رواية متاهة مشاعر الفصل الثالث 3 بقلم نهي طلبة
انطلق يزيد بسيارته بسرعة تنم عن غضبه الشديد, بينما التزمت علياء الصمت وقد شعرت بالتوتر الشديد وهي تلمح اشتداد يديه على المقود في محاولة منه للتحكم بغضبه...
انتفضت بقوة عندما سمعت صوته يقول بغضب مكتوم:
ـ كام مرة قلت لك تاخدي بالك من طريقة لبسك؟
سكتت علياء وأخذت تفرك يديها معاً بتوتر فصرخ بها:
ـ ردي..
تلعثمت بشدة وهي تحاول الدفاع عن نفسها:
ـ بس أنا لبسي محترم.. مش قصير ولا مكشوف.
ـ علياء.. أنتِ فاهمة إني غبي.. ولا عايزة تستغبيني؟!..
ـ لا.. بس..
ـ من غير بس.. اللبس اللي أنتِ لابسة ده ما يتلبسش تاني.. اللبس المحترم يستر صاحبته مش يخلي عيون الخلق تنهش فيها.. مفهوم؟..
سكتت ولم ترد فأكمل هو مغلقًا الموضوع:
ـ انتهينا.. بطلي تمشي ورا نيرة.. أنا مش فاهم إيه اللي عجبك فيها؟..
كادت أن تصرخ به..
"لأنها الوحيدة اللي بتهتم بيا.. الوحيدة اللي بتسمعني وتساعدني من غير ما تحسسني إني حمل تقيل, أو انسانة غير مرغوب في وجودها"..
كانت الكلمات على لسانها ولكنها ابتلعتها كالعادة حتى لا تغضبه.. فهي لا تحتمل أن يكون على خلاف معها..
سمعته يسألها:
ـ وصلتِ امتى؟..
ـ النهارده الصبح بدري..
وأكملت وكأنها تبرر سبب حضورها من المزرعة:
ـ جيت علشان أقدم في مكتب التنسيق.. النهارده آخر يوم..
سألها بتأنيب:
ـ وأنتِ ايه اللي مأخرك لآخر يوم؟.. هو أنا مش بعت لك السواق من يومين ورجعتيه من غير ما تيجي معاه بحجة إنك لسه بتفكري..
رمقته بذهول.. فلم يحدث أي من هذا على الإطلاق.. وهل هي مجنونة لتفوت فرصة القدوم إلى الفيلا لتراه حتى ولو خمس دقائق!!..
لمح ذهول نظراتها فسألها بتشكك:
ـ ايه.. حصل ده ولا محصلش؟..
أدارت وجهها نحو النافذة ولم تجبه.. فهي إن أخبرته أن أي من هذا لم يحدث ستسبب الأذى للسائق المسكين, فمن المؤكد أن من أمره بعدم الحضور سهام هانم.. والرجل لن يستطيع مخالفة أوامرها...
كانت تلك الأفكار تدور أيضاً في رأس يزيد.. لذا سألها بخفوت:
ـ مين جابك النهارده؟..
التفتت له وهي تجيب في خفوت:
ـ نيرة.. مرت علي في المزرعة.. وأخدتني مكتب التنسيق.. وبعدين طلعنا على النادي..
زفر بغيظ:
ـ نيرة تاني!!
استاءت من ازدرائه لصديقتها فهتفت بغيظ:
ـ وإيه يعني؟!.. هو يعني كان في حد غيرها اهتم بيا ولا عبرني!..
وضعت يدها على شفتيها لتكتم باقي كلماتها.. فهي لا تريد الشكوى.. لن تطلب الاهتمام من عائلة عصام الغمراواي.. لن تكون مثيرة للشفقة أبداً... فهي أدركت منذ سنوات أنها لا تمتلك أي حقوق في ذلك المنزل.. فقط عليها أن تتلقى فتات الاهتمام التي يلقون بها إليها وتكون شاكرة على ذلك.. ولا تجرؤ على الشكوى حتى لا تكتسب عداوة سهام.. فهي عدو شرس.. لا ترغب في إثارته أبداً..
مرر يزيد كلماتها فهو يعلم أنه لن يستطيع تغيير قلب أمه نحوها وسألها بتقرير:
ـ كتبتِ فنون جميلة رغبة أولى, صح؟
هزت رأسها نفياً واجابت بصوت مكتوم:
ـ لا.. كتبت آداب..
التفت اليها بدهشة:
ـ إيه!!!.. آداب.. ليه؟!.. واللوحات والتصميمات اللي مليتي بيهم المزرعة دول إيه؟؟..
أدارت وجهها مرة أخرى نحو النافذة حتى تخفي الدموع التي ترقرقت في عينيها:
ـ آداب أفضل.. مش هكون مضطرة إني آجي من المزرعة يومياً.. ممكن مرة أو اتنين في الشهر لكن فنون جميلة.. لازم الحضور كل يوم.. وده هيكون مجهود كبير.. و..
قاطعها بغضب:
ـ إيه الكلام الفارغ ده!.. مجهود إيه وحضور إيه؟!!.. ما هو أنتِ طبيعي هتقعدي عندنا في الفيلا.. إيه اللي يخليكي ترجعي المزرعة؟
التفتت له بسرعة فلمح العبرات المتجمدة بعينيها.. فأعادت وجهها سريعاً نحو النافذة تتأمل الناس خارج السيارة.. كم واحد منهم استطاع تحقيق حلمه.. وكم منهم وأد حلمه في مهده مثلها.. فالمكالمة التحذيرية من سهام هانم والتي تلقتها وهي في طريقها إلى مكتب التنسيق _بعدما أخبرها جواسيسها في المزرعة بالطبع بوصول نيرة حتى تصطحب عليا وتقدم أوراقها_ ما زالت كلماتها ترن في أذنيها..
"اختاري أي كلية نظرية لو ليكي رغبة تكملي في الجامعة.. أنتِ عارفة إني مش هقبل وجودك في بيتي, فما تفرضيش نفسك عليّ عشان ما تندميش"..
هتافه باسمها جعلها تلتفت له لتخبره على عجل:
ـ خلاص.. أنا اخترت آداب وواثقة إني هقبل فيها.. ما فيش داعي لدوشة الكليات العملية..
كان يعرف أنها تكذب... لقد صدعت رأسه برغبتها في دراسة الفن.. تارة تتوق لدراسة الفن التشكيلي.. وتارة تحلم بأن تكون مصممة أزياء.. وأحياناً أخرى مصممة ديكور.. وأخيراً كانت تحلم بأن تكون مصممة جرافيك.. كان الرسم هو الهاجس المسيطر عليها.. لم تخلت عن حلمها؟.. وقررت اتباع الطريق السهل؟.. هل تلك إحدى الأعراض الجانبية لصلتها الوطيدة بنيرة؟.. أم أن والدته لها يد في ذلك؟..
هم بسؤالها ولكنهما كانا قد وصلا إلى الفيلا.. فأوقف السيارة لتقفز هي بسرعة خارجة منها قبل أن يتمكن من توجيه أي سؤال.. حاول اللحاق بها...
حتى يتأكد من شكوكه ولكن صوت أمه أوقفه وهو يسمعها تسأل علياء بكره:
ـ أنتِ!!.. ايه اللي جابك على الفيلا؟.. ما رجعتيش على المزرعة على طول ليه؟..
تلعثمت علياء في الرد وقد جمدتها الكراهية الخام في صوت سهام.. فاندفع يزيد يخبر والدته وقد تأكد إحساسه بأن والدته هي وراء تغيير رغبات علياء.. فعلى ما يبدو أنها تعلم بوجود علياء في المدينة:
ـ أنا جبت علياء معايا من النادي يا ماما..
سمع صوت رقيق يأتي من خلفه:
ـ ازيك يا بشمهندس.. إيه.. مش ناوي تسلم!!
التفت إلى صاحبة الصوت وهو يهتف بلهفة:
ـ ريناد!!..
مدت يدها إليه فتناولها بلهفة وهو يجذيها قليلاً مقبلاً وجنتها:
ـ ريناد عندنا.. يا ميت ألف أهلاً وسهلاً..
ضحكت ريناد برقة وهي تسير بجواره بعد أن طوق خصرها بذراعه واستئذن من والدته بنظرة سريعة.. انتهزتها ريناد لتمنح علياء نظرة مشتعلة بالغيرة.. وكأنها تحذرها من الاقتراب منه..
تلقت علياء نظرة ريناد بغيظ خاصة وهي تلمح ملابسها التي تشبه إلى حد بعيد ملابس علياء والتي أقام يزيد الدنيا عليها.. ولكن كل ما تفعله ريناد هو مقبول ومسموح به.. تمتمت علياء بغيظ..
"أنت محتاج فحص دماغ يا يزيد.. لأن اللي بتعمله ده اسمه شيزوفرينيا"..
ـ عليا...
أوقفها صوت سهام الصارم.. فالتفتت نحوها في تردد:
ـ هبعت لك غداكي في أوضتك.. وبعد كده هيوصلك السواق على المزرعة..
أومأت موافقة بصمت واتجهت إلى غرفتها بسرعة ولكن ليس قبل تلقي نظرة على الحبيبين اللذين كانا توغلا داخل حديقة الفيلا, ولكنها استطاعت أن تلمح ريناد وهي تحاول جاهدة التملص من عناق يزيد..
***************
جلست نيرة أمام حسن على المائدة التي فرغت تماماً إلا منهما وسألته بلوم:
ـ كده برضوه يا حسن.. أسبوع يعدي من غير ما تحاول تيجي تشوفني ولو مرة واحدة..
رد باقتضاب اغاظها:
ـ كان ورايا شغل كتير قوي..
سألته بدلال:
ـ يعني الشغل أهم مني؟..
ـ معلش يا نيرة.. أنا لسه ما تعودتش يكون عندي خطيبة والجو ده..
ـ ولا يهمك يا سيدي.. أنا مسامحاك.. بس بشرط.. اعزمني على الغدا..
ـ أيوه.. بس أنا لسه متغدي مع يزيد ومازن..
زمت شفتيها بفتنة:
ـ خلاص.. مش مشكلة أنا أساساً مش بتغدى إلا سلطة.. لازم أحافظ على رشاقتي.. أنت إيه رأيك؟.. تفتكر أنا محتاجة أنزل وزني شوية ولا كده كويس؟..
رافقت كلماتها بتمرير يدها على منحنياتها المثيرة.. وكأنها تملس على جسدها تبحث عن عيب ما..
تابعت عيناه حركة يديها لا إرادياً وهو يتأملها بتقدير ذكوري بحت.. فهو لا يستطيع الإنكار أنها جميلة بالفعل.. قد لا يستهويه جمالها إلا أنه لا يستطيع إنكاره..
لمحة نظراته التي تتأمل جسدها بنظرة تقدير لم تخطئها.. ابتسمت بخبث وقد حققت هدفها ولفتت نظره أخيراً إلى جمالها وأنوثتها..
أخبرته بلهجة مغوية:
ـ إيه رأيك اعزمك عزومة تحفة.. ديسكوتيك فظييع يا حسن.. الـ ـدي جى هناك تحفة.. هنرقص للصبح.. وإيه بيشتغل من بدري.. يعني عقبال ما أغير وآخد شاور يكون اشتغل..
سألها بلهجة ساخرة قليلاً:
ـ وأنتِ ما غيرتيش هدومك من بدري ليه؟..
ـ أووووه... حسن.. ما تغيرش الموضوع..
ـ الموضوع!.. آه قصدك الديسكو.. لا.. معلش.. أنا مش بتاع ديسكوهات..
ـ ازاي بقى!!.. أنت كنت بتروح قبل كده مع يزيد ومازن
ـ أنتِ قولتيها.. يزيد ومازن.. يعني شلة شباب مع بعض.. معلش اعذريني أنا أصلي دقة قديمة حبتين..
غيرت نيرة من تكتيكها وهي تخبره بدلال:
ـ دقة قديمة.. دقة قديمة.. وماله.. أنا أصلاً بعشقك في جميع أحوالك.. بس هتخرجني فين بقى؟..
نظر إلى ساعته نظرة سريعة:
ـ أنا أساساً اتأخرت.. لازم أمشي.. معاكِ عربيتك ولا أوصلك؟..
رمقته بغيظ.. فهي تحاول التقرب منه بكل الطرق ولكنه يصد كل محاولة منها.. لقد ظنت اليوم أنها تستطيع الانفراد به.. فهي علمت أنه استأذن من الشركة متعذراً بدعوة يزيد.. وها هو يزيد ينطلق بعلياء مثل الثور الأحمق.. فما الذي تأخر عنه حسن؟..
أخذ عقلها يعمل سريعاً.. هل تنتهز الفرصة وتطلب منه إيصالها وتقتنص بضعة دقائق أخرى معه.. أم تتركه يرحل وتتبعه لتعرف إلى أين سيذهب؟.. وما الذي أفرغ له جدوله لباقي اليوم؟..
ـ نيرة.. سرحتِ في إيه؟.. أوصلك ولا إيه؟
ـ هاااااه.. ولا حاجة.. لا يا حبيبي.. أنت شكلك مستعجل وأنا معايا عربيتي.. ما هو أنا روحت جبت عليا من المزرعة عشان تلحق تقدم أوراقها في مكتب التنسيق..
ـ بجد.. برافو عليكِ يا نيرة.. البنت دي مسكينة فعلاً..
ابتسمت نيرة وقد أدركت أن اهتمامها بعلياء أثار إعجاب حسن.. اذاً فلتستغل هذه النقطة, لتحاول أن تجعله يرى بعض الجوانب الإنسانية بها طالما لا تعجبه الجوانب الانثوية..
ـ تصدق مسكينة فعلاً.. تانت سهام مش بتسمح لها تقعد عندهم في الفيلا خالص.. دي حتى كان نفسها تحضر حفلة النادي الليلة.. بس مش هينفع عشان لازم ترجع المزرعة.. وأونكل عصام ويزيد مش هيوافقوا تيجي معايا لوحدها..
ابتلع حسن الطعم بسهولة:
ـ وهي فيها إيه الحفلة دي؟.. ليه مصرة عليها يعني؟..
ابتسمت نيرة بخبث وقد أدركت أنها قاربت على الوصول لغايتها, فلو طلبت منه الحضور معها إلى الحفل لوجد ألف عذر لعدم الحضور:
ـ لا دي حفلة عادية.. بس عليا كان نفسها تفرح.. تصدق أما نجحت في الثانوية العامة.. ما فيش حد قالها مبروك ولا احتفلوا بها..
كانت تكذب بالطبع ولكنها كانت واثقة أن كذبتها من الصعب أن تنكشف فلن يذهب حسن إلى يزيد أو والده ليعاتبهما على تقصيرهما المزعوم في حق اليتيمة التي تتربى في بيتهما..
ـ ياااه.. لدرجة دي.. أنا كنت فاهم إن يزيد بيخلي باله منها..
ـ أه.. هو بيحاول.. بس ريناد بتغير من عليا مووووت ومش بتمكنه إنه ياخد باله منها..
تعجب حسن لغيرة ريناد من علياء.. فمن المعروف تعلق يزيد بريناد منذ سنوات.. وهي التي كانت تؤخر ارتباطهما.. عقل النساء هذا لن يستطيع فهمه أي رجل..
عرض عليها ما كانت تخطط للحصول عليه:
ـ خلاص.. إيه رأيك لو أخدتك أنتِ وعليا علشان تحضروا الحفلة دي؟..
كانت صرخة السعادة التي أطلقتها نيرة صادقة للغاية:
ـ بجد.. بجد يا حسن.. دي عليا هتفرح قوي..
ـ خلاص.. أنا هكلم يزيد عشان عليا ما ترجعش المزرعة الليلة.. وهعدي عليكِ على الساعة 8.. كويس كده؟..
منحته أروع ابتسامتها:
ـ كويس قوي..
ـ طيب.. يا دوب أقوم أنا بقى عشان أخلص اللي ورايا قبل ميعاد الحفلة..
ـ ماشي يا حبيبي.. أنا هتمشى معاك لحد عربيتك.. وبعدين أروح آخد شاور..
وقفت لتتأبط ذراعه, ولكنه أخبرها بحزم:
ـ لا يا نيرة.. روحي الوقتي على طول غيري هدومك..
ـ ماشي يا حبي.. زي ما تحب.. بااااي
ثم رفعت له وجهها ليقبلها... فطبع قبلة سريعة على وجنتها وابتعد مسرعاً تاركاً إياها تغلي من الغيظ.. سيطرت على نفسها سريعاً.. وانطلقت خلفه حتى تستطيع اللحاق به.. وتتأكد من الشك الذي يموج بداخلها...
*********
صف حسن سيارته في جراج المول الكبير بوسط البلد والذي تعمل منى بأحد محلات الملابس الموجودة به..
التقط هاتفه بسرعة ليتصل بها.. فهي تتهرب منه منذ أسبوع.. منذ حفل خطبته, بل وقبل ذلك.. ولكنه لن يسمح بالمزيد من الهروب.. يجب أن تفهم دوافعه لخطبة نيرة.. وأن يفكرا معاً ليجدا حلًا ما..
أخيراً سمع صوت منى على الجهة الأخرى من الهاتف:
ـ منى.. أنا موجود تحت في الجراج.. انزلي أنا مستنيكي..
رفضت منى بحسم:
ـ حسن.. من فضلك.. امشي.. أنت عارف!!..
قاطعها:
ـ أنا مش عارف حاجة غير أنه لو ما نزلتيش دلوقتِ أنا هطلع لك ومش هتحرك من قدام المحل إلا لو جيتي معايا.. مش هينفع أنك تهربي مني أكتر من كده.. لازم نقعد ونتكلم.. أنا مستنيكي.. خمس دقايق.. وإلا هكون قدامك..
أغلقت منى الهاتف وهي تهتف بحنق:
"المجنون.. هو ليه بيصعبها علينا!.. أنا مش فاهمة!!.. مقابلتنا دلوقتِ هتفيد بإيه غير زيادة الوجع"..
تحركت لتلتقي به بسرعة قبل أن يأتي هو إليها.. فهي تدرك أنه لا يهدد عبثاً.. واستأذنت من صاحبة المحل لتأخذ وقت الراحة الخاص بها..
وقف حسن بجانب سيارته ينتظر ظهور منى, والتي ما أن لمحها حتى شعر بقلبه يقفز خارج صدره ليحيط بها كأنه يريد عناقها.. وحمايتها في نفس الوقت.. أخذ يتأمل شعرها الأسود الطويل الذي يحيط بوجه له شكل القلب.. تتوسطه عينان سوداوان كحيلتان.. خطفتا قلبه منذ سنوات.. لاحظ حركتها المألوفة برفع شعرها من فوق جبهتها.. وهي حركة تقوم بها عندما تتوتر.. فعلم أنها لمحته.. وأنها ما زالت معترضة على لقائهما..
تحرك ليقترب منها فالتقى بها قبل مسافة من سيارته ومد يده ليصافحها فصافحته بخجل وسحبت يدها سريعاً..
رحب بها بلهفة قائلاً:
ـ أهلاً.. بمنايّ
ابتسمت بخجل:
ـ ازيك يا حسن..
أجابها بلوم:
ـ ازيك يا حسن!.. بقى لي 10 أيام ما شوفتكيش.. وبعدين إزيك يا حسن!
تلعثمت بخجل:
ـ ما هو..
جذبها من يدها ليدخلا إلى السيارة:
ـ ما فيش ما هو.. إحنا مش هنتكلم في الشارع..
انطلق بالسيارة ولم يلحظ النظرات النارية التي انطلقت من عينين بلون الزبرجد.. ونيرة تلكم مقود السيارة بكل غضب الدنيا..
*********
وفي إحدى البواخر السياحية والتي ترسو على شاطئ نيل القاهرة جلست منى أمام حسن وهي تحاول التهرب من نظراته.. وتستمع إلى دوافعه لخطبة نيرة والتي حاول شرحها متجنباً تهديد والده بتلويث سمعتها.. وأوضح خطته للمماطلة في تحديد موعد الزواج حتى تنتهي منى من دراستها بعد سنة واحدة..
ظلت منى صامتة لعدة دقائق بعدما انتهى حسن من كلامه ثم ردت عليه بتردد:
ـ يا حسن.. أنت فاهم أنه ببعدي عنك بعاقبك.. أبداً والله.. أنا بس بحاول أوفر علينا ألم ووجع أكبر.. أنا مش بلومك على خطوبتك من نيرة.. أنا سبق وقلت لك إنها بتحبك وأنك لازم تحاول أكتر.. يا حسن احنا حكاية مستحيلة.. لازم نحاول ننسى..
قاطعها بغضب عاشق:
ـ يعني إيه يا منى؟.. عايزة تفهميني.. إنك ممكن توافقي تكوني لحد تاني غيري.. لو اتقدم لك دلوقتِ واحد وقالك أنه بيحبك.. هتوافقي عليه وتحاولي تنسي اللي بينا؟..
وضعت منى وجهها بين كفيها وهي تحاول كتم دموعها:
ـ لا طبعاً.. أنت بتقول إيه بس!!.. أنا مستحيل أكون لحد غيرك
هز رأسه بحيرة:
ـ أومال معنى كلامك إيه.. إني اتجوز نيرة وأعيش وأحاول أحبها كمان.. وأنتِ؟.. أنتِ هتعيشي على الذكرى!.. منى.. احنا مش في فيلم عربي قديم.. أنا إيه اللي يجبرني أرضى بصورة باهتة ممسوخة.. لما أنا عندي الأصل؟؟.. قولي علي أناني.. قولي طماع.. بس أنا عايز حياة كاملة طبيعية بس مع الشريكة اللي بحلم بيها من سنين..
ـ وإذا كان ده مستحيل.
ـ وليه مستحيل؟.. الحل في إيدك يا منى..
ـ أنا مش ممكن أتجوز من غير موافقة أبويا..
ـ ومين قال بس أننا هنتجوز من غير موافقته.. طبعاً هطلبك منه.. وهو كمان اللي هيسلمك لي بإيديه..
ـ أنت هتجنني يا حسن.. أومال إيه الكلام اللي قلتهولي من أول ما قعدنا..
ـ أنا عندي فكرة هحاول أحل بيها جزء من المشكلة.. اسمعيني بس..
استمعت منى إلى فكرة حسن بهدوء.. ثم التزمت الصمت بعدما انتهى من كلامه..
ـ إيه يا منى.. ساكتة ليه؟..
ـ مش عارفة يا حسن.. مش عارفة أقول لك ايه؟. مش قادرة أوافقك.. ومش قادرة برضوه اعترض.. لكن كل اللي هطلبوا منك.. أننا ما نتقابلش طول ما أنت خاطب واحدة تانية.. أنت عمرك ما كنت خاين يا حسن.. وأنا مش عايزك تتحول لواحد خاين حتى لو عشاني..
ـ أنتِ بتقولي ايه!!.. يعني عايزة تحرمني منك؟.. ما اقدرش يا منى.. أنا كنت هتجنن الأسبوع اللي فات..
ـ ده طلبي الوحيد.. وأوعدك أنه لو حصل وبقيت حر وجيت تطلبني من بابا.. هتلاقيني واقفة معاك بكل قوتي.. لكن لحد ما ده يحصل.. لازم تصون عهد صاحبة الدبلة اللي في ايدك...
خلع حسن دبلته بعنف وهو يضعها في كف يدها:
ـ شوفي يا منى.. شوفي أنا لابس دبلة مين..
أمسكت منى الدبلة بأناملها لتلمح النقش بداخلها باسمي حسن ومنى ويحيط بهما قلب صغير له أجنحة من الجانبين.. هطلت دموعها الحبيسة.. ولم يعد باستطاعتها حبسها أكثر من ذلك..
شعر بخناجر تنحر قلبه مع دموعها التي تتساقط.. فسألها بألم:
ـ بتعيطي ليه بس يا منى؟..
أجابته من وسط شهقاتها:
ـ كان نفسي ما اكونش ضعيفة كده يا حسن.. كان نفسي أقوي قلبي وأقسيه وأجبره أنه يبعد عنك.. لكن مش قادرة.. وكل ما بيمر الوقت الألم بيزيد..
أجابها بغضب:
ـ أنا اللي كان نفسي أكون أقوى.. وأقدر أدافع عني وعنك.. أنا كنت ساذج قوي لما افتكرت أن بابا هيكون اهتمامه الأول هو سعادتي.. لكن ملحوقة.. بس لو الخطة اللي في دماغي تمشي مظبوط, مش هيكون في أي حاجة يهددني بيها..
هزت رأسها بألم:
ـ ما تعملش في نفسك كده يا حسن.. مش بقولك كان نفسي أكون أقوى.. ما كنتش أتمنى أني أكون نقطة ضعفك..
أمسك بيدها بحنان:
ـ وأنا ما كنتش أتمنى أنه يكون لي نقطة ضعف غيرك..
سحبت أناملها من بين يديه بخجل:
ـ حسن..
ـ عيون وقلب وروح حسن..
نهضت فجأة وهي تتعثر في خطواتها:
ـ أنا لازم أمشي.. أنا.. اتأخرت.. و..
جذبها من يدها برفق لتجلس مرة أخرى:
ـ استني بس.. مش هنتغدى سوا؟..
تلعثمت:
ـ أصل.. بس..
أجاب حسن بحسم:
ـ من غير بس.. أنتِ حرمتيني منك أكتر من أسبوع.. أنا كنت هموت من غيرك..
جلست منى على مضض.. ولكنها نظرت إليه لتخبره بقوة مناقضة لخجلها السابق:
ـ هقعد أشرب عصير فراولة بس.. وبعدين همشي.. زي ما قلت لك يا حسن.. مش هنحول حاجة بريئة وحلوة زي حبنا لخيانة.. أرجوك.. تفهمني..
أومأ موافقاً:
ـ خلاص يا منى.. زي ما تحبي.. بس ما تحرمنيش من صوتك.. ماشي..
ابتسمت برقة:
ـ هيكون دايماً بينا.. "تصبح على خير.. لا اله الا الله"..
فرد عليها برقة مماثلة:
ـ "احلمي بيا يا ملاكي زي ما بحلم بيكي ليل ونهار".. .. "محمد رسول الله"
ابتسما معاً قبل أن يستدعي حسن النادل ليطلب لهما عصير الفراولة الذي تعشقه منى..
**************
وفي مكتب مازن جلس في كرسيه بعدما أغلق هاتفه للتو.. وقد تلقى المكالمة التي كان ينتظرها.. ثم استدعى سكرتيرته التي دخلت إلى مكتبه حاملةً بعض الأوراق تحتاج إلى توقيعه.. ولكنه أوقفها قائلاً:
ـ مش همضي حاجة دلوقتِ.. ابعتي هاتي لي عم نصر السواق بتاع بابا حالاً.
انتفضت بقوة عندما سمعت صوته يقول بغضب مكتوم:
ـ كام مرة قلت لك تاخدي بالك من طريقة لبسك؟
سكتت علياء وأخذت تفرك يديها معاً بتوتر فصرخ بها:
ـ ردي..
تلعثمت بشدة وهي تحاول الدفاع عن نفسها:
ـ بس أنا لبسي محترم.. مش قصير ولا مكشوف.
ـ علياء.. أنتِ فاهمة إني غبي.. ولا عايزة تستغبيني؟!..
ـ لا.. بس..
ـ من غير بس.. اللبس اللي أنتِ لابسة ده ما يتلبسش تاني.. اللبس المحترم يستر صاحبته مش يخلي عيون الخلق تنهش فيها.. مفهوم؟..
سكتت ولم ترد فأكمل هو مغلقًا الموضوع:
ـ انتهينا.. بطلي تمشي ورا نيرة.. أنا مش فاهم إيه اللي عجبك فيها؟..
كادت أن تصرخ به..
"لأنها الوحيدة اللي بتهتم بيا.. الوحيدة اللي بتسمعني وتساعدني من غير ما تحسسني إني حمل تقيل, أو انسانة غير مرغوب في وجودها"..
كانت الكلمات على لسانها ولكنها ابتلعتها كالعادة حتى لا تغضبه.. فهي لا تحتمل أن يكون على خلاف معها..
سمعته يسألها:
ـ وصلتِ امتى؟..
ـ النهارده الصبح بدري..
وأكملت وكأنها تبرر سبب حضورها من المزرعة:
ـ جيت علشان أقدم في مكتب التنسيق.. النهارده آخر يوم..
سألها بتأنيب:
ـ وأنتِ ايه اللي مأخرك لآخر يوم؟.. هو أنا مش بعت لك السواق من يومين ورجعتيه من غير ما تيجي معاه بحجة إنك لسه بتفكري..
رمقته بذهول.. فلم يحدث أي من هذا على الإطلاق.. وهل هي مجنونة لتفوت فرصة القدوم إلى الفيلا لتراه حتى ولو خمس دقائق!!..
لمح ذهول نظراتها فسألها بتشكك:
ـ ايه.. حصل ده ولا محصلش؟..
أدارت وجهها نحو النافذة ولم تجبه.. فهي إن أخبرته أن أي من هذا لم يحدث ستسبب الأذى للسائق المسكين, فمن المؤكد أن من أمره بعدم الحضور سهام هانم.. والرجل لن يستطيع مخالفة أوامرها...
كانت تلك الأفكار تدور أيضاً في رأس يزيد.. لذا سألها بخفوت:
ـ مين جابك النهارده؟..
التفتت له وهي تجيب في خفوت:
ـ نيرة.. مرت علي في المزرعة.. وأخدتني مكتب التنسيق.. وبعدين طلعنا على النادي..
زفر بغيظ:
ـ نيرة تاني!!
استاءت من ازدرائه لصديقتها فهتفت بغيظ:
ـ وإيه يعني؟!.. هو يعني كان في حد غيرها اهتم بيا ولا عبرني!..
وضعت يدها على شفتيها لتكتم باقي كلماتها.. فهي لا تريد الشكوى.. لن تطلب الاهتمام من عائلة عصام الغمراواي.. لن تكون مثيرة للشفقة أبداً... فهي أدركت منذ سنوات أنها لا تمتلك أي حقوق في ذلك المنزل.. فقط عليها أن تتلقى فتات الاهتمام التي يلقون بها إليها وتكون شاكرة على ذلك.. ولا تجرؤ على الشكوى حتى لا تكتسب عداوة سهام.. فهي عدو شرس.. لا ترغب في إثارته أبداً..
مرر يزيد كلماتها فهو يعلم أنه لن يستطيع تغيير قلب أمه نحوها وسألها بتقرير:
ـ كتبتِ فنون جميلة رغبة أولى, صح؟
هزت رأسها نفياً واجابت بصوت مكتوم:
ـ لا.. كتبت آداب..
التفت اليها بدهشة:
ـ إيه!!!.. آداب.. ليه؟!.. واللوحات والتصميمات اللي مليتي بيهم المزرعة دول إيه؟؟..
أدارت وجهها مرة أخرى نحو النافذة حتى تخفي الدموع التي ترقرقت في عينيها:
ـ آداب أفضل.. مش هكون مضطرة إني آجي من المزرعة يومياً.. ممكن مرة أو اتنين في الشهر لكن فنون جميلة.. لازم الحضور كل يوم.. وده هيكون مجهود كبير.. و..
قاطعها بغضب:
ـ إيه الكلام الفارغ ده!.. مجهود إيه وحضور إيه؟!!.. ما هو أنتِ طبيعي هتقعدي عندنا في الفيلا.. إيه اللي يخليكي ترجعي المزرعة؟
التفتت له بسرعة فلمح العبرات المتجمدة بعينيها.. فأعادت وجهها سريعاً نحو النافذة تتأمل الناس خارج السيارة.. كم واحد منهم استطاع تحقيق حلمه.. وكم منهم وأد حلمه في مهده مثلها.. فالمكالمة التحذيرية من سهام هانم والتي تلقتها وهي في طريقها إلى مكتب التنسيق _بعدما أخبرها جواسيسها في المزرعة بالطبع بوصول نيرة حتى تصطحب عليا وتقدم أوراقها_ ما زالت كلماتها ترن في أذنيها..
"اختاري أي كلية نظرية لو ليكي رغبة تكملي في الجامعة.. أنتِ عارفة إني مش هقبل وجودك في بيتي, فما تفرضيش نفسك عليّ عشان ما تندميش"..
هتافه باسمها جعلها تلتفت له لتخبره على عجل:
ـ خلاص.. أنا اخترت آداب وواثقة إني هقبل فيها.. ما فيش داعي لدوشة الكليات العملية..
كان يعرف أنها تكذب... لقد صدعت رأسه برغبتها في دراسة الفن.. تارة تتوق لدراسة الفن التشكيلي.. وتارة تحلم بأن تكون مصممة أزياء.. وأحياناً أخرى مصممة ديكور.. وأخيراً كانت تحلم بأن تكون مصممة جرافيك.. كان الرسم هو الهاجس المسيطر عليها.. لم تخلت عن حلمها؟.. وقررت اتباع الطريق السهل؟.. هل تلك إحدى الأعراض الجانبية لصلتها الوطيدة بنيرة؟.. أم أن والدته لها يد في ذلك؟..
هم بسؤالها ولكنهما كانا قد وصلا إلى الفيلا.. فأوقف السيارة لتقفز هي بسرعة خارجة منها قبل أن يتمكن من توجيه أي سؤال.. حاول اللحاق بها...
حتى يتأكد من شكوكه ولكن صوت أمه أوقفه وهو يسمعها تسأل علياء بكره:
ـ أنتِ!!.. ايه اللي جابك على الفيلا؟.. ما رجعتيش على المزرعة على طول ليه؟..
تلعثمت علياء في الرد وقد جمدتها الكراهية الخام في صوت سهام.. فاندفع يزيد يخبر والدته وقد تأكد إحساسه بأن والدته هي وراء تغيير رغبات علياء.. فعلى ما يبدو أنها تعلم بوجود علياء في المدينة:
ـ أنا جبت علياء معايا من النادي يا ماما..
سمع صوت رقيق يأتي من خلفه:
ـ ازيك يا بشمهندس.. إيه.. مش ناوي تسلم!!
التفت إلى صاحبة الصوت وهو يهتف بلهفة:
ـ ريناد!!..
مدت يدها إليه فتناولها بلهفة وهو يجذيها قليلاً مقبلاً وجنتها:
ـ ريناد عندنا.. يا ميت ألف أهلاً وسهلاً..
ضحكت ريناد برقة وهي تسير بجواره بعد أن طوق خصرها بذراعه واستئذن من والدته بنظرة سريعة.. انتهزتها ريناد لتمنح علياء نظرة مشتعلة بالغيرة.. وكأنها تحذرها من الاقتراب منه..
تلقت علياء نظرة ريناد بغيظ خاصة وهي تلمح ملابسها التي تشبه إلى حد بعيد ملابس علياء والتي أقام يزيد الدنيا عليها.. ولكن كل ما تفعله ريناد هو مقبول ومسموح به.. تمتمت علياء بغيظ..
"أنت محتاج فحص دماغ يا يزيد.. لأن اللي بتعمله ده اسمه شيزوفرينيا"..
ـ عليا...
أوقفها صوت سهام الصارم.. فالتفتت نحوها في تردد:
ـ هبعت لك غداكي في أوضتك.. وبعد كده هيوصلك السواق على المزرعة..
أومأت موافقة بصمت واتجهت إلى غرفتها بسرعة ولكن ليس قبل تلقي نظرة على الحبيبين اللذين كانا توغلا داخل حديقة الفيلا, ولكنها استطاعت أن تلمح ريناد وهي تحاول جاهدة التملص من عناق يزيد..
***************
جلست نيرة أمام حسن على المائدة التي فرغت تماماً إلا منهما وسألته بلوم:
ـ كده برضوه يا حسن.. أسبوع يعدي من غير ما تحاول تيجي تشوفني ولو مرة واحدة..
رد باقتضاب اغاظها:
ـ كان ورايا شغل كتير قوي..
سألته بدلال:
ـ يعني الشغل أهم مني؟..
ـ معلش يا نيرة.. أنا لسه ما تعودتش يكون عندي خطيبة والجو ده..
ـ ولا يهمك يا سيدي.. أنا مسامحاك.. بس بشرط.. اعزمني على الغدا..
ـ أيوه.. بس أنا لسه متغدي مع يزيد ومازن..
زمت شفتيها بفتنة:
ـ خلاص.. مش مشكلة أنا أساساً مش بتغدى إلا سلطة.. لازم أحافظ على رشاقتي.. أنت إيه رأيك؟.. تفتكر أنا محتاجة أنزل وزني شوية ولا كده كويس؟..
رافقت كلماتها بتمرير يدها على منحنياتها المثيرة.. وكأنها تملس على جسدها تبحث عن عيب ما..
تابعت عيناه حركة يديها لا إرادياً وهو يتأملها بتقدير ذكوري بحت.. فهو لا يستطيع الإنكار أنها جميلة بالفعل.. قد لا يستهويه جمالها إلا أنه لا يستطيع إنكاره..
لمحة نظراته التي تتأمل جسدها بنظرة تقدير لم تخطئها.. ابتسمت بخبث وقد حققت هدفها ولفتت نظره أخيراً إلى جمالها وأنوثتها..
أخبرته بلهجة مغوية:
ـ إيه رأيك اعزمك عزومة تحفة.. ديسكوتيك فظييع يا حسن.. الـ ـدي جى هناك تحفة.. هنرقص للصبح.. وإيه بيشتغل من بدري.. يعني عقبال ما أغير وآخد شاور يكون اشتغل..
سألها بلهجة ساخرة قليلاً:
ـ وأنتِ ما غيرتيش هدومك من بدري ليه؟..
ـ أووووه... حسن.. ما تغيرش الموضوع..
ـ الموضوع!.. آه قصدك الديسكو.. لا.. معلش.. أنا مش بتاع ديسكوهات..
ـ ازاي بقى!!.. أنت كنت بتروح قبل كده مع يزيد ومازن
ـ أنتِ قولتيها.. يزيد ومازن.. يعني شلة شباب مع بعض.. معلش اعذريني أنا أصلي دقة قديمة حبتين..
غيرت نيرة من تكتيكها وهي تخبره بدلال:
ـ دقة قديمة.. دقة قديمة.. وماله.. أنا أصلاً بعشقك في جميع أحوالك.. بس هتخرجني فين بقى؟..
نظر إلى ساعته نظرة سريعة:
ـ أنا أساساً اتأخرت.. لازم أمشي.. معاكِ عربيتك ولا أوصلك؟..
رمقته بغيظ.. فهي تحاول التقرب منه بكل الطرق ولكنه يصد كل محاولة منها.. لقد ظنت اليوم أنها تستطيع الانفراد به.. فهي علمت أنه استأذن من الشركة متعذراً بدعوة يزيد.. وها هو يزيد ينطلق بعلياء مثل الثور الأحمق.. فما الذي تأخر عنه حسن؟..
أخذ عقلها يعمل سريعاً.. هل تنتهز الفرصة وتطلب منه إيصالها وتقتنص بضعة دقائق أخرى معه.. أم تتركه يرحل وتتبعه لتعرف إلى أين سيذهب؟.. وما الذي أفرغ له جدوله لباقي اليوم؟..
ـ نيرة.. سرحتِ في إيه؟.. أوصلك ولا إيه؟
ـ هاااااه.. ولا حاجة.. لا يا حبيبي.. أنت شكلك مستعجل وأنا معايا عربيتي.. ما هو أنا روحت جبت عليا من المزرعة عشان تلحق تقدم أوراقها في مكتب التنسيق..
ـ بجد.. برافو عليكِ يا نيرة.. البنت دي مسكينة فعلاً..
ابتسمت نيرة وقد أدركت أن اهتمامها بعلياء أثار إعجاب حسن.. اذاً فلتستغل هذه النقطة, لتحاول أن تجعله يرى بعض الجوانب الإنسانية بها طالما لا تعجبه الجوانب الانثوية..
ـ تصدق مسكينة فعلاً.. تانت سهام مش بتسمح لها تقعد عندهم في الفيلا خالص.. دي حتى كان نفسها تحضر حفلة النادي الليلة.. بس مش هينفع عشان لازم ترجع المزرعة.. وأونكل عصام ويزيد مش هيوافقوا تيجي معايا لوحدها..
ابتلع حسن الطعم بسهولة:
ـ وهي فيها إيه الحفلة دي؟.. ليه مصرة عليها يعني؟..
ابتسمت نيرة بخبث وقد أدركت أنها قاربت على الوصول لغايتها, فلو طلبت منه الحضور معها إلى الحفل لوجد ألف عذر لعدم الحضور:
ـ لا دي حفلة عادية.. بس عليا كان نفسها تفرح.. تصدق أما نجحت في الثانوية العامة.. ما فيش حد قالها مبروك ولا احتفلوا بها..
كانت تكذب بالطبع ولكنها كانت واثقة أن كذبتها من الصعب أن تنكشف فلن يذهب حسن إلى يزيد أو والده ليعاتبهما على تقصيرهما المزعوم في حق اليتيمة التي تتربى في بيتهما..
ـ ياااه.. لدرجة دي.. أنا كنت فاهم إن يزيد بيخلي باله منها..
ـ أه.. هو بيحاول.. بس ريناد بتغير من عليا مووووت ومش بتمكنه إنه ياخد باله منها..
تعجب حسن لغيرة ريناد من علياء.. فمن المعروف تعلق يزيد بريناد منذ سنوات.. وهي التي كانت تؤخر ارتباطهما.. عقل النساء هذا لن يستطيع فهمه أي رجل..
عرض عليها ما كانت تخطط للحصول عليه:
ـ خلاص.. إيه رأيك لو أخدتك أنتِ وعليا علشان تحضروا الحفلة دي؟..
كانت صرخة السعادة التي أطلقتها نيرة صادقة للغاية:
ـ بجد.. بجد يا حسن.. دي عليا هتفرح قوي..
ـ خلاص.. أنا هكلم يزيد عشان عليا ما ترجعش المزرعة الليلة.. وهعدي عليكِ على الساعة 8.. كويس كده؟..
منحته أروع ابتسامتها:
ـ كويس قوي..
ـ طيب.. يا دوب أقوم أنا بقى عشان أخلص اللي ورايا قبل ميعاد الحفلة..
ـ ماشي يا حبيبي.. أنا هتمشى معاك لحد عربيتك.. وبعدين أروح آخد شاور..
وقفت لتتأبط ذراعه, ولكنه أخبرها بحزم:
ـ لا يا نيرة.. روحي الوقتي على طول غيري هدومك..
ـ ماشي يا حبي.. زي ما تحب.. بااااي
ثم رفعت له وجهها ليقبلها... فطبع قبلة سريعة على وجنتها وابتعد مسرعاً تاركاً إياها تغلي من الغيظ.. سيطرت على نفسها سريعاً.. وانطلقت خلفه حتى تستطيع اللحاق به.. وتتأكد من الشك الذي يموج بداخلها...
*********
صف حسن سيارته في جراج المول الكبير بوسط البلد والذي تعمل منى بأحد محلات الملابس الموجودة به..
التقط هاتفه بسرعة ليتصل بها.. فهي تتهرب منه منذ أسبوع.. منذ حفل خطبته, بل وقبل ذلك.. ولكنه لن يسمح بالمزيد من الهروب.. يجب أن تفهم دوافعه لخطبة نيرة.. وأن يفكرا معاً ليجدا حلًا ما..
أخيراً سمع صوت منى على الجهة الأخرى من الهاتف:
ـ منى.. أنا موجود تحت في الجراج.. انزلي أنا مستنيكي..
رفضت منى بحسم:
ـ حسن.. من فضلك.. امشي.. أنت عارف!!..
قاطعها:
ـ أنا مش عارف حاجة غير أنه لو ما نزلتيش دلوقتِ أنا هطلع لك ومش هتحرك من قدام المحل إلا لو جيتي معايا.. مش هينفع أنك تهربي مني أكتر من كده.. لازم نقعد ونتكلم.. أنا مستنيكي.. خمس دقايق.. وإلا هكون قدامك..
أغلقت منى الهاتف وهي تهتف بحنق:
"المجنون.. هو ليه بيصعبها علينا!.. أنا مش فاهمة!!.. مقابلتنا دلوقتِ هتفيد بإيه غير زيادة الوجع"..
تحركت لتلتقي به بسرعة قبل أن يأتي هو إليها.. فهي تدرك أنه لا يهدد عبثاً.. واستأذنت من صاحبة المحل لتأخذ وقت الراحة الخاص بها..
وقف حسن بجانب سيارته ينتظر ظهور منى, والتي ما أن لمحها حتى شعر بقلبه يقفز خارج صدره ليحيط بها كأنه يريد عناقها.. وحمايتها في نفس الوقت.. أخذ يتأمل شعرها الأسود الطويل الذي يحيط بوجه له شكل القلب.. تتوسطه عينان سوداوان كحيلتان.. خطفتا قلبه منذ سنوات.. لاحظ حركتها المألوفة برفع شعرها من فوق جبهتها.. وهي حركة تقوم بها عندما تتوتر.. فعلم أنها لمحته.. وأنها ما زالت معترضة على لقائهما..
تحرك ليقترب منها فالتقى بها قبل مسافة من سيارته ومد يده ليصافحها فصافحته بخجل وسحبت يدها سريعاً..
رحب بها بلهفة قائلاً:
ـ أهلاً.. بمنايّ
ابتسمت بخجل:
ـ ازيك يا حسن..
أجابها بلوم:
ـ ازيك يا حسن!.. بقى لي 10 أيام ما شوفتكيش.. وبعدين إزيك يا حسن!
تلعثمت بخجل:
ـ ما هو..
جذبها من يدها ليدخلا إلى السيارة:
ـ ما فيش ما هو.. إحنا مش هنتكلم في الشارع..
انطلق بالسيارة ولم يلحظ النظرات النارية التي انطلقت من عينين بلون الزبرجد.. ونيرة تلكم مقود السيارة بكل غضب الدنيا..
*********
وفي إحدى البواخر السياحية والتي ترسو على شاطئ نيل القاهرة جلست منى أمام حسن وهي تحاول التهرب من نظراته.. وتستمع إلى دوافعه لخطبة نيرة والتي حاول شرحها متجنباً تهديد والده بتلويث سمعتها.. وأوضح خطته للمماطلة في تحديد موعد الزواج حتى تنتهي منى من دراستها بعد سنة واحدة..
ظلت منى صامتة لعدة دقائق بعدما انتهى حسن من كلامه ثم ردت عليه بتردد:
ـ يا حسن.. أنت فاهم أنه ببعدي عنك بعاقبك.. أبداً والله.. أنا بس بحاول أوفر علينا ألم ووجع أكبر.. أنا مش بلومك على خطوبتك من نيرة.. أنا سبق وقلت لك إنها بتحبك وأنك لازم تحاول أكتر.. يا حسن احنا حكاية مستحيلة.. لازم نحاول ننسى..
قاطعها بغضب عاشق:
ـ يعني إيه يا منى؟.. عايزة تفهميني.. إنك ممكن توافقي تكوني لحد تاني غيري.. لو اتقدم لك دلوقتِ واحد وقالك أنه بيحبك.. هتوافقي عليه وتحاولي تنسي اللي بينا؟..
وضعت منى وجهها بين كفيها وهي تحاول كتم دموعها:
ـ لا طبعاً.. أنت بتقول إيه بس!!.. أنا مستحيل أكون لحد غيرك
هز رأسه بحيرة:
ـ أومال معنى كلامك إيه.. إني اتجوز نيرة وأعيش وأحاول أحبها كمان.. وأنتِ؟.. أنتِ هتعيشي على الذكرى!.. منى.. احنا مش في فيلم عربي قديم.. أنا إيه اللي يجبرني أرضى بصورة باهتة ممسوخة.. لما أنا عندي الأصل؟؟.. قولي علي أناني.. قولي طماع.. بس أنا عايز حياة كاملة طبيعية بس مع الشريكة اللي بحلم بيها من سنين..
ـ وإذا كان ده مستحيل.
ـ وليه مستحيل؟.. الحل في إيدك يا منى..
ـ أنا مش ممكن أتجوز من غير موافقة أبويا..
ـ ومين قال بس أننا هنتجوز من غير موافقته.. طبعاً هطلبك منه.. وهو كمان اللي هيسلمك لي بإيديه..
ـ أنت هتجنني يا حسن.. أومال إيه الكلام اللي قلتهولي من أول ما قعدنا..
ـ أنا عندي فكرة هحاول أحل بيها جزء من المشكلة.. اسمعيني بس..
استمعت منى إلى فكرة حسن بهدوء.. ثم التزمت الصمت بعدما انتهى من كلامه..
ـ إيه يا منى.. ساكتة ليه؟..
ـ مش عارفة يا حسن.. مش عارفة أقول لك ايه؟. مش قادرة أوافقك.. ومش قادرة برضوه اعترض.. لكن كل اللي هطلبوا منك.. أننا ما نتقابلش طول ما أنت خاطب واحدة تانية.. أنت عمرك ما كنت خاين يا حسن.. وأنا مش عايزك تتحول لواحد خاين حتى لو عشاني..
ـ أنتِ بتقولي ايه!!.. يعني عايزة تحرمني منك؟.. ما اقدرش يا منى.. أنا كنت هتجنن الأسبوع اللي فات..
ـ ده طلبي الوحيد.. وأوعدك أنه لو حصل وبقيت حر وجيت تطلبني من بابا.. هتلاقيني واقفة معاك بكل قوتي.. لكن لحد ما ده يحصل.. لازم تصون عهد صاحبة الدبلة اللي في ايدك...
خلع حسن دبلته بعنف وهو يضعها في كف يدها:
ـ شوفي يا منى.. شوفي أنا لابس دبلة مين..
أمسكت منى الدبلة بأناملها لتلمح النقش بداخلها باسمي حسن ومنى ويحيط بهما قلب صغير له أجنحة من الجانبين.. هطلت دموعها الحبيسة.. ولم يعد باستطاعتها حبسها أكثر من ذلك..
شعر بخناجر تنحر قلبه مع دموعها التي تتساقط.. فسألها بألم:
ـ بتعيطي ليه بس يا منى؟..
أجابته من وسط شهقاتها:
ـ كان نفسي ما اكونش ضعيفة كده يا حسن.. كان نفسي أقوي قلبي وأقسيه وأجبره أنه يبعد عنك.. لكن مش قادرة.. وكل ما بيمر الوقت الألم بيزيد..
أجابها بغضب:
ـ أنا اللي كان نفسي أكون أقوى.. وأقدر أدافع عني وعنك.. أنا كنت ساذج قوي لما افتكرت أن بابا هيكون اهتمامه الأول هو سعادتي.. لكن ملحوقة.. بس لو الخطة اللي في دماغي تمشي مظبوط, مش هيكون في أي حاجة يهددني بيها..
هزت رأسها بألم:
ـ ما تعملش في نفسك كده يا حسن.. مش بقولك كان نفسي أكون أقوى.. ما كنتش أتمنى أني أكون نقطة ضعفك..
أمسك بيدها بحنان:
ـ وأنا ما كنتش أتمنى أنه يكون لي نقطة ضعف غيرك..
سحبت أناملها من بين يديه بخجل:
ـ حسن..
ـ عيون وقلب وروح حسن..
نهضت فجأة وهي تتعثر في خطواتها:
ـ أنا لازم أمشي.. أنا.. اتأخرت.. و..
جذبها من يدها برفق لتجلس مرة أخرى:
ـ استني بس.. مش هنتغدى سوا؟..
تلعثمت:
ـ أصل.. بس..
أجاب حسن بحسم:
ـ من غير بس.. أنتِ حرمتيني منك أكتر من أسبوع.. أنا كنت هموت من غيرك..
جلست منى على مضض.. ولكنها نظرت إليه لتخبره بقوة مناقضة لخجلها السابق:
ـ هقعد أشرب عصير فراولة بس.. وبعدين همشي.. زي ما قلت لك يا حسن.. مش هنحول حاجة بريئة وحلوة زي حبنا لخيانة.. أرجوك.. تفهمني..
أومأ موافقاً:
ـ خلاص يا منى.. زي ما تحبي.. بس ما تحرمنيش من صوتك.. ماشي..
ابتسمت برقة:
ـ هيكون دايماً بينا.. "تصبح على خير.. لا اله الا الله"..
فرد عليها برقة مماثلة:
ـ "احلمي بيا يا ملاكي زي ما بحلم بيكي ليل ونهار".. .. "محمد رسول الله"
ابتسما معاً قبل أن يستدعي حسن النادل ليطلب لهما عصير الفراولة الذي تعشقه منى..
**************
وفي مكتب مازن جلس في كرسيه بعدما أغلق هاتفه للتو.. وقد تلقى المكالمة التي كان ينتظرها.. ثم استدعى سكرتيرته التي دخلت إلى مكتبه حاملةً بعض الأوراق تحتاج إلى توقيعه.. ولكنه أوقفها قائلاً:
ـ مش همضي حاجة دلوقتِ.. ابعتي هاتي لي عم نصر السواق بتاع بابا حالاً.
