📁 آخر الروايات

رواية مذاق العشق المر الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم سارة المصري

رواية مذاق العشق المر الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم سارة المصري



                                              

تلاشت ابتسامتها تدريجيا وهى تضع يدها على قلبها وتضغطه بقوة في محاولة لتنظيم انفاسها والسيطرة على تلك النبضات القوية المؤلمة التى لا تعرف لها سببا ...
انحنت الى الأمام قليلا فلاحظ ملك وخالد مابها لينظر كل منهما الى الاخر فى حيرة ... 
نهضت الأولى لتقترب منها فى بطء وتقول بينما تربت على كتفها فى حنان :
” ايلا حبيتى انتي كويسة ” 
هزت ايلينا رأسها وهى تضغط بقبضتها اكثر فى تعب :
” قلبى مقبوض اوى يا ملك ..اول مرة تحصلي ” 
قطبت ملك حاجبيها فى قلق :
” اكيد تعبانة ..استنى خلينى اقيسلك ضغطك واكشف عليكى ” 
نهضت ايلينا فى شرود ولاتدرى كيف مرت كل ذكرياتها مع يوسف سريعا امام عينيها لتردد فى خفوت:
 ” يوسف ” 
عقدت ملك حاجبيها فى حيرة :
” يوسف ؟؟“ 
امسكت ايلينا بجانبى جبهتها بسبابتها وابهامها وهى تتمتم فى قلق:
 ” يوسف ..يوسف فيه حاجة ” 
امسكت ملك بكتفيها وغمزت بعينها هامسة :
 ” لسة بتحبيه اهو يا ايلينا ” 
ابتسمت ايلينا فى تعب تخبرها بوضوح :
 ” انا عمرى ما انكرت حبى ليه اصلا يا ملك ..بس احنا بنحب بعض بطريقة محدش يفهمها غيرنا..زي ما عشنا حلاوة الحب دقنا كتير من مراره ” 
تنهدت ملك في عمق:
 ” انا متأكدة ان هوا كمان بيعشقك مش بس بيحبك ..لو تعرفى ايام القضية كان ناقص يعمل ايه ..بلاش تضييع وقت فى العند ايلينا ....انتى عارفة لما حصل اللى حصل لخالد كنت ندمانة على كل لحظة بعدته عنى فيها كان نفسى ارجع لنفسى وانا بقوله يبعد واقولها الحياة مش مستاهلة لحظة بعد واحدة ..“ 
انفصلت ايلينا فلم تعد مع ملك فى نفس العالم ، ضربات قلبها كانت تتزايد حتى كادت ان تحطم عظام قفصها الصدرى وصورة يوسف تتراءى امامها بكل ذكرى عاشاها سويا ..
 اخرجت هاتفها فى تردد وقد عزمت على مهاتفته ، تردد دام  للحظات انهاه اسمه على الشاشة  ...
 فتحت المكالمة على الفور ليأتيها صوت انفاسه الضعيفة ممزقة نبراته الاضعف وهو يقول فى صوت ملعثم :
” ايلينا ” 
ضغطت على الهاتف فى ذعر وهى تهتف :
” يوسف ..انت كويس ” 
 ” انا عملت حادثة ايلينا ...نفسى اشوفك قبل ما اموت ارجوكى حاولى تيجى ”
أخرج الجملة بصعوبة بالغة بين صوت أناته .. 
شهقت في هلع ..هل يمزح ؟؟
ليته يمزح ؟؟
ليته يكذب كما فعلها من قبل ؟؟
ليتها طريقة جديدة لاحكام حصاره عليها لتقر بحبه ..
ولكن نبرته الضعيفة لا تخبرها بذلك ..نبضات قلبها قد حسمت الأمر وأخبرتها بالحقيقة مسبقا لتصرخ بكل خوف الدنيا...
 ” بتقول ايه ؟؟انت فين ؟؟“ 
رد فى تعب وهو يصف لها مكان الحادثة :
” عاوز اشوفك ارجوكى ”
 لم تقاوم دموعها..لم تشعر بجريانها من ألاساس وهى تنهمر بغزارة على خديها ..
لم تهتم بملك وخالد ..
لم تسمع سؤالهما عما بها ...
نسيت أنها كانت معهما وهى تبدأ بالركض:
 ” انا هكلم الاسعاف تجيلك على ما اوصل يايوسف ” 
رد بصوت ضعيف متقطع يبدو أنه يقاوم به غيبوبته :
” انا عاوزك انتى وبس ..جايز تكون اخر مرة ” 
 شهقت بصوت مسموع جذب انظارالجميع من حولها طيلة الطريق حتى وصلت الى سيارتها:
 ” اخرس ..مش هتكون اخر مرة انا هكلم الاسعاف دلوقتى تلحقك على ما اجى ..قاوم يا يوسف ..قاوم عشان خاطرى ..قاوم عشان يقينك اللى ياما كلمتنى عنه ” 
اغلقت المكالمة لتتحدث الى الاسعاف وهي تقود سيارتها بسرعة سابقت بها الريح حتى كادت ان تنقلب بها بالفعل عدة مرات  وكأنها تريد ان تشاركه مصيره وصلت الى المكان الذى وصفه لها ...
تسمرت فى مكانها للحظات وهى تكتم صرختها بكلتا يديها فمنظر السيارة لايوحى ابدا بان هناك شخص قد نجا منها ..
تحركت بسرعة حين رأت رجال الاسعاف ينتشلونه من السيارة لتصرخ باسمه وهى ترى الدماء تتدفق من كل مكان فى جسده ...
أبعدها رجال الاسعاف فى رفق حتى وضعوه فى السيارة فقفزت بسرعة الى جواره وأمسكت كفه وهى تنتحب بشدة ...
 هى تتحمل اى شىء فى العالم...
 تتحمل حتى خيانته ولكن ان تراه هكذا اقرب للموت من الحياة شيء لاتحتمله حتى ككابوس يقض مضجعها ..،
 ” يوسف حبيبى ..انا ايلينا ..قاوم ارجوك ”
همست بها في ذعر وهي تضغط على كفه ليشعر بوجودها  
فتح عينيه فى بطء شديد وابتسم فى ضعف:
 ” انتى جيتي ...كنت خايف اموت من اغير ما اشوفك ” 
لامست وجنته بكفها الذى غرق بدمائه وهي تهز رأسها بشدة:
 ” اوعى تقول كدة ..بعيد الشر عنك مليون مرة ...ان شاء الله هتعيش ” 
مد يده فى ضعف شديد ليمسح دموعها :
” انا اسف ايلينا ..والله عمرى ما حبيت حد فى حياتى غيرك ...والله كل حاجة عملتها كانت غصب عنى انا ...“ 
امسكت بكفه تمنعه عن ارهاق نفسه :
” يوسف متتكلمش عشان خاطرى ..انت هتقوم من اللى انت فيه وهنرجع لبعض تانى ..سامعنى يا يوسف ” 
ابتسم مجددا في تعب وهو يغمض عينيه مستلما  للظلام  من حوله ..رؤيتها هو ما تمناه وما قاوم من أجله غياب عقله ..وحين تحقق مطلبه كان على الجسد أن يذعن للعقل الذي أرهقته المعافرة ليتوه في عالم يعلم الله وحده متى يعود منه ...
انتبهت على صوت المسعف وهو يمد يده اليها بمتعلقاته ...تناولت دبلته الفضية لتتفاجيء أنها ذاتها القديمة المنقوش عليها حروف اسمها ...
شهقت في قوة وهي تدفنها في كفها وتنظر اليه بكل هلع العالم ...
لا تفعلها يا يوسف ...
لاتذهب ..
لاتخن وعدك هذه المرة ..
هناك الكثير لم أخبرك به بعد ..

+



                
*************************************
على مقعد قريب من فراشه جلست تتأمل ملامحه فى هدوء ...
 اعتادت على تلك الأجهزة والاسلاك البغيضة التى اصبحت تحيط كل انش بجسده فلقد رافقته طيلة غيبوبته التى تخطت الاسبوع حاليا ...
 لم تنقطع عنه لحظة واحدة ..علمت من ايتن كل شىء وكل ما فعلته سمر ..
علمت سره الذى طالما اخفاه وظل يتعذب به وحده لسنوات ..كم ضغطت عليه لكى يبوح به  ورفض ..
والان فقط علمت لماذا كان يرفض..
 عاصرت بعضا من كوابيسه حين كان ينهض من نومه مفزوعا ليطلب منها فقط ان تحتضنه دون كلمة واحدة كان يتشبث بها كطفل يخشى فقدان امه وامانها . 
مررت يدها على وجهها فى حزن :
 ” مش عاوز تفتح عيونك بقا يا يوسف ..وحشتنى ” 
ومالت اليه اكثر لتضيف فى خفوت:
 ” هوا انت هتكدب عليا المرة دى كمان ...مش قولت انك عندك يقين ان احنا لبعض ايه خلاص قررت تستسلم بالسهولة دى ” 
وتنهدت بعمق مضيفة  :
” انا كمان كدابة ..انا بحبك بحبك بحبك ...اكتر من روحى يا يوسف ..عمرى ما بطلت لحظة انى احبك ولا لحظة واحدة حتى وانا فاكرة انك ..انك خنتنى ..كنت عارفة انه غصب عنك بس ...حبى ليك كان اكبر من انه يسامح فى حاجة زى دى حتى لو غصب ..حبى ليك رفض ان ابنك يسكن فى رحم ست تانية غيرى ” 
وابتسمت فى حزن وهى تمسك كفه :
” انا عمرى ما ندمت ابدا انى حبيتك ...اصلا حبك كان قدر مفيش منه هروب حتى لو كان حبنا غريب محدش يقدر يفهمه ...ارجعلى يا يوسف ..ارجعلى ومش هنضيع لحظة فى البعد تانى ...اوعى تحسسنى ان خلاص الاوان فات ” 
 ” لو سمحتى يا مدام كدة كفاية ” 
قطعت نبرة الممرضة الحاسمة مناجاتها له فتنهدت طويلا ونظرت اليه نظرة اخيرة قبل ان تخرج من الغرفة وبينما تغلق الباب لمحت شخصا ظنت للوهلة الاولى انها اخطأت او ربما كان مجرد تشابه ولكن نظراته المرتبكة تجاهها اثبتت لها انها ليست مخطأة ...
اقتربت منه بخطوات واقترب هو مثلها حتى اصبحا متقابلين فهتفت وهى تتمعن به:
 ” فارس ..معقولة ؟؟“ 
ابتسم قائلا:
 ” ازيك يا ايلينا ؟؟“ 
عقدت حاجبيها تسأله:
” انت بتعمل ايه هنا ؟؟...بتزور حد من قرايبك ” 
اشاح  بوجهه لحظات... لم يعد هناك داع لانكار اى شىء بعد الان ..
نظر اليها من جديد :
 ” اممم ..بزور يوسف ” 
مالت برأسها الى اليمين  فى حيرة :
” هوا يوسف قريبك ؟؟؟....معقولة ؟؟“ 
تنفس فى عمق وهو يجيبها بوضوح:
 ” بصى يا ياايلينا ....يوسف صاحبى ومن زمان قوى وانا مش مدرس زى ما انتى فاهمة ...انا عندى شركة امن خاصة ومعروفة و...“ 
قاطعته بكفها وهي تدقق النظر فيه:
” استنى استنى استنى ...ايه اللى انت بتقوله ده اومال ليه قولتلى انك مدرس و...“ 
 وصمتت لحظات وهى تشرد بعينها بعيدا محاولة ترتيب افكارها فابتسم فارس ليريحها من عناء التفكير :
 ” اللى انتى بتفكرى فيه صح يا ايلينا ..انتى مغيبتيش عن عين يوسف لحظة من ساعة ما خرجتى من قصره ..واما لقا الدنيا ضاقت عليكى قال يضرب عصفورين بحجر ...تستفيدى بايجار الشقة وكمان يحميكى ” 
تدلى فكها فى عدم تصديق فواصل فارس:
 ” انا كنت بدى يوسف تقارير يومية عنك ..كان عارف معاد خروجك كل يوم وكان بيقف بعيد بس عشان يشوفك ..فاكرة فؤاد انا وقتها مكنتش فى الشقة ..كنت لسة تحت بشترى شوية حاجات هوا كلمنى خلانى طلعت وبعد كدة كان واقف بعربيته استنى فؤاد لما نزل واداله علقة موت وأكيد انتى تعرفى بعد كدة بخساير فؤاد فى البورصة كله كان من تحت راس يوسف ” 
وكأنه حلم او رواية ..
لاتصدق ما تسمعه بالفعل فكل ما يحدث يفوق تصوراتها ..
أمسكت جانبى جبهتها للحظات رفعت بعدها رأسها الى فارس قائلة:
“ بس انت ..انت طلبتنى للجواز يوسف عارف ده ” 
مسح  على وجهه وقال فى احراج :
” انا اسف ..بس هوا اللى طلب منى ده ..عشان يعرف اذا كنتى لسة بتحبيه ولا لا وحتى لما عمل اللى عمله كان كل همه انك تقدرى بس يعنى ايه كلمة ظروف وكان فاكر انك بكدة هتسامحيه ...يعنى بالنسباله الموضوع كان زى مقلب من المقالب الكتير اللى اتعودتو دايما تعملوها فى بعض ” 
تعالت انفاسها ونظرت الى الباب حيث يرقد يوسف خلفه وهتفت فى ضيق :
”  مقلب!! ...غبى ..غبى يا يوسف ..انا هحاسبك على كل ده بس تقوم ” 
تنهدفارس وهو ينظر الى غرفة يوسف:
” انا عارف يوسف من سنين يا ايلينا ..عمرى ما شوفته حب حد اصلا فى حياته ولا اتعلق بحد غيرك ” 
ظلت تنظر الى الباب...
 وهل تحتاج لمن يشرح لها كم يحبها.. 
هى تعرف ..
تتيقن ..
لم تشكو يوما من عنفوان حبه بل شكواها دوما من طريقته الغريبة فى العشق ، تمنت حقا الا تكون قد علمت بكل شىء بعد فوات الاوان ..
*************************************
نهضت من على طرف الفراش في تثاقل ...
نظرت الى حقيبتها التي جمعت بها كل ما يربطها بالمكان ..
الان ستودع قصر البدري للابد ..
 ستودع عائلتها وكل ذكرياتها وتجتر فقط ذنبها معها الى حيث تذهب ..
تحاشت النظر في المرآة وهي تمد يدها الى رباط شعرها لتجمع به خصلاتها باهمال ...
لم تهتم بما تطفل من شعرها على جبيبنها او وجنتها ..ازاحته في عنف الى الخلف ..
سقطت نظراتها على صورته ...
التقطتها بكف مرتعد وهي تتذكر القاءه ليمين الطلاق ..
فقط فتح جناحها ولم ينتظر أن تلتفت له ..هي لم تكن لتفعل ..
هي عاجزة عن مواجهته ...
أغمضت عينيها في قوة وانتظرت اطلاق الرصاصة التى القاها بالفعل وخرج دون أن يضيف كلمة واحدة ...
لم يعاتبها ..
لم ينهرها ...
كل ذلك لم يعد له قيمة تماما مثلها ...
مجرمة ...
مذنبة وتستحق الموت 
أثبتت انها بالفعل أخذت جينات الخيانة من أمها بجدارة 
اي عقاب يمكنهم أن يلحقوه بها لتستريح ؟؟
طالعت الصورة في حزن وكفها توقف في منتصف الطريق حيرة بين ان تعيدها الى مكانها أو تأخذها معها ..
انتهى صراعها سريعا وهي تدس الصورة في حقيبتها ..هي لن تفر من الماضي على كل حال بل من الأجدر أن تصطحب معها كل ما فعلته لتنال حصتها من العقاب..
ستتأمل صورته كل يوم وهي تعرف انها لن تلقاه مجددا بل أنها حادثت صوفيا بالأمس وأخبرتها عن كل شىء كأنها تعذب نفسها أكثر ...
لم تعشق رجلا في حياتها سواه وستقضي ما بقي لها من عمر على ذكرياتها الضئيلة بقربه ...
ابتسمت في ألم وهي تجر حقيبتها في استسلام ...
جيد أن أهل القصر جميعهم الان لدى يوسف فهي لم  تعد تملك ذرة شجاعة تواجههم بها ...
شىء واحد فقط هي ماتمنته بالفعل في تلك اللحظة ..
وداع ظنت أنه ربما لازال لديها الحق فيه ...
***********************************
أغلق حقيبته في هدوء لا يناسب كل هذا الصخب داخله او حتى حوله !!
حقائق امطره القدر بقسوتها ويعجز حتى الان عن استيعابها ..
عاش عمرا بأكمله على عشق صاغه خياله من قصة نسجها عمه لوالديه ..
عاش عمرا بأكمله يتخيل كم الهيام الذي سقطت فيه والدته لتموت كمدا بعد مقتل أبيه في عمله ..كم تمنى لو تزوج امرأة في وفائها ...
والان  انهار كل شيء  والغيام قد انقشع  فالأم خائنة وقاتلة و...
تأوه بقوة وهو يجهش ببكاء مرير فلم يعد في حياته حقيقة واحدة يمكنه أن يسلم بها ...
فلا أم ولا حبيبة ولا أخت ...
من تبقى في هذه الدنيا لم يخنه !!!
دق جرس الباب فمسح دموعه وهو ينهض ليرى أي بائس أودى به حظه الى لقياه الان ..
وجدها أمامه ...
سمر !!!
من فتحت أبواب الجحيم على الجميع وأولهم نفسها ...
أخفضت رأسها لحظات فتنحى جانبا ليفسح لها الطريق ويغلق خلفها الباب ...
وقفا في مواجهة بعضهما للحظات ..
أخذ يفرك كفيه ببعضهما وهو يرمقها في سخط قبل أن يرفع يده فجأة ويهوى على وجهها بصفعة مدوية ..
وكأنها كانت على اتم الاستعداد لهذا ..
توازنت رغم المها ...
لم تتأوه مطلقا ..
زمرت شفتيها بقوة قبل أن تعود لتنظر اليه وهي تدلك خدها :
"متأخر أوي يا حسام ..متأخر أوي القلم ده...القلم ده مش عشان غلطي ...الالم ده بيمثل وجعك انت "
امسك كتفيها يهزها بقوة وصوته يتهدج من محاولته منع نفسه من البكاء :
"كان ممكن منعرفش ..كان ممكن كل ده كان اندفن معاهم ...كان ممكن يفضلو في عينينا زي ما كانو طول عمرهم انتي دمرتي كل حاجة "
سمحت لعبراتها الساخنة بالهطول وهي تهمس في وجع:
"ملقتش حد يطمني ..بعد اللي سمعته من عمي وكلامه لمراته الله يرحمها تفتكر كان عقلي ممكن يصدق على ابويا وامي حاجة وحشة "
دفعها بقوة :
"كنتي اسأليني ...كنت انا وانتي واجهناه وسمعناه وعرفنا منه "
اغمضت عينيها للحظات تبتلع غصة في حلقها قبل أن تقول :
"عمري ما لقيتك ...طول عمري لوحدي....انا ملحقتش اشوف ابويا وامي وعمي رباني زي ما اكون امانة مستني يخلص منها ...كل حاجة كانت ممنوعة عليا ..."
واضافت بابتسامة موجعة :
"اتاريه كان خايف ابقى زيها ...منعني من الاختلاط بالناس ...لا كان ليا اصحاب ولا حد اصلا كان بيهتم بيا ...حتى انت يا حسام مكنتش بتشوف في حياتك غير شغلك وايتن ..لما كنت بتسألني عن احوالي كنت بتسألني تقضية واجب ...انت حتى ملاحظتش ان حياتي مع زين مكنتش طبيعية ولا حتى جوازنا كان بشكل طبيعي "
قطب حاجبيه وهو يشير بكفه الى صدره في استنكار :
"انتي جاية دلوقتي تشيليني انا الذنب ..انك ساذجة وانضحك عليكي ده كمان ذنبي "
هزت رأسها في ألم :
"لا مش ذنبك ..بس انا وقتها ملقتش حد اخد رايه وأثق فيه ..عمري بعد ماسمعت من عمي اللي سمعته ماكنت أتخيل أن حكايتهم كانت كدة ...انا مش بشيل حد الذنب يا حسام صدقني ...انا برضه دفعت من كرامتي ووجعي كتير ولسة هدفع "
رمقها من اعلى لاسفل قبل أن يسألها في ضيق يحاول أن يتحكم به بصعوبة :
"انتي عاوزة ايه دلوقتي ؟؟"
واضاف وهو يهتف في قوة :
"انا بلعنك ..عارفة يعني ايه بلعنك ...انا مش عارف دلوقتي اعمل ايه ؟؟..اخدك في حضني نواسي بعض في مصيبتنا ...ولا اقتلك بايدي على اللي انتي عملتيه "
مسحت عبراتها وهي تجيبه في هدوء :
"لا ده ولا ده يا حسام ..وقت الاتنين عدى خلاص ..انا بالنسبة للكل دلوقتي مجرد ذنب ...انا زين طلقني ومبقاش ينفع خلاص افضل موجودة في البيت اكتر من كدة ...زي ما انت ما قررت تبعد انا كمان هبعد ...محدش فيهم بقا مستحمل وجودي حتى لو ادعو العكس ..انا عدلت تكليفي وهنقل شغلي خلاص البحر الاحمر "
وضع يديه في خصره :
"يعني جاية تبلغيني !!"
تراجعت خطوة وهي تقول :
"لا ...انا كنت جاية ادور على حاجة لا عمرها كانت ولا دلوقتي منطقي انها تكون موجودة ...انا محدش فيكو هيقدر يسامحني لاني حتى مش بقدر ابص في المرايا من احساسي بالذنب ..انا كنت جاية عشان محتاجة حضنك يا حسام ...ممكن يكون ضد المنطق والعقل وكل حاجة ...بس وجعي ووحدتي خلوني فعلا اطلب المستحيل "
ومدت يدها تتحسس وجنتها وهي تواصل في ألم :
"انت ادتني اللي استحقه فعلا "
واتجهت الى الباب في خطوات بطيئة قبل أن تلتفت اليه وهي تهم بالذهاب :
"أشوف وشك على خير ...يا اخويا"
وأغلقت خلفها الباب في بطء كأنها بالفعل كانت تنتظر منه أن يتراجع عن قسوته ويضمها ولو لمرة ...
لم تعرف أنها لم تؤثر به مطلقا بل لم يعد يهتم بالعالم بمن فيه ...
يشعر أنه أصبح يحيا خارج حقبة الزمن فما حدث جعله يقدم على تصفية كل أعماله في مصر ولم ينتظر حتى ينهي ذلك بل وكل الأمر لمحام ذو ثقة كأنه لم يعد يحتمل البقاء أكثر في حصار ماحدث ..
لم تمنعه حالة ابن عمه المتأخرة ليؤجل سفره ريثما يطمأن عليه بل أنه يشعر أنها أشبه برحلة فرار يخشى عدم اللحاق بها ...
لم يعد يملك من الجرأة ما يكفي لمواجهتهم بعد كل ماحدث ...
وبعد ساعات كان بالفعل يحلق بعيدا الى وطن اخر او قدر اخر ..اختلف المسمى وبقيت الحقيقة ...
هي رحلة فرار ليس أكثر ...
***********************************
بكت في حرقة ظنت انها نضجت بما يكفي لتجاوزها ..
أخذت تجيء وتذهب في غرفتها بلاهدف تحاول المقاومة ..
تجاهد السقوط في هوة ضياع لم تلبث ان ابتعدت عن خطورته ...
كيف انقلبت الأمور هكذا ؟؟
كيف انتهى كل شىء بعد أن كاد أن يبدأ ..
رحل بعيدا ...
فعلها ولم يثنه شىء ..
صدمته كانت أكبر من أي شيء حتى عشقه لها ..
عن أي عشق تتحدث ؟؟
عشق رفض الغفران ...
عشق لم يثنه عن الفراق ...
هو ليس عشق ابدا ..عليها أن تنتزع نفسها من براثن هذا الوهم ..
وقفت أمام المراة للحظات تطالع وجهها الشاحب ..
مررت كفها على ملامحها المنهكة ...
تساءلت في دهشة عن تلك الفتاة التي كانت تقف من قبل بابتسامة تسع الكون بمن فيه ..
بعقل لايسع سوى التفاهات والتراهات ..
بقلب يسعد لأي شيء ويجتاز حزنه على أهون سبب ..
ليتها ما نضجت ...
ليتها ظلت تلك المراهقة الساذجة عمرها بأكمله ..
قطع تأملها دلوف زين الى غرفتها ..
مسحت عبرتها سريعا وهي تشيح بوجهها للاتجاه الاخر..
تنهد زين في عمق وهو يتأملها للحظات قبل أن يسألها:
"الدموع دي عشان يوسف ولا عشان حسام ؟"
زمرت شفتيها بقوة قبل أن تلتفت اليه تجيب تساؤله بتساؤل مماثل :
"احنا ايه اللي جرالنا يا زين ...كل ده ازاي يحصلنا ...العيب في مين بالظبط ...في سمر ولا فينا ؟؟"
وضع يديه في جيب سترته وهو يجيبها في ألم :
"محدش فينا بيستحمل يشيل الذنب فكل واحد بيرمي على غيره "
واصلت وكأنها لم تسمع رده :
"تفتكر انا استاهل ده كله منه ...تفتكر اني غلطتي كانت بالبشاعة دي يا زين ...تفتكر هوا محبنيش من اصله ...مين فينا ظلم التاني يا زين ؟؟"
اقترب خطوتين ليمسك بكتفيها في رفق :
"حسام الله اعلم بحالته يا ايتن ...اللي عرفه عن ابوه وامه مش هين.. مش هيقدر يواجه حد على الاقل دلوقتي ...حسام بقى انسان تاني او هيبقى انسان تاني ...التجربة دي صعب انه يرجع منها زي الاول "
همست في حرقة :
"وانا "
ربت على شعرها في حنان :
"انتي لازم تعيشي يا ايتن ...لازم تحاولي تتجاوزي وجوده "
ضيقت عينيها وهي تميل اليه :
"وانت بعد خمس سنين قدرت تنسى صوفيا ..ليه بتحاول تقنعني باللي انت مقدرتش عليه "
احتضن وجهها بين كفيه في حب :
"عشان مش عاوزك تعيشي ولا تمري باللي مريت بيه ..ايتن ...حسام دلوقتي الصدمة توهته والله اعلم هيرجع منها امتى ...الانتظار صدقيني صعب ..البعد بيقتل حاجات كتير ...لما بعدت عن صوفيا رجعت لقتها انسانة تانية ..وحسام لو في يوم قرر يرجع فبرضه هيلاقيكي بقيتي حد تاني ...مش بمزاجك بس كل حاجة هتجبرك انك تتغيري"
سالت دمعة من عينها فمسحها باصبعه وهو يباشر :
"لو حبك بجد هيرجع يا ايتن ...مجرد ما يفوق هيرجع صدقيني "
ارتمت على صدره وهي تجهش بالبكاء :
"انا خايفة يا زين ارجوك ما تسبنيش ...خايفة من كل حاجة جاية ..خايفة نخسر يوسف وخايفة اكون لوحدي "
احتواها في رفق ليطمأنها :
"وانا من امتى سيبتك يا ايتن ...يمكن لما كنت بتعصب وبنفعل عليكي ده كان بيبقى خوف عليكي ..انتي اختي الصغيرة وهتفضلي طول عمرك حتة من قلبي ...ويوسف لازم ندعيله ليل نهار ...غيابه مبقاش مخلي لاي حاجة في عيلة البدري طعم " 

+



********************************
فى اليوم التالى كانت ايلينا الى جوار زين فى المشفى بعد ان اقنعا محمود وايتن بالعودة الى المنزل ، وزعت ايلينا وقتها بين العمل والمشفى بينما عاد زين لادارة المجموعة نظرا لظروف غياب اخيه .
 امسكت بصدرها فجأة تقاوم نبضاته الموجعة من جديد ، نهضت من مكانها بسرعة فهى تعلم جيدا ما اصبحت تعنيه تلك النبضات ...
 وقفت امام النافذة الزجاجية لغرفة العناية المركزة تراقبه عن بعد ونظرت الى جهاز رسام القلب لتجده يعمل بانتظام ...
فتحت ثغرها بشدة حين رأته يفتح عينيه فى بطء فجذبت زين من ذراعه دون ان تدرى ماذا تفعل وهى تهتف :
” يوسف فاق ” 
انتفض زين بسرعة وتبعها للداخل ...
ضربت  الجرس ليحضر ايا من الاطباء ، مالت اليه تتمتم بصوت دامع:
 ” حمد لله على سلامتك يا يوسف ” 
رد  بعينين نصف مفتوحتين وصوت متحشرج:
 ” انا بموت ايلينا ..حاسس ان روحى بتطلع ” 
شهقت وهى تقول فى ذعر:
 ” اوعى تقول كدة ..انت هتعيش يا يوسف هتعيش وهترجعلى ومش هسيبك تانى لاخر العمر ” 
واقتربت من جبهته وقبلتها لتواصل:
” انا بحبك يا يوسف ..بحبك سامعنى قاوم وارجعلى ” 
اغلق عينيه وفتحهما من جديد وهو يقول:
 ” ابنى ..ادم ...زين ...ادم لازم يرجع ومحدش غير ايلينا هيربيه ..سامعنى ” 
همست  بصوت باك فهى لاتتحمل ان تراه هكذا يرثى نفسه ويعطى وصاياه الاخيره ...
 لن تحتمل ان يحتضر بين يديها هكذا  فاطلقت اهة حارة :
 ” ابنك هيرجع يا يوسف وهنربيه سوا ..بس انت قاوم ” 
رد فى ضعف :
” كان نفسى يكون منك انتى ..سامحينى حبيبتى ” 
هتفت به دون ادنى مراعاة لاى شىء :
” لا اوعى تسبنى ...اوعى تتخلى عنى تانى ..قوم يا يوسف ..قوم وهنربى ادم سوا وهنجبله كمان اخوات قوم ...“
 اخذت تقبل  كفه فى جنون بينما لمحت نظرة فى عينه تجمعها مع زين فهل يعنى يوسف ان ...
 هل بالفعل تلك هى النهاية؟؟ 
 هزت رأسها فى قوة وهى تشعر بأنفاسه تضعف تدريجيا فصرخت به من جديد :
" يوسف لا ..."
 وقطع صوتها صوت جهاز رسام القلب الذى اعلن توقف قلبه عن النبض مع تزايد ضربات قلبها المؤلمة فصرخت ” اااااااه ”
 ونظرت الى زين الذى اصابه الهلع وهى تتعلق بذراعه وتواصل الصراخ :
” حد يلحقنا ” 
وقبل ان تتم جملتها كان هناك طبيب ومعه ممرضة تبعته فى سرعة وقبل ان تدخل كانت قد اصطدمت بمحمود وايتن ولكنها لم تسمح لهما بالدخول ولم يكن هناك متسع من الوقت للتعامل مع ايلينا وزين بنفس الطريقة ، كانت الاولى  تبكى وهى تتوسل يوسف ان يقاوم من اجلها بينما رفع الثاني نظره الى السماء ودموعه تنهمر  وهو يضمها دون ان يعى احدهما ما يفعلانه فالمشاعر تعجز عن وصف ما يمران به الان ، كل منهما يسترجع ذكرياته الخاصة مع يوسف ...
 رهبة الموت الذى اصبح يدركه جيدا والطبيب يحاول معه مرة بعد مرة دون جدوى بينما تصرخ فيه ايلينا ان يستمر فى المحاولة وهى تواصل صراخها بيوسف :
” انت وعدتنى ...متخليش بوعدك ” 
وانتهى كل شىء مع صرخة طويلة لها وصلت الى اذان محمود وايتن بل كل من فى المشفى فى الخارج سقطت ايتن ارضا لا تصدق ان اخاها  وسندها ومثلها الاعلى قد ...
 خرج الطبيب من غرفة يوسف وخلفه الممرضة ليتقابل مع نظرة محمود التى تريد منه اى امل فأخفض رأسه قائلا كلمة واحدة لا تحتمل المزيد ..
 كلمة تعنى ان يوسف البدرى لم يعد لاسمه مكان على هذه الأرض ...
تعنى ان انفاسه لن تشاركهم الحياة بعد اليوم ..
 تعنى ان فاجعة الموت قد حلت بقرة عين عائلة البدرى ، كلمة واحدة كانت كافية :
” البقاء لله "

+


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات