رواية متاهة مشاعر الفصل الرابع 4 بقلم نهي طلبة
(4)
أخذت علياء تتلاعب بقطع الخضروات في طبق السلطة ضمن الوجبة التي أرسلتها لها سهام..
فقدت شهيتها للطعام تماماً.. فمن يرغب في الأكل وحيداً كأنه جرذ منبوذ.. وهذه الرسالة التي ترغب سهام بتوصيلها لها بالضبط..
كانت قد قررت العودة إلى المزرعة فوراً وتفويت وجبة الغذاء.. فــمشهد يزيد وهو يحاول معانقة ريناد.. يتكرر في رأسها مثل التعويذة الشريرة تدفعها للقيام بعمل طائش, كأن تنزل لتتناول الغذاء على مائدة سهام هانم, لتخبر ولدها وزوجها التهديد الذي مارسته السيدة الأرستقراطية عليها حتى تمتنع عن تحقيق حلمها بدراسة الفنون..
ابتسمت لنفسها بسخرية.. من تخدع؟!.. فهي تعلم أنها أجبن من أن تقوم بهذا.. لذا قررت الرحيل إلى منفاها في المزرعة, لكن طرقات على باب غرفتها أوقفت قرارها حين دلف يزيد ليخبرها أنها لن تعود الليلة إلى المزرعة لأنها ستذهب إلى حفلة النادي مع نيرة وحسن..
سألته بدهشة:
ـ حفلة!!.. حفلة إيه؟!..
سألها بسخرية طفيفة:
ـ مش عارفة حفلة إيه؟!.. مش دي الحفلة اللي أنا وبابا مش هنوافق نوديكي ليها.. ويا حرام صاحبتك أم قلب حنين هي اللي هتوديكي..
هزت علياء رأسها في حيرة:
ـ أنا مش فاهمة حاجة.. أنت بتقول إيه؟.. أنا أساساً كنت نازلة أقول للسواق يوصلني المزرعة دلوقتِ... أنا مش فاهمة أنت جبت الكلام ده منين!!
نظر إلى الحقيبة الصغيرة في كتفها وسألها بتشكك:
ـ يعني أنتِ ما اتفقتيش مع نيرة عشان توديكي الحفلة؟..
أرادت أن تلقي الحقيبة وتصرخ في وجهه أن يكُف عن ترديد كلمات والدته.. وما أوحته إليه هي وريناد.. لكنها للأسف لا تملك رفاهية الشجاعة.. تخشى على غضبه وليس من غضبه..
نفت اتهاماته بضعف:
ـ هي الحفلة دي مش بتحتاج فستان وكوافير وحاجات كتير... لو كنت ناوية أروح حفلة كنت هبقى هنا بعمل إيه؟..
ظهرت الحيرة على ملامحه.. بين ثورة كلمات والدته التي ما أن سمعت مكالمة يزيد وحسن حتى اندفعت تكيل الاتهامات لعلياء.. بأنها من دبرت تلك الخطة... وبين ما ظهر على علياء من ملامح الإنكسار وخيبة الأمل..
زفر بحيرة وهو يخبرها:
ـ بصي.. حسن اتكلم وقال لي أنه هيعدي عليكِ هو ونيرة على الساعة 8 ونص.. وأنا قلت له أنكِ هتيجي معايا أنا وريناد.. احنا كده كده رايحين..
صرخت بقوة:
ـ لا.. لا.. أنا مش عايزة أروح معاك أنت وريناد..
هي لا تتصور نفسها محبوسة في سيارة يزيد لتراقب نظراته المغازلة لريناد من هذا القرب.. وتتعذب من همساتهما والحسرة تتآكلها في كل لحظة أنها دائماً في المقعد الخلفي بينما ريناد جواره.
هتف بها بغضب:
ـ يعني ايه.؟..
استدركت بسرعة:
ـ أقصد خليني مع نيرة.. يعني لو عمو عصام وافق إني أروح الحفلة.. يبقى خليني مع نيرة.. عشان كمان لازم أشتري شوية حاجات وهي هتكون معايا..
ـ ما ريناد موجودة تحت.. هقولها تروح معاكِ.. و..
قاطعته بسرعة:
ـ لا.. أنا هكلم نيرة.. أكيد ريناد هتكون مشغولة.. و..
قاطعها:
ـ خلاص براحتك..
مد يده في جيبه ليخرج من محفظته إحدى بطاقات الإئتمان ليدفعها في يدها:
ـ خلي دي معاك عشان الحاجات اللي هتشتريها..
ـ لا.. لا.. أنا معايا بتاعتي..
ضغطها في يدها:
ـ خليها معاكِ.. بس خودي بالك.. أقسم بالله يا علياء لو جبتِ فستان قصير.. ولا عريان لأكون جرك من شعرك على المزرعة قدام الناس كلها ومش هيهمني.. فاهمة؟..
رفرفت برموشها وهي مأخوذة بالعنف في صوته.. فكرر بتأكيد:
ـ فاهمة؟؟؟
أومأت موافقة.. وهي ترتجف من الغيظ.. فها هو يعود لإلقاء الأوامر عليها مرة أخرى.. ويترك الحبل على الغارب لخطيبته الحسناء...
تمتمت بغيظ:
ـ أنت مش هتبطل الشيزوفيرنيا دي؟..
لسوء حظها وصله همسها فصرخ بها:
ـ ايه!!.. بتقولي إيه؟.. شيزوفرينيا إيه!!.. أنتِ اتجننتِ!!
عادت خطوتين للخلف وهي ترتجف من الخوف فقد أغضبته بدون أن تقصد..
حاولت تفسير كلماتها:
ـ أيوه.. أنت بهدلتني على هدومي.. وبتسيب ريناد اللي هي خطيبتك تلبس زي ما هي عايزة.. و.. وده يبقى اسمه ايه؟؟
ـ ريناد مش بتلفت الأنظار زيك..
خرجت الكلمات منه بسرعة وبدون أن يفكر بها.. ورمقته هي بذهول لا تدري ماذا يقصد بكلماته.. أيتهمها بمحاولة جذب الأنظار؟.. أم.. يعتقد أن خطيبته أقل جاذبية منها؟..
ظلت ترمقه بذهول وتساؤل.. بينما تجمدت الكلمات على لسانه ولم يستطع إضافة أي كلمة لتوضيح ما تفوه به للتو.. فما كان منه إلا أن خرج كالعاصفة مغلقاً الباب خلفه بعنف جعلها ترتجف في مكانها..
أخرجها من جمودها رسالة على هاتفها.. فتحتها لتجدها من نيرة..
"أنا قدام الفيلا.. انزلي.."..
********
ما أن أخبرته سكرتيرته بوجود عم نصر بالخارج في انتظار الإذن له بالدخول حتى تحرك مازن من خلف مكتبه ليفتح الباب ويستقبل سائق والده بود وترحاب:
ـ اتفضل يا عم نصر.. هو أنت برضوه محتاج إذن يا راجل يا طيب..
التفت مازن إلى سكرتيرته:
ـ اتنين شاي لو سمحتِ يا مدام كريمة..
ثم اصطحب نصر ليجلسا معاً على أحد الأرائك بعيداً عن المكتب ورسميته..
ربت مازن على ركبة نصر قائلاً بود:
ـ إيه.. إيه أخبارك يا عم نصر.. وأخبار صحتك ايه؟..
أجاب نصر بهدوء:
ـ بخير الحمد لله يا مازن بيه.. نشكر ربنا..
ـ إيه بيه دي بقى!!.. ده أنا متربي على إيديك.. وأنت أول واحد علمني السواقة.. حتى كان عندي 8 سنين..
ضحك نصر وهو يخبره بسعادة:
ـ علمتك إيه يا بيه.. ده أنت ما شاء الله عليك.. كنت طالع بالعربية لوحدك.. أنا يا دوبك قلت لك على شوية حاجات بسيطة كده...
شاركه مازن ضحكته قائلاً:
ـ أيوه.. وبقيت تداري علي قدام بابا.. وما بلغتوش إني باخد العربية..
سأله نصر بلوم:
ـ ودي معقولة يا بيه.. أنت فاكرني صغير ولا إيه!!.. طول ما أنا متأكد أنك في أمان.. يبقى خلاص.. أنا مطمن.. وأنت ما شاء الله عليك عاقل من يومك..
ربت مازن على كتفه بود:
ـ العفو يا عم نصر.. أهو كلامك ده بقى اللي هيشجعني أطلب منك اللي أنا عايزه على طول..
اعتدل نصر في جلسته وهو يسأل باهتمام:
ـ خير يا بيه؟..
ـ خير يا عم نصر إن شاء الله.. بقى أنا لي واحد صاحبي.. جمع قرشين كده.. وفكر أنه يشتري له تاكسي يشتغل عليه.. وفعلاً جاب عربية على الزيرو ورخصها تاكسي.. بس بقى..
سكت مازن قليلاً وهو يرمق تعبيرات وجه نصر وعندما لاحظ فضوله للقادم أردف:
ـ بس بقى جت له فرصة حلوة قوي أنه يسافر بره.. وهو مش عايز يبيع التاكسي خوفاً من أنه ما يتوفقش بره.. ففكرنا أنه يتفق مع واحد يشغل التاكسي في الفترة دي.. هيه.. ايه رأيك يا عم نصر؟..
سأله نصر بتعجب:
ـ رأيي في ايه يا بيه؟..
اقترب مازن منه وهو يخبره:
ـ بصراحة يا عم نصر.. هو قصدني أدور له على حد, وأنت أول واحد جه في بالي.. على فكرة.. هو هياخد ربع الإيراد بس.. والتلات أرباع هيكونوا من نصيبك.. إيه رأيك؟.
فوجئ نصر بالعرض الغير متوقع وسأل مازن بتردد:
ـ وشغلي مع أبوك يا بني؟.. هو اشتكى مني ولا حاجة؟.. أصل بقى له فترة متغير من ناحيتي..
نفى مازن بسرعة:
ـ لا طبعاً.. معقولة يشتكي منك برضوه؟!.. أنا بس قلت أنك أولى بالفرصة دي.. خاصة أنه عائدها المادي حلو قوي.. وأنت كمان هتكون حر نفسك..
وكمان دي خدمة هتعملها لي وعمري ما هنسى لك وقفتك جنبي في الحكاية دي.. أصل صاحبي ده عزيز علي قوي وله علي جمايل وأنا ما صدقت ألاقي فرصة أردها له..
هم نصر بالرفض ولكنه تذكر معاملة حاتم بيه في الفترة الأخيرة له.. ولومه وتوبيخه له على كل كبيرة وصغيرة.. كان الشك يراوده حول سبب تلك المعاملة؛ فهو يرى ويدرك ميل حسن إلى منى ابنته.. وبالطبع يدرك رفض حاتم بيه لتلك المشاعر.. لكن بعد خطبة حسن لنيرة ظن أن ذلك السبب قد زال.. ولكن حاتم بيه استمر في معاملته بجفاف قد يصل أحياناً إلى الإهانة وكأنه يدفعه دفع إلى ترك العمل.. هل لاحظ ابنه ما يقوم به والده فتحرك بدافع من شهامة يعلم نصر جيداً أنها متعمقة بداخل ولديّ حاتم العدوي.. أم ذلك عرض من الأب واستخدم ابنه كمرسال فقط.. على أي حال.. إنه عرض مغري للغاية.. ويجب أن يفكر به جيداً..
نهض نصر من فوق الأريكة فتبعه مازن بدوره وهو يتأمل وجه الرجل الأكبر سناً محاولاً معرفة ما يدور بداخله... لكن صوت نصر قطع تأمله وهو يردد:
ـ هو عرض مغري قوي يا مازن بيه.. بس!!!..
قاطعه مازن بسرعة:
ـ آه نسيت أقولك.. أن الكلام ده كله هيتكتب به عقد.. عشان نحفظ حقك يا راجل يا طيب.. وأنا همضي كمان كضامن للتنفيذ.. وكل الأمور المالية هتكون معايا.. لأنه زي ما قلت لك.. الراجل صاحب التاكسي هيكون مسافر..
أومأ نصر متفهماً ومد يده ليصافح مازن:
ـ أنا ما كانش قصدي يا بيه.. عقد إيه بس.. أنت كلمتك عقد.. أنا بس محتاج أشاور أم العيال.. وهرد عليك الليلة بأمر الله..
صافحه مازن بدوره وهو يخبره:
ـ هستنى تليفون منك يا عم نصر.. وياريت يكون الرد بالموافقة.. دي جميلة مش هنسهالك..
ربت نصر على كتف مازن وقد أدرك لباقة مازن حتى لا يبدو وكأنه يقدم له العرض كنوع من الاحسان أو الشفقة وأخذ يدعو له:
ـ ربنا يكرمك يا بني.. ربنا يكرمك وينولك اللي في بالك..
ثم خرج مغلقاً الباب خلفه ولسان حال مازن يردد..
"آمين"...
*************
انطلقت نيرة بسرعة جنونية فور أن دلفت علياء داخل السيارة.. مما دفع علياء إلى الصراخ:
ـ نيرة.. نيرة.. هدي السرعة شوية..
زادت نيرة من سرعة السيارة بينما سارعت علياء إلى وضع حزام الأمان وتشبثت بمقعدها بيأس.. وهي تحاول تهدئة نيرة التي كان الغضب يدور حولها مثل هالة مرئية:
ـ نيرة.. اهدي بس.. وقفي على جنب خلينا نتفاهم..
استمرت نيرة في سرعتها بدون أن تجيب على صديقتها حتى وصلت إلى منطقة وسط البلد.. فهدأت سرعتها قليلاً بفعل الزحام.. وأجابت علياء والغضب يلون نبرات صوتها:
ـ لسه بيشوفها يا عليا.. لسه بيقابلها..
ـ هو مين ده؟؟
صرخت نيرة بغضب:
ـ حسن يا عليا.. هيكون مين يعني؟..
ـ وأنتِ عرفتِ منين؟
ضغطت نيرة على اسنانها:
ـ شوفتهم بنفسي.. كنت هتجنن يا عليا.. حسيت إني مشلولة من القهر.. بقى يسبني أنا بسرعة ويجري جري عشان يقابلها..
ـ هدي نفسك بس يا نيرة.. يمكن كان بينهي اللي بينهم.. أو..
صرخت نيرة:
ـ بينهي اللي بينهم!!..إيه السذاجة اللي أنتِ فيها دي أنتِ كمان..
ـ أومال إيه بس يا نيرة؟.. أنتِ مش بتقولي إنكوا كويسين مع بعض..
أوقفت نيرة السيارة على جانب الطريق وهي تضرب بيدها مقود السيارة بعنف:
ـ أنا كنت فاهمة أنه هينساها.. هو بقى له أسبوع ما شفهاش.. أنا متأكدة.. لكن.. لا.. برضوه الصعلوكة دي لسه بتجري وراه.. وعارفة إزاي تجيبه لعندها على ملا وشه
تجنبت علياء سؤال صديقتها من أين لها تلك المعرفة.. فهي أدركت من زمن أن لنيرة وسائلها للوصول إلى ما تريده من معلومات..
التفتت نيرة لتفتح حقيبتها ويدها ترتعش من الغضب.. فأخرجت قداحة ذهبية صغيرة.. أشعلت بها إحدى السجائر التي سحبتها من علبة ذهبية مماثلة.. وظهر على وجهها التفكير العميق وهي تنفث دخان سيجارتها بغيظ..
أخذت تدق بطرف سيجارتها على العلبة بغيظ.. وهي تفرك شفتيها بين أسنانها.. ثم برقت عينيها بشدة وهي تنظر إلى العلبة الذهبية وتهمس بشماتة:
ـ ماشي يا منى.. أنا بقى عرفت إزاي اخليكي تبعدي عن حسن.. وما تفكريش تقربي منه تاني..
رمقتها علياء بقلق:
ـ ناوية على إيه يا نيرة؟..
هزت نيرة كتفيها بلامبالاة وهي تسأل علياء:
ـ أنتِ عارفة منى بتشتغل فين؟..
أومأت علياء موافقة:
ـ ايوه في محل فساتين سواريه في مول...
قاطعتها نيرة وعينيها تبرقان بخبث:
ـ طيب يلا بينا.. أنتِ أكيد محتاجة فستان عشان حفلة الليلة..
وانطلقت بسيارتها وهي تضحك بسخرية وشماتة مما تنوي فعله...
**************
دخل عامر إلى غرفة صبا ابنته الصغرى فوجدها تمسك بالهاتف وعينيها الجميلتين تلتمع بالدموع.. جلس بجانبها بهدوء وهو يملس شعرها الكستنائي المموج قليلاً.. وسألها بهدوء:
ـ كلمتِ فريدة؟..
أومأت برأسها في موافقة صامتة.. وظهر الحزن على ملامحها.. فضمها والدها إلى صدره وهو يخبرها:
ـ أنتِ عارفة إني مش همنعك أنك تروحي تعيشي معاها.. إحنا.. أنا وفريدة عمرنا ما اختلفنا على مصلحتك.. أو عارضنا في إنك تعملي اللي أنتِ عايزاه..
أومأت صبا مرة ثانية وهي تهمس لوالدها:
ـ أنا اخترت إني أكون هنا معاك يا بابا.. وأنا مقتنعة بكده.. وأن ده أفضل لي ولـــفريدة..
أبعدت رأسها قليلاً عن صدره وهي تمسح دموعها بظاهر يدها:
ـ حضرتك عارف أن فريدة صعب عليها تراعيني.. وهي بترسم.. وخاصة لو بتجهز لمعرض زي اليومين دول.. وأنا كمان مش بحب الحياة في باريس..
افتعل عامر ضحكة صغيرة وهو يخبرها:
ـ ما بتحبيش الحياة في باريس!!.. ما سمعتكيش نيرة.. كانت وقعت من طولها..
ضحكت صبا هي الأخرى.. ثم سكتت قليلاً.. وأخبرته بخفوت:
ـ هي سألت عليك وعلى أخبارك.. وطلبت مني أراعي صحتك..
أغمض عامر عينيه بألم لا يريد أن يظهره لطفلته الصغيرة.. تلك الفتاة التي يمزقها ولائها له وحبها لوالدتها.. فريدة
فريدة.. جنته وعذابه... فرحه وجرحه.. من أذاقته جنون الحب وآلامه.. من عرف معها روعة العشق ولوعته..
ظلمها.. ظلمها بشدة لا جدال.. ولكنها عاقبته بقسوة.. وتركته ليعيش على كل ذكرى له معها..
شعر بأنامل طفلته الصغيرة تمسح دمعة صغيرة خانته وسقطت على وجنته.. فربت على شعرها بحنان.. بينما هي ألقت نفسها بين ذراعيه وهي تضمه بقوة:
ـ أنا بحبك قوي يا بابا...
وبداخلها تتردد فكرة.. أنها لن تدع نفسها تسقط في الحب أبداً...
***************
وقفت علياء أمام المرآة تتأمل ثوبها الجديد الذي ابتاعته برفقة نيرة.. حسناً.. ليس تماماً.. فالثوب الذي اختارته نيرة وأصرت على علياء لتبتاعه معلق داخل الخزانة بأمان.. هذا لو أمكن اطلاق لفظة ثوب على قطعة القماش القصيرة والتي تتصل ببعضها عن طريق مجموعة من الشرائط والحبال المجدولة.. والذي تصر نيرة على أنه صمم خصيصاً لجسد علياء...
لا تنكر أنه يظهرها فاتنة ومغرية للغاية.. كأنها.. كأنها.. ساقطة.. نعم هذا أول ما خطر على بالها عندما رأت نفسها به أمام المرآة في محل الثياب وبالتأكيد هذا ما سيفكر به يزيد إذا رآها ترتديه.. لذا خلعته بهدوء وطلبت من البائعة أن توضبه في إحدى الأكياس وتجهز الفاتورة الخاصة به حتى لا تثير عواصف نيرة التي كانت مشغولة عنها بمراقبة وصول منى التي انتهت فترة راحتها ولم تصل بعد _ولله الحمد_... فانتهزت علياء تلك الفرصة وتوجهت إلى الثوب الذي خطف بصرها منذ اللحظة الأولى وقررت شرائه حتى بدون تجربته أولاً..
***********
التف ذراع يزيد حول خصر ريناد الرشيق وهو يحاول أن يضمها أكثر إلى صدره.. ليتمكن من مراقصتها كما يريد ولكن تلك الفراشة الكبيرة المثبتة على صدر ثوبها كانت تمنعه من تنفيذ ما يريد.. فهمس لها متأففاً:
ـ أنا مش فاهم أنتِ ليه بتحبي اللبس المكلكع ده.. إيه لازمة الفراشة اللي قاعدة تعضني دي..
ضحكت ريناد بتأنيب:
ـ الموضة يا حبيبي.. وبعدين أنت مش قلت أن نيرة هتحضر الحفلة.. عايزها تكون أشيك مني ولا إيه؟..
هز يزيد رأسه بتعجب لانشغال ذهن ريناد دائماً بالتفوق على نيرة.. وكأن هناك مسابقة ما بينهما لمن تتزعم درب الجمال والأناقة.. لا يعلم ما أسباب تلك المنافسة الغريبة.. فريناد ذات جمال مشرق يختلف عن جمال نيرة الوحشي.. فهي ذات شعر ذهبي وعيون بلون العسل.. وابتسامة أنثوية جذابة
حسناً قد تتشابه الفتاتان في شيء واحد فكليهما تعشق التفرد والتميز.. فريناد مثلاً ارتدت لتلك الحفلة ثوباً طويلاً من الساتان البرونزي, بلا أكتاف ولا أكمام.. يكشف عن ظهرها وصدرها الذي يكاد أن يختفي تحت الفراشة اللعينة والتي تنتهي بعقدة ذات لون ذهبي.. ثم يضيق الثوب ليظهر رشاقة قدها وبطنها المسطح, ووركيها الدقيقين والذي يبدأ الثوب في الاتساع بعدهما مباشرة في عدة ثنايات حتى يصل إلى ما بعد كاحليها... كانت مثالية في أناقتها.. وفاتنة بزينتها المتقنة.. وجاهزة تماماً لتكسب نقطة على نيرة في حفلة الليلة كما كانت تظن..
استمر يزيد في محاولة مراقصتها بوجود الفراشة الضخمة كحاجز بينهما.. وهمس في أذنها:
ـ أنتِ الليلة أجمل واحدة في الحفلة... لولا بس الفراشة دي..
ابتسمت ريناد في سعادة وقد عزز غزل يزيد من ثقتها بنفسها..
بينما عاد يزيد يسألها:
ـ مش ناوية بقى تحني علي وتكون الرقصة الجاية في فرحنا؟..
ـ أووه يا يزيد.. أنت مستعجل على إيه؟.. مش أنت وعدتني إنك هتصمم بيتنا مخصوص زي ما أنا عايزة..
زفر يزيد بضيق:
ـ ما هو أنا صممته يا ريناد.. ده اتصمم في وقت قياسي.. لكن أنتِ بقى لك أكتر من سنة بتغيري وتعدلي في الديكور.. ولسه ما فكرتيش في العفش..
أخبرته ريناد بسأم:
ـ هو احنا كل ما نشوف بعض لازم السيرة دي.. أنت عارف أنه بيتي لازم يكون بيرفكت.. ما فيش فيه غلطة.. أنت تكره يعني أنه بيتك يكون مثال للشياكة والأناقة..
هز رأسه بيأس:
ـ أنا كل اللي يهمني إننا نكون في بيت واحد..
ابتسمت ريناد له بعصبية بينما ظلت تترقب ظهور نيرة _غريمتها_ التي تتعمد بالطبع الحضور متأخرة عن الجميع حتى تحدث الأثر المطلوب في النفوس..
وعلى الرغم منه ترقب يزيد أيضاً وصول نيرة.. ليس اهتماماً منه بالنرجسية الحمراء.. ولكن حتى يطمئن على الجنية الصغيرة التي رفضت أن تأتي معه هو وريناد كما تعذرت بعدم انتهائها من ارتداء ثيابها حتى لا يرى ثوبها الجديد..
جمود ريناد بين ذراعيه مع الصمت الذي حل فجأة أخبره بوصول نيرة.. والتي تعلقت بذراع حسن مرتدية ثوب من الشيفون الأسود الشفاف.. يكشف عن أحد كتفيها ويترك الآخر عارياً.. بينما كانت البطانة الداخلية تغطي صدرها وحتى بداية وركيها.. تاركة باقي جسدها مغطى بطبقة شفافة وواسعة من الشيفون المشقوق كاشفاً عن إحدى ساقيها.. بينما كانت زينتها كاملة أبرزها طلاء شفتيها الأحمر الداكن..
بينما أنظار الجميع كانت مسلطة على نيرة بثوبها اللافت.. بحث يزيد بعينيه عمن تهمه حقاً.. وهو يتوعدها سراً بتنفيذ تهديده إذا خالفت أوامره..
لمحها أخيراً وهي تدخل خلف نيرة, بثوب من الشيفون أيضاً ولكنه لم يكن شفافاً.. بل يحتوي على بطانة داخلية ومكون من عدة طبقات من القماش الناعم.. والذي تدرج لونه من الأبيض الناصع عند الصدر ثم تداخل درجات من اللون الرمادى عند الخصر وتبدأ تدرجات من اللون الازرق من بعد الركبتين لتتداخل مع درجات الابيض مع تعدد طبقات الثوب..
كان الثوب مطابق لما طلبه منها حتى أنه يحتوي على كُمين لهما نفس تدرجات الثوب ويضيقان عند المرفق ليتسعا بعد ذلك.. كان الثوب المثالي باستثناء فتحة الصدر المربعة..
لاحظ يزيد تحول الأنظار من نيرة إلى الجنية الصغيرة التي جذبت الجميع كعادتها.. رغم أنها لم تضع من الزينة إلا الكحل الأسود وطلاء الشفاه اللامع..
حسناً.. ماذا يستطيع أن يفعل بها؟.. لقد التزمت بتعليماته تماماً.. ورغم ذلك يستطيع أن يرى نظرات الإعجاب في عيون الرجال ممتزجة بنظرات الحسد لذلك الرجل الذي تعلقت بذراعه.. والذي لم يكن سوى مازن..
ضغط يزيد على أسنانه حتى كادت أن تتحطم.. وهو يتوجه إلى الوافدين مصطحباً ريناد معه..
صافح الرجال بعضهم بينما اكتفت ريناد بهزة رأس بسيطة كتحية عابرة..
كانت عينيّ علياء معلقة على يزيد تنتظر ردة فعله على ثوبها.. والتي لم تستطع تبينها من ملامح وجهه المبهمة.. بينما أخذت نيرة وريناد تتأمل كلا منهما الأخرى وكأنها تبحث عن خطأ ما في مظهرها..
بادر يزيد بالسؤال الذي يؤرقه:
ـ انتوا جيتوا كلكوا سوا ولا إيه؟..
أسرع مازن بالإجابة وابتسامة غامضة ترتسم على وجهه:
ـ لا.. احنا اتقابلنا على الباب..
وأضاف وابتسامته تتسع:
ـ أنا جبت عليا.. على ما حسن يجيب نيرة.. يعني قولنا نوفر وقت..
توجه يزيد إلى علياء:
ـ طب مش كنتِ جيتي معانا, بدل ما نتعب مازن..
أجابه مازن باستمتاع:
ـ يا سيدي ما فيش تعب ولا حاجة..
قاطعت ريناد الحديث الدائر وقد أزعجها أن تكون علياء هي محور الاهتمام:
ـ هو احنا هنفضل واقفين كده.. مش هندخل نقعد..
رمقتها نيرة باستفزاز:
ـ وهو أنتِ هتعرفي تقعدي بالفستان ده.. بيتهيألي صعب..
احتقن وجه ريناد غضباً وهي تجيب:
ـ ما تقلقيش يا نيرة.. أنا دايماً فساتنيني بتتصمم لي أنا مخصوص.. يمكن أنتِ مش متعودة على كده..
كادت أن ترد نيرة برد آخر مستفز حينما تدخل حسن ليصطحبها داخل القاعة:
ـ نيرة.. أنا تعبت من الوقوف يلا بينا ندخل..
واصطحبها مبتعداً عن ريناد قبل أن يتطور النقاش بينهما إلى شجار علني.. بينما اصطحب مازن علياء ليجلسا حول أحد الموائد تحت نظرات يزيد الرافضة...
عندما لاحظ مازن أن علياء تفرك يديها قلقاً.. سألها مندهشاً:
ـ في حاجة يا عليا؟..
ترددت قليلاً:
ـ أصل.. يزيد متضايق..
ابتسم مازن بخبث:
ـ متضايق!!.. لا أبداً.. ما هو بيرقص مع ريناد أهو..
أومأت علياء موافقة ونظراتها معلقة بيزيد.. بينما نظر إليها مازن مشفقاً عليها من مشاعرها الواضحة.. فحاول جذبها لتبادله حواراً بسيطاً حول حياتها في المزرعة.. حتى استطاع بلباقته وسرعة بديهته أن يحول عينيها بعيداً عن الثنائي الراقص.. وشيئاً فشيء أخرجها من خجلها وترددها.. وبدأت تتعالى أصوات ضحكاتهما.. وهما يتبادلان ذكريات طفولتهما وخاصة المشاغبة منها..
لاحظت ريناد عيني يزيد التي تتابع ما يحدث بين مازن وعلياء.. فازداد غضبها الذي لم يهدأ بعد.. وقالت ليزيد بغيظ:
ـ يزيد.. أنت هتفضل قاعد تراقب البنت دي كتير.. أنا تعبت من الرقص وعايزة أخرج الفرانده شوية..
لم يفهم يزيد ما أصابه.. ففي الظروف العادية هو من يسعى جاهداً حتى ينفرد بريناد بعيداً عن العيون, لكن الآن وهي من تطلب الانفراد به.. تكاد كلمات الرفض تخرج من شفتيه.. فكل ما يرغبه الآن أن يلكم مازن_صديقه المفضل_ على أنفه..
وهذا الشعور على وشك اصابته بالجنون.. لذا مرغماً وافق ريناد واصطحبها خارجاً حيث الهواء النقي الذي يرجو أن ينقي أفكاره ايضاً..
رمقت نيرة حسن بنظرات عاشقة وهي تسأله:
ـ برضوه لسه زعلان من الفستان؟..
سألته هذا السؤال لتطمئن على موقفه منها, فعندما وصل لاصطحابها كانت ترتدي ثوباً آخر.. يكاد يكون فاضحاً.. فكان طوله بالكاد يصل إلى أعلى ساقها..
أشاح حسن بوجهه عنها:
ـ نيرة.. أنا مش بحب أفرض رأيي.. بس أنتِ شايفة أنه كان عادي أسيبك تخرجي بالشيء اللي كنتِ لابساه ده؟..
اقتربت منه تمسك بيده بأناملها الطويلة:
ـ أنا مش زعلانة.. أنا مستعدة أعمل كل اللي أنت تطلبه.. أغير نفسي زي ما تحب.. المهم أنك ترضى عليّ..
رمقها بذهول:
ـ غريبة!!...
سألته بقلق:
ـ ليه؟..
ـ كلامك ده مخالف لنيرة اللي أنا أعرفها..
أجابت بتبرم وقد خشيت أن تفشل خطتها الجديدة لاجتذابه... فبعد ما فشلت في الإنتقام من منى عصر اليوم.. حيث أن الأخيرة لم تعد إلى عملها بعد فترة راحتها واتصلت تعتذر عن باقي اليوم.. فلم تتمكن نيرة من تنفيذ خطتها.. لذا قررت مؤقتاً تعديل معاملتها لحسن بأن تُظهر له الخضوع واستعدادها الكلي للتغيير من أجله:
ـ أوووه.. يا حسن.. أنا هكون اللي أنت عايزه.. ده عشان خاطرك أنت بس..
شعر حسن بالمرارة تجري في حلقه.. فالتظاهر ليس من طبعه.. وهو لا يريد التورط أكثر من ذلك مع نيرة.. ولا أن يزداد تعلقها به.. وفي نفس الوقت لا يريد والده أن يشعر بما يحاول تدبيره هرباً من تلك الزيجة..
يحاول جاهداً إظهار جوانب الإختلاف بينه وبينها حتى تتأكد هي من استحالة ارتباطهما.. ولكنها تناوره بمهارة شديدة..
سمعها تناديه:
ـ حسن.. حسن.. مش هنرقص إحنا كمان..
التفت إلى ساحة الرقص ليجد إن مازن يصطحب علياء للرقص.. بينما الفرقة الموسيقية بدأت تعزف أحد الألحان المميزة لرقصة التانجو..
هز حسن رأسه نافياً:
ـ لا.. مازن بيرقص تانجو أحسن مني.. خلينا للرقصة الجاية..
برمت شفتيها بغيظ بينما أخذت تراقب مازن وهو يمد ذراعه على طولها لتقف علياء مواجهة له وتقوم بالمثل.. ثم تضع يدها في يده ليجذبها قريباً منه بينما هي تفرد كفها الأيسر على ظهره وترفع وجهها لتواجهه.. ليدورا معاً عدة مرات حول ساحة الرقص قبل أن يفلتها مازن لتستند على ذراعه الأيسر حتى يتلامس كفاهما فيعود ليجذبها مطوقاً خصرها بذراعه ويضمها إلى صدره.. فيما ترفع هي ساقها اليسرى قليلاً لتلفها حول ساقه اليمنى.. ليعود ويلفها حوله لمرتين بينما طبقات ثوبها المتعددة تلتف حولهما ثم يضمها إليه جاعلاً ظهرها ملاصق لصدره.. فترتفع ذراعها لتطوق عنقه ويرفعها من خصرها لتواجهه ثانية ثم يطلقها مرة أخرى لتدور حوله عدة مرات لتكون بطيات ثوبها سحابة سماوية رائعة..
كانت عيون الجميع معلقة بهما.. بينما توقف باقي الراقصين واكتفوا بالالتفاف حولهما في حلقة واسعة فقد كان من الواضح أن الاثنين على درجة عالية من الاحتراف والمهارة.. فتابعهما الجميع يتأملان تلك الرقصة التي تصرخ بمختلف المشاعر.. حيث تعالت الهمهمات حول كونهما زوج من العشاق يعبران عن عشقهما بالرقص.. ولم تكن الظنون بعيدة عن الحقيقة.. فالواقع أن الاثنين عاشقان بالفعل ولكن ليس لبعضهما فكلاهما عاشق في مثلث حب مستحيل..
فكلا منهما ارتسم على وجهه بوضوح معاناة عاشق.. وكأنهما برقصتهما تلك يعلنان بوضوح عن عشقهما اليائس...
استمرت الرقصة عدة دقائق أخرى قبل أن ينهيها مازن حيث جذب علياء التي انثني جذعها فوق ذراعه حتى وصل شعرها إلى أرض القاعة..
تعالى التصفيق من الراقصين حولهما ومن الجمهور أيضاً تحية لهما على مهاراتهما الواضحة..
ساعد مازن علياء على الاعتدال فطوقها بذراعه حتى تستعيد اتزانها.. بينما تابعت عينيّ نيرة ما يحدث وقد انتابها غضب غير مفهوم..
غضب.. لو كان لمحه مازن لرقص قلبه فرحاً.. لكن ما جذب نظره هو عينيّ يزيد الذي كان يرسل إليه نظرات كفيلة بإثارة الرعب لقبيلة من الرجال..
فيزيد كاد أن يجن محاولاً تفسير ذلك الغضب الذي يشعر به من مراقصة مازن لعلياء..
علياء التي بدت الآن بريئة كالملاك.. ومغرية كالخطيئة..
أخذت علياء تتلاعب بقطع الخضروات في طبق السلطة ضمن الوجبة التي أرسلتها لها سهام..
فقدت شهيتها للطعام تماماً.. فمن يرغب في الأكل وحيداً كأنه جرذ منبوذ.. وهذه الرسالة التي ترغب سهام بتوصيلها لها بالضبط..
كانت قد قررت العودة إلى المزرعة فوراً وتفويت وجبة الغذاء.. فــمشهد يزيد وهو يحاول معانقة ريناد.. يتكرر في رأسها مثل التعويذة الشريرة تدفعها للقيام بعمل طائش, كأن تنزل لتتناول الغذاء على مائدة سهام هانم, لتخبر ولدها وزوجها التهديد الذي مارسته السيدة الأرستقراطية عليها حتى تمتنع عن تحقيق حلمها بدراسة الفنون..
ابتسمت لنفسها بسخرية.. من تخدع؟!.. فهي تعلم أنها أجبن من أن تقوم بهذا.. لذا قررت الرحيل إلى منفاها في المزرعة, لكن طرقات على باب غرفتها أوقفت قرارها حين دلف يزيد ليخبرها أنها لن تعود الليلة إلى المزرعة لأنها ستذهب إلى حفلة النادي مع نيرة وحسن..
سألته بدهشة:
ـ حفلة!!.. حفلة إيه؟!..
سألها بسخرية طفيفة:
ـ مش عارفة حفلة إيه؟!.. مش دي الحفلة اللي أنا وبابا مش هنوافق نوديكي ليها.. ويا حرام صاحبتك أم قلب حنين هي اللي هتوديكي..
هزت علياء رأسها في حيرة:
ـ أنا مش فاهمة حاجة.. أنت بتقول إيه؟.. أنا أساساً كنت نازلة أقول للسواق يوصلني المزرعة دلوقتِ... أنا مش فاهمة أنت جبت الكلام ده منين!!
نظر إلى الحقيبة الصغيرة في كتفها وسألها بتشكك:
ـ يعني أنتِ ما اتفقتيش مع نيرة عشان توديكي الحفلة؟..
أرادت أن تلقي الحقيبة وتصرخ في وجهه أن يكُف عن ترديد كلمات والدته.. وما أوحته إليه هي وريناد.. لكنها للأسف لا تملك رفاهية الشجاعة.. تخشى على غضبه وليس من غضبه..
نفت اتهاماته بضعف:
ـ هي الحفلة دي مش بتحتاج فستان وكوافير وحاجات كتير... لو كنت ناوية أروح حفلة كنت هبقى هنا بعمل إيه؟..
ظهرت الحيرة على ملامحه.. بين ثورة كلمات والدته التي ما أن سمعت مكالمة يزيد وحسن حتى اندفعت تكيل الاتهامات لعلياء.. بأنها من دبرت تلك الخطة... وبين ما ظهر على علياء من ملامح الإنكسار وخيبة الأمل..
زفر بحيرة وهو يخبرها:
ـ بصي.. حسن اتكلم وقال لي أنه هيعدي عليكِ هو ونيرة على الساعة 8 ونص.. وأنا قلت له أنكِ هتيجي معايا أنا وريناد.. احنا كده كده رايحين..
صرخت بقوة:
ـ لا.. لا.. أنا مش عايزة أروح معاك أنت وريناد..
هي لا تتصور نفسها محبوسة في سيارة يزيد لتراقب نظراته المغازلة لريناد من هذا القرب.. وتتعذب من همساتهما والحسرة تتآكلها في كل لحظة أنها دائماً في المقعد الخلفي بينما ريناد جواره.
هتف بها بغضب:
ـ يعني ايه.؟..
استدركت بسرعة:
ـ أقصد خليني مع نيرة.. يعني لو عمو عصام وافق إني أروح الحفلة.. يبقى خليني مع نيرة.. عشان كمان لازم أشتري شوية حاجات وهي هتكون معايا..
ـ ما ريناد موجودة تحت.. هقولها تروح معاكِ.. و..
قاطعته بسرعة:
ـ لا.. أنا هكلم نيرة.. أكيد ريناد هتكون مشغولة.. و..
قاطعها:
ـ خلاص براحتك..
مد يده في جيبه ليخرج من محفظته إحدى بطاقات الإئتمان ليدفعها في يدها:
ـ خلي دي معاك عشان الحاجات اللي هتشتريها..
ـ لا.. لا.. أنا معايا بتاعتي..
ضغطها في يدها:
ـ خليها معاكِ.. بس خودي بالك.. أقسم بالله يا علياء لو جبتِ فستان قصير.. ولا عريان لأكون جرك من شعرك على المزرعة قدام الناس كلها ومش هيهمني.. فاهمة؟..
رفرفت برموشها وهي مأخوذة بالعنف في صوته.. فكرر بتأكيد:
ـ فاهمة؟؟؟
أومأت موافقة.. وهي ترتجف من الغيظ.. فها هو يعود لإلقاء الأوامر عليها مرة أخرى.. ويترك الحبل على الغارب لخطيبته الحسناء...
تمتمت بغيظ:
ـ أنت مش هتبطل الشيزوفيرنيا دي؟..
لسوء حظها وصله همسها فصرخ بها:
ـ ايه!!.. بتقولي إيه؟.. شيزوفرينيا إيه!!.. أنتِ اتجننتِ!!
عادت خطوتين للخلف وهي ترتجف من الخوف فقد أغضبته بدون أن تقصد..
حاولت تفسير كلماتها:
ـ أيوه.. أنت بهدلتني على هدومي.. وبتسيب ريناد اللي هي خطيبتك تلبس زي ما هي عايزة.. و.. وده يبقى اسمه ايه؟؟
ـ ريناد مش بتلفت الأنظار زيك..
خرجت الكلمات منه بسرعة وبدون أن يفكر بها.. ورمقته هي بذهول لا تدري ماذا يقصد بكلماته.. أيتهمها بمحاولة جذب الأنظار؟.. أم.. يعتقد أن خطيبته أقل جاذبية منها؟..
ظلت ترمقه بذهول وتساؤل.. بينما تجمدت الكلمات على لسانه ولم يستطع إضافة أي كلمة لتوضيح ما تفوه به للتو.. فما كان منه إلا أن خرج كالعاصفة مغلقاً الباب خلفه بعنف جعلها ترتجف في مكانها..
أخرجها من جمودها رسالة على هاتفها.. فتحتها لتجدها من نيرة..
"أنا قدام الفيلا.. انزلي.."..
********
ما أن أخبرته سكرتيرته بوجود عم نصر بالخارج في انتظار الإذن له بالدخول حتى تحرك مازن من خلف مكتبه ليفتح الباب ويستقبل سائق والده بود وترحاب:
ـ اتفضل يا عم نصر.. هو أنت برضوه محتاج إذن يا راجل يا طيب..
التفت مازن إلى سكرتيرته:
ـ اتنين شاي لو سمحتِ يا مدام كريمة..
ثم اصطحب نصر ليجلسا معاً على أحد الأرائك بعيداً عن المكتب ورسميته..
ربت مازن على ركبة نصر قائلاً بود:
ـ إيه.. إيه أخبارك يا عم نصر.. وأخبار صحتك ايه؟..
أجاب نصر بهدوء:
ـ بخير الحمد لله يا مازن بيه.. نشكر ربنا..
ـ إيه بيه دي بقى!!.. ده أنا متربي على إيديك.. وأنت أول واحد علمني السواقة.. حتى كان عندي 8 سنين..
ضحك نصر وهو يخبره بسعادة:
ـ علمتك إيه يا بيه.. ده أنت ما شاء الله عليك.. كنت طالع بالعربية لوحدك.. أنا يا دوبك قلت لك على شوية حاجات بسيطة كده...
شاركه مازن ضحكته قائلاً:
ـ أيوه.. وبقيت تداري علي قدام بابا.. وما بلغتوش إني باخد العربية..
سأله نصر بلوم:
ـ ودي معقولة يا بيه.. أنت فاكرني صغير ولا إيه!!.. طول ما أنا متأكد أنك في أمان.. يبقى خلاص.. أنا مطمن.. وأنت ما شاء الله عليك عاقل من يومك..
ربت مازن على كتفه بود:
ـ العفو يا عم نصر.. أهو كلامك ده بقى اللي هيشجعني أطلب منك اللي أنا عايزه على طول..
اعتدل نصر في جلسته وهو يسأل باهتمام:
ـ خير يا بيه؟..
ـ خير يا عم نصر إن شاء الله.. بقى أنا لي واحد صاحبي.. جمع قرشين كده.. وفكر أنه يشتري له تاكسي يشتغل عليه.. وفعلاً جاب عربية على الزيرو ورخصها تاكسي.. بس بقى..
سكت مازن قليلاً وهو يرمق تعبيرات وجه نصر وعندما لاحظ فضوله للقادم أردف:
ـ بس بقى جت له فرصة حلوة قوي أنه يسافر بره.. وهو مش عايز يبيع التاكسي خوفاً من أنه ما يتوفقش بره.. ففكرنا أنه يتفق مع واحد يشغل التاكسي في الفترة دي.. هيه.. ايه رأيك يا عم نصر؟..
سأله نصر بتعجب:
ـ رأيي في ايه يا بيه؟..
اقترب مازن منه وهو يخبره:
ـ بصراحة يا عم نصر.. هو قصدني أدور له على حد, وأنت أول واحد جه في بالي.. على فكرة.. هو هياخد ربع الإيراد بس.. والتلات أرباع هيكونوا من نصيبك.. إيه رأيك؟.
فوجئ نصر بالعرض الغير متوقع وسأل مازن بتردد:
ـ وشغلي مع أبوك يا بني؟.. هو اشتكى مني ولا حاجة؟.. أصل بقى له فترة متغير من ناحيتي..
نفى مازن بسرعة:
ـ لا طبعاً.. معقولة يشتكي منك برضوه؟!.. أنا بس قلت أنك أولى بالفرصة دي.. خاصة أنه عائدها المادي حلو قوي.. وأنت كمان هتكون حر نفسك..
وكمان دي خدمة هتعملها لي وعمري ما هنسى لك وقفتك جنبي في الحكاية دي.. أصل صاحبي ده عزيز علي قوي وله علي جمايل وأنا ما صدقت ألاقي فرصة أردها له..
هم نصر بالرفض ولكنه تذكر معاملة حاتم بيه في الفترة الأخيرة له.. ولومه وتوبيخه له على كل كبيرة وصغيرة.. كان الشك يراوده حول سبب تلك المعاملة؛ فهو يرى ويدرك ميل حسن إلى منى ابنته.. وبالطبع يدرك رفض حاتم بيه لتلك المشاعر.. لكن بعد خطبة حسن لنيرة ظن أن ذلك السبب قد زال.. ولكن حاتم بيه استمر في معاملته بجفاف قد يصل أحياناً إلى الإهانة وكأنه يدفعه دفع إلى ترك العمل.. هل لاحظ ابنه ما يقوم به والده فتحرك بدافع من شهامة يعلم نصر جيداً أنها متعمقة بداخل ولديّ حاتم العدوي.. أم ذلك عرض من الأب واستخدم ابنه كمرسال فقط.. على أي حال.. إنه عرض مغري للغاية.. ويجب أن يفكر به جيداً..
نهض نصر من فوق الأريكة فتبعه مازن بدوره وهو يتأمل وجه الرجل الأكبر سناً محاولاً معرفة ما يدور بداخله... لكن صوت نصر قطع تأمله وهو يردد:
ـ هو عرض مغري قوي يا مازن بيه.. بس!!!..
قاطعه مازن بسرعة:
ـ آه نسيت أقولك.. أن الكلام ده كله هيتكتب به عقد.. عشان نحفظ حقك يا راجل يا طيب.. وأنا همضي كمان كضامن للتنفيذ.. وكل الأمور المالية هتكون معايا.. لأنه زي ما قلت لك.. الراجل صاحب التاكسي هيكون مسافر..
أومأ نصر متفهماً ومد يده ليصافح مازن:
ـ أنا ما كانش قصدي يا بيه.. عقد إيه بس.. أنت كلمتك عقد.. أنا بس محتاج أشاور أم العيال.. وهرد عليك الليلة بأمر الله..
صافحه مازن بدوره وهو يخبره:
ـ هستنى تليفون منك يا عم نصر.. وياريت يكون الرد بالموافقة.. دي جميلة مش هنسهالك..
ربت نصر على كتف مازن وقد أدرك لباقة مازن حتى لا يبدو وكأنه يقدم له العرض كنوع من الاحسان أو الشفقة وأخذ يدعو له:
ـ ربنا يكرمك يا بني.. ربنا يكرمك وينولك اللي في بالك..
ثم خرج مغلقاً الباب خلفه ولسان حال مازن يردد..
"آمين"...
*************
انطلقت نيرة بسرعة جنونية فور أن دلفت علياء داخل السيارة.. مما دفع علياء إلى الصراخ:
ـ نيرة.. نيرة.. هدي السرعة شوية..
زادت نيرة من سرعة السيارة بينما سارعت علياء إلى وضع حزام الأمان وتشبثت بمقعدها بيأس.. وهي تحاول تهدئة نيرة التي كان الغضب يدور حولها مثل هالة مرئية:
ـ نيرة.. اهدي بس.. وقفي على جنب خلينا نتفاهم..
استمرت نيرة في سرعتها بدون أن تجيب على صديقتها حتى وصلت إلى منطقة وسط البلد.. فهدأت سرعتها قليلاً بفعل الزحام.. وأجابت علياء والغضب يلون نبرات صوتها:
ـ لسه بيشوفها يا عليا.. لسه بيقابلها..
ـ هو مين ده؟؟
صرخت نيرة بغضب:
ـ حسن يا عليا.. هيكون مين يعني؟..
ـ وأنتِ عرفتِ منين؟
ضغطت نيرة على اسنانها:
ـ شوفتهم بنفسي.. كنت هتجنن يا عليا.. حسيت إني مشلولة من القهر.. بقى يسبني أنا بسرعة ويجري جري عشان يقابلها..
ـ هدي نفسك بس يا نيرة.. يمكن كان بينهي اللي بينهم.. أو..
صرخت نيرة:
ـ بينهي اللي بينهم!!..إيه السذاجة اللي أنتِ فيها دي أنتِ كمان..
ـ أومال إيه بس يا نيرة؟.. أنتِ مش بتقولي إنكوا كويسين مع بعض..
أوقفت نيرة السيارة على جانب الطريق وهي تضرب بيدها مقود السيارة بعنف:
ـ أنا كنت فاهمة أنه هينساها.. هو بقى له أسبوع ما شفهاش.. أنا متأكدة.. لكن.. لا.. برضوه الصعلوكة دي لسه بتجري وراه.. وعارفة إزاي تجيبه لعندها على ملا وشه
تجنبت علياء سؤال صديقتها من أين لها تلك المعرفة.. فهي أدركت من زمن أن لنيرة وسائلها للوصول إلى ما تريده من معلومات..
التفتت نيرة لتفتح حقيبتها ويدها ترتعش من الغضب.. فأخرجت قداحة ذهبية صغيرة.. أشعلت بها إحدى السجائر التي سحبتها من علبة ذهبية مماثلة.. وظهر على وجهها التفكير العميق وهي تنفث دخان سيجارتها بغيظ..
أخذت تدق بطرف سيجارتها على العلبة بغيظ.. وهي تفرك شفتيها بين أسنانها.. ثم برقت عينيها بشدة وهي تنظر إلى العلبة الذهبية وتهمس بشماتة:
ـ ماشي يا منى.. أنا بقى عرفت إزاي اخليكي تبعدي عن حسن.. وما تفكريش تقربي منه تاني..
رمقتها علياء بقلق:
ـ ناوية على إيه يا نيرة؟..
هزت نيرة كتفيها بلامبالاة وهي تسأل علياء:
ـ أنتِ عارفة منى بتشتغل فين؟..
أومأت علياء موافقة:
ـ ايوه في محل فساتين سواريه في مول...
قاطعتها نيرة وعينيها تبرقان بخبث:
ـ طيب يلا بينا.. أنتِ أكيد محتاجة فستان عشان حفلة الليلة..
وانطلقت بسيارتها وهي تضحك بسخرية وشماتة مما تنوي فعله...
**************
دخل عامر إلى غرفة صبا ابنته الصغرى فوجدها تمسك بالهاتف وعينيها الجميلتين تلتمع بالدموع.. جلس بجانبها بهدوء وهو يملس شعرها الكستنائي المموج قليلاً.. وسألها بهدوء:
ـ كلمتِ فريدة؟..
أومأت برأسها في موافقة صامتة.. وظهر الحزن على ملامحها.. فضمها والدها إلى صدره وهو يخبرها:
ـ أنتِ عارفة إني مش همنعك أنك تروحي تعيشي معاها.. إحنا.. أنا وفريدة عمرنا ما اختلفنا على مصلحتك.. أو عارضنا في إنك تعملي اللي أنتِ عايزاه..
أومأت صبا مرة ثانية وهي تهمس لوالدها:
ـ أنا اخترت إني أكون هنا معاك يا بابا.. وأنا مقتنعة بكده.. وأن ده أفضل لي ولـــفريدة..
أبعدت رأسها قليلاً عن صدره وهي تمسح دموعها بظاهر يدها:
ـ حضرتك عارف أن فريدة صعب عليها تراعيني.. وهي بترسم.. وخاصة لو بتجهز لمعرض زي اليومين دول.. وأنا كمان مش بحب الحياة في باريس..
افتعل عامر ضحكة صغيرة وهو يخبرها:
ـ ما بتحبيش الحياة في باريس!!.. ما سمعتكيش نيرة.. كانت وقعت من طولها..
ضحكت صبا هي الأخرى.. ثم سكتت قليلاً.. وأخبرته بخفوت:
ـ هي سألت عليك وعلى أخبارك.. وطلبت مني أراعي صحتك..
أغمض عامر عينيه بألم لا يريد أن يظهره لطفلته الصغيرة.. تلك الفتاة التي يمزقها ولائها له وحبها لوالدتها.. فريدة
فريدة.. جنته وعذابه... فرحه وجرحه.. من أذاقته جنون الحب وآلامه.. من عرف معها روعة العشق ولوعته..
ظلمها.. ظلمها بشدة لا جدال.. ولكنها عاقبته بقسوة.. وتركته ليعيش على كل ذكرى له معها..
شعر بأنامل طفلته الصغيرة تمسح دمعة صغيرة خانته وسقطت على وجنته.. فربت على شعرها بحنان.. بينما هي ألقت نفسها بين ذراعيه وهي تضمه بقوة:
ـ أنا بحبك قوي يا بابا...
وبداخلها تتردد فكرة.. أنها لن تدع نفسها تسقط في الحب أبداً...
***************
وقفت علياء أمام المرآة تتأمل ثوبها الجديد الذي ابتاعته برفقة نيرة.. حسناً.. ليس تماماً.. فالثوب الذي اختارته نيرة وأصرت على علياء لتبتاعه معلق داخل الخزانة بأمان.. هذا لو أمكن اطلاق لفظة ثوب على قطعة القماش القصيرة والتي تتصل ببعضها عن طريق مجموعة من الشرائط والحبال المجدولة.. والذي تصر نيرة على أنه صمم خصيصاً لجسد علياء...
لا تنكر أنه يظهرها فاتنة ومغرية للغاية.. كأنها.. كأنها.. ساقطة.. نعم هذا أول ما خطر على بالها عندما رأت نفسها به أمام المرآة في محل الثياب وبالتأكيد هذا ما سيفكر به يزيد إذا رآها ترتديه.. لذا خلعته بهدوء وطلبت من البائعة أن توضبه في إحدى الأكياس وتجهز الفاتورة الخاصة به حتى لا تثير عواصف نيرة التي كانت مشغولة عنها بمراقبة وصول منى التي انتهت فترة راحتها ولم تصل بعد _ولله الحمد_... فانتهزت علياء تلك الفرصة وتوجهت إلى الثوب الذي خطف بصرها منذ اللحظة الأولى وقررت شرائه حتى بدون تجربته أولاً..
***********
التف ذراع يزيد حول خصر ريناد الرشيق وهو يحاول أن يضمها أكثر إلى صدره.. ليتمكن من مراقصتها كما يريد ولكن تلك الفراشة الكبيرة المثبتة على صدر ثوبها كانت تمنعه من تنفيذ ما يريد.. فهمس لها متأففاً:
ـ أنا مش فاهم أنتِ ليه بتحبي اللبس المكلكع ده.. إيه لازمة الفراشة اللي قاعدة تعضني دي..
ضحكت ريناد بتأنيب:
ـ الموضة يا حبيبي.. وبعدين أنت مش قلت أن نيرة هتحضر الحفلة.. عايزها تكون أشيك مني ولا إيه؟..
هز يزيد رأسه بتعجب لانشغال ذهن ريناد دائماً بالتفوق على نيرة.. وكأن هناك مسابقة ما بينهما لمن تتزعم درب الجمال والأناقة.. لا يعلم ما أسباب تلك المنافسة الغريبة.. فريناد ذات جمال مشرق يختلف عن جمال نيرة الوحشي.. فهي ذات شعر ذهبي وعيون بلون العسل.. وابتسامة أنثوية جذابة
حسناً قد تتشابه الفتاتان في شيء واحد فكليهما تعشق التفرد والتميز.. فريناد مثلاً ارتدت لتلك الحفلة ثوباً طويلاً من الساتان البرونزي, بلا أكتاف ولا أكمام.. يكشف عن ظهرها وصدرها الذي يكاد أن يختفي تحت الفراشة اللعينة والتي تنتهي بعقدة ذات لون ذهبي.. ثم يضيق الثوب ليظهر رشاقة قدها وبطنها المسطح, ووركيها الدقيقين والذي يبدأ الثوب في الاتساع بعدهما مباشرة في عدة ثنايات حتى يصل إلى ما بعد كاحليها... كانت مثالية في أناقتها.. وفاتنة بزينتها المتقنة.. وجاهزة تماماً لتكسب نقطة على نيرة في حفلة الليلة كما كانت تظن..
استمر يزيد في محاولة مراقصتها بوجود الفراشة الضخمة كحاجز بينهما.. وهمس في أذنها:
ـ أنتِ الليلة أجمل واحدة في الحفلة... لولا بس الفراشة دي..
ابتسمت ريناد في سعادة وقد عزز غزل يزيد من ثقتها بنفسها..
بينما عاد يزيد يسألها:
ـ مش ناوية بقى تحني علي وتكون الرقصة الجاية في فرحنا؟..
ـ أووه يا يزيد.. أنت مستعجل على إيه؟.. مش أنت وعدتني إنك هتصمم بيتنا مخصوص زي ما أنا عايزة..
زفر يزيد بضيق:
ـ ما هو أنا صممته يا ريناد.. ده اتصمم في وقت قياسي.. لكن أنتِ بقى لك أكتر من سنة بتغيري وتعدلي في الديكور.. ولسه ما فكرتيش في العفش..
أخبرته ريناد بسأم:
ـ هو احنا كل ما نشوف بعض لازم السيرة دي.. أنت عارف أنه بيتي لازم يكون بيرفكت.. ما فيش فيه غلطة.. أنت تكره يعني أنه بيتك يكون مثال للشياكة والأناقة..
هز رأسه بيأس:
ـ أنا كل اللي يهمني إننا نكون في بيت واحد..
ابتسمت ريناد له بعصبية بينما ظلت تترقب ظهور نيرة _غريمتها_ التي تتعمد بالطبع الحضور متأخرة عن الجميع حتى تحدث الأثر المطلوب في النفوس..
وعلى الرغم منه ترقب يزيد أيضاً وصول نيرة.. ليس اهتماماً منه بالنرجسية الحمراء.. ولكن حتى يطمئن على الجنية الصغيرة التي رفضت أن تأتي معه هو وريناد كما تعذرت بعدم انتهائها من ارتداء ثيابها حتى لا يرى ثوبها الجديد..
جمود ريناد بين ذراعيه مع الصمت الذي حل فجأة أخبره بوصول نيرة.. والتي تعلقت بذراع حسن مرتدية ثوب من الشيفون الأسود الشفاف.. يكشف عن أحد كتفيها ويترك الآخر عارياً.. بينما كانت البطانة الداخلية تغطي صدرها وحتى بداية وركيها.. تاركة باقي جسدها مغطى بطبقة شفافة وواسعة من الشيفون المشقوق كاشفاً عن إحدى ساقيها.. بينما كانت زينتها كاملة أبرزها طلاء شفتيها الأحمر الداكن..
بينما أنظار الجميع كانت مسلطة على نيرة بثوبها اللافت.. بحث يزيد بعينيه عمن تهمه حقاً.. وهو يتوعدها سراً بتنفيذ تهديده إذا خالفت أوامره..
لمحها أخيراً وهي تدخل خلف نيرة, بثوب من الشيفون أيضاً ولكنه لم يكن شفافاً.. بل يحتوي على بطانة داخلية ومكون من عدة طبقات من القماش الناعم.. والذي تدرج لونه من الأبيض الناصع عند الصدر ثم تداخل درجات من اللون الرمادى عند الخصر وتبدأ تدرجات من اللون الازرق من بعد الركبتين لتتداخل مع درجات الابيض مع تعدد طبقات الثوب..
كان الثوب مطابق لما طلبه منها حتى أنه يحتوي على كُمين لهما نفس تدرجات الثوب ويضيقان عند المرفق ليتسعا بعد ذلك.. كان الثوب المثالي باستثناء فتحة الصدر المربعة..
لاحظ يزيد تحول الأنظار من نيرة إلى الجنية الصغيرة التي جذبت الجميع كعادتها.. رغم أنها لم تضع من الزينة إلا الكحل الأسود وطلاء الشفاه اللامع..
حسناً.. ماذا يستطيع أن يفعل بها؟.. لقد التزمت بتعليماته تماماً.. ورغم ذلك يستطيع أن يرى نظرات الإعجاب في عيون الرجال ممتزجة بنظرات الحسد لذلك الرجل الذي تعلقت بذراعه.. والذي لم يكن سوى مازن..
ضغط يزيد على أسنانه حتى كادت أن تتحطم.. وهو يتوجه إلى الوافدين مصطحباً ريناد معه..
صافح الرجال بعضهم بينما اكتفت ريناد بهزة رأس بسيطة كتحية عابرة..
كانت عينيّ علياء معلقة على يزيد تنتظر ردة فعله على ثوبها.. والتي لم تستطع تبينها من ملامح وجهه المبهمة.. بينما أخذت نيرة وريناد تتأمل كلا منهما الأخرى وكأنها تبحث عن خطأ ما في مظهرها..
بادر يزيد بالسؤال الذي يؤرقه:
ـ انتوا جيتوا كلكوا سوا ولا إيه؟..
أسرع مازن بالإجابة وابتسامة غامضة ترتسم على وجهه:
ـ لا.. احنا اتقابلنا على الباب..
وأضاف وابتسامته تتسع:
ـ أنا جبت عليا.. على ما حسن يجيب نيرة.. يعني قولنا نوفر وقت..
توجه يزيد إلى علياء:
ـ طب مش كنتِ جيتي معانا, بدل ما نتعب مازن..
أجابه مازن باستمتاع:
ـ يا سيدي ما فيش تعب ولا حاجة..
قاطعت ريناد الحديث الدائر وقد أزعجها أن تكون علياء هي محور الاهتمام:
ـ هو احنا هنفضل واقفين كده.. مش هندخل نقعد..
رمقتها نيرة باستفزاز:
ـ وهو أنتِ هتعرفي تقعدي بالفستان ده.. بيتهيألي صعب..
احتقن وجه ريناد غضباً وهي تجيب:
ـ ما تقلقيش يا نيرة.. أنا دايماً فساتنيني بتتصمم لي أنا مخصوص.. يمكن أنتِ مش متعودة على كده..
كادت أن ترد نيرة برد آخر مستفز حينما تدخل حسن ليصطحبها داخل القاعة:
ـ نيرة.. أنا تعبت من الوقوف يلا بينا ندخل..
واصطحبها مبتعداً عن ريناد قبل أن يتطور النقاش بينهما إلى شجار علني.. بينما اصطحب مازن علياء ليجلسا حول أحد الموائد تحت نظرات يزيد الرافضة...
عندما لاحظ مازن أن علياء تفرك يديها قلقاً.. سألها مندهشاً:
ـ في حاجة يا عليا؟..
ترددت قليلاً:
ـ أصل.. يزيد متضايق..
ابتسم مازن بخبث:
ـ متضايق!!.. لا أبداً.. ما هو بيرقص مع ريناد أهو..
أومأت علياء موافقة ونظراتها معلقة بيزيد.. بينما نظر إليها مازن مشفقاً عليها من مشاعرها الواضحة.. فحاول جذبها لتبادله حواراً بسيطاً حول حياتها في المزرعة.. حتى استطاع بلباقته وسرعة بديهته أن يحول عينيها بعيداً عن الثنائي الراقص.. وشيئاً فشيء أخرجها من خجلها وترددها.. وبدأت تتعالى أصوات ضحكاتهما.. وهما يتبادلان ذكريات طفولتهما وخاصة المشاغبة منها..
لاحظت ريناد عيني يزيد التي تتابع ما يحدث بين مازن وعلياء.. فازداد غضبها الذي لم يهدأ بعد.. وقالت ليزيد بغيظ:
ـ يزيد.. أنت هتفضل قاعد تراقب البنت دي كتير.. أنا تعبت من الرقص وعايزة أخرج الفرانده شوية..
لم يفهم يزيد ما أصابه.. ففي الظروف العادية هو من يسعى جاهداً حتى ينفرد بريناد بعيداً عن العيون, لكن الآن وهي من تطلب الانفراد به.. تكاد كلمات الرفض تخرج من شفتيه.. فكل ما يرغبه الآن أن يلكم مازن_صديقه المفضل_ على أنفه..
وهذا الشعور على وشك اصابته بالجنون.. لذا مرغماً وافق ريناد واصطحبها خارجاً حيث الهواء النقي الذي يرجو أن ينقي أفكاره ايضاً..
رمقت نيرة حسن بنظرات عاشقة وهي تسأله:
ـ برضوه لسه زعلان من الفستان؟..
سألته هذا السؤال لتطمئن على موقفه منها, فعندما وصل لاصطحابها كانت ترتدي ثوباً آخر.. يكاد يكون فاضحاً.. فكان طوله بالكاد يصل إلى أعلى ساقها..
أشاح حسن بوجهه عنها:
ـ نيرة.. أنا مش بحب أفرض رأيي.. بس أنتِ شايفة أنه كان عادي أسيبك تخرجي بالشيء اللي كنتِ لابساه ده؟..
اقتربت منه تمسك بيده بأناملها الطويلة:
ـ أنا مش زعلانة.. أنا مستعدة أعمل كل اللي أنت تطلبه.. أغير نفسي زي ما تحب.. المهم أنك ترضى عليّ..
رمقها بذهول:
ـ غريبة!!...
سألته بقلق:
ـ ليه؟..
ـ كلامك ده مخالف لنيرة اللي أنا أعرفها..
أجابت بتبرم وقد خشيت أن تفشل خطتها الجديدة لاجتذابه... فبعد ما فشلت في الإنتقام من منى عصر اليوم.. حيث أن الأخيرة لم تعد إلى عملها بعد فترة راحتها واتصلت تعتذر عن باقي اليوم.. فلم تتمكن نيرة من تنفيذ خطتها.. لذا قررت مؤقتاً تعديل معاملتها لحسن بأن تُظهر له الخضوع واستعدادها الكلي للتغيير من أجله:
ـ أوووه.. يا حسن.. أنا هكون اللي أنت عايزه.. ده عشان خاطرك أنت بس..
شعر حسن بالمرارة تجري في حلقه.. فالتظاهر ليس من طبعه.. وهو لا يريد التورط أكثر من ذلك مع نيرة.. ولا أن يزداد تعلقها به.. وفي نفس الوقت لا يريد والده أن يشعر بما يحاول تدبيره هرباً من تلك الزيجة..
يحاول جاهداً إظهار جوانب الإختلاف بينه وبينها حتى تتأكد هي من استحالة ارتباطهما.. ولكنها تناوره بمهارة شديدة..
سمعها تناديه:
ـ حسن.. حسن.. مش هنرقص إحنا كمان..
التفت إلى ساحة الرقص ليجد إن مازن يصطحب علياء للرقص.. بينما الفرقة الموسيقية بدأت تعزف أحد الألحان المميزة لرقصة التانجو..
هز حسن رأسه نافياً:
ـ لا.. مازن بيرقص تانجو أحسن مني.. خلينا للرقصة الجاية..
برمت شفتيها بغيظ بينما أخذت تراقب مازن وهو يمد ذراعه على طولها لتقف علياء مواجهة له وتقوم بالمثل.. ثم تضع يدها في يده ليجذبها قريباً منه بينما هي تفرد كفها الأيسر على ظهره وترفع وجهها لتواجهه.. ليدورا معاً عدة مرات حول ساحة الرقص قبل أن يفلتها مازن لتستند على ذراعه الأيسر حتى يتلامس كفاهما فيعود ليجذبها مطوقاً خصرها بذراعه ويضمها إلى صدره.. فيما ترفع هي ساقها اليسرى قليلاً لتلفها حول ساقه اليمنى.. ليعود ويلفها حوله لمرتين بينما طبقات ثوبها المتعددة تلتف حولهما ثم يضمها إليه جاعلاً ظهرها ملاصق لصدره.. فترتفع ذراعها لتطوق عنقه ويرفعها من خصرها لتواجهه ثانية ثم يطلقها مرة أخرى لتدور حوله عدة مرات لتكون بطيات ثوبها سحابة سماوية رائعة..
كانت عيون الجميع معلقة بهما.. بينما توقف باقي الراقصين واكتفوا بالالتفاف حولهما في حلقة واسعة فقد كان من الواضح أن الاثنين على درجة عالية من الاحتراف والمهارة.. فتابعهما الجميع يتأملان تلك الرقصة التي تصرخ بمختلف المشاعر.. حيث تعالت الهمهمات حول كونهما زوج من العشاق يعبران عن عشقهما بالرقص.. ولم تكن الظنون بعيدة عن الحقيقة.. فالواقع أن الاثنين عاشقان بالفعل ولكن ليس لبعضهما فكلاهما عاشق في مثلث حب مستحيل..
فكلا منهما ارتسم على وجهه بوضوح معاناة عاشق.. وكأنهما برقصتهما تلك يعلنان بوضوح عن عشقهما اليائس...
استمرت الرقصة عدة دقائق أخرى قبل أن ينهيها مازن حيث جذب علياء التي انثني جذعها فوق ذراعه حتى وصل شعرها إلى أرض القاعة..
تعالى التصفيق من الراقصين حولهما ومن الجمهور أيضاً تحية لهما على مهاراتهما الواضحة..
ساعد مازن علياء على الاعتدال فطوقها بذراعه حتى تستعيد اتزانها.. بينما تابعت عينيّ نيرة ما يحدث وقد انتابها غضب غير مفهوم..
غضب.. لو كان لمحه مازن لرقص قلبه فرحاً.. لكن ما جذب نظره هو عينيّ يزيد الذي كان يرسل إليه نظرات كفيلة بإثارة الرعب لقبيلة من الرجال..
فيزيد كاد أن يجن محاولاً تفسير ذلك الغضب الذي يشعر به من مراقصة مازن لعلياء..
علياء التي بدت الآن بريئة كالملاك.. ومغرية كالخطيئة..
