اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل السابع والعشرين 27 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل السابع والعشرين 27 بقلم نهي طلبة 

الفصل السابع والعشرون

حلم جميل طاردته منذ لاح..
بعت لأجلك كل نفيس وتحديت المحال..
وتخطيت لعيونك الخطوب والصعاب..
ونسفت لوصلك التقاليد والأعراف..
وسكبت دمعي ودموعي لكِ كل صباح..
وقدمت حبي وحياتي وكل مباح..
وتغاضيت عن كثير وسكبت السماح..
وللأسف لم تكونى إلا وهماً وسراب..
طاووساً جميلاً وفي داخله غراب نواح..
أبكي على قلبي المحطم تذروه الرياح..

خاطرة الفصل بقلم:

إيمان حسن

"همسات حالمة"

ارتمت نيرة على المقعد العريض بالغرفة ترمق مكان اختفاء مازن بذهول وقد تجمدت دموعها وذلك الهاجس المميت يخبرها أن مازن لم يخرج فقط من البيت, بل من حياتها بأكملها.. ستفقده مثلما فقدت كل ما هو مهم في حياتها.. وآخرهم طفلها..

أغمضت عينيها لتسمح للعبرات المحبوسة بالهبوط على وجنتيها.. فيبدو أنها لا تمتلك موهبة الاحتفاظ بأحبائها.. بداية بأمها.. ومروراً بأبيها ثم حسن.. وآخرهم مازن.. مازن الذي ابتذلت حبه لها.. وأفقدته معناه وقيمته.. وأخيراً نحرته عندما فكرت في التخلص من طفلهما..

حسناً.. لم يكن الأمر مجرد تفكير.. فهي خططت واتخذت خطوات بالفعل.. ولكنها عجزت عن التنفيذ.. لم تظن يوماً أنها تمتلك ما يسمى بعاطفة الأمومة, لذا كان قرارها حاسماً بالتخلص من طفل استقر في رحمها عن طريق الخطأ.. طفل لا تريده ولم تسعى له, بل وجوده سيزيد من تعقيد الموقف فإذا ما ماتت منى وقرر حسن العودة.. لا يجب أن يعود ليراها منتفخة بطفل رجل آخر.. طفل لا تريده في المقام الأول.. أو هذا ما كانت تظنه حتى تمددت على سرير الكشف أمام ذلك الطبيب الكريه..

لم تعرف كيف تردد بداخلها صوت نبضات صغيرها أو لعلها نبضات رعبها هي.. أو ربما هو صوت مازن تتخيله يدوي..

"هتقتلي ابننا يا نيرة؟.. هتقتلي ابننا؟"..

كان صوته يزلزل أعماقها.. وكأنه حقيقة.. عيناه احتلت المشهد تماماً حتى اختفى الطبيب ومساعدته خلف تعبيراتهما الحزينة اللائمة... وكلمة "ابننا" تتخيلها تدوي في الغرفة بأكملها.. ولم تدرك ما حدث بالفعل.. لكنها وجدت نفسها تلهث راكضة وهي تحاول الهروب من أمام الطبيب, بل أنها لم تنتظر المصعد واندفعت تركض على درجات السلم لتجد جسدها يطير في الهواء لينخفض زاحفاً متدحرجاً على سلم المبنى..

لم تشعر بآلام السقوط.. ولم تلتفت لوجع جسدها وكدماته فقط سيطر على عقلها شعورها بالسائل الدافئ يتسرب بين ساقيها لتدرك أنها لم تعد بحاجة لخدمات الطبيب.. وبالتأكيد لا داعي للقلق من وجود طفل لا ترغب به.. فالطفل نفسه أبى الاستمرار برحمها.. ولكن ما عليها القلق بشأنه بالفعل.. هو رد فعل مازن.. وهل سيصدق ما حدث؟.. هل سيسامحها؟..

أفاقها من شرودها صوت أنيسة وهي تطرق الباب المفتوح بالفعل وتسألها بتردد:

ـ مدام نيرة.. أحضر الغدا دلوقتِ.. ولا هننتظر مازن بيه؟..

رمقتها نيرة بشرود وهي تتعجب لمرور الوقت وهي غارقة في ذكرياتها.. وأخبرت أنيسة بجمود:

ـ اعمليلي فنجان قهوة بس..

هتفت السيدة بعجب:

ـ قهوة يا مدام!.. حضرتك محتاجة تتغذي كويس..

صرخت بها نيرة بغضب:

ـ أنتِ هتناقشيني.. روحي اعملي القهوة..

خرجت السيدة مسرعة لتنفذ الأمر فهي لا تحتمل إحدى ثورات نيرة.. بينما تكومت الأخيرة على المقعد وأفكارها كلها تدور حول مازن وكيف يمكنها احتواء غضبه.. واسترجاع نظراته العاشقة لها مرة أخرى...

*********

سقط يزيد أرضاً وهو يمسد جانب وجهه ويتأوه بخفوت بينما اندفعت علياء نحوه لتهبط على ركبتيها بجواره وتهتف بهلع:

ـ يزيد.. يزيد أنت كويس؟..

ثم التفتت إلى مازن لتصرخ به بشراسة:

ـ في ايه يا مازن؟.. أنت اتجننت!

لم يجبها مازن بل تبادل النظرات مع يزيد في صمت قبل أن يعتدل يزيد من سقطته ويرفع علياء معه ليخبرها بهدوء بدون أن يحيد بنظراته عن عيني مازن:

ـ ما تدخليش يا علياء وادخلي جوه دلوقتِ...

تذمرت بغضب وهي تقترب منه:

ـ ازاي ما اتدخلش وهو ضربك!

قطع يزيد التواصل البصري بينه وبين مازن ليلتفت لعلياء هاتفاً بحنق:

ـ جوه يا علياء!

قاطعه مازن بغضب أكبر:

ـ خايف عليها قوي!.. طبعاً ما هي طول عمرها شريكة نيرة هانم في كل جرايمها!..

التفتت علياء بذهول لمازن:

ـ أنا!!.. شريكة في جريمة!.. أنا مش فاهمة حاجة..

هتف بها يزيد من بين أسنانه:

ـ ادخلي جوه وما تتحركيش من أوضتك..

والتفت لمازن بسرعة وهو يشير له:

ـ الكلام هيكون بيننا.. مالكش دعوة بمراتي.. اتفضل على المكتب..

وصرخ بأم علي قبل أن يدخلا إلى غرفة المكتب:

ـ اياكِ اشوفك جنب المكتب..

أغلق باب غرفة المكتب بإحكام واستند عليه مواجهاً مازن الذي وقف في منتصف الغرفة بتحفز شديد بينما يزيد يخبره بهدوء:

ـ خلص شحنة الغضب اللي جواك كلها وبعدين نتكلم..

لوح له مازن بقبضته:

ـ ما تستفزنيش يا يزيد..

أومأ يزيد موافقاً:

ـ حاضر يا مازن.. أنت معاك حق.. أنا غلطت وكان لازم أبلغك أن نيرة في المستشفى من أول لحظة.. لكن الظروف كلها منعتني.. وهي ما كانتش لوحدها.. علياء كانت بتراعيها.. وعرضت عليها أني أبلغك, بس هي رفضت.. و..

هتف مازن بغضب:

ـ وأنت طبعاً ما صدقت عشان تحمي مراتك!

ضيق يزيد عينيه وأخبره بهدوء غاضب:

ـ احمي مراتي!.. أنت عايز تمشي الموضوع كده يا مازن.. والغلطة غلطتي أنا وعلياء.. صح؟..

أخذ مازن يبادله النظرات الغاضبة لعدة لحظات ثم التفت ليتناول أول ما طالته يداه وكانت مزهرية كريستالية فقذفها بكل قوته نحو الحائط.. وأخذ يتأمل حطامها المبعثر أمامه ويشير إليها بأصبع مرتعش وهو يردد بحروف مبعثرة:

ـ قتلته.. ابني.. قتلته...

كان جسده يرتجف مع حروفه.. وأكمل كلماته المبعثرة وكأنه يخاطب قلبه الذي امتدت قبضته لتضربه بعنف:

ـ الست الوحيدة اللي حبيتها.. اللي اتمنتها.. كنت بدعي ربنا أنه ما ينزعش حبها من قلبي حتى وأنا فاقد الأمل أنها تكون ليا.. كنت مكتفي بإحساسي أنه ما فيش راجل هيحبها قدي.. يبقى ده جزائي!.. ده المقابل لحبي, أنها تقتل ابني جواها.. للدرجة دي بايعاني.. للدرجة دي أنا ولا حاجة عندها..

راقبه يزيد بقلق وهو يدرك أنها لحظة مصارحة مع النفس.. لا يريد التدخل بها وفي نفس الوقت لن يستطيع ترك مازن يدمر عنفوانه بتلك الطريقة.. فجذبه ليجلسه على الأريكة.. وتحرك ليملأ له كوباً من الماء ويدفعه بيده قائلاً:

ـ مازن.. بلاش نسبق الأحداث.. تقرير الاسعاف بيقول..

ضغط مازن بكل قوته على الكوب الزجاجي ليتحطم بين يديه مسبباً بعض الجروح الخفيفة.. وسال الماء من بين أصابعه ممتزجاً بدمائه وهو يتأمل المشهد بشرود بينما اندفع يزيد ببضعة مناديل ورقية ليجفف يدي مازن ودمائه.. قائلاً:

ـ نروح دلوقتِ المستشفى ونستفسر عن حالتها بالظبط..

قاطعه مازن ونهض بقوة وقد بدا العزم على وجهه وألقى بالمناديل المدماة أرضاً:

ـ أنت هتيجي معايا فعلاً.. بس عشان نسجل عقد جوازي من دنيا عند مأذون شرعي..

*********

أغلقت دنيا الباب خلف يزيد ومن معه بعدما أخبرها يزيد بهمس أن مازن في حالة نفسية سيئة ولم يزد عن ذلك بأي كلمة..

التفتت لتواجه مازن الذي مدد جسده على الأريكة, واضعاً إحدى ذراعيه فوق رأسه بينما ترك الأخرى لتسقط بجانبه.. أخذت تتأمله لثوانٍ وقد بدا على وجهه معالم إرهاق عميق وأغمض عينيه يخفي عنها ما يفكر به..

تحركت لتجلس أرضاً على ركبتيها بجواره وسحبت يده الجريحة وأخذت تطهر جروحه وتعالجها برقة وهو مستسلم لها تماماً, وما أن انتهت من عملها حتى رفعت كفه إلى شفتيها تقبل باطن يده بعمق ثم بدأت في توزيع قبلات صغيرة على جروحه وارتكزت على ركبتيها لتتمكن من ملامسة وجهه باليد الثانية.. فأخذت تتبع ملامحه بأناملها الرقيقة واقتربت بوجهها منه لتهمس بقلق:

ـ أنت تعبان يا مازن؟..

فتح عينيه أخيراً وأحاط وجهها بكفه وهو يتأمل ملامحها الجميلة بحنين وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة وهو يخبرها:

ـ ما تشغليش بالك.. شوية إرهاق بس..

تمسكت بكفه الجريح وهي تسأله بقلق:

ـ والجروح اللي في ايدك؟..

داعب خصلاتها برقة وهو يرسم ابتسامة حزينة:

ـ زي ما يزيد قالك.. ايدي اتخبطت في كوباية واتكسرت..

هزت رأسها بعدم تصديق ولكنها لم تضغط عليه أكثر وتحركت على ركبتيها حتى التصقت بالأريكة وألقت برأسها على صدره فأحاطتها ذراعه تلقائياً بينما يديها كانت تمسد كتفيه وهي تهمس:

ـ قلبك تعبان يا مازن.. أنا حاسة به..

وحركت ذراعيها ليحيطا بعنقه وترتاح رأسه على كتفها وهي تكمل:

ـ احكي لي بس فيك ايه..

شعرت بتنهيدته الحارة تلفح عنقها وهو يرفعها من الأرض لتتمدد فوقه وإحدى ذراعيه تدعمها بينما الأخرى تتلاعب بخصلات شعرها بعبث وعلى شفتيه ابتسامة شاردة.. بينما هي رفعت رأسها قليلاً للتأمل ملامحه الحزينة وتسأله بقلق:

ـ مازن.. هو موضوع جوازنا سبب لك مشاكل مع.. مع.. نيرة؟..

اختفت ابتسامته وقست تعبيرات عينيه عند سماعه لاسم نيرة, وانتبهت دنيا لذلك ولكنها ظنت أن إعلان زواجه بها هو السبب.. فحاولت الابتعاد عنه ولكنه تمسك بها بقوة ومنعها من التحرك وهو يخبرها بحسم:

ـ دنيا.. وجودك في حياتي عمره ما كان ولا هيكون سبب لأي مشكلة.. واعلان جوازنا خطوة اتأخرت فيها كتير..

حاولت التملص من قبضته القوية عليها بينما هو تشبث بها بيأس لمحته في ملامح وجهه وتعبيرات عينيه فهتفت بقلق:

ـ اومال مالك بس يا مازن؟.. في ايه؟.. هي رفضت وجود زوجة تانية في حياتك؟..

أبعد عينيه عنها وشرد بنظراته بعيداً وهمس بقسوة:

ـ هي الزوجة التانية مش أنتِ..

انتفض قلبها من قسوة نظراته.. وسألته بخوف:

ـ اعلان جوازنا النهارده.. عقاب لنيرة يا مازن؟

تملصت منه تلك المرة بنجاح ونهضت واقفة وهي تكتف إحدى ذراعيها حول نفسها وتضع كفها على فمها تحاول كبت غصة كادت تفلت منها.. وعادت تكرر بألم:

ـ بتعاقبها بيا يا مازن؟.

نهض مازن ببطء واقترب منها ليمسك بكتفيها ويرتكز بجبهته على جبهتها وهو يهمس:

ـ أنتِ وجودك في حياتي مكافأة ليا.. وطلبك أني أكون أب لطفل منك هو جايزتي الحقيقية..

حاولت أن تجبه ولكنه قاطعها هامساً وهو يضع أصابعه على شفتيها:

ـ خلاص يا دنيا.. أنا مش قادر أتناقش.. أرجوكِ..

ارتفعت على أطراف أصابعها لتحتضنه وتقربه منها وبداخلها قلق عاصف لا تدري ما به.. أو ما يعانيه.. فقط تشعر بتشبثه اليائس بها.. تخللت أناملها خصلاته برقة فسحبها معه ليجلسا معاً على الأريكة الواسعة ورأسه تتوسد صدرها..

خيم عليهما صمتاً شجياً قطعه مازن بقوله:

ـ تعرفي أنا نفسي في بنت..

ابتسمت دنيا برقة وأناملها تداعب وجهه وهي تكرر:

ـ بنت!..

أكمل كلماته وهو يعدل جلساته فيريح رأسه على ركبتيها ويرفع باقي جسده على الأريكة:

ـ ايوه.. بنوتة.. أنا بحب نادية بنت يزيد قوي..

رفع عينيه لها وأكمل:

ـ بس علميها الحنية يا دنيا.. عايزها تبقى حنينة على الناس اللي بيحبوها..

صمت للحظات ولم تقاطعه دنيا ليكمل بعدها:

ـ أصعب حاجة أن القسوة تيجي من الناس اللي بنحبهم.. بتبقى مش عارف تتوجع من قسوتهم ولا من القلب اللي عاجز عن كراهيتهم..

همست دنيا بألم وقد بدأت دموعها تتساقط صدى للوجع الذي تستشعره بداخله:

ـ مازن..

ولكنه أكمل وكأنه لم يسمعها:

ـ بتبقى كرامتك بتصرخ فيك تاخد موقف.. وكبريائك بتدبحك.. وقلبك بيتنفض مجروح, لكن مش قادر يقسى..

شهقت دنيا بدموعها فرفع مازن رأسه متسائلاً:

ـ بتعيطي ليه يا دنيا؟..

منعتها دموعها من الرد عليه فاعتدل في جلسته ليمسح دموعها بأنامله ويكرر همسه:

ـ بتعيطي ليه يا دنيا.. أنا..

همست من وسط شهقات دموعها:

ـ أنت تعبان يا مازن وأنا مش فاهمة ليه.. ومش عارفة أعمل ايه!!

ضمها لصدره بقوة وهو يدفن ألمه داخل طيات شعرها ويتمسك بها بقوة:

ـ مش بقولك أنك مكافأة الدنيا ليا..

تمسكت به بقوة وهي تحاول التحكم في دموعها:

ـ قولي بس أريحك ازاي..

ابتسم لها محاولاً إلهائها عن ألمه وهو يخبرها بعبث حزين:

ـ مازن عايز عسل..

ضحكت وسط دموعها وهي تتحرك لتضم رأسه لصدرها بقوة وهي تهمس:

ـ مازن يستحق الحب كله..

لم يغرق مازن بالعسل, ولم تتركه دنيا يغرق في رثائه لنفسه أيضاً.. بل منحته كل ما يستحق من حب.. وكل ما تملكه من مشاعر.. لم تقدم له ذراعيها ليسقط بينهما.. ولا أحضانها لينسى ألمه.. ولكنها جعلته يدرك كيف تقدم امرأة حبها من خلال قلبها ومشاعرها وليس جسدها فقط..

***********

دلف مازن إلى غرفته بهدوء بارد ليلمح نيرة المتكومة على مقعد عريض بالغرفة.. بدا أنها سقطت نائمة وهي بانتظار عودته.. أغمض عينيه قليلاً وهو يشعر بالإمتنان لوجود دنيا في حياته.. فلولا حوارهما الطويل الليلة.. وقدرتها الفائقة على امتصاص شحنة الغضب بداخله.. كلا.. ليس الغضب فقط.. بل الحزن والقهر وكسرة القلب.. لولا حبها الذي قدمته بلا شروط.. بلا مقابل, لكان قام بقتل نيرة كما قتلت ابنه بدم بارد.. ولكنه الآن قادر على مواجهتها بدون أن تشعر بما يعتمل داخله من حزن.. من انكسار وخزي لأنه أحبها يوماً.. ويبدو أن لعنته مستمرة فهو عاجز عن التخلص من تلك المشاعر الصاخبة, فقط تحولت من عشق جارف إلى كراهية مريرة.. كم يحلم باللحظة التي يتحرر بها من قيد تلك المشاعر.. قد يدفع عمره كله ليصل بقلبه إلى نقطة الحياد..

يا الهي.. كم تبدو اللامبالاة حلماً ثميناً في عيون رجل غلبته مشاعره على أمره.. وقهرت رجولته وكبريائه..

زفر بألم وتحرك ليقف أمامها ويتأملها للحظات وقد بدا شحوب وجهها واضحاً والدموع قد تركت أثاراً واضحة على وجنتيها..

قلب شفتيه يتساءل بمرارة ساخرة عن سبب دموعها.. أهو انكشاف كذبتها؟.. أم زواج حسن وتفضيله امرأة أخرى للمرة الثانية؟..

هز رأسه بحزن وتوجه إلى خزانته ليخرج منها ما يحتاجه.. فهو لن يبقى معها في مكان واحد.. لن يسمح لرئتيه أن يتنشقا نفس الهواء الذي تتنفسه..

حركته المستمرة أيقظت نيرة ففتحت عينيها ببطء لتراه يتحرك في جميع أرجاء الغرفة, وما هي إلا ثوانٍ حتى اكتشفت أنه يجمع أشيائه في حقيبة كبيرة...

انتفضت بقوة فوق مقعدها وهي تتحرك متوجهة نحوه:

ـ مازن.. مازن.. أنت بتعمل ايه؟..

التفت إليها يرمقها بنظرة بلا معنى.. ثم أكمل جمع أشيائه.. فهتفت بجزع:

ـ ماااازن..

واقتربت منه لتتمسك بذراعه:

ـ مازن.. رد عليّ..

توقف عن الحركة وأبعدها عنه ليكتف ذراعيه ويجيبها ببرود:

ـ افندم..

ترقرقت الدموع بعينيها وهمست بحزن:

ـ ليه.. ليه بتكلمني كده؟..

هز رأسه بعجز:

ـ ليه؟!.. أبداً.. ما فيش أي حاجة..

هتفت بتساؤل متعجب:

ـ أنت بتعمل ايه؟.. واخد هدومك على فين؟...

أجابها بهدوء بارد:

ـ مع أنه شيء ما يهمكيش في حاجة.. بس هقولك.. أنا هرجع أوضتي القديمة..

وأشار إلى أرجاء غرفتهما بإزدراء:

ـ وجودي في المكان ده بيخنقني!

همست:

ـ وجودك معايا بيخنقك!.. ازاي؟.. فين كلامك عن حبك ليا..

التفت لها بغضب وهو يجذبها من ذراعها بعنف:

ـ حبي!.. بتكلميني عن الحب.. وأنتِ حتى ما اقدرتيش تحبي ابنك اللي من دمك!

مدت يديها لتتمسك بذراعيه وهي تهمس له بتوسل:

ـ لا.. لا.. مازن أنت فاهم غلط..

دفعها بقوة وهو يقاطع كلماتها:

ـ مش عايز أفهم ولا أسمع منك حاجة..

عادت تتمسك بذراعه وهي تخبره:

ـ أنا وقعت على السلم.. اللي حصل كان مجرد حادثة.. قضاء وقدر..

أطلق ضحكة ساخرة:

ـ والمفروض بقى أني أصدق..

أشاح بيده بمرارة قائلاً:

ـ خلاص يا مدام.. أنا كبرت وما بقيتش أصدق القصص الخيالية..

هتفت بثقة واهية:

ـ صدقني يا مازن.. أنت ممكن تشوف تقرير الإسعاف..

صرخ بها:

ـ كداااااابة..

ثم وضع وجهه بين كفيه وهو يحاول استعادة هدوئه.. فهو لن يمنحها أي من مشاعره حتى ولو كان الغضب.. حاول السيطرة على انفعلاته.. وابتعد عنها ليكمل جمع أشيائه.. وقد تحولت ملامحه لقناع ثلجي متجمد..

أخذت تراقبه بقلق وبدأ شعور قارص بالخوف يهاجمها.. فهو لم يصدقها, بل لم يمنحها الفرصة للدفاع عن نفسها.. والأدهى أنه سيتركها.. سيهجر فراشهما وستفقد كل سبل التأثير عليه..

اقتربت منه وهي تحاول محايلته والتغلب على حاجز البرود الذي يرفعه أمامها:

ـ مازن.. احنا الاتنين أعصابنا تعبانة..

التفت لها ورمقها بنظرة مزدرية وهو يهز رأسه بعجب.. بينما أكملت هي تحاول إحكام خطتها:

ـ ايه رأيك نسافر يومين نغير جو.. ولما أعصابك تهدى هنتكلم وأشرح لك كل حاجة..

رمى قطعة الثياب التي كان يحملها بيده في الحقيبة والتفت لها مبتسماً بسخرية مريرة:

ـ تعب أعصاب!.. أنتِ شايفة أن المشكلة كلها تعب أعصاب!!

اقتربت منه بسرعة لتتمسك بكتفيه.. وكلماتها تخرج بسرعة:

ـ مازن.. أنا عايزة نحاول نبدأ من جديد.. و..

قاطع كلماتها محاولاً ابعادها عنه إلا أنها تمسكت به ورفعت كفيها لتحيط بهما وجهه وهي تكمل كلماتها السريعة:

ـ أنا هتغير.. هتغير يا مازن.. أنا مش ممكن هخسرك..

أبعد كفيها عن وجهه وهو يردد:

ـ تخسريني!..

وتحرك مبتعداً عنها وهو يهتف:

ـ المسألة كلها بالنسبة لك مكسب وخسارة.. حسبة باردة بدون مشاعر.. المهم أن نيرة هي اللي تنتصر..

هتفت بقوة:

ـ لا يا مازن.. صدقني.. الموضوع مش كده.. أنا لسه عايزاك..

رد عليها ببرود وهو يعود لوقفته المتحفزة ويكتف ذراعيه على صدره:

ـ وأنا ما عدتش يهمني!..

هزت رأسها بعدم تصديق وهي تحاول استيعاب كلماته:

ـ يعني ايه يا مازن؟!

أجابها ببرود:

ـ يعني أنا عايز.. محتاج.. زوجة حقيقية.. زوجة تكون إنسانة عندها قلب ومشاعر قبل ما تكون مجرد...

وأشار إلى مفاتنها بازدراء, فهتفت بإتهام غاضب:

ـ أنت تعرف واحدة تانية فعلاً؟

ابتسم بسخرية.. وسرعان ما تحولت الابتسامة إلى ضحكة, ثم إلى قهقهات عالية وهو يصفق لها ساخراً:

ـ برافو..

قطبت حاجبيها بغضب وهي تهتف به:

ـ بتضحك.. أنت جاي تتهمني بقايمة اتهامات طويلة علشان تغطي على خيانتك ليا.. وكمان بتضحك؟!..

احتفظ مازن ببسمة ساخرة على شفتيه وهو يعاود التصفيق لها هاتفاً:

ـ أنتِ مش معقولة.. بجد.. مش معقولة..

ثم جذبها من ذراعها فجأة فارتطمت بصدره بعنف ومد يده ليمسك ذقنها ويقرب وجهه منها هاتفاً بقسوة:

ـ أنتِ مصدقة نفسك؟!.. ولو مصدقاها.. تعتقدي أني ممكن أصدقك.. أو أصدق حلمك الخيالي ببداية جديدة؟.. بداية لمين؟ ومع مين؟.. معاكِ!.. أنتِ؟!.. مع واحدة قتلت ابني بمنتهى القسوة والتجبر.. وجاية تدور على بداية!.. البداية أنتِ قتلتيها.. زي ما قتلتِ أي مشاعر كانت جوايا..

هزت رأسها بشدة فتناثرت خصلاتها:

ـ لا.. لا.. أنت بتقول الكلام ده لأنك زعلان وغضبان.. أنت بتحبني.. أنا متأكدة.. أنت مش ممكن تحب غيري.. أنت..

أبعدها عنه محاولاً السيطرة على غضبه ثم أخبرها بأقصى ما استطاعه من هدوء:

ـ أنا فــحياتي واحدة تانية فعلاً.. أنا متجوز..

صرخت بغضب:

ـ أنت بتعاقبني.. بتعاقبني على جريمة اخترعتها في خيالك..

مط شفتيه بسخرية:

ـ خيالي!.. ما فيش فايدة فيكي.. ما فيش فايدة.. حتى ما فكرتيش تعتذري..

اقتربت منه تحاول لمس وجنته وهي تخبره بهيسترية:

ـ مازن.. بص.. أنا غلطت.. وأنت عاقبتني واتجوزت.. خلاص خالصين.. طلق اللي أنت اتجوزتها دي.. وأنا هسامحك.. وهعتبرها نزوة وعدت.. و..

صرخ بها وقد عجز عن السيطرة على غضبه:

ـ نزوة!.. وهتسامحيني؟!.. فوقي بقى.. فوقي يا مدام.. أنا ودنيا متجوزين من أكتر من خمس سنين..

رمشت بجفونها عدة مرات.. وبدا أنها تعاني في استيعاب ما قاله:

ـ خمس سنين.. خمس سنين ايه؟!.. أنت بتقول ايه؟!

وابتعدت عنه وهي تشير له بعد تصديق:

ـ محاولة فاشلة يا مازن.. أنا مش ممكن أصدق الكلام ده..

هز كتفيه بعدم اهتمام:

ـ أنتِ حرة.. صدقي.. ما تصدقيش.. شيء يرجع لك..

وضعت يدها على جبهتها تدعكها بقوة وكأنها تحاول تنقية أفكارها:

ـ يعني.. يعني أنا الزوجة التانية.. وأنا... احنا.. أنت.. تلات سنين عايشهم معايا وأنت في واحدة تانية فحياتك.. ازاي؟.. ازاي قدرت تخدعني الفترة دي كلها؟..

أجابها بسخرية:

ـ ازاي قدرت أخدعك!!.. تفتكري ده السؤال؟!.. لا يا مدام.. السؤال هو ازاي زوجة ما قدرتش تحس بوجود واحدة تانية في حياة جوزها لمدة تلات سنين وأكتر؟.. عارفة ليه؟..

أطلق ضحكة مريرة قبل أن يخبرها:

ـ لأنها ببساطة مش حاسة به كزوج.. ولا هي اتعاملت معاه كزوجة..

صمت للحظة يتأمل أثر كلماته عليها.. ولكنه وجد أن ملامحها تحمل معالم عدم الاستيعاب.. وعدم التصديق.. فأكمل ما يريد قوله:

ـ خبر جوازي بدنيا هيكون منشور في كل الجرايد والمجلات بكره.. أنا طلبت من قسم العلاقات العامة عندنا في المجموعة يوزعوا بيان يأكد الخبر.. دنيا لها اسمها ومركزها ومش هسمح لأي شخص أنه يمسها..

رفعت عينيها له وقد تجمدت دموعها:

ـ دنيا!.. دنيا الموجي.. مصممة الأزياء؟..

أومأ برأسه موافقاً وهو يكمل كلماته:

ـ البيان مع السكرتيرة بتاعتك.. يا ريت تتابعي الموضوع بنفسك.. وأنا مستعد أرد على أي استفسار.. ولو احتاج الموضوع مؤتمر صحفي ما فيش مشاكل.. نحدد ميعاد ونعمل واحد..

صرخت به بعنف:

ـ أنت جبت القسوة دي كلها منين؟!..

ضحك ضحكة ساخرة:

ـ من أستاذة في القسوة..

حمل حقيبته خارجاً من غرفتها.. لعله يوماً يستطيع الخروج من حياتها بأكملها.. 


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close