رواية متاهة مشاعر الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم نهي طلبة
الفصل السابع والثلاثون
ـ أنا مش هضيع لحظة زيادة.. لازم تكوني في حياتي.. ورسمي..
هتفت به ذاهلة:
ـ ايه!!..
اقترب برأسه منها وهو يخبرها ببطء وكأنه سيتهجأ حروفه:
ـ هـــــطــــلــــب... إيــــــدك..
توسعت عيناها بذهول وأخذت تحرك شفتيها عدة مرات محاولة تكوين أي كلمات لها معنى ولكن بلا جدوى.. تباً لحالة البلاهة التي تصيبها بحضوره..
وللدقة تصيبها فقط عندما يخصها بتلك النظرات الناعمة بعينيه والتي تشعرها باحتواء وأمان تام.. وكأنه يضمها بين جفنيه مبعداً عنها شرور الدنيا وآلامها..
هربت بعينيها منه محاولة قطع خيط التفاهم الذي يربطهما فمهما كانت حالة الغيبوبة التي تسببها لها نظراته وحتى لو قفز قلبها الآن مهللاً بعودته ورقصت أعماقها طرباً بعرضه, إلا أن عقلها سيسطر على الوضع فوراً نابذاً تلك المشاعر والأحاسيس والتي لا تسبب خلفها إلا الدمار والألم..
حاولت الرد عليه بقسوة وانهاء الأمر ليسبقها صوت والدها الذي أتى من خلفها مرحباً بحسن:
ـ مين؟.. حسن!.. معقولة!.. أهلاً.. أهلاً.. اتفضل يا بني..
ثم التفت إلى ابنته المسمرة في مكانها:
ـ ايه يا صبا!.. أنتِ سايبة حسن على الباب.. اتحركي يا بنتي خليه يدخل..
رفع حسن عينيه عنها بصعوبة عندما وصله صوت والدها.. فقد أغرقته نظرات عينيها التي توالت بها مشاعر شتى.. فرح.. شوق.. سعادة لتنقلب سريعاً وفجأةً إلى حزن وألم ورفض تام... رفض ميزه على الفور وأثار قلقه بقوة.. ولكنه لن يثنه عن عزمه.. هي له.. حتى لو اضطر لمحاربتها هي شخصياً لينال قلبها العاصي..
تحركت صبا مبتعدة عن الباب استجابة لكلمات والدها.. بينما تحرك حسن محيياً الرجل الأكبر سناً بمودة بالغة:
ـ أهلاً بحضرتك يا عمي.. أنا آسف أني جاي في وقت متأخر..
قاطعه عامر بمودة:
ـ ما تقولش كده يا حسن.. ده بيتك.. وأنت عارف معزتك عندي..
قالها الرجل بتأكيد وكأنه يحاول رفع الحرج عن حسن, بينما لمعت عينا صبا بتعجب فموقف حسن من نيرة قديماً وما فعله بها كان مؤلماً فكيف يستقبله والدها بكل الود والترحاب هكذا, ولكن ما لا تعلمه هو زيارة حسن لوالدها منذ سنوات وبالتحديد عند عودته من شهر عسله ليعتذر لعامر بشدة موضحاً له ما قامت به نيرة ونيتها لاتهام منى بالسرقة وتهديدها لها, شرح له محاولاته العديدة للتفاهم معها وما كان يقابلها من استمرارها في عِندها ومحاولة السيطرة والاستحواذ عليه.. أظهر عامر تفهماً حزيناً فهو كأب أراد لابنته زوج مثل حسن, ولكنه النصيب كما يقولون.. ولم ينسَ حسن يومها وهو يودع الرجل الأكبر أن يهمس له بصدق عشق مازن لنيرة.. وأن ما فعله بالحفلة لم يكن بناء على خطة مسبقة أو اتفاق ما, ولكنه تحرك يدفعه قلبه وعشقه لنيرة وأن ذلك سبب أكثر من كافي لاستحالة ارتباط حسن بنيرة..
لمح حسن نظرات الدهشة والامتعاض بعينيها الجميلتين وفهم ما يمر بعقلها بعدما لمست دفء ترحاب أبيها له, ربما ظنت أنه يجدر به إلقائه في الطريق بدلاً من دعوته إلى العشاء.. تلك الدعوة التي كان أبوها يتفوه بها لتوه وقبل أن تخرج كلمة واحدة من شفتيها رداً على دعوة والدها فوجئت بحسن يضع طفلته بين يديها برقة شديدة, ثم يتبعها بالحقيبة الوردية ليعلقها على كتفها.. بينما تنطلق كلماته ببراءة شديدة:
ـ لو سمحتِ يا صبا تخلي بالك من منى.. عايز عمي عامر في كلمتين..
ثم رفع عينيه نحو الرجل مرتبكاً:
ـ ده بعد إذنك.. طبعاً يا عمي.. ويا ريت نأجل دعوة العشا لمرة تانية..
أومأ عامر موافقاً وتقدم حسن نحو غرفة المكتب بينما حسن يتبعه بصمت ونظراته معلقة بتلك التي تحمل ابنته برقة شديدة وقد فتن بذلك المشهد وبأعماقه وعد نفسه أن تكون صبا ببيته في أقرب وقت.. ظهر تصميمه على ملامحه وتبادل معها النظرات وكأنه يخبرها..
"نعم.. سأفعلها ولن أتراجع.. ستكونين لي"..
بينما نظراتها تصرخ بعنف وتوسل في وقت واحد..
"مــــــــــــــــــــــــجـــــــــــــــــنوووووووون"..
دلف عامر يرافقه حسن إلى غرفة المكتب وأغلق الباب بهدوء ودعا حسن للجلوس وقد ظن لوهلة أنه يريده كوسيط ليعود إلى العمل بالمجموعة.. ولكن كلمات حسن فاجئته عندما أخبره بهدوء وثقة:
ـ عمي.. أنا كنت جاي عشان أطلب من حضرتك إيد صبا..
توسعت عينا عامر بذهول وارتسم العجب بكل إماراته على وجهه.. فهو لم يظن للحظة أن ذلك سبب زيارة حسن.. حتى عندما استشعر التوتر الذي أصاب ابنته منذ أن رأت حسن بالباب.. لم يفكر في امكانية تبادلهما لأي مشاعر سوى النفور والكراهية.. فصبا أخت نيرة.. هل من الممكن أن يكون حسن هو السبب وراء شرود ابنته الصغرى مؤخراً..
قبل أن يرد عامر بكلمة تعبر عن ذهوله.. عاد حسن ليتولى دفة الحوار:
ـ عمي.. أنا عارف حضرتك بتفكر في ايه دلوقتِ.. بس اسمح لي أوضح شوية حاجات..
قاطعه عامر بهدوء:
ـ تطلب ايدها!.. كده بدون أي مقدمات؟..
أومأ حسن:
ـ زي ما كنت بقول لحضرتك.. في نقط لازم أوضحها.. أولاً.. أنا كل ارتباط لي بباريس أنهيته تماماً.. وأنا قدام حضرتك راجل حر.. وأيوه أنا بطلب إيد صبا.. أنا طول عمري مش بحب اللف أو الدوران على الحقيقة.. والحقيقة أني عايز صبا تكون زوجة ليا.. ده غير أني دلوقتِ أب.. عندي بنت صغيرة ومتفهم خوف حضرتك.. أنا بحاول أفكر لو أنا مكان حضرتك دلوقتِ.. ممكن أقوم اضربني مثلاً..
ابتسم عامر ليشاركه حسن الابتسام وهو يتخيل من يحاول طلب منى للزواج مستقبلاً.. قبل أن يكمل:
ـ عمي.. أنا مش طالب ارتباط في التو واللحظة.. عارف كويس أن صبا محتاجة مني قوة اقناع.. يمكن الظروف كلها ضدي.. لكن أنا مُصر أنها تكون مراتي.. أنا بس حبيت آخد موافقة حضرتك.. لأني ما اتعودتش اعمل حاجة في الضلمة.. وأنا عايز أقرب من صبا عشان...
قاطع عامر كلماته بسؤال حاسم:
ـ بتحبها؟.. بتحب صبا بنتي؟..
أومأ حسن وقد ظهرت مشاعره العاصفة بعينيه وقد عجز عن اخفائها:
ـ بحبها.. بحبها بكل عنفوان ونضوج وجنون رجل عدى التلاتين..
ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتي عامر ولكنه أعجب بصراحة حسن الذي استوعب مخاوفه كأب على الفور.. وعاد عامر يردد:
ـ عدى التلاتين.. بالظبط.. أنت عارف فرق السن قد ايه؟..
ابتسم حسن بتفهم:
ـ 11 سنة..
عاد عامر يردد:
ـ ايوه يا حسن.. 11 سنة.. مش شايف أنهم كتير؟..
ابتسم حسن وأجاب بثقة:
ـ مع المشاعر اللي جوايا لها.. مش هيكون السن مشكلة.. صبا رغم نضوج تفكيرها اللي بيعدي سنها.. وده شيء لمسته في تصرفاتها إلا أنها جواها طفلة محتاجة حب الزوج وحنان الأب.. وأنا أوعد حضرتك أني أقدمهم لها...
ارتسمت على وجه عامر علامات الشجن والسعادة معاً لما لمسه من تفهم وادراك من حسن لطبيعة صبا الهشة.. فهو يتفهم نفسية ابنته الخائفة من الحب وجنونه وآلامه.. يدرك انغلاقها على نفسها وابتعادها عن أمور القلب فهي ترى فشل زواج والديها رغم ما تلمسه من عشق يطحن قلبيهما ومعاناتها لتتأقلم مع ظروف حياتهما الغريبة والشائكة وهي ترى ذبول والدها وانهزامه أمام حب تملكه وهو لم ينجح في التعايش معه, يقابله هروب فريدة الدائم من العودة إلى مصر أو حتى اللقاء به والتظاهر بتقبل وجوده.. وأخيراً عاشت مع نيرة معانتها مع زوجها المجنون.. نماذج شائكة تنفرها من الحب والمشاعر بشكل عام..
ارتسمت ابتسامة مؤازرة على شفتي عامر وهو يردد:
ـ صبا عنيدة.. مش هتسلم بسهولة..
تنهد حسن بارتياح وهو يتسلم موافقة عامر الضمنية قبل أن يردد ببساطة:
ـ وأنا مش هستسلم أبداً ومش هرتاح إلا وهي في بيتي..
صمت للحظة قبل أن يردف بتصميم:
ـ ممكن أتكلم معاها؟.. نص ساعة بس..
أومأ عامر موافقاً وتحرك من خلف مكتبه ليستدعي صبا وقبل أن يخرج ربت على كتفي حسن:
ـ أنت غلطت بس في نقطة واحدة.. أنا كأب دلوقتِ مش عايز اضربك, بالعكس.. عايز أسلم عليك.. وأقولك.. أني ما اتمناش لبنتي زوج أفضل منك..
ثم تحرك ليسلم عليه بالفعل مردداً:
ـ صبا.. أمانة بين ايديك وأنا مطمن عليها معاك.. خد منها موافقة مبدئية.. ونقرى الفاتحة الليلة..
ابتعد عامر سريعاً وقد ترقرقت الدموع بعينيه واستدعى صبا التي أتت مهرولة حينما وصلها صوت والدها المشحون بمشاعر عدة وقد ظنت أن حسن أثار ضيقه, بينما عامر ما أن لمح معالم وجهها المهددة لحسن والتي تنذر بقرب ارتكابها لجريمة قتل المسكين, حتى ابتسم بداخله متمنياً التوفيق لصهره الشاب والتفت نحوه بغمزة هامسة:
ـ الحرب ابتدت..
بينما ابتسم حسن بحنان وهو يرى ابنته وقد تعلقت بعنق صبا بينما أناملها الصغيرة تعيث فساداً في الخصلات الكستنائية الطويلة..
التقت عامر الفتاة الصغيرة من بين ذراعي ابنته وهو يهمس لها بإغاظة:
ـ تعالي يا شقية عشان اتعرف على حفيدتي الجديدة..
خرج مسرعاً مع منى الصغيرة وترك صبا بمواجهة حسن الذي اشتعلت عينيه بمشاعر عاصفة وهو يهمس:
ـ محظوظة بنتي!..
كتفت صبا ذراعيها وهي تقف مواجهة لحسن ونظرات التحدي تنطلق من عينيها.. فتقدم منها بهدوء ليركز عينيه ذات اللون الغريب عليها وقد رقت نظراته للغاية ولكن لم يختفِ منها التصميم فأخفضت عينيها هرباً من مشاعره المستعرة والتي تكاد تنطق بها عينيه لتفاجئ به يفك يديها ويتناول كفها جاذباً اياها لتجلس بجواره على الأريكة الواسعة المتصدرة الغرفة, بينما بداخلها تنتفض فزعاً من تأثيره المخدر على قوة إرادتها ومقاومتها, فهي كانت تخطط للصراخ عليه بل وطرده ولكنها تجد نفسها الآن جالسة بجواره ورموشها مسدلة خجلاً مما تراه في عينيه وكفها يرقد هانئاً سعيداً بين كفيه الكبيرين..
حاولت استرجاع قوتها المسلوبة لتهتف بصوت خرج ضعيفاً برغم محاولتها وضع كل ما تملك من شراسة به:
ـ أنا مش موافقة اتجوزك!
شد على كفها فالتفتت لتواجهه رغماً عنها وهو يسألها:
ـ ليه؟..
قطبت وهي تردد:
ـ هو ايه اللي ليه!.. مش عايزة.. يعني مش عايزة!
ابتسم وهو يستشعر شراستها ويسأل مستفسراً:
ـ الرفض ده بشكل عام ولا موجه لي أنا بالذات؟..
رمشت بعينيها بارتباك وهي تتمتم:
ـ أنا.. أنت..
قاطعها:
ـ أنا أنهيت كل ارتباطاتي في باريس قبل ما آجي يا صبا..
جذبت كفها منه بعنف ونهضت تبتعد عن تأثيره عليها وقد تلبستها شراستها بقوة بعدما تذكرت زوجته الجميلة:
ـ ومراتك؟.. بتعتبرها كمان مجرد ارتباط.. و.. أنهيته؟!..
نهض بعنف مشابه وهو يجذبها لتلتفت له وبرقت عيناه بلون ساحر وهو يهتف بكل ما يمتلك من هدوء:
ـ علاقتي بلورا بكل تفاصيلها, بدايتها ونهايتها.. مش موضوع مناقشة.. وياريت تثقي بكلمتي أما أقولك.. أن كل علاقة ليا بباريس انتهت.. وللأبد..
برقت عيناها بغضب ليكمل هو برقة:
ـ صبا.. أنا وعدتك أني هرجع.. وأجلت وقتها الكلام لأنه ما كانش من حقي أني أقول كل اللي جوايا... لكن..
صمت للحظة وهو يجذبها قليلاً لتواجه ويرفع بأنامله رأسها التي تخفضها بعناد لتواجهه عيناها الرماديتان الحائرتان وتذوب النظرات في مواجهة رقيقة.. يهمس هو بعدها:
ـ دلوقتِ بس بقى من حقي أتكلم.. وأنتِ تسمعيني.. بحبك يا صبا..
ارتعش صوته وهو ينطقها.. رعشة مشحونة بكل ما تحمله أعماقه من مشاعر.. رعشة وليد يستقبل أنفاس الحياة للمرة الأولى فتصرخ رئتاه معبرة عن خوفه وفرحه معاً.. بينما هي ارتدت للخلف وقد صعقت لتصريحه المباشر والواضح.. واتسعت عيناها برعب وهي تستشعر صدقه واصراره وثقته وهو يردف:
ـ الوقت كان قصير, صح.. ما اتقبلناش واتكلمنا إلا كام مرة تتعد على الصوابع, برضوه صح.. لكني متأكد زي ما أنتِ متأكدة أنه في مشاعر بتجمعنا..
قاطعته بضعف وهي تبتعد بوجهها عنه:
ـ لا.. أنت غلطان..
ابتسم وهو يلف وجهها ليقابل عينيها ويردد بهمس:
ـ صبا.. أنا ممكن أخرج من الباب ده.. وأوعدك أني مش هزعجك أبداً.. لو حسيت فعلاً أنك رفضاني أنا..
هتفت بقوة تحاول استرجاع عنفوانها:
ـ أنا...
قاطعها:
ـ أنتِ ايه!.. مش عايزاني؟.. رافضة حبي؟..
رفعت عينين حائرتين له وهي تردد:
ـ أنا...
عاد ليقاطعها وهو مستمر بمطاردته الشرسة لقلبها العنيد:
ـ أنتِ همسة ناعمة غطت على كل أصوات الألم في حياتي..
هزت رأسها برفض وهي تردد:
ـ لا.. لا.. أنا..
ليقاطع رفضها:
ـ أنتِ ضحكة حلوة دخلتِ قلبي قبل ما أعرف صاحبتها.. نقطة مياه نزلت على قلب عطشان للحب.. نسمة ناعمة مرت على روح كانت قربت تتحول لجماد من القسوة اللي بتحاول تتظاهر بيها.. رؤية صافية مسحت كابوس كنت باتخبط فيه قبل ما يبلعني ويضيعني نهائي..
رمشت بعينيها عدة مرات تحاول حبس دموع تصر بقوة على ترك مغادرة حاجز رموشها.. لتسمعه يكمل:
ـ أنا عايزك ومحتاجك وبحبك.. وهحاول ما استعجلش مشاعرك.. ولو أن قلبك بيقولي أنه مش هيرضى بعذابي..
عادت تهز رأسها محاولة رفض كلماته:
ـ أنا..
لم تستطع التفوه بالمزيد وهي ترى تألق عينيه وهو يكمل جملتها:
ـ أنتِ اللي زماني صالحني بيكي...
عندها هطلت دموعها بلا إرادة منها وجذبت يديها منه بعنف قبل أن تهرب من أمامه بسرعة تاركة اياه مسمراً بذهول من هروبها السريع.. الذي تلاه دخول والدها عليه وهو يردد:
ـ طريقك صعب يا حسن..
ليجاوبه حسن بتصميم:
ـ نقرى الفاتحة؟..
ضحك عامر:
ـ وأنت أخدت موافقتها؟..
ابتسم حسن:
ـ على الأقل هزمت رفضها..
ربت عامر على كتفه بمودة:
ـ وده انجاز ما تستهونش به..
أومأ حسن موافقاً:
ـ طيب هستأذن أنا دلوقتِ.. ياريت حضرتك تجيب منى..
ضحك الرجل:
ـ منى نامت من زمان.. ايه رأيك تمر الصبح تاخدها.. وبالمرة نفطر كلنا سوا..
رافقت كلمات عامر غمزة صغيرة ليضحك حسن بعدها وهو يبدي موافقته ويخرج مودعاً عامر بامتنان..
وبعد خروج حسن توجه عامر إلى هاتفه ليضغط رقم يحفظه عن ظهر قلب رغم عدم استخدامه له, وما أن وصله صوت فريدة حتى قال مباشرة:
ـ صبا محتاجة لكِ..
وصله صوتها بسؤال:
ـ حسن؟..
ليتساءل هو بدوره:
ـ حسن حكى لك؟..
جاءته اجابتها المذهلة:
ـ لا.. صبا..
وقبل أن يجيبها كانت تخبره بحسم:
ـ هاجي على أول طيارة.. مع السلامة..
وأغلقت الهاتف بسرعة قبل أن يتفوه بكلمة واحدة ولكنه بأعماقه أدرك أن حسن قطع شوط كبير لقلب ابنته العنيد.. إذ لم يكن استحوذ عليه بالفعل..
**************
جلست نيرة بسيارتها وهي تنقر بأظافرها على المقود بعصبية شديدة وأمامها انتصبت بوابة معدنية ضخمة.. أخذت تتأمل البوابة لفترة وهي تدرك أن خلفها يكمن من مزق قلبها قطعاً وبطريقه لقتل روحها وتمريغ كرامتها في وحل غزواته النسائية التي تشعل قلبها غيرة وألماً.. هل تصرفها بالحضور ومواجهته صحيح؟.. كيف سيستقبلها؟.. وهل سيوافق على استقبالها من الأساس؟..
حسمت أمرها أخيراً وهي تخبر نفسها أنها جاءت بناءً على دعوة صاحبة الفيلا, وهو ضيف هنا مثلها تماماً.. حتى ولو كان هنا لرؤية ابنته..
تدعو وتبتهل فقط ألا يرحل بدون أن يسمعها.. ضغطت على بوق السيارة لتفتح البوابة الضخمة وتدلف بسيارتها للداخل لتجد دنيا بانتظارها وهي بكامل أناقتها, مر بذهنها موقفاً مشابهاً عندما واجهت دنيا بمكتبها بعد علمها بزواجها من مازن, ولكن الفارق تلك المرة كان بداخلها هي.. فرغم أن أسلوبها في ارتداء ملابسها لم يتغير ومازالت تبحث عما يلفت النظر ويسبب الابهار الدائم, إلا أن أعماقها اختلفت, بل نضجت وهي ترمق السيدة الراقية أمامها بتقدير واحترام تتعامل به ربما للمرة الأولى:
ـ مساء الخير يا مدام دنيا..
قاطعتها دنيا وهي ترحب بها وتدعوها للدخول:
ـ دنيا بس.. ما فيش داعي للألقاب.. اتفضلي.. مازن جوه في أوضة عشق..
اصطحبتها دنيا لداخل الفيلا الواسعة والمكونة من دور واحد واسع جداً ملحق به حديقة وحوض للسباحة متوسط الحجم...
وقفتا معاً أما باب الغرفة المفتوح لتلتمع عينا نيرة وهي تراقب مازن وهو يفترش الأرض مع ابنته محاولاً تشجيعها بعدما سقطت على وجهها وهي تحاول تعلم الحبو.. فرفعها بين يديه يمسح دموعها ويتمتم لها بكلمات هامسة حولت دموعها لابتسامة سعيدة قبل أن يضعها أرضاً ويقلد حركاتها في الحبو والسقوط عدة مرات لتنطلق ضحكاتها البريئة وتعاود محاولتها مرة أخرى وبنجاح..
جاءت همسة دنيا الدامعة تعبيراً عما يجول بذهن نيرة:
ـ هو أب رائع.. رائع جداً في الحقيقة..
تحكمت دنيا بدمعتها قبل أن تسقط ويساء فهمها, أما نيرة فقد عجزت عن كبح دمعة ندم سقطت من جانب عينها وهي تتحسس بطنها بحنين هامس:
ـ أب رائع.. وزوج أروع..
وكأن همستها وصلته أم ربما عطرها الذي تألفه حواسه جميعاً فالتفت فجأة لتتقابل العيون بصدمة..
شهقت نيرة بخوف وهي تلمح التماع القسوة في مقلتيه قبل أن يتوجه بنظرات لائمة نحو دنيا.. وينهض رافعاً ابنته بين ذراعيه وممسداً ملابسه في هدوء مستفز قبل أن يتوجه نحو دنيا مردداً بامتعاض:
ـ هاجي أشوف عشق بكره.. يظهر أنه عندك ضيوف..
تحرك ليخرج من الغرفة فتمسكت نيرة بذراعه هامسة:
ـ مازن.. أنا جاية عشانك..
تجاهلها مازن تماماً ليلتفت لدنيا ساخراً:
ـ أنتِ بقيتِ توفقي راسين في الحلال ولا ايه!
شهقت نيرة بحزن بينما تجاهلته دنيا وهي تسحب ابنتها من بين ذراعيه هاتفة بغضب:
ـ أظن أنك مش هتخسر حاجة لو سمعتها..
واستطردت وهي تقول بلهجة ذات معنى:
ـ كفاية أنها جت لحد هنا.. وأنت عارف كويس أن ده مش سهل.
خرجت تحمل طفلتها الصغيرة تاركة لهما الخصوصية اللازمة, فتحرك مازن مواجهاً نيرة ببرود:
ـ قولي اللي عندك..
حاولت التماسك قليلاً لترتب كلماتها فهي ما تبعده كل مرة وتنفره منها.. مسحت وجنتيها بتوتر وهي تهمس:
ـ مازن.. أنا بحبك..
حركة انقباض فكيه معاً هي ما أخبرتها أنه سمع تصريحها الجليل.. أما كل شيء آخر به فقد تجمد تماماً.. فانطلقت كلماتها بلا رابط:
ـ والله بحبك.. أنا عملت اللي عملته عشان نرجع لبعض..
رفع حاجبه بتساؤل:
ـ وبعدين؟..
هزت رأسها بحيرة:
ـ وبعدين ايه؟.. قصدك ايه؟!!
اقترب منها ليمسك ذراعها بعنف:
ـ وبعدين رجعنا لبعض؟.. ولا السدود زادت سد.. والجروح زادت جرح..
سقطت دموعها الحبيسة وهي تسمع كلماته الجريحة:
ـ أنتِ بتحبيني.. برافو.. وصلتِ للنتيجة دي لوحدك؟.. المفروض أنا أعمل ايه؟.. أجري عليكِ وآخدك في حضني وأقولك وأنا كمان.. ونعيش في تبات ونبات وننسى كل اللي فات..
ضحك بسخرية وهو يسمع نفسه.. ثم صرخ بغضب:
ـ وأنا كمان بحبك يا نيرة.. بحبك من سنين.. سنين طويلة.. مش هقولك اتحملت واتحملت.. لا.. هقولك أنا خسرت.. خسرت أخويا.. خسرت عزة نفسي.. خسرت كرامتي.. خسرت كبريائي كراجل..
تهدج صوته وهو يهتف:
ـ خسرت ابني.. ورغم كده.. زي الأهبل سامحت وغفرت.. مش بقولك خسرت كبريائي!.. وأنتِ دلوقتِ جاية تراضيني وتطبطبي عليا بكلمتين.. "أنا بحبك".. وأنا بقى المفروض افرح واسامح.. لكن للأسف خلاص.. ما بقاش عندي اللي أخسره عشان أغامر وأصدقك تاني.. واقعد انتظر الطعنة يا ترى هتيجي منين المرة دي.. خلاص.. مازن انتهى.. انتهى..
صرخت به وهي تتمسك بذراعه قبل أن يبتعد:
ـ والستات اللي بتتجوزهم هيرجعوا لك كرامتك وكبريائك اللي أنا ضيعتهم؟..
التفت لها ساخراً:
ـ لا.. دول عشان يخسروكِ أنتِ كرامتك..
ابتعدت عنه كالملسوعة وهي تشهق:
ـ مازن!.. أنت بتقول ايه؟!
ـ شوفتِ وصلتيني لايه؟.. بقيت اتفنن عشان أجرحك..
شهقت مرة أخرى بألم قبل أن تهتف به:
ـ بتعمل كده عشان تجرحني!!.. تدمر سمعتك وصحتك واسمك عشان تجرحني!..
هز رأسه بألم:
ـ مش بقولك ماعدتش عندي اللي أخسره..
ليفاجئه صوت دنيا الغاضب:
ـ وبنتك يا مازن!.. عايز تخسرها هي كمان مع اللي خسرته؟.. ما فكرتش الناس هتقول ايه على أبوها..
قاطعها وقد ارتسمت الشراسة بعينيه:
ـ أبوها بيتجوز.. شرعي وفي النور.. مش عيب ولا حرام!..
شهقت المرأتان معاً ليكمل مازن بغضب:
ـ ومن امتى يا دنيا بتوقفي تسمعي من ورا الأبواب؟
اقتربت منه وهي تهتف بغضب:
ـ صوتكوا هو اللي وصلني وأنا في الجنينة.. فجيت أشوف ايه آخر مغامرات أبو بنتي..
بينما تمتمت نيرة باعتذار مبهم رفع مازن حاجباً ساخراً وهو يحرك نظراته بينهما:
ـ أنتِ قولتيها.. أبو بنتك.. وما حدش وصي على تصرفاتي..
وأشار لنيرة:
ـ وبالنسبة للمدام.. لو عايزة علاقتنا الزوجية الميمونة تنتهي, كل اللي عليها أنها تطلب...
شهقت نيرة برفض:
ـ لا.. لا يا مازن.. أوعى..
لمعت عيناه بحنين مؤلم سرعان ما أخفاه وهو يتمتم:
ـ يبقى أنتِ اللي غاوية عذاب..
ارتجفت نيرة بألم بينما تتساقط دموعها بلا توقف, فأسرعت دنيا لتحيطها بذراعيها مهدئة بينما يصلها صوت مازن محذراً:
ـ ما تقربيش منها قوي.. ممكن تكون الطعنة الجاية من نصيبك..
صرخت به دنيا مؤنبة:
ـ كفاية يا مازن.. احنا مش ملايكة عشان تحاسبها بالطريقة دي..
هتف مازن بغضب:
ـ بس هي شيطانها دمر كل حاجة حلوة جوايا..
ابتعدت نيرة عن ذراعي دنيا بعنف لتصيح به:
ـ لا يا مازن.. كفاية بقى.. كفاياك ظلم.. أنت بتحاسبني وكأني لوحدي الغلطانة.. بتنسى أنك ارتبطت بيا في أضعف لحظاتي.. أخدت دور الشهم والمنقذ.. ومصمم تطالبني أني أدفع التمن.. كنت بتحاسبني على كل كلمة.. كل نظرة.. كل غلطة مهما كانت بسيطة.. لازم تكبرها.. طبعاً.. ما أنت قدمت وقدمت.. وأنا لازم أتحمل غضبك وشكك واسكت.. كل ده لأن جواك مفتقد الثقة بنفسك.. و..
قاطع كلماتها صفعة قوية على وجنتها جعلتها تصمت تماماً بينما كتمت دنيا شهقتها بكفها وهي ترى مازن يصرخ بغضب وعيناه قد اتسعتا بجنون واحتقن وجهه بشدة:
ـ كفاية.. كفاية قلب حقايق.. اللي يسمع كده يقول أنا اللي كنت بفرض نفسي عليكِ.. كفاية جرح وتجريح بقى.. جروحك جوايا ما بتلحقش تطيب قبل ما تقابليني بجرح جديد..
التفت يوليها ظهره وهو ينظر لكفه الذي صفعها به للتو بغضب واشمئزاز وكره وهو يردد:
ـ أنا عمري ما مديت إيدي على واحدة ست..
قبض كفه بغضب وهو يتمتم:
ـ خسرت كل حاجة.. حتى نفسي.. حتى نفسي.. بس كفاية قوي لحد كده.. كفاية..
أغمض عينيه بقوة ليلف رأسه نحو نيرة المنكمشة على نفسها هامساً بحسم:
ـ نيرة.. أوقات كتير بيكون الحب لوحده مش كفاية.. أنتِ طالق.. طالق.. طالق..
ـ أنا مش هضيع لحظة زيادة.. لازم تكوني في حياتي.. ورسمي..
هتفت به ذاهلة:
ـ ايه!!..
اقترب برأسه منها وهو يخبرها ببطء وكأنه سيتهجأ حروفه:
ـ هـــــطــــلــــب... إيــــــدك..
توسعت عيناها بذهول وأخذت تحرك شفتيها عدة مرات محاولة تكوين أي كلمات لها معنى ولكن بلا جدوى.. تباً لحالة البلاهة التي تصيبها بحضوره..
وللدقة تصيبها فقط عندما يخصها بتلك النظرات الناعمة بعينيه والتي تشعرها باحتواء وأمان تام.. وكأنه يضمها بين جفنيه مبعداً عنها شرور الدنيا وآلامها..
هربت بعينيها منه محاولة قطع خيط التفاهم الذي يربطهما فمهما كانت حالة الغيبوبة التي تسببها لها نظراته وحتى لو قفز قلبها الآن مهللاً بعودته ورقصت أعماقها طرباً بعرضه, إلا أن عقلها سيسطر على الوضع فوراً نابذاً تلك المشاعر والأحاسيس والتي لا تسبب خلفها إلا الدمار والألم..
حاولت الرد عليه بقسوة وانهاء الأمر ليسبقها صوت والدها الذي أتى من خلفها مرحباً بحسن:
ـ مين؟.. حسن!.. معقولة!.. أهلاً.. أهلاً.. اتفضل يا بني..
ثم التفت إلى ابنته المسمرة في مكانها:
ـ ايه يا صبا!.. أنتِ سايبة حسن على الباب.. اتحركي يا بنتي خليه يدخل..
رفع حسن عينيه عنها بصعوبة عندما وصله صوت والدها.. فقد أغرقته نظرات عينيها التي توالت بها مشاعر شتى.. فرح.. شوق.. سعادة لتنقلب سريعاً وفجأةً إلى حزن وألم ورفض تام... رفض ميزه على الفور وأثار قلقه بقوة.. ولكنه لن يثنه عن عزمه.. هي له.. حتى لو اضطر لمحاربتها هي شخصياً لينال قلبها العاصي..
تحركت صبا مبتعدة عن الباب استجابة لكلمات والدها.. بينما تحرك حسن محيياً الرجل الأكبر سناً بمودة بالغة:
ـ أهلاً بحضرتك يا عمي.. أنا آسف أني جاي في وقت متأخر..
قاطعه عامر بمودة:
ـ ما تقولش كده يا حسن.. ده بيتك.. وأنت عارف معزتك عندي..
قالها الرجل بتأكيد وكأنه يحاول رفع الحرج عن حسن, بينما لمعت عينا صبا بتعجب فموقف حسن من نيرة قديماً وما فعله بها كان مؤلماً فكيف يستقبله والدها بكل الود والترحاب هكذا, ولكن ما لا تعلمه هو زيارة حسن لوالدها منذ سنوات وبالتحديد عند عودته من شهر عسله ليعتذر لعامر بشدة موضحاً له ما قامت به نيرة ونيتها لاتهام منى بالسرقة وتهديدها لها, شرح له محاولاته العديدة للتفاهم معها وما كان يقابلها من استمرارها في عِندها ومحاولة السيطرة والاستحواذ عليه.. أظهر عامر تفهماً حزيناً فهو كأب أراد لابنته زوج مثل حسن, ولكنه النصيب كما يقولون.. ولم ينسَ حسن يومها وهو يودع الرجل الأكبر أن يهمس له بصدق عشق مازن لنيرة.. وأن ما فعله بالحفلة لم يكن بناء على خطة مسبقة أو اتفاق ما, ولكنه تحرك يدفعه قلبه وعشقه لنيرة وأن ذلك سبب أكثر من كافي لاستحالة ارتباط حسن بنيرة..
لمح حسن نظرات الدهشة والامتعاض بعينيها الجميلتين وفهم ما يمر بعقلها بعدما لمست دفء ترحاب أبيها له, ربما ظنت أنه يجدر به إلقائه في الطريق بدلاً من دعوته إلى العشاء.. تلك الدعوة التي كان أبوها يتفوه بها لتوه وقبل أن تخرج كلمة واحدة من شفتيها رداً على دعوة والدها فوجئت بحسن يضع طفلته بين يديها برقة شديدة, ثم يتبعها بالحقيبة الوردية ليعلقها على كتفها.. بينما تنطلق كلماته ببراءة شديدة:
ـ لو سمحتِ يا صبا تخلي بالك من منى.. عايز عمي عامر في كلمتين..
ثم رفع عينيه نحو الرجل مرتبكاً:
ـ ده بعد إذنك.. طبعاً يا عمي.. ويا ريت نأجل دعوة العشا لمرة تانية..
أومأ عامر موافقاً وتقدم حسن نحو غرفة المكتب بينما حسن يتبعه بصمت ونظراته معلقة بتلك التي تحمل ابنته برقة شديدة وقد فتن بذلك المشهد وبأعماقه وعد نفسه أن تكون صبا ببيته في أقرب وقت.. ظهر تصميمه على ملامحه وتبادل معها النظرات وكأنه يخبرها..
"نعم.. سأفعلها ولن أتراجع.. ستكونين لي"..
بينما نظراتها تصرخ بعنف وتوسل في وقت واحد..
"مــــــــــــــــــــــــجـــــــــــــــــنوووووووون"..
دلف عامر يرافقه حسن إلى غرفة المكتب وأغلق الباب بهدوء ودعا حسن للجلوس وقد ظن لوهلة أنه يريده كوسيط ليعود إلى العمل بالمجموعة.. ولكن كلمات حسن فاجئته عندما أخبره بهدوء وثقة:
ـ عمي.. أنا كنت جاي عشان أطلب من حضرتك إيد صبا..
توسعت عينا عامر بذهول وارتسم العجب بكل إماراته على وجهه.. فهو لم يظن للحظة أن ذلك سبب زيارة حسن.. حتى عندما استشعر التوتر الذي أصاب ابنته منذ أن رأت حسن بالباب.. لم يفكر في امكانية تبادلهما لأي مشاعر سوى النفور والكراهية.. فصبا أخت نيرة.. هل من الممكن أن يكون حسن هو السبب وراء شرود ابنته الصغرى مؤخراً..
قبل أن يرد عامر بكلمة تعبر عن ذهوله.. عاد حسن ليتولى دفة الحوار:
ـ عمي.. أنا عارف حضرتك بتفكر في ايه دلوقتِ.. بس اسمح لي أوضح شوية حاجات..
قاطعه عامر بهدوء:
ـ تطلب ايدها!.. كده بدون أي مقدمات؟..
أومأ حسن:
ـ زي ما كنت بقول لحضرتك.. في نقط لازم أوضحها.. أولاً.. أنا كل ارتباط لي بباريس أنهيته تماماً.. وأنا قدام حضرتك راجل حر.. وأيوه أنا بطلب إيد صبا.. أنا طول عمري مش بحب اللف أو الدوران على الحقيقة.. والحقيقة أني عايز صبا تكون زوجة ليا.. ده غير أني دلوقتِ أب.. عندي بنت صغيرة ومتفهم خوف حضرتك.. أنا بحاول أفكر لو أنا مكان حضرتك دلوقتِ.. ممكن أقوم اضربني مثلاً..
ابتسم عامر ليشاركه حسن الابتسام وهو يتخيل من يحاول طلب منى للزواج مستقبلاً.. قبل أن يكمل:
ـ عمي.. أنا مش طالب ارتباط في التو واللحظة.. عارف كويس أن صبا محتاجة مني قوة اقناع.. يمكن الظروف كلها ضدي.. لكن أنا مُصر أنها تكون مراتي.. أنا بس حبيت آخد موافقة حضرتك.. لأني ما اتعودتش اعمل حاجة في الضلمة.. وأنا عايز أقرب من صبا عشان...
قاطع عامر كلماته بسؤال حاسم:
ـ بتحبها؟.. بتحب صبا بنتي؟..
أومأ حسن وقد ظهرت مشاعره العاصفة بعينيه وقد عجز عن اخفائها:
ـ بحبها.. بحبها بكل عنفوان ونضوج وجنون رجل عدى التلاتين..
ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتي عامر ولكنه أعجب بصراحة حسن الذي استوعب مخاوفه كأب على الفور.. وعاد عامر يردد:
ـ عدى التلاتين.. بالظبط.. أنت عارف فرق السن قد ايه؟..
ابتسم حسن بتفهم:
ـ 11 سنة..
عاد عامر يردد:
ـ ايوه يا حسن.. 11 سنة.. مش شايف أنهم كتير؟..
ابتسم حسن وأجاب بثقة:
ـ مع المشاعر اللي جوايا لها.. مش هيكون السن مشكلة.. صبا رغم نضوج تفكيرها اللي بيعدي سنها.. وده شيء لمسته في تصرفاتها إلا أنها جواها طفلة محتاجة حب الزوج وحنان الأب.. وأنا أوعد حضرتك أني أقدمهم لها...
ارتسمت على وجه عامر علامات الشجن والسعادة معاً لما لمسه من تفهم وادراك من حسن لطبيعة صبا الهشة.. فهو يتفهم نفسية ابنته الخائفة من الحب وجنونه وآلامه.. يدرك انغلاقها على نفسها وابتعادها عن أمور القلب فهي ترى فشل زواج والديها رغم ما تلمسه من عشق يطحن قلبيهما ومعاناتها لتتأقلم مع ظروف حياتهما الغريبة والشائكة وهي ترى ذبول والدها وانهزامه أمام حب تملكه وهو لم ينجح في التعايش معه, يقابله هروب فريدة الدائم من العودة إلى مصر أو حتى اللقاء به والتظاهر بتقبل وجوده.. وأخيراً عاشت مع نيرة معانتها مع زوجها المجنون.. نماذج شائكة تنفرها من الحب والمشاعر بشكل عام..
ارتسمت ابتسامة مؤازرة على شفتي عامر وهو يردد:
ـ صبا عنيدة.. مش هتسلم بسهولة..
تنهد حسن بارتياح وهو يتسلم موافقة عامر الضمنية قبل أن يردد ببساطة:
ـ وأنا مش هستسلم أبداً ومش هرتاح إلا وهي في بيتي..
صمت للحظة قبل أن يردف بتصميم:
ـ ممكن أتكلم معاها؟.. نص ساعة بس..
أومأ عامر موافقاً وتحرك من خلف مكتبه ليستدعي صبا وقبل أن يخرج ربت على كتفي حسن:
ـ أنت غلطت بس في نقطة واحدة.. أنا كأب دلوقتِ مش عايز اضربك, بالعكس.. عايز أسلم عليك.. وأقولك.. أني ما اتمناش لبنتي زوج أفضل منك..
ثم تحرك ليسلم عليه بالفعل مردداً:
ـ صبا.. أمانة بين ايديك وأنا مطمن عليها معاك.. خد منها موافقة مبدئية.. ونقرى الفاتحة الليلة..
ابتعد عامر سريعاً وقد ترقرقت الدموع بعينيه واستدعى صبا التي أتت مهرولة حينما وصلها صوت والدها المشحون بمشاعر عدة وقد ظنت أن حسن أثار ضيقه, بينما عامر ما أن لمح معالم وجهها المهددة لحسن والتي تنذر بقرب ارتكابها لجريمة قتل المسكين, حتى ابتسم بداخله متمنياً التوفيق لصهره الشاب والتفت نحوه بغمزة هامسة:
ـ الحرب ابتدت..
بينما ابتسم حسن بحنان وهو يرى ابنته وقد تعلقت بعنق صبا بينما أناملها الصغيرة تعيث فساداً في الخصلات الكستنائية الطويلة..
التقت عامر الفتاة الصغيرة من بين ذراعي ابنته وهو يهمس لها بإغاظة:
ـ تعالي يا شقية عشان اتعرف على حفيدتي الجديدة..
خرج مسرعاً مع منى الصغيرة وترك صبا بمواجهة حسن الذي اشتعلت عينيه بمشاعر عاصفة وهو يهمس:
ـ محظوظة بنتي!..
كتفت صبا ذراعيها وهي تقف مواجهة لحسن ونظرات التحدي تنطلق من عينيها.. فتقدم منها بهدوء ليركز عينيه ذات اللون الغريب عليها وقد رقت نظراته للغاية ولكن لم يختفِ منها التصميم فأخفضت عينيها هرباً من مشاعره المستعرة والتي تكاد تنطق بها عينيه لتفاجئ به يفك يديها ويتناول كفها جاذباً اياها لتجلس بجواره على الأريكة الواسعة المتصدرة الغرفة, بينما بداخلها تنتفض فزعاً من تأثيره المخدر على قوة إرادتها ومقاومتها, فهي كانت تخطط للصراخ عليه بل وطرده ولكنها تجد نفسها الآن جالسة بجواره ورموشها مسدلة خجلاً مما تراه في عينيه وكفها يرقد هانئاً سعيداً بين كفيه الكبيرين..
حاولت استرجاع قوتها المسلوبة لتهتف بصوت خرج ضعيفاً برغم محاولتها وضع كل ما تملك من شراسة به:
ـ أنا مش موافقة اتجوزك!
شد على كفها فالتفتت لتواجهه رغماً عنها وهو يسألها:
ـ ليه؟..
قطبت وهي تردد:
ـ هو ايه اللي ليه!.. مش عايزة.. يعني مش عايزة!
ابتسم وهو يستشعر شراستها ويسأل مستفسراً:
ـ الرفض ده بشكل عام ولا موجه لي أنا بالذات؟..
رمشت بعينيها بارتباك وهي تتمتم:
ـ أنا.. أنت..
قاطعها:
ـ أنا أنهيت كل ارتباطاتي في باريس قبل ما آجي يا صبا..
جذبت كفها منه بعنف ونهضت تبتعد عن تأثيره عليها وقد تلبستها شراستها بقوة بعدما تذكرت زوجته الجميلة:
ـ ومراتك؟.. بتعتبرها كمان مجرد ارتباط.. و.. أنهيته؟!..
نهض بعنف مشابه وهو يجذبها لتلتفت له وبرقت عيناه بلون ساحر وهو يهتف بكل ما يمتلك من هدوء:
ـ علاقتي بلورا بكل تفاصيلها, بدايتها ونهايتها.. مش موضوع مناقشة.. وياريت تثقي بكلمتي أما أقولك.. أن كل علاقة ليا بباريس انتهت.. وللأبد..
برقت عيناها بغضب ليكمل هو برقة:
ـ صبا.. أنا وعدتك أني هرجع.. وأجلت وقتها الكلام لأنه ما كانش من حقي أني أقول كل اللي جوايا... لكن..
صمت للحظة وهو يجذبها قليلاً لتواجه ويرفع بأنامله رأسها التي تخفضها بعناد لتواجهه عيناها الرماديتان الحائرتان وتذوب النظرات في مواجهة رقيقة.. يهمس هو بعدها:
ـ دلوقتِ بس بقى من حقي أتكلم.. وأنتِ تسمعيني.. بحبك يا صبا..
ارتعش صوته وهو ينطقها.. رعشة مشحونة بكل ما تحمله أعماقه من مشاعر.. رعشة وليد يستقبل أنفاس الحياة للمرة الأولى فتصرخ رئتاه معبرة عن خوفه وفرحه معاً.. بينما هي ارتدت للخلف وقد صعقت لتصريحه المباشر والواضح.. واتسعت عيناها برعب وهي تستشعر صدقه واصراره وثقته وهو يردف:
ـ الوقت كان قصير, صح.. ما اتقبلناش واتكلمنا إلا كام مرة تتعد على الصوابع, برضوه صح.. لكني متأكد زي ما أنتِ متأكدة أنه في مشاعر بتجمعنا..
قاطعته بضعف وهي تبتعد بوجهها عنه:
ـ لا.. أنت غلطان..
ابتسم وهو يلف وجهها ليقابل عينيها ويردد بهمس:
ـ صبا.. أنا ممكن أخرج من الباب ده.. وأوعدك أني مش هزعجك أبداً.. لو حسيت فعلاً أنك رفضاني أنا..
هتفت بقوة تحاول استرجاع عنفوانها:
ـ أنا...
قاطعها:
ـ أنتِ ايه!.. مش عايزاني؟.. رافضة حبي؟..
رفعت عينين حائرتين له وهي تردد:
ـ أنا...
عاد ليقاطعها وهو مستمر بمطاردته الشرسة لقلبها العنيد:
ـ أنتِ همسة ناعمة غطت على كل أصوات الألم في حياتي..
هزت رأسها برفض وهي تردد:
ـ لا.. لا.. أنا..
ليقاطع رفضها:
ـ أنتِ ضحكة حلوة دخلتِ قلبي قبل ما أعرف صاحبتها.. نقطة مياه نزلت على قلب عطشان للحب.. نسمة ناعمة مرت على روح كانت قربت تتحول لجماد من القسوة اللي بتحاول تتظاهر بيها.. رؤية صافية مسحت كابوس كنت باتخبط فيه قبل ما يبلعني ويضيعني نهائي..
رمشت بعينيها عدة مرات تحاول حبس دموع تصر بقوة على ترك مغادرة حاجز رموشها.. لتسمعه يكمل:
ـ أنا عايزك ومحتاجك وبحبك.. وهحاول ما استعجلش مشاعرك.. ولو أن قلبك بيقولي أنه مش هيرضى بعذابي..
عادت تهز رأسها محاولة رفض كلماته:
ـ أنا..
لم تستطع التفوه بالمزيد وهي ترى تألق عينيه وهو يكمل جملتها:
ـ أنتِ اللي زماني صالحني بيكي...
عندها هطلت دموعها بلا إرادة منها وجذبت يديها منه بعنف قبل أن تهرب من أمامه بسرعة تاركة اياه مسمراً بذهول من هروبها السريع.. الذي تلاه دخول والدها عليه وهو يردد:
ـ طريقك صعب يا حسن..
ليجاوبه حسن بتصميم:
ـ نقرى الفاتحة؟..
ضحك عامر:
ـ وأنت أخدت موافقتها؟..
ابتسم حسن:
ـ على الأقل هزمت رفضها..
ربت عامر على كتفه بمودة:
ـ وده انجاز ما تستهونش به..
أومأ حسن موافقاً:
ـ طيب هستأذن أنا دلوقتِ.. ياريت حضرتك تجيب منى..
ضحك الرجل:
ـ منى نامت من زمان.. ايه رأيك تمر الصبح تاخدها.. وبالمرة نفطر كلنا سوا..
رافقت كلمات عامر غمزة صغيرة ليضحك حسن بعدها وهو يبدي موافقته ويخرج مودعاً عامر بامتنان..
وبعد خروج حسن توجه عامر إلى هاتفه ليضغط رقم يحفظه عن ظهر قلب رغم عدم استخدامه له, وما أن وصله صوت فريدة حتى قال مباشرة:
ـ صبا محتاجة لكِ..
وصله صوتها بسؤال:
ـ حسن؟..
ليتساءل هو بدوره:
ـ حسن حكى لك؟..
جاءته اجابتها المذهلة:
ـ لا.. صبا..
وقبل أن يجيبها كانت تخبره بحسم:
ـ هاجي على أول طيارة.. مع السلامة..
وأغلقت الهاتف بسرعة قبل أن يتفوه بكلمة واحدة ولكنه بأعماقه أدرك أن حسن قطع شوط كبير لقلب ابنته العنيد.. إذ لم يكن استحوذ عليه بالفعل..
**************
جلست نيرة بسيارتها وهي تنقر بأظافرها على المقود بعصبية شديدة وأمامها انتصبت بوابة معدنية ضخمة.. أخذت تتأمل البوابة لفترة وهي تدرك أن خلفها يكمن من مزق قلبها قطعاً وبطريقه لقتل روحها وتمريغ كرامتها في وحل غزواته النسائية التي تشعل قلبها غيرة وألماً.. هل تصرفها بالحضور ومواجهته صحيح؟.. كيف سيستقبلها؟.. وهل سيوافق على استقبالها من الأساس؟..
حسمت أمرها أخيراً وهي تخبر نفسها أنها جاءت بناءً على دعوة صاحبة الفيلا, وهو ضيف هنا مثلها تماماً.. حتى ولو كان هنا لرؤية ابنته..
تدعو وتبتهل فقط ألا يرحل بدون أن يسمعها.. ضغطت على بوق السيارة لتفتح البوابة الضخمة وتدلف بسيارتها للداخل لتجد دنيا بانتظارها وهي بكامل أناقتها, مر بذهنها موقفاً مشابهاً عندما واجهت دنيا بمكتبها بعد علمها بزواجها من مازن, ولكن الفارق تلك المرة كان بداخلها هي.. فرغم أن أسلوبها في ارتداء ملابسها لم يتغير ومازالت تبحث عما يلفت النظر ويسبب الابهار الدائم, إلا أن أعماقها اختلفت, بل نضجت وهي ترمق السيدة الراقية أمامها بتقدير واحترام تتعامل به ربما للمرة الأولى:
ـ مساء الخير يا مدام دنيا..
قاطعتها دنيا وهي ترحب بها وتدعوها للدخول:
ـ دنيا بس.. ما فيش داعي للألقاب.. اتفضلي.. مازن جوه في أوضة عشق..
اصطحبتها دنيا لداخل الفيلا الواسعة والمكونة من دور واحد واسع جداً ملحق به حديقة وحوض للسباحة متوسط الحجم...
وقفتا معاً أما باب الغرفة المفتوح لتلتمع عينا نيرة وهي تراقب مازن وهو يفترش الأرض مع ابنته محاولاً تشجيعها بعدما سقطت على وجهها وهي تحاول تعلم الحبو.. فرفعها بين يديه يمسح دموعها ويتمتم لها بكلمات هامسة حولت دموعها لابتسامة سعيدة قبل أن يضعها أرضاً ويقلد حركاتها في الحبو والسقوط عدة مرات لتنطلق ضحكاتها البريئة وتعاود محاولتها مرة أخرى وبنجاح..
جاءت همسة دنيا الدامعة تعبيراً عما يجول بذهن نيرة:
ـ هو أب رائع.. رائع جداً في الحقيقة..
تحكمت دنيا بدمعتها قبل أن تسقط ويساء فهمها, أما نيرة فقد عجزت عن كبح دمعة ندم سقطت من جانب عينها وهي تتحسس بطنها بحنين هامس:
ـ أب رائع.. وزوج أروع..
وكأن همستها وصلته أم ربما عطرها الذي تألفه حواسه جميعاً فالتفت فجأة لتتقابل العيون بصدمة..
شهقت نيرة بخوف وهي تلمح التماع القسوة في مقلتيه قبل أن يتوجه بنظرات لائمة نحو دنيا.. وينهض رافعاً ابنته بين ذراعيه وممسداً ملابسه في هدوء مستفز قبل أن يتوجه نحو دنيا مردداً بامتعاض:
ـ هاجي أشوف عشق بكره.. يظهر أنه عندك ضيوف..
تحرك ليخرج من الغرفة فتمسكت نيرة بذراعه هامسة:
ـ مازن.. أنا جاية عشانك..
تجاهلها مازن تماماً ليلتفت لدنيا ساخراً:
ـ أنتِ بقيتِ توفقي راسين في الحلال ولا ايه!
شهقت نيرة بحزن بينما تجاهلته دنيا وهي تسحب ابنتها من بين ذراعيه هاتفة بغضب:
ـ أظن أنك مش هتخسر حاجة لو سمعتها..
واستطردت وهي تقول بلهجة ذات معنى:
ـ كفاية أنها جت لحد هنا.. وأنت عارف كويس أن ده مش سهل.
خرجت تحمل طفلتها الصغيرة تاركة لهما الخصوصية اللازمة, فتحرك مازن مواجهاً نيرة ببرود:
ـ قولي اللي عندك..
حاولت التماسك قليلاً لترتب كلماتها فهي ما تبعده كل مرة وتنفره منها.. مسحت وجنتيها بتوتر وهي تهمس:
ـ مازن.. أنا بحبك..
حركة انقباض فكيه معاً هي ما أخبرتها أنه سمع تصريحها الجليل.. أما كل شيء آخر به فقد تجمد تماماً.. فانطلقت كلماتها بلا رابط:
ـ والله بحبك.. أنا عملت اللي عملته عشان نرجع لبعض..
رفع حاجبه بتساؤل:
ـ وبعدين؟..
هزت رأسها بحيرة:
ـ وبعدين ايه؟.. قصدك ايه؟!!
اقترب منها ليمسك ذراعها بعنف:
ـ وبعدين رجعنا لبعض؟.. ولا السدود زادت سد.. والجروح زادت جرح..
سقطت دموعها الحبيسة وهي تسمع كلماته الجريحة:
ـ أنتِ بتحبيني.. برافو.. وصلتِ للنتيجة دي لوحدك؟.. المفروض أنا أعمل ايه؟.. أجري عليكِ وآخدك في حضني وأقولك وأنا كمان.. ونعيش في تبات ونبات وننسى كل اللي فات..
ضحك بسخرية وهو يسمع نفسه.. ثم صرخ بغضب:
ـ وأنا كمان بحبك يا نيرة.. بحبك من سنين.. سنين طويلة.. مش هقولك اتحملت واتحملت.. لا.. هقولك أنا خسرت.. خسرت أخويا.. خسرت عزة نفسي.. خسرت كرامتي.. خسرت كبريائي كراجل..
تهدج صوته وهو يهتف:
ـ خسرت ابني.. ورغم كده.. زي الأهبل سامحت وغفرت.. مش بقولك خسرت كبريائي!.. وأنتِ دلوقتِ جاية تراضيني وتطبطبي عليا بكلمتين.. "أنا بحبك".. وأنا بقى المفروض افرح واسامح.. لكن للأسف خلاص.. ما بقاش عندي اللي أخسره عشان أغامر وأصدقك تاني.. واقعد انتظر الطعنة يا ترى هتيجي منين المرة دي.. خلاص.. مازن انتهى.. انتهى..
صرخت به وهي تتمسك بذراعه قبل أن يبتعد:
ـ والستات اللي بتتجوزهم هيرجعوا لك كرامتك وكبريائك اللي أنا ضيعتهم؟..
التفت لها ساخراً:
ـ لا.. دول عشان يخسروكِ أنتِ كرامتك..
ابتعدت عنه كالملسوعة وهي تشهق:
ـ مازن!.. أنت بتقول ايه؟!
ـ شوفتِ وصلتيني لايه؟.. بقيت اتفنن عشان أجرحك..
شهقت مرة أخرى بألم قبل أن تهتف به:
ـ بتعمل كده عشان تجرحني!!.. تدمر سمعتك وصحتك واسمك عشان تجرحني!..
هز رأسه بألم:
ـ مش بقولك ماعدتش عندي اللي أخسره..
ليفاجئه صوت دنيا الغاضب:
ـ وبنتك يا مازن!.. عايز تخسرها هي كمان مع اللي خسرته؟.. ما فكرتش الناس هتقول ايه على أبوها..
قاطعها وقد ارتسمت الشراسة بعينيه:
ـ أبوها بيتجوز.. شرعي وفي النور.. مش عيب ولا حرام!..
شهقت المرأتان معاً ليكمل مازن بغضب:
ـ ومن امتى يا دنيا بتوقفي تسمعي من ورا الأبواب؟
اقتربت منه وهي تهتف بغضب:
ـ صوتكوا هو اللي وصلني وأنا في الجنينة.. فجيت أشوف ايه آخر مغامرات أبو بنتي..
بينما تمتمت نيرة باعتذار مبهم رفع مازن حاجباً ساخراً وهو يحرك نظراته بينهما:
ـ أنتِ قولتيها.. أبو بنتك.. وما حدش وصي على تصرفاتي..
وأشار لنيرة:
ـ وبالنسبة للمدام.. لو عايزة علاقتنا الزوجية الميمونة تنتهي, كل اللي عليها أنها تطلب...
شهقت نيرة برفض:
ـ لا.. لا يا مازن.. أوعى..
لمعت عيناه بحنين مؤلم سرعان ما أخفاه وهو يتمتم:
ـ يبقى أنتِ اللي غاوية عذاب..
ارتجفت نيرة بألم بينما تتساقط دموعها بلا توقف, فأسرعت دنيا لتحيطها بذراعيها مهدئة بينما يصلها صوت مازن محذراً:
ـ ما تقربيش منها قوي.. ممكن تكون الطعنة الجاية من نصيبك..
صرخت به دنيا مؤنبة:
ـ كفاية يا مازن.. احنا مش ملايكة عشان تحاسبها بالطريقة دي..
هتف مازن بغضب:
ـ بس هي شيطانها دمر كل حاجة حلوة جوايا..
ابتعدت نيرة عن ذراعي دنيا بعنف لتصيح به:
ـ لا يا مازن.. كفاية بقى.. كفاياك ظلم.. أنت بتحاسبني وكأني لوحدي الغلطانة.. بتنسى أنك ارتبطت بيا في أضعف لحظاتي.. أخدت دور الشهم والمنقذ.. ومصمم تطالبني أني أدفع التمن.. كنت بتحاسبني على كل كلمة.. كل نظرة.. كل غلطة مهما كانت بسيطة.. لازم تكبرها.. طبعاً.. ما أنت قدمت وقدمت.. وأنا لازم أتحمل غضبك وشكك واسكت.. كل ده لأن جواك مفتقد الثقة بنفسك.. و..
قاطع كلماتها صفعة قوية على وجنتها جعلتها تصمت تماماً بينما كتمت دنيا شهقتها بكفها وهي ترى مازن يصرخ بغضب وعيناه قد اتسعتا بجنون واحتقن وجهه بشدة:
ـ كفاية.. كفاية قلب حقايق.. اللي يسمع كده يقول أنا اللي كنت بفرض نفسي عليكِ.. كفاية جرح وتجريح بقى.. جروحك جوايا ما بتلحقش تطيب قبل ما تقابليني بجرح جديد..
التفت يوليها ظهره وهو ينظر لكفه الذي صفعها به للتو بغضب واشمئزاز وكره وهو يردد:
ـ أنا عمري ما مديت إيدي على واحدة ست..
قبض كفه بغضب وهو يتمتم:
ـ خسرت كل حاجة.. حتى نفسي.. حتى نفسي.. بس كفاية قوي لحد كده.. كفاية..
أغمض عينيه بقوة ليلف رأسه نحو نيرة المنكمشة على نفسها هامساً بحسم:
ـ نيرة.. أوقات كتير بيكون الحب لوحده مش كفاية.. أنتِ طالق.. طالق.. طالق..
