📁 آخر الروايات

رواية مذاق العشق المر الفصل الثلاثون 30 بقلم سارة المصري

رواية مذاق العشق المر الفصل الثلاثون 30 بقلم سارة المصري



                                              

الفصل الثلاثون  
خرجت من مكتب صديقتها هاربة من حقيقة تخشى دوما مواجهتها ...
 فارة من مشاعر تخشى ان تتمكن منها اكثر او ان تأخذ مساحة من خيالها أو أي أهمية...
حاولت ان تتحسس جراحها القديمة لتحول بألمها بينها وبين أي حب جديد ...
عن اى حب تتحدث ايلينا ؟؟
ألم ترى حب زوجها وحبيبها السابق لها؟
ألم ترى براعته الفائقة فى التمثيل لسبع سنوات متواصلة ..
كان حبها الأول وذكرياتها البريئة الحالمة التي تشوهت بعد ذلك بمطامعه البغيضة في ثروة أبيها فكيف لها ان تؤمن ان هناك اخر يحبها دون ان تشك ولو للحظة انه يقوم بنفس الدور فى مسرحية هزلية جديدة نهايتها معروفة لها ...
لا ليست بتلك البلاهة ابدا لتعيد الكرة من جديد ..
ليست بالسفاهة الكافية لتعطي القدر خدها الاخر ليعيد صفعها بقوة أكبر ..
خالد ماهو الا مجرد طامع فى ثروة ابيها الراحل...
 لص مخادع لا يكترث لمشاعرها ابدا وسيسحقها تحت قدميه بمجرد ان يصل الى هدفه ...
تقابلت معه فى احدى ردهات الشركة ...
تجمعت كل خواطرها في  عينيها  ليقرأها بكل سهولة فكيف لمن عشقها منذ نعومة أظافرها أن يجهل مفردات نظراتها ولغتها  ..
” لص ...مخادع... كاذب ”
كلمات شتى تهين بها كرامته دون أن تنطق بها شفتاها..
ذنب ارتكبه غيره ويحاسب هو عليه فالى متى سيظل فى تلك الخانة العقيمة !!!!
ذنب حبيبها السابق الذى افقدها الثقة فى اى مشاعر صادقة فهل من العدل ان يوصم هو بما اقترفه غيره..
ذنب ابيه الطامع فى ثروة ابيها دوما وما بيده اذ ولد لأب جاحد طامع ...
 لقد نفذ صبره حقا وهو لايرى لهذا العذاب نهاية ..
ربما ان الاوان ليضع له اخر ...
اتخذ قراره بالفعل  وفى نهاية اليوم كانت استقالته على مكتب ايلينا وبدون ابداء أسباب. 
*************************************
” امم يعنى ملخص الكلام ان لحد دلوقتى مفيش اى جديد ” 
قالها يوسف وهو يتمعن فى فارس الذى كان يجلس اليه يطالعه فى هدوء جعل الشك يدب فى نفسه 
هز الثاني رأسه :
” للاسف اه ” 
تأمله يوسف  للحظات وقال:
 ” فارس اوعى تكون ...“ 
وصمت وهو يلوح بسبابته فالتفت له فارس فى بطء وابتسامة غريبة تلوح على ثغره ...
 نعم قد توصل احد رجاله الى مكانها ولكنه لن يخبره به الان ابدا...على يوسف البدرى ان يأخذ نصيبه من العقاب على ما فعله معها أولا ...اجابه وهو يحاول المرواغة:
 ” لو حابب تستعين بحد غيرى ممكن ت...“ 
ولم يكمل جملته اذ تفاجىء بالباب يفتح ويظهر من خلفه رجل فى منتصف الثلاثين تقريبا طويل القامة ..عريض المنكبين.. بالغ الأناقة ..تحمل عيناه ابتسامة هادئة لم تخف خلفها مطلقا ما تحمله نظراته من صرامة وثقة بالغتين...
 ابتسم يوسف ونهض من خلف مكتبه هاتفا في جذل : ” أيمن الالفى ذات نفسه فى مجموعتى ” 
اتسعت ابتسامة الرجل وهو يقترب اكثر ليصافحه فى ود :
 ” اهلا بيوسف البدرى ...السكرتيرة اللى برة قالتلى انك مديها اوامر فى اى وقت اجى تدخلنى على طول ” 
ربت يوسف على كتفه :
 ” هوا انت اى حد برضه يا ايمن ؟؟“ 
اطلق ايمن صفيرا عابثا وهو يرفع حاجبيه:
” بس خد بالك ياكبير احنا هنا النهاردة فى بيزنس ملوش علاقة بصداقتنا نهائى ” 
ضرب يوسف كفيه ببعضهما وهو يهز رأسه :
” عمرك ما هتتغير ابدا يا بن الالفى  ..تعالى اقعد ” 
وحين كان يقترب كان فارس يهم بالذهاب ..
تنهد يوسف وهو يدرك ما غاب عنه للحظات ونبهته اليه علامات الحزن والارتباك التى وضحت على وجه فارس فى وضوح ..
 ضيق ايمن عينيه وابتسم وهو يمد يده ليصافح فارس:
 ” ياااااه ع الصدف ...فارس مختار هنا ..طيب كويس بقا عشان اشهد عليك يوسف ” 
ازدرد يوسف ريقه .. ترى ما يعنيه ايمن هل علم ب...، قاطع ايمن استرسال افكاره ليجيبه مردفا:
” بقا ينفع يا يوسف اكتر من مرة اطلب منه خدماته فى امن الشركة ويتهرب منى ” 
تنحنح فارس ونطق اخيرا:
 ” اتهرب ؟؟؟اتهرب ليه وازاى ...الفكرة بس ان كان فيه مسئوليات كتير وقتها ومكنش عندى رجالة كفاية ” 
ابتسم ايمن وهو يعقد ساعديه  كأنه يدير صفقة: 
” كان ..اديك قولت بلسانك ...احنا فى دلوقتى بقا ...اعمل حساب حتى للمعرفة القديمة ايام انت وادهم ماكنتو اصحاب فى النادى ..ايام الجودو فاكر ؟؟؟” 
ابتسم فارس بصعوبة  لينهى الأمر مسرعا:
 ” ان شاء الله هحاول واكلمك فى اقرب فرصة ” 
صافحه من جديد وذهب مسرعا كأنه يفر من شبح وبالفعل هو يفر من شبح الماضى بكل المه وقسوته ، فالذى يقف امامه قد اصبح زوجا لحبيبته ...
نعم حبيبته ..
لن ينفض تلك الصفة عنها ابدا  فقد دمغها قلبه بخاتمه منذ سنوات ...
لم يعد هناك خلاص حتى بعد أن اختبر انانيتها وغرورها ستظل هى الانثى الوحيدة التى سكنت قلبه ...
 فريدة ..
كم لها من اسمها نصيب ..
فريدة فى حسنها الأخاذ ...
في طباعها الشرسة التى لم يرى انثى عليها من قبل...  هي أشبه بنمرة صغيرة تخلبك بجمالها فتسقط صريعا لهواها لترقص فى النهاية على اشلائك بعد ان يفترس غرامها كل جزء فيك ..
 كيف يقبل بالعمل الى جوار ايمن الالفى بعدما علم بزواجها منه؟؟ ...
 كيف ينظر اليها؟؟
 كيف يواجهها؟؟
 هذا لايمكن ان يحتمله ..
 كور قبضته وهو يتذكر اخر ما كان بينهما ..تلك الصفعة التى انتهى بها كل شىء حين ذبحت رجولته بكلماتها..
لن يسامحها فقد سطرت بيدها اخر كلمات فى قصتهما  ... 
ولكن ....
ربما كانت هناك حسابات اخرى لم يتم تصفيتها بعد ، هناك أثمان كثيرة لم تسددها فريدة له ..
ابتسم فى صمت وهو ينظر الى الباب الذى اغلقه منذ لحظات على يوسف وايمن . 
جلس ايمن فى هدوء وفى المقابل جلس يوسف:
" اخبارك واخبار ادهم ايه لسة برضه مقاطعك ؟؟؟“ 
تنهد ايمن فى حزن واضح نادرا ما يراه عليه يوسف فأيمن شخص عملى للغاية ومشاعره قد يعتبرها البعض لاوجود لها من الاساس :
” مش مقاطعين بعض اكيد ..بس مش زى الاول ..لسة مش قادر يسامح ” 
واشاح بوجهه مضيفا فى حزن :
” انا كنت خايف عليه ” 
مال يوسف اليه قائلا:
 ” كان لازم تعرف هوا قد ايه بيحب مراته واللى بيحب مبيفقدش الامل ” 
وعاد ليستند بظهره الى كرسيه مواصلا فى شرود:
 ” اسئلنى انا ” 
رفع ايمن حاجبيه وخغضهما:
” انا بقا ريحت نفسى من كل الحسابات المعقدة دى كلها ...صدقنى مفيش اجمل من العقل لما بيمشى كل حاجة ” 
رد يوسف:
 ” والسعادة ”  
لوى ايمن ثغره في تهكم:
 ” يعنى ايه سعادة اصلا يا يوسف ؟؟؟ ...دى حاجة نسبية ” 
تمعن به يوسف للحظات واجابه بهدوء:
 ” السعادة يعنى ممكن تكون لحظة من اللى عشتها زمان مع ..شهد ” 
ظلت عينا ايمن معلقة بصديقه دون ادنى رد فعل ...
 نعم يوسف يعلم بتلك القصة القديمة فحين بدأ بادارة كل اعمال والده كان ايمن يعود من نكبته فى حبيبته للعمل مع ابيه من جديد ، تعرف على يوسف فى هذا الوقت الصعب حين كان مختلفا تماما عن ايمن الذى يجلس امامه الان....
 كان حزينا تائها يعيش حدادا طويلا على محبوبته وبالمثل كان يوسف شخصا اخر لا يعطى للمرأة اى اهمية ويحاول ان يهون عليه ويعرفه على غيرها فشتان ما وصل اليها الاثنان الان ...
 يوسف اصبح يتحدث عن المشاعر والحب والسعادة بينما ايمن هو من كفر بكل هذا والان تحت عصمته حبيبه رجل اخر تتظاهر مثله بأنها كفرت  بكل المشاعر بعد تجربتها القاسية مع فارس ولكن ربما كانت مثل زوجها تماما بداخلها جزءا لازال ينبض بالحياة وتحاول جاهدة ان تجهز عليه تماما ..
 فارس.. ايمن وفريدة سقطو جميعا فى دائرة عشق  مغلقة لاسبيل ابدا الى الخروج منها . 
افاق يوسف على حركة ايمن وهو يهم بالنهوض فأسرع يستوقفه في أسف :
” انا اسف يا ايمن مقصدتش ” 
لوح ايمن بكفه محاولا العودة الى صرامته:
” لا لا محصلش حاجة ..انا بس مرهق شوية ومحتاج ارتاح هاكلمك ونشوف معاد تانى ” 
وفرار آخر بعد فرار فارس ..
 فرار اعتاده ايمن الالفى ..
 فراره الوحيد فهو لايعرف الانسحاب ابدا ولكنه مضطر فدمعته هاهي تخونه مجددا كما توقع وهو يتستعيد المشهد والصرخة الاخيرة لحبيبته ..
لن ينكر انه تغير بل تحول ولكن  بداخله جزء لازال هشا للغاية وضعيف ويسهل تحطيمه بطيف بعيد لذكرى مرت وانتهت ...
 جزء ربما لايريد هو ان يتخلص منه... ربما يريد ان يظل دائما على المه وشعوره بالذنب فهذا اقل ما يستحقه على حبيبة اضاعها منذ سنوات طويلة .
************************************
دفعت ايلينا باب غرفة ملك التى كانت مشغولة بالقراءة فى احد مراجعها الطبية الضخمة ...
انتفضت وهى تنظر الى ايلينا فى توجس فهى لم تعتد منها ابدا ان تقتحم غرفتها بتلك الطريقة ، قطبت حاجبيها  فى حيرة:
 ” فيه حاجة يا ايلينا ” 
بسطت ايلينا ورقة كانت فى كفها ووضعتها امام عينيها لتقرأ ما بها فضيقت عينيها وازدردت ريقها للحظات بعد ان انتهت من قراءتها لتعود تطالع مرجعها من جديد ببرود اتضح لايلينا انه مصطنع للغاية حين تلعثمت نبرتها:
 ” هوا حر ” 
اختطفت ايلينا المرجع من يديها تسألها في جدية:
 ” وحر برضه انه يقدم على طلب هجرة وميرجعش البلد دى تانى ” 
رفعت  ملك رأسها فى بطء وتمتمت فى قلق لم تستطع اخفاءه:
 ” هجرة ؟؟؟“ 
اخذت ايلينا تعبث بالمرجع بين يديها وهي تقول:
 ” قولى بقا انه مش فارق معاكى ده كمان ” 
نهضت ملك فى عنف وهي تجىء وتذهب في الغرفة بلاهدف :
 ” انتى عاوزة ايه يا ايلينا ..عايزة ايه ؟؟؟“ 
القت ايلينا المرجع على المكتب وامسكت بكتفى ملك تخبرها فى جدية:
 ” عايزاكى تواجهى نفسك وكفاية هروب ...خالد مش اسامة ولا جوزك الاولانى ..الدنيا فيها الحلو والوحش ...خالد بيحبك فعلا بجد  وانتى كمان بتحبيه كفاية عند بقا ” 
ضغطت ملك على شفتيها وتخلصت من كفى ايلينا لتمرر يدها فى شعرها لحظات قبل ان تلتقط مفاتيح سيارتها وتهم بالخروج وهى تسألها:
 ” هوا فين دلوقتى ؟؟“ 
ردت ايلينا وهى تتابعها فى قلق:
 ” فى الشركة بيجمع حاجته ..رايحة فين ..“ 
ضغطت ملك بقوة على المفاتيح فى كفها حتى كادت ان تجرح جلدها الرقيق :
 ” هثبت لنفسى وليكى ان فينا اكيد واحدة غبية ” 
*****************************
فتحت باب مكتبه في عنف فالتفت لها في هدوء دون ان ينطق قبل ان يعود ليجمع حاجياته فى صندوق من الكارتون ...
اقتربت لتقف امامه وهي تحاول ضبط سرعة انفاسها فخرجت جملتها في حسم بدا مهتزا للغاية :
” انا موافقة على الجواز ” 
واضافت وهى تزدرد ريقها وتعبث فى خاتم ماسى رقيق فى بنصرها :
” المجموعة محتاجالك ولو ده اللى هيخليك تفضل هنا فانا موافقة على الجواز ” 
توقف عما يفعله واغمض عينيه للحظة وهو يتنهد في عمق مبتلعا اهاناتها المعتادة قبل ان يرفع رأسه لها  فى حزم:
” وانا مش موافق ” 
تراجعت خطوة للخلف ورفضه الذي لم تتوقعه يخترق اذنيها بكلمات واضحة لاتقبل معنا اخر ..ومع هذا فقد وجدت ثغرة حاولت أن تنفذ منها اليه :
” مش موافق على الجواز ولا مش موافق انك تفضل فى المجموعة ” 
رد وهو يعود الى ما كان يفعله :
” الاتنين ” 
وابتسم فى حزن وهو يلتفت لها مجددا يجيبها عما تريد معرفته وتخشى من طرحه:
 ” عشان انا تعبت يا ملك ..تعبت من اهانتك ليا واستهتارك بمشاعرى طول الوقت ..انا عارف انك عارفة اني بحبك ومن زمان ...واتجاهلتى ده مرة واتنين وعشرة ..وانا فضلت هنا فى المجموعة عشان افضل طول الوقت قريب منك وانتى قابلتى كل ده بايه ؟؟؟....فكرتى فى وجعى لما حبيتى حد تانى وروحتى اتجوزتيه ...
فكرتى وقتها انا كنت حاسس بايه وانتى بتطلبى منى كل حاجة يوميها فى فرحك عشان اعملهالك بنفسى.."
ازدرد لعابه كأنه يزدرد معه حرقة تلك الذكرى اللعينة التى رأها تزف فيها الى رجل غيره بينما تطلب منه أن يشرف على كل شىء بنفسه ليواصل في حرقة:
" وعملتهالك يا ملك ...واتمنتلك السعادة حتى لو مع راجل تانى ....ويوم ما اتطلقتى انا اكتر حد شال ذنب ده ..اتبصلى على انى حرامى دخيل زيى زى اللى قبلى ..كل يوم عينيكى كانت بتقولهالى وتهينى وانا اصبر واقول اصلها مجروحة لحد انا كمان مبقاش فى قلبى جزء سليم ” 
واستند على المكتب بكفيه وهو يردد في اصرار ونبرته تتشبث بكرامته لتبدو أكثر حسما وصرامة:
” كفاية لحد كدة ذل بقا ...كفاية ذل ” 
وضغط شفتيه وهو يغلق صندوقه ويغلق معه الحوار بأكمله:
” لو المجموعة احتاجتنى فى اى وقت انا هكون موجود ومش هتأخر عنها ” 
لم تستمع الى جملته الأخيرة ..توقفت أذنيها عن التقاط أي صوت بعد وصفه لها معاناته .. انصال حادة وجهها  اليها ..هل كانت بلا أدنى احساس الى هذا الحد !!..
ام انها كانت تشعر به وتبالغ في عقابه باظهار عشقها لاخر ...تعاقبه فقط على ذنب أبيه  كما عاقبته بعدها على ذنب عشق مهتريء أثبت فشله مع أول اختبار ..  كم  وجهت له دائما اصابع الاتهام دون جريمة تذكر.. حملته وزره وذنبه ونفست فيه فشلها ...
والان هاهو يلقى بكل شىء خلف ظهره فارا بما تبقى من مشاعره التي امتهنتها مرارا ...
عيناه هذه المرة تحمل ذهابا بلا عودة .. انقبض قلبها من هذا الخاطر فوضعت يدها على صدرها وجلست على كرسى مجاور لتبدأ دموعها تنساب فى صمت مرير موجع ..
” انت ليه مش مقدر اني خايفة ..انا خايفة خايفة ..خايفة من نفسى لاظلمك ..وخايفة من الماضى اللى مقيد الحاضر ومش مخلينى عارفة اعيش “ 
بئس للقلب الضعيف هذا ...
كيف له ان يسيطر على كل الجوارح هكذا وهو بهذا الضعف ...
رؤيتها تبكى امامه وهى تخبره بخوفها جعلته يذهب ليجثو على ركبتيه امامها هامسا فى حنان :
” انتى بتعيطى يا ملك ؟؟“ 
شهقت بقوة وبنبرة ممزقة واصلت :
” المواجهة اللى جوايا انا مش قدها يا خالد ...مجرد ما حسيت انك فعلا هتمشى حسيت بخوف كبير.. كنت عاوزاك تفضل بأي تمن ..بس تفضل جنبي ” 
التقط كفها لتقف امامه :
” يا ملك ...انا حبيتك من قبل ما اعرف يعنى ايه حب اصلا ..ومش عارف اثبتلك ده ازاى ..لو بعدت وسبت كل حاجة يمكن ده يثبتلك ” 
هزت رأسها فى عنف :
 ”انت مش محتاج تثبت حاجة .. انا بغالط نفسى وبخترع وهم بعيش فيه ..قتلت حبك جوايا بس فضل يعافر ويقاوم وبمجرد ماخدت قرار البعد قام وصرخ جوايا بكل قوته ”
 وطأطأت رأسها لترفعها من جديد قائلة فى رجاء:
 ” متسافرش يا خالد انا بجد محتاجالك عشان اعرف اخرج من الدوامة اللى انا فيها وساعتها مشاعرى هتكون صافيه ليك لوحدك ومفيش اى حاجة تقدر تلوثها ” 
لم يصدق ما قالته  فأجمل احلامه بها لم تشمل اكثر من نظرة رضا.. اما ان تعترف بحبه هكذا وتتوسل اليه الايذهب فهذا مالم يخطر بباله ..
ابتسم لها فى حب هامسا:
” خلاص يا ملك مش هسافر ” 
ابتسمت في رقة بددت غيامة هذا الحزن على وجهها وهي تقول :
” وانا كمان موافقة على الجواز ” 
رفع خالد حاجبه فى خبث :
 ” جواز ايه ؟؟“ 
” جوازكو اللى هيبقا اخر الشهر الجاى ان شاء الله يا خالد بيه ” 
ابتسم الاثنان وهما ينظران الى ايلينا التى وقفت عاقدة ساعديها مستندة الى باب الغرفة ليقولا في صوت واحد :
” انتى هنا ؟؟؟“ 
ضحكت في سعادة :
” لسة جاية متخافوش ....اصل قولت ميصحش برضه يا موكا تيجى لواحد لوحده الشيطان شاطر لازملكو محرم لحد اخر الشهر كدة  ” 
نظرت ملك الى خالد واطرقت برأسها فى خجل قائلة :” بس يمكن هوا مش موافق على الجواز ” 
رد خالد بسرعة :
” حمار مين اللى قال كدة ” 
ضحكت ايلينا مجددا واقتربت لتحتضن ملك هاتفة:
 ” واخيرا هطمن عليكى يا ملوكتى ” 
همست ملك فى امتنان:
 ” مش عارفة من غيرك كنت عمل ايه ايلينا بجد ”
*****************************
ضرب يوسف طاولة الاجتماعات بقبضته فى غضب هاتفا:
” يعنى ايه رابع مناقصة نخسرها وصفقة بالملايين تروح من تحت ايدينا ” 
نهض احد موظفينه  في لهجة دفاع مهتزة:
 ” يا فندم مجموعة عزام قويه جدا ” 
صرخ  من بين اسنانه :
 ” واحنا اقوى مجموعة فى السوق ..واسمنا خلاص اتهز ده غير الملايين اللى خسرناها ” 
وزفر فى بطء كمحاولة عقيمة لاسترداد هدوئه وهو يشير بيده للجميع طالبا منهم الانصراف الا مساعده طارق ...
 جلس يوسف وهو يأذن لطارق بالجلوس قائلا :
” ايه معلوماتك عن مجموعة عزام ..مش احمد عزام توفى من فترة طويلة ..احنا عمرنا ما كان فيه بينا منافسة وبعدين امتى نقل مقره من اسكندرية للقاهرة ” 
شبك طارق اصابعه وقال فى عملية :
” مقرها اتنقل من حوالى شهرين يا فندم ..واللى بيدير المجموعة دلوقتى ارملة احمد عزام ” 
قلب يوسف شفتيه فى حيرة :
” ارملته ؟؟؟....عايز تفهمنى ان اللى ممشى الشغل بالدقة دى ومخسرنا ده كله واحدة ست فى الاخر ” واضاف فى شرود :
” وبعدين ارملته ازاى ..انا نفسى معزيه فى مراته من حوالى سبع سنين ” 
رد طارق فى هدوء :
” لا ما دى واحدة تانية ..كانت مديرة اعماله وبعدين اتجوزها وسافر للعلاج تانى يوم ..فيه ناس بتقول انه عمل كدة عشان تقدر تمشى الشغل من غير حد ما يقولها تلت التلاتة كام ” 
ضيق يوسف عينيه  فى تفكير:
 ” اسمها ايه ارملته دى ؟؟؟“ 
ادار طارق حدقتى عينيه ليتذكر:
 ” بيقولو اسمها ايلا تقريبا ” 
نهض يوسف من مكانه وتحرك نحو النافذة فى بطء وهو يردد الاسم في نفسه ...
لاحت ايلينا امامه فجأة ليس لمجرد قرب الاسم منها ولكن لانه يثق انه ليست هناك امرأة تستطيع ان تدير عمل بكل هذه الجرأة والنجاح سواها..
 اتراها هى ؟؟..
 ام تراها مجرد نسخة جديدة منها ؟؟
 او ترى شوقه هو من يدفعه لان يفكر  بتلك الطريقة؟؟
 لابأس ان ارضى فضوله ورآها ليعرف الى أي حد تشبهها تلك النسخة التى يبدو ان حبها قد اذهب بعقله تماما فلم تعد كلمة امرأة تعنى له سواها .
*************************************
راقبها وهى تخرج فى بطء بعد ان انهت عملها معه ، تغيرت كثيرا لايمكنه أن ينكر هذا  ..
لم تعد تلك الساذجة السطحية بل حين أخبرته برغبتها في ترك العمل معه أخذ يماطل في اختيار من سيخلفها في ادارة الحسابات ..
ماطل طويلا حتى همت أن تترك المكان حين شعرت بمراوغته فدفعه هذا الى تكرار اعتذاره عما بدر منه وتوسلها البقاء فهو لايمكن ان يثق بغيرها بسهولة ..
 ظنها ستستغل انهاء خطبته لنور وتعود لتتقرب اليه من جديد ولكنها لم تفعل...
 استقبلت الخبر ببرود مبالغ به فهل بالفعل قد تنازلت عن حقها فى التواجد فى حياته ؟؟
 اليس هذا ما كان يريده ؟؟؟
ألم يتمنى ان تتوقف عن محاولاتها تلك التى ارهقته بها؟ ؟؟
الم يطلب منها مرارا وتكرارا ان تنساه ؟؟
لماذا ساوره القلق حين شعر انها بالفعل فى طريقها لذلك ؟؟
 الم يتخذ قراره منذ سنوات بأنه لايريدها وان كانت اخر فتاة فى العالم ؟؟
لماذا يشعر ان غضبه منها قد بدأ يتضاءل وان مشاعره نحوها قد بدأت تستيقظ من سباتها وتستعيد نشااطها كأنها كانت كمجرد قيلولة عادت بعدها الى كامل حيويتها  فلم يعد قادرا على اخمادها من جديد فلقد نالت حصتها بما يكفى من الوخم ولم يعد عقله وحده كافيا بكل مبرراته فى قمع نزواتها حتى ان كانت رغما عن كرامته ..
اما هى فقد استسلمت تماما ولم يعد لديها الرغبة فى المحاولة معه من جديد ستحتفظ بما تبقى من كرامتها التى استمتع هو باهدارها طيلة سنوات ...
 كان عليها ان تستوعب من البداية انها تطلب المحال فحسام ان كان عاشقا فى يوم فهو رجل شرقى بالمقام الاول وجرحها لكرامته بهروبها مع اخر أصابه فى مقتل ليرد لها الطعنة فى كبريائها بخطبته لنور ورفضه التام لمشاعرها وحتى حين فسخ خطبته منها لم يعد يهمها الأمر فى شىء فهى لن تعيد محاولة تدرك جيدا ان لس لها ادنى فرصة من النجاح ، لن تعيش اسيرة تنتظر العفو السامى منه ، ستحاول تخطيه بكل المنطق الذى بداخلها مقاومة به كل نبضات قلبها المتمردة ..
لن تفر ..
ستتجاوزه وهو أمامها ..
ستتخطى وجوده وهو أمامها ..
لم يعد يهمها مطلقا أن تثبت له أي شىء ..
بل ما يهمها الان أن تثبت لذاتها أنها بالغعل تغيرت ..
************************************************************
فتحت مريم مديرة اعمال ايلينا الباب فرفعت الأخيرة نظرها اليها بتساؤل أجابته الأولى مسرعة:
 ” يوسف البدرى برة يا فندم وعاوز يقابلك ” 
مجرد ذكر اسمه جعل قلبها يقفز فجأة من مكانه بل كادت هى ان تقفز من مقعدها اثر تلك الانتفاضة التى سرت فى اوصالها لتتشبث بمقعدها الجلدى بقوة وهى تكاد تغرز اظافرها به ..
 ازدردت ريقها بصعوبة وبللت شفتاها بطرف لسانها وهى تحاول بقوة التغلب على توترها حتى لا تلحظه مريم ..
 هى المفاجأة اذن التي اعدتها له ، اخيرا ستلقاه وهى فى وضع القوة كما تمنت .. 
وضع هزت به مجموعته وكلفته الملايين ..
 زفرت فى بطء عدة مرات قبل ان ترفع رأسها لمريم من جديد :
” قعديه برة شوية ومتخليهوش يدخل غير لما اقولك ” 
تراجعت مريم خطوة تسألها فى دهشة:
 ” يا فندم ده يوسف البدرى مش حد عادى ..وكمان احنا معندناش اى مواعيد دلوقتى ”  
رفعت ايلينا نظرها اليها ببطء وبنظرة صارمة كانت كافية تماما لتهز رأسها في طاعة:
” حاضر يا فندم تحت امرك ” 
تنهدت وهى تراقبها تغادر المكان ولا تعرف هل ستتركه ينتظر لانها تعلم جيدا كم يكره الانتظار؟؟؟
ام انها تحتاج لهذا الوقت لتستعيد به هدوئها وترتب افكارها وكلماتها ؟؟
 هى لا تريد موقفا اقل ايلاما من موقفها امامه يوم ان اوهمها بخطف اخيها . 
 وبالخارج اتسعت ابتسامته وهو ينظر الى ساعته بينما يتابعه طارق مساعده فى حيرة ..
كل شىء تفعله يذكره بايلينا ومشاكستها له فى الماضى .. حقا على استعداد لان يقضى عمره كله انتظارا لرؤيتها ، لحظات ونهضت مريم بعد ان اغلقت سماعة الهاتف بينها وبين ايلينا لتتجه الى الباب تفتحه لهما قائلة:
 ” تقدر تتفضلو ” ..
دلف الى  المكتب ولم ينشغل ابدا بفخامته كما انشغل طارق بل كان يخترق بنظراته تلك التى تجلس على الكرسى موليه اياهما ظهرها ..وفى لحظة دارت بالكرسى فى بطء لتواجههما ...
لحظات تعلقت فيها الاعين فى صمت ، المفاجأة لم تكن من نصيب يوسف بقدر ما كانت من نصيبها هى فالبرغم من انها مكثت قرابة النصف ساعة تحاول تمالك اعصابها وتنميق كلماتها لتنفذ به الى اهدافها مباشرة الا ان رؤية يوسف البدرى الرجل الوحيد الذى احبت وكرهت فى نفس الوقت امامها لا يفصله عنها شىء كانت اقوى من اى محاولة لضبط النفس ، ازدردت ريقها وهى تشعر بجفاف مؤلم فى حلقها من تكرارها تلك الحركة وفرط توترها ، حاولت ان تكون هى البادئة فى الحديث ، حاولت ان ترسم ابتسامة شامته على شفتيها ولكنها توقفت وهى ترى عيناه فجأة وقد تخلت عن صمتها وبدأت تبثها كل عبارات الشوق والحب.. عبارات خاصة بها لا يملكها الاقاموس يوسف وطالما اغرقها فيها لسنوات ..
 لغة اخترعها لها ومن اجلها ولا يجيد غيرها فك طلاسمها ..
 كادت عيناها ان تخنها وتبادله حبه ولكنها اشاحت بوجهها بسرعة قبل ان تفقد سيطرتها ..
 حاولت ان تتذكر كل اللحظات التى قسى عليها فيها يوسف لتستمد منها القوة فتلاشت كل المشاهد و لم تفكر الافي شىء واحد الحنان الذى لانهاية له بين ذراعيه التى تتوق لأن ترتمى بينهما الان ...
عليها اللعنه بما تفكر ..
لقد سلبها بنفسه هذا الحق ..
 اوقفت سيل افكارها عند هذا الحد واقامت بها سدا عاليا يمنعها من الاسترسال أكثر ..
 وكانت الكلمة الأولى منه بنبرته التي تحشرجت في حلقه :
 ” بقا انتي ؟؟“ 
اطرقت ارضا للحظات لتنهض بعدها فى بطء مميت وتقترب منه قائلة فى نشوى جاهدت لترسمها على ملامحها:
 ” ايوة انا يا يوسف ...انا اللى اخدت منك الصفقات اللى فاتت وانا اللى خسرتك ملايين وانا اللى هزيت اسم شركتك فى السوق ” 
توقعت منه اى رد سوى ان يضحك بتلك الطريقة المتسلية المستفزة...
 تلك الضحكة التى سلبتها فؤادها فى بدايات حبها له ، تمنت حقا لو صفعته فقد أثار غيظها الى ابعد حد حين قال بصوت متقطع من بين ضحكاته:
 ” كنت متأكد انه مينفعش يكون فيه منك نسخة تانية ” 
تراجعت فى دهشة بينما وقف طارق يراقب ما يحدث وكأنه بداخل فيلم من افلام الحركة...
طرقع  له يوسف باصابعه لينتبه وهو يقول بينما ناظراه مثبتان عليها:
” اتفضل استنانى برة يا طارق ..الهانم طلعت معرفة ” 
قطب طارق حاجبيه فى حيرة مما يحدث حوله بينما عقدت ايلينا ساعديها في نزق:
 ” ويطلع برة ليه احنا مفيش بينا حاجة خاصة ...احنا هنتكلم فى البيزنس وبس مش ده اللى انت كنت جاى فيه ” 
لم يكترث بها وهو يشير لطارق ليذهب وحين نفذ ما أمره به وغادر المكان استدرا لها ليظل يرمقها طويلا حتى كادت تفقد وعيها من نظراته تلك..
اقترب خطوة وهو يهمس في شوق :
 ” وحشتيني ” 
كانت تعلم بذلك دون ان ينطق فعينيه وشت بكل شىء
ولكن ...
هى لاتريد حبه ولا شوقه...
 هى تريد فقط ان تراه مكسورا امامها كما فعل بها وضع يده فى جيب سترته وتنهد طويلا:
 ” واخيرا اتقابلنا ” 
ابتسمت لتغيظه بأي شىء:
 ” وايه رأيك فى الطريقة اللى اتقابلنا بيها ..والملايين اللى دفعتها ” 
رفع حاجبيه وخفضهما في تلذذ :
” فى ستين داهية ” 
تلاشت ابتسامتها وهى تسمعه يتابع :
” انا كنت مستعد ادفع روحى عشان بس المحك من بعيد تانى مش بس جزء من ثروتى ”
 لم تتخيل ابدا بعد كل ما خططت له ان يأتى ليتغزل بها فى النهاية ... عادت لتجلس على كرسيها فى بطء وهى تقول:
 ” طيب كنت جاى ليه بقا ..ياريت تتكلم فى الشغل ” 
حك رأسه بكفه يجيبها في بساطة : 
” كنت جاى اشوف واحدة شبهك وطلعت انتى ..اصلا مينفعش يكون فيه حد شبهك ” 
اخذت تدق على المكتب باصابعها الرفيعة ...
هذا الوقح المستفز فى طريقه لجعلها تنهار وتفقد اعصابها وتصرخ بحبه بدورها وكأن كل هذه السنوات لم تمر ...
 امسكت بقلم امامها تعبث به كمحاولة لاخفاء توترتها : ” يوسف بيه يا ريت متنساش ان احنا مفيش بينا حاجة تسمحلك انك تكلمنى بالطريقة دى ” 
ابتسم في عبث:
” بجد ؟؟“ 
رحمها دخول مريم فى تلك اللحظة وهى تقول في عملية :
 ” الاجتماع جاهز يا فندم ” 
نهضت فى تثاقل ..قد نجت بالفعل منه فلو بقيت أكثر معه لا تعلم ماالذي بامكانه ان يحدث :
 ” فرصة سعيدة يا يوسف بيه ...نتقابل فى جولات تانية ” 
بخطوة واحدة كان امامها ووضح امامه ارتباكها واهتزاز حدقتيها من قربه هذا ...
 هى لن تتمالك كثيرا ابدا فليذهب الى الجحيم ...رائحة عطره القديم الذي اختارته لها بنفسها تداعب أنفها متلاعبة على ما تبقى من أعصابها من تماسك ... ابتسامته القديمة  تتلاعب على شفتيه وهو يخبرها في همس مرهق لمشاعرها المضناه :
" المهم ان احنا نتقابل حتى لو فى جهنم نفسها ” 
وذهب تاركا اياها تتخبط من جديد ...
تتخبط فى عشقه ....
فى شوقها اليه...
 فى مشاعرها التى لم تتغير قيد انملة ...
 لازلت غارقة فى حبه حتى النخاع...
 لا تنكر انها اختارت الانتقام كوسيلة للتقرب منه فكرامتها كأنثى ترفض التقرب منه بأى وسيلة اخرى .
وطريقة اخرى جاءت امامها بالمصادفة فقد تعودت منذ فترة على اصطحاب مازن الصغير الى النادى لاداء تدريبات السباحة الخاصة به وفى يوم ذهبت اليه لتعود به الى المنزل فوجدته يلهو مع طفل يبدو فى الرابعة من العمر او الخامسة ، ضيقت عينيها للحظات تتأمل الصغير واقتربت منه لتقطع شكها باليقين قائلة وهى تجثو على ركبتيها تربت على شعره الناعم:
 ” القمر اسمه ايه ؟؟؟“ 
رد الطفل بابتسامة ذكرتها على الفور بابتسامة سحرتها لسنوات واوقعتها صريعة مشاعر لم يسبق لها ان عرفتها سوى على يد يوسف البدرى وكما توقعت جاءها الرد :
” ادم يوسف البدرى ” 
ابتسمت ايلينا فى خبث ربما كان لديها الفرصة الان فى التلاعب باعصاب ابيه قليلا كما فعل معها من قبل ، اخذت مازن وادم الصغير معها بسهولة فجميع من فى النادى يعرفونها جيدا ولا يمكنهم الشك بها ..
 اصطحبت الصغيرين الى احدى النوادى وتركتهما يكملان لهوهما البرىء بينما هى كانت تراقبهما فى سعادة ..
 راقبت ادم الصغير ...
كم يشبه ابيه في كل شىء حتى حينما يرفع حاجبه في نزق هكذا ...
دمعة لمعت فى عينها ...
 كم تمنت لو كان هذا الطفل منها ...
لا يمكنها ان تصدق ان دماء يوسف اختلطت بدماء امرأة اخرى ..من الجيد أن القدر كان اكثر رحمة فالصغير لم يحمل من ملامح جينا اى شىء بل كان نسخة مصغرة من ابيه ..
 تشاركت الطعام معهما واطعمت ادم بيدها واالطفل يشكرها بعينيه بنظرة حزينة لا تعرف كيف استوطنت  عينيه البريئتين هاتين ..
لاتنكر انها احبته ولا يهم تحت اى مبرر يمكنها ان تصنف مشاعرها ....
 هل لانه ابن حبييها ونسخة منه وجزء من روحه ؟؟؟
ام لان الطفل الوديع يستحق تلك المشاعر عن حق؟؟ 
نظرت فى ساعتها لتجد الوقت قد تأخر بالفعل ..
ابتسمت فى خبث وهى تخرج هاتفها تدير رقم يوسف قائلة فى نفسها:
 ” افتكر كدة كفاية اوى عليه زمانه مات من القلق ” 
اتاها رده ربما من قبل ان يرن الهاتف ، كانت نبراته هادئة تماما بل فاجئها :
” وحشني صوتك ” 
ابعدت الهاتف عن اذنها ونظرت اليه فى حيرة قبل ان تعود لتلصقه على صدغها من جديد وهى تفكر منذ متى واصبح بهذا البرود؟؟
 طفله من المفترض ضائع وهو يتغزل بها ، نست كل ما كانت تخطط له لتسأله فى ضيق:
 ” هوا ابنك فين يا يوسف ؟؟“ 
اتاها رده بعد لحظات :
” فى البيت هيكون فين ؟؟؟“ 
هو لايعرف اذن تبا له ولاهماله ...
صاحت به فى غضب لم تستطع اخفائه:
 ” فى البيت ..فى البيت ازاى يعنى ..انت روحته بنفسك ...كلموك فى البيت قالولك ان ابنك موجود وروح من النادى ” 
سمعت انفاسه تتسارع ليهتف  بعدها فى ارتباك واضح ” انت تقصدى ايه ..ابنى جراله ايه يا ايلينا انطقى ” 
صمتت للحظات ...
كم تمنت ان تتلاعب باعصابه قليلا و قلبها الابله رفض ذلك وبشدة لتجيبه  فى هدوء :
” تعالى نادى ...ابنك معايا ”
وفى دقائق كان هناك ...
 بحث بعينيه عنها وقبل ان يخرج هاتفه ليعرف مكانها بالضبط وجدها وقد جلس ادم فى حجرها بينما تدفن رأسها فى صدره تدغدغه والطفل تعلو ضحكاته حتى بلل حجابها بلعابه ...
 ابتسم يوسف فى حزن لكم تمنى ان يكن طفلها هي  يعلم انها كانت ستصبح اما رائعة ...
 حرمها من هذا الحق حين فقدت جنينها بسبب صدمتها فيه ...
نعم فقد علم الحقيقة بأكملها من زين ..
 ظل لدقائق يمتع عينيه بمراقبتهما حتى لمحها تنظر الى ساعتها وتخرج هاتفها فتوقع انها ستهاتفه ...
تنهد فى عمق وذهب اليهما ...
 لم يقفز ادم من حجرها ليستقبله كما تعود ان يفعل كلما رآه بل نظر الى ايلينا فى تردد لتنزله هى قائلة فى حب بينما تربت على شعره :
” يلا يا حبيبى ..يلا عشان تروح مع بابى ” 
هبط الصغير فى بطء وتردد ليقترب من يوسف الذى حمله وقبله فى سعادة  قبل ان ينظر الى ايلينا يسألها في عبث واضح:
 ” ابنى ايه اللى جابه معاكى يا ايلينا ” 
فركت يدها و تمنت ان تخبره بما خططت له لتحرق اعصابه ولكنها تراجعت وهى تتأفف :
” ابنك معاك يا يوسف وخلصنا خلاص وياريت تاخد بالك منه ” 
ابتسم  بينما كانت توليه ظهرها وتمسك بيد مازن والتقط ذهنه ما كانت تخطط له.. فشاكسها ليثير غيظها:
 ” كويس انك انتى اللى بدأتى الخطوة دى واتعرفتى على ادم عشان لما نرجع لبعض الولد يكون ..“ 
قاطعته وهى تلتفت له فى حدة :
 ” بطل غرور يا يوسف ..كل الموضوع انى كنت عاوزة اردلك اللى عملته قبل كدة بس انا للاسف فاشلة ومقدرتش ...لازم تعرف انى لاعمرى هسامحك ولا ...“ 
” ماما ”
 همسة ضعيفة من ادم الصغير قطعت هتافها فنظرت اليه فى دهشة اختلطت ببعض من الحنان والعطف ليواصل بلهجته الطفولية :
” ليه مش كنتى انتى ماما ..انتى اكلتينى ولعبتى معايا ..انا بحبك ” 
ازدردت ريقها محاولة اخفاء الحرارة التى سرت فى جسدها من جراء كلمات هذا الصغير فقد ترجم بالفعل ما تمنته بدورها حتى وان نفته بداخلها مئات المرات ، اما يوسف فكاد ان يوسع ابنه تقبيلا على تسهيله لمهمته دون وعى فهز كتفيه وهو يبتسم لها:
 ”طالع لابوه هوا كمان بيحبك ” 
اتسعت حدقتاها  بشدة وزمرت شفتيها بينما هو يراقبها بتلذذ مانعا نفسه بصعوبة من الاقتراب ليضمها فكم اشتاقها فالتى تقف امامه هى ايلينا حبيته المشاكسة الخجول العنيدة الحنون.. كل شىء ونقيضه ..
هى معشوقته القديمة دون اى زيادة او نقصان ..وقوفها امامه اكثر من ذلك يعد امرا فى غاية الخطورة فسيطرته على نفسه بدأت تتلاشى . 
رفعت ايلينا نظرها اليه اخيرا وقالت فى صوت متلعثم: ” انت هتفضل وقح ”
 ولم تزد حرفا ..
اخذت بيد مازن وجرته خلفها فارة من يوسف البدرى وسحره وتأثيره بينما هو تنهد فى قوة وهو يقبل رأس ولده الذى واصل حديثه الساذج :
” ينفع بابا تبقى هيا ماما ؟؟“ 
ابتسم يوسف..
 لقد وقع الصغير بدوره تحت تأثيرها كما وقع ابوه من قبل ..
مسح على رأسه مجيبا فى حنان:
 ” ان شاء الله ..لازم يا ادم لازم ..كدة كفاية اوى ” 
نعم فجينا لم تعد تصلح اما من الاساس ...
 هاتفها فى الطريق ليسألها عن طفلها ..
اخبرته انه فى غرفته وحين طلب منها ان تتأكد من هذا الامر ، عادت اليه تخبره بكل برود وكأنهما يتحدثان عن حلقة فى برامج المواهب ان المربية اخبرتها فى الصباح ان السائق الذى سيحضر ادم مريض وان عليها ان تذهب بنفسها لاحضاره ولكنها نست الأمر تماما ..
 اعتذرت بسخافه عن هذا ليتوعدها يوسف ويلعن نفسه على خطأة الفادح الذى جعل جينا هذه اما لطفله ..
*************************************
فى ليلة ساحرة اقيم حفل زفاف ملك وخالد ، اهتمت ايلينا بالاشراف بنفسها على كل تفاصيله ..
دعت اليه كبار رجال الاعمال واعلنت عنه فى الصحف والمجلات كما هو المتبع ..
كم تمقت تلك المجاملات السخيفة واجواء الاحتفالات الصاخبة ولكنها مضطرة الى تحملها لاكمال هذه المظاهر ..
محاولات بائسة تحاول بها ان تتأقلم على جو رجال وسيدات الاعمال التى اصبحت منهم ...
تابعت بابتسامة هادئة رقصة البداية بين خالد وملك ، لاحظت همساته فى أذنيها وخجلها وهي تدفن رأسها في كتفه ..
 التقطت محاولاته لضمها اكثر من مرة وقبلاته المسروقة الخاطفة ورغما عنها تذكرت ليلتها مع يوسف حين غنى لها ” اجمل نساء الدنيا ”..
 تزاحمت حولها الذكريات حتى تلاصقت ببعضها فكونت سياجا منيعا منعها حتى عن  التنفس ..
حنين جارف لايمكنها مقاومته وهى تتذكر كل لحظة عاشتها معه ..
كل لحظة قضتها بين ذراعيه ...
كل لمسة منه لشعرها المجعد ..
 تجزم بأنه كان اكثر رجال هذه الارض حنانا ولكن ...، تنهدت بعمق وهى تحاول ان تتخلص من هذه الذكريات التى ستأخذها الى الجحيم ..
جحيم أشعله قربه ..
 انسحبت فى هدوء الى حديقة القصر لتتنفس بعيدا عن هذا الصخب ..
جلست على الارجوحة الواسعة امام المسبح ..
 شعرت بخطوات خلفها ، ضيقت عينيها فى تفكير ، اهى خطواته ؟؟
اما لازالت الذكريات تتلاعب بها ؟؟؟
هى تميز خطواته عن اى خطوات اخرى وكأنها بصمة خاصة به ..
 أخذت نفسا عميقا وماذا عن رائحة عطره ايضا ؟؟
لا يوجد رجل يستخدم هذا العطر سواه فهو يختلط برائحته الخاصة وكأنه قد خلق له ..
 لن تلتفت ابدا...
 اقتربت خطواته اكثر واكثر حتى اصبح حقيقة واضحة يجلس الى جوارها على ارجوحتها وينظر امامه قائلا فى هدوء مستفز :
” بقا يبقا عندكو فرح ومتعزمنيش ” 
التفتت اليه وعادت تنظر امامها :
 ” وانت ايه اللى جابك ؟؟“ 
ضحك قائلا:
 ” هوا ده الاتيكيت برضه ..ده انتى المفروض دلوقتى سيدة اعمال كبيرة ” 
نظرت له هذه المرة فى تمعن لتسأله في وضوح:
" انت عايز ايه يا يوسف ” 
امسك يدها فى غفلة منها وهمس في شوق:
 ” انتى عارفة انا عايز ايه ؟؟“ 
غضبت من نفسها لتلك الارتعادة التى انتقلت لكفها لمجرد لمسة منه فسحبت يدها محاولة اخفاء مشاعرها  لتنهره في حدة:
 ” متنساش نفسك ...ومتنساش انى خلاص مبقتش مراتك ومش من حقك انك ...“ 
قاطعها فى جدية :
 ” انتى مصدقة ؟؟؟....مصدقة ان مبقاش فيه حاجة تربطنا ؟؟“ 
نهضت فى بطء وهى تقول :
” ايوة يا يوسف ..انا كمان اتجوزت بعدك لو كنت نسيت ” 
قالتها رغبة فى اثارة غضبه وغيرته التى تعرفها جيدا ولكنها تفاجئت به ينهض فى هدوء :
 ” اتجوزتى ؟؟؟.....عيبك يا حبيبتى انك مش عارفة ان مفيش حاجة بتستخبى فى البلد دى والكل عارف ان جوازك من من احمد عزام كان على ورق لمجرد انه واثق فيكى ..ده سافر تانى يوم كتب الكتاب ” 
نظرت الى مياه المسبح محاولة القاء اى كلمة تثير به غيظه وتهدم به ثقته التى تستفزها تلك:
 ” انا كنت معاه الليلة دى قبل ما يسافر ” 
ابتسم وهو يدقق النظر بها  فى ثقة:
 ” كدابة كدب الابل يا حياتي” 
عضت على شفتها ..
عليه اللعنه هو وضعفها امامه ..
واصل وهو يقترب اكثر :
” انتى متقدريش تكونى لحد تانى غيرى ..زييى بالظبط ..مش انا بس لحد دلوقتى اللى  لسة شايفك مراتى ” 
ابتسمت فى تهكم :
 ” اومال جينا تبقا ايه ؟؟“ 
رد فى حزن :
 ” انا متجوزتش حد غيرك ابدا ”
 واضاف فى حسم :
“ وللمرة المليون بقولك ان اللى حصل كان غصب عنى ” 
عقدت ساعديها وهى تقول بعدم تصديق:
 ” ولما هوا غصب عنك مخليها فى بيتك ليه ؟؟“ 
أجابها فى ثبات :
” عشان مبقتش فارقة...من بعدك مفيش ست ممكن يكون لها مكان فى حياتى فخلاص خليها جنب ابنى ” 
كلمة ابنه من امرأة اخرى اثارت حنقها الذي لاحظه على الفور فواصل  فى حنان:
 ” لكن فى حالة انك تقررى ...“
 اوقفته بكفها  فى حزم :
” انا عمرى ما هقرر ولا هغير حاجة من اللى احنا فيه فعيش حياتك زى ما اخترتها ..ومن هنا ورايح مفيش بينا غير السوق الواسع ده ” 
ابتسم فى رقة :
” عارفة؟؟.. انا عندى يقين ان احنا هنرجع لبعض تانى معرفش ازاى ولا بأى طريقة بس انا واثق انى زى ما انا لسة قلبى بيدقلك فانتى كمان لسة بتحبينى ..اللى بينا مينفعش يتمسح بسهولة مينفعش ينتهى اصلا ” 
رفعت حاجبها  فى تحد :
” يقينك ده خاص بيك لكن بالنسبالى مجرد وهم احسنلك تفوق منه ” 
القت كلمتها الاخيرة وفرت من امامه فهى لم تعد تحتمل قربه اكثر فمقاومتها قد اصبحت هباءا ..
 تخشى على نفسها من نوبات هذا المجنون الذى لايضع اعتبارا لاى شىء وهى تعرف وتوقن انها ستتجيب له فكأن كل حواسها قد تحالفت معه عليها ..
ومن بعيد كانت هناك عيون ناقمة تراقبهم فى خلسة اذ عقد اسامة حاجبيه في ضيق:
” بقا كانو متجوزين ..اممم والبيه بقا بحر بيحب الزيادة بيفكر اكيد يرجعها وتبقى مجموعة عزام تحت ايده ونطلع احنا من المولد بلا حمص ” 
ابتسم الرجل المجاور له فى خبث :
” ازاى بس يا باشا ده انت ابن سيادتك صاحب المولد نفسه ” 
ابتسم فى تهكم قائلا :
” ابنى عايشلى دور الفضيلة وعاملى فيها روميو هو ومراته ” 
ونظر الى الرجل جواره  فى شر:
 ” خلاص هيا كدة خلصت ..لازم نخلص منها وبكرة هى الفرصة الوحيدة ...كلم الولد بتاعك يلعبلها فى فرامل عربيتها ..كدة تبقى قضاء وقدر والله يرحمها بقا "

+



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات