رواية اكتفيت منك عشقا الجزء الثاني الفصل الخامس 5 بقلم فاطمة محمد
اكتفيتُ منكَ عشقًا
(الجزء الثاني)
الفصل الخامس:
'الحب الحقيقي : أن تحب الشخص الوحيد القادر أن يجعلك تعيسا.'
- أنيس منصور.
3
"أخــطـــاء الآبــــاء لا يـــدفـــع ثـــمـــنـــهــا ســــوى الأبـــنـــاء"
2
-نعم!! أنت هتستعبط ولا إيه، أنت بعضمة لسانك اللي قولت أنك شوفت العربية وصاحبها من ظهره، يبقى ازاي بتسأل؟
قالتها بملامح متوحشة، مستنكرة حديثه، ثم تبادلت النظرات المتعجبة المنزعجة مع سليم الذي التفت تجاه البواب وردد مرة أخرى:
-ركز معايا الله يباركلك، من فترة طويلة قبل ما أفنان تمشي من العمارة هنا، في واحد غريب جه وساعتها أنت اللي ساعدتهم أنهم يوصلوله لما شوفت رقم العربية وقولت أن صاحبها كان شاب وأنك شوفته من ظهره…
حلت التقطيبة ملامح البواب مستمعًا لذلك الحديث للمرة الأولى، فنفى برأسه وقال بصدق:
-محصلش يا ساعة البية، وبعدين واحد غريب جه هسيبه ازاي يطلع العمارة طرطور أنا ولا إيه ولا تكونش عمارة من غير بواب، ده أنا مبسبش العمارة أبدًا…
تسمرت بل تجمدت مكانها مثلما تجمدت الكلمات على طرف لسانها...ازدادت ضربات قلبها وبدأ صدرها يعلو ويهبط، مشاعر عديدة هاجمتها بتلك اللحظة وتساؤلات أكثر فـ أكثر…
هناك شيء خاطئ بالتأكيد!!!!
كانت أعين سليم لها كالمرصاد يشعر بتخبطها فوجهها وملامحها التي تتبدل تفضحها، وتفضح ما تشعر به من تساؤلات…
رفع سليم يديه وضغظ برفق على ذراعيها يحثها على التحرك معه، فلم يتبقى داعي لوجودهم بعدما نفى البواب ما قصه عليها عاصم و فوزي….
-يلا يا أفنان.
تحركت معه كالقط الوديع، ويداه لا تزال تلمس ذراعيها وهو يسحبها بهدوء و روية حتى وصلا أمام سيارته..
توقفت عن المسير وهى تطالعه بتشتت، قائلة وهى تشير بأصبعها تجاه البواب بتوهان وقسمات شاحبة:
-أنت سمعته قال إيه؟! في حاجة غلط في الموضوع، أنا حاسة اني مش فاهمة أي حاجة يا سليم!!
وقف قبالتها وأخفض يداه عنها، ماسحًا على وجهه بضيق، ثوانِ وكان التردد يظهر على محياه، متحدثًا بإقتضاب :
-أنا بقى فهمت، وكدة في حاجة من اتنين ملهمش تالت يا البواب ده بيكدب، يا عاصم أخوكي هو اللي بيكدب…
انكمشت ملامحها ضيقًا وهدرت فيه بعصبية وأنفعال ملوحة بيديها بالهواء:
-أنت مجنون، أكيد مش عاصم اللي بيكدب، اكيد البواب حد دفعله، انا لازم أكلم عاصم، أيوة هكلمه..
تحركت قليلًا محاولة ولوج السيارة والتقاط حقيبتها كي تخرج هاتفها وتحادثه، لكن أوقفها قبضة سليم وصوته المحتد قائلًا:
-لا مينفعش تكلميه.
ردت بوجوم وهى تحرر ذراعيها:
-لا ينفع، البواب ده وراه حاجة أنا متأكدة، ما هو مستحيل يبقى عاصم أنت فاهم..
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يقول دفعة واحدة:
-طيب، اهدي دلوقتي واسمعي مني، مدام أنتِ واثقة في عاصم يبقى خلاص خايفة من إيه، أحنا دلوقتي خلينا نشوف ونسأل عن البواب ده، ونشوف هيطلع وراه حد و لا لا..
ازدردت ريقها وقد هدأت نسبيًا، مرددة بأستفسار:
-وهنعرف ازاي؟!
رد بهدوء :
-أكيد لو وراه حاجة هنعرف، وممكن نشوف عنده إيه وجابهم امتى لو بعد حادثة هنعرف، كل حاجة وليها طريقة، يلا اركبي دلوقتي، خلينا نطلع على المحل…
6
+
دقات عالية على الباب ازعجتها بشدة، فكادت تنهض من على الفراش وتفتحه لولا خروجه من دورة المياة وفتحه للباب، متجاهلًا وجودها…
فتح الباب فوجد والدته أمامه وخلفها الخادمة تحمل صينية معبأة بالأطعمة..
رسم إياس بسمة زائفة مؤقته على وجهه، وهو يشكرها ومبادرتها بتلك الحركة اللطيفة:
-تسلم أيدك يا ماما مكنش في داعي…
كادت تجيبه لولا قدوم تقى التي ما أن استمعت حديثه وعلمت بأن والدته هى الطارقة، حتى هبت من على الفراش وقطعت المسافة بينهم واقفة بجوار إياس حد الالتصاق، ويديها تعبث بخصلاتها واضعة إياهم بجانب واحدة متحدثة بدلال ونعومة اشعلت صدر سامية:
-صباح الخير يا ماما، مكنش فيه داعي تتعبي نفسك…
رمقتها سامية من أعلاها لأسفلها بتفحص، كارهه دلالها الزائد، والتصاقها بها لتلك الدرجة أمامهم دون خجل، تجاهلهتا، وتبسم وجهها لابنها، قائلة:
-كُل يا حبيبي، أنا جيبالك الأكل، صحيح أنت مش كنت ناوي تسافر اخوك قالي الصبح.
اغتاظت تقى، وأجابت بدلًا من إياس الذي كان يحاول عصر ذهنه لإيجاد جواب مناسب..
أنقذته تقى وردت وهى تبتعد قليلًا عنه:
-لغيناها، مش وقتها بصراحة الواحد تعبان من امبارح ومن تحضيرات الفرح مش كدة يا حبيبي…
قالت الأخيرة وهى ترفع يديها تمسد على خصلاته، مما ازعجه كثيرًا وقرر الحديث معها في ذلك الشأن عقب رحيلهم حتى لا يجرحها أمامهم فبالنهاية إذا تطاول عليها أمامهم لن يحترمها أحد…
هنا ولم تتحمل سامية، التقطت الصينية من الخادمة وآمرتها بالذهاب، اطاعتها نعمة الخادمة، وتركتها بمفردها معهم…
وضعت الطاولة بين يد ابنها، وهى تصيح عليها بصوت خافت، موجهه كامل نظراتها لها:
-ما تحترمي نفسك يا بت، إيه شغل الدلع الماسخ ده، على الأقل احترمي وجودي، إيه ده أول مرة اشوف كدة!!!
عضت تقى على شفتيها بأسف وخجل مصطنع وقالت مبتعدة عنه تاركة بعض المسافة بينهم:
-إيه ده والله ما قصدي، أنا بحترم حضرتك ومش قصدي اضايقك يا ماما…
هتفت الأخيرة فصاحت سامية من بين اسنانها:
-ماما في عينك، متقوليهاش تاني و
كادت تكمل لولا إياس الذي أوقفها، قائلًا :
-ماما مش كدة لو سمحتي، وبعدين عايزاها تقولك إيه يعني، تقولك طنط، قوليها طنط بعد كدة يا تقى وخشي جوة..
أجابته بنعومة وهى تكاد ترفرف من دفاعه عنها:
-حاضر، عن إذنك يا طنط..
اتكأت على الحروف الأخيرة راغبة في غيظها، فلم يغب عن إياس، فحرك رأسه بيأس، وما لبث يتحدث مع والدته حتى وجدها تغادر من أمامه …
أغلق الباب والتفت يبحث عنها فوجدها تتوسط الفراش وابتسامة طفيفة على وجهها، وضع الصينية من يده واقترب منها و وقف أمام الفراش وقال بتحذير:
-أول وأخر مرة اللي حصل ده يكرر تاني، انا مردتش اكسفك قدامهم بس ماما معاها حق اسلوبك ده مينفعش، وبعدين هو أنتِ مكسفتيش وأنتِ لازقة فيا قدامهم…
لوت شفتيها و وقفت على ركبتيها تسير عليهم وهى تقترب منه، متمتمة بنفي:
-تؤتؤ متكسفتش بصراحة حبيت استغل الفرصة، واقرب منك، وبصراحة اكتر نفسي احضنك، ومدام نفسي فيها يبقى مش هتردد وهعملها…
قالت الأخيرة وهى تباغتة بإحتضانها له محاوطة خصره بكلتا يديها، واضعة رأسها على صدره، متشبته به بقوة كالأطفال الذين يهابون فقدان شيء، هاتفة بترجي وتنهيدة طويلة:
-خليك يا إياس، عايزة افضل في حضنك، عشان خاطري متحرمنيش منك، أنا بحبك أووي..
كان يستمع لحديثها بجسد متصلب مصدوم من فعلتها وتشبتها به بتلك الطريقة، نفخ مطولًا واحتار كثيرًا….
ايرفع يداه ويبادلها عناقها أو يبتعد عنها….
شعرت بحيرته بتلك فرفعت رأسها تطالعه بملامحها المتذمرة:
-برضو زعلان؟
تمعن النظر به وثوانِ كان يرفع يداه محررًا ذاته من قبضتها…
متجهًا صوب الكومود منتشلًا هاتفه، متحركة تجاه المقعد القابع جوار الفراش جالسًا عليه واضعًا قدم فوق الأخرى منشغلًا بهاتفه أو هكذا جعلها تظن…
أما هى فكانت تتابعه بدهشة، فمن المفترض أنه لها عاشقًا فكيف ما زال يقاومها ولم يضعف أمامها حتى الآن فلو كان جليدًا لذاب من لمساتها الأنثوية ودلالها المفرط….
21
____________
+
دوت كلمات تلك الأغنية عاليًا في غرفتها الصغيرة التي تتشاركها مع شقيقتها وهى تتمايل أمام المرآة بدلال تتراقص مع كلمات الأغنية منسجمة معها لأقصى درجة، مكررة كلماتها بخفوت…
غافلة عن وصول شقيقتها رفقة علياء المنزل، واستماعهم لتلك الضجة القادمة من غرفتها، تبادلت رحمة النظرات مع علياء وساروا على أطراف أصابعهم تجاه الغرفة مراقبين إياها كابحين ضحكتهم…
تمايلت بنعومة وهى تهتف تلك الكلمات بأندماج جلي رامقة صورتها المنعكسة في المرآة:
أشوف فيك يوم وألاقيك تعبان بجرحك، وبتشكي عشان اسامحك، تشكيلي وانا افضل اضحك وافرح من قلبي فيك..
توقفت فجأة وهى تستمع لتلك الضحكات العالية من خلفها، استدارت سريعًا بفزع، متفاجئة من تلك الأصوات فمن المفترض أنها بمفردها….
تبخر فزعها بلحظة وهى تهرول تجاه علياء محتضنة إياها بأشتياق متلفظة اسمها لا تصدق أنها تراها:
-علياء، وحشاني اوووي يخربيتك، أنا قولت ماتت.
بادلتها علياء أحضتنها وقالت من بين ضحكاتها:
-فال الله ولا فالك يا شيخة، أنا لسة صغيرة.
ابتعدت مريم عنها وهى تجيبها بتأثر مصطنع:
-الموت ميعرفش كبير من صغير قادر ربنا كدة وأنتِ واقفة وسطينا نلاقيكي وقعتي مرة واحدة و ودعتينا..
جحظت عين علياء وحدقت رحمة التي قهقهت عاليًا ضاربة مريم برفق:
-بس يا مريم يا بومة…
-هو ده اللي ربنا قدرك عليه، بس يا مريم، دي البت دي هتجيب أجلي أنا حاسة…
دنت منها مريم معانقة عنقها بذراعيها، مغمغمة بمرح:
-بعد الشر عليكي يا كوكو، قوليلي بقى ما الذي جاء بكِ إلى هنا يا فتاة، اتلك صدفة أم ماذا؟
امتعضت ملامح علياء باشمئزاز فقالت رحمة مشيرة تجاه مريم:
-اتفضلي اهى قلبت على كرتون مدبلج، بقولك إيه ما تخديهاش وتدينا مكانها تلاجة ولا غسالة والله تنفعنا عنها..
أجابت علياء موافقة على حديثها:
-والله أي حاجة غير مريم تنفعكم فعلًا.
تجعد وجه مريم ضيقًا زائفًا وقالت مقلدة إياهم:
-ههه ظريفة أووي أنتِ وهى، قوليلي بقى إيه اللي فكرك بينا، وفين ملك وأفنان، وصحيح ملك أطلقت وقاعدة عندك
تنهدت علياء واماءت لها:
-أيوة، بس أنتِ عرفتي منين؟
ردت مريم بتلقائية:
-دي الحارة كلها عرفت، اصل من فترة أم إسلام الولية الحيزبونة دي، جت هنا واتخانقت مع ابلتي فادية، بس إيه أبلة فادية مسكتتش ومسكتها وهاتك يا ضرب وقلة قيمة.
ابتسمت علياء و وضعت يديها على فمها بعدم تصديق وقالت:
-قولي والله ضربتها.
-والله ضربتها، والموضوع من بعديها اتعرف في الحارة، ومبقاش في حد ميعرفش أن ملك أطلقت وقاعدة عندك، والله كان نفسي اشارك في الضرب بس وقتي مكنش يسنح بتلك الفرصة، بقولك إيه ما تخديني انا كمان اقعد معاكي وتكسبي فيا ثواب الحارة مبقاش ليها طعم من بعد ما ملك مشيت منها، وانتم رجلكم انقطعت من هنا ومبقتوش تيجوا تقعدوت معانا زي زمان.
ما لبثت علياء تجيبها، لولا فعلة رحمة وهى التقاطها لـ خفها المنزلي وتصويبة تجاه مريم متمتمة بتذكر وغيظ في آن واحد:
-تروحي فين يا حيوانه، وبعدين هى دي المذاكرة يا بت، بترقصي قدام المرايا وتسمعي اغاني…
اكفهر وجهه مريم قائلة:
-الاه ما أنا تعبت من الصبح بذاكر، فيها إيه يعني لما افك عن نفسي شوية، هى المذاكرة هطير…
-لا ياختي مش هطير أنتِ اللي هطيري وهتفارقينا لو سقطتي السنة دي كمان، يلا يا ساقطة ثانوية عامة..
كزت مريم على أسنانها وقالت مشيرة تجاه رحمة بغيظ موجهه حديثها لـ علياء:
-شايفة يا علياء الأفتراء بتاعها، بتعايرني عشان سقطت السنة اللي فاتت، بدل ما تشجعني عشان انجح السنة دي…
تنهدت علياء وهى تتقدم من الأريكة:
-لا لا انا مش حملك أنتِ وهى الله يكون في عونك يا هيما ليك الجنة، ده أنتم كلتوا دماغ أمي من ساعة ما دخلت…
10
_______________
+
وصلا أمام المحل فترجلت هى من السيارة أولًا، وخطت بساقيها تجاه المحل، أما هو فلحق بها حتى سار بجوارها، متمتم بنبرة غلفها حنان دفين نبع من مشاعره المتأججة تجاهها:
-تعالِ اقعدي معايا في المكتب عقبال ما اطلبلك حاجة سخنة تشريبها تهدي اعصابك شوية، إيه رأيك؟
أجابته وهى تدفع باب المحل الزجاجي:
-أنا كويسة الحمدلله وهادية مش بشد في شعري ولا بفكر اقطع شراييني، أنا اقوى بكتير مما أنت متخيل..
ابتسم لها بأعجاب وتحدث من زوايا فمه محاولًا المرح معها:
-أنت اقوى من المخدرات..
قطبت حاجبيها متعجبة من مزاحة ذلك، فألتفتت سارقة نظرة له قائلة وهى تكمل سيرها تجاه مكتبه:
-حد قالك قبل كدة أنك دمك بيبقى تقيل لما بتحاول تبقى شخصية مرحة وكوميدية، يعني بصراحة مش لايق عليك، القتامة لايقة عليك أكتر صدقني…
كان يلاحظ خطواتها تجاه مكتبه، فـ ضاقت عيناه قليلًا بتساؤل مجيبًا على حديثها بتلميح ماكر وهما يقفان على باب المكتب:
-معاكي حق، انا نفسي بحس أنه دمي بيبقى تقيل، بس اعمل إيه بحاول اقلدك، وأبقى حلو في كل حالاتي بس مش عارف، قوليلي هو أنتِ حلوة كدة طبيعي ولا عمليات تجميل..
لاحت بسمة بسيطة على وجهها ظن لوهله أنه يتخيلها، ولكن لا... لم يكن يتخيل أو يتوهم، فهى ابتسمت حقًا، لكن سرعان ما أخفت بسمتها واتخذت من البرود والجدية قناعًا لها، و ولجت المكتب تهربًا منه…
لحق بها سعيدًا بأستجابتها مع حديثه، متفهمًا ما تحاول فعله…
جلست أمام المكتب، فجلس أمامها تلك المرة قائلًا بجدية زائفة :
-قوليلي هو أنتِ لو ضحكتي يحصلك حاجة، تموتي، يجيلك شلل !!!
لم تتفهم مغزى كلماته فقال موضحًا وهو ينحني للأمام قليلًا بجذعه:
-اضحكي يا بنتي، قربت اشك أنك معندكيش سنان والله، طب قوليلي انتي عندك سنان، مسوسة صح..
رمقته بأشمئزاز وخرج صوتها مستنكرًا:
-أنت بتقول إيه ؟
-بقولك اضحكي، وشك اشتكى من التكشيرة يخربيتك، هيحصل ايه يعني لو ضحكتي، انا عايزك تضحكي، واجهي كل حاجة بضحكة جميلة من وشك، أنتِ لسة قيلالي أنك قوية واقوى مما اتخيل كمان، طب لية بقى مبتضحكيش، ليه البرود اللي أنتِ رسماه ده، هيحصل إيه يعني اكتر من اللي حصل…
خلي الضحكة ترجع لوشك تاني يا أفنان، بلاش الوش الخشب ده، مش لايق عليكي صدقيني، الوش والملاحم الحلوة دي مينفعش تفضل مكشرة كدة علطول…
ظلت تبادله النظرات بعيناها المذهبة والمسكره لعقله والآسره لفؤادة الذي يلتاع ، نهضت من مكانها وحرمته من ذلك النعيم الذي كان يعيشه منذ لحظات، قائلة وهى تمد يدها أمام وجهه:
-هات مفاتيح العربية.
تنحنح قبل أن يجيب بأستفهام:
-لية!
-أنت خلتني اسيب عربيتي واجي معاك يبقى تديني المفتاح بقى من غير ما تسألني ومتخافش مش باكل عربيات أنا..
تحرك قليلًا في جلسته مخرجًا مفاتيح السيارة دون تردد وهو يضعها بين يداها لامسًا يداها عن عمد متمتم بنبرة هامسة
-اتفضلي..
توترت وخجلت من تلك اللمسة بل سارت رعشة طفيفة لم تستمر لـ ثوانِ، ساحبة يداها بجوارها ثانية مغادرة المكتب تحت مقلتاه التي تتابعها حتى اختفت تمامًا….
14
_____________
+
في إحدى المنازل المتواجدة في منطقة معزولة من السكان…
كان يجلس على إحدى المقاعد الخشبية مقيدًا أيضًا تلك المرة، كانت حالته تشبهه سابقها، ولكن كان الفارق الوحيد هو سكونه التام واستسلامه الغير معهود….
متذكرًا حديث فوزي عن ابنته…
كيف قام باختطافها وهى صغيرة..
جعلها تتعايش كذبة طوال تلك السنوات…
كيف لشخص أن يفعل ذلك، أليس لديه قلب..
ألم يتألم من أجلها...وهو يفعل بها تلك الفعلة الخالية من الرحمة والشفقة!
اجتلج قلبه، وشعر بوجزات حادة به…
كان دائمًا لا يصدق تلك المقولة التي تقول بأن أخطاء الآباء لا يدفع ثمنها سوى الأبناء ولكن الآن بات على يقينًا تام بصدقها..
فلم يدفع أحد ثمن فعلته سوى ابنته التي تكرهه وتظنه عدوًا لها…
تمتم بخفوت بينه وبين نفسه فلا يستطع التحدث بفضل ذلك اللاصق مجددًا:
-ازاي ..ازاي جالة قلب يعمل فيها كدة، ده هو اللي رباها…
أغمض عيناه وجعًا وعاتبه ضميره، قائلًا بسخرية:
-أنت اللي بتقول ازاي، نسيت اللي اذيتهم بكل دم بارد، أنت اخر واحد المفروض يعاتب، أنت السبب في اللي حصل لبنتك، كنت دايمًا مش شايف غير نفسك، دي نتيجة انانيتك…
وعمايلك الوسخة، اللي عملته في بنات الناس اتعمل في بنتك، كنت فاكر نفسك هتفضل تأذي تأذي من غير عقاب ربنا مبينساش حد، يمهل ولا يهمل….
هنا وأراد الصراخ عاليًا عله قلبه وضميره يرتاح، لكن بماذا يفيد الندم..
فقد تأذت ابنته وانتهى الأمر..
دخل ذلك الملثم فوجده على تلك الحالة، لم يهتم بحالته، جالسًا أمامه بطريقة عكسية على مقعد سحبة للتو…
ظل يناظره من خلف قناعة الأسود ذلك، وسعد يبادله نظراته تلك ببرود كأنه لا يهاب أو يخاف منه، وبعد ثوانِ تحرك قليلًا نازعًا اللاصق عن فمه….
وتحدث بخشونة:
-ها قولي مبسوط بضيافتك عندنا…
لم يجيب سعد، وأشاح بنظراته بعيدًا عنه، فزم ذلك الرجل الملثم فمه من أسفل القناع، وقال بتهكم:
-هو أنا مش بكلمك ولا أنت مبتكلمش مع رجالة…
هنا طالعة سعد ولم يتحدث سوى بكلمات معدودة:
-أنت مين؟
وخاطفني لية!!
مسبتش فوزي يقتلني لية؟
أطرق الرجل رأسه واجابه بكره و وعيد:
-الموت رحمة لأمثالك، أنت هتشرف معانا هنا شوية..
أما بقى أنا مين، فـ أنا العووووووو…
قال الأخيرة وضحكاته تصدر عاليًا مغادرًا من أمامه، حتى يجلب له بعض الطعام …..
خرج من الحجرة وقابل صديقه الأخر، والذي يرتدي قناعه هو الأخر فغمغم الأول:
-أنا رايح اجبله حاجة يطفحها يكشي الأكل يقف في زوره ونخلص منه، خش أنت اقعد معاه عقبال ما اجي..
اماء له الأخر وهو يغمغم:
-طب قولي باين حاجة من وشي…
نزع الاول قناعة بعنفوان وقال على مضض:
-يا بني هيبان حاجة ازاي، هتشلني خش للي متلقح جوة ده، لما نشوف اخرتها إيه، وبعدين فكرك لو شافنا هيعرفنا ….
أجابه الآخر بتأكيد وهو يلج الحجرة القابع فيها سعد:
-أنت أهبل يا بني، أكيد هيعرفنا، ده شيطان…
10
______________
+
-بقولك إيه يا رحمة، إيه رأيك تيجي تشتغلي معايا أنا وأفنان وملك؟
تهللت اسارير رحمة معقبة على حديثها بسعادة وهى تناول لـ علياء ذلك المشروب البارد الذي أعدته لها :
-بتكلمي جد، طب ايه نوع الشغل، يعني هشتغل إيه معاكم..
ردت علياء وهى تأخذ الكوب من يديها:
-كمان كام يوم افتتاح البيوتي سنتر بتاعنا، هو يعتبر خلص بس ناقصه حاجات بسيطة اووي، فـ إيه رأيك بقى!
-أيوة يعني هشتغل إيه برضو..
-هتعملي بادكير ومانكير، صبغات للشعر، وشغل من ده يعني وطبعا هعلمك كل حاجة متقلقيش…
اتسعت بسمتها قائلة بفرحة:
-روحى إلهي يسعدك ويديكي على قد نيتك يا طيبة يا اللي مفيش منك اتنين، خدي بوسة بقى، عشان رحمتيني من المرمطة وأني انزل ادور على شغل جديد.
قالتها وهى تطبع قبله مطولة على وجنتيها، فصاحت مريم التي تجلس معهم وتتابع حديثهم بأعتراض وتذمر:
-والله ده ظلم، وانا كمان عايزة اشتغل معاكم في البتاع ده..
رددت علياء كلماتها بمرح:
-بتاع!!
أنتِ بعد بتاع دي مسمعش صوتك ولا عايزة اشوفك حتى قال بتاع قال…
-ضايقتك بتاع طب الكوافير…
قذفتها علياء بالوسادة التي التقطتها من جوارها، مغمغمة:
-اسمة بيوتي سنتر يا جاهلة، وبعدين هو أنا مجنونه اخدك ده انت تطفشي الزبائن..
إلتوى فم مريم ببسمة ساخرة:
-يا سلام انا هطفشهم، ورحمة هتأكلهم رز بلبن يعني، دي أختشي دي خرابة اساليني أنا مش بعيد تحرقلك شعر زبونة ولا اتنين وتقفلك البتاع …
عضت رحمة على شفتيها وقالت بغيظ وهى تقترب منها تلكزها:
-يا بت متبقيش قطاعة ارزاق يخربيتك، وبعدين شغل إيه اللي عايزة تنزليه، يا ام ثانوية عامة أنتِ، ده أنتِ الطبق اللي بتأكلي فيه بترميه في الحوض، مبيهنش عليكي تغسلية، ولما اجي اكلمك تقوليلي بذاكر يا شيخة شالوكي وحطوا عليكي يا بعيدة…
-بس بس إيه وصلة الردح دي مش هتخلص ولا إيه…
قالتها علياء وهى تنظر لرحمة تارة ومريم تارة أخرى….
أما على الجانب الأخر…
استلم إبراهيم هاتفه متفحصًا إياه مغمغم بسعادة :
-ايوة كدة، والله وحشني الكام ساعة دول، كأنه ابني…
ابتسم الشاب الواقف بالسنترال وردد بمرح:
-اللي جابلك يخليلك يا اسطى عجوة…
صفعه هيما بخفة على رقبته متمتم بمرح:
-ويخليلك يا خفيف، حسابك كام؟
-عيب يا اسطى خليها علينا المرة دي..
-يااض عيب يااض أنت بتشتميني ولا إيه، عايز كام؟
-خلاص اللي تجيبة والله..
حاسب الشاب وخرج من السنترال، فوصلته العديد من الرسائل عن كم المكالمات والأرقام التي حاولت الوصول له…
زم شفتيه وصعد حافلته، وسرعان ما جاء برقمها وقام بمهاتفتها واضعًا الهاتف على اذنيه ساندًا إياه بكتفه، مديرًا محرك الحافلة حتى يغادر…
ارتفع رنين هاتفها وهى تجلس رفقتهم فوجدته رقمه فصاحت:
-اهو هيما بيتصل أخيرًا…
أجابته قائلة بسرعه، غير سامحة له بالحديث:
-كل ده يا هيما، بتصل عليك بقالي كتير، أنا عندكم في البيت، تعالالي حالًا عايزاك..
أغلقت في وجهه، فنظر في الهاتف وضرب كف بالأخر، هامسًا:
-جننوها عليا الطلاق جننوها وهلاقيها بتشد في شعرها منهم، اخواتي وعارفهم يجننوا بلد…..
12
______________
+
فتحت مريم باب المنزل بتذمر، صائحة:
-يوووه بقى، خلاص ياللي بتخبط هتحرق الجرس يا اخويا، مش فرح أمك هو …
فتحت الباب فتحول تذمرها ذلك لبسمة واسعة، متابعة حديثها وهى تحتضنه:
-هيما حبيبي، كنا لسة في سيرتك..
أبعدها عنه وهو يدخل المنزل، متمتم بأسلوب ساخر وهو يرفع يداه يجذبها من ملابسها:
-لية يختي ما هو كان فرح أمي من شوية، احلى حاجة فيكي يا بت يا مريم أنك بتجيبي ورا بسرعة..
ابتلعت ريقها، وانزلت يداه بخوف مصطنع:
-نزل بس ايدك، ضيعت برستيجي قدام البونية، وبعدين بتخبط لية مش معاك مفتاح..
حدقها بنظرات مغتاظة، ثم جذبه صوت علياء المرحبة به:
-صحيح يا هيما مفتحتش لية، لازم تسمع الموشح ده منها…
بارح مكانه مقتربًا منها، مرددًا بترحيب:
-يا اهلا يا اهلا علياء عندنا في البيت وانا اقول الحارة ظلمت لية، اتاريكي جتيها…
-هههههه مش هرد عليك، تعال بقى نكلم في البلكونه وخلصني من اخواتك دول يعني بصراحة ليك الجنة، انا لو مكانك اجوزهم واخلص منهم..
ارتفع حاجبي رحمة ومريم متابعين حديثها بملامح تجبر أي شخص على الابتسام، خاصة بعدما أجابها هيما بطريقة مسرحية مقلدًا طريقة شقيقاته:
-والله نفسي يا بت يا علياء، بس اجوازتهم هيدعوا عليا دعوة تجيبني الأرض وأنا مش ناقص فخليهم مرزوعين جمبي لحد ما البس البدلة الحمراء، انا حاسس أني يا هقتلهم يا هقتلوني مستحيل حد مننا يخرج سليم لازم إصابات…
قهقهت علياء وقالت:
-تعالي يا اختشي البلكونه عايزاكي في موضوع مهم، وأنت يا رحمة اعملي لنا كوبيتن شاي بس كشري الله يباركلك…
تحرك هيما برفقتها والبسمة على محياه لا تفارقه، ثم مال عليها قليلًا هامسًا:
-بقولك إيه أنتِ متأكدة أنك عايزة تشربي شاي من ايدها، دي عليها كوباية شاي تترمي في الحمام، اه والله مش عشان اختي وكدة اكدب عليكي، لا لازم تعرفي أنتِ داخله على إيه…
أجابته من بين ضحكاتها التي لا تتوقف منذ أن دخلت المنزل وجلست رفقتهم:
-لا ده أنتم لسة مسخرة زي ما أنتم اقسم بالله، مش قادرة بطني وجعتني من الضحك….
أجابها بمرح:
-يااختشي اضحكي حد واخد منها حاجة، كله رايح…
-على رأيك والله يا اختشي، يلا يلا…
13
_____________
+
فتحت عينيها بتثاقل، فكادت تتقلب متناسية تمامًا نومها على الأريكة والفوضى التي تركتها حولها، فجرس المنزل يزعجها للغاية، لا تدري من ذلك المزعج….
نهضت جالسة على الأريكة بخصلاتها المبعثرة، وتحركت ببطء باحثة عن شيء ما تضعه على رأسها، وأخيرًا وجدته، وضعته على رأسها وأغلقت التلفاز.
زلفت من الباب بعدما غطت خصلاتها، فوجدت أمامها من لم تتخيل رؤيتها مرة ثانية…..
امتعضت ملامح ملك و رمقتها بنظرات نارية، وسألتها مباشرة وكامل نظراتها معلقة بها..
-أنتِ إيه اللي جابك هنا؟
مش أخر مرة كلمتيني قولتلك مش عا
كادت تكمل لولا قبضة فادية التي دفعتها بخفة، متسللة داخل المنزل مغلقة الباب، متحدثة بعتاب غير حقيقي وعينيها تجوب على كل أنش بالمنزل خاصة تلك الفوضى التي تعمه:
-اخص عليكي يا بنت جوزي، بقى دي مقابلة تقابليني بيها بعد المدة دي كلها، وأنا اللي قولت هتترمي في حضني اول ما تشوفيني..
اجابتها ملك بأستهجان وهى تسير خلفها:
-اترمي في حضنك ده بـ آمارة إيه إن شاء الله، ثم أنتِ عرفتي بيت علياء منين؟
ردت فادية وهى تمصمص شفتيها ملتفته لها، مراقصة حاجبيها:
-اللي يسأل ميتوهش يا عنيا، ومش صعب يعني اجيب عنوان صاحبتك، المهم مش ده موضوعنا انا عايزاكي في موضوع اهم من كدة بكتير…
ردت ملك بزفير بطئ:
-اخلصي عايزة إيه؟
-جيبالك عريس أنما إيه لقطة، هيعيشك ملكة وهيجبلك كل اللي أنتِ عايزاه، وهيكتبلك الشقة اللي هتقعدوا فيها بأسمك، وهيجبلك عربية، وهيسفرك كل فترة والتانية..
تلفظت فادية بتلك الكلمات بأعين متسعة بسعادة محاولة إقناعها بذلك العريس..
ألتوى فم ملك جالسة على المقعد نازعة غطاء رأسها، كاشفة عن خصلاتها جامعة إياهم بجانب واحد مهندمه إياهم، متحدثة بهدوء ما يسبق العاصفة:
-وإيه كمان يا مرات أبويا، كملي..
تهللت اساريرها واقتربت منها جالسة قبالتها، ثم تابعت:
-عدتك تخلص من هنا وهيجيب المأذون يكتب عليكي من هنا و
قاطعتها ملك مردفة بملامح جامدة قاسية:
-عنده قد إيه العريس ده، ويا ترى متجوز ولا مطلق ولا أرمل ولا إيه حكايته بضبط…
تلجلجت فادية وقالت ببسمة لم تصل لعيناها:
-ها، يعني مش كبير اوي اصغر من ابوكي بخمس سنين بس، وآه متجوز ومش ناوي طبعا يعرف مراته عشان عياله هتبقى جوازة في السر وهيجيلك مرتين في الاسبوع، مش بقولك لقطة…
اطرقت ملك رأسها وعضت على شفتيها السفلى كابحة غضبها ثم قالت بقوة رهبت فادية:
-اطلعي برة، بدل ما اجيب الشبشب وانزل بيه على دماغك، اطلعي برررررررررة، جيبالي راجل قد ابويا وعايزاني اتجوزه، لا جوازة إيه دي.. دي مستحيل تبقى جوازة، غوري من وشي يا فادية…
نهضت فادية من مجلسها متجهه صوب الباب وهى تهتف بكلمات متذمرة مستنكرة رفضها:
-تصدقي أنك بت فقرية، خليكي قاعدة بوزك في بوز الحيطة، محدش هيبصلك، ولو لسة حطة أمل على المحروس، فـ سلميلي على أمل المحروس اتجوز خلاص يا عنيا، والحارة كلها عارفة بخيبتك، وأنتِ عارفة بقى الأفضلية في زمن ده لبنت البنوت…
قالت الأخيرة بسخرية تامة رامقة إياها بنظرة شاملة قبل أن تغادر المنزل صافعة الباب خلفها ناعتة إياها بسباب لاذع باصقة على باب المنزل بتوعد، كما لم يغيب عنها تغيرها الجذري…
أما ملك فكانت تشتعل، متحدثة مع نفسها بأنفعال وهى تسير ذهابًا وإيابًا:
-لا لا متصدقيهاش يا ملك أنتِ أي راجل يتمناكي و…
هنا وتذكرته...تذكرت نظراته التي كانت معلقة بها لا تفارقها منذ أن رآها…..
تذكرت محاولاته للحديث معها أكثر من مرة….
هدأت وارتخت ملامحها محاولة تذكر اسمه فذاكرتها لا تسعفها، وسرعان ما تلفظت بأسمه وهى تؤما برأسها:
-أيهم…..
أنا هوريك يا إسلام، هوريكم كلكم…..
33
_____________
+
-نكلم جد بقى، قولي عملت إيه!!
تحدثت علياء بتلك الكلمات وهى تقف برفقته في الشرفة تنتظر سماع اجابته، فأجابها وهو يحرك كتفيه بعفوية شديدة حانقًا من فعلة حمزة:
-الحيوان اللي معاها، خدها في حتة مقطوعة وحاول يتحرش بيها، ولولا أني ماشي وراهم كان زمانها في خبر كان، بس انا مسكتلوش واديته علقه تقلبه حرمة…
قال الأخيرة بفخر شديد، فابتسمت له وقالت:
-جدع يا هيما، اجهز بقى عشان هاخدك لعاصم يتعرف عليك، وتعاملك من هنا ورايح هيبقى معاه، انا خلاص هخرج من الصورة…
حك خصلاته وأردف بضيق طفيف:
-هو انا ينفع افهم إيه اللي بيحصل بضبط انا حاسس اني زي الأطرش في الزفة..
تنهدت، قائلة وهو تشرد بنقطة ما :
-بعدين يا هيما، بعدين، انهاردة هكلم أفنان ونعمل اللي اتفقنا عليه واللعب اللي بجد يبدأ بقى، يلا خلينا ننزل عشان اعرفك بعاصم….
59
__يتبع__
+
بقلمي:فاطمة محمد
+
