى التفوه ببضعة كلمات تافهة:

ـ أنت.. أنت ما قولتليش رأيك إيه في فستاني؟

ترك مرفقها وهو يزفر بغضب ويصيح بها:

ـ أنتِ بتهزري!!.. جاية أوضتي وش الفجر عشان تسأليني على فستانك؟.. أنتِ ناوية على إيه؟.. مش كفاية عرض الليلة مع مازن!!

سألته بتردد:

ـ أنت شوفت الرقصة؟.. عجبتك؟..

أمسكها من ذراعيها وهو يهزها بشدة:

ـ عايزة إيه يا علياء؟.. أنتِ هنا ليه؟..

استمر في هزها بقوة مما دفع الدموع للتقافز من بين أجفانها فبدأت تفتحها وتغلقها بسرعة.. وارتعشت شفتيها بشدة فعضت عليها بخوف..

تسارعت وتيرة أنفاسها فازداد ارتفاع وانخفاض صدرها... وتناثر شعرها على كتفيها ووجها وصدرها.. شهقت بعنف تحاول التقاط أنفاسها.. ولكن يزيد استمر في هزه لها وكأنه يريد التنفيس عن غضبه وإحباطه..

رفرفت برموشها محاولة إبعاد خصلاتها من على عينيها لتفاجئ بعينيه تبرقان بنظرات أرعبتها.. وهو يتأمل مظهرها وقد تناثر شعرها وبرقت عيناها بفعل ترقرق الدموع بهما واحمرار وجهها نتيجة هزه الشديد لها وارتجاف شفتيها الورديتين..

أرعبتها نظراته ولعنت نفسها لاستسلامها لخطط نيرة.. فهمست بخوف:

ـ يزيد..

كان صوتها هو القشة التي حطمت مقاومته فهبط برأسه سريعاً متناولاً شفتيها في قبلة قاسية متملكة وكأنه بالفعل ينفس عن إحباطه الذي تبخر في ثوانٍ.. وكأنه لم يكن.. ولكن غضبه اشتد من إدراكه لذلك فازدادت شراسة قبلته.. حتى شعر بملوحة دموعها بين شفتيه.. فدفعها بقوة بعيداً عن جسده الذي شعر به يكاد يحترق توقاً إليها.. وصرخ بها بعنف:

ـ اطلعي بره الأوضة دي دلوقتِ.. واستنيني في العربية.. أنت هتروحي المزرعة الليلة.. مش ممكن تنامي هنا الليلة.. مش ممكن..

نظرت له في ذهول وقد سقط أحد كتفي ثوبها فأظهر بشرتها اللامعة.. وتجمدت الدموع في عينيها وهي تضع أناملها على شفتيها المكدومة بفعل قبلته الشرسة..

صرخ بها ثانية وقد تمزق قلبه من مظهرها وصرخ به ضميره مؤنباً بينما جسده يصرخ مطالباً إياه بمعاودة تقبيلها:

ـ اخرجي دلوقتِ يا علياء...

انطلقت تعدو حتى وصلت إلى سيارته.. وهناك انطلقت دموعها ولم تتوقف حتى بعد أن أوصلها للمزرعة وانتظر حتى دخلت إلى منزل جده..

ليترك العنان لغضبه فأخذ يلكم مقود السيارة بجنون وهو يلعن نفسه ألف مرة لاستسلامه المخزي لأهوائه وغريزته البدائية.. فسبب الرعب لفتاة صغيرة..

لا ذنب لها..

"كيف لا ذنب لها؟"..

همس له شيطانه.. "إنها أتت بحثاً عن وصالك.. عن قبلاتك.. تستحق تماماً ما نالته"..

صرخ به ضميره..

"كلا.. هي مازالت طفلة ساذجة.. لقد أتت إليك لأنها تثق بك فحسب"..

"طفلة!!.. من ذابت بين ذراعيك ومنحتك تلك المتعة.. طفلة!!.. من شفت غليلك وروت ظمأك وأشعلت نيرانك.. طفلة!!.. ألا تريد الصعود إليها الآن وإكمال ما بدأته؟.. وخمن ماذا!!.. هي لن تمانع"..

ذلك ما همس به شيطانه..

صرخت أعماقه بعنف الصراع الدائر بها ليلقي برأسه فوق مقود السيارة..

"ريناد.. ليتك تنقذيني قبل فوات الأوان"...

*************

ألقت علياء بنفسها في أحد أركان غرفتها بعدما أوصدت بابها.. جمعت ثوبها حولها واحتضنت نفسها بقوة تاركة دموعها التي لم تتوقف منذ تركت الفيلا مع يزيد.. رفعت أناملها بضعف لتلمس شفتيها التي لا تزال متورمة بفعل تلك القبلة الشرسة التي انتهك بها يزيد براءة شفتيها..

"لقد سعيتِ لذلك.. ماذا كنتِ تنتظرين من ذهابك إلى غرفته؟.. هل كان سيربت على كتفك ويقص عليكِ حكاية ما قبل النوم!!"

صرخ بها عقلها..

"لم أكن أنتظر أن يكون بهذه القسوة.. لم أتخيل أن تكون قبلتي الأولى منه بتلك الشراسة.. ولكنني لست غاضبة منه.. فهو لم يقصد أذيتي.. بالتأكيد لم يقصد"

كان ذلك رد قلبها المهزوم بعشقه..

"أنتِ حمقاء.. ستجعلين من مشاعرك ممسحة لقدميه.. وجسدك متنفس لغضبه"

صرخ عقلها ثانية..

هزت رأسها برفض بينما يؤيدها قلبها الأحمق

"هو لم يقصد أذيتي.. لم يقصد أذيتي"..

*************

دلفت نيرة إلى المكتب الخاص بسكرتيرة حسن ورمقتها بنظرة متعالية.. ثم توجهت سريعاً نحو مكتب حسن بدون أن تتكبد عناء إلقاء التحية على سكرتيرته التي تحركت مسرعة محاولة منعها من الدخول على حسن:

ـ آنسة نيرة.. آسفة.. بس لازم أدي للبشمهندس حسن خبر الأول..

رمقتها نيرة بنظرة صاعقة:

ـ أفندم... أنتِ بتقولي إيه!!.. أنتِ عارفة أنا مين؟..

ـ أيوه والله عارفة بس دي الأوامر..

أبعدتها نيرة باستعلاء:

ـ الأوامر دي ما تمشيش عليَّ..

وفتحت الباب لتدخل على حسن الذي رفع رأسه على الفور وضاقت عينيه وهو يتأمل بلوزتها ذات فتحة الصدر الدائرية والتي كانت شفافة تماماً حتى أنه رأى حمالة صدرها بوضوح تام.. كانت ترتدي معها تنورة لم يكد طولها يصل لمنتصف فخذها مظهراً طول وجمال ساقيها الممشوقتين..

راقبها تتقدم نحوه حتى وصلت إلى مكتبه والتفت حوله لتقف أمام المقعد الذي يجلس عليه وتميل على وجهه لتقبله فحرك وجهه مانحاً إياها وجنته.. ليمنعها من تلقي القبلة التي تتوق إليها.. رفعت نفسها على مكتبه للتتكأ عليه بصورة جانبية مانحة حسن صورة في غاية الاغراء لجسدها المحني عليه وهي تهمس له وتداعب وجنته بأناملها الناعمة:

ـ إيه رأيك في المفاجأة دي؟..

تحرك حسن بعدم ارتياح في مقعده وحاول النهوض منه إلا أنها انزلقت من فوق المكتب لتحتك به تماماً في نفس اللحظة التي تمكن بها من النهوض..

ارتبك حسن قليلاً وحاول أن يبعدها عنه إلا أنها اقتربت لتطوق عنقه بذراعيها وهي تهمس له:

ـ وحشتني.. وحشتني قوي..

فك تشابك ذراعيها من حول عنقه وهو يجيبها برسمية:

ـ شكراً!..

ضربت نيرة الأرض بقدمها حنقاً وهي تتصنع الألم ولكن كان غضبها حقيقي:

ـ وبعدين بقى يا حسن في طريقتك دي..

أجاب بهدوء مستفز:

ـ وبعدين إيه يا نيرة.. إحنا في مكان شغل ما ينفعش فيه الحركات دي.. وبعدين إحنا مع بعض كل يوم.. مش معقول يعني لحقت أوحشك..

ـ هو أنت هتعد علي الساعات اللي بنقضيها سوا!!.. مش هو ده المفروض.. إننا نقرب من بعض أكتر..

مسح حسن وجهه بكفيه في تعب.. فهو مجهد.. مستنفذ.. عاطفياً وبدنياً فمنذ أسبوع كامل بالتحديد منذ ليلة الحفل ونيرة تصر على التواجد أمامه في كل وقت وكل لحظة.. وهو يحاول مجاراتها.. على قدر ما يستطيع.. ولكنه أوشك بالفعل على الانفجار غضباً وغيظاً.. خاصة إن منى تكتفي برسائلها المسائية فقط.. ولا تجيب على أي من مكالماته.. لقد اتصل بها فوق الألف مرة في هذا الأسبوع.. وهي مازالت متمسكة بصمودها ومبدأها.. ما يعزيه قليلاً أن عم نصر ترك العمل مع والده بالفعل وبدأ بالعمل على السيارة الأجرة التي ابتاعها من أجله..

رن جرس الهاتف الخاص بحسن بنغمة تمنى لو يسمعها منذ أسبوع كامل.. فالتفت بلهفة- لم تفت على نيرة- ليلتقط الهاتف بسرعة.. وهو يتأمله بفرحة ويخبر نيرة بعجلة:

ـ آسف يا نيرة.. تليفون مهم.. لازم أرد عليه..

رفعت حاجباً واحداً وهي ترد باستفزاز وقد أدركت هوية المتصل:

ـ ما ترد.. هو أنا منعتك؟!!

ارتبك قليلاً:

ـ أصل.. ده عميل مهم.. والشغل اللي بينا سري..

لوت شفتيها بسخرية بالغة:

ـ عميل!!.. والعميل بتخصص له نغمة "حبيبي يا عاشق"!!..

ـ قصدك إيه يا نيرة؟

ـ قصدي معروف.. وقصدك أنت كمان.. بس أنا مش هسكت.. ومش هستسلم.. باي يا خطيبي يا حبيبي..




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close