رواية متاهة مشاعر الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نهي طلبة
الفصل الحادي والثلاثون
جلس يزيد على أحد المقاعد في غرفة رامي.. وهو يضم الصغير إلى صدره بعدما نجح بجعله يخلد إلى النوم..
رمق صغيره بحزن وعجز.. لا يعلم كيف يساعده ولا يستطيع تصور مدى الخوف والهلع الذي يعاني منه الصغير.. خوف يهدئه فقط التواصل البصري كما اكتشفت علياء..
لم يصدق علياء في البداية عندما أخبرته بشكوكها, لم يصدق عينيه وهي تفرقع بأصابعها بجوار أذني رامي عدة مرات ولم يلمح استجابة واحدة.. لم يصدق أذنيه عندما انطلق رامي في البكاء لافتقاده تواصله البصري مع علياء ولم تفلح أي أغنية أو تهويدة في اسكاته.. لم يصدق نفسه وهو يردد بقهر
"ابني ما بيسمعش"..
لم يشعر سوى بعلياء تضمه هو ورامي إلى صدرها هامسة:
ـ بلاش نفترض الأسوأ.. الأول نشوف دكتور مختص.. في واحدة زميلتي في الكلية والدها دكتور أنف وأذن كبير ومشهور.. هحجز لرامي عنده..
أومأ موافقاً بعجز فهو كان حريصاً على تحديد علاقاتها بزميلاتها من أيام الكلية.. ولكن لا مفر أمامه الآن.. فهو يحتاج إلى كل عون ممكن أن يحصل عليه..
لم يشعر في حياته بمثل ذلك العجز.. كيف يتمكن كائن وردي صغير ذو خصلات ذهبية بقهره وإحساسه بعدم الحيلة هكذا..
دوي صوت ريناد الذي لم يكتشف مدى ازعاجه إلا الآن وهي ترمق الصغير بين يديه:
ـ أوووووه.. هو أنت لسه ماسك فيه من الصبح!.. اللي يشوف كده يقول أنك ما خلفتش غيره!..
رمقها بغضب:
ـ ما لسه بدري!.. طول اليوم بره؟..
أشارت له باستخفاف:
ـ طيب سيب الولد ينام في سريره بدل ما يصحى من أصواتنا..
أجابها بمرارة ولم يشعر بذرة شفقة واحدة وهو يخبرها مباشرة وبدون مواربة:
ـ لا.. اطمني.. أصواتنا عمرها ما هتقلقه.. عارفة ليه؟..
توسعت عيناها بقلق بينما هو يصرخ بقهر:
ـ لأن ابنك ما بيسمعش..
ارتدت للخلف بعنف وهي تستوعب معنى جملته.. وهتفت تتساءل بلهفة:
ـ ما.. ما بيســ.. معش!!.. ازاي؟.. عرفت ازاي؟..
صمت قليلاً أمام صدمتها.. ثم أخبرها باختصار ما حدث منذ طرد المربية.. وحتى اكتشاف علياء لإعاقة رامي.. وقبل أن ينتهي من سرد ما حدث فوجئ بها تصرخ بقوة:
ـ أيوه طبعاً.. علياء هانم.. فجأة قلبها حن على ابني.. وكمان ايه هي اللي اكتشفت أنه ما بيسمعش.. لا.. قلبها طيب بصراحة!..
هتف بها بحزم:
ـ بلاش سخافة وغيرة ستات فاضية.. بقولك ابنك احتمال يكون ما بيسمعش, وأنتِ كل اللي همك أن علياء هي اللي اكتشفت الموضوع.. ما قلقكيش للحظة أنها اكتشفت في خمس ساعات اللي أنتِ ومربيتك اللي معاها شهادات ما اعرفش ايه ما عرفتوش تلاحظوه في خمس شهور..
صمت لحظة وهو يشيح بوجهه:
ـ احمدي ربنا أنه حط في طريقه أم زي علياء..
صاحت بغضب:
ـ افندم.. يا يزيد.. نعم.. قول كمان الهانم شحنتك بإيه؟..
وضع ابنه في مهده برقة تناقض معالم الغضب المرتسم على وجهه ودثره بحنان طابعاً قبلة فوق جبينه فهو يعلم أنه سينام لمدة طويلة بعدما أرضعته علياء مرة أخرى قبل ذهابه.. وأعدت له عدة وجبات بسيطة وخفيفة ليطعمه اياهم لو استيقظ جائعاً...
ترك اضاءة هادئة في الغرفة ثم التفت نحو ريناد يجذبها بعنف نحو غرفتهما ليلقي بها فوق الفراش بعنف هاتفاً:
ـ أنتِ إيه!!.. ايــــــــــــه!!!.. ممكن يحصل ايه أكتر من ابنك هيكون معاق لباقي عمره عشان تحسي؟.. ايه ما قلقتيش حتى؟!.. ما اتوجعتيش!
نهضت من الفراش بغضب وسألته باتهام:
ـ وليه ما تقولش أن الهانم مراتك بتنتقم مني أنا وتانت سهام عشان كده عملت حاجة في الولد ودمرت سمعه..
برقت عيناه بغضب وحشي وهو يتقدم نحوها, فتقهقرت للخلف تحاول اخفاء خوفها وهي ترى ذراعه ترتفع في قبضة مخيفة جعلتها تخفي وجهها بيديها بينما شعرت بقبضته ترتطم بالحائط خلفها بعنف وهو يهتف بحسم:
ـ اسمها.. مايتكررش على لسانك تاني.. مفهووووووووم... أفكار الإنتقام والأذى دي مش علياء اللي هتفكر فيها..
مرت من تحت ذراعه وهي تهتف بدورها:
ـ طبعاً.. أنت عمرك ما هتغلطها ولا تلوم عليها.. ولا كأنها سرقت مني خطيبي وأحلامي وفرحتي.. هي البريئة الملاك اللي ما بتغلطش واحنا كلنا العصابة اللي بيتآمروا عليها..
هتف بها من تحت أسنانه:
ـ ما تدخليش الأوراق في بعضها.. احنا بنتكلم في ايه وأنتِ بتسحبيني لسكة تانية..
ضحكت بمرارة:
ـ كل الطرق بتوصل لبعضها.. أنا ليه بعيش حياتي بره البيت مع أصحابي, في النادي, في الجيم والجمعيات.. هييه, ليه؟.. لأني لوحدي.. زوجي العزيز.. موجود ومش موجود, كل أفكارك وكيانك هناك عندها.. عند ولادك منها.. لكن أنا مجرد موظفة استقبال بلقب زوجة.. وأنت حولت نفسك لبنك للنطف متواجد تحت أمري.. تفتكر لولا وجودها في حياتنا كنا هنكون كده.. ولا..
قاطعها:
ـ ولا ايه؟.. كنتِ هتبعدي عن حياتك القديمة؟.. عن المدار اللي بتدوري فيه مع أمي وخالتي؟.. كان اهتمامك بكمالية ومثالية الصورة اللي بنعكسها كزوجين هيقل وهتهتمي أكتر بمشاعري واحتياجاتي كزوج.. وطلبات ابنك وتتعاملي كأم؟.. خليكي صريحة مع نفسك.. واعترفي.. إن لولا وجود علياء في حياتي.. لولا مشاعري ناحيتها كان هيكون عندي بدل العشيقة اتنين وتلاتة.. وأنتِ كنتِ هتعرفي وتسكتي وتكملي.. صورة كربون من حياة عصام بيه وسهام هانم.. احمدي ربنا.. أنه مشاعري ناحية علياء تمنعني من مجرد تفكير أني آذيها بوجود أي ست تانية..
رمقته بغضب وهي تسمع تصريحاته المتوالية بمشاعره نحو علياء والتي يطلقها بصراحة للمرة الأولى.. ولكنها رفضت أن تظهر له تأثرها, وبعد بحث سريع في أعماقها وجدت أنها لم تتأثر فعلاً.. فكتفت ذراعيها وهي تسأله بنزق:
ـ وبعدين؟..
سألها مباشرة:
ـ تحبي تتطلقي؟..
شهقت بقوة:
ـ أنت اتجننت!!.. عايز الناس تقول أنك طلقتني عشان ابني ما بيسمعش ويفتكروا الغلط من عندي!
رفع عينيه للأعلى وهو يزفر بيأس:
ـ يا الله..
حاولت تصحيح كلماتها فمنعها بإشارة من يده وهو يخبرها بحسم:
ـ بصي.. آخر فرصة قدامك عشان تثبتي أنك ممكن تكوني ست وأم.. رامي, أنتِ اللي هتراعيه وتاخدي بالك منه.. ما فيش مربيات ولا دادات.. الولد مريض وهيحتاج أمه..
سكت قليلاً وهو يلمح توسع عينيها بتمرد ولكنها لم تعترض, فأردف:
ـ علياء..
ثم كرر بصوت أعلى عندما لمح اعتراضها:
ـ أيوه.. علياء حجزت لرامي عند دكتور كبير متخصص.. وميعادنا بعد يومين.. لحد ما نروح للدكتور ونعرف ايه أبعاد الموضوع ما تفارقيش الولد لحظة.. فاهمة يا ريناد.. دي فرصتك الأخيرة.. وإلا هيكون لي تصرف تاني..
سكت لحظات وهو يضغط على حروفه:
ـ تصرف مش هيعجبك.. ولا هيعجب سهام هانم..
ثم ألقى إليها جملتها الصباحية وهو يسخر بقوة:
ـ الأيدول بتاعك كزوجة.. وأم..
****
وقف مازن يرتشف كوباً من القهوة الدافئة وهو شارد بعينيه غافلاً عن روعة المشهد أمامه, مساحات خضراء واسعة تظهر خلالها مجموعات متفرقة من تجمعات زهرية مختلفة, بينما يمر أمام نافذة المنزل غدير ضيق يصل صوت جريان المياه به لسكان المنزل كموسيقى هادئة, يبدو أنهم اعتادوا عليه بينما هو لم يغمض له جفن وهو ينصت لأصوات الليل المختلفة.. أو لعله كان يهرب من راحة يمنحها له النوم.. يهرب من حياة قُلِبت رأساً على عقب ولم يعد يعرف وسيلة لاصلاحها.. يهرب من عجزه عن حب دنيا, ومن حبه لنيرة.. فحالياً يبدو أنه لا أمل لحل تلك المعضلة..
ربتة خفيفة على كتفه جعلته يلتفت نحو حسن الذي أمسك بدوره قدحاً من القهوة الساخنة وارتكز على سور الشرفة هامساً بدفء:
ـ صباح الخير.. ايه صاحي بدري يعني؟..
هز مازن رأسه:
ـ ما عرفتش أنام.. يمكن عشان مش متعود على المكان..
رفع حسن حاجباً غير مصدق وتساءل بطريقة مباشرة:
ـ وحشتك "عشق"؟..
ابتسامة حزينة كانت اجابة مازن الذي رفض استدراج شقيقه له لمناقشة طلاقه من دنيا.. فبادره بسؤال:
ـ غريبة قوي أنك تسيب باريس وتنقل للريف.. عملت ايه في شغلك؟..
مرر حسن مرواغة أخيه بتفهم وهو يجبه:
ـ فتحنا فرع تاني للمطعم هنا, غسان بيدير فرع باريس وأنا حبيت أبعد عن دوشة المدينة..
ثم وكز أخيه بود:
ـ ما هو أنت لو بتسأل كنت عرفت!
ارتسمت الجدية على وجه مازن وهو يسأل:
ـ أنت مش ناوي ترجع مصر؟... يعني عشان أزور أخويا لازم آخد طيارة لباريس وبعدها مشوار تاني عشان نوصل لبيتك.. امتى هترجع يا حسن؟..
غامت ملامح حسن بحزن قاتم وهمس بخفوت حازم:
ـ وأنا باقي لي ايه في مصر عشان أرجع له!
عاتبه مازن بألم:
ـ ولا حتى أنا!..
ـ أنت عندك "عشق".. ربنا يخليها لك.
زفر مازن بضيق:
ـ أنت مُصر تفتح الموضوع!
واجهه حسن بصراحة:
ـ أنت جاي مجرد هروب وبُعْد.. ولا فضفضة.. ولا بتدور على حل؟..
هز مازن رأسه بمعنى لا أمل:
ـ الفضفضة مش هتريح لأنه للأسف ما فيش أمل ولا حل.. دنيا مُصرة على موقفها.. حاولت معاها كتير.. وللأسف مش لاقي حل..
بسمة ساخرة ارتسمت على شفتي حسن وهو يجبه:
ـ غريبة!.. مع أن الحل واضح قدام عينيك, ده لو كنت عايز تشوفه!.. أقصد طبعاً حل يخليك تحتفظ بــ "عشق"..
وسكت لحظة وأكمل بلهجة ذات معنى:
ـ وأم "عشق"!..
نظر إليه مازن بدهشة:
ـ حل!!.. حل ايه؟..
صمت حسن لحظات قبل أن يخبره بحسم:
ـ تطلق نيرة!
برقت عينا مازن بعدم تصديق فأكمل حسن بتقرير:
ـ شوفت.. دهشتك دي بتقول أنه فكرة انفصالك عن نيرة ما مرتش ببالك.. حتى لو كان ده تمن وجودك جنب بنتك..
وضع كفه على كتف مازن يواسيه بحزن:
ـ أنا مش عايز أقول أنه حبك لها لعنة.. أو سحر أسود أنت ابتليت به.. بس للأسف دي الحقيقة.. حبك لها ذنب وأنت مش عارف تتوب منه..
وقبل أن يجيب مازن ارتفع صوت لورا تطلب منهما الحضور لتناول الافطار..
جلس مازن إلى مائدة الافطار وكلمات أخيه تدوي في أذنيه كأجراس ضخمة تهز كل ثوابته.. وتوجه حسن ببساطة ليأتي بطفلته أولاً.. ثم جلس ووضعها على ركبته بينما ظهرت علامات الألم على وجه زوجته.. ولكنها أخفتها بسرعة وبراعة أيضاً.. ورسمت على وجهها ابتسامة واسعة وهي تخبر مازن:
ـ إنه هكذا على الدوام.. يضع "مونا" فوق ركبتيه في كل وقت.. حتى أنه أحياناً يصطحبها معه إلى عمله..
ابتسم مازن بمجاملة بينما دوى صوت حسن ببرود هادئ:
ـ إنها تُدعى "منى" وليست "مونا"..
أخفضت لورا بصرها وأخذت تعبث بمحتويات طبقها وهي تتظاهر بتناول الطعام بينما شحب وجهها تماماً.. وبدا حسن غافلاً أو متغافلاً عن الإحراج الذي سببه لزوجته وهو يداعب طفلته الصغيرة لتطلق ضحكات طفولية رائعة.. بقدر ما أسعدت مازن بقدر ما أوجعت قلبه وهو يتذكر ابنته وضحكاتها البريئة.. ترى هل استيقظت الآن؟.. هل تناولت طعامها؟.. هل تفتقده؟..
زادت تساؤلاته من أوجاع قلبه, فحاول جاهداً الخروج بأفكاره من دائرة زوجتيه ومشاكله معهما.. استرق النظر نحو أخيه الذي يهمل وجود زوجته تماماً رغم محاوتها المستميتة لارضائه وجذب انتباهه.. تلك المحاولات التي لاحظها هو على الفور منذ وطأت قدماه منزل أخيه.. حيث لاحظ على الفور التغير الكلي في ملابسها.. فهي لم تكن ترتدي ملابس فاضحة من قبل, ولكنها لم تكن المثال الكامل في الاحتشام.. بعكس الوضع الآن فملابسها محتشمة أكثر من نيرة زوجته, بل أنها تفوق دنيا احتشاماً.. صوتها أكثر هدوءً.. ويبدو أنها حسنت من لغتها العربية وإن كانت غالباً ما تلجأ إلى الإنجليزية.. وأكثر من ذلك ما علمه من أخيه بتركها لعملها وتفرغها لإدارة شئون منزله ورعاية طفلتهما.. يبدو أنها تقدم الكثير والكثير لتستحوذ على قلب أخيه المتمرد.. أنها تشبه دنيا في هذه الناحية, لكن ما يفرقها عن دنيا هو ذاك الشموخ الذي تتمتع به الأخيرة.. شموخ جبار وكبرياء أنثوي دفعها لتركه حتى تحتفظ بحبه في قلبها كأيقونة عشق.. مثلما أطلقت على ابنته, فهي بالنسبة لها "عشق" مازن.. وله هي هدية عشقها له..
الآن فقط استوعب اصرارها على الاسم.. وصاحب استيعابه ذاك إدراك لعذاب لورا عندما أصر حسن على إطلاق اسم "منى" على ابنتهما.. خاصة وهو كما يبدو ملتصقاً بالطفلة على الدوام..
تأمل ملامحها للحظات وقد ظهرت معالم الألم على وجهها وراقب محاولاتها المستميتة لاخفائه وهو يتساءل بداخله عن قدرتها على تحمل جفاء أخيه الواضح نحوها, وإذا ما كانت ستقرر يوماً الابتعاد حفاظاً على كبريائها.. و... قلبها... كما فعلت دنيا.. تباً.. تدور أفكاره في دوائر مغلقة وتعود لترسو عند دنيا وحياته معها, تلك الحياة التي يفتقدها بشدة.. كما يفتقد "عشق" الصغيرة حد الألم.. نظر إلى ساعته وقرر أن الوقت ملائم ليهاتف صغيرته, فاستأذن متوجهاً إلى غرفته ووصله صوت أخيه يخبره:
ـ مدام فريدة اتصلت تعزمنا كلنا على افتتاح معرضها الجديد..
أومأ مازن موافقاً وهو يتسلق درجات السلم الداخلي بسرعة ليسمع صوت ابنته.. حتى لو كانت أصوات أنفاسها أو بكائها..
وعلى مائدة الافطار رفعت لورا عينين حزينتين إلى حسن وهي تسأله بلوم:
ـ لماذا تعمدت احراجي أمام أخيك؟..
استمر حسن في مداعبة "منى" الصغيرة ولم يجبها فصرخت بصوت أعلى:
ـ حـــــســــــــــــــــن!!
رفع نظره إليها وهو يجبها ببرود:
ـ اخفضي صوتك..
اتجهت إلى الحديث بعربية ضعيفة تحاول اجادتها من أجله:
ـ حسن.. ليه أنت عايز تجرح أنا دايماً؟.. ليه قسوة؟
تأملها بحيرة وهو عاجز عن اجابتها.. فمعاملته معها بالفعل شابها بعض القسوة والجفاء منذ ولادة "منى" الصغيرة..
"منى" التي ولدت بخصلات فضية كوالدتها وعيون زمردية كعينيه وبشرة برونزية ناعمة.. ربما يلومها لأنه أراد "منى" خاصته.. بعينيها الكحيلة وخصلاتها السوداء.. لا ينكر أنه فوجئ بجمال ابنته الأوربي ولكنه وبدون أن يدري وجد نفسه غارقاً في حبها.. وكأنها فتحت أمامه أبواباً من مشاعر مختلفة تماماً عن أي مشاعر أخرى عاشها.. وكأنها منحته مشاعر الأبوة والبنوة والأهل والوطن في ابتسامتها الناعمة.. وهو بأنانية مطلقة أراد الإنفراد بتلك الأحاسيس.. أراد ابعاد لورا عن فتاته.. بأعماقه يموج إحساس مخيف بوجوب معاقبة لورا, والأكثر فزعاً أنه يريد معاقبتها لانجابها "منى" له.. بل لموافقتها على الزواج من البداية.. يلقي بكل الذنب على كاهلها وهو مدرك لخطئه ولكنه لا يبالي..
عاد صوت لورا يتردد بحزن وقد أقلقتها قسوة نظراته:
ـ حسن!..
رمش بعينيه وكأنه يحاول العودة من غيبوبة أفكاره.. وأخبرها بحسم:
ـ أنا لم أتعمد احراجك.. ولكنكِ دائماً ما تخطئين عمداً في اسم منى..
تحركت من مقعدها لتقترب منه وتتمسك بكتفيه:
ـ حسن.. أنا أحبك.. وقسوتك تلك تؤلمني..
أجابها بعملية وهو يبتعد بجسده عنها:
ـ أنا أحترم مشاعرك, لورا.. لكنكِ تعلمين جيداً طبيعة العلاقة التي تربطنا فلا تطالبيني بالمزيد.. فلم أعد أمتلك قلباً قادراً على الحب..
أوجعتها كلماته فهمست متسائلة بألم:
ـ ووجود الطفلة لا يؤثر في مشاعرك؟..
رد بسرعة:
ـ وجودها يمنحنا لقب أسرة.. وهذا كل ما أستطيع تقديمه..
ـ ولكن..
قاطعها وهو يضع منى بين ذراعيها:
ـ أعدي منى للخروج.. سنصطحب مازن في جولة في القرية.
سألته بلهفة:
ـ هل سآتي أنا أيضاً؟..
صمت عدة لحظات قبل أن يقول:
ـ لا داعي.. نحن لن نتأخر..
حملت الطفلة وتوجهت نحو غرفتها وقلبها ينتفض مهزوماً بحبه.. بينما هو راقب خطواتها حتى اختفت ثم توجه للنافذة لتشرد عيناه بعيداً..
*********
مد إياد يده بقدح من القهوة المُرة إلى فريدة التي جلست بإنهاك بعدما أشرفت بنفسها على شحن لوحاتها إلى المعرض..
وأخبرته بتعب:
ـ آه هموت من التعب.. ولسه يا دوب دي أول خطوة.. لسه ترتيب اللوحات في المعرض.. و..
قاطعها إياد بمشاكسة:
ـ أنتِ اللي كبرتِ وعجزتِ يا فيري..
رفعت حاجباً مغتاظاً:
ـ والله.. طيب.. ورينا النشاط يا أبو الشباب..
رفع ذراعيه لتتساوى قبضتيه بجانب وجهه وهو ينفخ عضلاته:
ـ طبعاً أبو الشباب..
ضحكت بتفكهة:
ـ اللي يسمعك يقول لسه في العشرينات.. مش عديت الأربعين..
ضحك بشقاوة وهو يتأمل ملامحه في المرآة ويفرك ذقنه بقوة.. ويمسد خصلات شعره الطويل نسبياً بأنامله.. لمح صورتها تنعكس في المرآة فغمز لها:
ـ الشباب شباب القلب..
ضحكت موافقة وهي تتأمل ملامحه الوسيمة, خصلات سوداء داكنة وإن ظهر بها على استحياء بعض الخيوط الفضية.. عيون زرقاء تبرق بعبث دائم.. ربما عيونه هي ما تجذب الفتيات نحوه.. وأخيراً الذقن الغير حليقة والتي تمنحه مظهر غجري مثير.. كان إياد.. وسيماً, بل وسيماً بخطورة محببة للفتيات وهذا يقلقها.. وبشدة..
سمعت صوته وهو يتحرك ليخرج من الاستوديو الخاص بها:
ـ هتحرك أنا عشان أوصل للمعرض.. أنتِ هتيجي ولا هتستني صبا؟..
ردت بسرعة:
ـ طبعاً هنستنى صبا.. وإياك تبدأ ترتيب إلا لما توصل!
تظاهر بالتأثر وهو يهز رأسه بألم مصطنع:
ـ معقولة مش واثقة في قدرات مدير أعمالك.. أومال أنا بعمل ايه؟!
رمقته بنظرة تحذيرية وهي تقول بجدية:
ـ إياد.. أنت عبقري في التسويق.. فلتة في الدعاية.. لكن ترتيب المعرض ده حسب دماغي وبس.. ولو أي حد هيتدخل تبقى صبا.. فاهم؟..
أومأ لها متفهماً:
ـ خلاص.. خلاص.. والله ما أقصد.. أنا كنت عايز أساعد ونكسب وقت.. بس خلاص ننتظر البرنسيسة صبا..
زمجرت فريدة:
ـ إياد.. وبعدين مش كل مرة تعصب البنت.. وتتخانقوا وأنا أسيب شغلي وأقعد أفصل بينكم..
ضحك برقة:
ـ بحب أشوفها متعصبة.. بتفكرني بيكي وأنتِ في سنها..
ضربته بقوة على كتفه فتأوه بشدة:
ـ بالذمة في فنانة أيديها جامدة كده..
وتوجه مسرعاً نحو الباب قبل أن تناله ضربة أخرى, ولكنه توقف فجأة بجوار الباب وهو يشير نحو لوحة مغطاة بمفرش أبيض كبير:
ـ شوفتِ!.. أهو في الزحمة والسرعة نسينا لوحة..
نزع المفرش بقوة قبل أن يصله صوت فريدة الزاعق:
ـ لا يا إياد.. دي مش للمعرض..
لم يستمع إياد إلى كلمات فريدة فقد أسرت عيناه ملامح صاحبة الصورة.. مزيج نادر من الحب والشوق والحزن والألم والحرمان والقهر.. ملامح امرأة تتوجع من حبها.. وفي نفس الوقت تستعذب ذلك الوجع وتستلذ به.. امرأة مشتاقة حد الوجع.. وعاشقة حتى الثمالة..
همس إياد مشدوهاً وأنامله تجري على الملامح المعبرة بهوس:
ـ دي حقيقية؟..
أجابته فريدة:
ـ حقيقية جداً..
فقد كانت تلك صورة علياء التي سرقت عينيّ فريدة منذ سنوات.. ولكنها لم تطلب الأذن بعرضها حتى الآن.
جلس يزيد على أحد المقاعد في غرفة رامي.. وهو يضم الصغير إلى صدره بعدما نجح بجعله يخلد إلى النوم..
رمق صغيره بحزن وعجز.. لا يعلم كيف يساعده ولا يستطيع تصور مدى الخوف والهلع الذي يعاني منه الصغير.. خوف يهدئه فقط التواصل البصري كما اكتشفت علياء..
لم يصدق علياء في البداية عندما أخبرته بشكوكها, لم يصدق عينيه وهي تفرقع بأصابعها بجوار أذني رامي عدة مرات ولم يلمح استجابة واحدة.. لم يصدق أذنيه عندما انطلق رامي في البكاء لافتقاده تواصله البصري مع علياء ولم تفلح أي أغنية أو تهويدة في اسكاته.. لم يصدق نفسه وهو يردد بقهر
"ابني ما بيسمعش"..
لم يشعر سوى بعلياء تضمه هو ورامي إلى صدرها هامسة:
ـ بلاش نفترض الأسوأ.. الأول نشوف دكتور مختص.. في واحدة زميلتي في الكلية والدها دكتور أنف وأذن كبير ومشهور.. هحجز لرامي عنده..
أومأ موافقاً بعجز فهو كان حريصاً على تحديد علاقاتها بزميلاتها من أيام الكلية.. ولكن لا مفر أمامه الآن.. فهو يحتاج إلى كل عون ممكن أن يحصل عليه..
لم يشعر في حياته بمثل ذلك العجز.. كيف يتمكن كائن وردي صغير ذو خصلات ذهبية بقهره وإحساسه بعدم الحيلة هكذا..
دوي صوت ريناد الذي لم يكتشف مدى ازعاجه إلا الآن وهي ترمق الصغير بين يديه:
ـ أوووووه.. هو أنت لسه ماسك فيه من الصبح!.. اللي يشوف كده يقول أنك ما خلفتش غيره!..
رمقها بغضب:
ـ ما لسه بدري!.. طول اليوم بره؟..
أشارت له باستخفاف:
ـ طيب سيب الولد ينام في سريره بدل ما يصحى من أصواتنا..
أجابها بمرارة ولم يشعر بذرة شفقة واحدة وهو يخبرها مباشرة وبدون مواربة:
ـ لا.. اطمني.. أصواتنا عمرها ما هتقلقه.. عارفة ليه؟..
توسعت عيناها بقلق بينما هو يصرخ بقهر:
ـ لأن ابنك ما بيسمعش..
ارتدت للخلف بعنف وهي تستوعب معنى جملته.. وهتفت تتساءل بلهفة:
ـ ما.. ما بيســ.. معش!!.. ازاي؟.. عرفت ازاي؟..
صمت قليلاً أمام صدمتها.. ثم أخبرها باختصار ما حدث منذ طرد المربية.. وحتى اكتشاف علياء لإعاقة رامي.. وقبل أن ينتهي من سرد ما حدث فوجئ بها تصرخ بقوة:
ـ أيوه طبعاً.. علياء هانم.. فجأة قلبها حن على ابني.. وكمان ايه هي اللي اكتشفت أنه ما بيسمعش.. لا.. قلبها طيب بصراحة!..
هتف بها بحزم:
ـ بلاش سخافة وغيرة ستات فاضية.. بقولك ابنك احتمال يكون ما بيسمعش, وأنتِ كل اللي همك أن علياء هي اللي اكتشفت الموضوع.. ما قلقكيش للحظة أنها اكتشفت في خمس ساعات اللي أنتِ ومربيتك اللي معاها شهادات ما اعرفش ايه ما عرفتوش تلاحظوه في خمس شهور..
صمت لحظة وهو يشيح بوجهه:
ـ احمدي ربنا أنه حط في طريقه أم زي علياء..
صاحت بغضب:
ـ افندم.. يا يزيد.. نعم.. قول كمان الهانم شحنتك بإيه؟..
وضع ابنه في مهده برقة تناقض معالم الغضب المرتسم على وجهه ودثره بحنان طابعاً قبلة فوق جبينه فهو يعلم أنه سينام لمدة طويلة بعدما أرضعته علياء مرة أخرى قبل ذهابه.. وأعدت له عدة وجبات بسيطة وخفيفة ليطعمه اياهم لو استيقظ جائعاً...
ترك اضاءة هادئة في الغرفة ثم التفت نحو ريناد يجذبها بعنف نحو غرفتهما ليلقي بها فوق الفراش بعنف هاتفاً:
ـ أنتِ إيه!!.. ايــــــــــــه!!!.. ممكن يحصل ايه أكتر من ابنك هيكون معاق لباقي عمره عشان تحسي؟.. ايه ما قلقتيش حتى؟!.. ما اتوجعتيش!
نهضت من الفراش بغضب وسألته باتهام:
ـ وليه ما تقولش أن الهانم مراتك بتنتقم مني أنا وتانت سهام عشان كده عملت حاجة في الولد ودمرت سمعه..
برقت عيناه بغضب وحشي وهو يتقدم نحوها, فتقهقرت للخلف تحاول اخفاء خوفها وهي ترى ذراعه ترتفع في قبضة مخيفة جعلتها تخفي وجهها بيديها بينما شعرت بقبضته ترتطم بالحائط خلفها بعنف وهو يهتف بحسم:
ـ اسمها.. مايتكررش على لسانك تاني.. مفهووووووووم... أفكار الإنتقام والأذى دي مش علياء اللي هتفكر فيها..
مرت من تحت ذراعه وهي تهتف بدورها:
ـ طبعاً.. أنت عمرك ما هتغلطها ولا تلوم عليها.. ولا كأنها سرقت مني خطيبي وأحلامي وفرحتي.. هي البريئة الملاك اللي ما بتغلطش واحنا كلنا العصابة اللي بيتآمروا عليها..
هتف بها من تحت أسنانه:
ـ ما تدخليش الأوراق في بعضها.. احنا بنتكلم في ايه وأنتِ بتسحبيني لسكة تانية..
ضحكت بمرارة:
ـ كل الطرق بتوصل لبعضها.. أنا ليه بعيش حياتي بره البيت مع أصحابي, في النادي, في الجيم والجمعيات.. هييه, ليه؟.. لأني لوحدي.. زوجي العزيز.. موجود ومش موجود, كل أفكارك وكيانك هناك عندها.. عند ولادك منها.. لكن أنا مجرد موظفة استقبال بلقب زوجة.. وأنت حولت نفسك لبنك للنطف متواجد تحت أمري.. تفتكر لولا وجودها في حياتنا كنا هنكون كده.. ولا..
قاطعها:
ـ ولا ايه؟.. كنتِ هتبعدي عن حياتك القديمة؟.. عن المدار اللي بتدوري فيه مع أمي وخالتي؟.. كان اهتمامك بكمالية ومثالية الصورة اللي بنعكسها كزوجين هيقل وهتهتمي أكتر بمشاعري واحتياجاتي كزوج.. وطلبات ابنك وتتعاملي كأم؟.. خليكي صريحة مع نفسك.. واعترفي.. إن لولا وجود علياء في حياتي.. لولا مشاعري ناحيتها كان هيكون عندي بدل العشيقة اتنين وتلاتة.. وأنتِ كنتِ هتعرفي وتسكتي وتكملي.. صورة كربون من حياة عصام بيه وسهام هانم.. احمدي ربنا.. أنه مشاعري ناحية علياء تمنعني من مجرد تفكير أني آذيها بوجود أي ست تانية..
رمقته بغضب وهي تسمع تصريحاته المتوالية بمشاعره نحو علياء والتي يطلقها بصراحة للمرة الأولى.. ولكنها رفضت أن تظهر له تأثرها, وبعد بحث سريع في أعماقها وجدت أنها لم تتأثر فعلاً.. فكتفت ذراعيها وهي تسأله بنزق:
ـ وبعدين؟..
سألها مباشرة:
ـ تحبي تتطلقي؟..
شهقت بقوة:
ـ أنت اتجننت!!.. عايز الناس تقول أنك طلقتني عشان ابني ما بيسمعش ويفتكروا الغلط من عندي!
رفع عينيه للأعلى وهو يزفر بيأس:
ـ يا الله..
حاولت تصحيح كلماتها فمنعها بإشارة من يده وهو يخبرها بحسم:
ـ بصي.. آخر فرصة قدامك عشان تثبتي أنك ممكن تكوني ست وأم.. رامي, أنتِ اللي هتراعيه وتاخدي بالك منه.. ما فيش مربيات ولا دادات.. الولد مريض وهيحتاج أمه..
سكت قليلاً وهو يلمح توسع عينيها بتمرد ولكنها لم تعترض, فأردف:
ـ علياء..
ثم كرر بصوت أعلى عندما لمح اعتراضها:
ـ أيوه.. علياء حجزت لرامي عند دكتور كبير متخصص.. وميعادنا بعد يومين.. لحد ما نروح للدكتور ونعرف ايه أبعاد الموضوع ما تفارقيش الولد لحظة.. فاهمة يا ريناد.. دي فرصتك الأخيرة.. وإلا هيكون لي تصرف تاني..
سكت لحظات وهو يضغط على حروفه:
ـ تصرف مش هيعجبك.. ولا هيعجب سهام هانم..
ثم ألقى إليها جملتها الصباحية وهو يسخر بقوة:
ـ الأيدول بتاعك كزوجة.. وأم..
****
وقف مازن يرتشف كوباً من القهوة الدافئة وهو شارد بعينيه غافلاً عن روعة المشهد أمامه, مساحات خضراء واسعة تظهر خلالها مجموعات متفرقة من تجمعات زهرية مختلفة, بينما يمر أمام نافذة المنزل غدير ضيق يصل صوت جريان المياه به لسكان المنزل كموسيقى هادئة, يبدو أنهم اعتادوا عليه بينما هو لم يغمض له جفن وهو ينصت لأصوات الليل المختلفة.. أو لعله كان يهرب من راحة يمنحها له النوم.. يهرب من حياة قُلِبت رأساً على عقب ولم يعد يعرف وسيلة لاصلاحها.. يهرب من عجزه عن حب دنيا, ومن حبه لنيرة.. فحالياً يبدو أنه لا أمل لحل تلك المعضلة..
ربتة خفيفة على كتفه جعلته يلتفت نحو حسن الذي أمسك بدوره قدحاً من القهوة الساخنة وارتكز على سور الشرفة هامساً بدفء:
ـ صباح الخير.. ايه صاحي بدري يعني؟..
هز مازن رأسه:
ـ ما عرفتش أنام.. يمكن عشان مش متعود على المكان..
رفع حسن حاجباً غير مصدق وتساءل بطريقة مباشرة:
ـ وحشتك "عشق"؟..
ابتسامة حزينة كانت اجابة مازن الذي رفض استدراج شقيقه له لمناقشة طلاقه من دنيا.. فبادره بسؤال:
ـ غريبة قوي أنك تسيب باريس وتنقل للريف.. عملت ايه في شغلك؟..
مرر حسن مرواغة أخيه بتفهم وهو يجبه:
ـ فتحنا فرع تاني للمطعم هنا, غسان بيدير فرع باريس وأنا حبيت أبعد عن دوشة المدينة..
ثم وكز أخيه بود:
ـ ما هو أنت لو بتسأل كنت عرفت!
ارتسمت الجدية على وجه مازن وهو يسأل:
ـ أنت مش ناوي ترجع مصر؟... يعني عشان أزور أخويا لازم آخد طيارة لباريس وبعدها مشوار تاني عشان نوصل لبيتك.. امتى هترجع يا حسن؟..
غامت ملامح حسن بحزن قاتم وهمس بخفوت حازم:
ـ وأنا باقي لي ايه في مصر عشان أرجع له!
عاتبه مازن بألم:
ـ ولا حتى أنا!..
ـ أنت عندك "عشق".. ربنا يخليها لك.
زفر مازن بضيق:
ـ أنت مُصر تفتح الموضوع!
واجهه حسن بصراحة:
ـ أنت جاي مجرد هروب وبُعْد.. ولا فضفضة.. ولا بتدور على حل؟..
هز مازن رأسه بمعنى لا أمل:
ـ الفضفضة مش هتريح لأنه للأسف ما فيش أمل ولا حل.. دنيا مُصرة على موقفها.. حاولت معاها كتير.. وللأسف مش لاقي حل..
بسمة ساخرة ارتسمت على شفتي حسن وهو يجبه:
ـ غريبة!.. مع أن الحل واضح قدام عينيك, ده لو كنت عايز تشوفه!.. أقصد طبعاً حل يخليك تحتفظ بــ "عشق"..
وسكت لحظة وأكمل بلهجة ذات معنى:
ـ وأم "عشق"!..
نظر إليه مازن بدهشة:
ـ حل!!.. حل ايه؟..
صمت حسن لحظات قبل أن يخبره بحسم:
ـ تطلق نيرة!
برقت عينا مازن بعدم تصديق فأكمل حسن بتقرير:
ـ شوفت.. دهشتك دي بتقول أنه فكرة انفصالك عن نيرة ما مرتش ببالك.. حتى لو كان ده تمن وجودك جنب بنتك..
وضع كفه على كتف مازن يواسيه بحزن:
ـ أنا مش عايز أقول أنه حبك لها لعنة.. أو سحر أسود أنت ابتليت به.. بس للأسف دي الحقيقة.. حبك لها ذنب وأنت مش عارف تتوب منه..
وقبل أن يجيب مازن ارتفع صوت لورا تطلب منهما الحضور لتناول الافطار..
جلس مازن إلى مائدة الافطار وكلمات أخيه تدوي في أذنيه كأجراس ضخمة تهز كل ثوابته.. وتوجه حسن ببساطة ليأتي بطفلته أولاً.. ثم جلس ووضعها على ركبته بينما ظهرت علامات الألم على وجه زوجته.. ولكنها أخفتها بسرعة وبراعة أيضاً.. ورسمت على وجهها ابتسامة واسعة وهي تخبر مازن:
ـ إنه هكذا على الدوام.. يضع "مونا" فوق ركبتيه في كل وقت.. حتى أنه أحياناً يصطحبها معه إلى عمله..
ابتسم مازن بمجاملة بينما دوى صوت حسن ببرود هادئ:
ـ إنها تُدعى "منى" وليست "مونا"..
أخفضت لورا بصرها وأخذت تعبث بمحتويات طبقها وهي تتظاهر بتناول الطعام بينما شحب وجهها تماماً.. وبدا حسن غافلاً أو متغافلاً عن الإحراج الذي سببه لزوجته وهو يداعب طفلته الصغيرة لتطلق ضحكات طفولية رائعة.. بقدر ما أسعدت مازن بقدر ما أوجعت قلبه وهو يتذكر ابنته وضحكاتها البريئة.. ترى هل استيقظت الآن؟.. هل تناولت طعامها؟.. هل تفتقده؟..
زادت تساؤلاته من أوجاع قلبه, فحاول جاهداً الخروج بأفكاره من دائرة زوجتيه ومشاكله معهما.. استرق النظر نحو أخيه الذي يهمل وجود زوجته تماماً رغم محاوتها المستميتة لارضائه وجذب انتباهه.. تلك المحاولات التي لاحظها هو على الفور منذ وطأت قدماه منزل أخيه.. حيث لاحظ على الفور التغير الكلي في ملابسها.. فهي لم تكن ترتدي ملابس فاضحة من قبل, ولكنها لم تكن المثال الكامل في الاحتشام.. بعكس الوضع الآن فملابسها محتشمة أكثر من نيرة زوجته, بل أنها تفوق دنيا احتشاماً.. صوتها أكثر هدوءً.. ويبدو أنها حسنت من لغتها العربية وإن كانت غالباً ما تلجأ إلى الإنجليزية.. وأكثر من ذلك ما علمه من أخيه بتركها لعملها وتفرغها لإدارة شئون منزله ورعاية طفلتهما.. يبدو أنها تقدم الكثير والكثير لتستحوذ على قلب أخيه المتمرد.. أنها تشبه دنيا في هذه الناحية, لكن ما يفرقها عن دنيا هو ذاك الشموخ الذي تتمتع به الأخيرة.. شموخ جبار وكبرياء أنثوي دفعها لتركه حتى تحتفظ بحبه في قلبها كأيقونة عشق.. مثلما أطلقت على ابنته, فهي بالنسبة لها "عشق" مازن.. وله هي هدية عشقها له..
الآن فقط استوعب اصرارها على الاسم.. وصاحب استيعابه ذاك إدراك لعذاب لورا عندما أصر حسن على إطلاق اسم "منى" على ابنتهما.. خاصة وهو كما يبدو ملتصقاً بالطفلة على الدوام..
تأمل ملامحها للحظات وقد ظهرت معالم الألم على وجهها وراقب محاولاتها المستميتة لاخفائه وهو يتساءل بداخله عن قدرتها على تحمل جفاء أخيه الواضح نحوها, وإذا ما كانت ستقرر يوماً الابتعاد حفاظاً على كبريائها.. و... قلبها... كما فعلت دنيا.. تباً.. تدور أفكاره في دوائر مغلقة وتعود لترسو عند دنيا وحياته معها, تلك الحياة التي يفتقدها بشدة.. كما يفتقد "عشق" الصغيرة حد الألم.. نظر إلى ساعته وقرر أن الوقت ملائم ليهاتف صغيرته, فاستأذن متوجهاً إلى غرفته ووصله صوت أخيه يخبره:
ـ مدام فريدة اتصلت تعزمنا كلنا على افتتاح معرضها الجديد..
أومأ مازن موافقاً وهو يتسلق درجات السلم الداخلي بسرعة ليسمع صوت ابنته.. حتى لو كانت أصوات أنفاسها أو بكائها..
وعلى مائدة الافطار رفعت لورا عينين حزينتين إلى حسن وهي تسأله بلوم:
ـ لماذا تعمدت احراجي أمام أخيك؟..
استمر حسن في مداعبة "منى" الصغيرة ولم يجبها فصرخت بصوت أعلى:
ـ حـــــســــــــــــــــن!!
رفع نظره إليها وهو يجبها ببرود:
ـ اخفضي صوتك..
اتجهت إلى الحديث بعربية ضعيفة تحاول اجادتها من أجله:
ـ حسن.. ليه أنت عايز تجرح أنا دايماً؟.. ليه قسوة؟
تأملها بحيرة وهو عاجز عن اجابتها.. فمعاملته معها بالفعل شابها بعض القسوة والجفاء منذ ولادة "منى" الصغيرة..
"منى" التي ولدت بخصلات فضية كوالدتها وعيون زمردية كعينيه وبشرة برونزية ناعمة.. ربما يلومها لأنه أراد "منى" خاصته.. بعينيها الكحيلة وخصلاتها السوداء.. لا ينكر أنه فوجئ بجمال ابنته الأوربي ولكنه وبدون أن يدري وجد نفسه غارقاً في حبها.. وكأنها فتحت أمامه أبواباً من مشاعر مختلفة تماماً عن أي مشاعر أخرى عاشها.. وكأنها منحته مشاعر الأبوة والبنوة والأهل والوطن في ابتسامتها الناعمة.. وهو بأنانية مطلقة أراد الإنفراد بتلك الأحاسيس.. أراد ابعاد لورا عن فتاته.. بأعماقه يموج إحساس مخيف بوجوب معاقبة لورا, والأكثر فزعاً أنه يريد معاقبتها لانجابها "منى" له.. بل لموافقتها على الزواج من البداية.. يلقي بكل الذنب على كاهلها وهو مدرك لخطئه ولكنه لا يبالي..
عاد صوت لورا يتردد بحزن وقد أقلقتها قسوة نظراته:
ـ حسن!..
رمش بعينيه وكأنه يحاول العودة من غيبوبة أفكاره.. وأخبرها بحسم:
ـ أنا لم أتعمد احراجك.. ولكنكِ دائماً ما تخطئين عمداً في اسم منى..
تحركت من مقعدها لتقترب منه وتتمسك بكتفيه:
ـ حسن.. أنا أحبك.. وقسوتك تلك تؤلمني..
أجابها بعملية وهو يبتعد بجسده عنها:
ـ أنا أحترم مشاعرك, لورا.. لكنكِ تعلمين جيداً طبيعة العلاقة التي تربطنا فلا تطالبيني بالمزيد.. فلم أعد أمتلك قلباً قادراً على الحب..
أوجعتها كلماته فهمست متسائلة بألم:
ـ ووجود الطفلة لا يؤثر في مشاعرك؟..
رد بسرعة:
ـ وجودها يمنحنا لقب أسرة.. وهذا كل ما أستطيع تقديمه..
ـ ولكن..
قاطعها وهو يضع منى بين ذراعيها:
ـ أعدي منى للخروج.. سنصطحب مازن في جولة في القرية.
سألته بلهفة:
ـ هل سآتي أنا أيضاً؟..
صمت عدة لحظات قبل أن يقول:
ـ لا داعي.. نحن لن نتأخر..
حملت الطفلة وتوجهت نحو غرفتها وقلبها ينتفض مهزوماً بحبه.. بينما هو راقب خطواتها حتى اختفت ثم توجه للنافذة لتشرد عيناه بعيداً..
*********
مد إياد يده بقدح من القهوة المُرة إلى فريدة التي جلست بإنهاك بعدما أشرفت بنفسها على شحن لوحاتها إلى المعرض..
وأخبرته بتعب:
ـ آه هموت من التعب.. ولسه يا دوب دي أول خطوة.. لسه ترتيب اللوحات في المعرض.. و..
قاطعها إياد بمشاكسة:
ـ أنتِ اللي كبرتِ وعجزتِ يا فيري..
رفعت حاجباً مغتاظاً:
ـ والله.. طيب.. ورينا النشاط يا أبو الشباب..
رفع ذراعيه لتتساوى قبضتيه بجانب وجهه وهو ينفخ عضلاته:
ـ طبعاً أبو الشباب..
ضحكت بتفكهة:
ـ اللي يسمعك يقول لسه في العشرينات.. مش عديت الأربعين..
ضحك بشقاوة وهو يتأمل ملامحه في المرآة ويفرك ذقنه بقوة.. ويمسد خصلات شعره الطويل نسبياً بأنامله.. لمح صورتها تنعكس في المرآة فغمز لها:
ـ الشباب شباب القلب..
ضحكت موافقة وهي تتأمل ملامحه الوسيمة, خصلات سوداء داكنة وإن ظهر بها على استحياء بعض الخيوط الفضية.. عيون زرقاء تبرق بعبث دائم.. ربما عيونه هي ما تجذب الفتيات نحوه.. وأخيراً الذقن الغير حليقة والتي تمنحه مظهر غجري مثير.. كان إياد.. وسيماً, بل وسيماً بخطورة محببة للفتيات وهذا يقلقها.. وبشدة..
سمعت صوته وهو يتحرك ليخرج من الاستوديو الخاص بها:
ـ هتحرك أنا عشان أوصل للمعرض.. أنتِ هتيجي ولا هتستني صبا؟..
ردت بسرعة:
ـ طبعاً هنستنى صبا.. وإياك تبدأ ترتيب إلا لما توصل!
تظاهر بالتأثر وهو يهز رأسه بألم مصطنع:
ـ معقولة مش واثقة في قدرات مدير أعمالك.. أومال أنا بعمل ايه؟!
رمقته بنظرة تحذيرية وهي تقول بجدية:
ـ إياد.. أنت عبقري في التسويق.. فلتة في الدعاية.. لكن ترتيب المعرض ده حسب دماغي وبس.. ولو أي حد هيتدخل تبقى صبا.. فاهم؟..
أومأ لها متفهماً:
ـ خلاص.. خلاص.. والله ما أقصد.. أنا كنت عايز أساعد ونكسب وقت.. بس خلاص ننتظر البرنسيسة صبا..
زمجرت فريدة:
ـ إياد.. وبعدين مش كل مرة تعصب البنت.. وتتخانقوا وأنا أسيب شغلي وأقعد أفصل بينكم..
ضحك برقة:
ـ بحب أشوفها متعصبة.. بتفكرني بيكي وأنتِ في سنها..
ضربته بقوة على كتفه فتأوه بشدة:
ـ بالذمة في فنانة أيديها جامدة كده..
وتوجه مسرعاً نحو الباب قبل أن تناله ضربة أخرى, ولكنه توقف فجأة بجوار الباب وهو يشير نحو لوحة مغطاة بمفرش أبيض كبير:
ـ شوفتِ!.. أهو في الزحمة والسرعة نسينا لوحة..
نزع المفرش بقوة قبل أن يصله صوت فريدة الزاعق:
ـ لا يا إياد.. دي مش للمعرض..
لم يستمع إياد إلى كلمات فريدة فقد أسرت عيناه ملامح صاحبة الصورة.. مزيج نادر من الحب والشوق والحزن والألم والحرمان والقهر.. ملامح امرأة تتوجع من حبها.. وفي نفس الوقت تستعذب ذلك الوجع وتستلذ به.. امرأة مشتاقة حد الوجع.. وعاشقة حتى الثمالة..
همس إياد مشدوهاً وأنامله تجري على الملامح المعبرة بهوس:
ـ دي حقيقية؟..
أجابته فريدة:
ـ حقيقية جداً..
فقد كانت تلك صورة علياء التي سرقت عينيّ فريدة منذ سنوات.. ولكنها لم تطلب الأذن بعرضها حتى الآن.
