اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الثاني 2 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الثاني 2 بقلم نهي طلبة 


(2)

"بعض الحرمان.. كثير من الحزن.. بعض الفراق.. وكثير جداً من البكاء.. قليل من لحظات السعادة.. وكثير جداً جداً جداً من الألم.. إنها الوصفة السحرية لأي قصة حب مستحيلة.. لأي قصة عشق خيالية تدور أحداثها فقط في قلوب العشاق والمحبيين.."..

كانت تلك بعض من خواطر خطها حسن بعد انتهاء حفلة خطبته وآوى أخيراً إلى عزلة حجرته.. إلا أن هاتفه ما لبث أن دق مراراً وتكراراً مظهراً على الشاشة اسم نيرة.. ولكنه يتجاهله.. ففي كل مرة يسمع رنينه يرفعه بلهفة عاشق لسماع صوت محبوبته, ولكن في كل مرة يصدمه الواقع باسم نيرة..

فقرر تجاهل الهاتف واستمر في كتابه أفكاره وخواطره.. عله يصدر بعض من الحزن الذي يعصف به إلى الورق..

أخرجه من اندماجه صوت طرقات على باب حجرته وما لبث أن دلف مازن إلى الغرفة وهو يصيح بدهشة بعدما رأى حسن جالساً على مكتبه:

ـ حسن!!.. أنت لسه صاحي!

رمقه حسن بسخرية:

ـ لا.. نمت!.. أنت شايف إيه؟!

هز مازن رأسه بأسى:

ـ أنت لسه برضوه لابس قناع السخرية دا؟

ـ ما تشغلش دماغك بيا.. كنت عاوز حاجة؟..

خبط مازن يده على رأسه:

ـ آآخ.. كنت هنسى!

ثم دفع إليه هاتفه قائلاً:

ـ نيرة بتحاول تتصل بيك بقى لها مدة.. يظهر إن تليفونك فاصل شحن.

أمسك حسن هاتف مازن في يده للحظات قبل أن يرفعه إلى أذنه:

ـ مساء الخير يا نيرة..

انطلق صوتها مرتفعاً من الجهة الأخرى:

ـ حسن.. أنت فين؟ ليه مش بترد عليا؟.. أنت كنت بتعمل إيه؟

وصل صوتها المرتفع إلى مازن الذي استأذن ليخرج من الغرفة وهو يغلق الباب خلفه بهدوء, ويخفي وجهه الذي ارتسمت عليه أقسى معالم المعاناة والألم.. بينما زفر حسن بحنق:

ـ نيرة.. أنتِ عارفة الساعة كام دلوقتِ؟.. ازاي تتصلي على تليفون مازن في وقت زي ده؟ الساعة عدت واحدة؟

سألته بلهفة:

ـ أنت بتغير عليّ يا حبيبي؟

أجابها بهدوء:

ـ أغير إيه وبتاع ايه!.. هغير من أخويا!!.. أنا بتكلم عن الأصول.

كادت أن تصرح له بعشق مازن لها.. عشقه المرتسم في نظراته.. في مراقبته لها.. في صوته.. في كل تصرفاته نحوها... ولكنها عنيدة لا تريد إلا صعب المنال.. حسن.. فلم يخلق بعد من يرفض نيرة غيث.. كانت بالفعل على وشك إبلاغه بذلك العشق, الذي لا تعلم كيف لم يتعرف عليه ولكنها تراجعت.. إنها لم تمتلكه بعد.. لا تملك السيطرة الكافية عليه حتى تحاول استخدام مازن كورقة رابحة.. لم يحن الوقت بعد..

غيرت من أسلوبها وسألته:

ـ ما قولتليش إيه رأيك في فستاني الليلة؟ حلو ومختلف صح؟

فوجئ حسن بالسؤال.. فستان!!!.. أي فستان هذا الذي تسأل عنه.. كيف يجيب على هذا السؤال؟!!.. هو بالفعل لا يتذكر الفستان.. لا يتذكر تصميمه أو شكله.. ولا حتى لونه.. حاول.. وحاول.. جاهد ليتذكر كيف كانت تبدو ولكن لا شيء.. لم يمر في ذهنه إلا وجه منى.. وصوت شهقاتها الحزينة..

لم يعرف بم يجبها.. فأنهى المكالمة بسرعة:

ـ آسف يا نيرة أنا مضطر أقفل لأن مازن محتاج تليفونه وأنا كمان مرهق وهنام تصبحي على خير.

أغلق الخط بسرعة مدركاً أنه أثار غضبها بذلك.. لكن قدرته على التحمل قد انتهت ولن يستطيع مجاراتها في لعبة الخطيبين السعيدين... وهي أول من تدرك أنها لعبة.. تدرك طبيعة مشاعره نحوها.. وتعلم تماماً أنه عاشق لأخرى.. ولكنها رفضت التراجع.. أبت مساعدته بعد أن ذهب إليها يتوسل مساعدتها...

عاد بذاكرته لأسبوع مضى.. سبعة أيام فقط .. غيرت من حياته..

كان يومها في مكتب والده يحاول كعادته إقناعه بفكرة زواجه من منى.. بينما والده يعدد له مزايا الزواج من نيرة.. وعندما لاحظ عامر عزوف حسن الكلي عن نيرة, ألقى بورقته الأخيرة.. وكان التهديد بطرد نصر والد منى.. بل لم يكتفِ بذلك ولكنه ألمح إلى تلويث سمعة منى.. وتدبير تهمة تمسها وتمس شرفها.. وأبلغه أنه حدد موعد خطبته على نيرة بالفعل.. وحذرة من مخالفة أوامره

لقد صعق حسن من فداحة ما وصل إليه تفكير والده, بل وتحديده موعد خطبته بالفعل وإبلاغه به كأنه شيء لا يخصه.. فأدرك أن الأمر قد خرج عن السيطرة.. والحديث مع والده لن يؤدي إلا إلى أسوأ النتائج.. فتركه غاضباً مقهوراً بعدما اضطر أن يوافق مرغماً على الخطبة..

فكر يومها أنه إذا صارح نيرة بحقيقة الوضع وطبيعة مشاعره نحوها, فإنها ستساعده في إقناع والديهما بعدم جدوى ذلك الارتباط...

ضغط أزرار هاتفه ليتصل بنيرة:

ـ نيرة.. مساء الخير.. أنا حسن..

هتفت بسعادة على الجانب الآخر:

ـ حسن!!.. ياااااااااه.. أخيرااااا أنت اللي اتصلت بيا!

ـ اممم.. نيرة ممكن أشوفك دلوقتِ؟

هتفت بلهفة:

ـ طبعاً.. أنا في الفيلا.. هستناك.

كانت بالطبع تعلم أنه يريد أن يتنصل من الخطبة حتى يتفرغ لحبه الأبله لابنة السائق.. هل يظنها عمياء ولا ترى نظراته التي تنطق بالحب عندما ينظر إلى منى؟!.. أو صوته الذي يرتعش بعشقه عندما ينطق اسمها!.. ولكنها لن تمنحه الفرصة للهروب من الارتباط بها.. فذلك الارتباط بينهما شيء مقدر.. وهي متأكدة أنه ما إن يمتلك جمالها.. ويشعر بأنوثتها بين يديه سينسى كل ما في ذهنه عن ابنة السائق..

وصل إليها بأسرع ما يمكنه, فوجدها بانتظاره في حديقة منزلها ترتدي بنطلون جينز يلتصق بها وكأنه جلد ثانٍ لها.. بينما كشفت الفتحة الواسعة لبلوزتها عن أحد كتفيها الذي لمع تحت خصلاتها الحمراء الناعمة..

ما إن وضع قدمه في حديقة الفيلا حتى وجدها تسرع إليه مرحبة:

ـ حسن.. أنا مش مصدقة عينيا.. معقول أنت هنا قدامي!!.. أكيد أونكل عامر بلغك بميعاد الخطوبة.. تصدق الأسبوع الجاي.. بسرعة كده.. أنا مش عارفة إذا كنت هلحق أجهز نفسي في الوقت المناسب.. أنا بعت فعلًا عشان أطلب الفستان.. و..

قاطع حسن استرسالها في الكلام:

ـ نيرة.. لحظة.. لحظة..

تنهدت بقوة:

ـ آسفة.. الكلام أخدني من فرحتي يا حبيبي.. ونسيت أرحب بيك.. اتفضل.. اتفضل استريح..

واصطحبته إلى مائدة مستديرة تقع بجوار المسبح الدائري والمظلل ليخفي من بداخله عن العيون المتلصصة.. ويفصله حاجز زجاجي عن حديقة الفيلا الرائعة...

جلسا معاً حول المائدة وساد الصمت للحظات.. ثم أجلى حسن صوته وبدأ في الكلام:

ـ نيرة.. اممم.. بصي.. أنا مش عارف أبدأ الكلام منين.. بس واضح أنك عرفتِ أنه والدك ووالدي حددوا ميعاد الخطوبة..

اندفعت نيرة في الكلام مرة أخرى:

ـ أيوه.. بابي بلغني.. و..

قاطع كلاماتها وهو يحاول إفهامها ما يريد قوله:

ـ اسمعيني بس يا نيرة.. أنا لازم أتكلم معاكِ في موضوع مهم..

تجمدت ملامح نيرة تماماً وقد أدركت أن محاولتها لإلهائه عن سبب حضوره والذي تدركه هي جيداً قد فشلت.. فسألته بحذر:

ـ إيه؟!.. خير؟.. في ترتيبات معينة في دماغك؟.. أصحابك أعزمهم أنت براحتك.. و..

عاد لمقاطعتها بنفاذ صبر:

ـ نيرة.. من فضلك.. اسمعيني..

رمقته بحذر:

ـ إيه يا حسن؟.. أنت خوفتني..

تردد قليلاً يحاول إيجاد طريقة مهذبة ليخبرها أنه لا يريد الارتباط بها, ولكن هربت منه الكلمات ليجدها تخرج أفكاره في صورة كلمات أطلقتها في وجه بمنتهى السهولة:

ـ أنا عارفة.. أنت جاي ليه دلوقتِ!

فوجيء بكلماتها وردد بذهول:

ـ عارفة؟!!..

نهضت فجأة لتقف على قدميها وهي تخبره ببساطة:

ـ أيوه.. أنا بس ما كنتش عايزة أتكلم في الموضوع.. بس مادام ده هيريحك.. خلاص وماله.. نتكلم.. أنا عارفة أنك جاي تصارحني بعلاقتك بــمنى!

لم تمهله ليجيب واندفعت كلماتها:

ـ ما تقلقش يا حبيبي.. أنا مش زعلانة منك.. أنا فاهمة طبعاً إن كل شاب بيكون في حياته نزوات وعلاقات عابرة قبل ما يتجوز ويستقر..

صرخ بها وقد فاض به الكيل من وضعها الكلمات في فمه:

ـ بس منى لا هي نزوة ولا علاقة عابرة.. منى تبقى بالنسبة لي حاجة كبيرة وغالية قوي.. وده اللي بحاول أقوله لك.. أنا مش عايز أظلمك يا نيرة..

سألته بتحدي:

ـ تظلمني!!.. يعني إيه..

عاد ليتكلم بنبرة أهدأ:

ـ الوضع اللي إحنا فيه ظلم للكل.. أنا عاوزك تساعديني إننا نقنع والدي ووالدك باستحالة الارتباط بينا..

رفعت نيرة رأسها بشموخ:

ـ استحالة ايه؟!.. إيه الكلام الفارغ ده!.. الخطوبة الأسبوع الجاي وأنت جاي تقولي استحالة ارتباط!.. كل ده عشان حتة السنكوحة اللي أنت ماشي معاها..

صرخ بها:

ـ نيرة.. أنا ما اسمحلكيش..

قاطعته:

ـ ما تسمحليش!.. ما تسمحليش بإيه؟!.. أني أصارحك بالحقيقة.. أنه كل اللي في دماغك ناحية منى ده وهم ولازم تنساه..

اقتربت منه بجرأة وهي تمسد وجنته بظاهر يدها وقد تغيرت نبرتها:

ـ أنا هنسيك.. هنسيك كل حاجة.. حبي ليك هيعوضك وهنعدي الأزمة دي..

وأضافت بنبرة ذات مغزى:

ـ ولا أنت عارف أونكل عامر زعله وحش قوي..

صدمته الجملة.. وشلت تفكيره للحظات.. حاول أن يتبين من ملامحها إذا كانت تقصد ما فهمه.. أنها مشتركة مع والده في مؤامرة لإجباره على ترك منى والارتباط بها هي.. ولكنه لم يستطع فك شفرة ملامحها التي كانت ترسم ملامح عشق جارف موجه له وحده ولكن نظرات عينيها كانت تنطق بتحدي سافر, وتملك واضح وكأنها تحاول إخباره انه ملكها وهي لن تتنازل عنه...

أعاده للواقع.. الصوت المنبعث من هاتفه ينبئ عن وصول رسالة.. فتناول هاتفه بلهفة ليجد رسالة من منى..

"تصبح على خير.. لا اله الا الله"..

زفر براحة.. أنها لم تنسَ عادتهما اليومية.. لم تتخلى عنه بعد..

ضغط بضعة أزرار ليرسل لها الرد المعتاد..

"احلمي بيا يا ملاكي زي ما بحلم بيكي ليل ونهار".. وأردف برسالة أخرى

"محمد رسول الله"...

وانطلقت من صدره آهه ألم..

"آه يا منى لو تطاوعيني.. أنا هصبر بس لحد ما تخلصي كليتك.. ووقتها ما فيش حاجة هتمنعني عنك.. ولا حتى تهديدات عامر بيه.. حتى لو أخدتك وهربنا لأبعد مكان في الأرض"

************

تهادت نيرة في أروقة أحد أشهر نوادي القاهرة ترافقها صديقتها الوحيدة علياء.. وبدا أن الاثنتين تجتذبان أنظار الموجودين بشدة.. فنيرة بخطواتها الرشيقة الواثقة التي تستعرض روعة وكمال قدها الممشوق, والذي أظهره الرداء المخصص لرياضة التنس.. بتنورته البيضاء القصيرة جداً لتظهر رشاقة ساقيها الطويلتين, وجزئه العلوي الذي احتضن جسدها بشدة ليظهر تفاصيله كاملة للعيون التي أخذت تلتهم ذلك الجمال الذي يعلن عن نفسه بوضوح وتركت خصلاتها الحمراء للتطاير حول وجهها لتمنحها جمالاً وحشياً متفرداً.. على العكس من علياء التي تمتلك جمال ناعم وهادئ.. جمال حزين تشبه أميرة الثلج بشعرها الأسود الطويل وبشرتها البيضاء الناعمة وعينين حزينتين بلون السماء..

لم تمتلك علياء ثقة نيرة بنفسها, ولكنها كانت تحاول مجاراتها في جرأة ملابسها فارتدت بنطلون جينز أسود التصق بساقيها بشدة _حتى يبدو وكأنه تم إلصاقه عليهما_ وقميص ضيق أحمر اللون يغطي خصرها بالكاد..

سألت علياء بتردد:

ـ نيرة.. أنتِ مش مضايقة ولا مكسوفة من النظرات اللي بتاكلك أكل دي..

زفرت نيرة بحنق:

ـ وبعدين معاكِ بقى يا عليا.. أنا ما صدقت أنك اقتنعت تغيري ستايل لبسك.. وسيبتي اللبس العجيب اللي كنتِ مصرة عليه قبل كده.. إيه لازمة الكلام ده دلوقتِ؟.. وبعدين مش أنتِ عايزة حبيب القلب ياخد باله منك؟.. يبقى لازم تلبسي كده.. ما هو مش معقول هيبص لخيمة ما فيهاش أي علامات أنوثة!!

ـ خلاص.. خلاص يا نوني.. أنا آسفة.. بس كل ما أفكر أن أعمامي لو شافوني باللبس ده هيعملوا فيه إيه.. ركبي ترعش..

قاطعتها نيرة:

ـ أعمامك مين يا عليا؟!!.. دول ما صدقوا يرموا همك على أونكل عصام جوز مامتك الله يرحمها.. صحيح.. أنتِ عاملة إيه مع تانت سهام.. لسه برضوه مش طايقاكِ؟..

أجابتها علياء بألم:

ـ ما أنتِ عارفة يا نوني.. أنها مش ممكن تحبني.. دي حتى كل ما تشوفني تقولي إني بفكرها بـماما الله يرحمها.. وترص لي بقى القصيدة اللي أنتِ عارفاها.. خطافة الرجالة.. خرابة البيوت.. وكلام من ده.. عشان كده أنا بفضل أقضي معظم الوقت في المزرعة.. عند جدو.. أقصد يعني.. أبو عمو عصام.. ولولا كده.. كانت طردتني من زمان.. وخاصة أنها واخدة بالها إني.. إني..

قاطعتها نيرة:

ـ إنك بتحبي المحروس ابنها.. البشمهندس يزيد بيه الغمراوي..

ـ أنت بتتريقي عليا يا نيرة؟

تأبطت نيرة ذراعها وهي تخبرها بمداهنة:

ـ لا يا حبي.. مش بتريق ولا حاجة.. هي صحيح قصة حبك دي ملعبكة.. يعني موقفك صعب شويتين.. هي مش ممكن هتنسى أنك تبقي بنت الست اللي اتجوزت جوزها.. بعد عشرة 20سنة.. موقف صعب مش سهل..

تنهدت علياء بيأس:

ـ أنت ناسية أهم حاجة.. أنه مش معبرني نهائي.. ولا كأني موجودة.. وأما بيجي يكلمني بيكون كل كلامه مجموعة من المحاضرات على اللي يصح واللي ما يصحش.. ويكملها بشوية تعليمات ونصايح.. وغير ده كله.. خطيبته الآنسة المبجلة.. ريناد.. بنت خالته.. ده بيموت عليها يا نوني.. وأنا..

كادت أن تختنق بغصتها.. فسكتت قليلاً ثم أكملت:

ـ وأنا.. انا بموت كل ما اشوفه معاها.. وهي حاطة ايدها في ايده كأنها بتقولي ده بتاعي.. وعمره ما هيبصلك أبداً..

قربت نيرة رأسها من علياء وهي تسألها باهتمام:

ـ أنت بتعملي زي ما بقولك ولا لأ؟..

ترددت علياء:

ـ ما هو أصل..

صاحت بها نيرة بغضب:

ـ اصل إيه وفصل إيه!!.. اسمعي كلامي أحسن لك لو عايزة سي يزيد بتاعك ده يبص لك.. وإلا هتلاقي نفسك بتحضري فرحه زي ما حضرتِ خطوبته ودمعتك على خدك..

ـ يا نيرة.. صعب.. صعب علي قوي أني أقرب منه أو إني.. إني..

رفعت نيرة احد حاجبيها وهي تسألها:

ـ أنك تغويه؟.. لا يا عليا مش صعب.. خليكي بس لازقة فيه في كل حتة.. لاحقيه.. خليكي قدام عينيه على طول.. وفي اللحظة المناسبة اضربي ضربتك.. ومش هوصيكي على اللبس والميك آب وكده..

هزت علياء رأسها بخوف:

ـ خايفة يا نوني.. خايفة..

ـ أنتِ بس خايفة عشان أنتِ لسه صغيرة.. أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة.. وأنا أكبر منك بتلات سنين.. يعني أعرف حاجات وحاجات.. خليكي بس معايا وأنت تكسبي..

ـ أيوه يا نوني.. بس هو بيحب ريناد.. معقولة أني أقدر.. يعني أقدر أقرب منه وهو..

قاطعتها نيرة:

ـ أيوه تقدري.. أغلبيه بأنوثتك.. شوفتي إزاي أنا قدرت اخلي حسن يخطبني.. رغم إنه كان بيحب اللي اسمها منى دي.. المهم أنك تعرفي تلعبي بورقك صح..

ـ يا رب يا نيرة.. يا رب يحبني ربع ما أنا بحبه.. أنا راضية..

أكملا سيرهما وثرثرتهما معاً حتى سألت علياء:

ـ ما قولتيليش إيه أخبار حسن معاكي..

تغير وجه نيرة للحظات وهي تشرد في علاقتها بحسن أو بمعنى أصح انعدام علاقتها بحسن.. فهو يتجاهلها أو يتناساها منذ ليلة خطوبتهما, والتي مر عليها أسبوع كامل لم تره فيه ولو مرة وتعذره دائماً بكثرة العمل والمسئوليات.. حتى المكالمات الهاتفية.. تكاد تكون منعدمة.. ودائماً ما تكون هي المتصلة ولا تتعدى مدة المكالمة دقيقتين في أحسن الأحوال.. ولكنها لن تخبر علياء بذلك بالطبع.. فهي بغنى عن أي شماتة.. ليس أن علياء تكرهها, هي تحبها ومرتبطة بها بشدة.. تتبعها كالتابع المخلص.. إنها صديقتها الوحيدة.. رغم فارق السن بينهما لكنها الوحيدة التي تثق بها نيرة وتحكي لها أدق أسرارها, لعل فارق السن ذاك هو ما جذب نيرة لإقامة صداقة مع علياء.. فعندما تعرفت عليها كانت علياء فتاة خجولة منطوية تخشى الاندماج مع الناس.. هذا بخلاف ملابسها التي تشبة خيام الشاطئ.. لا تدري نيرة كيف قررت أن تتبنى علياء اجتماعياً وتتولى نصحها وإرشادها لتندمج في المجتمع الجديد عليها تماماً.. فهي كانت تقضي معظم وقتها في مزرعة الغمرواي.. ونادراً ما يسمح لها بالحضور إلي فيلا زوج والدتها بالقاهرة.. وذلك بالطبع بناء على رغبة سهام هانم الزوجة الأولى لعصام الغمرواي.. زوج والدة علياء.. والتي توفيت بعد زواجها من عصام بعام واحد.. تاركة ابنتها الوحيدة كأمانة في عنق عصام.. وذلك بناء على وصيتها التي أسرتها لعصام قبل وفاتها.. فأعمام علياء لا يبحثون سوى عن ميراثها من الأراضي الزراعية التي تركها لها والدها.. لذلك كانوا يتحينون الفرص ليضعوا أيديهم عليها, حتى عن طريق تزويج الفتاة التي لم تكن بلغت حينها الرابعة عشر إلى أحد أولاد عمومتها.. وهو الأمر الذي عارضه عصام بشدة.. واضطر أن يترك ميراث الفتاة تحت أيدي أعمامها مقابل السماح له برعايتها وتركها لتكمل تعليمها.. لكن ذلك لم يلقى استحسان سهام الزوجة الأولى لعصام, والتي قبلت على مضض زواجه المفاجئ من والدة علياء واعتبرته نزوة سرعان ما تزول.. وبالفعل زالت بعد وفاة نادية والدة علياء.. تاركة الفتاة الصغيرة التي قررت على الفور سهام نفيها إلى مزرعتهم لتعيش مع والد عصام.. لذا عندما تعرفت نيرة على علياء.. كانت الفتاة تستجدي الاهتمام والمواساة.. كما أن جمالها من النوع الحزين والهادئ والذي لن يؤثر على جمال نيرة الصارخ, بل وجودهما معاً يبرز وحشية جمال نيرة مقابل الجمال الحزين التي تمثله علياء.. وتحولت علياء إلى تابع مخلص أمين لنيرة تستمع لنصائحها وتنفذها بالحرف.. فغيرت من مظهرها وطريقة لبسها.. وعلمتها كيف تصبح سيدة مجتمع صغيرة.. كيف تلفت انتباه أي شاب ينال إعجابها بدون أن تمنحه أي وعد, لكن الشيء الوحيد الذي لم تستطع نيرة تغييره هو شعر علياء فكان منطقة محظورة ممنوع اقتراب المقص منه نهائياً بناء لوعد منحته علياء لأمها.. وعوضت نيرة ذلك بأن رسمت لها الخطط حتى توقع بيزيد.. ابن زوج والدتها.. لكن إلى الآن تلك الخطط لم تفلح سوى في إبعاد يزيد أكثر وأكثر...

خرجت نيرة من شرودها على صوت علياء:

ـ هاااااااه.. إيه يا بنتي.. روحتي مني فين؟.. آه على الحب وعمايله.. واضح إن حسن دايب فيكي وبقى زي الخاتم في صوابعك

ضحكت نيرة بتكلف:

ـ طبعا يا بنتي.. وهي بنت السواق دي تيجي جنبي حاجة.. يللا بينا نروح المطعم.. لأني مواعدة حسن هناك..

ولكنها كانت تكذب بالطبع فهي علمت بالصدفة بوجود حسن في النادي ليتناول الغذاء مع شقيقه مازن ويزيد صديقهما الحميم... وقررت أن تباغته بظهورها المفاجئ لتجبره على الاعتراف بها في حياته.. وممارسة دوره كخطيب فخور للفاتنة نيرة غيث..

***********

جلس الأصدقاء الثلاثة حول إحدى موائد المطعم الملحق بالنادي الشهير.. فجذبوا أنظار الجميع وخاصة النساء.. فكل واحد منهم يتميز بوسامة مميزة.. حسن بلون عينيه الزمردي النادر الذي تحسده عليه النساء.. ومازن بملامحه المنحوتة كأحد آلهة الأغريق.. ويزيد أكبرهم سناً وأكثرهم جذباً للأنظار بعينيه السوداوين التي تموج بالشقاوة والعبث وشعره الأسود الحالك.. وبشرته السمراء الجذابة.. كانوا اعتادوا على الالتقاء بانتظام.. ولكن ظروف العمل ومسئولياته جعلت أوقات لقائهم تتباعد أكثر وأكثر.. حتى أن يزيد لم يستطع حضور خطبة حسن لارتباطه بالسفر للخارج.. فقام بدعوة صديقيه على الغذاء كتعويض عن تقصيره في حقهما..

ربت يزيد على كتف حسن مهنئاً:

ـ ألف مبروك يا معلم.. عقبال الفرح والليلة الكبيرة بقى..

ابتسم حسن ابتسامة بلا معنى وهو يجيب صديقه:

ـ أنت مصدق نفسك يا يزيد.. لا وعاملي عزومة وغدا!!.. وأنت عارف اللي فيها..

تبادل يزيد النظرات مع مازن الذي أشار له خفية بتغيير الموضوع... فأطلق ضحكة مُحرجة وهو يتوجه بحديثه إلى مازن:

ـ وأنت بقى ناوي تقعد كده.. عايز تبقى أنت السينجل الوحيد اللي فينا.. يللا شد حيلك كده.. عشان نفرح فيك.. أقصد بيك أنت كمان..

ابتسم مازن بمرارة وهو يقول بسخرية:

ـ يللا يا سيدي إيدي على كتفك.. عندك عروسة لي؟.. بيتهيألي ريناد ما عندهاش أخوات بنات..

ابتسم يزيد:

ـ ريناد ما فيش منها اتنين.. هي ريناد واحدة بس..

ثم أردف بعبث:

ـ أنت بس شاور.. وهتلاقي البنات بتترص قدامك طوابير.. أنا فاكر أنهم كانوا أيام الكلية بيطنشوني أنا وحسن وبيموتوا عليك أنت..

ضحك مازن:

ـ أيوه يا سيدي قر بقى.. ما تسيبني سينجل ومرتاح..

دخلت نيرة بصحبة علياء في تلك اللحظة ولمحهما حسن من بعيد.. فقال بسخرية:

ـ خلاص يا مازن عروستك جت أهي!..

تبع مازن نظرات حسن والتقت نظراته بنظرات نيرة فشحبت ملامحه على الفور ولم يفهم ما يعنيه حسن.. فسأله بتوتر:

ـ عروسة!!.. عروسة مين دي؟!.. قصدك أيه يا حسن؟..

أشار حسن بعينيه نحو الفتاتين:

ـ أقصد علياء.. وكده يبقى زيتنا في دقيقنا زي ما بيقولوا..

جاء الدور على يزيد لتشحب ملامحه قليلاً وهو يقول بجدية:

ـ علياء إيه يا حسن.. إيه الكلام الفارغ ده!.. دي لسه عيلة صغيرة.. خلي بس نيرة تبعد عنها وتبطل لعب في دماغها..

التفت مازن بدهشة إلى ملامح يزيد التي زادت انقباضها بعد رؤيته لما ترتديه علياء.. والعيون التي ترمق جسدها الشاب بنهم.. وسمعه يغمغم بغضب:

ـ ماشي يا علياء.. حسابك بعدين.. أنا هعرفك ازاي تلبسي لبس زي ده تاني..

زادت دهشة مازن عند سماعه تلك الجملة.. وهز رأسه حائراً

"أرسى لك على بر يا صاحبي.. أنت عايز مين فيهم.. ريناد ولا علياء"؟..

سمع يزيد همس مازن لنفسه فقطب غاضباً:

ـ مازن!... أنت بتقول أيه؟!.. أنا..

قاطعه مازن:

ـ أنت مش عارف أنت عايز إيه..

أجاب يزيد بإصرار:

ـ ريناد طبعاً..

سأله مازن مشككاً:

ـ متأكد؟..

أشاح يزيد بنظره بعيداً وهو يجيب بخفوت:

ـ أيوه..

قاطع حسن حديثهما:

ـ أنتوا بتوشوشوا على إيه؟.. أنت صدقت بجد يا مازن وهتخطب علياء ولا إيه؟..

أجاب يزيد بخشونة:

ـ خلاص يا حسن.. أقفل الموضوع ده.. البنت جاية ومش لازم تسمع كلام زي ده.. زي ما قلت دي لسه طفلة..

اقتربت الفتاتان.. منهم وهنا انقلبت ملامح مازن وهو يرى ملابس نيرة وانتظر أي تعليق من حسن ولكنه بدلاً من ذلك سمع صوت يزيد وهو يصيح بعلياء:

ـ أيه اللي أنت لابساه ده يا هانم.. اتفضلي قدامي على البيت.. خليني أروحك بدل المسخرة دي اللي أنت عاملاها في نفسك..

واستأذن منهم وهو يسحب علياء من ذراعها بدون حتى أن يلقي التحية على نيرة أو يهنئها بالخطبة.. فهز مازن رأسه هازئاً..

ـ وبتقولي متأكد من اللي أنت عاوزه!!..

سأله حسن مستفهمًا عما يقصد.. فاعتذر مازن وانطلق هو الآخر راحلاً.. تاركاً حسن بصحبة نيرة..



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close