رواية متاهة مشاعر الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم نهي طلبة
لفصل السادس والثلاثون
انتفض يزيد من نومه على صوت بكاء رامي فرمى الغطاء عنه وتوجه مسرعاً نحو غرفة الأطفال ليرفعه من مهده ويضمه لصدره محاولاً تهدئته ومحافظاً على اتصال بصري مستمر يطمئن به الصغير كما تعلم من علياء التي استيقظت هي الأخرى وجاءت خلفه على الفور لتراه يحاول تهدئة الصغير الباكي وقد علت وجهه تقطيبة غاضبة وبدت ملامح وجهه متوترة بقوة..
ذلك التوتر الذي صاحبه منذ أن أخبره الخبير الفرنسي بوضوح قاسي أن حالة رامي نهائية ولا أمل في المستقبل القريب لتحسن وضعه, ونصحهما الرجل بالتأقلم مع الوضع وتوفير سبل الراحة والتفاهم مع الصغير.. كانت كلمات الطبيب أقسى من أن يتحملها أي أب, ويزيد لم يكن بالأب العادي فهو مازال يخطو خطواته الأولى بمضمار الأبوة.. يصاحب ذلك احساس هائل بالذنب نحو صغيره..
احساس لا يعرف مصدره تماماً.. هل هو سوء اختياره لوالدته أو حرمانه من تلك الأم, كما أخبرته والدته منذ عدة أيام وهي تصر على عدم قدرة علياء على المساواة بين أطفالها وابن ضرتها المعاق.. كلمات مازالت ترن في أذنيه رغم استنكاره لها لحظتها, لكن ها هي الأيام تثبت صدق اعتقاد والدته فعلياء نائمة بينما رامي بُح صوته الذي لا يملكه أساساً من البكاء.. و..
قاطع صوت علياء تسلسل الأفكار الخبيثة بذهنه وهي تقترب منه لتحمل رامي وتضمه إلى صدرها ليتناول رضعته الليلية وهمست بخفوت:
ـ حبيبي الصغير صحي بدري ليه؟.. كبرنا وبقينا نجوع بسرعة ولا ايه!..
جلست على مقعدها المعتاد وهي ترضع أطفالها غافلة عن معالم الغضب على ملامح يزيد الذي لم يستعد توازنه بعد تيقنه من أن إعاقة ابنه دائمة وبات شديد الحماية والالتصاق بكل ما يخصه لذا انطلق إتهامه لها على الفور وخرجت كلماته بدون أن تمر على عقله المشغول بكلمات أمه السامة:
ـ عايزة تفهميني أنه يهمك بجد وقلقانة عليه!.. لو ده صحيح ليه كنتِ نايمة وهو مفلوق من العياط؟!!!
رفعت علياء عينين مذهولتين ملئهما نظرات عتاب صارخة فهو منذ عادا من باريس وهو في حالة عصبية متفجرة وهي تقدر حالته النفسية تماماً وتتحمل عصبيته الزائدة وتصرفاته التي أنزلتها من سماء عشقه إلى جنون غضبه.. تقدر حزنه الأبوي والألم الذي يمزق روحه وهو عاجز عن مساعدة طفله ومحاولته الخرقاء لحماية الصغير من مجهول يترصده.. كل ذلك تستطيع استيعابه فهي نفسها تتألم من أجل الصغير وتوليه كل اهتمامها ولكن أن يتهمها ذلك الاتهام الجائر فهذا ما لن تقبله.. ولن تتحمله أبداً..
رمقته بنظراتها العاتبة وأكملت ارضاع الصغير حتى اكتفى تماماً ثم تحركت بهدوء غاضب تحت نظرات عينيه الحائرة لتقوم بتغيير الحفاظ لرامي وتهدهده حتى راح في سبات عميق.. فدثرته بعناية قبل أن ترمق يزيد بنظرة غاضبة وتطفئ نور الغرفة وتتجه إلى غرفة نومهما يلفها صمت غاضب حزين بينما هو غارق في حيرته وأفكاره المتخبطة بشأن مستقبل الصغير ليفاجئ بصوت "أم علي" تناديه بهدوء وهي تقف على عتبة الغرفة:
ـ يزيد بيه..
انتفض على صوتها وخرج من غرفة الأطفال ليهمس متسائلاً:
ـ خير يا ست أم علي في حاجة؟..
ـ خير يا بيه.. أنا عملت لك كوباية ليمون.. تعالى بس اقعد في الفرانده وهدي أعصابك..
تحرك يزيد بلا إرادة منقاداً خلف السيدة الأكبر سناً حتى وجد نفسه جالساً يرتشف كوب الليمون المثلج و"أم علي" تثرثر بجوار أذنه كعادتها ومن وسط هذرها التقط عدة كلمات بدت أنها تريد ايصالهم له بطريق غير مباشر:
ـ النهارده كان تطعيم اسم النبي حارسه سي رامي.. تصدق يا بيه.. طول النهار عياط.. والست عليا ربنا يكرمها ما فارقتوش لحظة.. لحد ما ربنا هداه ونام.. عشان كده يا حبة عيني.. تلاقيها مرهقة وتعبانة قوووي.. و..
قاطع يزيد كلماتها وقد أدرك ما تريد قوله وهدأت أعصابه على الفور بعدما أدرك سخافة الاتهام الذي وجهه لحبيبته الغاضبة:
ـ خلاص يا ست أم علي.. فهمت قصدك والله..
ونهض ليتوجه إلى غرفته ثم عاد أدراجه ليهمس للعجوز:
ـ بس الحمد لله طمنتيني عليكِ.. أنا كنت بدأت أقلق على قدراتك الردارية الخارقة!
ضحكت العجوز بخجل:
ـ ربنا يهدي لك نفسك يا بيه.. ألا أصعب حاجة غواية النفس..
أومأ موافقاً وتحرك نحو غرفته ليدخلها بهدوء وتردد حيث لمح علياء جالسة على الأريكة العريضة وقد ارتسمت على وجهها علامات اللوم الشديد والغضب.. فتحرك ببطء حتى وقف أمامها مطأطئاً رأسه كالطفل المذنب وذراعيه تهدلا بجواره وهمس باسمها بخفوت:
ـ علياء..
رشقته بنظرة غاضبة ولم تجب.. فرفع كتفيه بحركة تدل على قلة حيلته وهمس لها:
ـ أنا غبي.. واتكلمت من غير ما أفكر.. ده أنا.. أنتِ لسه هتعرفيني يعني..
جاورها ملتصقاً بها كما اعتاد فلفت وجهها للجهة الأخرى حتى لا تواجهه فهي مازالت تشعر بجرح غائر بأعماقها إثر إتهامه لها بإهمال رامي..
ازداد التصاقاً بها وهو يلفها بذراعيه هامساً:
ـ آسف والله يا علياء.. أنا غبي وأكبر غبي.. أعمل ايه.. حاسس أني هتجنن.. أول مرة أحس أني متكتف.. عاجز.. قليل الحيلة.. نظرات رامي الحيرانة وهو مش قادر يتواصل معايا أو مع أخواته بتقطعني.. بتهز كل الثوابت جوايا.. لو أقدر كنت اتنازلت له عن حاسة السمع عندي.. يا ريت كان ينفع.. أنا مش عارف ده عقاب ولا..
التفتت علياء لتواجهه بسرعة:
ـ ده اختبار.. اختبار من ربنا.. هدية بعتها لنا يدخلنا بها الجنة.. نعترض ونتعصب ولا نقول الحمد لله ونحافظ على نعمته..
هز يزيد رأسه بحيرة وهو يضمها لصدره برقة:
ـ أنتِ ازاي كده!.. أنتِ كتير عليَّ قوي.. أنا بحبك قوي يا عليائي.. بحبك قوي وآسف قوي.. أنا غبي والله غبي..
ضحكت علياء برقة وهي تنهره بخفة:
ـ لو سمحت.. ما تقولش على حبيبي غبي..
زاد من ضمها لصدره وكأنه يريد ادخالها إلى حنايا قلبه وأخذت أنامله تعبث في خصلاتها برقة وهو يردد:
ـ يا ريت كنت حسمت الموضوع من زمان قبل ما يتظلم رامي بالطريقة دي.. لو كنت رفضت وجود أي أولاد..
أسرعت علياء بوضع أناملها على شفتيه لتمنعه من اكمال كلماته:
ـ اوعى تقول كده.. بقولك رامي هدية ربنا لنا.. وهيكبر وهكون أحسن من أي حد..
ثم حركت أناملها لتداعب صدره برقة هامسة:
ـ أنت بس حاول تخفف من قلقك عليه.. لازم يكون تعاملك معاه طبيعي.. عشان تتعود يا يزيد.. مش عايزينه يحس أنه وضعه مختلف..
نظر إليها بتردد.. فأردفت هي:
ـ ايه؟.. عايز تقول حاجة؟..
تردد لحظات قبل أن يقول:
ـ امممم... أنا كنت بفكر ننقل سريره في أوضتنا.. فترة بس لحد ما يكبر و..
التفتت علياء نحوه لتحيط وجهه بكفيها:
ـ يزيد.. أنت لسه بتفكر في الكلام اللي قلتهولي.. لسه فاهم أني مقصرة في حق رامي..
هز رأسه بخجل:
ـ لأ.. أنا متأكد أنه بالنسبة لك زي حمزه وحازم.. أنا.. بس.. بس كنت عايز أطلع طاقة غضب من جوايا.. آسف جت فيكي.. مش بقولك غبي.. حظك كده.. يكون ليكي جوز متهور وغبي..
ثم اقترب من وجنتها ليقبلها بشوق:
ـ وبيموووووت فيكي..
ضحكت برقة ورواغت شفتيه لتهمس:
ـ شوية جد الأول يا يزيد..
جلس مكتفاً يديه بأدب:
ـ أنا تحت أمرك..
ـ نتكلم جد الله يخليك.. أنا كنت عايزة أنبهك لنقطة مهمة..
قطب حاجبيه بقلق:
ـ خير؟..
ـ الولاد يا يزيد.. الولاد حاسين أنك مهتم برامي.. بصراحة من وقت ما رجعنا من باريس وأنت حتى ما قعدتش مع الولاد ولا لعبت معاهم.. أنا مش عايزة واحد من الولاد يقول اشمعنى..
أخفض رأسه هامساً:
ـ عندك حق.. بس أنا عايز الأولاد يستوعبوا حالة أخوهم.. لازم هما يكونوا سند له.. أنا كبرت لوحدي وأنتِ كمان.. بس الحمد لله ربنا بارك لنا في الأولاد عايزهم دايماً سند لبعض..
ضمت رأسه لصدرها بحنان وهي تداعب خصلاته بلطف:
ـ ولا يهمك.. أنا هحل الموضوع ده.. بس رجع لي يزيد تاني.. حبيبي المجنون.. مش المتهور..
أكمل لها:
ـ الغبي..
وكزته في كتفه بدلال وهي تتصنع الغضب فأسرع يزيد ليختطفها من فوق الأريكة ويحملها بين ذراعيه ليراضيها ويصالحها كما اعتاد دائماً.. وفي الواقع كان يصالح نفسه..
************
غرق حسن لقمة رأسه في تصفية أعماله بباريس وفض الشراكة مع غسان الذي حاول إقناعه كثيراً بترك الأمور كما هي حتى تستقر أحواله بمصر, فربما يقرر الرجوع إلى باريس في آخر المطاف.. ولكن حسن كان قاطعاً في رأيه وقراره كان العودة لبلده حتى يبدأ رحلته لاكتساب قلب العنيدة التي ترفض باصرار استقبال مكالماته الهاتفية أو حتى الرد على رسالة واحدة من مئات الرسائل التي يرسلها يومياً.. وهو الذي يكاد يحرق الهاتف مكالمات ورسائل حتى أنه لم يجد طريقة للاطمئنان عليها ومعرفة أخبارها سوى ما يلتقطه من كلمات متفرقة من يزيد الذي أشبعه سخرية وتأنيب..
كم يرغب في العودة ولو ليومين فقط ليراها.. ليسمع منها كلمة تروي ظمأ روحه المتعطشة لقطرة من جنون روحها الجامحة المشاعر, ولكنه يريد انهاء كل متعلقاته بباريس قبل أن يخطو أي خطوة جدية بشأنها.. يريد أن يتقرب منها بطريقة صحيحة كما تستحق غالية مثلها وكما تملي عليه مشاعره القوية نحوها...
أما لورا فقد نفذت القرار الذي اتخذته فور اعلامه به وفي نفس يوم وصوله من القاهرة.. لم تنتظر ساعة إضافية بعدما جمعت كافة متعلقاتها من المنزل.. مخبرة إياه باقتضاب أن أمر الطلاق والتسوية المالية وحضانة منى سيتولى أمرها المحامي الخاص بها.. وبالفعل وصلته الأوراق في اليوم التالي وبدأ في اجراءات انهاء شراكته مع لورا كما أنهى شراكته مع غسان..
نعم.. فهو يرى الآن بوضوح أن علاقته بلورا كانت أشبه بعلاقة تجارية بحتة.. ربما قدمت هي مشاعرها خلالها.. ولكنه فقد روحه وذاته ليستطيع الاستمرار..
لم يكن من السهل أبداً على رجلاً مثله يقدس المشاعر الرقيقة والحب الراقي أن تتلخص علاقته بزوجته في دقائق تقضيها بين أحضانه يستهلكان بها مشاعر حسية ملتهبة سرعان ما تنطفئ فور انتهاء الحاجة.. خاصة وقد عاش حالة من الحب الناعم مع منى.. اختبر فيها أرق وأسمى المشاعر..
كان يشعر أنه تحول في فترة زواجه من لورا إلى مسخ مشوه, إنسان آلي يعيش حياة ميكانيكية رتيبة.. حياة منزوعة الروح.. كان يقوم بما يطلب منه وفقط.. حياة مرسومة كتصميم هندسي بارد.. حتى هبت عليه نسمة عشق رائقة, كلا.. لم تكن نسمة بل اعصار.. اعصار اقتلع المسخ من داخله لتعود المشاعر الإنسانية تطفو على السطح مرة أخرى.. صبا.. كم يبدو رائع اسمها مثلها تماماً.. كتلة الشوق الصغيرة, بل كتلة العِند.. فهي تعانده ولا يعلم هل تعاقب أم ترفض.. أم تخاف..
توجه إلى غرفة صغيرته التي اضطر إلى استئجار مربية لرعايتها أثناء ساعات النهار.. بينما يتولى هو متعة الاعتناء بها بعد عودته من العمل..
صرف المربية وتحرك ليحمل صغيرته التي أعلنت عن ترحيبها به مطلقة عدة كلمات بلا معنى.. ومصفقة بيديها بسعادة وهو يحملها على ركبتيه ليحادثها عن أحداث يومه كما اعتاد.. وأخيراً بدأ يقص عليها إحدى قصص الأميرات واللاتي تعلمهن خصيصاً من أجل مليكته الصغيرة.. ولكن تلك المرة وجد لسانه يروي لها قصة مختلفة تماماً..
"الليلة هتكون حكايتنا عن أمير.. مش أميرة.. ايه رأيك نسميه حسن!.. وحسن كان أمير سنه صغير.. كان فاهم أنه ممكن يملك الدنيا بإشارة من ايده.. وأما قلبه اتفتح للحب.. حب بنوتة جميلة رقيقة.. بس للأسف.. رقتها وأدبها ما كانوش كافيين عشان أبوه الملك العظيم يوافق عليها زوجة للأمير.. لكن الأمير قرر يحارب الدنيا عشان حبيبته.. اتجوزها.. وأخدها بعيد.. عاشوا في سعادة وتبات ونبات.. بس يا خسارة.. اتخطفت حبيبته منه.. خطفها الموت.. والأمير ما قدرش ينتصر المرة دي.. وبعدين يا حبيبة بابا.. الأمير دخل في كهف ضلمه.. كهف اتحبس فيه سنين.. سنين كان غايب فيهم عن الحياة.. بيتحرك بخيوط الواجب.. كان الكهف بارد قوي يا منى.. بارد لدرجة أن قلب الأمير اتحول لبللورة من صقيع.. كان قدامه وقت بسيط قبل ما يمتد الصقيع ده وينتشر في كل حتة جواة.. كان بيستمر بسبب ركن دافي صغير في أبعد مكان في الكهف.. لحد ما في يوم سطعت شمس قوية.. ضحكة دافية عارفة طريقها.. اتجهت لبللورة الصقيع.. دوبتها.. نشرت الدفا.. والحب والصِبا.. وبعدين...
نظرة خاطفة منه إلى طفلته وجدها تغط في سبات عميق فحملها برقة إلى غرفته لتنام بجوار قلبه عله يستمد بصيص من دفئها حتى يعود إلى شمسه الساطعة..
ضمها إلى صدره هامساً..
"خلاص يا منمونتي.. كلها كام يوم ونرجع لبلدنا.. يمكن الظروف أجبرتنا أنك تكبري بعيد عن مامتك, لكن صدقيني أنا اختارت ليكي أروع أم.. هي أكتر واحدة ممكن تحس باللي جواكِ لأنها عاشت نفس الظروف وأكيد هتقدر تعوضك وتبعدد عنك شبح الحرمان.. بس هي توافق.. ادعي معايا يا منمونتي أنها توافق بسرعة وما تتعبش قلب بابا كتير.. قلب بابا عايز يوصل لنهاية الحدوتة..
**********
ظلت صبا وعلياء تقرعان باب غرفة نيرة بلا جدوى.. فهي كمنت بفراشها وقد احتضنت ركبتيها بذراعيها وبسطت أمامها عدة أوراق تنظر إليهم بتشوش حائر ودموعها حبيسة مقلتيها تتماوج بداخلها آلاف الأسئلة الحائرة..
أبرزها جميعاً.. لم يفعل بها ذلك؟.. لم وقد استيقظ قلبها الغافي ليتعلم حبه؟.. لم وقد أرادت بداية ناصعة نظيفة معه؟... من أين يأتي بتلك القسوة الرهيبة
فيرسل لها إشعار زواج تلو الآخر.. فلم تعد تدري الآن كم امرأة غيرها على ذمته.. أم لعله الآن تخلص منها تماماً ولم تعد زوجة له..
هزت رأسها بأسى وهي تدرك استحالة حدوث ذلك فهو يستمتع بإرسال تلك الإشعارات لها.. يتلذذ بإنتقامه حتى الرمق الأخير.. ولكن متى يكتفي؟.. متى ينتهي ذلك الإنتقام الذي يسبب الأذى الأكبر له هو.. لإسمه وسمعته ومركزه..
هي تحاول إخفاء الأمر عن الجميع.. حتى صبا وعلياء لم تعلما بما حدث.. فقط حدوث خلاف شديد بينهما وعودتها وحدها من الساحل في سيارة صبا.. ذرفت الدمع طوال الطريق ثم توقفت بعدها.. توقفت عن كل شيء.. الدموع.. الطعام والشراب.. الحياة.. ولو استطاعت لتوقفت عن التنفس.. فقط تنتظر جرس الباب الذي يحمل معه كل مرة إشعار بزيجة جديدة ليمنح زوجها لقب المزواج العابث بجدارة..
تباً.. ضربت الفراش بقبضتها وهي تنفض عن نفسها الجمود.. كلا.. لن تقف صامتة وتتركه يدمر حياته وحياتها معه.. يجب أن تتحرك.. أن تفعل شيئاً.. ولكن ماذا؟.. هو لن يوافق على رؤيتها.. وهي امتنعت عن الذهاب إلى الشركة منذ شجارهما..
"تباً.. تباً.. ماذا..
فكرة خاطفة ضربت رأسها.. وتحركت بسرعة لتنفذها قبل أن تعاود التفكير مرة أخرى فيصيبها التردد والجبن...
فُتِح باب غرفتها فجأة وخرجت وهي بكامل زينتها مما جعل علياء وصبا تفغران فمهما ذهولاً فتلك المرأة المشرقة أمامهما لا تمت بصلة على الاطلاق لتلك الذابلة المختفية داخل غرفتها طوال أسابيع..
التفتت إلى علياء لتسألها:
ـ عليا.. أوصفي لي مكان فيلا دنيا..
غمغمت علياء ببلاهة:
ـ دنيا؟.. دنيا!!..
هزت نيرة رأسها بنزق فتراقصت خصلاتها المشتعلة حول وجهها:
ـ أيوه بسرعة.. عايزة ألحق مازن هناك..
أخبرتها علياء بالعنوان فانطلقت من فورها بدون أن تفسر أي من تصرفاتها لأختها وصديقتها فكل ما يعنيها أن تلحق به الآن.. فهي تحاملت على كبريائها واتصلت بدنيا لتعرف مواعيد وجوده لرؤية ابنته.. وكم كانت سعادتها عندما أخبرتها دنيا ببساطة:
ـ هو موجود دلوقتِ هنا..
ثم أردفت بحسم:
ـ هعطله على قد ما أقدر.. تعالي بسرعة وحلوا المشكلة.. لأن اللي قدامي ده مش مازن اللي عرفته أكتر من ست سنين..
وها هي تسابق الزمن للوصول إليه في منزل غريمتها مدركة أن أزمتها الأساسية معه هو وليست مع وقت وصولها ومكانه..
***********
تهالكت علياء بتعب على الأريكة الكبيرة التي يفترشها يزيد وعلي وهما يتشاجران معاً حول لعبة ما يلعبانها على البلايستيشن.. بينما أدهم يراقبهما بجذل.. سحبت ذراع اللعبة من يزيد وهي تلقي برأسها على فخذه هامسة:
ـ صاحبك مجنون..
ابتسم بشقاوة وهو يعبث بخصلاتها الطويلة ويحررها من عقدتها:
ـ بس مش أجن مني.. صحيح صاحبي مين فيهم؟..
صرخت علياء مستاءة من عبثه بشعرها بينما أنضم إليه أولاده في موجة من اللعب الصبياني كان الضحية بها شعر علياء الذي تناثر بجنون مما أثار جنون يزيد فقبض على خصرها هامساً:
ـ تعالي.. عايزة أحكي لك على موضوع مهم..
قبل أن توبخه على جنونه تعالى صراخ نادية وهي تبكي بشدة:
ـ لولو.. يزيد.. دم.. دم..
وطارت كالقذيفة لتستقر بين أحضان والدها باكية:
ـ بابا.. دم..
رمقها بذهول هلع.. "بابا".. و"دم".. الكلمتان في نفس الجملة..
كانت علياء الأسرع فتحركت بسرعة لتأتي بعدة الإسعافات التي لا تستغني عنها أبداً فعبث أطفالها لا ينتهي..
بدأت تمسح الدماء من وجه ابنتها وتطهر الجروح المنتشرة بوجهها هامسة بقلق غاضب:
ـ عملتِ ايه يا نادية؟..
أجابت الطفلة باكية:
ـ كنت بحلق دقني زي بابا..
كان ذلك دور يزيد ليهتف بها:
ـ ايه!!.. دقنك ايه؟.. أنتِ ازاي تعملي كده؟.. هو أنتِ عندك دقن عشان تحلقيها؟..
هزت الفتاة رأسها وهي تبكي:
ـ لا مش عندي.. الولاد بس.. ماما قالت كده..
غمغم يحاول التمسك بحبال الصبر:
ـ طيب ليه تعملي كده يا ندوش؟..
رمقته بعيون بلون السماء كعيني أمها تماماً:
ـ عشان أبقى ولد وتحبني زي رامي..
أسقط في يد يزيد وقد صفعه ما كانت علياء تحاول لفت انتباهه له وهو يعدها مرة تلو الأخرى بمراعاة مشاعر باقي أولاده وفوجئ بعلي يرد بعدم اقتناع:
ـ رامي تعبان يا ندوش..
هزت نادية رأسها برفض:
ـ لأ.. هو مش تعبان.. مش بياخد حقنة ولا دوا..
رمق يزيد علياء بنظرات مستغيثة.. ها هو ما حذرت منه يطفو على السطح.. علي ونادية يشعران بالغيرة من أخيهما المريض, بل يكذبان مرضه.. وصغيرته.. مدللته كادت أن تشوه وجهها الجميل لتستعيد حب والدها..
يا الهي زفر بخوف بينما يحتضن الصغيرة داخل صدره هامساً بألم:
ـ علياء..
تولت علياء الزمام على الفور.. فتحركت لترفع ولديها على ركبتيها:
ـ بصوا.. احنا هنلعب لعبة.. وبعدها نتكلم سوا..
ثم تناولت قطع من القطن الذي كانت تضمد به جروح ابنتها وبدأت تضعها بحرص داخل آذان أطفالها ثم وضعت قطعتين لنفسها وناولت قطعتين ليزيد ليفعل المثل, ففعل على الفور وقد استوعب فكرتها..
ظل الجميع على ذلك الوضع طوال ساعتين كاملتين.. بدأ الأطفال بعدهما بالتذمر والبكاء.. فهم غير قادرين على التواصل مع بعضهم أو حتى مع والديهما..
نزعت علياء قطع القطن ثم نظرت لابنائها بحنان:
ـ شوفتوا ازاي صعب الانسان يعيش من غير ما يسمع.. اهو ده بالظبط التعب اللي عند رامي.. عرفتوا ليه بابا بيخاف عليه؟.. مش لأنه بيحبه أكتر.. لأن رامي محتاج وجودنا وحمايتنا كلنا.. فهمتوا يا أولاد..
ارتمت نادية باكية بين أحضان والدها وهي تغمغم عن أسفها وحبها لرامي.. بينما هتف علي بعزم:
ـ رامي أخويا وأنا هحميه.. أنا قوي..
بينما اكتفى أدهم الصغير بكلمات متكسرة:
ـ دومه هب يامي "أدهومه بيحب رامي"..
مد يزيد ذراعه ليضم علياء بجوار ابنته الباكية وشفتيه تردد بخفوت:
ـ ربنا يخليكي ليا..
بينما انسابت دمعة غادرة من جانب عينيه...
*************
أزعج رنين جرس الباب المتواصل صبا التي جلست تطالع إحدى الكتب التربوية عن تربية الأطفال.. مبتعدة عن مجموعتها الخاصة من الروايات الرومانسية.. فيكفيها حالياً جنون حسن الذي يعصف بها في كل لحظة من اليوم تقريباً فهو لا يكف عن ارسال الرسائل أو المكالمات حتى ظنت أنه قد يخرج لها من شاشة الهاتف مخاطباً قلبها القاسي ليحن على ناسكه المسكين..
توجهت نحو باب الفيلا لتفتح الباب بنزق فمن سيأتي لزيارتهم في العاشرة ليلاً.. من المستحيل أن تكون نيرة فهي تركتها منذ أقل من ساعة لتتوجه لمنزل دنيا.. فمن يكون ذلك السخيف الذي...
ـ حسن!!!..
جاءت شهقتها الذاهلة لتقابلها بسمته الواسعة وقد اتكأ بكتفه على مدخل الباب يحمل ابنته على كتفه.. وعلى الكتف الآخر حقيبة تبدو خاصة بالطفلة.. وتعطيه مظهراً فكاهياً بلونها الوردي الرائق المناقض لرجولته النابضة..
لم تترك نفسها للذهول بل صرخت به غاضبة:
ـ أنت أكيد اتجننت!!.. ايه اللي جابك هنا؟.. وفي الوقت ده؟..
رفع حاجبيه بذهول مفتعل لاستقبالها الغاضب وردد بشقاوة وكأنها كانت تسأله عن أحواله:
ـ الله يسلمك يا حبيبتي.. كانت رحلة متعبة.. لسه واصل من ساعة, يا دوب حجزت الفندق.. وجيت عشان أطلب ايدك من عمي عامر..
ثم غمز بعبث:
ـ أنا مش هضيع لحظة زيادة.. لازم تكوني في حياتي.. ورسمي
انتفض يزيد من نومه على صوت بكاء رامي فرمى الغطاء عنه وتوجه مسرعاً نحو غرفة الأطفال ليرفعه من مهده ويضمه لصدره محاولاً تهدئته ومحافظاً على اتصال بصري مستمر يطمئن به الصغير كما تعلم من علياء التي استيقظت هي الأخرى وجاءت خلفه على الفور لتراه يحاول تهدئة الصغير الباكي وقد علت وجهه تقطيبة غاضبة وبدت ملامح وجهه متوترة بقوة..
ذلك التوتر الذي صاحبه منذ أن أخبره الخبير الفرنسي بوضوح قاسي أن حالة رامي نهائية ولا أمل في المستقبل القريب لتحسن وضعه, ونصحهما الرجل بالتأقلم مع الوضع وتوفير سبل الراحة والتفاهم مع الصغير.. كانت كلمات الطبيب أقسى من أن يتحملها أي أب, ويزيد لم يكن بالأب العادي فهو مازال يخطو خطواته الأولى بمضمار الأبوة.. يصاحب ذلك احساس هائل بالذنب نحو صغيره..
احساس لا يعرف مصدره تماماً.. هل هو سوء اختياره لوالدته أو حرمانه من تلك الأم, كما أخبرته والدته منذ عدة أيام وهي تصر على عدم قدرة علياء على المساواة بين أطفالها وابن ضرتها المعاق.. كلمات مازالت ترن في أذنيه رغم استنكاره لها لحظتها, لكن ها هي الأيام تثبت صدق اعتقاد والدته فعلياء نائمة بينما رامي بُح صوته الذي لا يملكه أساساً من البكاء.. و..
قاطع صوت علياء تسلسل الأفكار الخبيثة بذهنه وهي تقترب منه لتحمل رامي وتضمه إلى صدرها ليتناول رضعته الليلية وهمست بخفوت:
ـ حبيبي الصغير صحي بدري ليه؟.. كبرنا وبقينا نجوع بسرعة ولا ايه!..
جلست على مقعدها المعتاد وهي ترضع أطفالها غافلة عن معالم الغضب على ملامح يزيد الذي لم يستعد توازنه بعد تيقنه من أن إعاقة ابنه دائمة وبات شديد الحماية والالتصاق بكل ما يخصه لذا انطلق إتهامه لها على الفور وخرجت كلماته بدون أن تمر على عقله المشغول بكلمات أمه السامة:
ـ عايزة تفهميني أنه يهمك بجد وقلقانة عليه!.. لو ده صحيح ليه كنتِ نايمة وهو مفلوق من العياط؟!!!
رفعت علياء عينين مذهولتين ملئهما نظرات عتاب صارخة فهو منذ عادا من باريس وهو في حالة عصبية متفجرة وهي تقدر حالته النفسية تماماً وتتحمل عصبيته الزائدة وتصرفاته التي أنزلتها من سماء عشقه إلى جنون غضبه.. تقدر حزنه الأبوي والألم الذي يمزق روحه وهو عاجز عن مساعدة طفله ومحاولته الخرقاء لحماية الصغير من مجهول يترصده.. كل ذلك تستطيع استيعابه فهي نفسها تتألم من أجل الصغير وتوليه كل اهتمامها ولكن أن يتهمها ذلك الاتهام الجائر فهذا ما لن تقبله.. ولن تتحمله أبداً..
رمقته بنظراتها العاتبة وأكملت ارضاع الصغير حتى اكتفى تماماً ثم تحركت بهدوء غاضب تحت نظرات عينيه الحائرة لتقوم بتغيير الحفاظ لرامي وتهدهده حتى راح في سبات عميق.. فدثرته بعناية قبل أن ترمق يزيد بنظرة غاضبة وتطفئ نور الغرفة وتتجه إلى غرفة نومهما يلفها صمت غاضب حزين بينما هو غارق في حيرته وأفكاره المتخبطة بشأن مستقبل الصغير ليفاجئ بصوت "أم علي" تناديه بهدوء وهي تقف على عتبة الغرفة:
ـ يزيد بيه..
انتفض على صوتها وخرج من غرفة الأطفال ليهمس متسائلاً:
ـ خير يا ست أم علي في حاجة؟..
ـ خير يا بيه.. أنا عملت لك كوباية ليمون.. تعالى بس اقعد في الفرانده وهدي أعصابك..
تحرك يزيد بلا إرادة منقاداً خلف السيدة الأكبر سناً حتى وجد نفسه جالساً يرتشف كوب الليمون المثلج و"أم علي" تثرثر بجوار أذنه كعادتها ومن وسط هذرها التقط عدة كلمات بدت أنها تريد ايصالهم له بطريق غير مباشر:
ـ النهارده كان تطعيم اسم النبي حارسه سي رامي.. تصدق يا بيه.. طول النهار عياط.. والست عليا ربنا يكرمها ما فارقتوش لحظة.. لحد ما ربنا هداه ونام.. عشان كده يا حبة عيني.. تلاقيها مرهقة وتعبانة قوووي.. و..
قاطع يزيد كلماتها وقد أدرك ما تريد قوله وهدأت أعصابه على الفور بعدما أدرك سخافة الاتهام الذي وجهه لحبيبته الغاضبة:
ـ خلاص يا ست أم علي.. فهمت قصدك والله..
ونهض ليتوجه إلى غرفته ثم عاد أدراجه ليهمس للعجوز:
ـ بس الحمد لله طمنتيني عليكِ.. أنا كنت بدأت أقلق على قدراتك الردارية الخارقة!
ضحكت العجوز بخجل:
ـ ربنا يهدي لك نفسك يا بيه.. ألا أصعب حاجة غواية النفس..
أومأ موافقاً وتحرك نحو غرفته ليدخلها بهدوء وتردد حيث لمح علياء جالسة على الأريكة العريضة وقد ارتسمت على وجهها علامات اللوم الشديد والغضب.. فتحرك ببطء حتى وقف أمامها مطأطئاً رأسه كالطفل المذنب وذراعيه تهدلا بجواره وهمس باسمها بخفوت:
ـ علياء..
رشقته بنظرة غاضبة ولم تجب.. فرفع كتفيه بحركة تدل على قلة حيلته وهمس لها:
ـ أنا غبي.. واتكلمت من غير ما أفكر.. ده أنا.. أنتِ لسه هتعرفيني يعني..
جاورها ملتصقاً بها كما اعتاد فلفت وجهها للجهة الأخرى حتى لا تواجهه فهي مازالت تشعر بجرح غائر بأعماقها إثر إتهامه لها بإهمال رامي..
ازداد التصاقاً بها وهو يلفها بذراعيه هامساً:
ـ آسف والله يا علياء.. أنا غبي وأكبر غبي.. أعمل ايه.. حاسس أني هتجنن.. أول مرة أحس أني متكتف.. عاجز.. قليل الحيلة.. نظرات رامي الحيرانة وهو مش قادر يتواصل معايا أو مع أخواته بتقطعني.. بتهز كل الثوابت جوايا.. لو أقدر كنت اتنازلت له عن حاسة السمع عندي.. يا ريت كان ينفع.. أنا مش عارف ده عقاب ولا..
التفتت علياء لتواجهه بسرعة:
ـ ده اختبار.. اختبار من ربنا.. هدية بعتها لنا يدخلنا بها الجنة.. نعترض ونتعصب ولا نقول الحمد لله ونحافظ على نعمته..
هز يزيد رأسه بحيرة وهو يضمها لصدره برقة:
ـ أنتِ ازاي كده!.. أنتِ كتير عليَّ قوي.. أنا بحبك قوي يا عليائي.. بحبك قوي وآسف قوي.. أنا غبي والله غبي..
ضحكت علياء برقة وهي تنهره بخفة:
ـ لو سمحت.. ما تقولش على حبيبي غبي..
زاد من ضمها لصدره وكأنه يريد ادخالها إلى حنايا قلبه وأخذت أنامله تعبث في خصلاتها برقة وهو يردد:
ـ يا ريت كنت حسمت الموضوع من زمان قبل ما يتظلم رامي بالطريقة دي.. لو كنت رفضت وجود أي أولاد..
أسرعت علياء بوضع أناملها على شفتيه لتمنعه من اكمال كلماته:
ـ اوعى تقول كده.. بقولك رامي هدية ربنا لنا.. وهيكبر وهكون أحسن من أي حد..
ثم حركت أناملها لتداعب صدره برقة هامسة:
ـ أنت بس حاول تخفف من قلقك عليه.. لازم يكون تعاملك معاه طبيعي.. عشان تتعود يا يزيد.. مش عايزينه يحس أنه وضعه مختلف..
نظر إليها بتردد.. فأردفت هي:
ـ ايه؟.. عايز تقول حاجة؟..
تردد لحظات قبل أن يقول:
ـ امممم... أنا كنت بفكر ننقل سريره في أوضتنا.. فترة بس لحد ما يكبر و..
التفتت علياء نحوه لتحيط وجهه بكفيها:
ـ يزيد.. أنت لسه بتفكر في الكلام اللي قلتهولي.. لسه فاهم أني مقصرة في حق رامي..
هز رأسه بخجل:
ـ لأ.. أنا متأكد أنه بالنسبة لك زي حمزه وحازم.. أنا.. بس.. بس كنت عايز أطلع طاقة غضب من جوايا.. آسف جت فيكي.. مش بقولك غبي.. حظك كده.. يكون ليكي جوز متهور وغبي..
ثم اقترب من وجنتها ليقبلها بشوق:
ـ وبيموووووت فيكي..
ضحكت برقة ورواغت شفتيه لتهمس:
ـ شوية جد الأول يا يزيد..
جلس مكتفاً يديه بأدب:
ـ أنا تحت أمرك..
ـ نتكلم جد الله يخليك.. أنا كنت عايزة أنبهك لنقطة مهمة..
قطب حاجبيه بقلق:
ـ خير؟..
ـ الولاد يا يزيد.. الولاد حاسين أنك مهتم برامي.. بصراحة من وقت ما رجعنا من باريس وأنت حتى ما قعدتش مع الولاد ولا لعبت معاهم.. أنا مش عايزة واحد من الولاد يقول اشمعنى..
أخفض رأسه هامساً:
ـ عندك حق.. بس أنا عايز الأولاد يستوعبوا حالة أخوهم.. لازم هما يكونوا سند له.. أنا كبرت لوحدي وأنتِ كمان.. بس الحمد لله ربنا بارك لنا في الأولاد عايزهم دايماً سند لبعض..
ضمت رأسه لصدرها بحنان وهي تداعب خصلاته بلطف:
ـ ولا يهمك.. أنا هحل الموضوع ده.. بس رجع لي يزيد تاني.. حبيبي المجنون.. مش المتهور..
أكمل لها:
ـ الغبي..
وكزته في كتفه بدلال وهي تتصنع الغضب فأسرع يزيد ليختطفها من فوق الأريكة ويحملها بين ذراعيه ليراضيها ويصالحها كما اعتاد دائماً.. وفي الواقع كان يصالح نفسه..
************
غرق حسن لقمة رأسه في تصفية أعماله بباريس وفض الشراكة مع غسان الذي حاول إقناعه كثيراً بترك الأمور كما هي حتى تستقر أحواله بمصر, فربما يقرر الرجوع إلى باريس في آخر المطاف.. ولكن حسن كان قاطعاً في رأيه وقراره كان العودة لبلده حتى يبدأ رحلته لاكتساب قلب العنيدة التي ترفض باصرار استقبال مكالماته الهاتفية أو حتى الرد على رسالة واحدة من مئات الرسائل التي يرسلها يومياً.. وهو الذي يكاد يحرق الهاتف مكالمات ورسائل حتى أنه لم يجد طريقة للاطمئنان عليها ومعرفة أخبارها سوى ما يلتقطه من كلمات متفرقة من يزيد الذي أشبعه سخرية وتأنيب..
كم يرغب في العودة ولو ليومين فقط ليراها.. ليسمع منها كلمة تروي ظمأ روحه المتعطشة لقطرة من جنون روحها الجامحة المشاعر, ولكنه يريد انهاء كل متعلقاته بباريس قبل أن يخطو أي خطوة جدية بشأنها.. يريد أن يتقرب منها بطريقة صحيحة كما تستحق غالية مثلها وكما تملي عليه مشاعره القوية نحوها...
أما لورا فقد نفذت القرار الذي اتخذته فور اعلامه به وفي نفس يوم وصوله من القاهرة.. لم تنتظر ساعة إضافية بعدما جمعت كافة متعلقاتها من المنزل.. مخبرة إياه باقتضاب أن أمر الطلاق والتسوية المالية وحضانة منى سيتولى أمرها المحامي الخاص بها.. وبالفعل وصلته الأوراق في اليوم التالي وبدأ في اجراءات انهاء شراكته مع لورا كما أنهى شراكته مع غسان..
نعم.. فهو يرى الآن بوضوح أن علاقته بلورا كانت أشبه بعلاقة تجارية بحتة.. ربما قدمت هي مشاعرها خلالها.. ولكنه فقد روحه وذاته ليستطيع الاستمرار..
لم يكن من السهل أبداً على رجلاً مثله يقدس المشاعر الرقيقة والحب الراقي أن تتلخص علاقته بزوجته في دقائق تقضيها بين أحضانه يستهلكان بها مشاعر حسية ملتهبة سرعان ما تنطفئ فور انتهاء الحاجة.. خاصة وقد عاش حالة من الحب الناعم مع منى.. اختبر فيها أرق وأسمى المشاعر..
كان يشعر أنه تحول في فترة زواجه من لورا إلى مسخ مشوه, إنسان آلي يعيش حياة ميكانيكية رتيبة.. حياة منزوعة الروح.. كان يقوم بما يطلب منه وفقط.. حياة مرسومة كتصميم هندسي بارد.. حتى هبت عليه نسمة عشق رائقة, كلا.. لم تكن نسمة بل اعصار.. اعصار اقتلع المسخ من داخله لتعود المشاعر الإنسانية تطفو على السطح مرة أخرى.. صبا.. كم يبدو رائع اسمها مثلها تماماً.. كتلة الشوق الصغيرة, بل كتلة العِند.. فهي تعانده ولا يعلم هل تعاقب أم ترفض.. أم تخاف..
توجه إلى غرفة صغيرته التي اضطر إلى استئجار مربية لرعايتها أثناء ساعات النهار.. بينما يتولى هو متعة الاعتناء بها بعد عودته من العمل..
صرف المربية وتحرك ليحمل صغيرته التي أعلنت عن ترحيبها به مطلقة عدة كلمات بلا معنى.. ومصفقة بيديها بسعادة وهو يحملها على ركبتيه ليحادثها عن أحداث يومه كما اعتاد.. وأخيراً بدأ يقص عليها إحدى قصص الأميرات واللاتي تعلمهن خصيصاً من أجل مليكته الصغيرة.. ولكن تلك المرة وجد لسانه يروي لها قصة مختلفة تماماً..
"الليلة هتكون حكايتنا عن أمير.. مش أميرة.. ايه رأيك نسميه حسن!.. وحسن كان أمير سنه صغير.. كان فاهم أنه ممكن يملك الدنيا بإشارة من ايده.. وأما قلبه اتفتح للحب.. حب بنوتة جميلة رقيقة.. بس للأسف.. رقتها وأدبها ما كانوش كافيين عشان أبوه الملك العظيم يوافق عليها زوجة للأمير.. لكن الأمير قرر يحارب الدنيا عشان حبيبته.. اتجوزها.. وأخدها بعيد.. عاشوا في سعادة وتبات ونبات.. بس يا خسارة.. اتخطفت حبيبته منه.. خطفها الموت.. والأمير ما قدرش ينتصر المرة دي.. وبعدين يا حبيبة بابا.. الأمير دخل في كهف ضلمه.. كهف اتحبس فيه سنين.. سنين كان غايب فيهم عن الحياة.. بيتحرك بخيوط الواجب.. كان الكهف بارد قوي يا منى.. بارد لدرجة أن قلب الأمير اتحول لبللورة من صقيع.. كان قدامه وقت بسيط قبل ما يمتد الصقيع ده وينتشر في كل حتة جواة.. كان بيستمر بسبب ركن دافي صغير في أبعد مكان في الكهف.. لحد ما في يوم سطعت شمس قوية.. ضحكة دافية عارفة طريقها.. اتجهت لبللورة الصقيع.. دوبتها.. نشرت الدفا.. والحب والصِبا.. وبعدين...
نظرة خاطفة منه إلى طفلته وجدها تغط في سبات عميق فحملها برقة إلى غرفته لتنام بجوار قلبه عله يستمد بصيص من دفئها حتى يعود إلى شمسه الساطعة..
ضمها إلى صدره هامساً..
"خلاص يا منمونتي.. كلها كام يوم ونرجع لبلدنا.. يمكن الظروف أجبرتنا أنك تكبري بعيد عن مامتك, لكن صدقيني أنا اختارت ليكي أروع أم.. هي أكتر واحدة ممكن تحس باللي جواكِ لأنها عاشت نفس الظروف وأكيد هتقدر تعوضك وتبعدد عنك شبح الحرمان.. بس هي توافق.. ادعي معايا يا منمونتي أنها توافق بسرعة وما تتعبش قلب بابا كتير.. قلب بابا عايز يوصل لنهاية الحدوتة..
**********
ظلت صبا وعلياء تقرعان باب غرفة نيرة بلا جدوى.. فهي كمنت بفراشها وقد احتضنت ركبتيها بذراعيها وبسطت أمامها عدة أوراق تنظر إليهم بتشوش حائر ودموعها حبيسة مقلتيها تتماوج بداخلها آلاف الأسئلة الحائرة..
أبرزها جميعاً.. لم يفعل بها ذلك؟.. لم وقد استيقظ قلبها الغافي ليتعلم حبه؟.. لم وقد أرادت بداية ناصعة نظيفة معه؟... من أين يأتي بتلك القسوة الرهيبة
فيرسل لها إشعار زواج تلو الآخر.. فلم تعد تدري الآن كم امرأة غيرها على ذمته.. أم لعله الآن تخلص منها تماماً ولم تعد زوجة له..
هزت رأسها بأسى وهي تدرك استحالة حدوث ذلك فهو يستمتع بإرسال تلك الإشعارات لها.. يتلذذ بإنتقامه حتى الرمق الأخير.. ولكن متى يكتفي؟.. متى ينتهي ذلك الإنتقام الذي يسبب الأذى الأكبر له هو.. لإسمه وسمعته ومركزه..
هي تحاول إخفاء الأمر عن الجميع.. حتى صبا وعلياء لم تعلما بما حدث.. فقط حدوث خلاف شديد بينهما وعودتها وحدها من الساحل في سيارة صبا.. ذرفت الدمع طوال الطريق ثم توقفت بعدها.. توقفت عن كل شيء.. الدموع.. الطعام والشراب.. الحياة.. ولو استطاعت لتوقفت عن التنفس.. فقط تنتظر جرس الباب الذي يحمل معه كل مرة إشعار بزيجة جديدة ليمنح زوجها لقب المزواج العابث بجدارة..
تباً.. ضربت الفراش بقبضتها وهي تنفض عن نفسها الجمود.. كلا.. لن تقف صامتة وتتركه يدمر حياته وحياتها معه.. يجب أن تتحرك.. أن تفعل شيئاً.. ولكن ماذا؟.. هو لن يوافق على رؤيتها.. وهي امتنعت عن الذهاب إلى الشركة منذ شجارهما..
"تباً.. تباً.. ماذا..
فكرة خاطفة ضربت رأسها.. وتحركت بسرعة لتنفذها قبل أن تعاود التفكير مرة أخرى فيصيبها التردد والجبن...
فُتِح باب غرفتها فجأة وخرجت وهي بكامل زينتها مما جعل علياء وصبا تفغران فمهما ذهولاً فتلك المرأة المشرقة أمامهما لا تمت بصلة على الاطلاق لتلك الذابلة المختفية داخل غرفتها طوال أسابيع..
التفتت إلى علياء لتسألها:
ـ عليا.. أوصفي لي مكان فيلا دنيا..
غمغمت علياء ببلاهة:
ـ دنيا؟.. دنيا!!..
هزت نيرة رأسها بنزق فتراقصت خصلاتها المشتعلة حول وجهها:
ـ أيوه بسرعة.. عايزة ألحق مازن هناك..
أخبرتها علياء بالعنوان فانطلقت من فورها بدون أن تفسر أي من تصرفاتها لأختها وصديقتها فكل ما يعنيها أن تلحق به الآن.. فهي تحاملت على كبريائها واتصلت بدنيا لتعرف مواعيد وجوده لرؤية ابنته.. وكم كانت سعادتها عندما أخبرتها دنيا ببساطة:
ـ هو موجود دلوقتِ هنا..
ثم أردفت بحسم:
ـ هعطله على قد ما أقدر.. تعالي بسرعة وحلوا المشكلة.. لأن اللي قدامي ده مش مازن اللي عرفته أكتر من ست سنين..
وها هي تسابق الزمن للوصول إليه في منزل غريمتها مدركة أن أزمتها الأساسية معه هو وليست مع وقت وصولها ومكانه..
***********
تهالكت علياء بتعب على الأريكة الكبيرة التي يفترشها يزيد وعلي وهما يتشاجران معاً حول لعبة ما يلعبانها على البلايستيشن.. بينما أدهم يراقبهما بجذل.. سحبت ذراع اللعبة من يزيد وهي تلقي برأسها على فخذه هامسة:
ـ صاحبك مجنون..
ابتسم بشقاوة وهو يعبث بخصلاتها الطويلة ويحررها من عقدتها:
ـ بس مش أجن مني.. صحيح صاحبي مين فيهم؟..
صرخت علياء مستاءة من عبثه بشعرها بينما أنضم إليه أولاده في موجة من اللعب الصبياني كان الضحية بها شعر علياء الذي تناثر بجنون مما أثار جنون يزيد فقبض على خصرها هامساً:
ـ تعالي.. عايزة أحكي لك على موضوع مهم..
قبل أن توبخه على جنونه تعالى صراخ نادية وهي تبكي بشدة:
ـ لولو.. يزيد.. دم.. دم..
وطارت كالقذيفة لتستقر بين أحضان والدها باكية:
ـ بابا.. دم..
رمقها بذهول هلع.. "بابا".. و"دم".. الكلمتان في نفس الجملة..
كانت علياء الأسرع فتحركت بسرعة لتأتي بعدة الإسعافات التي لا تستغني عنها أبداً فعبث أطفالها لا ينتهي..
بدأت تمسح الدماء من وجه ابنتها وتطهر الجروح المنتشرة بوجهها هامسة بقلق غاضب:
ـ عملتِ ايه يا نادية؟..
أجابت الطفلة باكية:
ـ كنت بحلق دقني زي بابا..
كان ذلك دور يزيد ليهتف بها:
ـ ايه!!.. دقنك ايه؟.. أنتِ ازاي تعملي كده؟.. هو أنتِ عندك دقن عشان تحلقيها؟..
هزت الفتاة رأسها وهي تبكي:
ـ لا مش عندي.. الولاد بس.. ماما قالت كده..
غمغم يحاول التمسك بحبال الصبر:
ـ طيب ليه تعملي كده يا ندوش؟..
رمقته بعيون بلون السماء كعيني أمها تماماً:
ـ عشان أبقى ولد وتحبني زي رامي..
أسقط في يد يزيد وقد صفعه ما كانت علياء تحاول لفت انتباهه له وهو يعدها مرة تلو الأخرى بمراعاة مشاعر باقي أولاده وفوجئ بعلي يرد بعدم اقتناع:
ـ رامي تعبان يا ندوش..
هزت نادية رأسها برفض:
ـ لأ.. هو مش تعبان.. مش بياخد حقنة ولا دوا..
رمق يزيد علياء بنظرات مستغيثة.. ها هو ما حذرت منه يطفو على السطح.. علي ونادية يشعران بالغيرة من أخيهما المريض, بل يكذبان مرضه.. وصغيرته.. مدللته كادت أن تشوه وجهها الجميل لتستعيد حب والدها..
يا الهي زفر بخوف بينما يحتضن الصغيرة داخل صدره هامساً بألم:
ـ علياء..
تولت علياء الزمام على الفور.. فتحركت لترفع ولديها على ركبتيها:
ـ بصوا.. احنا هنلعب لعبة.. وبعدها نتكلم سوا..
ثم تناولت قطع من القطن الذي كانت تضمد به جروح ابنتها وبدأت تضعها بحرص داخل آذان أطفالها ثم وضعت قطعتين لنفسها وناولت قطعتين ليزيد ليفعل المثل, ففعل على الفور وقد استوعب فكرتها..
ظل الجميع على ذلك الوضع طوال ساعتين كاملتين.. بدأ الأطفال بعدهما بالتذمر والبكاء.. فهم غير قادرين على التواصل مع بعضهم أو حتى مع والديهما..
نزعت علياء قطع القطن ثم نظرت لابنائها بحنان:
ـ شوفتوا ازاي صعب الانسان يعيش من غير ما يسمع.. اهو ده بالظبط التعب اللي عند رامي.. عرفتوا ليه بابا بيخاف عليه؟.. مش لأنه بيحبه أكتر.. لأن رامي محتاج وجودنا وحمايتنا كلنا.. فهمتوا يا أولاد..
ارتمت نادية باكية بين أحضان والدها وهي تغمغم عن أسفها وحبها لرامي.. بينما هتف علي بعزم:
ـ رامي أخويا وأنا هحميه.. أنا قوي..
بينما اكتفى أدهم الصغير بكلمات متكسرة:
ـ دومه هب يامي "أدهومه بيحب رامي"..
مد يزيد ذراعه ليضم علياء بجوار ابنته الباكية وشفتيه تردد بخفوت:
ـ ربنا يخليكي ليا..
بينما انسابت دمعة غادرة من جانب عينيه...
*************
أزعج رنين جرس الباب المتواصل صبا التي جلست تطالع إحدى الكتب التربوية عن تربية الأطفال.. مبتعدة عن مجموعتها الخاصة من الروايات الرومانسية.. فيكفيها حالياً جنون حسن الذي يعصف بها في كل لحظة من اليوم تقريباً فهو لا يكف عن ارسال الرسائل أو المكالمات حتى ظنت أنه قد يخرج لها من شاشة الهاتف مخاطباً قلبها القاسي ليحن على ناسكه المسكين..
توجهت نحو باب الفيلا لتفتح الباب بنزق فمن سيأتي لزيارتهم في العاشرة ليلاً.. من المستحيل أن تكون نيرة فهي تركتها منذ أقل من ساعة لتتوجه لمنزل دنيا.. فمن يكون ذلك السخيف الذي...
ـ حسن!!!..
جاءت شهقتها الذاهلة لتقابلها بسمته الواسعة وقد اتكأ بكتفه على مدخل الباب يحمل ابنته على كتفه.. وعلى الكتف الآخر حقيبة تبدو خاصة بالطفلة.. وتعطيه مظهراً فكاهياً بلونها الوردي الرائق المناقض لرجولته النابضة..
لم تترك نفسها للذهول بل صرخت به غاضبة:
ـ أنت أكيد اتجننت!!.. ايه اللي جابك هنا؟.. وفي الوقت ده؟..
رفع حاجبيه بذهول مفتعل لاستقبالها الغاضب وردد بشقاوة وكأنها كانت تسأله عن أحواله:
ـ الله يسلمك يا حبيبتي.. كانت رحلة متعبة.. لسه واصل من ساعة, يا دوب حجزت الفندق.. وجيت عشان أطلب ايدك من عمي عامر..
ثم غمز بعبث:
ـ أنا مش هضيع لحظة زيادة.. لازم تكوني في حياتي.. ورسمي
