📁 آخر الروايات

رواية مذاق العشق المر الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم سارة المصري

رواية مذاق العشق المر الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم سارة المصري



                                              
الفصل الحادى والثلاثون 
انهمكت  فى اعمالها ككل يوم دون ان يدور فى بالها تماما مايدبره لها اسامة..
تفاجئت بخالد يدخل الى مكتبها ...
 اتسعت عيناها دهشة من وجوده وهتفت فى حيرة مشوبة باستنكار :
” انتى ايه اللى جايبك دلوقتى يا خالد وازاى تسيب ملك ” 
تنهد خالد فى سعادة :
 ” انا ناوى اخطف ملك شهر بالظبط ومحدش فيكو هيشوف  وشى وكمان هنقفل التليفونات ومش هنقلكو رايحين فين ...عشان كدة انا هنا النهاردة عشان اخلص اى شغل ممكن تحتاجونى فيه لان شهر بالظبط من دلوقتى محدش هيعرفلنا طريق جرة ” 
ابتسمت   وهزت رأسها من جنونه الذى لم تعرفه من قبل....
يبدو ان عشقه لملك اطاح برزانته التى عهدته عليها  تماما فتمتمت في سعادة:
 ” ربنا يسعدكو ” 
رن هاتفه فى تلك اللحظة ففتح المكالمة :
 ” الو ...ايوة يا عم ابراهيم ...ليه مالها ...طيب طيب روح انت الحقها وخد معاك العربية ” 
نظرت له  فى قلق :
 ” ايه يا خالد فى ايه ؟؟” 
هز  رأسه وهو ينظر الى هاتفه في أسى:
 ” عم ابراهيم السواق بتاعى بنته تعبت فجأة قولتله ياخد عربيتى ويروحلها ..هروح انا بقا فى تاكسى ” 
وحين هم بالنهوض اوقفته بابتسامة واسعة:
 ” مواصلات ايه بس يا عريس ” 
واخرجت مفتاح سيارتها تعطيه له مواصلة :
 ” روح بعربيتى ولما توصل القصر خلى سواق ملك يرجعهالى ..تمام ؟؟“ 
حاول  ان يعترض فمنعته  بحزم لطيف :
 ” بقولك ايه يلا بقا من هنا متجبلناش الكلام ..يقولو ايه الناس وانت نازل يوم صباحيتك العروسة معجبتكش ” 
زفر في قوة يجيبها فى هيام واضح :
” معجبتنيش ...دى حلم عمرى اللى لحد دلوقتى مش قادر اصدق انه بقا حقيقة ” 
تبادلا المزاح للحظات قصيرة ولم يفكرا  ابدا بتلك اللعبة التى انقلبت الأدوار فيها فجأة ...
*************************************
رفع اسامة عينيه عن الورق امامه لينظر الى وجه امين مساعده قائلا بابتسامة متشفية:
 ” ها خلاص ولا لسة ؟؟“ 
اومأ امين برأسه فى خوف فلم يعرف اسامة ماذا يعنى بتلك الحركة...
رفع حاجبيه في حيرة :
 ” ايه زعلان وضميرك صحى ؟؟“ 
ازدرد امين ريقه بصعوبة وهو يمسح العرق عن جبينه متلعثما في الرد:
” اصل اصل يا اسامة بيه ” 
ضيق اسامة عينيه فى ريبة وهمس في حذر :
 ” متقولش انها طلعت منها سليمة ” 
تسارعت انفاس امين وهو يتلفت حوله عدة مرات في خوف:
 ” مكناش نعرف ان ابن حضرتك هوا اللى هياخد عربيتها ” 
تسمر اسامه للحظات كتمثال نحاسى عتيق ولم يستوعب ماقاله امين ...
 ابنه ...
 ماعلاقه ولده بالامر ؟؟؟
 ولده الان من المفترض مع عروسه ...
 نهض من مقعده فى بطء يسأله فى حذر لينفي الفكرة التي تكونت في رأسه:
 ” انت قصدك ايه بالظبط ..قصدك انه انقذها ولا ..“ 
رد  امين بوضوح هذه المرة :
 ” لا ياباشا هوا اللى كان سايق عربيتها ولوحده ” 
قفز أسامة بخطوة واحدة كأنه عاد شابا في العشرين  ليمسك بتلابيب امين وهو يصرخ به :
 ” يعنى ايه ركب هوا.. وانتو ازاى نفذتو ...انا هشرب من دمكو واحد واحد ” 
واخذ يهز امين بقوة وهو يصرخ به أكثر :
 ” ابنى عايش ولا لا انطق ” 
رد  امين فى هلع مسرعا:
 ” ايوة يا باشا عايش وفى المستشفى ” 
هرع الى المشفى بسرعة وهناك وجد ملك فى حالة انهيار تام وايلينا معها تحاول تهدئتها ...
لم يهتم بهما مطلقا وهو يهتف بملك ويهزها بعنف وكأنه يحملها وزر ما حدث ووزر شروره وافعاله التى اخطأت قصدها لتصيب فلذة كبده :
” انتى ازاى تسيبيه ينزل يوم فرحه ازاى ” 
ابعدته ايلينا عنها فهرع الى الطبيب الذى رآه يخرج من غرفة ولده يسأله فى خوف:
 ” ابنى عامل ايه يا دكتور ” 
خلع الطبيب نظارته واجاب فى ارهاق :
” احنا عملنا اللى علينا بس هوا دخل فى غيبوبة والله اعلم هيفوق منها ولا لا...ادعوله اصابته مش هينة“ 

1




                
*************************************
انتحبت ملك بشدة بين ذراعى ايلينا وهى تقول فى انهيار :
” ليه كدة يا ايلينا ..ليه مش بلحق افرح ..ليه كل حاجة حلوة بتتسرق منى مرة بالكدب ومرة بالموت ” 
ضمتها ايلينا بقوة وهي تربت على شعرها:
 ” اهدى يا ملك ده ابتلاء من عند ربنا ..خلى ايمانك بالله كبير ...خالد لسة عايش بلاش تفولي عليه ...ادعيله يا ملك ...هوا محتاج دعانا دلوقتي " 
مسحت ملك دموعها وهي تهمس في ندم :
” يا ريتنى ما ضيعت لحظة من عمرى وانا ببعده ...ياريته بس يرجع وانا اعوضه عن كل حاجة ...يارب رجعهولى يارب ” 
رفعت ايلينا وجه ملك بين كفيها تطمأنها في حنان :
 ” ان شاء الله هيخف ويبقى زى الفل وترجعو تعيشو حياتكو ”
 اسندت ملك ظهرها لمقعدها وهى تتذكر ليلة امس ، اجمل ليلة فى عمرها كله...
 وكأنها لم يسبق لها ان تزوجت ابدا..
 وكأن حب خالد لها وعشقها له قد محى اى اثر للاخر من خيالها  فلم تعد تحمل له اى ذكرى ولو حتى ملمحا من وجهه ، فارق كبير بين من احب بصدق ومن ادعى ، فالحب قد شعرت به مع خالد في كل لمسة او همسة 
..مع احتوائه وحنانه الذى عرفته منه لاول مرة ، رفعت رأسها الى السماء وهى تهتف بلوعة :
” يا رب ..يارب ” 
وفجأة وجدت ايلينا الشرطة تملأ المكان واحدهم يتقدم اليها قائلا فى صرامة:
 ” انت ايلينا سمير ” 
ردت وهى تنهض فى ثقة:
 ” ايوة انا فى ايه ” 
زفر الضابط قائلا:
 ” حادثة استاذ خالد مدبرة يا مدام ايلينا تقرير الطب الشرعى اكد ان فيه حد لعب فى فرامل العربية ...اسامة عزام بيتهمك بالشروع فى قتل ابنه ” 
ولم يعد للكلمات او اى انفعال وجود فيما يقال ، اتتهم بالقتل، ومن خالد ؟؟...
 الصدمة افقدتها النطق تقريبا وهى تنظر اليهم يحيطون معصمها بطوق حديدى بغيض ويصطحبونها بينما أخذت ملك تراقب ما يحدث بصدمة كبرى ...
صرخت بعد ان اختفت عن ناظريها:
 ” مستحيل ..مستحيل ” 
امسكت برأسها تهزه فى عنف وهي تكرر صرختها ..
اقترب منها اسامة هاتفا:
 ” هوا ايه اللى مستحيل ..مش مصدقة ..القناع البرىء اللى لابساه قدامك لسة خادعك ..مين ليه مصلحة غيرها فى قتل خالد ..انا ولا انتى ” 
وضعت ملك يدها على ثغرها :
 ” اسكت خالص ..ايلينا مستحيل تعملها ” 
رد فى عنف :
” الطمع يعمل اكتر من كدة ...انا فى المجموعة وشايف كل حاجة قدامى... لما خلاص لقته هيبقا الكل فى الكل قالت تخلص منه بدرى بدرى واهى حادثة عادية قضاء وقدر ” 
هوت ارضا تسد اذنيها عن سموم هذا الاسامة ...
لا.... ايلينا.... لا تفعلها ...
من قربتهما وزوجتهما لا يمكنها ان تذبحها على هذا النحو ..
 بل لايمكن لانسان ان يأذى شخصا بطيبة قلب خالد ابدا  افكارها تتسارع واسامة يواصل بث سمومه وهى لاترى ولاتشعر سوى بحبها يصارع الموت خلف باب مغلق . 
*************************************
” انتي متهمة فى الشروع فى قتل خالد اسامة عزام ايه اقوالك ؟؟” 
قالها وكيل النائب العام رضوان خير الله وهو ينظر الى ايلينا التى كانت تفرك عينيها من فرط التعب فالصدمة وحدها فى بداية اليوم كانت كافية للقضاء على ما تبقى من اعصابها ...
 رفعت له عينين نصف مفتوحتين وهى تجيبه في ارهاق:
 ” اقوالى ان ده اتهام باطل.. انا مستحيل اعمل حاجة زى دى ..كنت اعرف منين اصلا ان هوا جاى ..خالد كان اكتر من اخ وعمرنا حتى ما اختلفنا ” 
تراجع رضوان فى مقعده قائلا:
 ” وتفسرى بايه انك ادتيه عربيتك يوميها ؟” 
تنهدت لتجبه في تعب:
 ” السواق بتاعه اخد عربيته عشان بنته كانت تعبانة وانا ادتله عربيتى وقلتله يخلى  سواق ملك يرجعهالى ” 
نظر لها فى تمعن كأنه يكذب كل ادعائتها:
 ” مدام ايلينا للاسف السواق قال غير كدة ..السواق قال انك انتى اللى قولتيله يعمل كدة عشان خالد يركب عربيتك ” 
ضغطت ايلينا على شفتها وهى تفكر ..
 المؤامرة رسمت بالتفصيل لتناسبها تماما .
 هى المقصودة من البداية ولكن سوء حظ خالد هو ما...
" مدام ايلينا ” 
ضحكت فى سخرية فهتف رضوان فى حنق :
” ما افتكرش ان فيه حاجة تضحك فى الوضع اللى انتى فيه"
تنهدت فى عمق وهى تنتبه الى صوت رضوان فواصل ” ايه اقوالك فى الكلام ده ” 
ردت فى برود لايماثل الموقف تماما:
 ” مفيش شهود كمان ولا استكفو بده ” 
زفر رضوان فى حنق قائلا لينقل لها بعضا من غيظه فبرودها اثاره عن حق:
 ” ايوة اللى لقطته الكاميرات وهوا بيبوظ الفرامل اعترف عليكى وقال انك انتى  اللى اجرتيه ” 
توقفت ايلينا عن الضحك وقالت فى جدية تبدو ساخرة :
” حضرتك مسألتش نفسك انا ايه اللى يعرفنى ان خالد فعلا هييجى فى اليوم ده وامتى بقا هلحق ارسم واخطط للمؤامرة دى كلها ؟؟؟“ 
هز كتفيه قائلا في بساطة:
 ” افتكر ان تأجير بلطجى مش هياخد اكتر من نص ساعة ” 
قلبت شفتيها وقالت باستهزاء واضح :
” امم صحيح .ده على اساس انى كنت علاقة ببلطجية قبل كدة ” 
رد ببرود:
 ” اغلب رجال الاعمال بيستعينو ببلطجية ”
 ردت فى حزم وهي ترفع سبابتها :
 ” الا انا ”
 واضافت فى حنق:
 ” حضرتك مش عايز تفكر بشكل موضوعى ...اللى كان مقصود بالحادثة انا مش خالد ..يعنى انا اللى المفروض اتهم غيرى مش هما اللى يتهمونى ” 
دق رضوان بقلمه على المكتب :
” مدام ايلينا بلاش تحاولى تاخدى القضية لمنحنى تانى لان احنا مش هننخدع بده ..انتى موقفك فعلا اكبر من كل المهاترات دى ” 
ردت فى تحد وهي تشيح بوجهها عنه :
” اللى عندى قولته ” 
تمعن بها للحظات فى حنق وعاد الى الكاتب بجواره يمليه :
 ” وقد أمرنا نحن ...بحبس المتهمة ايلينا سمير عطية اربعة ايام على ذمة التحقيق ” 
رفعت رأسها فى شموخ وكأن كل ما يحدث لايخصها نهضت فى ثبات اذهله لتعطى معصميها للشرطى ليحكم قيده حولهما وتسير معه الى خارج الغرفة لتقع عيناها عليه ..
يوسف البدرى حبيبها وعدوها...
 بمجرد ان علم بالخبر وهو لايشعر بشيء حوله ...
 لا يعلم كيف وصل الى هنا ...
 ترك الدنيا بما فيها ومكث لساعات ينتظر انتهاء التحقيق معها ، اعطى اوامره لفريق المحامين الخاص به بتولى قضيتها وهددهم ان لم يخرجوها منها بأى طريقة فسيحرمهم من مرتباتهم الضخمة فى المجموعة ويفصلهم عن العمل ...
يعرف ان حبيبته لاتفعلها وان فعلتها فلن يسمح بأن تقضى يوما واحدا فى سجن بغيض بعيدة فيه عن عينيه يقاوم غصة مؤلمة فى حلقه ورغبة قوية فى ان يهرع اليها ويأخذها بين ذراعيه ليطمئنها وهو يراها على وضعها هذا ..
 كعادتها تتظاهر بالقوة ووحده يقرأ فى عينيها كل مخاوفها وحزنها الذي ترجؤه للحظة تختلى فيها لنفسها طال العمر ام قصر محبوبته لن تتغير ..
 اقترب منها فى هدوء فابتسمت فى شحوب :
 ” ايه جاى تتفرج على العرض الاخير ” 
لم يكن هذا بالوقت الذى يرد فيه على سخافاتها ولكنه استطاع بصعوبة ان ينفرد بها فى غرفة قبل ان يتم ترحيلها ، جلست امامه وهى تهتز للامام والخلف كعادتها ان حاولت اخفاء توترها وخوفها ، تود ان تفر من امامه فمقاومتها بدأت تضعف ..
 عليه اللعنة هل كان ان ينقصها ان تراه فى هذه اللحظة او ...
ربما كان هذا كل ما تحتاجه ..
 اخذت تلتفت يمينا ويسارا لتتحرر من حصار عينيه ورويدا رويدا اندفعت اول دمعة من عينيها فارة بحرية ليرتعد فكها فى محاولة منها الاتبكى و قبل ان تمد يدها الى وجنتها سبقتها يده فأغمضت عينيها بقوة كمحاولة اخيرة لحبس ما تبقى من دموع فيكفى هذا ، رفع يوسف وجهها هامسا بكل حنان الكون:
 ”بصيلى ايلينا ..افتحى عيونك ” 
فتحت عيونها فى بطء فواصل وهو يتنهد:
 ” اوعدك يا ايلينا انك هتخرجى من هنا ..اوعدك واحلفلك مليون مرة انى هخرجك ”
 هزت رأسها بقوة وهو يعرف انها على وشك الانهيار وتقاوم باستماتة ..
احتوى وجهها بين كفيه ليدفنه فى صدره...
 وكأن صوت دقات قلبه الذى افتقدته كان البطاقة الخضراء لها بافراغ مشاعرها لتبكي على كل شىء...
تبكي قهرا من هذا الظلم ..
تبكي خوفا من مصير مظلم ...
تبكي الم فراق عاشت به منذ سنوات ...
قبل رأسها فى حنان وهو يكرر وعده :
 ” اوعدك يا ايلينا هتخرجى ” 
رفعت رأسها من على صدره ومسحت دموعها وهى تقول بصوت متهدج :
” يوسف ممكن اطلب منك طلب ..انا عاوزة اشوف صوفيا ارجوك قبل ما ..“ 
قاطعها في صرامة :
” انتى ان شاء الله هتخرجى من هنا ” 
واضاف بابتسامة:
 ” انتى هتخرجى وترجعى تضربينى فى السوق تانى وهفضل اترجاكى برضه نرجع لبعض ” 
هزت رأسها بيأس :
 ” طلب تانى عاوزاك تاخد بالك من على انا بثق فى ملك بس مش بثق فى اسامة ...ارجوك خد بالك منه ..وكمان حاول الله يخليك اشوف صوفيا فى اقرب فرصة ” 
لم يسمع يوسف اى كلمة بعد اسامة ،اذن فهو البداية والخيط المجهول ...
تحدث معها عنه وعن عداوته بها حتى انتهت مدة زيارته  نادته قبل ان يذهب فالتفت اليها فى لهفة ..
أخذت تفرك يدها للحظات وتتمعن به قبل ان تقول :
 " يوسف ..انا ..انا انا مقتلتش ابنى ..انا اتمنيته لسنين طويلة منك انت ..عمرى ما فكرت انزله حتى لما .." وازدردت ريقها وهى تهتف فى اختناق قبل ان تنهار بالبكاء:
 " حتى لما خنتنى " ..
لم يدر حقا هل تبكى لانها تلومه من جديد ام تودعه ، قتلته دموعها وذبحه المها وشيع ضعفها اخر جزء من مقاومته الى مثواه الاخير ...
 اقترب منها بسرعة ليضمها اليه فقاومته بشدة وهى تضربه بكفيها على صدره وتقول بينما تنتحب :
" ليه ...ليه ضيعت كل حاجة حلوة بينا ..ليه يا يوسف ليه " 
لم تدم مقاومتها طويلا اذا تغلب  عليها بسرعة ليحتويها برقة بين ذراعيه وهو يقول فى الم :
" والله كان غصب عنى ..والله بحبك " 
استسلمت بين ذراعيه وبكت كأنها لم تبك من قبل 
اغمض عينيه وهو يتنفس فى عمق :
" يااااه يا ايلينا.. وحشتينى اوى " 
لم يأتها رد منها وكأنها بدورها قد تناست العالم وكل مبادئها وغرقت فى لحظة اشتياق عصفت بكل ما تبقى من اعتبارات كرامتها السخيفة ..
 افلتت نفسها بصعوبة من بين ذراعيه ليحتوى وجهها بين كفيه قائلا فى حنان:
 " هتخرجى ايلينا ان شاء الله ..لو كان عمرى وثروتى وروحى وكل حاجة املكها فى الوجود تمن لخروجك من هنا هرميهمم كلهم تحت رجليكى "  
تم ترحيلها الى مركز الشرطة الذى جهز لها يوسف فيه غرفة كالفندق مستخدما كل نفوذه ، التقى بمحاميه قبل ان يعود الى البيت فاخبره بخطورة وضعها وان طريقتها مع وكيل النائب العام ليست مشجعة وكان من بين ما قاله :
” بصراحة مدام ايلينا مستفزة جدا.. ده بستفزنى انا شخصيا اللى المفروض محاميها ” 
لم يعلم يوسف هل يبتسم على حبيبته المشاكسة التى لم تتغير طباعها ام ان الابتسامة يجب ان يحرمها على ثغره حتى تخرج من ضائقتها .
************************
راقبته وهو يتحرك كالليث الحبيس جيئة وذهابا فى الشرفة ..
 اخذ يدق بقبضته فى حركة رتيبة على سياج الشرفة وهو يخرج هاتفه بين الحين والاخر ليلقى عليه نظرة ويزفر فى ضيق ونفاذ صبر ..
 اخرج سيجارة واشعلها ...
منذ متى عاد للتدخين الذى انقطع عنه طويلا منذ زواجه من حبيبته السابقة...
بل هى حبيته الحالية والوحيدة لاداعى للكذب اكثر من هذا ، فهى لم تستطع بكل انوثتها وجمالها الفتان ان تجعله يلتفت لها بنظرة وفى المرات القليلة التى حاول فيها الاستجابة لاغرائها المستمر كان لايلبث ان يبتعد عنها فى تقزز واضح ...
 اشعرها بالامتهان فهى بكل انوثتها تلك التى تكفى للذهاب بعقل قديس فشلت فى ان تنسيه تلك الخيمة التى لاتملك معشار ما لديها ...
ومع الوقت تحول شعورها بالامتهان الى حقد دفين عليها وعليه...
 حقد حاولت ان تبرد ناره بأن تستنزف من امواله ما تشاء وهو لم يبخل بل يعطيها بسخاء نادر كأنه يدفع مايكفر به عن ذنوبه ...
 اما ادم فقد اجادت استغلاله جيدا فهو ورقتها الرابحة والاخيرة فهي تعرف كم يحبه يوسف ...
 نهضت من مكانها بتثاقل وهى تضع على كتفها رداء خفيفا تخفى به قميصها الفاضح لتقف خلفه عاقدة ساعديها وهى تقول :
” من امتى رجعت تشرب سجاير؟ ” 
زفر دخان سيجارته فى بطء دون ان يلقى لها بالا فتحركت فى تكاسل لتقف الى جواره مواصلة:
” اكيد طبعا من القلق عليها ” 
لم يهتم بتلميحها والقى السجارة على الارض داهسا اياها بقدمه :
” ادم اخباره ايه ؟؟“ 
ابتسمت بزاوية فمها بسخرية :
 ” كويس انك لسة فاكره ” 
رد بسخرية مماثلة:
 ” انا دايما فاكره المهم انتى بس تفتكريه ” 
هزت كتفيها في ملل :
 ” سمعت الكلام ده كتير ..بس متنساش ان طول مانا على اسمك مش هقبل بوجودها فى حياتك بصفة رسمية ” 
رد  باستهتار وهو يضع يده في خصره :
” لا خفت انا ..هتعملى ايه يعنى ؟؟“ 
تضايقت من طريقته المستفزة فقالت من بين اسنانها:
 ” متنساش ادم يبقى ابنى وممكن مخلكش تشوفه تانى لو عاوزة ” 
التفت لها فى حدة :
” خرجى ادم من خططك القذرة يا جينا ..خططك القذرة اللى زيك ابنى ملوش دخل بيها ” 
شهقت فى استنكار:
 ” انا قذرة يا يوسف ..فيها ايه زيادة عنى مش مخليك تعرف تنساها لحد دلوقتى ..انا جينا اللى ياما رجالة اترمت تحت رجليها يطلبو بس نظرة عشان اجى  فى الاخر وارمى نفسى تحت رجليك انت ..وبعد ده كله تتجاهلنى وتقلل منى ليه ” 
رد فى هدوء مستفز:
 ” ما يمكن سمعتك دى هيا السبب ” 
هتفت فى غضب:
 ” قصدك ايه ؟؟“ 
عقد حاجبيه وهو يشر لها بسبابته :
” بقولك ايه يا جينا بلاش تعيشى الدور اوى وتحسسينا ان احنا انتين حبيية ..انتى عارفة كويس اوى انا اتجوزتك ازاى وليه وانه لولا خدعتك الحقيرة انا كان زمانى دلوقتى عايش حياتى سعيد وياها وعمرى ما كنت هفكر ابصلك ” 
قالت فى محاولة لمضايقته لاعبة على وتره الحساس
 ” بس تبص لواحدة زيها ...الهانم اللى صورها فى كل الجرايد  وسيرتها وسمعتها فى الارض ” 
لم تشعر الا وصفعة يوسف تخرسها عن النطق تماما ..
 تحسست وجنتها ولحظة وجذبها يوسف من شعرها بقوة وهو يهتف من بين اسنانه فى وعيد:
  ” لسانك يجيب سيرتها تانى هقطعهولك فاهمة ...الا ايلينا ” 
تصاعدت انفاسها وهى تحاول تخليص رأسها منه قائلة فى تشفى :
” مش هتلحق تتهنا بيها يايوسف كله بيقول الجريمة لابساها ” 
زاد من جذبه لشعرها اكثر وهو يقول :
” هتخرج وهتجوزها وهخرجك من حياتى للابد وابنى هربيه بعيد عنك ..انتى اصلا مينفعش تكونى ام ” 
ردت رغم المها فى تحد سافر:
 ” انت بتحلم يا يوسف خروجى من حياتك مش بالسهولة اللى انت متخيلها ..لازم تدفعلى التمن قصاد كل السنين اللى عشتها وياك ووياه ” 
دفعها الى باب الشرفة صارخا فى غضب:
 ” حقيرة ...عايزة تاخدى تمن رعايتك لابنك ..بتبعيه ”، قالت بانفاس لاهثة وهى تربت على شعرها المبعثر :
” نص ثروتك واتنازلك عنه ”  
اتسعت حدقتاه هل تهذى بالفعل وتعرض طفله للبيع؟؟
هذا هو خطأه وذنبه من البداية وحين هم بالرد رن جرس هاتفه فرد بسرعة:
 ” طيب طب انا جاى حالا ” 
مال اليها  فى همس يشبح فحيح الافعى :
 ” اخرج بس من اللى انا فيه واعرفك ازاى تتكلمى معايا كدة يا جينا ” 
تمتمت في حقد وهى تراه يرحل  :
” لازم تدفع التمن يا يوسف وغالى اوى ” 
*************************************
تمددت ايلينا على الاريكة الملحقة بغرفة الضابط النوبتجى التى استخدم يوسف كل نفوذه لتقيم بها ،يطمأن يوميا انها لا تقضى لحظة واحدة بين القتلة والمجرمين ...
 لم يتركها للحظة وهى توقعت هذا بالفعل ..
 ربما يجرح كل منهما الاخر ولكن لايقبل  احدهما ان تمس من رأس الاخر مجرد شعره فعجبا لهما كأن كل منهما قد احتكر الاذى والحب وحده للطرف الاخر .
لم يبخل بذرة رعاية واحدة عليها ..
 افخر الطعام كان يأتيها يوميا وهاتف قد استطاع تسريبه لها ليطمئن على احوالها بين الوقت والاخر ، وكذك لم يتركها احد من عائلة البدرى فكان الى جوارها زين وايتن وحسام يدعمونها بقوة اما على فقد طمأنها يوسف  بجملة واحدة:
 ” على دلوقتى فى رعايتى ”
 لم تكن تحتاج لاكثر من تلك الجملة لتعرف صدق ما ينطق به ...
 اخر شىء تمنته هو الان امامها ..
” صوفيا ”
 هتفت بها ايلينا فى سعادة وهى ترتمى بين ذراعى صديقتها ...
 ضمتها صوفيا اليها ودموعها تسبقها كالعادة قائلة:
 ” ايلينا انتى كويسة ؟” 
اطلقتها ايلينا من بين ذراعيها تجيبها فى لطف :
” صوفيا وحشتينى .تعالى اقعدى ” 
مسحت صوفيا دموعها قائلة:
 ” لما يوسف حكالى مكنتش مصدقة وملقتش حجز على طيارة هوا جابنى بطيارة خاصة ” 
عقدت ايلينا حاجبيها الهذه الدرجة اهتم بما طلبته منه ام انه يتعامل معها كفاقد للامل ويحقق لها امنيتها الاخيرة قبل الموت ...
 اخذت صوفيا كفى ايلينا بين كفيها لتردف:
 ” ان شاء الله يا ايلينا ربنا هيساعدك وهتخرجى من هنا ” 
هزت ايلينا رأسها فى رضا :
” انا راضية بقضائه واللى يجيبه كله خير ” 
وواصلا الحديث فى اشياء شتى كمحاولة من صوفيا لانتزاع ايلينا من المخاوف التى تحيا بها وفجأة سألتها ايلينا:
 ” لسة بتحبيه يا صوفيا ؟؟“ 
اشاحت صوفيا بوجهها :
 ” خلاص يا ايلينا ده موضوع وخلص هوا حاليا عنده حياته ”
ربتت ايلينا على كفها :
 ” تعرفى ان طول السنين اللى فاتت وانا عمرى حتى ماشوفته بيبتسم ..على طول سرحان ” 
نظرت لها صوفيا فى ضيق :
 ” انتى عايزة ايه يا ايلينا ..عايزانى اخده من مراته؟؟ ” 
تراجعت ايلينا فى دهشة من طريقة تفكير صوفيا الجديدة ...
 فى الماضى كانت تتحدث عن المشاعر فقط دون ادنى اعتبار لاى شىء اخر ...
نهضت صوفيا قائلة فى جدية:
 ” اهم حاجة دلوقتى هيا انتى يا ايلينا ..ربنا يحلها من عنده ” 
تنهدت ايلينا وهى تنهض لتواجهها متمعنة بها :
 ” اتغيرتى صوفيا ..عقلتى كتير ” 
.وزمرت شفتيها لتضيف فى الم :
” بس ساعات الجنون بيكون مطلوب فى حياتنا ” 
نظرت لها صوفيا فى تفحص لتسألها في حيرة :
” هوا انتى ازاى بتتكلمى بالهدوء ده ..ولا كأنك محبوسة ومتهمة بجريمة قتل ”
 لم تدرى حقا بما ترد عليها...
 هل تخبرها بأنها تثق تمام الثقة فى يوسف وقدرته على اخراجها من محنتها رغم انها لم تنسى له ابدا موقفه المتخاذل يوم ان تهجم عليها فؤاد...
 لم تنسى فعلته تلك ابدا وستواجهه بها حتما فهى لا تصدق ان هذا الذى يريد ان يبذل روحه من اجلها هو نفسه الذى تخلى عنها فى هذا اليوم ...
 استيقظت من افكارها على صوت دقات الباب ...
نظرت الى صوفيا لحظات فهى تعلم جيدا من القادم ...
 فتح زين الباب بابتسامته العادية الداعمة التى اعتادها ايلينا منه وهو يلقى تحيته لتبدأ ابتسامته تتلاشى تدريجيا حين اصطدمت عيناه بعينيها ..
ارتجفت جفونه مشاركة فؤاده الذى اخذ يرتجف بدوره فى انفعال ...
شعور اول مرة رآها فيها يجتاحه ...
 عيناها... رقتها.. كل شىء خاص بها ...
ولا تمتلكه انثى غيرها...
تراجعت خطوتين وازدردت ريقها عدة مرات وهى تخفض نظرها ارضا متحاشية النظر فى عينيه بينما تمرر  كفها على ذراعها كعادتها ان توترت ...
تلاشت الكلمات فجأة على لسان كل منهما حتى نطقت ايلينا كمحاولة منها لتصفيه الاجواء:
 ” اهلا زين ..ايه مش ناوى تقول لصووفيا حمدلله ع السلامة ” 
تنهد زين فى قوة وهو يتذكر لقائهما الاخير حين انهت كل شىء بينهما واخبرته بزواجها ...
ربما الان قد اصبح لديها طفل وحياة  بدأتها مع غيره ولا يريد ان يهدمها او ان يجعلها تشاركه عذابه . ..
اقترب فى بطء حذر ليقف امامها بخطوات قائلا:
 ” ازيك يا صوفيا ؟“ 
رمقته للحظات اخفضت رأسها بعدها وهى تقول :
” كويسة ” 
ابتسم قائلا فى لهجة حاول جعلها روتينية :
” عاملة ايه فى حياتك ؟؟؟.....بقا عندك بيبى ولا لسة ؟؟“ 
امتقع وجه ايلينا وظنت انه يهين صوفيا فهتفت به فى غضب:
 ” فى ايه يا زين ..بيبى ايه اللى هتجيبه وهيا مش متجوزة ؟” 
عضت صوفيا على شفتها فكذبتها على وشك ان تفضح ، لامت نفسها انها لم تنبه ايلينا لهذا الامر 
 لماذا  لم تفعل حقا ؟؟
هل ارادت ان يبقى باب الامل مفتوح للنهاية ؟
 رفع زين حاجبيه وخفضهما قائلا:
” انتى مش كنتى مخطوبة ..انتى مش قولتيلى انك خلاص هتتجوزو ولا مكملتوش ؟؟” 
نظرت ايلينا الى صوفيا تسألها دون تفكير:
 ” وانتى اتخطبتى امتى ان شاء الله ؟” 
نظر زين الى ايلينا ليتولى الرد عن صوفيا وفكرة بدأت تتجمع فى رأسه :
” ايوة اتخطبت لحد اسمه ..زياد ..زياد فخرى ” 
ضيقت ايلينا عينيها قائلة:
 ” دكتور زياد جوز دا......“
 ووضعت يدها على فمها وهى تشعر انها اخبرت زين بشىء ارادت صوفيا اخفائه عنه ولكنها لم تندم ابدا فهى اعطت الفرصة من جديد لكليهما واعطتهما حق الاختيار ...
 نظر زين الى صوفيا طويلا بينما هى تهدر نظراتها فى كل اتجاه وفى لحظة اختطف كفها ونظر الى ايلينا وهو يسحبها خلفه قائلا:
 ” عن اذنك ايلينا ” 
هزت ايلينا كتفيها بينما صوفيا تحاول التملص منه دون جدوى وهو يسحبها بسرعة من يدها حتى وصل الى سيارته ودفعها فى عنف واضح داخلها .

+



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات