رواية مذاق العشق المر الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم سارة المصري
الفصل الثالث والثلاثون
دلف يوسف بهدوء الى باحة القصر ...
هدوء يماثل تماما هدوء الموتى الذى يبدو عليه ساكنو المكان ...
او ربما هدوء صاخب فالاجساد ساكنة اما الأنفاس فتتعالى وتتعالى وتتلاحم معا لتوحى بأن هناك خطب ما بل كارثة ستحل على رأس تلك العائلة ..
نظر يوسف الى الجميع...
الى ابيه الذى يجلس على احد المقاعد فى تهالك ...
الى زين الذى يقف عاقدا ذراعيه فى حيرة بينما تقف ايتن الى جوار حسام الذى قد وصل قبله بدقائق ، اما سمر فتجلس على احدى درجات السلم تفرك كفيها بابتسامة متحفزة غريبة ...
تنهد في عمق يسألهم :
” هوا فى ايه بالظبط ؟؟“
أجابه زين وهو يتجه الى سمر يجذبها من ذراعها في عنف واضح لتقف :
” ادينا كلنا بقينا عندك يا ...“
واضاف بسخرية لاذعة:
” يا بنت عمى ”
ابتسمت له ابتسامة ساخرة مماثلة للهجته وهى تتجه لتقف فى منتصف الردهة كأنها تستعد لتقديم عرضا مسرحيا وهى تشير بسبابتها :
” هوا ده مربط الفرس ...“
والتفتت الى عمها تشير له برأسها :
” عمى ”
التفت لها الجميع فى تحفز بينما تنفس محمود فى عمق دون ان ينظر اليها يتمنى ان تخبرهم بأى شىء الا السر الذى اخفاه ببراعة عنهم لسنوات...
اقتربت خطوتين لتميل اليه وهي تكور وجهها متظاهرة بالتأثر :
” فاكر منصور التهامى يا عمى ”
اتسعت حدقتا محمود فى ذعر...
اذن سيحدث ما يخشاه ..
ردد الاسم فى خفوت فهزت رأسها وهى تبتسم فى شراسة لم يعهدها احد عليها من قبل ..
صوب الجميع نظراتهم اليها الايوسف الذى نظر الى ابيه كأنه يستأذنه الحديث فأوقفه ابوه بنظرة راجية فربما كان هناك امل اخير ...
ربما كان القدر اكثر رحمة فلا يكشف كل الاوراق التى طالما اخفاها بعناية ...
عادت سمر لتقف مكانها وهى تجيل نظراتها فيهم جميعا وتبسط ذراعيها هاتفة:
” طبعا كلكو عايزين تعرفو منصور التهامى مين ”
وضحكت فى شراسة من جديد وهى تنظر لعمها :
” ما تقولهم يا ...يا عمى ولا اقولهم انا ”
وباشرت وهى تمرر يدها فى شعرها في عنف:
” سمعت عمى كام مرة بيقول لمراته انه مش قادر يسامح نفسه لانه السبب فى موت ابويا وامى ...كنت بستغرب ازاى ويقتلهم ليه ..لحد الصدفة ما كشفتلى كل حاجة ”
اقترب حسام منها هذه المرة ليمسك كتفيها بقوة وهو يهزها هادرا بها بعنف وقسوة فقد ظن بالفعل أن شقيقته تلك أصيبت بلوثة عقلية :
” انت بتخرفى تقولى ايه ؟؟؟...ايه الكلام الفارغ ده ..انتى اتجننتى باين عليكى ”
ابعدت يديه عن كتفيها وهى تتراجع للخلف محتفظة بابتسامتها الغريبة لتخبره في هدوء:
” استنى بس يا حسام مستعجلش ..ده احنا لسة فى اول الحدوته لسة انت مسمعتش حاجة ”
حالة من الذهول سيطرت على الجميع فألجمت اى رد فعل من احدهم ولاشىء يدور فى بالهم سوى ان سمر قد فقدت عقلها بالفعل ...
واصلت وهى تسير فى المكان فى حركات رتيبة:
” الصدفة جمعتنى بمنصور التهامى ..طبعا عمى العزيز عارفه كويس ..لانه كان اكبر منافس ليه فى السوق ..الراجل بصراحة كان جاى المركز اللى بشتغل فيه ياخد جلسة علاج طبيعى وشاف اسمى على الاى دي وبمجرد ماشافه حالته بقت حالة ..اتهرب منى وانا اصريت اعرف فيه ايه لحد ماعرفت كل حاجة ...كل حاجة ”
وضحكت بصوتها كله وهى تفتح ذراعيها لتواصل سردها الموجع:
” عرفت ان عمى اللى بيعاملنا احسن من عياله مش بيعمل كدة الا عشان يريح ضميره وعشان يمكن نفضل تحت جناحه ومنعرفش الحقيقة ابدا ...حقيقة انه فكر وخطط ازاى يخلص من اخوه ومراته ومنافسه فى السوق بضربة واحدة ..اخوه اللى خاف يطلب بحقه فى ميراثه فرسم خطة فى منتهى الحقارة عشان يوقع الكل ”
نظرة من يوسف الى ابيه ونظرة اخرى من محمود اليه تنهاه عن اتخاذ اى رد فعل وسمر تواصل وهى تشير بسبابتها باتهام الى عمها :
” البنى ادم ده سمم عقل بابا وفهمه انه ماما بتخونه مع منصور ..دبر وخطط ورماها فى طريقه بحجة الشغل اللى كان بابا مأمنله عليها فيه وبيعتبره زى اخوها هيحافظ عليها ويحميها ...فضل يسمم فى عقله وبابا كان رافض يسمعله او يصدقه لحد ما كانت اللحظة اللى خطط فيها بمنتهى الحقارة ...خدر ماما وحطها فى سرير منصور فى شقته ..مفكرش انه اللى بيعمل فيها كدة دى تبقى بنت عمه شرفه وعرضه قبل ما تكون مرات اخوه ..ولما بدأت امى تفوق لقت منصور متكتف قدامها وقبل ما تنطق او تدافع عن نفسها كانت الطلقة فى راسها وطلقة تانية فى صدر منصور والتالته انتحر هوا بيها ”
واضافت وصوتها يعلو بانهيار :
” مكنش قادر يصدق ان حب عمره ممكن تخونه ..اخوه سمم عقله للدرجة اللى مخلتهوش حتى يفكر يسألها او يديها فرصة تدافع عن نفسها ..بس هيديها الفرصة ازاى والبيه حطها عريانة فى سرير منصور ”
وعادت تضحك فى هيستيريا مجددا ...
مسحت وجهها لحظات قبل ان تستعيد قليلا من التجهم :
” طبعا الموضوع مخلصش هنا ...ظهر عمى العزيز وجرى على اصحاب بابا اللى كلكو عارفين انه كان بيشتغل فى ادارة مكافحة السلاح ..جرى عليهم عشان يلمو الفضيحة وعرض صاحبهم وفعلا عملو المستحيل عشان يثبتو انهم ماتو فى حادثة وكمان لفقو لمنصور قضية سلاح اخد فيها مؤبد ..تخطيط ميطلعش غير من شيطان ”
شهقة عالية اطلقتها ايتن وهى تخفى ثغرها بكلتا يديها شهقة قطعت حالة البكم التى اصابت الجميع بين الصدمة وعدم التصديق وبين ذهولهم من هيئة سمر التى انتفش شعرها فى جنون يناسب تماما ما تفوهت به ..
تركت مكانها وتحركت بببطء تجاه ايتن لتقف امامها وهى تلوى فمها تتصنع الحزن :
” ايه يا ايتن ..ايه يا حبيبتي ...مش مصدقة ان بابا يعمل كدة ؟”
هزت ايتن رأسها في عنف تنفي بقوة ولسانها عجز عن النطق تماما كالباقيين وهى تنظر الى عينى سمر التي احمرت بشكل مخيف فأشارت الثانية بسبابتها الى حيث يجلس عمها دون ان تنظر اليه:
” بس هوا عمل كدة ...سمعته بودنى وهوا بيقول انه حاسس بالذنب لانه موتهم كان بسببه ”
نهض محمود فى عنف هذه المرة وهو يصرخ بها متخلصا من حالة البكم التي اصابت الجميع:
” وانتى ليه مسألتنيش انا اقصد ايه بكلامى ”
نظر الجميع اليه ...
هل يؤكد بالفعل ماقالته تلك المخبولة بأنه السبب فى موت اخيه وزوجته؟؟ ...
ضحكت سمر فى جنون وهى تسمع اعترافه الصريح امامهما وقالت فى تلذذ وهى تنظر له فى حقد :
” كنت عايزنى اقولك ايه ؟؟؟....“
واضافت وهى تحتضن نفسها :
” اسألك قتلتهم ازاى عشان تخلينى احصلهم وسرك ميتكشفش ...ساعتها انا خفت ...تعبت ..مكنتش عارفة اعمل ايه ...انت حرمتنى من ابويا وامى عمرى كله وعشت على شفقة منك انت ومراتك ..“
وعادت تلوح باصبعها فى شراسة مواصلة :
” بس الظروف خدمتنى ..بعدها باسبوعين قابلت منصور وبالصدفة عرفت كل حاجة ”
واخذت تدور حول نفسها وهي تردد:
” وساعتها طاقة الانتقام اللى جوايا مبقاش ليها حدود..وزى ما حرمتنى من ابويا وامى كان لازم انتقم منك بأشع طريقة ...“
وقبضت كفها فى قوة :
” حطيت ايدى فى ايد منصور ورسمنا ازاى ننتقم منكو ..كل واحد فينا كان عنده دوافعه بس الهدف واحد ..الانتقام منك وفى عيالك ”
ابتسمت وهى تلتفت الى ايتن :
” فاكرة سامح يا ايتن ....سامح ده كان مجرد واحد منصور مأجره ورماه فى طريقك عشان يكسر ابوكى بيكى ..انا نفسى اللى كلمته وفهمته مواعيدك وبتحبى وبتكرهى ايه عشان يعرف يوقعك ..كان المفروض يهرب بيكى ويتجوزك فى السر ”
وزمرت شفتيها مردفة فى وقاحة:
” او ميتجوزكيش بقا هوا وشطارته ..كله بتمنه..والنتيجة فضيحة للكل ”
ولانت ملامحها وهى تنظر الى اخيها الذى افقدته الصدمة أي ردة فعل حتى بدا يشعر انه بداخل رواية هزلية سخيفة لتهمس فى رفق :
” كنت عارفة ان ده هيوجعك ..بس هيا متستهلكش مكنش ينفع تفضل عبد فى محرابها العمر كله ”
تنهدت بقوة وهى تنظر الى زين نظرة امتزجت بالحب والحقد فى ان واحد ...
كل مشاعرها المتناقضة المجنونة تجاهه حملتها سمر فى تلك النظرة وهى تقول فى صوت حاولت جعله متماسكا :
” انت بقا يازين الوحيد اللى حبى ليك خدمنى. ” واشارت بسبابتها الى صدرها :
” انا فعلا حبيتك بس بطريقتى..عشت في حبك من يوم ما اتولدت ...لما فضلت عليا صوفيا مكنش ينفع اسيبك تعيش متهنى معاها وانا اتحرق..كان لازم تندفن معايا واحرمك منها بأي تمن ...لما كنت بشوفك بتتعذب بفراقها كنت بعرف ان حبى ليك مخدنيش للسكة الغلط وانك برضه خدت نصيبك من الانتقام زيك زيهم ..طبعا الخطة اللى ساعدنى فيها عمى انت عارفها كلها ”
وهزت رأسها فى استهزاء:
” كان بيحاول يحسسنى انه بيريح ضميره بس انا متأكدة انه عمل ده كله عشان يبعدك عن صوفيا مش اكتر ..مسكين مكنش عارف انت بتحبها قد ايه ...واتعذبت بفراقها ازاى ...انا مكنتش فى تفكيره ومكنش هيمانع انك تطلقنى او حتى تتجوز عليا وترمينى بس اى حد غيرها ”
لم تهتم ابدا برؤية ما اعترى وجه زين فمهتها لم تنتهى بعد وهى تريد ان تواصلها للنهاية ...
التفتت الى يوسف وهى تضم كفيها الى بعضهما : ” يوسف البيج بوس الكبير ..لازم التخطيط ليه يكون غير ..جينا انا شوفتها فى فرحك وهيا خارجة منهارة وعرضت عليها مساعدتى بالشكل اللى هيا عايزاه وطبعا هيا ما اعترضتش ...احنا اللى بعتنا لايلينا الصور وضايقناها كل شوية برسايل عشان نزرع الشك بينكو ...انا اللى قلت لجينا انك سبت البيت وهيا جتلك على اول طيارة وهيا عارفة كويس هتعمل ايه ”
ضحكت وهى تباشر في وقاحة :
” كان المفروض تحول الصور المفبركة لصور حقيقية معاها وجايز فيديو بس ”
وفرقعت باصابعها:
” الظروف خدمتها ..جدتها ماتت واضطرت تأجل الخطة شوية عشان تكتشف انها حامل وتلعب اللعبة بشكل تانى انت عارفه كويس ”
وبسطت ذراعيها بحركة مسرحية كأنها تنتظر تحية الحاضرين على عرضها المذهل:
” انا خلاص مش عايزة حاجة اكتر من كدة ..انت حرمتنى من ابويا وامى وانا خلصته فى عيالك ”
صمت اطبق على الجميع ...
فقط صوت دقات الساعة الرتيبة المتناغمة مع دقات قلوبهم ما تقطعه حتى دوت صفعة من كف يوسف على وجنتها وهو يصرخ بها:
” غبية ..غبية ”
انتبه محمود لولده وصرخ به :
” يوسف!!! ”
هتف به يوسف بنفاذ صبر:
” لامتى ...انا وانت فضلنا كاتمين السر جوانا لسنين طويلة عشان خاطرهم ...عشان خاطر واحدة دمرت حياتنا كلنا ..ايه مستنى ايه تانى بعد ما شوهت صورتك قدام الكل ودمرت كل حاجة ..خلاص كله لازم يعرف " تهالك محمود على كرسيه فى يأس وهو يتمتم:
” لا يايوسف لا ”
هتف يوسف به :
” وتفضل فى عينين الكل خاين غدر باخوه ومراته ” دفن محمود وجهه بين كفيه ...
لقد ان الاوان وولده قد دق الناقوس ليتوقف الزمن عند لحظات ظن انه لاعودة اليها ابدا ..
حاول يوسف الحفاظ على ما تبقى من رزانته وهو ينظر الى الجميع قائلا:
” قبل ما تكلم هيكون فيه حد معانا هنا ....منصور التهامى نفسه ”
ووضع هاتفه على اذنه قائلا بلهجة امرة :
” منصور التهامى يكون عندى فى خلال نص ساعة ”
*********************************
تأوه خالد وهو يدفع معلقة برفق من يد ملك التى تحاول اطعامه بالحاح قائلة:
” عشان خاطرى يا خالد دى وبس ”
ابتسم فى تعب :
” مش قادر يا ملك ..كفاية كدة ”
وضعت الطبق على منضدة الى جوارها فنظر لها خالد فى حب وهو يمد يده اليها:
” ملك تعالى هنا ”
احنت ملك رأسها اليه فوضع يده خلف رأسها ليضعها على صدره لتخبره فى قلق وهى تحاول الابتعاد :
” خالد ..انت عندك ضلع مكسور كدة تتعب ”
رد وهو لايبالى بها تماما بينما يده تمسد على شعرها فى رفق :
” اكتر حاجة كنت خايف منها وانا بحارب الموت انى مشوفكيش تانى ”
اغمضت عينيها بقوة محاولة ان تستوعب مرور هذا الكابوس وانها الان بين ذراعيه :
” بعيد الشر عنك ..انا اللى قلبى كان هيقف لما عرفت باللى حصل ”
رفعها من على صدره ليحتضن وجهها بكفيه ويلثم جبينها بعاطفة جياشة قبل ان يقول في حزن:
” مكنتش متخيل ان تفكيره ممكن يوصل بيه لكدة ..للقتل ”
وازاح خصلة من شعرها تطفلت على عينها ليعيدها الى حيث رفيقاتها فى الخلف وهو يتابع فى حنان :
” مكنش لازم تتنازلى يا ملك عن المحضر اللى كنت هعمله وهاخدلك حقك منه ”
التقطت ملك كفه الذى يلامس وجنتها وقبلت باطنه قبل ان تحتويه بين كفيها :
” خالد ده مهما كان ابوك ..مش عاوزة ييجى عليك لحظة ندم واحدة على انى كنت السبب فى اذيته " اخفض رأسه وهو ينطق بها بصعوبة وبقهر لا يصدق انه كان سيحرم منها للأبد وعلى يد ابيه :
” كان عاوز يقتلك ”
شعرت بألمه فضغطت على كفه اكثر تحاول تهوين الأمر عليه :
” لا ياخالد مكنش عاوز يقتلنى هوا اعصابه فلتت منه ومكنش عارف بيعمل ايه ...وبعدين المفروض اكون مديوناله ...حبيبى لولا اللى حصل مكنش فاق ولا رجعلى ولا انقذ حياتى ..وبعدين كفاية عليه قضية ايلينا ”
عاد يرفع رأسه اليها قائلا وهو يفلت يده من بين كفيها ليحتضن وجهها مجددا:
” ملك انت بتحبينى ؟؟...نفسى اسمعها منك ولو لمرة واحدة ”
نظرت الى عينيه مباشرة فلاخجل بعد اليوم ...
مشاعرها خضعت لأقوى اختبار وأثبت مصداقيتها ..هي تحبه ..
بل تعشقه وربما منذ زمن ...
غبار الحقد والطمع الذي ظلت تعيش في اعتقاده قد نفضه القدر بسهولة لتظهر الحقيقة واضحة دون موارة كان ينظر الى شفتيها فى انتظار ردها فنطقت بها اخيرا كما شعرت به :
” اللى جوايا مش ممكن يكون اتولد بين يوم وليلة ..اكيد من زمان موجود بس كان محتاج حد ينفض التراب اللى عليه ..تراب العند والخوف والقلق ...انا ...بحبك اكتر من روحى يا خالد ..اكتر من روحى ”
راقب شفتيها وهو يقول فى ارتباك بينما عيناه تتسعان فى بلاهة :
“ قوليها تانى ”
ابتسمت وهى تقترب منه اكثر كأنها فهمت ما يريد ان يفعل بالضبط فاعطته له على الرحب والسعة وهى تقترب مرددة:
” بحبك بحبك بح....“
وتناثرت باقى حروفها وضاعت بين شفتيه لتغيب معه فى لحظة جنون ...
لم تمنعها حالته من الاقتراب اكثر ...
ولم يمنعه المه من ابعادها او اصدار اى انين فخوف كل منهما من فقدان الاخر قد تولى الدور واخرس اى صوت اخر يدعو للابتعاد ولكن..
فتحت ايلينا الباب فى تلك اللحظة وعادت لتغلقه بعنف ثانية وقد احمرت وجنتيها فى خجل من اقتحامها تلك اللحظة الخاصة ..
كيف نسيت ان تطرق الباب؟؟
بل كيف نسيا هذان الابلهان نفسيهما ووضعهما فى مشفى؟؟
ابتسمت وهى تتذكر جنون يوسف ...
كان لامانع لديه ان يضمها او يقبلها فى الشارع ان اقتضى الامر ، نفضت عن رأسها تلك الذكريات الم يعد لخيالها اى شىء ليفكر به سوى يوسف ؟؟؟
ازدردت ريقها وهى تقبض على مقبض الباب ..
تعتقد انها اعطتهما الوقت الكافى ...
طرقت الباب بهدوء ليأتيها صوت ملك تسمح لها بالدخول ، دلفت الى الغرفة وهى تبتسم لملك غامزة بعينها :
” جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجة ”
تنحنحت ملك واحمرت وجنتيها وهى تنظر الى خالد قائلة وهى تحاول ان تتخلص من خجلها بأن تنهض وتعانقها :
” الف حمد لله على سلامتك ايلينا ”
بادلتها ايلينا عناقها فى سعادة وبعد لحظات اطلقتها من ذراعيها لتمازح خالد :
” قال انا متهمينى بقتلك ..وسيادتك ايه بقا ..حبيت الغيبوبه وكنت هتسيبهم يعدمونى ”
ضحكت ملك بشدة بينما تنهد خالد فى اسف :
” انا اسف يا ايلينا بجد ”
شعرت ايلينا بسماجة مزحتها فاقتربت لتربت على كتفه :
” المهم انك قومت بالسلامة يا خالد ”
وابتعدت خطوات لتقول بعد ان زفرت فى بطء:
” انا هتنازل عن القضية اللى ضد باباك ”
التفت لها خالد مسرعا :
” اوعى يا ايلينا ..اوعى تعملى كدة عشانى ..ده حقك متضيعهوش ”
عقدت ايلينا ساعديها وابتسمت له في تقدير :
” انت اكتر من اخ يا خالد وانا مش هحبس باباك ...انا خليت محاميين المجموعة يروحوله وياخدو الضمانات الكافية اللى متخليهوش يقرب من المجموعة تانى ...وبعدين هوا خلاص انكسر يا خالد ومبقاش فيه لزمه لسجن او غيره فى السن ده ”
هز خالد رأسه فى امتنان :
” مش عارف اقولك ايه ”
” ولا حاجة ...تخف بس بسرعة عشان شغل المجموعة اللى انا وانت سايبينه ده ”
وحاولت ان تنهى الامر بسرعة قائلة لملك:
” ايه يا ملك متشوفيلنا حاجة نشربها ”
**************************************************
قطع يوسف الصمت هذه المرة وهو يرفع القناع عن وجه الرجل الذى يجثو على ركبتيه امامه لينهض فى بطء واعين المحاوطين تتابعه في ترقب بينما يعتصر هو عينيه ويتحرك ببطء يتناسب مع جسده الممتلىء وعمره المتقدم ..
لحظات واتسع ثغره بابتسامة صفراء وعيناه تستقر على محمود ليقول فى شماتة :
” مش قولتلك مسير الحى يتلاقى يا ابن البدرى ”
واضاف بلهجة غير متوازنة وهو يحك طرف انفه بسبابته ووسطاه :
” بس ايه رأيك فى طريقة المقابلة المرة دى ”
نظر محمود الى يوسف فى رجاء اخير...
لا يريد ان يكشف ماعمد عمرا باكمله الى اخفاءه فأخبرته نظرة اصرار واضحة من عيني ولده انه لن يعانى من عقد الماضى بعد اليوم فقد انتهى كل شىء بالفعل حين نفذ هذا الماجن انتقامه مع الحمقاء التى فعل المستحيل من اجل حمايتها هى واخيها ...
الان جاء موعد كشف الحقائق للكل وليعرف من يعرف ولينهار من ينهار وليضيع من يضيع فقد سبق هو الجميع بالانهيار والضياع ...
اقترب منصور من يوسف وهو يمسح على سترته بظهر يده قائلا:
” والله كبرت يا يوسف وبقالك اسم ورجالة تشتغل لحسابك ..ياااه ع السنين ده انا لسة فاكرك وانت عيل بترجف قدامى ”
ازاح يوسف يده فى تقزز :
” متصوورتش ان حقارتك هتوصل لكدة ”
رفع منصور حاجبيه قائلا :
” حقى وكان لازم اخده ..عاهدت ابويا انى هاخده ووفيت ”
واضاف وهو يدور حول نفسه:
” وتخيل بقا مين ساعدنى ....بنت عمك اللى من لحمكو ودمكو ..يلا اهى تبقى انتقمت لامها بالمرة ”
هنا ردد حسام دون وعى:
” ماما ؟؟؟“
بينما هتف زين فى نفاذ صبر:
” هوا ايه الحكاية بالظبط ما تفهمونا ”
نظر يوسف الى محمود نظرة طويلة وتنهد بعدها بعمق كأنه يتأهب لالقاء قنبة حارقة وما الحقيقة الا هكذا :
” الحكاية بدأت من سنين طويلة لما مرات عمى هند الله يرحمها كانت لسة فى الجامعة وحبت الحيوان ده ..طبعا هوا كان وسخ وبيتسلى ومكملش معاها فاتجوزت ابن عمها عمى هاشم الله يرحمه اللى كان بيحبها من وهما عيال ..عمرى فى حياتى ما شفت راجل حب مراته قده ..عاشو حياة هادية وخلفو حسام وبعدها سمر لحد ما ..“
واشار بكفه باشمئزاز تجاه منصور :
” لحد مالواطى ده قرر يستخدمها كطعم ”
اتجه في بطء الى سمر ليقف امامها يطالع وجهها التى تغيرت تعابيره من القوة والشراسة الى الدهشة والخوف والترقب لمعرفة حقيقة هى على يقين أنها مخالفة تماما لما كانت تؤمن به ...
عقد ساعديه وهو يخبرها في قسوة امتزجت بكثير من خيبة الأمل :
” البيه اللى كان مفهمك انه كان رجل اعمال منافس لابويا ..كان هوا وابوه اكبر تجار سلاح فى البلد ..وعمى هاشم كان ضابط ليه وضعه فى ادارة مكافحة السلاح وكانت مهمته يعرف مين اللى غرق البلد بالسلاح ومش عارفين يقبضو عليه ..فمنصور رجع ومثل عليها الحب والندم وهيا صدقت وحولها لجاسوسة تنقله كل اخبار عمى ..ومن فشل لفشل فى شغله مكنش قادر يصدق انه بيتعرض للخيانة ...شك فى اصحابه فى زمايله فى نفسه لكن هيا عمره ماشك فيها ....حتى لما بابا اكتشف كل حاجة مصدقوش بسهولة ”
هنا قال زين وهو يتحرك لمواجهة يوسف:
” وبابا عرف ازاى ؟؟“
هنا نظر يوسف الى محمود الذى اغمض عينيه عائدا الى هذا اليوم الذى جاءه فيه يوسف يبكى ويرتعد وهو فى الحادية عشر من عمره ...
ضمه حينها اليه فى حنان محاولا تفهم ما اصاب الصغير وسبب له كل هذا الرعب ..
ربت على كتفه وهو يحاول ان يعرف ماذا اصابه ، حاول يوسف ان يتغلب على ارتجافه قائلا في خوف:
” سمعتها يا بابا ..سمعتها وهيا بتتفق على عمو هاشم مع واحد ”
امسك محمود بكتفى ولده قائلا فى حيرة :
” سمعت ايه ومين دى يا يوسف ؟؟“
اجابه يوسف في هلع:
” طنط هند سمعتها بتكلم واحد اسمه منصور وبتقوله على كل اخبار عمو هاشم وكمان حاجات تانيه مش قادر اقولها ”
تسلل اسم منصور الى اذنى محمود واخترقه كدوى الرصاص ...
وحده من كان يعلم علاقة هند بشخص يدعى منصور اثناء دراستها الجامعية ولكنه لم يخبر اخيه بشىء حتى لا يصدمه بحب عمره وخاصة حين علم ان كل شىء بينهما انتهى ولكن كيف عادت اليه ؟؟...
ام انها لم تتركه من الاساس ؟؟
هل تخون اخاه ؟؟
لم يستطع ان يصبر اكثر...
ذهب مباشرة لمواجهتها بما علمه فانهارت تحت قدميه تتوسله :
” ارجوك يا محمود ...هاشم لو عرف هيحرمنى من عيالى ...ابوس ايدك ..ابوس رجلك ادينى فرصة وهصلح كل حاجة ”
افلت محمود ساقه التى كانت تتشبث بها فى عنف هاتفا في اشمئزاز:
” عيالك ..مفكرتيش فيهم ليه وانتى بتعملى عملتك وبتسلمى جوزك للواطى ده وتخونيه ..انتى خاينة بكل المعانى ”
بكت فى حرقة وهي تحاول ان تلتقط كفه لتقبله:
” ارجوك يا محمود ....بلاش عشانى عشان ولادى.. هاشم لو عرف هيطلقنى او هيقتلنى ”
تراجع في صرامة وهو يخبرها في تقزز:
” ده اللى تستاهله واحدة زيك حطت راسنا في الوحل”
نهضت فى لحظة..
تغيرت ملامح وجهها ومعها لهجتها الى الشراسة متخلية عن انكسارها التى كانت عليه :
” قول كدة بقا ...انت عاوز تقتلنى عشان تخلص مننا احنا الاتنين والثروة كلها تروح ليك يا ..يا ابن عمى ”
مال اليها وكاد ان يبصق بوجهها وتراجع في اخر لحظة “ انتى مريضة.. وانا مش هكرر غلطتى تانى واخبى عليه ..هاشم هيعرف كل حاجة المرة دى ..مستحيل اخليه يعيش لحظة واحدة مع انسانة خاينة زيك ”
وبالفعل اخبر محمود هاشم بالامر كله فلم يصدقه مطلقا وقرر سؤالها لتعطه الاجابة شافية وافية حين تفاجىء الأول بها تحادثه هاتفيا تخبره فى تشف انها اختطفت يوسف اثناء عودته للمدرسة وان كانت ستخسر ابنائها فلن تخسر كل شىء فمقابل عودة يوسف هو تسهيل هاشم لدخول شحنة اسلحة الى البلاد وبعدها تسهيل خروجها او هروبها هى وعشيقها الى احدى البلدان الاوربية بعد طلاقها منه ...
تفاجىء هاشم بكل ما يحدث ...
تفاجىء بالشيطانة التى ظل يعشقها لسنوات طفولته وشبابه وظن انه رباها على يديه ..
لم يدع له القدر الفرصة الكافية ليعيش بصدمته فقد نفضها عنه سريعا وهو يرى ذعر اخيه وزوجته على طفلهما ..
اتخذ قراره ورسم خطة محكمة لا يهمه فيها سوى حياة ابن اخيه فقط ..
عاونه فيها اربعة من اقرب اصدقائه فى العمل ، تظاهر بموافقته على ما طلبته منه الخائنة ، ولكن تمت مصادرة الشحنة باكملها وقتل والد منصور اثناء مقاومته لهم وهاجم هاشم وزملائه الوكر الخاص بمنصور والذى عرف بأنه يتواجد فيه مع الخائنة ويوسف...
اصر محمود ان يرافقه رغم رفضه ليرى ولده هناك .
” خطفت يوسف ”
قالها زين فى تلعثم وقد خرجت منه فى صعوبة ليفتح محمود عينيه يخرج من تلك الرحلة القصيرة المؤلمة التى قضاها فى الماضى ...
تحرك الأول باتجاه يوسف ..سأله في تلعثم وهو ينظر بطرف عينه الى حسام الذي وقف كتمثال من الرخام ولكن الحقيقة لابد ان تدرك للنهاية :
” وبعدين يا يوسف ازاى ماتو ”
تنهد يوسف في عمق عائدا هذه المرة لاصعب ذكرى فى حياته يوم ان اختطفته زوجه عمه ليمكث معها ومع عشيقها منصور فى الوكر الخاص به ، تذكر يوم ان هاجم عمه المكان وتعامل زملائه مع الموجودين الذين قاومو ليسقط ضحايا من الجانبين ..
اصيب منصور فى هذه المداهمة ، بينما وقفت هند تصرخ بهستيريا فى محمود :
” انت السبب يا محمود ..لو كنت ادتنى فرصة كان ممكن اصلح كل حاجة وزى ما حرمتنى من عيالى انا كمان هحرمك من ابنك ”
ووجهت سلاحها تجاه يوسف الذى ظهر فجأة وهو يركض من الداخل ذعرا من صوت الطلقات ولكن الرصاصة لم تصبه بل اصابت هاشم الذى تحرك بلا وعي ليحميه بجسده ...
شهقت هند فى اللحظة التى ضربها فيها محمود واطاح بسلاحها واتجه فى هلع الى اخيه الذى اصابته فى صدره اصابة قاتلة...
نظر هاشم الى اخيه وهو يضغط بكفه على صدره ويسعل فى ضعف وبعدها نظر الى هند التى كانت تحاول الوقوف وتسمرت فى مكانها وهاشم يصوب مسدسه تجاهها قائلا:
” خيانتك قتلتنى قبل ما تقتلينى يالرصاصة دى ...عمرى ما حبيت حد قدك ”
واضاف وهو يضغط على الزناد بانفاس لاهثة:
” الخيانة جزائها معروف ”
واطلق رصاصته نحوها لتصيب جمجمتها مباشرة ...
صرخ يوسف مما يحدث حوله فضمه محمود اليه فى نفس اللحظة التى هرع فيها زملاء هاشم اليه...
قاوم الأخير ألمه بصعوبة وهو يمسك بذراع أخيه فى ضعف قائلا بعينين نصف مفتوحتين وانفاس بدأت تتباطىء لتعلن عن موعد مغادرة الدنيا وصوت يقاوم الغيبوبة بقوة وهو ينظر الى احد اصدقائه :
” مصطفى وحياة العشرة اللى بينا ..مش عايز اثر لهند هنا ..مش عايز فضايح ..ولادى ملهمش ذنب ...انا عارف انكو هتقدرو تتصرفو وتلمو الموضوع وتسكتو القذر ده ..اتخلصو من جثتها بأى طريقة وقولو انها ماتت بأى شكل ”
ربت مصطفى على كتفه وقال بعينين دامعتين :
” اطمن يا هاشم محدش هيعرف حاجة ”
نظر له بامتنان ليحرك حدقتيه باتجاه اخيه :
” عيالى امانة فى رقبتك يا محمود ..مبقاش ليهم غيرك ”
ضغط محمود بكفه على جرح أخيه يحاول ان يكتم النزيف فأزاح هاشم كفه في ضعف يخبره بأن كل شيء قد انتهى ...تهدج صوت الاول وهو يميل الى جبين أخيه يقبله :
"هاشم ...هتعيش يا هاشم هت...."
واغمض عينيه في بطء وهو يسمع أخاه ينطق الشهادتين لتفيض بعدها روحه الى بارئها ..
صرخ فى لوعة وهو يضمه اليه :
” هااااشم ...هاشم "
قبل رأسه عدة مرات ليواصل ودموعه تغرق رأس أخيه :"متخافش يا هاشم ...عيالك في عينيا ..زي ما اديت لابني حياتك هدي لعيالك حياتي ...سامحنى يا اخويا ...سامحنى ”
وقبل ان يستعيد وعيه مما حدث وجد صوت منصور التهامى المتوعد وهو بين يدى رجال الشرطة:
” حسابنا لسة مجاش وقته يا ابن البدرى ”
لم يرد محمود فحالته كانت من اصعب ما يكون وهو يرى اخاه الوحيد جثة بين يديه وبيد زوجته الذى احبها كما لم يحب رجل امرأة من قبل . ..
ترسخ كل هذا فى عقل يوسف الصغير ليعيش بتلك العقدة طيلة عمره...
تساءل طيلة الوقت لماذا تكون الخيانة هي المقابل لكل هذا الحب؟؟ ...
رغم صغر سنه حب عمه لهند كان واضحا للعيان وكان مادة لأى حديث ..
لقد رآها بعينه ...
رآها وهى ....
بين ذراعى هذا الحقير فى وكره وعلى فراشه ...
كل هذا وهو طفل لم يتجاوز الحادية عشر ...
ظل هذا المشهد فى باله لسنوات طويلة مهما حاول اباه عرضه على اكثر من طبيب نفسى لمساعدته ...
لم تتغير فكرته عن كون اى امرأة لا يجب ان تزيد مساحتها فى حياته عن حيز المتعة ..
لن يتخيل نفسه فى مكان عمه ابدا ولن يقبل بتلك المجازفة حتى ولو كان احتمال تكراها ضعيف فالمشهد ظل رفيق نومه ويقظته طويلا حتى جاءت ايلينا وعبثت بكل قواعده لتصنع هى معه من جديد قواعدها الخاصة قاومها فى البداية بكل قوة ولكنه استسلم لمشاعره فالمقاومة لم تعد تفلح فهى قد تجاوزت كل الحدود التى رسمها لنفسه ...
تم تنفيذ كل شىء كما اراد عمه وتم مساومة منصور بشتى الطرق حتى لا يفصح عن علاقته بهند وانتهى الامر .
تعالت شهقات سمر وهى تسمع تلك الحقائق المرعبة بينما ابتسم حسام فى مرارة قائلا:
” يعنى مش زى ما فهمتونا ان بابا مات فى مأمورية وماما ماتت من زعلها عليه ”
واضاف وهو يقاوم دموعه بقوة ويتجه الى حيث تجلس اخته على احدى درجات السلم:
” يعنى امى خانت ابويا وكمان قتلته وهوا قتلها ” واضاف وهو يجذب سمر من ذراعها بقوة :
” واختى راحت حطت ايديها فى ايد الواطى ده عشان تدمر العيلة كلها ”
انتزعت سمر ذراعها من قبضة اخيها وهى تحاول الهروب من الحقيقة بأى شكل ...صرخت وهى تنظر لعمها :
” انا سمعته بودنى وهوا بيقول انه السببب فى موتهم ”
هنا رد محمود فى حزن:
” ابوك مات عشان كان بيدافع عن ابنى وقتها حسيت بشوية ندم وقلت كان يجرى ايه لو فعلا كنت ادتلها فرصة ...لو كان لازم اتكلم فكان لازم اتكلم من البداية قبل ما يتجوزها ”
هزت سمر رأسها بعنف وسقطت ارضا بينما نظر محمود الى منصور قائلا:
” دلوقتى ارتحت بعد ما كسرتهم ”
مسح منصور على وجهه قائلا وهو يترنح:
” انا فضلت فى السجن عشرين سنة وانا بفكر ازاى انتقم منك لحد ما جتلى الفرصة ..هيا جت قدامى صدفة وكان لازم استغلها ...اكتر حاجة كسرتك بيها هما عيالك ..الصغيرة كانت هتجبلك العار لولا الخواجاية اللى لحقتها ....والوسطانى سابلك الشغل والحياة وكل حاجة ....اما بقى الكبير فراح خلف من واحدة فى الحرام وجابهلكو هنا كمان قدامكو والتمن كان حياة امه ..مراتك اللى بتعشقها يا محمود ”
كاد محمود ان يرد عليه فى عنف لولا ان رأى يوسف يضع يده على صدره ويضغطه فى قوة كأنه يقاوم كل الام الدنيا فى تلك اللحظة مسترجعا كل تلك المشاهد المؤلمة التى عاصرها في طفولته ، ازداد تعرقه فاقترب منه محمود يسأله في قلق:
” يوسف ...انت كويس ”
هز يوسف رأسه وهو يخرج هاتفه فى بطء ويقول فى ثبات:
” خد الحيوان ده ورجعه من مطرح ماجبته ويفضل تحت عينك ”
اما سمر فقد تخلصت من ذهولها اخيرا واخذت تجذب خصلات شعرها فى قوة وهستيريا :
” يعنى عمى طلع برىء وانا خربت كل حاجة على دماغ الكل ”
واخذت ضحكاتها تتعالى وتتعالى تريد الهروب مما فعلته فعقلها غير قادر على الاستيعاب ، اقترب محمود رغم حنقه منها وهو يقول:
” اهدى خلاص ..اللى حصل حصل ”
تخطته لتقف فى مواجهة منصور :
” ملقتش حد فى حياتك بالسذاجة دى صح ؟؟“
وبعدها تلاشت ضحكاتها ليحل مكانها صراخ غريب وهى تنشب اظافرها فى وجه منصور صارخة به :
” والله لاقتلك بايدى ”
جذبها زين هذه المرة فى قوة بعيدا عن منصور وهو يصرخ بها :
” بس بقا كفاية اللى حصل ”
تخلصت سمر من ذراع زين لتمرر يدها فى شعرها فى عنف حتى اقتلعت بالفعل بعضا من خصيلاته وقالت بشفتين مرتجفتين :
” سامحنى يا زين ....“
وانهارت ارضا وهى تلطم خديها :
” سامحونى كلكو ..بس ازاى وانا مش هقدر اصلا اسامح نفسى ..انا حرقت قلبكو كلكو ”
ونهضت مسرعة لتقف امام اخيها بشعر مشعث وعينين تائهتين وهى تصرخ بجنون:
” اضربنى يا حسام ..اضربنى ...مش انت اخويا ولازم تعاقبنى ع اللى عملته اضربنى ...يمكن وجعك يخلينى انسى النار اللى جوايا...اضربني يا حسام ...اقتلني ”
دفعها حسام من طريقه بقوة وهى تهذى بكلمات غير مفهومة وتواصل لطم خديها واقتلاع شعرها ...
يشعر انه بداخل كابوس ولكنها الحقيقة التى حاول عمه طمسها ودفنها لسنوات لتأتى اخته بحماقتها وتكشف لهما عن كل شىء ، الخيانة من جديد ..
خيانة امه لابيه ...
خيانة اخته للعائلة باسرها لعمها وزوجها ..
اى حقارة تلك ؟؟..
ترك المكان بسرعة لتلحق به ايتن وهو على وشك دخول سيارته ..
التفت اليها من قبل ان تنطق ليصرخ بها فى عنف :
” عايزة ايه ؟؟؟....جاية ورايا ليه ؟؟؟....جاية تقوليلى انك معملتيش حاجة قصاد اللى اختى وامى عملوه ...“ اضاف وهو يضرب على سيارته بقبضته بقوة:
“ انا بكرهها وبكرهك وبكرهكو كلكو وانتى من النهردة مرفودة مش عايز اشوف وشك تانى فى الشغل ..انا اصلا هصفيه واسافر بعيد عن قرفكو ”
ولم يدع لها فرصة للرد اذ دلف الى سيارته وقادها مبتعدا عنها وهى لاتصدق ما سمعته منه ، لقد حملها مالا يطاق ، لم تعد تحمل ذنبها وحده بل ذنب اخته وامه وكل امرأة خاطئة فى العالم ، طردها من حياته لانها ستذكره بكل شىء سىء فى هذه الدنيا ، انتقص من كرامتها للمرة الالف ففى كل لحظة من السنوات الماضية كان يهدم جزءا من طاقتها للاحتفاظ به وهذه المرة ضرب المعول الاخير فلم يعد هناك اى ذرة امل للعودة من جديد .
اما يوسف فصعد الى غرفته وجلس على طرف فراشه فى تعب ....
خلع رباط عنقه وهو يحاول التنفس بانتظام ، اغمض عينيه وهو يمسك بجانبى جبهته بسبابته وابهامه محاولا طردا تلك المشاهد عن باله ولكن صوت ضحكات زوجه عمه وهى بين ذراعى هذا الحقير تمتزج مع صوت طلقات الرصاص التى استقرت فى صدر هاشم لتهاجمه فى شراسة ، مشاهد قاسية لوثت براءة طفولته ...
حاول تنظيم انفاسه مجددا ..
اتسعت عيناه فجاة وهو يتذكر ما اخبرته به سمر عن تلك الجينا الحقيرة ...
نهض فى ضعف ليبحث عنها فى جناحهما فلم يجدها ، فتح خزانه الملابس ليجدها فارغة ، انقبض قلبه وهو ينظر الى ورقة مطوية على احدى ارفف الخزانه ، سحبها فى تردد ليقرأ ما بها فكانت صدمته الكبرى ” يوسف ..انت عيشتنى اسوا ايام حياتى معاك ..حبى ليك حولته ببساطة لكراهية ..مادام مش موافق تدفع المقابل فخلاص ابنك مش هتشوفه تانى ..هغير اسمه وديانته وكل حاجة ومش هيقى ليك اى علاقة بيه..هخرجه نسخة من كل حاجة انت بتكرهها .. وخلاص بقا روح اتجوز حبيبتك وخليها تجيبلك غيره ”
قبض يوسف على الورقة ليعتصرها فى يده وهو يحاول ان يتوازن بينما انتفخت اوداجه وهو يقول فى غضب واصرار:
” هرجع ابنى يا جينا ....هرجعه تانى لحضنى ومحدش هيرحمك منى ابدا ”
+
+