رواية متاهة مشاعر الفصل الثلاثون 30 بقلم نهي طلبة
الفصل الثلاثون
جلس مازن إلى مائدة الطعام يتناول إفطاره بصمت مطبق, صمت فرضه على نفسه وعليها في الشهور الماضية مغلقاً أمامها كافة السبل للاقتراب منه وتوسل مغفرته.. ولا يدري كيف يمكنها انتظار تلك المغفرة وهي ما زالت تمتلك تلك الفكرة المشوهة عن التقارب بين الأزواج.. فكل مفهومها للتعامل معه هو الإغراء ثم الإغراء ثم الإغراء حتى وصل الأمر معه إلى مرحلة الابتذال, بل النفور.. فتعود للبكاء والانعزال لفترة قصيرة تليها مرحلة أخرى من تبني دور الزوجة المهتمة بشئونه.. فإذا لم تجد منه الاستجابة التي ترجوها ينتابها السأم والزهق لتعود إلى تقوقعها وانعزالها الاختياري, وفجأة يطفو الإغراء على السطح مرة أخرى.. وهكذا.. نوبات ومراحل أصبحت محفوظة ومكررة.. وبدأ في اعتيادها بالفعل.. ولكن الجديد هو ما تمر به منذ فترة.. وبالتحديد منذ انجاب دنيا لـ "عشق".. وهي تمر بحالة صمت غريبة, بل أنه يكاد يقسم بأنه لمح دموع حبيسة في عيونها.. تفلت أحياناً من سيطرتها فتتساقط بعضاً منها على وجنتيها.. كما يحدث الآن فتسارع لتمسحها قبل أن يراها, ولكنه تلك المرة أسرع بإمساك يدها قبل أن تصل إلى وجنتها ليسأل بفضول:
ـ ممكن أفهم ايه اللي بيحصل؟.. والدموع دي ليه؟
أجابت بخفوت:
ـ ما فيش دموع.. أنت بيتهيألك.. دي عيني دخل فيها حاجة!
أسقط يدها وعاد بظهره في مقعده ليسألها مرة ثانية:
ـ ليلة امبارح كنتِ بتعيطي في أوضتك.. أيوه سمعتك بالليل.. ودلوقتِ مش عارفة تتحكمي في دموعك.. عايز رد صريح ومباشر.. في ايه؟.. ايه اللي بيحصل معاكِ اليومين دول؟..
فاجئت نفسها قبل أن تفاجئه بنوبة بكاء هيستيرية.. ولم يعرف كيف يسيطر عليها.. تأملها بعجب.. فهو لم يرها تدخل في نوبة كتلك منذ زمن بعيد.. حتى عندما تركها حسن لم تنفعل بتلك الطريقة..
تنهد بحيرة وهو يعاود السؤال:
ـ ممكن افهم فيه ايه؟..
نظرت إليه نيرة من بين دموعها.. وبأعماقها صراعات عدة..
أتخبره بما تشعر به؟.. بالحيرة المريرة التي تعيشها؟.. فهي تشتاق له.. لغزله.. نظراته التي تحتويها.. حبه الذي منحه بلا حدود وهي كانت من الحمق لتعتبره من المسلمات.. تشتاق لكلمة طيبة منه, بل أنها حتى تشتاق لهمسة خاطفة.. لقرب حقيقي منه.. قرب لم تعد تعلم كيف تحققه؟.. فهي أضاعت بغبائها فرصتها لتكون الوحيدة في مملكته, بينما نجحت دنيا في تحقيق حلمه وأنجبت له "عشق" التي يتغنى برقتها وجمالها ونعومتها طوال الوقت.. لقد حاولت أن تسأله عنها.. فهي تعلم أن خطوة كتلك ستقربها منه وتهدم هوة كبيرة بينهما, ولكنها لم تستطع.. فقط لم تستطع.. حُبِست الكلمات على لسانها.. ولم تُخِرج حرفاً.. حاولت وضغطت على نفسها فكادت أن تصاب بأزمة قلبية.. فما شعرت به من وجع كان لا يحتمل.. فلجأت للانعزال والتقوقع.. فهي كانت تحتاج لوقت مستقطع لتستعيد أفكارها وتقرر خطوتها التالية.. تلك الخطوة التي يرفض هو مشاركتها بها, بل وينفر حتى من أي محاولة منها للتقرب منه..
خطوة ظنت لأعوام أنها تمتلك القرار للبدء بها لتباغتها فجأة.. وتضيع أيضاً منها فجأة.. فقد ظلت تؤجل الحمل لسنوات.. حتى فاجئها بدون توقع وأضاعته هي بغبائها.. والآن يبدو أنها حُرمت منه تماماً..
شهقت بعنف عندما وصل تفكيرها لتلك النقطة ليعاود مازن السؤال بغضب مكبوت:
ـ في ايه يا نيرة؟.. ولا دي طريقة جديدة للاستعطاف؟!
آلمها غضبه.. وآلمها أكثر سوء ظنه بها.. يا الهي ماذا يحدث معها؟.. كيف أصبحت بهذه الهشاشة؟..
انتفضت عندما صاح غاضباً:
ـ نيرة.. ردي عليّ.. أنا مش فاضي لألاعيب جديدة!
ولدهشته.. انفجرت باكية مرة ثانية.. ليصفق بكفيه بحيرة هاتفاً:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله!.. ايه اللي بيحصل..
اندفعت كلماتها بلا رابط وهي تردد بيأس:
ـ روحت للدكتور.. طلب مني تحاليل وفحوصات.. وقالي.. قالي.. أنه هيكون في صعوبة في الحمل عشان الإجهاض عمل مشاكل.. و..
قاطعها:
ـ حمل ايه!.. ودكتور ايه؟..
أجابت وسط دموعها:
ـ أنا روحت لدكتور.. لأني عايزة.. عايزة يكون لنا طفل و..
هب من جلسته بغضب:
ـ دي لعبة جديدة صح؟.. طفل ايه اللي بتدوري عليه!.. ما أنتِ قتلتيه.. ولا فاكراني نسيت!..
هتفت بجنون:
ـ قلت لك ميت مرة ما قتلتوش.. ما قتلتوش.. أنا كنت خايفة.. مرعوبة.. مش عارفة أعمل ايه.. أنا اتصرفت بجنون.. و.. و..
قاطعها بإشارة من يده:
ـ انتهينا من الموضوع ده..
صرخت ومازال الجنون يتملكها:
ـ أنت اللي انتهيت منه.. ومش عايز تصدق.. اعمل ايه؟.. اعمل ايه عشان تصدق..
أشاح بوجهه بعيداً وهو يشعر بداخله يتمزق ألماً.. فاتجهت نحوه لتتمسك بذراعه هامسة بتوسل:
ـ كفاية يا مازن.. ارحمني وارحم حالك.. أنا عقابي دلوقتِ بقى مضاعف..
التفت نحوها ليخبرها بمرارة:
ـ لو تعرفي قد ايه نفسي أصدقك.. بس للأسف.. مش قادر.. مش عارف إذا كان حزنك سببه فعلاً صعوبة حملك في المستقبل.. ولا مجرد لعبة جديدة حسيتِ أنك بتخسريها..
نزلت دموعها بصمت وحاولت أن تجبه.. فأوقفها وهو يتحرك ليخرج من المنزل.. توقف لحظات قبل أن يخبرها:
ـ عامةً.. الموضوع ده ما يفرقش معايا.. علاقتنا مش هتتغير.. ومش هيكون في فرصة دلوقتِ ولا حتى بعدين عشان أمنحك الطفل.. أو اللعبة الجديدة اللي أنتِ شبطانة فيها...
صرخت بجنون غاضب:
ـ مااااااااااااااااازن..
لكنه لم يتوقف.. ولم يستمع.. فهو يخشى أن يصدق.. يخشى بشدة من ذلك الخافق بين ضلوعه..
****
بينما ينهي يزيد ارتداء ملابسه, وصله صراخ رامي المستمر.. بكاء دائم.. هذا ما يفعله ذاك الصغير.. لا يكل ولا يمل.. وبدا أن المربية التي أصرت ريناد على استخدامها عاجزة عن التعامل مع الرضيع الذي ارتفع صوت بكائه أكثر وأكثر, فاتجه يزيد إلى غرفة الصغير ليجد المربية تحاول تهدئته ولكن بلا جدوى..
تقدم ليتناول منها الصغير محاولاً هدهدته كما اعتاد رؤية علياء تفعل ذلك مع أطفالهما فهدأ الطفل قليلاً لتدخل ريناد في تلك اللحظة وتلمح رامي بين ذراعي يزيد فتظهر علامات الامتعاض على وجهها وتشير للمربية بغرور أن تحمل الصغير.. وتجذب يزيد خارج الغرفة لتهتف بلوم:
ـ مش معقول يا يزيد.. كام مرة أقولك سيب الولد للمربية تتعامل معاه بطريقتها.. هي مؤهلة ومعاها شهادات معتمدة في تربية الأطفال.. مش كل أما يعيط شوية تجري تشيله وتطبطب عليه.. كده مش هنخلص..
كتف ذراعيه ليخبرها ساخراً:
ـ طيب لما هي مؤهلة ومعاها شهادات, ما فكرتيش تتعلمي منها ازاي تربي ابنك!
تأففت بسأم:
ـ يوووه.. مش هنخلص من الموضوع ده..
ـ لا طبعاً مش هنخلص.. أنتِ خلفتِ طفل عشان ترميه لمربية تربيهولك!
رمقته باستفزاز:
ـ عارف يا يزيد أنت هترتاح امتى؟.. أما تبطل تقارن بيني وبين عليا هانم.. الأيدول بتاعك في تربية الأطفال.. حاول تفرق شوية.. أنا ده مش طريقتي ولا ده أسلوبي.. والمربية اتوجدت عشان تراعي الطفل.. أنا مش هضيع عمري أرضع وأغير بامبرز.. فاهمني يا حبي!..
تأملها لوهلة ليجد أنها ارتدت ملابسها استعداداً للخروج بالفعل, فابتسم ساخراً:
ـ وواضح طبعاً أن الهانم هتخرج دلوقتِ..
أومأت موافقة وهي تعدد على أصابعها:
ـ ايوه.. هروح الجيم, وبعديه جلسة ايروبكس.. واحتمال اتغدى في النادي..
وتحركت لتبتعد عنه وهي تحيه باستفزاز:
ـ تشاو يا حبي.. ما تقلقش على رامي.. المربية بتاعته بتراعيه كويس..
تركته وخرجت بالفعل ولم يحاول استبقائها, فهو يعلم أن تواجدها كعدمه تماماً فهي تعتمد كلياً على المربية للعناية برامي, بينما كل ما يشغل بالها استعادة رشاقتها المفقودة كما تعتقد...
عاد إلى غرفة الصغير ليجد المربية قد وضعته في فراشه بالفعل, فاقترب منه وملس على شعره برفق وهو يتأمل شبه الواضح بريناد خاصة بخصلاته الشقراء الناعمة.. بينما لم يرث منه هو إلا لون عينيه الأسود..
قبله على جبينه.. فعبس الصغير قليلاً ثم عاد إلى نومه ثانية..
خرج يزيد من الغرفة ليتوجه إلى عمله.. يؤرقه ذنب مبهم نحو صغيره.. ففي البداية كان يخشى ألا يتمكن من منح الصغير مشاعره كأب.. حتى بالتواجد الرمزي نتيجة ابتعاده بمشاعره عن ريناد.. ولكن اتضح أن معاناة الصغير الحقيقية هي امتلاكه أم_لا أم.. فريناد أنجبت منه فقط حتى تنال لقب أم.. وانتهى دورها بعد الولادة.. فهي لا تمنح رامي أي اهتمام أو رعاية.. بل ألقت به للمربية منذ اليوم الأول لولادته.. وبدا أن الصغير ورث بالفعل انعدام مشاعر والدته نحو الجميع..
وفي مقر الشركة لم يتمكن من التركيز في أعماله.. واكتشف أنه نسى احضار بعض الأوراق التي اصطحبها معه إلى المنزل ليراجعها.. فقرر العودة مرة أخرى واستغلال الفرصة ليجالس رامي قليلاً..
وما أن وصل إلى منزله حتى وصله صوت صراخ ابنه بصورة هيستيرية وما أثار غضبه الشديد هو صوت المربية وهي تصرخ به بصوت أعلى فيزداد صراخ الطفل ويعلو صوت بكائه أكثر وأكثر, تحرك بسرعة نحو غرفة رامي ليجد المربية تهزه بشدة وهي تصرخ به:
ـ اسكت بقى.. اسكت.. أنت ايه ما بتتعبش..
قطعت الفتاة صراخها عندما وجدت يزيد أمامها وهو يختطف الصغير من بين يديها صارخاً بها:
ـ امشي اخرجي بره.. أنتِ مالكيش شغل هنا..
حاول تهدئة الصغير الذي استمر على بكائه ولم يهدأ لحظة واحدة بينما هتفت المربية بحنق:
ـ الحمد لله.. يعني بتطردني من الجنة.. ابنك ما بيسكتش.. أربعة وعشرين ساعة عياط وزن..
تركته ورحلت لتجمع ملابسها وتترك الفيلا.. بينما هو يحاول جاهداً تهدئة الصغير واسكاته.. ولكن بلا جدوى.. فالبكاء مستمر ولا أمل في ايقافه..
فكر في إطعام الصغير ولكن لم يعرف كيف.. وحاول تغيير ملابسه ففشل أيضاً.. فلم يجد بد من الاتصال بريناد, ولكنه وجد هاتفها مغلقاً.. بالطبع.. فالسيدة المصون في جلسة الأيروبكس..
لم يعرف كيف يتصرف فوجد نفسه يحمل الصغير ويجمع بعض أغراضه ويتوجه إلى شقة علياء التي وقفت ترمقه بدهشة وهو يخطو إلى غرفة المعيشة حاملاً رامي بين ذراعيه متسائلاً بيأس:
ـ أنا مش عارف اسكته ازاي.. مش بيبطل عياط.. يادوب نام ربع ساعة في العربية و..
قاطعته وهي تتناول الصغير الباكي من بين يديه وتحاول تهدئته قليلاً.. وهي تستمع ليزيد وهو يقص عليها ما حدث ويختتم كلماته قائلاً:
ـ أنا عارف أني بطلب منك حاجة فوق طاقتك.. بس مش عارف أتعامل معاه.. ومش ممكن اسيبه مع المربية.. دي ممكن تموته وهي بتهزه بالطريقة البشعة دي..
نجحت علياء في تهدئة الصغير قليلاً وطلبت من "أم علي" تجهيز الحليب الخاص الذي أتي به يزيد معه.. وجلست على إحدى الأرائك بإرهاق وهي تداعب خصلات الصغير الذي بدأ يستكين لمداعبتها وحنانها الفطري:
ـ اسمه رامي, صح؟.. يشبهك على فكرة..
سألها هامساً:
ـ بجد!.. مع أن..
قاطعته وهي تداعب الصغير وتهدهده:
ـ عشان يعني شعره وكده.. بس ملامحه هي ملامحك..
جلس بجوارها وهو يتأملها بحنان واقترب منها ليلفها بذراعه ويطبع قبلة دافئة على وجنتها هامساً:
ـ آسف..
التفتت له بدهشة:
ـ اعتذراتك كترت يا يزيد.. بتعتذر ليه المرة دي؟..
هز رأسه وهو يخبرها:
ـ مش عارف.. ما فيش حاجة معينة.. وفي نفس الوقت في حاجات كتير..
وقبل أن تجبه تعالى بكاء رامي مرة أخرى, فضمته علياء إليها أكثر وحاولت تهدئته ولكنه لم يستجب لها وارتفع صوت بكائه مرة أخرى لتجد نفسها تضمه إلى صدرها أكثر وتبدأ في ارضاعه تحت أنظار يزيد المذهولة وهو يهتف بها:
ـ أنتِ.. أنتِ هترضعيه بجد؟؟؟
رفعت رأسها إليه:
ـ أومال يعني هسيبه يتفلق من العياط..
عدلت وضعه وبدأ الصغير يرضع في نهم وهو يرمق علياء بنظرات ممتنة.. وعلياء تبادله نظراته لا تعلم كيف تشعر تحديداً.. فهي تحتضن بين ذراعيها ابن زوجة زوجها.. أغمضت عينيها لتهمس بداخلها ابن ريناد ويزيد.. حفيد سهام.. هي عاجزة عن ايجاد سبب واحد يجعلها تضم ذلك الصغير لصدرها بل وتعامله كأحد أولادها.. لم لا تلفظه بعيداً كما فعلوا بها؟. لم هي عاجزة عن طرده هو وأبيه واخباره أن يأخذ الطفل لريناد فهي أولى بابنها.. أو حتى إلى سهام, فهو الحفيد المعترف به في عرفها.. لم رق قلبها للصغير؟.. هل لأنه ابنه, قطعة منه.. وهي تعشق الكل فكيف تلفظ الجزء!.. أم هي تلك النظرة المستغيثة في عينيّ الرضيع.. لم تفهم كيف ترتسم نظرة كتلك في عينيّ طفل لم يفقه من أمر الدنيا شيئاً.. لعله شعور الحرمان أو الاحتياج الذي طالما عانت منه على يدي سهام.. ربما شعورهما المشترك باليتم هو سبب ذلك الاتصال الروحي الذي شعرت به نحو رامي.. وكأنه ينتمي لها.. لذا لم تشعر بنفسها وهي تضمه لقلبها وترضعه مثل أخويه حمزه وحازم.. كان تصرفاً عفوياً منها ولم تستوعبه حقاً إلا بعد رؤية نظرات يزيد المذهولة..
شعرت لحظة بتوقف الصغير عن الرضاعة وعودته للبكاء.. ففتحت عينيها ترمقه بحنان.. وهي تداعب خصلاته الشقراء هامسة:
ـ هتغلب قلوب البنات معاك يا ابن يزيد..
عاد الصغير للرضاعة بهدوء بينما تحرك يزيد لينزل على ركبتيه ويواجهها ممسكاً بكفها ليرفعه إلى شفتيه ويقبله بدفء هامساً وعيناه غارقة بعينيها:
ـ يا رب يكون محظوظ زي يزيد.. ويلاقي اللي تملا قلبه زي يزيد..
ابتسمت برقة وكادت تهتف بسعادة "وبيلومني في حبك يا مجنون"..
ثم ألقى رأسه على ركبتيها وهو يتمم بغيرة:
ـ هو ينفع أقولك أني غيران من رامي دلوقتِ وعايز أجره من شعره الناعم ده!
انطلقت منها ضحكة ناعمة وهي تهتف بصوت عال:
ـ مجنوووون..
ارتكز على ركبتيه ليضمها هي ورامي إلى صدره ويحيطها بذراعيه هامساً في تجويف عنقها بشغف:
ـ مجنون بيكي.. وكل ما تمر السنين جناني بيزيد أكتر وأكتر..
انطلق صراخ رامي مع دخول علي كالقنبلة ليلف ذراعيه حول والده هاتفاً:
ـ يزييييييد.. أنت جيت من الثغل بدري ليه؟..
ابتعد يزيد عن علياء وهو يهمس:
ـ جه مفرق الجماعات..
ثم التفت إلى علي ليلفه حول كتفه وهو يسأله بحزم مصطنع:
ـ رجعت امتى من المدرسة؟..
جاوبه علي بشقاوة:
ـ اثمها الحضاااااااانة..
ثم التفت إلى أمه التي نجحت في تهدئة بكاء رامي بعدما استعادت تواصلها البصري معه وقد أثار ذلك دهشتها وقلقها في نفس الوقت.. ولكن دخول نادية إلى الغرفة وقد بدلت ملابس الحضانة بثوب طفولي وردي اللون واتجهت إلى والدها لتستوطن ركبتيه وهي تسأله بدلال:
ـ جبت الشوكولاة لندوش؟..
قبلها يزيد بقوة على وجنتها وهو يهتف:
ـ ندوش تؤمر..
ابتسمت علياء للمشهد أمامها, فيزيد يحاول أن يغير من نفسه.. يحاول بالفعل.. قد ينجح مرة ويفشل مرات إلا أنه يحاول الاقتراب من أولاده.. يسعى جاهداً ليثبت لها أنه تغير.. أنه يهتم.. وهي تحاول مساعدته قدر استطاعتها.. وبقدر ما تسمح به خبرتها المحدودة في الحياة..
تردد فجأة صوت علي وقد أضناه التفكير:
ـ مين النونو اللعبة اللي على رجل لولو ده؟.. أنتوا غيرتوا حمزه وحازم بنونو ملون!..
كتمت علياء ضحكتها بصعوبة بينما غمر الذهول يزيد من السؤال.. ذهول أضيف له شعور مبهم بالغضب.. فكيف لم يفكر لحظة واحدة في تعريف أولاده على بعضهم؟!.. كيف يجهل الأخ أخاه؟!..
أفاقه من شروده همسة علياء وقد سطرت على ابتسامتها واستشعرت غضب يزيد واتجاه تفكيره:
ـ ما تضايقش يا يزيد.. الولاد لسه صغيرين.. وأكيد أما يكبروا هيعرفوا بعض..
ربنا يخليك لهم وتجمعهم دايماً..
رفع يزيد عينيه إليها في امتنان.. وبداخله حاجة حارقة لأخذها بين ذراعيه.. فقط لتمنحه ذلك الشعور بالاطمئنان والراحة..
وسمعها تنادي نادية وتجلسها بجوار علي لتشرح لهما ببساطة وهي تشير إلى رامي الذي أنهى طعامه وأغمض عينيه لينام:
ـ النونو الجميل ده اسمه رامي.. وهو يبقى أخوكوا.. زي أدهم وحمزه وحازم.. بس هو عنده ماما تانية..
قاطعها علي:
ـ طيب ليه مامته مش بتأكله من اللبن بتاعها؟.. ليه جاي ياكل اللبن بتاع حمزه وحازم؟
وأسرعت نادية لتلقي سؤالها هي الأخرى:
ـ يعني هو النونو ده..
ثم صححت كلمتها:
ـ رامي.. هيعيش معانا هو ومامته؟..
جذبها يزيد لتجلس على ركبتيه بعدما أسند ظهره إلى أحد المقاعد وسألها بغموض:
ـ أنتِ عايزاهم يعيشوا معاكوا؟..
رمقته علياء بدهشة بينما أجابت نادية ببراءة:
ـ رامي بس يعيش معانا.. هو شكله حلو.. عامل زي باربي بتاعتي.. بس مامته لأ.. احنا عندنا لولو.. مش عايزين غيرها..
ونهضت بسرعة لتتسلق الأريكة وترمي بذراعيها حول عنق علياء وتبعها علي وهو يصدر بعض الأصوات المزعجة كعادته فضمتهما علياء بحرص حتى لا تسقط رامي من فوق ركبتيها.. وبعينيها سؤال ملح توجهه ليزيد عما قصده بسؤاله.. عن إقامة رامي ووالدته معهم!!.. ولم تستطع منع السؤال الذي انطلق من بين شفتيها بقلق:
ـ يعني ايه يا يزيد؟. تقصد ايه بكلامك ده؟..
رمقها يزيد لوهلة وآلمه رؤية معالم الخوف والقلق على وجهها, فاستدعى "أم علي".. وطلب منها الانتباه للأولاد ووضع رامي بغرفة أخويه حمزه وحازم..
ثم سحب علياء إلى غرفتهما كعادته بدون انتظار رأيها.. ولم تعترض هي تلك المرة فأفكارها كانت تدور في فلكٍ آخر.. لا تريد مجرد التفكير في كلمات يزيد وأنه من الممكن أن يجمعها بريناد في منزل واحد!.. أنه مجنون ولكن ليس لتلك الدرجة..
انتبهت له وهو يخرج بعض الأوراق من خزينة خاصة به في حجرتهما ثم سحبها مرة أخرى ليجلسها على ركبتيه كما اعتاد ولف ذراعه حولها وهو يهمس:
ـ ما فيش حاجة من اللي بتفكري فيها دي هتحصل.. أنا كان قصدي حاجة تانية..
تجنبت عبث أنامله التي بدأت تعيث جنوناً بثباتها وسألت بقلق:
ـ اتكلم بصراحة يا يزيد.. أنا مش حِمل ألغاز وفوازير..
أومأ موافقاً:
ـ حاضر يا ستي.. اتفضلي..
ووضع في يدها الأوراق التي أخرجها لتوه من الخزينة.. فألقت عليها نظرة سريعة متسائلة:
ـ ايه دول!.. ورق ايه ده؟..
سكت للحظات قبل أن يخبرها بهدوء:
ـ دي عقود ملكيتك للمزرعة.. لأ.. لأ.. ما تقاطعنيش واسمعيني للآخر.. المزرعة دي حق من حقوقك.. أنا قبل كده اتنازلت عن أرضك لأعمامك.. اتجوزتك من غير مهر.. و..
قاطعته بسرعة:
ـ المزرعة أكبر من أرضي ومن مهري.. و..
كان دوره لمقاطعتها:
ـ بس هي بيتك.. أنا عارف أنك بتحبيها.. ومن جواكي دايماً بتعتبريها بيتك.. حتى لو كنتِ بتفكري فيها أنها المنفى اللي بعدتك فيه ماما.. بس رغم كده لها مكانة مختلفة جواكي..
ثم غمز بشقاوة:
ـ وبعدين الولاد محتاجين مكان واسع يلعبوا فيه يمكن أعرف أخطفك لنفسي شوية!..
رغم تساقط دموعها إلا أنها ابتسمت بحنان.. فلم تتصور أنه بدأ يفهمها.. يستوعب علياء الطفلة الخائفة المتنكرة في جسد علياء الأنثى التي تسلب عقله وتزعزع ثباته.. لقد منحها عن قصد صك أمان كانت في أمس الحاجة له ولم تعلم بحاجتها تلك إلا وعقد ملكيتها لمنزلها الخاص بين يديها..
لفت ذراعيها خلف عنقه هامسة:
ـ ربنا يخليك ليا.. بس ده كتير.. كتير قوي..
ضمها لصدره بقوة:
ـ ما فيش حاجة تغلا عليكِ..
زادت وتيرة بكائها وتعالت شهقاتها وهي تضم نفسها له أكثر وأكثر فشاكسها مداعباً:
ـ ايه البكى ده كله.. ليكون في باشا جديد هيشرفنا.. أنتِ انفعالاتك بتزيد في الحمل..
وكزته في كتفه بقوة وهي تمسح دموعها:
ـ أنت ما تعرفش تكملها جد أبداً..
أخذ نفساً عميقاً وهو يصطنع الجدية:
ـ ايه ده.. يعني ما فيش نونو جاي.. طيب تعالي بقى نشوف حل للموضوع ده..
رفعها بين ذراعيه وتوجه بها نحو الفراش وهي تطلق ضحكات عالية وتهتف به لينزلها أرضاً..
وضعها على الفراش برقة وأسقط نفسه بجوارها ليهمس في أذنها:
ـ عندي اعتراف أخير..
سألته بقلق:
ـ خير؟..
أبعد بصره عنها ليخبرها بخفوت:
ـ أنا سجلت المزرعة باسمك أول ما وصلتِ واحد وعشرين سنة.. بس.. بس اترددت أقولك..
توسعت عيناها بدهشة ولكنه أكمل بسرعة:
ـ عارف أنك هتقولي عليّ أناني.. بس خفت تبعدي عني.. خفت تفكري أنه بقى عندك مكان تختفي فيه عني..
سألته بغموض:
ـ وايه اللي اتغير؟..
هز كتفه بحيرة:
ـ مش عارف.. يمكن بدأت أفهم أنك لو اختفيتِ هتختفي معايا مش عني..
لفت ذراعيها حول عنقه لتجذب رأسه نحوها وتقبله بدفء:
ـ كلامك ده هو مهري الحقيقي.. والمزرعة اكتبها للأولاد و..
قاطعها بحزم:
ـ المزرعة بتاعتك.. ملكك يا علياء.. ومش هينفع تفرطي فيها.. تمام؟..
أومأت برأسها موافقة فرفع حاجبيه بعبث:
ـ نرجع لموضوعنا بقى..
وقبل أن يعاود تقبيلها بدأت عاصفة من الطرقات المزعجة على باب الغرفة وصوت علي ونادية يرتفع بكلمات متفرقة.. فهما منها أخيراً..
"رامي صحي وبيعيط جامد"..
قفزت علياء من الفراش وتبعها يزيد.. وهو يحاول استبقائها هامساً:
ـ خليكي أنتِ.. أنا هسكته..
ولكن علياء كان يشغل ذهنها أمراً آخر.. فكرة هاجمتها فجأة وأرادت التأكد منها.. فذهبت خلف يزيد إلى غرفة الأطفال... لتجده رفع رامي بالفعل بين ذراعيه يحاول تهدئته حتى لا يوقظ أخويه.. حتى أنه كان يردد أغنية طفولية طالما سمعها منها, ولكن الصغير لا يبدي أي استجابة..
هزت علياء رأسها بحزن وخطت ببطء حتى وقفت أمام يزيد وتناولت منه الرضيع لتضمه إلى صدرها وتحرك رأسه برقة حتى التقت عيناهما فابتسمت له بحنان.. بينما هدأت صرخات رامي وعلياء تضمه إليها بصمت..
رفعت عينيها إلى يزيد وطلبت منه حقيبة رامي حتى تقوم بتغيير حفاظه.. وما أن خرج يزيد من الغرفة حتى بدأت باختبار نظريتها ففرقعت بأصابعها بجوار أذنيّ رامي.. مرة بعد مرة.. ولكن.. كما توقعت.. لا استجابة..
أغمضت عينيها بألم وقد تأكد حدسها.. وأخيراً أدركت السبب وراء نظرات الاستغاثة.. وياله من سببٍ قاسٍ..
*************
اتكأت دنيا على مدخل الغرفة وهي تتأمل مازن الذي تمدد على الفراش ضاماً "عشق" بين ذراعيه.. وعلى وجنتها سقطت دمعة خائنة.. فمشهد كهذا لن يتكرر مرة أخرى.. أو هي لن تكون متواجدة لتشاهده يتكرر.. فالقرار الذي اتخذته قبل حملها بـ "عشق".. آن وقت تنفيذه.. حتى لو رفض مازن.. وخلق ملايين الأعذار لتأخير المحتوم.. هي ستصر على طلبها.. لن تتحمل أن تستمر في سلسال استنزاف المشاعر هذا.. لقد خدعت نفسها طويلاً.. وبنت صرحاً بخيالها عن أب وأم و"عشق".. أسرة رسمتها في خيالها كما تتخيل تصاميمها, والفارق أنها يمكنها تنفيذ تلك التصاميم على أرض الواقع ولكنها لن تستطيع خلق تلك الصورة المثالية لأسرتها.. ومع مرور الوقت تتأكد من ذلك.. فالمثالية التي يصفها الناس لا تناسبها.. قد يخدعها قلبها, يوهمها خيالها, يصور لها حياة سعيدة وبيت مستقر.. ولكن عقلها دائماً كان كجرس إنذار يحذرها من مغبة التمادي وتناسي الواقع.. الواقع الذي صدمها به مازن اليوم بشدة وهو يقص عليها ولأول مرة ما دار بينه وبين نيرة.. لقد صدمها ذلك.. صدمها بشدة لتدرك أنها مازالت مجرد صديقة.. فقط.. صديقة.. رغم وجود "عشق" بينهما.. ولكنها تحولت بمعجزة ما من صديقة ذات فائدة ومصدر للراحة إلى زوجة وأم في زواج تقليدي لا يشترط الحب كأحد أركانه, فقط الراحة والحنان.. وهي لن ترضى بذلك.. ليست هي.. ليست دنيا.. وبالتأكيد لن تقوم بذلك مع مازن.. مازن الرجل الذي عشقته وهي في قمة أنوثتها ونضجها برغم أنه يصغرها بعدة أعوام.. إلا أنها تعلمت أنه لا شروط في الحب ولا قواعد.. وبالتأكيد.. لا زواج مبني فقط على أساس وجود ابنة.. حتى لو كانت "عشق"..
عادت تتأمل المشهد السرمدي أمامها.. تريد طبعه في ذهنها.. قبل أن تتحرك ببطء وتتجه إلى مازن لتوقظه بهمس:
ـ مازن.. اصحى يا حبيبي.. عايزين نتكلم شويه..
فتح عينيه ببطء والتفت ليلمح "عشق" نائمة بين ذراعيه.. فابتسمت دنيا برقة وهي تخبره:
ـ يظهر أنك كنت تعبان.. لعبت معاها شوية.. ونمتوا أنتوا الاتنين..
ضحك بسعادة وهو يعتدل ليقبل "عشق" فوق جبينها هامساً:
ـ الوقت معاها بيطير.. بس حلو.. حلو قوي..
ربتت دنيا على كتفه برقة:
ـ ربنا يخليك لها.. يا رب..
تمسك بكفها ليقبله إلا أنها سحبته منه بحرج.. لتكرر جملتها:
ـ مازن.. لازم نتكلم..
زفر بغيظ:
ـ وإذا كنت رافض أسمع الكلام ده!
هزت رأسها وهي تخبره:
ـ أنا في الفترة اللي فاتت كنت بدور على بيت منفصل.. واسع وكده ومناسب لعشق.. يعني عشان أما تكبر..
ابتسم مازن وهو يرمق ابنته بنظرة محبة.. ثم سألها:
ـ كويس ولقيتِ حاجة؟..
أومأت موافقة:
ـ أيوه.. وهخلص كل حاجة بعد يومين..
ـ طيب.. جميل.. بلغيني بالميعاد بالظبط.. و..
قاطعته دنيا:
ـ مازن..
رفع عينيه لها وقد أدرك ما تريد قوله.. ولكن كان سماعه مؤلم أكثر مما تخيل يوماً:
ـ البيت ده علشان "عشق" وعشاني.. احنا.. أنا.. أنا عايزاك تنفذ وعدك..
هتف بتوسل:
ـ دنيا..
هزت رأسها لتقاطعه:
ـ لا.. لا يا مازن.. مش هينفع تخدرني بكلمتين زي كل مرة.. "عشق" دلوقتِ عدت الخمس شهور.. يعني نقدر ننفصل بهدوء.. وأنت عارف ومتأكد أنه لك مكان في أي وقت كأب لــ "عشق"..
وابتلعت ريقها بصعوبة:
ـ وصديق عزيز...
سألها بألم:
ـ صديق!.. متأكدة يا دنيا؟..
مسحت دمعة خائنة هربت من حصار جفونها وهي تنهض من أمامه لتبتعد عن نظراته الحزينة وهي تهمس بتوسل:
ـ مازن.. عشان خاطري بلاش.. بلاش تستغل حبي ليك وتجبرني على وضع بيقتلني من جوه..
همس بألم:
ـ أجبرك!..
أكملت وكأنها لم تسمع همسته الحزينة:
ـ أنت متأكد من مشاعري ناحيتك..
فردت كفيها بعجز:
ـ أنا بحبك.. حب أقوى من أي مشاعر مريت بيها قبل كده.. والحب ده بيولِد تملك وغيرة.. مشاعر بتطحن فيا.. زي النار بتاكل كل حاجة حلوة.. ومش عايزاها تقضي على الحب اللي جوايا.. حبي ليك هيعيش حتى لو مش متبادل.. واحنا الاتنين عارفين مين اللي في قلبك.. ومش هقدر أقولك خرجها منه ولا أنت هتقدر, وإلا كنت قدرت أنا ومسحت حبي ليك عشان نقدر نكمل سوا..
سكتت لحظة وأكملت بصوت متهدج:
ـ مازن.. علشان خاطري.. ما تجبرنيش أني أعري مشاعري أكتر من كده.. أنا بطالبك بتنفيذ وعدك.. وأنت طول عمرك راجل.. وعمرك ما رجعت في كلمتك..
تحرك مازن من الفراش ليقف في مواجهتها.. ويحيط وجهها بين كفيه هامساً:
ـ اطلبي أي حاجة تانية يا دنيا.. أرجوكِ.. ادينا فرصة تانية.. و..
ركنت جبهتها على ذقنه لتهمس ودموعها تهطل بدون توقف:
ـ طلقني يا مازن..
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يهمس متسائلاً:
ـ يعني ما فيش أي أمل؟
همست:
ـ ما حدش بيتسول الحب..
أغمض عينيه بقوة ليهمس بوجع وكأن روحه تنتزع من بين حناياه:
ـ أنتِ طالق يا دنيا
جلس مازن إلى مائدة الطعام يتناول إفطاره بصمت مطبق, صمت فرضه على نفسه وعليها في الشهور الماضية مغلقاً أمامها كافة السبل للاقتراب منه وتوسل مغفرته.. ولا يدري كيف يمكنها انتظار تلك المغفرة وهي ما زالت تمتلك تلك الفكرة المشوهة عن التقارب بين الأزواج.. فكل مفهومها للتعامل معه هو الإغراء ثم الإغراء ثم الإغراء حتى وصل الأمر معه إلى مرحلة الابتذال, بل النفور.. فتعود للبكاء والانعزال لفترة قصيرة تليها مرحلة أخرى من تبني دور الزوجة المهتمة بشئونه.. فإذا لم تجد منه الاستجابة التي ترجوها ينتابها السأم والزهق لتعود إلى تقوقعها وانعزالها الاختياري, وفجأة يطفو الإغراء على السطح مرة أخرى.. وهكذا.. نوبات ومراحل أصبحت محفوظة ومكررة.. وبدأ في اعتيادها بالفعل.. ولكن الجديد هو ما تمر به منذ فترة.. وبالتحديد منذ انجاب دنيا لـ "عشق".. وهي تمر بحالة صمت غريبة, بل أنه يكاد يقسم بأنه لمح دموع حبيسة في عيونها.. تفلت أحياناً من سيطرتها فتتساقط بعضاً منها على وجنتيها.. كما يحدث الآن فتسارع لتمسحها قبل أن يراها, ولكنه تلك المرة أسرع بإمساك يدها قبل أن تصل إلى وجنتها ليسأل بفضول:
ـ ممكن أفهم ايه اللي بيحصل؟.. والدموع دي ليه؟
أجابت بخفوت:
ـ ما فيش دموع.. أنت بيتهيألك.. دي عيني دخل فيها حاجة!
أسقط يدها وعاد بظهره في مقعده ليسألها مرة ثانية:
ـ ليلة امبارح كنتِ بتعيطي في أوضتك.. أيوه سمعتك بالليل.. ودلوقتِ مش عارفة تتحكمي في دموعك.. عايز رد صريح ومباشر.. في ايه؟.. ايه اللي بيحصل معاكِ اليومين دول؟..
فاجئت نفسها قبل أن تفاجئه بنوبة بكاء هيستيرية.. ولم يعرف كيف يسيطر عليها.. تأملها بعجب.. فهو لم يرها تدخل في نوبة كتلك منذ زمن بعيد.. حتى عندما تركها حسن لم تنفعل بتلك الطريقة..
تنهد بحيرة وهو يعاود السؤال:
ـ ممكن افهم فيه ايه؟..
نظرت إليه نيرة من بين دموعها.. وبأعماقها صراعات عدة..
أتخبره بما تشعر به؟.. بالحيرة المريرة التي تعيشها؟.. فهي تشتاق له.. لغزله.. نظراته التي تحتويها.. حبه الذي منحه بلا حدود وهي كانت من الحمق لتعتبره من المسلمات.. تشتاق لكلمة طيبة منه, بل أنها حتى تشتاق لهمسة خاطفة.. لقرب حقيقي منه.. قرب لم تعد تعلم كيف تحققه؟.. فهي أضاعت بغبائها فرصتها لتكون الوحيدة في مملكته, بينما نجحت دنيا في تحقيق حلمه وأنجبت له "عشق" التي يتغنى برقتها وجمالها ونعومتها طوال الوقت.. لقد حاولت أن تسأله عنها.. فهي تعلم أن خطوة كتلك ستقربها منه وتهدم هوة كبيرة بينهما, ولكنها لم تستطع.. فقط لم تستطع.. حُبِست الكلمات على لسانها.. ولم تُخِرج حرفاً.. حاولت وضغطت على نفسها فكادت أن تصاب بأزمة قلبية.. فما شعرت به من وجع كان لا يحتمل.. فلجأت للانعزال والتقوقع.. فهي كانت تحتاج لوقت مستقطع لتستعيد أفكارها وتقرر خطوتها التالية.. تلك الخطوة التي يرفض هو مشاركتها بها, بل وينفر حتى من أي محاولة منها للتقرب منه..
خطوة ظنت لأعوام أنها تمتلك القرار للبدء بها لتباغتها فجأة.. وتضيع أيضاً منها فجأة.. فقد ظلت تؤجل الحمل لسنوات.. حتى فاجئها بدون توقع وأضاعته هي بغبائها.. والآن يبدو أنها حُرمت منه تماماً..
شهقت بعنف عندما وصل تفكيرها لتلك النقطة ليعاود مازن السؤال بغضب مكبوت:
ـ في ايه يا نيرة؟.. ولا دي طريقة جديدة للاستعطاف؟!
آلمها غضبه.. وآلمها أكثر سوء ظنه بها.. يا الهي ماذا يحدث معها؟.. كيف أصبحت بهذه الهشاشة؟..
انتفضت عندما صاح غاضباً:
ـ نيرة.. ردي عليّ.. أنا مش فاضي لألاعيب جديدة!
ولدهشته.. انفجرت باكية مرة ثانية.. ليصفق بكفيه بحيرة هاتفاً:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله!.. ايه اللي بيحصل..
اندفعت كلماتها بلا رابط وهي تردد بيأس:
ـ روحت للدكتور.. طلب مني تحاليل وفحوصات.. وقالي.. قالي.. أنه هيكون في صعوبة في الحمل عشان الإجهاض عمل مشاكل.. و..
قاطعها:
ـ حمل ايه!.. ودكتور ايه؟..
أجابت وسط دموعها:
ـ أنا روحت لدكتور.. لأني عايزة.. عايزة يكون لنا طفل و..
هب من جلسته بغضب:
ـ دي لعبة جديدة صح؟.. طفل ايه اللي بتدوري عليه!.. ما أنتِ قتلتيه.. ولا فاكراني نسيت!..
هتفت بجنون:
ـ قلت لك ميت مرة ما قتلتوش.. ما قتلتوش.. أنا كنت خايفة.. مرعوبة.. مش عارفة أعمل ايه.. أنا اتصرفت بجنون.. و.. و..
قاطعها بإشارة من يده:
ـ انتهينا من الموضوع ده..
صرخت ومازال الجنون يتملكها:
ـ أنت اللي انتهيت منه.. ومش عايز تصدق.. اعمل ايه؟.. اعمل ايه عشان تصدق..
أشاح بوجهه بعيداً وهو يشعر بداخله يتمزق ألماً.. فاتجهت نحوه لتتمسك بذراعه هامسة بتوسل:
ـ كفاية يا مازن.. ارحمني وارحم حالك.. أنا عقابي دلوقتِ بقى مضاعف..
التفت نحوها ليخبرها بمرارة:
ـ لو تعرفي قد ايه نفسي أصدقك.. بس للأسف.. مش قادر.. مش عارف إذا كان حزنك سببه فعلاً صعوبة حملك في المستقبل.. ولا مجرد لعبة جديدة حسيتِ أنك بتخسريها..
نزلت دموعها بصمت وحاولت أن تجبه.. فأوقفها وهو يتحرك ليخرج من المنزل.. توقف لحظات قبل أن يخبرها:
ـ عامةً.. الموضوع ده ما يفرقش معايا.. علاقتنا مش هتتغير.. ومش هيكون في فرصة دلوقتِ ولا حتى بعدين عشان أمنحك الطفل.. أو اللعبة الجديدة اللي أنتِ شبطانة فيها...
صرخت بجنون غاضب:
ـ مااااااااااااااااازن..
لكنه لم يتوقف.. ولم يستمع.. فهو يخشى أن يصدق.. يخشى بشدة من ذلك الخافق بين ضلوعه..
****
بينما ينهي يزيد ارتداء ملابسه, وصله صراخ رامي المستمر.. بكاء دائم.. هذا ما يفعله ذاك الصغير.. لا يكل ولا يمل.. وبدا أن المربية التي أصرت ريناد على استخدامها عاجزة عن التعامل مع الرضيع الذي ارتفع صوت بكائه أكثر وأكثر, فاتجه يزيد إلى غرفة الصغير ليجد المربية تحاول تهدئته ولكن بلا جدوى..
تقدم ليتناول منها الصغير محاولاً هدهدته كما اعتاد رؤية علياء تفعل ذلك مع أطفالهما فهدأ الطفل قليلاً لتدخل ريناد في تلك اللحظة وتلمح رامي بين ذراعي يزيد فتظهر علامات الامتعاض على وجهها وتشير للمربية بغرور أن تحمل الصغير.. وتجذب يزيد خارج الغرفة لتهتف بلوم:
ـ مش معقول يا يزيد.. كام مرة أقولك سيب الولد للمربية تتعامل معاه بطريقتها.. هي مؤهلة ومعاها شهادات معتمدة في تربية الأطفال.. مش كل أما يعيط شوية تجري تشيله وتطبطب عليه.. كده مش هنخلص..
كتف ذراعيه ليخبرها ساخراً:
ـ طيب لما هي مؤهلة ومعاها شهادات, ما فكرتيش تتعلمي منها ازاي تربي ابنك!
تأففت بسأم:
ـ يوووه.. مش هنخلص من الموضوع ده..
ـ لا طبعاً مش هنخلص.. أنتِ خلفتِ طفل عشان ترميه لمربية تربيهولك!
رمقته باستفزاز:
ـ عارف يا يزيد أنت هترتاح امتى؟.. أما تبطل تقارن بيني وبين عليا هانم.. الأيدول بتاعك في تربية الأطفال.. حاول تفرق شوية.. أنا ده مش طريقتي ولا ده أسلوبي.. والمربية اتوجدت عشان تراعي الطفل.. أنا مش هضيع عمري أرضع وأغير بامبرز.. فاهمني يا حبي!..
تأملها لوهلة ليجد أنها ارتدت ملابسها استعداداً للخروج بالفعل, فابتسم ساخراً:
ـ وواضح طبعاً أن الهانم هتخرج دلوقتِ..
أومأت موافقة وهي تعدد على أصابعها:
ـ ايوه.. هروح الجيم, وبعديه جلسة ايروبكس.. واحتمال اتغدى في النادي..
وتحركت لتبتعد عنه وهي تحيه باستفزاز:
ـ تشاو يا حبي.. ما تقلقش على رامي.. المربية بتاعته بتراعيه كويس..
تركته وخرجت بالفعل ولم يحاول استبقائها, فهو يعلم أن تواجدها كعدمه تماماً فهي تعتمد كلياً على المربية للعناية برامي, بينما كل ما يشغل بالها استعادة رشاقتها المفقودة كما تعتقد...
عاد إلى غرفة الصغير ليجد المربية قد وضعته في فراشه بالفعل, فاقترب منه وملس على شعره برفق وهو يتأمل شبه الواضح بريناد خاصة بخصلاته الشقراء الناعمة.. بينما لم يرث منه هو إلا لون عينيه الأسود..
قبله على جبينه.. فعبس الصغير قليلاً ثم عاد إلى نومه ثانية..
خرج يزيد من الغرفة ليتوجه إلى عمله.. يؤرقه ذنب مبهم نحو صغيره.. ففي البداية كان يخشى ألا يتمكن من منح الصغير مشاعره كأب.. حتى بالتواجد الرمزي نتيجة ابتعاده بمشاعره عن ريناد.. ولكن اتضح أن معاناة الصغير الحقيقية هي امتلاكه أم_لا أم.. فريناد أنجبت منه فقط حتى تنال لقب أم.. وانتهى دورها بعد الولادة.. فهي لا تمنح رامي أي اهتمام أو رعاية.. بل ألقت به للمربية منذ اليوم الأول لولادته.. وبدا أن الصغير ورث بالفعل انعدام مشاعر والدته نحو الجميع..
وفي مقر الشركة لم يتمكن من التركيز في أعماله.. واكتشف أنه نسى احضار بعض الأوراق التي اصطحبها معه إلى المنزل ليراجعها.. فقرر العودة مرة أخرى واستغلال الفرصة ليجالس رامي قليلاً..
وما أن وصل إلى منزله حتى وصله صوت صراخ ابنه بصورة هيستيرية وما أثار غضبه الشديد هو صوت المربية وهي تصرخ به بصوت أعلى فيزداد صراخ الطفل ويعلو صوت بكائه أكثر وأكثر, تحرك بسرعة نحو غرفة رامي ليجد المربية تهزه بشدة وهي تصرخ به:
ـ اسكت بقى.. اسكت.. أنت ايه ما بتتعبش..
قطعت الفتاة صراخها عندما وجدت يزيد أمامها وهو يختطف الصغير من بين يديها صارخاً بها:
ـ امشي اخرجي بره.. أنتِ مالكيش شغل هنا..
حاول تهدئة الصغير الذي استمر على بكائه ولم يهدأ لحظة واحدة بينما هتفت المربية بحنق:
ـ الحمد لله.. يعني بتطردني من الجنة.. ابنك ما بيسكتش.. أربعة وعشرين ساعة عياط وزن..
تركته ورحلت لتجمع ملابسها وتترك الفيلا.. بينما هو يحاول جاهداً تهدئة الصغير واسكاته.. ولكن بلا جدوى.. فالبكاء مستمر ولا أمل في ايقافه..
فكر في إطعام الصغير ولكن لم يعرف كيف.. وحاول تغيير ملابسه ففشل أيضاً.. فلم يجد بد من الاتصال بريناد, ولكنه وجد هاتفها مغلقاً.. بالطبع.. فالسيدة المصون في جلسة الأيروبكس..
لم يعرف كيف يتصرف فوجد نفسه يحمل الصغير ويجمع بعض أغراضه ويتوجه إلى شقة علياء التي وقفت ترمقه بدهشة وهو يخطو إلى غرفة المعيشة حاملاً رامي بين ذراعيه متسائلاً بيأس:
ـ أنا مش عارف اسكته ازاي.. مش بيبطل عياط.. يادوب نام ربع ساعة في العربية و..
قاطعته وهي تتناول الصغير الباكي من بين يديه وتحاول تهدئته قليلاً.. وهي تستمع ليزيد وهو يقص عليها ما حدث ويختتم كلماته قائلاً:
ـ أنا عارف أني بطلب منك حاجة فوق طاقتك.. بس مش عارف أتعامل معاه.. ومش ممكن اسيبه مع المربية.. دي ممكن تموته وهي بتهزه بالطريقة البشعة دي..
نجحت علياء في تهدئة الصغير قليلاً وطلبت من "أم علي" تجهيز الحليب الخاص الذي أتي به يزيد معه.. وجلست على إحدى الأرائك بإرهاق وهي تداعب خصلات الصغير الذي بدأ يستكين لمداعبتها وحنانها الفطري:
ـ اسمه رامي, صح؟.. يشبهك على فكرة..
سألها هامساً:
ـ بجد!.. مع أن..
قاطعته وهي تداعب الصغير وتهدهده:
ـ عشان يعني شعره وكده.. بس ملامحه هي ملامحك..
جلس بجوارها وهو يتأملها بحنان واقترب منها ليلفها بذراعه ويطبع قبلة دافئة على وجنتها هامساً:
ـ آسف..
التفتت له بدهشة:
ـ اعتذراتك كترت يا يزيد.. بتعتذر ليه المرة دي؟..
هز رأسه وهو يخبرها:
ـ مش عارف.. ما فيش حاجة معينة.. وفي نفس الوقت في حاجات كتير..
وقبل أن تجبه تعالى بكاء رامي مرة أخرى, فضمته علياء إليها أكثر وحاولت تهدئته ولكنه لم يستجب لها وارتفع صوت بكائه مرة أخرى لتجد نفسها تضمه إلى صدرها أكثر وتبدأ في ارضاعه تحت أنظار يزيد المذهولة وهو يهتف بها:
ـ أنتِ.. أنتِ هترضعيه بجد؟؟؟
رفعت رأسها إليه:
ـ أومال يعني هسيبه يتفلق من العياط..
عدلت وضعه وبدأ الصغير يرضع في نهم وهو يرمق علياء بنظرات ممتنة.. وعلياء تبادله نظراته لا تعلم كيف تشعر تحديداً.. فهي تحتضن بين ذراعيها ابن زوجة زوجها.. أغمضت عينيها لتهمس بداخلها ابن ريناد ويزيد.. حفيد سهام.. هي عاجزة عن ايجاد سبب واحد يجعلها تضم ذلك الصغير لصدرها بل وتعامله كأحد أولادها.. لم لا تلفظه بعيداً كما فعلوا بها؟. لم هي عاجزة عن طرده هو وأبيه واخباره أن يأخذ الطفل لريناد فهي أولى بابنها.. أو حتى إلى سهام, فهو الحفيد المعترف به في عرفها.. لم رق قلبها للصغير؟.. هل لأنه ابنه, قطعة منه.. وهي تعشق الكل فكيف تلفظ الجزء!.. أم هي تلك النظرة المستغيثة في عينيّ الرضيع.. لم تفهم كيف ترتسم نظرة كتلك في عينيّ طفل لم يفقه من أمر الدنيا شيئاً.. لعله شعور الحرمان أو الاحتياج الذي طالما عانت منه على يدي سهام.. ربما شعورهما المشترك باليتم هو سبب ذلك الاتصال الروحي الذي شعرت به نحو رامي.. وكأنه ينتمي لها.. لذا لم تشعر بنفسها وهي تضمه لقلبها وترضعه مثل أخويه حمزه وحازم.. كان تصرفاً عفوياً منها ولم تستوعبه حقاً إلا بعد رؤية نظرات يزيد المذهولة..
شعرت لحظة بتوقف الصغير عن الرضاعة وعودته للبكاء.. ففتحت عينيها ترمقه بحنان.. وهي تداعب خصلاته الشقراء هامسة:
ـ هتغلب قلوب البنات معاك يا ابن يزيد..
عاد الصغير للرضاعة بهدوء بينما تحرك يزيد لينزل على ركبتيه ويواجهها ممسكاً بكفها ليرفعه إلى شفتيه ويقبله بدفء هامساً وعيناه غارقة بعينيها:
ـ يا رب يكون محظوظ زي يزيد.. ويلاقي اللي تملا قلبه زي يزيد..
ابتسمت برقة وكادت تهتف بسعادة "وبيلومني في حبك يا مجنون"..
ثم ألقى رأسه على ركبتيها وهو يتمم بغيرة:
ـ هو ينفع أقولك أني غيران من رامي دلوقتِ وعايز أجره من شعره الناعم ده!
انطلقت منها ضحكة ناعمة وهي تهتف بصوت عال:
ـ مجنوووون..
ارتكز على ركبتيه ليضمها هي ورامي إلى صدره ويحيطها بذراعيه هامساً في تجويف عنقها بشغف:
ـ مجنون بيكي.. وكل ما تمر السنين جناني بيزيد أكتر وأكتر..
انطلق صراخ رامي مع دخول علي كالقنبلة ليلف ذراعيه حول والده هاتفاً:
ـ يزييييييد.. أنت جيت من الثغل بدري ليه؟..
ابتعد يزيد عن علياء وهو يهمس:
ـ جه مفرق الجماعات..
ثم التفت إلى علي ليلفه حول كتفه وهو يسأله بحزم مصطنع:
ـ رجعت امتى من المدرسة؟..
جاوبه علي بشقاوة:
ـ اثمها الحضاااااااانة..
ثم التفت إلى أمه التي نجحت في تهدئة بكاء رامي بعدما استعادت تواصلها البصري معه وقد أثار ذلك دهشتها وقلقها في نفس الوقت.. ولكن دخول نادية إلى الغرفة وقد بدلت ملابس الحضانة بثوب طفولي وردي اللون واتجهت إلى والدها لتستوطن ركبتيه وهي تسأله بدلال:
ـ جبت الشوكولاة لندوش؟..
قبلها يزيد بقوة على وجنتها وهو يهتف:
ـ ندوش تؤمر..
ابتسمت علياء للمشهد أمامها, فيزيد يحاول أن يغير من نفسه.. يحاول بالفعل.. قد ينجح مرة ويفشل مرات إلا أنه يحاول الاقتراب من أولاده.. يسعى جاهداً ليثبت لها أنه تغير.. أنه يهتم.. وهي تحاول مساعدته قدر استطاعتها.. وبقدر ما تسمح به خبرتها المحدودة في الحياة..
تردد فجأة صوت علي وقد أضناه التفكير:
ـ مين النونو اللعبة اللي على رجل لولو ده؟.. أنتوا غيرتوا حمزه وحازم بنونو ملون!..
كتمت علياء ضحكتها بصعوبة بينما غمر الذهول يزيد من السؤال.. ذهول أضيف له شعور مبهم بالغضب.. فكيف لم يفكر لحظة واحدة في تعريف أولاده على بعضهم؟!.. كيف يجهل الأخ أخاه؟!..
أفاقه من شروده همسة علياء وقد سطرت على ابتسامتها واستشعرت غضب يزيد واتجاه تفكيره:
ـ ما تضايقش يا يزيد.. الولاد لسه صغيرين.. وأكيد أما يكبروا هيعرفوا بعض..
ربنا يخليك لهم وتجمعهم دايماً..
رفع يزيد عينيه إليها في امتنان.. وبداخله حاجة حارقة لأخذها بين ذراعيه.. فقط لتمنحه ذلك الشعور بالاطمئنان والراحة..
وسمعها تنادي نادية وتجلسها بجوار علي لتشرح لهما ببساطة وهي تشير إلى رامي الذي أنهى طعامه وأغمض عينيه لينام:
ـ النونو الجميل ده اسمه رامي.. وهو يبقى أخوكوا.. زي أدهم وحمزه وحازم.. بس هو عنده ماما تانية..
قاطعها علي:
ـ طيب ليه مامته مش بتأكله من اللبن بتاعها؟.. ليه جاي ياكل اللبن بتاع حمزه وحازم؟
وأسرعت نادية لتلقي سؤالها هي الأخرى:
ـ يعني هو النونو ده..
ثم صححت كلمتها:
ـ رامي.. هيعيش معانا هو ومامته؟..
جذبها يزيد لتجلس على ركبتيه بعدما أسند ظهره إلى أحد المقاعد وسألها بغموض:
ـ أنتِ عايزاهم يعيشوا معاكوا؟..
رمقته علياء بدهشة بينما أجابت نادية ببراءة:
ـ رامي بس يعيش معانا.. هو شكله حلو.. عامل زي باربي بتاعتي.. بس مامته لأ.. احنا عندنا لولو.. مش عايزين غيرها..
ونهضت بسرعة لتتسلق الأريكة وترمي بذراعيها حول عنق علياء وتبعها علي وهو يصدر بعض الأصوات المزعجة كعادته فضمتهما علياء بحرص حتى لا تسقط رامي من فوق ركبتيها.. وبعينيها سؤال ملح توجهه ليزيد عما قصده بسؤاله.. عن إقامة رامي ووالدته معهم!!.. ولم تستطع منع السؤال الذي انطلق من بين شفتيها بقلق:
ـ يعني ايه يا يزيد؟. تقصد ايه بكلامك ده؟..
رمقها يزيد لوهلة وآلمه رؤية معالم الخوف والقلق على وجهها, فاستدعى "أم علي".. وطلب منها الانتباه للأولاد ووضع رامي بغرفة أخويه حمزه وحازم..
ثم سحب علياء إلى غرفتهما كعادته بدون انتظار رأيها.. ولم تعترض هي تلك المرة فأفكارها كانت تدور في فلكٍ آخر.. لا تريد مجرد التفكير في كلمات يزيد وأنه من الممكن أن يجمعها بريناد في منزل واحد!.. أنه مجنون ولكن ليس لتلك الدرجة..
انتبهت له وهو يخرج بعض الأوراق من خزينة خاصة به في حجرتهما ثم سحبها مرة أخرى ليجلسها على ركبتيه كما اعتاد ولف ذراعه حولها وهو يهمس:
ـ ما فيش حاجة من اللي بتفكري فيها دي هتحصل.. أنا كان قصدي حاجة تانية..
تجنبت عبث أنامله التي بدأت تعيث جنوناً بثباتها وسألت بقلق:
ـ اتكلم بصراحة يا يزيد.. أنا مش حِمل ألغاز وفوازير..
أومأ موافقاً:
ـ حاضر يا ستي.. اتفضلي..
ووضع في يدها الأوراق التي أخرجها لتوه من الخزينة.. فألقت عليها نظرة سريعة متسائلة:
ـ ايه دول!.. ورق ايه ده؟..
سكت للحظات قبل أن يخبرها بهدوء:
ـ دي عقود ملكيتك للمزرعة.. لأ.. لأ.. ما تقاطعنيش واسمعيني للآخر.. المزرعة دي حق من حقوقك.. أنا قبل كده اتنازلت عن أرضك لأعمامك.. اتجوزتك من غير مهر.. و..
قاطعته بسرعة:
ـ المزرعة أكبر من أرضي ومن مهري.. و..
كان دوره لمقاطعتها:
ـ بس هي بيتك.. أنا عارف أنك بتحبيها.. ومن جواكي دايماً بتعتبريها بيتك.. حتى لو كنتِ بتفكري فيها أنها المنفى اللي بعدتك فيه ماما.. بس رغم كده لها مكانة مختلفة جواكي..
ثم غمز بشقاوة:
ـ وبعدين الولاد محتاجين مكان واسع يلعبوا فيه يمكن أعرف أخطفك لنفسي شوية!..
رغم تساقط دموعها إلا أنها ابتسمت بحنان.. فلم تتصور أنه بدأ يفهمها.. يستوعب علياء الطفلة الخائفة المتنكرة في جسد علياء الأنثى التي تسلب عقله وتزعزع ثباته.. لقد منحها عن قصد صك أمان كانت في أمس الحاجة له ولم تعلم بحاجتها تلك إلا وعقد ملكيتها لمنزلها الخاص بين يديها..
لفت ذراعيها خلف عنقه هامسة:
ـ ربنا يخليك ليا.. بس ده كتير.. كتير قوي..
ضمها لصدره بقوة:
ـ ما فيش حاجة تغلا عليكِ..
زادت وتيرة بكائها وتعالت شهقاتها وهي تضم نفسها له أكثر وأكثر فشاكسها مداعباً:
ـ ايه البكى ده كله.. ليكون في باشا جديد هيشرفنا.. أنتِ انفعالاتك بتزيد في الحمل..
وكزته في كتفه بقوة وهي تمسح دموعها:
ـ أنت ما تعرفش تكملها جد أبداً..
أخذ نفساً عميقاً وهو يصطنع الجدية:
ـ ايه ده.. يعني ما فيش نونو جاي.. طيب تعالي بقى نشوف حل للموضوع ده..
رفعها بين ذراعيه وتوجه بها نحو الفراش وهي تطلق ضحكات عالية وتهتف به لينزلها أرضاً..
وضعها على الفراش برقة وأسقط نفسه بجوارها ليهمس في أذنها:
ـ عندي اعتراف أخير..
سألته بقلق:
ـ خير؟..
أبعد بصره عنها ليخبرها بخفوت:
ـ أنا سجلت المزرعة باسمك أول ما وصلتِ واحد وعشرين سنة.. بس.. بس اترددت أقولك..
توسعت عيناها بدهشة ولكنه أكمل بسرعة:
ـ عارف أنك هتقولي عليّ أناني.. بس خفت تبعدي عني.. خفت تفكري أنه بقى عندك مكان تختفي فيه عني..
سألته بغموض:
ـ وايه اللي اتغير؟..
هز كتفه بحيرة:
ـ مش عارف.. يمكن بدأت أفهم أنك لو اختفيتِ هتختفي معايا مش عني..
لفت ذراعيها حول عنقه لتجذب رأسه نحوها وتقبله بدفء:
ـ كلامك ده هو مهري الحقيقي.. والمزرعة اكتبها للأولاد و..
قاطعها بحزم:
ـ المزرعة بتاعتك.. ملكك يا علياء.. ومش هينفع تفرطي فيها.. تمام؟..
أومأت برأسها موافقة فرفع حاجبيه بعبث:
ـ نرجع لموضوعنا بقى..
وقبل أن يعاود تقبيلها بدأت عاصفة من الطرقات المزعجة على باب الغرفة وصوت علي ونادية يرتفع بكلمات متفرقة.. فهما منها أخيراً..
"رامي صحي وبيعيط جامد"..
قفزت علياء من الفراش وتبعها يزيد.. وهو يحاول استبقائها هامساً:
ـ خليكي أنتِ.. أنا هسكته..
ولكن علياء كان يشغل ذهنها أمراً آخر.. فكرة هاجمتها فجأة وأرادت التأكد منها.. فذهبت خلف يزيد إلى غرفة الأطفال... لتجده رفع رامي بالفعل بين ذراعيه يحاول تهدئته حتى لا يوقظ أخويه.. حتى أنه كان يردد أغنية طفولية طالما سمعها منها, ولكن الصغير لا يبدي أي استجابة..
هزت علياء رأسها بحزن وخطت ببطء حتى وقفت أمام يزيد وتناولت منه الرضيع لتضمه إلى صدرها وتحرك رأسه برقة حتى التقت عيناهما فابتسمت له بحنان.. بينما هدأت صرخات رامي وعلياء تضمه إليها بصمت..
رفعت عينيها إلى يزيد وطلبت منه حقيبة رامي حتى تقوم بتغيير حفاظه.. وما أن خرج يزيد من الغرفة حتى بدأت باختبار نظريتها ففرقعت بأصابعها بجوار أذنيّ رامي.. مرة بعد مرة.. ولكن.. كما توقعت.. لا استجابة..
أغمضت عينيها بألم وقد تأكد حدسها.. وأخيراً أدركت السبب وراء نظرات الاستغاثة.. وياله من سببٍ قاسٍ..
*************
اتكأت دنيا على مدخل الغرفة وهي تتأمل مازن الذي تمدد على الفراش ضاماً "عشق" بين ذراعيه.. وعلى وجنتها سقطت دمعة خائنة.. فمشهد كهذا لن يتكرر مرة أخرى.. أو هي لن تكون متواجدة لتشاهده يتكرر.. فالقرار الذي اتخذته قبل حملها بـ "عشق".. آن وقت تنفيذه.. حتى لو رفض مازن.. وخلق ملايين الأعذار لتأخير المحتوم.. هي ستصر على طلبها.. لن تتحمل أن تستمر في سلسال استنزاف المشاعر هذا.. لقد خدعت نفسها طويلاً.. وبنت صرحاً بخيالها عن أب وأم و"عشق".. أسرة رسمتها في خيالها كما تتخيل تصاميمها, والفارق أنها يمكنها تنفيذ تلك التصاميم على أرض الواقع ولكنها لن تستطيع خلق تلك الصورة المثالية لأسرتها.. ومع مرور الوقت تتأكد من ذلك.. فالمثالية التي يصفها الناس لا تناسبها.. قد يخدعها قلبها, يوهمها خيالها, يصور لها حياة سعيدة وبيت مستقر.. ولكن عقلها دائماً كان كجرس إنذار يحذرها من مغبة التمادي وتناسي الواقع.. الواقع الذي صدمها به مازن اليوم بشدة وهو يقص عليها ولأول مرة ما دار بينه وبين نيرة.. لقد صدمها ذلك.. صدمها بشدة لتدرك أنها مازالت مجرد صديقة.. فقط.. صديقة.. رغم وجود "عشق" بينهما.. ولكنها تحولت بمعجزة ما من صديقة ذات فائدة ومصدر للراحة إلى زوجة وأم في زواج تقليدي لا يشترط الحب كأحد أركانه, فقط الراحة والحنان.. وهي لن ترضى بذلك.. ليست هي.. ليست دنيا.. وبالتأكيد لن تقوم بذلك مع مازن.. مازن الرجل الذي عشقته وهي في قمة أنوثتها ونضجها برغم أنه يصغرها بعدة أعوام.. إلا أنها تعلمت أنه لا شروط في الحب ولا قواعد.. وبالتأكيد.. لا زواج مبني فقط على أساس وجود ابنة.. حتى لو كانت "عشق"..
عادت تتأمل المشهد السرمدي أمامها.. تريد طبعه في ذهنها.. قبل أن تتحرك ببطء وتتجه إلى مازن لتوقظه بهمس:
ـ مازن.. اصحى يا حبيبي.. عايزين نتكلم شويه..
فتح عينيه ببطء والتفت ليلمح "عشق" نائمة بين ذراعيه.. فابتسمت دنيا برقة وهي تخبره:
ـ يظهر أنك كنت تعبان.. لعبت معاها شوية.. ونمتوا أنتوا الاتنين..
ضحك بسعادة وهو يعتدل ليقبل "عشق" فوق جبينها هامساً:
ـ الوقت معاها بيطير.. بس حلو.. حلو قوي..
ربتت دنيا على كتفه برقة:
ـ ربنا يخليك لها.. يا رب..
تمسك بكفها ليقبله إلا أنها سحبته منه بحرج.. لتكرر جملتها:
ـ مازن.. لازم نتكلم..
زفر بغيظ:
ـ وإذا كنت رافض أسمع الكلام ده!
هزت رأسها وهي تخبره:
ـ أنا في الفترة اللي فاتت كنت بدور على بيت منفصل.. واسع وكده ومناسب لعشق.. يعني عشان أما تكبر..
ابتسم مازن وهو يرمق ابنته بنظرة محبة.. ثم سألها:
ـ كويس ولقيتِ حاجة؟..
أومأت موافقة:
ـ أيوه.. وهخلص كل حاجة بعد يومين..
ـ طيب.. جميل.. بلغيني بالميعاد بالظبط.. و..
قاطعته دنيا:
ـ مازن..
رفع عينيه لها وقد أدرك ما تريد قوله.. ولكن كان سماعه مؤلم أكثر مما تخيل يوماً:
ـ البيت ده علشان "عشق" وعشاني.. احنا.. أنا.. أنا عايزاك تنفذ وعدك..
هتف بتوسل:
ـ دنيا..
هزت رأسها لتقاطعه:
ـ لا.. لا يا مازن.. مش هينفع تخدرني بكلمتين زي كل مرة.. "عشق" دلوقتِ عدت الخمس شهور.. يعني نقدر ننفصل بهدوء.. وأنت عارف ومتأكد أنه لك مكان في أي وقت كأب لــ "عشق"..
وابتلعت ريقها بصعوبة:
ـ وصديق عزيز...
سألها بألم:
ـ صديق!.. متأكدة يا دنيا؟..
مسحت دمعة خائنة هربت من حصار جفونها وهي تنهض من أمامه لتبتعد عن نظراته الحزينة وهي تهمس بتوسل:
ـ مازن.. عشان خاطري بلاش.. بلاش تستغل حبي ليك وتجبرني على وضع بيقتلني من جوه..
همس بألم:
ـ أجبرك!..
أكملت وكأنها لم تسمع همسته الحزينة:
ـ أنت متأكد من مشاعري ناحيتك..
فردت كفيها بعجز:
ـ أنا بحبك.. حب أقوى من أي مشاعر مريت بيها قبل كده.. والحب ده بيولِد تملك وغيرة.. مشاعر بتطحن فيا.. زي النار بتاكل كل حاجة حلوة.. ومش عايزاها تقضي على الحب اللي جوايا.. حبي ليك هيعيش حتى لو مش متبادل.. واحنا الاتنين عارفين مين اللي في قلبك.. ومش هقدر أقولك خرجها منه ولا أنت هتقدر, وإلا كنت قدرت أنا ومسحت حبي ليك عشان نقدر نكمل سوا..
سكتت لحظة وأكملت بصوت متهدج:
ـ مازن.. علشان خاطري.. ما تجبرنيش أني أعري مشاعري أكتر من كده.. أنا بطالبك بتنفيذ وعدك.. وأنت طول عمرك راجل.. وعمرك ما رجعت في كلمتك..
تحرك مازن من الفراش ليقف في مواجهتها.. ويحيط وجهها بين كفيه هامساً:
ـ اطلبي أي حاجة تانية يا دنيا.. أرجوكِ.. ادينا فرصة تانية.. و..
ركنت جبهتها على ذقنه لتهمس ودموعها تهطل بدون توقف:
ـ طلقني يا مازن..
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يهمس متسائلاً:
ـ يعني ما فيش أي أمل؟
همست:
ـ ما حدش بيتسول الحب..
أغمض عينيه بقوة ليهمس بوجع وكأن روحه تنتزع من بين حناياه:
ـ أنتِ طالق يا دنيا
