رواية مذاق العشق المر الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم سارة المصري
اخذت ايلينا ترصف الملابس فى الخزانة الخاصة بأخيها فى شقتهما الجديدة التى انتقلا اليها غير آبهة باعتراضاته المعتادة التي لم ينطق بها هذه المرة بل ظل ناكس الرأس..لم يتحسس الغرفة كعادته ليتعرف عليها بل جلس على طرف الفراش مطرقا في حزن ...
خصام شقيقته كان قاسيا للغاية على قلبه فهي المرة الأولى التي تعاقبه بهذه الطريقة ..
تنفس فى عمق وهو يرفع رأسه قليلا:
” ايلينا ”
ردت وهي تواصل ما تفعله دون أن تنظر اليه:
” خير محتاج حاجة ؟؟؟“
هز رأسه فى الم وعاد لينكسها من جديد ..
التفتت اليه لترى تردده وحزنه ووحدته ..علي لا يعرف شخص فى هذه الدنيا سواها ..هي صديقته وأمه وأخته وجل أهله ..
خدعه يوسف واستغل برائته وحبه له ، هو فى النهاية مجرد طفل حتى وان كانت لديه قدرات تفوق من هم في عمره فهذا لا يعني أنه تخطى سنواته الاربعة عشر وأصبح بخبرة كهل يدرك من يستغله ومن يحبه عن حق ...
قبضت كفها للحظات ..يكفي انها صفعته على وجهه لأول مرة في حياتها ..
رفع رأسه من جديد لترى دموعه تنحدر من تحت نظارته وهو يهمس بصوت متهدج:
” انا بحبك اوي يا ايلينا وعملت اللي عملته عشان كنت فاكر انكو ممكن ترجعو لبعض وانتي تخرجي من حزنك ..انا اسف والله مكنش قصدي ”
ازدردت ريقها في تأثر فدموع الصغير لم ترها منذ وفاة أبيه
نهض في ضعف يتحسس طريقه أمامه حتى وصل اليها ليحيط خصرها بذراعيه ويضمها اليه مواصلا:
” سامحينى بقا ..انا اسف خلاص ”
اغمضت عينيها وهي تشعر بارتجافه ودموعه التى أحرقت فؤادها فمالت لتقبل رأسه وتحتضنه بقوة وهي تقول في حنان :
” خلاص يا علي ”
شهق طويلا وهو يرفع رأسه اليها قليلا كأنه يراها بالفعل:
” يعنى خلاص سامحتينى ؟؟؟“
ابتسمت وهي تمسح على شعره البني الفاتح:
” ايوة بس توعدني انك متخبيش عني أي حاجة تانية ويوسف بالذات لو طلب منك أي حاجة او كلمك تيجي تقولي على طول مفهوم يا علي ؟؟“
ابتسم بين دموعه وهتف في سعادة :
” مفهوم ايلينا ”
*************************************
أربعة اشهر مرت وهو لا يعرف أي شىء عنها ..
لا يعرف أين ذهبت واختفت هكذا وكأن الارض ابتلعتها ولم تترك لها أثر يذكر ليدلها الى مكانها ....
لا يعرف أحد كيف غادرت المشفى ولماذا لم تعد الى منزلها ؟؟..
حتى علي الصغير لم يعد الى مدرسته هو الاخر ....
شك فى البداية فى هجرتهم الى باريس مجددا ولكن رجاله أخبروه بعدم حدوث ذلك بعد مراجعة كشوف السفر فى المطار ...
شك فى أن يكون فؤاد قد الحق بهم أي أذى وبعد وضعه تحت المراقبه ليل نهار انتفت أي علاقة له بهم مطلقا ...
هل تختار دائما العقاب الأكثر قسوة لقلبه وتذيقه اياه ...
هي تعلم جيدا أن غيابها عن عينيه هو أكثر شىء لا يتحمله ..نعم سيطر عليه كل ندم العالم بعد ما فعله معها ..
بعد أن عايش كسرتها وصدمتها وخيبة أملها فيه ...ولكن هو لم يقصد مطلقا ان يصل بها الى هذا الانهيار ...
كل ما أراده ان تلتمس له العذر حين يضعها قيد الاضطرار...لم يتمخض ذهنه سوى عن تلك الفكرة التي أدرك حماقتها وهو يتلقى عقابه القاسي فراقا وكمدا ..
أو ربما أراد ان تنقذه من شعوره بالذنب وتحمل هذا الوزر الثقيل عنه ..
وزر موت امه وموت طفله الذى تمناه منها ...
نظر الى جينا التي ترقد في هدوء على الفراش وتساءل لما لازال يحتفظ بها حتى الان ؟؟
هل لتبقى أمام عينيه طيلة الوقت تذكره بذنبه الشنيع؟ ام من اجل ولده ؟..
ابتسم وهو يردد في سخرية دحضت تماما هذا الاحتمال ...ولده الذي لا تعطيه أدنى اهتمام بعد أن أوكلت مهمة العناية به الى مربية وهي بالكاد تعرف ملامح وجهه ..
تأملها من جديد...
تأمل شعرها الاشقر...
ملامحها المغوية ..
جسدها المنحوت باثارة ...
لما لا يراها الا مجرد مسخا ؟؟...
ذنبا ...
سببا لكل ما يعانيه فى حياته ...
اهي هكذا بالفعل أم أنه أصبح يبحث عن أي سبب يعلق عليه اوزاره بعد أن كلت كتفاه من تحملها ؟؟
وهي بدورها قد توقفت عن الحديث عن المشاعر ..
ملت تماما من محاولاته البائسة للتقرب منه فهو لم يمسها فى حياته سوى تلك المرة التى غيبته بها عن العالم...
حتى بعد زواجها منه وطلاقه لايلينا حاول ان يتقرب منها فقط لافراغ غيظه من الثانية ففشل .. كان يشعر بالاشمئزاز بمجرد أن يشتم رائحتها ليسلم أخيرا انه رغم كل شىء لا يوجد انثى تؤثر به سوى حبيبته العنيدة ومن هذه اللحظة اصبح كل ما يربطه بجينا هو المال الذي تسرفه بسخاء ويعطيه لها ببذخ اكثر كأنه أجرها عن بقاءها الى جوار ولدها الذي لاتهتم به من الاساس رغم تعلق الطفل الشديد بها ، تنهد فى عمق وهو يخرج هاتفه يبحث عن اسم فارس وهو يتذكر ما حدث بينهما منذ فترة....
تلقى يوسف قبضة فارس بكفه وتفاداها فى مهارة ، نظر اليه فى غضب قبل أن يصرف الرجال بنظرة من عينه ، وحين اختلى به هتف في ثورة:
” انت اتجننت يا فارس!! ”
تعالت أنفاس فارس وعيناه تتسع في غضب مخيف :
” انت اللي واضح انك اتجننت ..انت ازاي تستغل واحد من رجالتي من ورايا وتخليه يعمل اللى يعمله ده مع ايلينا ”
تمعن به يوسف للحظات ...
لا يتخيل أن هناك رجل ايا كان يضربه دفاعا عن ايلينا ، هو حصن ايلينا وحماها ولا يقبل ان يأخذ احد هذا الدور ابدا ولولا انه يعرف قصة فارس جيدا لسحقه الان سحقا لو شك مجرد شك بتحرك مشاعره نحوها
واصل فارس بعد أن مسح وجهه في محاولة بائسة للتحكم في أعصابه :
"شوف يا يوسف... احنا اصحاب من زمان وانا وافقتك وكملت فى اللي أنت عايزه بس عشان صداقتنا ..لما جيتلي بعد ما طلقت مراتك وقولتلي انك عايز تساعدها وتحميها من غير ما تحس أنا وافقتك ..وافقتك كمان لما رفضت أي حد من رجالتي يقوم بالمهمة وخلتني انا صاحب شركة الأمن نفسها اللي اقوم بيها لانك مش قادر تثق فى حد غيري ..وافقتك على جنونك حتى لما خلتني اروح اقولها اني عايز اتجوزها بس عشان سيادتك تعرف اذا كانت لسة بتحبك ولا لأ ولما تعرف تعمل كدة يا يوسف ؟؟”
تنهد يوسف وهو يجلس في هدوء .. تلك اللهجة الحارقة التي يحدثه بها يعرف جيدا ما سببها .. قصة فارس القديمة التي تشبه تلك القصة...
حبيبته التي تشبه في طباعها طباع ايلينا ...كور قبضته عند تلك النقطة من تفكيره ليميل الى فارس ينتشله من اعتقاده هذا :
” ايلينا مش فريدة يا فارس ..خليك فاكر ده كويس ”
ازدرد فارس ريقه وهو يجلس بدوره في تهالك على كرسيه ..فرك جبينه للحظات يحاول أن يتجاوز شريط الذكريات السريع الذي هاجم خياله ليهمس باحدى مبرراته في ضعف :
” بس انسانة وثقت فيا ومش أنا اللي أخذل حد وثق فيا أبدا حتى لو كان عشانك يا يوسف ”
ضرب يوسف المكتب بقبضته يمنعه من مواصلة مهاتراته تلك ..يمنعه من مواجهته بايذائه لحبيبته:
”فارس افهم ..ايلينا دى تبقى مراتي أنا مسئوليتي أنا محدش في الدنيا يخاف عليها ويحبها قدي ”
ابتسم فارس فى تهكم وهو يشيح بوجهه بعيدا:
” اومال لو كنت بتكرهها كنت عملت فيها ايه ....للأسف يا يوسف أنت خسرتها باللي انت عملته ده ”
نهض يوسف في بطء ...تمشى بهدوء حتى وصل الى النافذة ...تنهد في عمق قبل أن يتهدج صوته وهو يخبر صديقه فى حزن :
” محدش فيكو هيقدر يفهم انا عملت كدة ليه ”
أسبل جفنيه للحظة ازدرد فيها لعابه بصعوبة قبل أن يلتفت مجددا الى فارس ويقول في جدية وهو يشبك كفيه خلف ظهره :
” على كل مش موضوعنا ...أنا عاوز أعرف هيا راحت فين ودي مهمتك أنت يا فارس ”
نهض فارس وقال بعد ان تأمله للحظات :
” حبك غريب يا صاحبي ..أي حد يفكر بس يقرب منها بتنسفه وفى نفس الوقت تعمل اللى عملته ده معاها !!”
ابتسم يوسف وهو يلتفت للنافذة مجددا ليجيبه في تأثر واضح :
” انا بس ألاقيها وهصلح كل حاجة ...دور يا فارس مرة واتنين وعشرة أنا مش بثق فى حد قدك ”
وبالفعل مرت أربعة اشهر دون ان يعرف اى شىء عنها ...
كلف فارس وغيره بالبحث عنها دون جدوى ، عاد من شروده فجأة وذهنه يتفتق عن فكرة ما ..
أدار رقم فارس وحين جاءه صوته سأله مباشرة :
” فارس... أخبار منصور التهامي ايه ؟؟؟“
تأفف فارس في ملل:
” أنا مش عارف شاغل دماغك بيه ليه ..واحد خرج من السجن من كام سنة وحاليا مدمن مخدرات ومفيهوش حيل يمشى خطوتين على بعض ايه اللى يهمك فى حاجة زى دي ”
رد يوسف بسرعة وصرامة :
” أنا عاوز اخباره كلها تكون عندي باستمرار ومن غير مناقشة فاهمني ”
*****************************************
اخذت تدق على حاسوبها فى انتظام وتركيز واضحين وهي تدون بعض الأشياء في ورقة الى جوارها قبل ان تلوي فمها بانزعاج واضح وهي تتمتم فى حنق:
” زي ما اتوقعت ”
ستة أشهر مرت على عملها في مجموعة عزام ، عرفتها ملك على أبيها احمد عزام ..
ذلك الرجل الذى يحمل من الهيبة والوقار بالقدر الذى يحمله من الطيبة والحنان ..
اخبرته بقصتها كاملة فتعاطف معها فرفضت أن يأخذ هذا التعاطف دوره في العمل..هي لم تخبره من أجل هذا بل أرادت أن تكون كتابا مفتوحا من البداية لمن سيستأمنها على عمله وماله ..
أصرت أن تخضع الى فترة اختبار قبل أن تستلم عملها بشكل رسمي وبالفعل أذهلته ففي أقل من شهرين اصبحت مديرة لمكتبه وكالعادة ايلينا اضافة حقيقية قوية لأي مكان تعمل به .
اتخذت احتياطها جيدا حتى لا يعرف يوسف مكانها ..المصادفة ساعدتها في البداية فمقر المجموعة فى الاسكندرية وليس القاهرةو ليست للمجموعة أي صلة او تعاملات تذكر مع مجموعة البدرى ..والخطوة الأخيرة هو تحريف اسمها قليلا لتختار اسم الدلال الذى كانت تناديه بها ملك ليكون اسما رسميا يعرفه الجميع بها وهو ” ايلا ”
جمعت ما دونته وذهبت به الى أحمد ..
طرقت مكتبه في رفق فأذن لها بالدخول ، ابتسم حين رآها فاقتربت لتضع الاوراق على مكتبه قائلة في جدية :
” انا عاوزة حضرتك فى موضوع مهم ”
وضع أحمد القلم الذى بيده فى حاوية الاقلام وهو يعقد حاجبيه فى اهتمام :
” خير يا ايلينا ...موضوع ايه ؟؟؟“
عضت ايلينا على شفتها فى حيرة فالأمر برمته محير حقا فتنهد أحمد في فضول :
” ها يا يا ايلينا قولي أنا سامعك ”
رفعت رأسها تخبره في سرعة شديدة حتى لا تدع فرصة للتراجع :
” بصراحة يا فندم اللي حسبته لقيته ..فيه تلاعب فى الحسابات بتاعة المجموعة وخاصة اللي تحت ايدين أسامة بيه ”
اطرق احمد برأسه للحظات دون أن يعلق فألقت رأسها الى كتفها الايمن وهي تنظر له فى دهشة فلم يبدو عليه الصدمة مطلقا وهي تخبره أن اخيه الذى يعمل فى خيره يسرق امواله ..
تنحنحت وسألته في حيرة :
” أحمد بيه هوا ليه حاسة ان حضرتك متفاجئتش ”
رفع أحمد رأسه بابتسامة متعبه وهو يقول :
”لا ..كنت متوقع ...“
وتراجع فى كرسيه يطالعها في اعجاب :
” اللي أذهلنى بجد هوا شطارتك انتي يا ايلا ....بجد كل يوم بتثبتيلي ان ملك قدمتلي هدية حقيقية ”
ابتسمت في خجل لم يطغى على حيرتها التي كان لها النصيب الأكبر في امر هذا الرجل ..
هل هذا كل ما يشغله ؟؟؟
ماذا عن خيانة اخيه وسرقته له؟؟
رفعت رأسها من جديد تحاول أن ترضي فضولها :
” طب ازاى يعني حضرتك شاكك فيه ومع ذلك بتشغله هوا ملوش أي رأس مال فى المجموعة واللي اسمعه أن ضيع فلوسه من زمان اوي ”
شبك احمد اصابعه وهو يوضح لها في بساطة أغاظتها:
” اسامة يبقا اخويا فى الأخر.. بعد ما خسر فلوسه انا جبته هنا وشغلته وبقا للأسف معاه كل اسرار شغلى ..انا كنت شاكك من فترة انه بيسرق من ورايا بس طبعا مينفعش بعد ما تبقى معاه كل اسرار الشغل انى ارفده لأنه ساعتها هيفكر ينتقم وهنبقا احنا الخسرانين ”
زفرت ايلينا فى ضيق من مبرراته تلك وأعدتها سلبية الى حد كبير :
” يعنى حضرتك هتسيهاله كدة ينهب زى ماهوا عايز ”
نهض احمد فى بطء ينفي ما ظهر واضحا في نبراتها عن اتهامه بالعجز عن المواجهة:
” بمزاجى يا ايلينا ..فى الوقت المناسب هنحل كل حاجة ”
عضت على شفتها لتتجاوز الأمر وهي تنظر الى ورقة اخرى :
” الغريبة بقا هوا خالد ابنه ..كل حساباته مظبوطة والمصنع اللى بيديره من انجح مصانع المجموعة ”
هز احمد رأسه مصدقا على حديثها :
” ده حقيقى ..خالد غير ابوه تماما ..ونفسى ملك فعلا تفكر فى موضوع جوازها منه بشكل عملى اكتر ”
شردت ايلينا بعينيها قليلا :
” ملك خايفة ..اكيد حضرتك عارف ان تجربتها الاولى افقدتها الثقة فى حاجات كتير ”
وقبل أن يرد احمد تفاجىء بمن يفتح الباب ويدلف الى المكان في عنف وهو يتجه مباشرة الى ايلينا صائحا في غضب:
” انتى فاكرة نفسك مين ؟؟؟بأي حق تاخدى كل الحسابات وتراجعيها ”
أوقفه احمد في حدة:
” اسامة كلامك معايا انا ....انا اللى طلبت منها ده ”
تطلع أسامة اليها في غيظ وهي ترمقه في ظفر واضح وتحد كأنها تخبره بعدم اكتراث شعرة واحدة من جسدها بما يفعله ..زفر في ضيق وهو يلتفت الى أخيه: ” بأى صفة ان شاء الله دي مجرد سكرتيرة ”
مسح احمد وجهه ليهدأ :
” انت عارف ان ايلا اكتر من مجرد سكرتيرة دي.. ”
قاطعه اسامة وهو يبسط كفيه متهكما فى وقاحة:
” اه طبعا عارف انها اكتر من سكرتيرة ”
واضاف في استهزاء وهو ينظر اليها مجددا :
” اكتر بكتير ”
فهم احمد وايلينا مارمى اليه أسامة وقبل ان ترد سارع احمد بالرد نيابة عنها:
” تلميحاتك السخيفة دى مش هقبل بيها يا اسامة ..انت فاهم ولا لا ...واياك تدخل هنا تانى بدون استئذان انت فاهم ”
ضحك اسامة باستفزاز وهو يضع يديه في جيبه:
” اعمل ايه بس ما كل مرة باجى بلاقيها جوة معاك ”
هتف به احمد في غضب:
” اسامة ”
هز اسامة كتفيه فى لامبالاة :
” خلاص خلاص انا ماشى ”
ونظر الى ايلينا فى شماته وهو يرى امارات الغضب على وجهها كأنه يخبرها انه وجد الطريقة المثلى للنيل منها ، وبمجرد ان اغلق الباب التفت احمد الى ايلينا قائلا في أسف:
” متزعليش يا ايلينا هوا لما بيتزنق بيقول اى كلام ”
ابتسمت ورفعت رأسها فى شموخ معتاد:
” يقول اللى يقوله هوا يعنى الكلام بفلوس ”
ضحك احمد من ثقتها التي تذهله دوما:
” يلا اديكى قولتى ”
وتأملها لحظات قبل ان يقول:
” ايلينا انتى عارفة انك عندى زى ملك بالظبط ”
هزت رأسها بسرعة قائلة:
” عارفة يا فندم ومش هنسى وقوفكو جنبى ابدا ”
ابتسم قبل أن يزمر شفتيه ليقاوم تردده ويخرج جملته أخيرا:
” طيب ده هيشجعنى اطلب منك طلب غريب شوية ”
*************************************
هبط من سيارته بوقاره المعتاد ..
اغلق بابها وقبل ان يغادر المكان توقف فجأه ..
اتسعت عيناه ليمكنه احتواء المشهد أمامه ..
رفع نظارته في حنق ليمكنه الرؤية بوضوح أكثر ..
لم يمكنه بالفعل أن يحدد ماهية شعوره وهو يراها تهبط من سيارة أحد موظفيه ..
أهو غاضب ام ساخط أم يشعر بالغيرة ..
لا ..
أي غيرة !!
الغيرة عشق وقد كفر بكل ما يرتبط به منذ زمن ..
استحضر مشهد خياتتها البعيد ليبرر ما يشعر به ..
هو استعادة لألم سابق ليس اكثر ..
ألم لن يبرأ منه بسهولة ولكنه يحتاجه ليحفظ كرامته ..
تنهد في عمق وهو يحاول ان يرخي عضلات وجهه المنقبضة قليلا بينما يتقدم اليه الاثنان بابتسامة روتينية بسيطة بادلها اياهما في استسلام ..
"صباح الخير باشمهندس حسام "
قالها الشاب في هدوء ليجيبه حسام بهدوء اقرب الى البرود :
"صباح الخير يا هاني "
وانحرف بنظراته اليها ليخبرها وهو يرفع حاجبه :
"صباح الخير يا ايتن "
هزت ايتن رأسها :
"صباح الخير "
عقد ذراعيه خلف ظهره قبل ان يسألهما :
"انتو جاييين مع بعض ولا ايه ؟؟"
رد الشاب في بساطة :
"لا اصل ايتن كان.."
وقطع جملته صوت رنين هاتفه فابتسم حسام قائلا :
"طيب اتفضل انت رد على تليفونك واطلع شغلك "
هز الشاب كتفيه قائلا :
"طيب تمام "
وابتسم لايتن مضيفا :
"هتطلعي يا ايتن ولا ..."
قاطعه حسام في حدة :
"اطلع شغلك يا باشمهندس وسيب ايتن عشان عاوزها "
عقد الشاب حاجبيه في تساؤل وجهه لايتن التى ابتسمت في بساطة :
"طيب اطلع يا هاني وانا هحصلك "
راقبه حسام حتى اختفى ليلتفت اليها ..
نظر اليها لحظات كأنه ينتظر منها ان تبرر..
التزمت الصمت بدورها..
نظراته المتهمة لها على الدوام واضحة وقد سأمت الدفاع عن نفسها بداع او بدون ...
مسح وجهه بيده وسألها في حنق واضح :
"ايه اللي بيحصل ده بقا ان شاء الله؟؟ "
ضيقت عينيها في تعجب :
"قصدك ايه ؟؟..مش فاهمة ؟؟"
احتد عليها تاركا العنان لغضبه المختزن :
" هوا انتي ايه!!!.. استهتارك ده ملوش اخر ؟؟..اي حد تركبي معاه عربيته ...وياترى دي اول مرة ولا الهانم متعودة "
"باشمهندس حسام "
هتفت في صرامة لم يعتدها منها مطلقا ..
صرامة اصابته بالدهشة فألجمته عن مواصلة ما بدأه ..
كل ما اعتاده منها طيلة السنوات الماضية هو محاولاتها لترضيته ويبدو انها ملت فأرادت ان تبحث عن مستقبلها مع اخر ..
قطبت حاجبيها مواصلة في غضب :
"انا مش مستهترة ..لو بصفتك مديري في الشغل فحضرتك عارف اني ابعد ما يكون عن الاستهتار ...انا مغلطتش غلطة واحدة بالعكس انت بنفسك عينتني مديرة للحسابات لما شفت كفائتي ...اما بقا حياتي الشخصية فمعتقدتش انها تخص ادارة الشركة في حاجة"
قاطعها وهو يشير بسبابته :
"متخصش الشركة ..بس تخص سمعة صاحب الشركة اللي هو ابن عمك يا استاذة ...ده غير اني مش ناقص غلطة جديدة ليكي ..وقتها هواجه ابوكي واخواتك ازاي وهما فاكرين انك هنا تحت عيني "
عضت على شفتها في الم..
يصر على التلويح بخطأها في كل وقت ..
يصر دوما ان يكرر على مسامعها ذنبها الذي ارتكبته في لحظة طيش ..
كأنه يعيرها ويخلع عنها كل تلك السنوات التي غيرت فيها الكثير ليحصرها في تلك الصورة التي تحاول أن تتناساها
ألم يجتازها واختار حياته ؟؟
ماذا يريد منها اذن ؟؟
لقد احبت العمل في المكان ..
أحبت نجاحها وتميزها يوما عن يوم ..
أحبت تدرجها في الوظيفة بناءا على كفاءتها لا على أنها ابنة صاحب المال..
لم يخطر ببالها ان تترك العمل مع حسام لتنتقل الى مجموعة ابيها ولكن يبدو أنه سيجبرها على ذلك ...
"سكتي ليه ؟؟؟"
انتشلها صوته من أفكارها فأشاحت بنظراتها بعيدا عنه وهي تجيبه :
"لو فاكر اني هقعد ابرر زي كل مرة تبقى غلطان ...لو مصدق حاجة عني صدقها ...انا خلاص تعبت ..انا مفيش حاجة بيني وبينه ...ده الله يخصك يا ابن عمي ولولا ان عربيتي عطلت في الطريق وهوا عدى عليا صدفة مكنش هييجي بالي من اصله اني استعين بيه ...ولو انت شايف اني مستهترة وخايف تشيل مسئوليتي فعنك انا مرضهالكش ...تقدر تعتبرني مستقيلة من دلوقتي "
تنهد في عمق وأمسك بذراعها حين همت أن تذهب ..
نظرت الى كفه في استياء فرفعه وهو يخبرها :
"انا اسف اتعصبت عليكي من غير داعي انا عارف "
وأضاف بصعوبة :
"انا مقدرش انكر انك ..."
اوقفته بكفها :
"حسااام ...انا تعبت ...سامعني ...تعبت ..."
وأضافت في جدية متخلصة من حشرجة الألم في نبرتها :
"انا في حاجات كتير لازم اظبطها مع قسم الحسابات قبل ما امشي ...وياريت تدور على مين ياخد مكاني علشان افهمه الشغل ماشي ازاي قبل ما اسيبه "
وتراجعت خطوة للخلف :
"بعد اذنك "
راقبها وهي تختفي من امامه ...
ضرب السيارة بكفه في عنف ...
من أي شىء هو غاضب الان؟؟ ..
هل يخشى من الاجابة ؟؟
هل يخشى أن يجد التفسير ؟؟
لا والف لا ..
العقل سيعطيه مفتاح القرار حتى النهاية ...
والعقل اختار نور ولن يحيد عن قراره مطلقا ...
لا وقت للحب ..
لاطاقة للحب ..
لا مشاعر بامكانها ان تتحمل عذاباته من جديد ..
ومن بعيد انحدرت دمعتان من عينين تابعتا المشهد من أوله ..
عينان تفهمتا الموقف بشكله الصحيح ليدرك القلب ان الفرصة قد انتهت بل لم يكن هناك داع لوجودها من الاساس ..
حسام عاشق تكابره كرامته في العفو عن ذنب اقترفته ايتن ليرفض حبها المطعم بندم سنوات مرة بعد مرة ..
ولكن العشق اقوى من المكابرة ويوما ما سيرضخ الكيان كله له وتكون هي مجرد عقبة ..
هل تنتظر ان تكون في هذا الدور ؟؟
لا وألف لا ..
انتهى الاختبار الذي خضع له الجميع ولم يعد بمقدور الزمن أن يعطي وقت اضافي فالنتيجة قد أعلنت...
لم ينجح أحد ...
********************************
+
” يا فندم اللى حضرتك بتطلبه ده صعب جدا ..انا اسفة" هتفت بها ايلينا وهى تهم بالخروج تاركة المكان فنهض احمد يستوقفها في هدوء:
” ممكن تقعدى وتسمعى للاخر وتبطلى استعجال ”
عقدت ساعديها امامها فى ترقب لما سيقوله فواصل :
” الجواز ده هيبقى مجرد ورقة يا ايلينا وتأكدى انى لو رجعت من رحلة العلاج دى عايش اول حاجة هعملها انى هرجع كل حاجة لأصلها ”
قطبت حاجبيها فى حيرة فأشار لها بالجلوس :
” اقعدى يا ايلا خلينا نعرف نتكلم ”
جلست فى بطء محاولة استيعاب هذا الجنون ..
نعم فكلمة زواج بعد يوسف رغم كل ما حدث بينهما لا تعنى سوى هذا ...
ماحدث ماهو الا رد فعل طبيعى بااللاوعي ، جلس احمد مقابلا لها وهو يردف في هدوء:
” انتى عارفة انك بالنسبالى زى ملك بالظبط لكن اديكى سمعتى اسامة من شوية وتلميحاته الوقحة ”
ومال الى الامام ليوضح أكثر :
” المرض يا ايلينا كل يوم بيتمكن منى وملك كل يوم بتضغط عليا اكتر عشان اسافر ومكنش ينفع اسافر واسيب كل حاجة فى ايدين اسامة او اى حد ..لكن واحدة زيك بذكائك وحنكتك اسلمها روحى وانا مطمن ”
لوحت بكفيها فى تذبذب :
” انا ممكن اعمل كل ده يا احمد بيه ..مش فاهمة بس الجواز هنا لزمته ايه ؟؟؟“
” لزمته ان احنا هنمنع اى كلمة سخيفة وملهاش لزمة ممكن تتقال ..لزمته ان لو جرالى حاجة ”
وقبل ان تقاطعه اوقفها بكفه ليواصل :
” هيكون ليكى صفة رسمية تخلى ملك تعملك توكيل بالادارة وكمان هيكون ليكى الوصايا على مازن اخوها ويارا لحد ما يكبرو ومازن يقدر يدير كل حاجة ”
نهضت في بطء وهى تفرك يدها فى توتر فنهض احمد امامها مواصلا:
” انا مش بس بوصيكى ع الشغل يا ايلينا انا بوصيكى على ولادى ..ملك متعرفش اى حاجة فى شغل المجموعة وممكن كل حاجة تضيع وحقها وحق اخواتها يتنهب ..وخلى بالك وجود مازن هوا اللى مانع الورث عن عمه اسامه وممكن بسهولة ”
وضغط على شفتيه فى الم فواصلت ايلينا الحديث عنه وهى تضيق عينيها فى حذر:
” قصدك انه ممكن يأذيه ....يأذى طفل صغير وكمان ابن اخوه ”
شرد بعينيه وهو يجيبها فى أسى:
” الطمع يعمل اكتر من كدة يا ايلينا للاسف ”
تنحنح ليجلي صوته الجاد وعاد ينظر اليها :
” المهم انتى حاليا مش مجبرة على حاجة ..بس لو وافقتى يبقى عملتى فيا معروف مش هنسهولك ابدا ”
مسحت وجهها بكفها وسألته في ترقب:
” هيا ملك تعرف بعرضك ده ؟؟؟“
هز احمد رأسه بالايجاب:
” قولتلها امبارح وتفهمت كل حاجة ..وخاصة انه الحل الوحيد قدامها عشان اسافر ”
برمت ايلينا شفتيها في تفكير:
” بس يا فندم دى مسئولية كبيرة و..“
قاطعها احمد في حسم :
” انا عارف انك قدها ”
التفتت اليه ، هذا الرجل الذى وقف الى جواررها فى ازمتها هو وابنته فكانا عوضا لها عن الاهل ..
تذكرت كيف اودع كل ثقته فيها وساندها لتستعيد نفسها من جديد..
ساعدها لتسترد ايلينا القديمة قبل ان يحطمها يوسف البدرى ..
رأت الخطر بالفعل محدق بالجميع وهى بيدها ان تدفع كل ذلك عنهم ..
ان تدفع احمد ليسافر لتلقى العلاج وان تحمى ملك واخويها من اسامة وامثاله .
هي تثق فى احمد عزام ثقة عمياء ..
تثق انه لن يجبرها على اى وضع ...
لاحت صورة يوسف البدرى امامها لتبرق عيناها بوميض غريب فربما كانت تلك هى ضربتها الاولى ...
هو لن يعرف ان كان هذا الزواج صوريا ام حقيقيا فقط سيعرف انها اقترنت برجل غيره اصبح له الحق فى جسدها وروحها ولخياله ان يرسم لهما كل المشاهد الموجعه لقلب عاشق بتملك كقلبه ، استيقظت على صوت احمد في انتظار اجابتها:
” ها يا ايلينا ؟؟“
ابتسمت ابتسامة واسعة وهي تجيبه:
” موافقة يا احمد بيه ”
4