رواية متاهة مشاعر الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم نهي طلبة
الفصل الثامن والعشرون
ـ I love you Hassan...
فاجأته.. بل صدمته.. فقد أدخلت قلبها في المعادلة.. وهذا ما لم يضعه في حسبانه..
التفت لها بحدة وقد ظهرت بعينيه نظرات غاضبة.. لا يريدها أن تحبه, بل لا يريد أن يسمع كلمة حب من الأساس.. أنه لم يتزوجها من أجل الحب وهمسات القلب, بل ليقتل ذلك القلب.. يدفنه كما دُفِنت حبيبته..
سحب سيجارة أخرى ونفث دخانها ببطء وأخذ يتأمل لورا قليلاً.. ثم همس ببرود:
" you are really pretty!"
كانت جميلة بالفعل وكأنها أخذت خلاصة الفتنة الإنجليزية والعربية.. فخصلاتها شقراء فاتحة تكاد تكون بلاتينية.. بشرة ناعمة برونزية لامعة وليست شاحبة كعادة الانجليز.. عيون رمادية خضراء كعيون القطط..
كانت لورا ستيفنز قطعة فنية راقية.. وهو ما صرح به للتو.. فهو لم يتخيلها بهذا الجمال.. بل لم يكن يرها من الأساس!
من يصدق أنه قضى ثلاث ليال بين أحضان امرأة أدرك لتوه لون عينيها!..
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتيه دفعت لورا لسؤاله عما يضحكه.. فعاد يتأملها لثوانٍ قبل أن يسألها:
ـ أنتِ لم تخبريني بقصتك بعد.. أعني أنه من الواضح أنه كان بحياتك رجل ما..
كتفت ذراعيها وهي تتأمله بدورها تحاول معرفة سبب تغييره للموضوع وتجنبه تماماً الحديث عن تصريحها بالحب.. فأجابته وهي تهز كتفيها:
ـ هل هو الفضول أم هي مجرد أفكار شرقية عتيقة!
حرك يديه أمام وجهه وكأنه يدفع تهمة ما:
ـ أنا لا أحكم عليكِ..
قاطعته ببرود:
ـ وليس من حقك الحكم علي..
أغضبه برودها.. فكرر سؤاله مرة أخرى:
ـ أعتقد أنه من حقي أن أعلم إذا ما كان هناك زوج خفي في ماضيكِ!
ابتسمت بمرارة:
ـ تريد أن تسمع قصة وجعي.. أم تريد الهروب من وجعك أنت؟
هز رأسه بمرارة وهو ينهي سيجارته ليبدأ واحدة جديدة وغمغم بصوت خافت:
"هروب!.. نعم.. هروب"..
ورفع صوته وعينيه إليها ليعاود السؤال بهدوء.. فتحركت ببطء لتجلس بجواره على الفراش.. وتسند ظهرها إلى إحدى الوسائد.. وتغمض عينيها لتقص عليه حكايتها:
ـ كان والديّ مدمنا مغامرات مجنونة.. تسلق جبال.. رحلات سفاري.. زيارات مختلفة لغابات أفريقية.. كان يستهلكان كل ذرة سعادة يستطيعا الحصول عليها.. حتى.. كانت مغامراتهما الأخيرة.. قفزا معاً من إحدى الطائرات..
مطت شفتيها بأسى قبل أن تحاول ابتلاع ريقها وتهمس بخفوت:
ـ لم تفتح المظلة.. ولم يضع أي منهما المظلة الإضافية..
همس بتأثر لم يستشعره بالفعل.. فهذان الأخرقان اختارا الموت.. فكيف يحزن على موتهما:
ـ آسف..
سقطت دمعة وحيدة على وجنتها مسحتها بسرعة.. قبل أن تكمل وهي ترسم بسمة خفيفة على شفتيها:
ـ لا داعي لذلك.. أنا لم أفتقدهما كوالدين.. فقط افتقدت هالة المرح والإعجاب حولهما.. ولكني دائماً كنت حبة قلب جداي.. كان يكفي فقط أن أتمنى شيئاً لأجده بين يدي في التو..
التفتت له لتبتسم برقة وهي تمد يدها تداعب وجهه لتكمل بعدها:
ـ هذا لا يعني أنني كنت فاسدة.. فقط..
أكمل لها وهو يبتعد بوجهه:
ـ مدللة..
أومأت موافقة.. ثم بدا أنها تجد صعوبة في اكمال قصتها.. فقد انقبضت ملامحها الجميلة بألم وهي تكمل:
ـ جيرارد, ذلك كان اسمه..
ابتلعت ريقها بصعوبة:
ـ كانت علاقتي بجداي رائعة.. حتى.. حتى التقيت به.. كنت في السابعة عشر فقط وكان هو مبهراً.. آخاذاً.. سلب قلبي من أول لحظة.. فتنت به.. ولم أرى غيره.. ولم أعد أقتنع إلا بكلماته..
صمتت قليلاً لترى رد فعله على كلماتها العاشقة لغيره.. ولكن ملامحه بقيت كما هي.. ثابتة كقناع بلاستيكي وسط سحابة من دخان السجائر.. فهزت كتفيها لتخبره بتردد وهي ترفع عينيها إليه:
ـ كان أول رجل في حياتي.. والوحيد.. حتى جئت أنت!
قطب حاجبيه بتساؤل:
ـ ما الذي يعنيه هذا؟.
أجابته بخفوت:
ـ يعني أنني لا أقوم بعلاقات كيفما اتفق.. أنا فقط ارتبط بمن أحب حقاً..
رفع رأسه بعنف وهو يستمع إلى تلميحها بالحب.. كلا.. يجب أن تتوقف عن حشر كلمة حب كلما تحدثا معاً... فما يجري بينه وبينها ليس حباً وبالكاد يطلق عليه زواجاً.. وهو ما يجب أن تفهمه تماماً..
نهض من الفراش وهو يشير إليه ببرود:
"That”s not love... we just slept together"
نظرت إليه بألم.. ونهضت بدورها لتواجهه هامسة وهي تلف ذراعيها حول عنقه:
" No Hassan, I just made love to you"
أبعد ذراعيها عن عنقه ليبتعد عنها إلى آخر الغرفة هاتفاً بقسوة:
" Stop it ...stop saying that.. don”t"...
قاطعته بقوة:
" No, I”ll say it and repeat it.. hopping.. you listen one day"..
مسح وجهه بكفيه بإجهاد وهو يردد:
ـ لماذا ترغبين في تعذيب نفسك وتحميلي المزيد من الذنب؟.. ألا يكفي ما أشعر به؟..
اقتربت منه لتحيطه بذراعيها برقة:
ـ لا يجب أن تشعر بالذنب.. منى لن يسعدها شعورك ذاك..
دفعها بعيداً وهو يهتف بغضب:
ـ منى ماتت.. كيف يمكن أن تسعد أو تحزن؟.. الأموات لا يشعرون.. فقط يبتعدون.. يقررون الهجر والفراق.
هتفت بذهول:
" you are blaming her!!!!"
ارتج جسده بقوة وكأنها رمته برصاصة.. وكلماتها تتردد في ذهنه مرة أخرى.. هل يلوم منى على موتها؟.. أم غطاء اتخذه عقله الباطن ليبرر لنفسه ارتباطه بلورا؟.. أو مجرد وسيلة هروب سهلة ليتمكن من النجاة من فجوة سوداء هائلة تمتص نبضاته..
أراد الهروب من أفكاره.. كلماته.. مشاعر لورا.. لا يريد مزيداً من النقاش حول منى.. حول الحب والعشق..
غير الموضوع هرباً من الاجابة:
ـ لم تخبريني ماذا حدث مع زوجك؟..
تساءلت بدهشة:
ـ زوجي!!
ـ نعم.. الرجل الذي أحببته..
ضحكت بسخرية تعجب لها:
ـ نعم.. الرجل الذي أحببته.. من خسرت بسببه احترام جداي.. من تركت بلدي وجريت خلفه لاهثة إلى باريس.. لأكتشف في ليلة سوداء.. أنه زوج.. وأب لطفلين..
ضحكة مريرة أخرى صدرت منها وحبست دموعها ببسالة:
ـ ولا داعي لذكر مجموعة منتقاة من الصديقات..
أومأ برأسه بتفهم وهو يسألها بواقعية:
ـ وبالطبع عجزتِ عن العودة لجديك.. واستقريتِ هنا..
ـ نعم.. وبعد مجهود كبير.. استطعت الحصول على غفران جدي قبل وفاته..
ـ جيد..
اقتربت منه ببطء وهي تقول بتردد:
ـ حسن.. يجب أن تعلم أن جيرارد انتهى من حياتي منذ سنوات طويلة..
قاطعها:
ـ منذ أن عرفتِ بوجود زوجته؟..
رفعت عينيها إليه وقد تجمدت الدموع بعيونها وهي تسأله:
ـ لا يمكنك أن ترى الأمور إلا بالأبيض أو الأسود!.. هل تعتقد أن المشاعر تختفي بضغطة زر؟..
تكلم بإقرار وغضب مكتوم:
ـ بقيتِ معه رغم علمك بزواجه..
هتفت بشراسة:
ـ لقد أخبرتني أنك لن تحكم علي!..
تجاهلها متسائلاً:
ـ كم استمرت علاقتك معه؟..
برقت عينيها القططية بشراسة وهي تسأل بدورها:
ـ هل ستسمح بتبادل الأدوار؟..
ضيق عينيه بحيرة.. فأكملت لتوضح له:
ـ أن أقوم باستجواب مماثل؟..
أشاح بيده:
ـ أنتِ تعلمين كل شيء عني بالفعل..
كتفت ذراعيها وهي تجاوبه بتحد:
ـ ما أعرفه عنك كان على لسان منى..
صمتت عندما برقت عيناه غضباً.. فتنهدت بإجهاد وتهالكت على الفراش لتسأله بواقعية:
ـ حسن.. هل تنوي الاستمرار في زواجنا؟...
سؤال يحتاج لاجابة.. اجابة هو لا يملكها.. على الأقل في الوقت الحالي..
*********
عدلت نيرة مرآة السيارة لتتأكد من مظهرها قبل أن تتوجه إلى الأتيليه الخاص بدنيا.. لتبدأ أولى معاركها مع من فتنت زوجها.. وتزوجته.. وسرقته منها منذ سنوات..
داعبت خصلاتها الحمراء الثائرة والتي تناثرت بفتنة لتغطي صدرها وذراعيها وظهرها أيضاً المكشوفين تماماً.. رفعت صدر ثوبها الأحمر الناري ليغطي مقدمة صدرها قليلاً.. ويظهر بعض من بشرتها الوردية اللامعة بين خصلاتها.. وعندما ترجلت من سيارتها جحظت عيون من حولها ونظراتهم تجري على ساقيها الطويلتين لتصل لنهاية ثوبها الذي ارتفع فوق ركبتيها بعدة إنشات..
ابتسمت بثقة وهي تستشعر اعجاب الرجال بها في كل خطوة تخطوها بدلال بالغ أبرزه كعب حذائها العالي..
تعلم أن مازن سيقتلها لو رآها بذلك الثوب.. ولكنها في تلك اللحظة لا تهتم.. فهو دمرها بالفعل الليلة الماضية.. وارتدائها لذلك الثوب لهو أقل انتقام تستطيعه, كما أنها ستذهب لمواجهة إحدى أيقونات الأناقة والموضة في العالم العربي.. وارتدائها لمثل ذلك الثوب الصاعق يزيد من ثقتها بنفسها.. تلك الثقة الواهية التي بعثرها حسن ثم جاء مازن ليجمعها مرة أخرى ولكن ليلقي بها في أقرب سلة مهملات وهو يخبرها بمنتهى البرود أنه متزوج من قبل حتى أن يتزوجها أو يرتبط بها..
وبين تدافع أفكارها وجدت نفسها أمام مكتب مساعدة دنيا التي رحبت بها.. وأبلغت دنيا بوصولها مما أثار تعجبها.. هل كانت تتوقعها؟..
دلفت إلى مكتب دنيا الفخم وتحركت الأخيرة لاستقبالها عند الباب مما سمح لها بتأملها جيداً... جميلة.. بل فاتنة.. تمتلك جمال شرس.. لا شك أنه يثير اعجاب العديد من الرجال.. وأولهم مازن, بشعرها الأسود الطويل والذي تصففه اليوم بجديلة فرنسية معقدة ورغم هذا يصل طولها لنهاية خصرها الذي التف بزنار فضي يجمع ثوبها الوردي اللون والذي تلتف تنورته حول ركبتيها..
كانت خامته رقيقة مما سمح بإظهار تناسق قدها الممشوق مع المحافظة على أناقتها ووقارها.. وذلك أغضب نيرة بشدة.. فدنيا ببساطتها وأناقتها تمثل ما يعجب مازن.. ما يريده ويستحقه رجلاً مثله..
أغضبها تفكيرها بشدة وهزت رأسها بعنف لتقذف منها تلك الأفكار فتناثرت خصلاتها حولها وظهر عُري ثوبها بوضوح, فزمت دنيا شفتيها بعدم رضا وهي تدعوها للجلوس على إحدى الأرائك.. ولكن نيرة هزت رأسها رفضاً وكتفت ذراعيها ووقفت بتحدي وهي تخاطب دنيا بترفع:
ـ أكيد دي مش زيارة ودية..
وأشارت بيدها بطريقة مسرحية مترفعة:
ـ وواضح أنك كنتِ منتظرها..
ابتسمت دنيا ببرود:
ـ أكيد.. الخبر النهارده في كل الجرايد..
وصمتت لحظة لتردف وقد اتسعت ابتسامتها باستفزاز:
ـ أنا لازم أشكرك.. مازن قالي أنك أشرفتِ بنفسك على توزيع البيان على الجرايد..
هتفت نيرة بحنق وقد أغاظها برود دنيا:
ـ يا بجاحتك.. ايه مش مكسوفة من نفسك؟..
قطبت دنيا بتساؤل:
ـ اتكسف!.. اتكسف من ايه؟.. أنا لا عملت حاجة عيب ولا حرام؟..
صرخت بها نيرة:
ـ أنتِ سافلة..
تقدمت دنيا خطوتين وهي تشير لها بسبابتها محذرة:
ـ يا ريت تتعاملي بأدب.. وتحتفظي بتحضرك..
ثم أضافت وهي تلوي شفتيها باستهزاء:
ـ ده لو كنتِ تعرفي يعني ايه تحضر!
هتفت بها نيرة:
ـ تحضر!.. خطفتِ جوزي وجاية تكلميني عن التحضر!!
أجابتها دنيا ببرود سيدة أعمال تدير جلسة مفاوضات غير مرغوبة:
ـ بيتهيألي مازن وضح لك أني الزوجة الأولى..
ـ ولما أنتِ الأولى وافقتِ تكوني في الضل ليه؟..
رفعت دنيا حاجبها وهي تحاول التمسك بواجهة البرود:
ـ أسبابي ما تخصكيش..
ـ لا.. خلاص.. ما عادش ينفع تقوليلي يخصك ويخصني.. دلوقتِ مصيرنا مرتبط ببعضه..
أجابتها دنيا بعجب:
ـ ايه الكلام العجيب ده.. مصيرنا ازاي مرتبط ببعضه.. أنا مصيري بإيد ربنا سبحانه وتعالى وبعدها قرارتي في إيدي.. وطبعاً بالتفاهم مع مازن.. أنتِ ليه متخيلة أنه ممكن يجبر أي واحدة على وضع مش مقبول..
هزأت نيرة منها:
ـ طبعاً.. أنتِ بقى فهماه كويس وعاملة لي فيها الصدر الحنين..
هتفت دنيا بغضب وقد بدأ برودها في التبخر:
ـ مدام نيرة.. افتكري أني قلت لك احتفظي بتحضرك..
صرخت نيرة:
ـ أنتِ جايبة البرود ده منين!.. ولا أنتِ ساذجة ومش متخيلة وضعنا الجديد..
أشارت دنيا بسبابتها محذرة:
ـ ما تعليش صوتك هنا.. وأنا مش ساذجة أبداً.. الوضع ده مستمر بقى له سنين.. أنا أقلمت نفسي معاه.. حاولي أنتِ كمان تتأقلمي.. على الأقل عشان خاطر مازن..
ضحكت نيرة ضحكة مريرة:
ـ وأنتِ طبعاً بتعملي كل حاجة عشان خاطر مازن..
ثم سألت بصرامة خافتة:
ـ بتحبيه؟..
ارتسمت على ملامح دنيا رقة عذبة وهي تجيبها معترفة:
ـ جداً..
العشق الخالص الذي استشعرته نيرة من تلك الكلمة البسيطة التي ألقتها دنيا بنبرة حالمة أشعلت الدماء في عروق نيرة لتهتف بغيظ:
ـ جداً!!.. شغلتيه ولعبتي بيه, عميتي عيونه عني وعن..
قاطعتها دنيا بغضب:
ـ عميت عيونه!!.. بيتهيألي أنتِ عارفة كويس من اللي عيونه معمية..
حاولت نيرة مقاطعتها فمنعتها دنيا هاتفة بحسم:
ـ اسمعيني كويس.. أنا ساكتة على إهاناتك وتطاولاتك لأني مقدرة الصدمة اللي بتمري بيها.. لكن مش هسمح لك تستخدميني كشماعة تعلقي عليها مشاكلك مع مازن.. أنا موجودة في حياته من قبلك.. حقيقة وواقع تقبليهم.. زي بالظبط ما أنا تقبلت احتياجه لوجودك في حياته.. احتياج أنتِ حولتيه للعنة عليكِ وعليه بدل ما تعملي منه قصة حب جميلة.. وجاية تكلميني على عمى البصر..
بهتت نيرة لهجوم دنيا الغير متوقع واشتعلت مراجل غضبها وهي تدرك قوة علاقة دنيا بمازن.. مدى تفهمها له.. وتقديرها لمشاعره..
هتفت بشراسة وهي ترغب في جرح دنيا.. رغبة أعمتها عن كل شيء:
ـ بللا بللا بللا.. أنتِ فاكرة أن كلامك ده هيقلقني.. أو حتى تهديدك بأنك في حياته.. و... وشوية الكلام الفارغ ده.. أنتِ كل اللي يهمك أنك تحتفظي به.. عشان خاطر مزاجك.. شاب وغني ووسيم.. وأصغر منك.. يعني بصراحة كده.. هتلاقي زيه منين يوافق أنه يرتبط بواحدة في سنك!.. واحدة خلاص السنين اللي باقية لأنوثتها تتعد على صوابع الأيد الواحدة..
رمشة جفن وعضلة بسيطة تحركت في جانب وجه دنيا كانا الدليل الوحيد على تأثرها الشديد بهجوم نيرة.. لكنها تمالكت نفسها وتحركت بهدوء نحو الباب لتفتحه وتشير لنيرة:
ـ اتفضلي يا مدام نيرة.. الوقت اللي حددته لزيارتك انتهى وأنا ورايا شغل كتير..
رمقتها نيرة بغضب وتحركت بهدوء لتخرج من الغرفة وهي تحاول الحفاظ على رأسها مرفوع.. لتتوقف أمامها لثوانٍ هامسة:
ـ الشركة الثلاثية دي مش هتستمر كتير.. وأنا مش هنسحب ولا ناوية أتهزم بسهولة..
وخرجت مسرعة بينما أغلقت دنيا الباب وهي تطلب من مساعدتها إلغاء كافة مواعيدها.. فهي أمامها نهار طويل من العمل والبكاء.. فلقد أصابتها جملة نيرة بمقتل..
لكنها لم تعرف أن أعماق نيرة كانت في حالة فوضى.. لم تستطع تحديد مشاعرها أو ما يجب أن تشعر به بالتحديد.. فلقد كان سبب زيارتها الأساسي لدنيا هو اظهار قوتها وتماسكها بعدما صدمها مازن بخبر زواجه.. أرادت أن تظهر لدنيا أن ذلك الزواج ما هو إلا نزوة حمقاء لمازن وهي كأي زوجة عاقلة ستتقبل جموح زوجها لفترة ثم ستعيده إلى بيته وعش زواجهما.. ولكن ما حدث هو العكس تماماً.. لقد شعرت بأنها هي الدخيلة.. بأنها هي النزوة العابرة التي تتحملها دنيا في مقابل اسعاد مازن.. لم تدري لم أغضبتها قوة مشاعر دنيا نحو مازن أكثر من فكرة أنها ستشاركها به بالفعل.. هل تغار من قدرة دنيا على احتواء مازن؟.. هل تغار من حب دنيا له رغم رغبتها العميقة بتصديق أن مشاعره لها هي وحدها, حتى لو أنكر ذلك وحاربه..
فوضى مهلكة ذلك ما تشعر به... هل أحبت مازن.. أم أحبت حبه لها؟..
هل تريد استعادته كرجل وزوج أم فقط تريد الانتصار في معركة افتعلتها مع دنيا؟.. من خلال حوارها معها أدركت أن مازن لم يخبرها بأمر الاجهاض.. فهل كان ذلك حفاظاً على خصوصية علاقته بها؟.. إذاً فهو لا يريد تشويه صورتها أمام غريمتها.. هل ما زال يحبها ولو قليلاً؟..
هاجمها هاجس خفي أرعبها, بأن مازن أخفى الأمر عن دنيا حفاظاً على مشاعرها, فهي لم تنجب منه.. كما أن سنواتها تجري وقد لا تتتمكن من الانجاب بسهولة..
بقدر ما أغضبها ذلك الهاجس بقدر ما جعل ذهنها يبرق بفكرة جهنمية.. الحمل.. ذلك هو الحل.. يجب أن تعوض مازن عن الحمل الضائع..
وحينها ستتمكن استعادته, بل وطرد دنيا من حياته...
*********
اضجع يزيد براحة على الأريكة الوثيرة بغرفة المعيشة الفخمة بفيلا ريناد..
مدد ساقيه أمامه على المائدة الصغيرة المواجهة للأريكة وأخذ يقلب في قنوات التلفاز بملل وذهن غائب.. ليس غائباً بالتحديد.. بل هو هناك معها.. فهو حتى وإن هرب من مواجهتها لكنها تسيطر على عقله بسهولة.. لا يعلم إلى متى يمكنه تأجيل المواجهة.. فهو يراعي هشاشة نفسيتها أثناء الحمل.. ولذلك يحاول الانتظار حتى يهدأ غضبه ولو قليلاً.. لا يستطيع مواجهتها وأفكاره تتصارع بين قلق يكاد يبلغ حد المرض من فقدانها, وبين غضب شديد لاخفائها أمور عنه.. بداية من وظيفة حسن وانتهاء بجريمة نيرة المقززة..
كيف أمكنها مجاراتها فيما قامت به؟.. كيف؟.. يعلم أنها تعشق الأطفال.. ولن تسمح بقتل واحد.. كيف استطاعت مساعدة نيرة على التخلص من جنينها؟..
زفر بغيظ وهو يدرك أنه كان يجب عليه مواجهتها بدلاً من هروب جبان نحو ريناد والتي بالقطع لن تساعد في اخماد حيرته.. فهو لا يتبادل معها حوارات كــتلك..
لوى شفتيه ساخراً وهو يتذكر غيرة علياء من تواجده المستمر برفقة ريناد.. آه لو تعلم فقط ما تطلقه ريناد نفسها على وجودها في حياته.. فهي تسمي نفسها.."منسقة حفلات بدوام دائم.. زوجة لحين اشعار آخر"..
تباً.. لقد أفسد حياته بالفعل وحياة من حوله.. و...
وانتفض في جلسته إثر صرخة غاضبة من ريناد:
ـ يزيــــــــــــــد.. أنت اتجننت ترفع رجليك على الترابيزة كده..
ثم شهقت بصدمة مذهولة:
ـ كمان بتحط عليها كوباية العصير من غير طبق..
قطع يزيد جملتها الغاضبة بأن جذبها نحوه ليلفها بذراعيه هامساً بشقاوة:
ـ آسف يا أبلة الناظرة.. آخر مرة..
تملصت من بين ذراعيه وهي تخبره بغضب:
ـ ابعد يا يزيد.. أنت عارف أني متعصبة منك.. أولاً..
ورفعت يدها لتعدد على أصابعها:
ـ كان لازم تعرفني بوفاة منى مرات حسن.. على الأقل اعمل الواجب.. واروح لوالدتها.. ثانياً.. نيرة كانت في المستشفى وخرجت وحصلها اجهاض.. ده كله من غير ما تقولي.. ثالثاً.. ايه اللي شلفط وشك كده؟..
دعك جانب وجهه الذي يؤلمه نتيجة لكمة مازن له وتجاهل اخبارها عنها بينما
قطب حاجبيه بحيرة:
ـ تعملي الواجب مع والدة منى!!!.. ازاي؟!.. مش ده المكان اللوكال اللي مش بتطقيه؟..
هزت كتفيها بلامبالاة:
ـ أيوه.. بس عليا راحت.. عايز الناس تفتكر أنها هي صاحبة الذوق والواجب وأنا لآ.. ولا عايزهم يفكروا أنك طلقتني وهي بقيت مدامتك الوحيدة..
لوى شفتيه بامتعاض وهو يغمغم:
ـ لا.. بجد أفحمتيني.. أسباب وجيهة فعلاً..
ثم ابتعد عنها ناهضاً وهو يدرك أنها فقدت اهتمامها بالكدمة الزرقاء بوجهه عندما قررت التركيز على نفسها.. تنهد بتعب وهو يسألها بوقاحة:
ـ يا ترى الليلة مطلوب خدماتي.. ولا ممكن أروح أنام..
أجابته بغضب:
ـ ايه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي.. من فضلك يا يزيد حسن أسلوبك شوية..
ثم جذبته من يده ليعاود الجلوس بجوارها وأمسكت كفه تداعب أنامله وهي تسأله:
ـ عليا وافقت أن خالتو تشوف الولاد؟..
نظر إليها بطرف عينه متسائلاً:
ـ طبعاً ماما اللي طلبت منك تسأليني؟..
ألقت برأسها على كتفه ثم مرغت وجنتها حتى استقرت على صدره وداعبته بإغواء وهي تردد:
ـ يا حبيبي.. دي حاجة ما تزعلش.. واحدة ونفسها تشوف أحفادها.. شيء طبيعي.. عليا اللي مكبرة الموضوع.. والحكاية اللي حصلت زمان مستحيل تتكرر.. يعني خالتو هتعمل ايه للولاد!!.. شيء عجيب والله..
اجابها بهدوء:
ـ ولادها وهي حرة.. وخلينا نقفل على الموضوع ده.. ممكن؟..
طوقته بذراعيها وهي تحرك شفتيها على عنقه وتهمس:
ـ ايه رأيك لو أخدت اجازة يومين وسافرنا في أي مكان نغير جو.. الدكتور بيقول ده هيساعد مع النظام الجديد..
غمغم بتردد:
ـ أيوه.. بس أسافر وأسيب علياء ازاي!.. دي حامل و..
ابتعدت ريناد عنه بعنف وهي تهتف:
ـ أيوه.. حامل.. للمرة الكام؟.. التالتة.. صح؟.. أظن ممكن تنساها يومين وتركز معايا.. لأني نفسي أعرف معنى كلمة حامل..
جذبها لتجلس بجواره ثانية ويطوقها بذراعه مربتاً على كتفيها:
ـ طيب ايه رأيك نعمل حقن مجهري؟..
هزت رأسها بغضب:
ـ لأ طبعاً.. قلت لك قبل كده كتير.. لأ.. طالما الدكتور قال أني سليمة.. وممكن الحمل يتم طبيعي.. عايز ليه نلجأ للحقن المجهري؟.. أنت عارف هيكون شكلي ازاي وسط اصحابي وهما عارفين أن الهانم بتحمل ولا الأرانب.. وأنا.. اضطر ألجأ لطرق صناعية!!
هز رأسه بحيرة:
ـ ريناد.. أنتِ عايزة طفل عشان محتاجة تكوني أم.. ولا عشان لازم تكوني أم؟..
ظهرت معالم الحزن على ملامحها وبدأت تعصر عينيها لتستدعي بضعة دمعات:
ـ يعني ايه؟.. أنت بتلعب بالكلام ليه؟.. عايز تتهرب من الموضوع صح؟.. حتى مش قادر تشاركني حاجة طبيعية وبسيطة زي دي؟..
وفجأة أجهشت بنوبة بكاء.. وهي تتمتم برغبتها في طفل ينمو بداخلها.. فلم يجد أمامه بداً من الموافقة على الإجازة الاجبارية..
*********
قررت نيرة وضع خطتها في حيز التنفيذ في أسرع وقت.. فابتاعت في طريقها للمنزل أكثر أثواب النوم إثارة.. واختارته باللون الوردي كما يحب..
وأغرقت جسدها.. وشعرها بعطره المفضل.. وأضافت لمسة أخيرة من طلاء شفاه بلون الكرز.. وتمددت في فراشه بإغراء مميت.. تنتظر عودته.. وتدعو بداخلها ألا تخبره دنيا بلقائهما العاصف صباح اليوم..
لم يطل انتظارها فسرعان ما دخل مازن إلى الغرفة ليفاجئ بالمشهد المغري الذي أعدته له.. وريقات الزهور منثورة على الفراش.. والشموع المعطرة موزعة في أرجاء الغرفة المظلمة جزئياً.. وموسيقى حالمة تذيب أشد القلوب قساوة.. ووسط كل ذلك.. الشعلات الحمراء متناثرة على وسادته.. ومعذبته ترتدي ثوب وردي شفاف.. يلتصق بجسدها كجلدٍ ثاني لها..
وقف يتأملها قليلاً ورغبته الطبيعية كرجل تتحرك نحوها.. ولكن بطريقة بدائية وغريزية مقززة.. سرعان ما عبر عنها عندما جذبها بشدة ليطبع على شفتيها قبلة عنيفة.. نهمة.. تعبر عن شهوة خالصة.. استشعرتها هي على الفور.. لتدفعه عنها قليلاً وهي تهمس:
ـ سامحني يا مازن.. أنا آسفة..
أسكت شفتيها بقبلة أخرى عنيفة.. جعلتها تبتعد على الفور وهي تسأله بغضب:
ـ في ايه؟.. ليه كده؟..
ضحك بسخرية وهو يردد كلماتها:
ـ ليه؟.. مش هو ده اللي أنتِ عايزاه؟.. ده اللي قررتِ تعمليه؟.. مشهد اغواء متكامل..
ثم لوى شفتيه باشمئزاز:
ـ مشهد رخيص.. رخيص بالظبط زي مفهومك للحب.. زي ما حولتِ مشاعر حلوة.. وأحاسيس رقيقة لشيء مبتذل ورخيص.. مجرد علاقة جنسية مثيرة.. تسيطري بها تاني على الزوج الأحمق.. صح؟..
جذبها من ذراعها بقوة وهو يهمس بغضب:
ـ طول السنين اللي فاتت وأنا بحاول أصحح مفهومك عن تبادل المشاعر وتبادل الحب.. بس الظاهر ما فيش فايدة.. برضوه عقلك صورلك أن حل مشكلتنا هو علاقة سريعة تهدي بيها غضبي وتقدري تسيطري علي بالجنس..
هز كتفيه بلامبالاة:
ـ خلاص.. أنتِ قررتِ أن منزلتك ما تتعداش مكانة المومس.. مين أنا عشان أعترض..
ثم أبعدها عنه قليلاً وهو يتأمل جسدها بنظرات اشتهاء وقحة قبل أن يأمرها بحسم:
ـ اقلعي هدومك..
شهقت بقوة وابتعدت عنه وهي تحمي جسدها بذراعيها.. وتهز رأسها يميناً ويساراً بقوة رافضة كلماته المهينة..
دفعها لتسقط على فراشه وهو يخبرها ببرود بينما يخلع ملابسه:
ـ أنا هدخل آخد شاور.. أخرج آلاقيكي قلعتِ ومنتظراني في السرير..
وسكت لوهلة قبل أن يقول ببرود قاتل:
ـ أو أخرج آلاقيكي بره الأوضة خالص وتكوني نضفتِ القرف ده..
قال ذلك وهو يشير إلى الورود والشموع المتناثرة.. وأردف بوقاحة:
ـ وبعد كده ما تدخليش أوضتي إلا لو أنا طلبت منك.. ده لو احتجت خدماتك..
تركها تنفجر في نوبة بكاء هيستيري ودخل إلى الحمام ليتأمل صورته المنعكسة في المرآة.. رأى ملامحه ولكن بنظرات ميتة.. بقلب بدأ يتحول لقطعة من الصخر الجليدي.. ولكنه رغم ذلك ينتفض بعذاب مُهِلك.. فبرغم أنه أهانها وجرحها وقسي عليها ولكن قلبه الصخري كما يظن يلومه ويعاتبه على قسوته وينتفض باكياً حزناً على محبوبته..
لكم صورته في المرآة بغضب وهو يهتف:
ـ لأمتى... العذاب ده لأمتى!..
***********
وهناك عبر البحار.. وفي بلدٍ آخر.. بل قارة أخرى.. قلب آخر يريد صاحبه ذبحه.. ودفنه.. والرقص فوق بقاياه كل ليلة بين أحضان الإثارة..
يتسلل من فراشها.. ويبحث وسط أشيائه عن هاتف محمول ينتمي لحبيبة غائبة بجسدها ولكنها تحيا في قلب يريد قتله.. فيعبث بأزاره قليلاً.. ثم يسمع صوت مميز لوصول رسالة في هاتفه
ويفتح الرسالة ليجد تحيتهما المعهودة..
"تصبح على خير.. لا اله الا الله"..
ويرد هو برسالته..
"استنيني يا ملاكي أنا هفضل أحلم بيكي ليل ونهار"..
وأردف برسالة أخرى
"محمد رسول الله"..
ـ I love you Hassan...
فاجأته.. بل صدمته.. فقد أدخلت قلبها في المعادلة.. وهذا ما لم يضعه في حسبانه..
التفت لها بحدة وقد ظهرت بعينيه نظرات غاضبة.. لا يريدها أن تحبه, بل لا يريد أن يسمع كلمة حب من الأساس.. أنه لم يتزوجها من أجل الحب وهمسات القلب, بل ليقتل ذلك القلب.. يدفنه كما دُفِنت حبيبته..
سحب سيجارة أخرى ونفث دخانها ببطء وأخذ يتأمل لورا قليلاً.. ثم همس ببرود:
" you are really pretty!"
كانت جميلة بالفعل وكأنها أخذت خلاصة الفتنة الإنجليزية والعربية.. فخصلاتها شقراء فاتحة تكاد تكون بلاتينية.. بشرة ناعمة برونزية لامعة وليست شاحبة كعادة الانجليز.. عيون رمادية خضراء كعيون القطط..
كانت لورا ستيفنز قطعة فنية راقية.. وهو ما صرح به للتو.. فهو لم يتخيلها بهذا الجمال.. بل لم يكن يرها من الأساس!
من يصدق أنه قضى ثلاث ليال بين أحضان امرأة أدرك لتوه لون عينيها!..
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتيه دفعت لورا لسؤاله عما يضحكه.. فعاد يتأملها لثوانٍ قبل أن يسألها:
ـ أنتِ لم تخبريني بقصتك بعد.. أعني أنه من الواضح أنه كان بحياتك رجل ما..
كتفت ذراعيها وهي تتأمله بدورها تحاول معرفة سبب تغييره للموضوع وتجنبه تماماً الحديث عن تصريحها بالحب.. فأجابته وهي تهز كتفيها:
ـ هل هو الفضول أم هي مجرد أفكار شرقية عتيقة!
حرك يديه أمام وجهه وكأنه يدفع تهمة ما:
ـ أنا لا أحكم عليكِ..
قاطعته ببرود:
ـ وليس من حقك الحكم علي..
أغضبه برودها.. فكرر سؤاله مرة أخرى:
ـ أعتقد أنه من حقي أن أعلم إذا ما كان هناك زوج خفي في ماضيكِ!
ابتسمت بمرارة:
ـ تريد أن تسمع قصة وجعي.. أم تريد الهروب من وجعك أنت؟
هز رأسه بمرارة وهو ينهي سيجارته ليبدأ واحدة جديدة وغمغم بصوت خافت:
"هروب!.. نعم.. هروب"..
ورفع صوته وعينيه إليها ليعاود السؤال بهدوء.. فتحركت ببطء لتجلس بجواره على الفراش.. وتسند ظهرها إلى إحدى الوسائد.. وتغمض عينيها لتقص عليه حكايتها:
ـ كان والديّ مدمنا مغامرات مجنونة.. تسلق جبال.. رحلات سفاري.. زيارات مختلفة لغابات أفريقية.. كان يستهلكان كل ذرة سعادة يستطيعا الحصول عليها.. حتى.. كانت مغامراتهما الأخيرة.. قفزا معاً من إحدى الطائرات..
مطت شفتيها بأسى قبل أن تحاول ابتلاع ريقها وتهمس بخفوت:
ـ لم تفتح المظلة.. ولم يضع أي منهما المظلة الإضافية..
همس بتأثر لم يستشعره بالفعل.. فهذان الأخرقان اختارا الموت.. فكيف يحزن على موتهما:
ـ آسف..
سقطت دمعة وحيدة على وجنتها مسحتها بسرعة.. قبل أن تكمل وهي ترسم بسمة خفيفة على شفتيها:
ـ لا داعي لذلك.. أنا لم أفتقدهما كوالدين.. فقط افتقدت هالة المرح والإعجاب حولهما.. ولكني دائماً كنت حبة قلب جداي.. كان يكفي فقط أن أتمنى شيئاً لأجده بين يدي في التو..
التفتت له لتبتسم برقة وهي تمد يدها تداعب وجهه لتكمل بعدها:
ـ هذا لا يعني أنني كنت فاسدة.. فقط..
أكمل لها وهو يبتعد بوجهه:
ـ مدللة..
أومأت موافقة.. ثم بدا أنها تجد صعوبة في اكمال قصتها.. فقد انقبضت ملامحها الجميلة بألم وهي تكمل:
ـ جيرارد, ذلك كان اسمه..
ابتلعت ريقها بصعوبة:
ـ كانت علاقتي بجداي رائعة.. حتى.. حتى التقيت به.. كنت في السابعة عشر فقط وكان هو مبهراً.. آخاذاً.. سلب قلبي من أول لحظة.. فتنت به.. ولم أرى غيره.. ولم أعد أقتنع إلا بكلماته..
صمتت قليلاً لترى رد فعله على كلماتها العاشقة لغيره.. ولكن ملامحه بقيت كما هي.. ثابتة كقناع بلاستيكي وسط سحابة من دخان السجائر.. فهزت كتفيها لتخبره بتردد وهي ترفع عينيها إليه:
ـ كان أول رجل في حياتي.. والوحيد.. حتى جئت أنت!
قطب حاجبيه بتساؤل:
ـ ما الذي يعنيه هذا؟.
أجابته بخفوت:
ـ يعني أنني لا أقوم بعلاقات كيفما اتفق.. أنا فقط ارتبط بمن أحب حقاً..
رفع رأسه بعنف وهو يستمع إلى تلميحها بالحب.. كلا.. يجب أن تتوقف عن حشر كلمة حب كلما تحدثا معاً... فما يجري بينه وبينها ليس حباً وبالكاد يطلق عليه زواجاً.. وهو ما يجب أن تفهمه تماماً..
نهض من الفراش وهو يشير إليه ببرود:
"That”s not love... we just slept together"
نظرت إليه بألم.. ونهضت بدورها لتواجهه هامسة وهي تلف ذراعيها حول عنقه:
" No Hassan, I just made love to you"
أبعد ذراعيها عن عنقه ليبتعد عنها إلى آخر الغرفة هاتفاً بقسوة:
" Stop it ...stop saying that.. don”t"...
قاطعته بقوة:
" No, I”ll say it and repeat it.. hopping.. you listen one day"..
مسح وجهه بكفيه بإجهاد وهو يردد:
ـ لماذا ترغبين في تعذيب نفسك وتحميلي المزيد من الذنب؟.. ألا يكفي ما أشعر به؟..
اقتربت منه لتحيطه بذراعيها برقة:
ـ لا يجب أن تشعر بالذنب.. منى لن يسعدها شعورك ذاك..
دفعها بعيداً وهو يهتف بغضب:
ـ منى ماتت.. كيف يمكن أن تسعد أو تحزن؟.. الأموات لا يشعرون.. فقط يبتعدون.. يقررون الهجر والفراق.
هتفت بذهول:
" you are blaming her!!!!"
ارتج جسده بقوة وكأنها رمته برصاصة.. وكلماتها تتردد في ذهنه مرة أخرى.. هل يلوم منى على موتها؟.. أم غطاء اتخذه عقله الباطن ليبرر لنفسه ارتباطه بلورا؟.. أو مجرد وسيلة هروب سهلة ليتمكن من النجاة من فجوة سوداء هائلة تمتص نبضاته..
أراد الهروب من أفكاره.. كلماته.. مشاعر لورا.. لا يريد مزيداً من النقاش حول منى.. حول الحب والعشق..
غير الموضوع هرباً من الاجابة:
ـ لم تخبريني ماذا حدث مع زوجك؟..
تساءلت بدهشة:
ـ زوجي!!
ـ نعم.. الرجل الذي أحببته..
ضحكت بسخرية تعجب لها:
ـ نعم.. الرجل الذي أحببته.. من خسرت بسببه احترام جداي.. من تركت بلدي وجريت خلفه لاهثة إلى باريس.. لأكتشف في ليلة سوداء.. أنه زوج.. وأب لطفلين..
ضحكة مريرة أخرى صدرت منها وحبست دموعها ببسالة:
ـ ولا داعي لذكر مجموعة منتقاة من الصديقات..
أومأ برأسه بتفهم وهو يسألها بواقعية:
ـ وبالطبع عجزتِ عن العودة لجديك.. واستقريتِ هنا..
ـ نعم.. وبعد مجهود كبير.. استطعت الحصول على غفران جدي قبل وفاته..
ـ جيد..
اقتربت منه ببطء وهي تقول بتردد:
ـ حسن.. يجب أن تعلم أن جيرارد انتهى من حياتي منذ سنوات طويلة..
قاطعها:
ـ منذ أن عرفتِ بوجود زوجته؟..
رفعت عينيها إليه وقد تجمدت الدموع بعيونها وهي تسأله:
ـ لا يمكنك أن ترى الأمور إلا بالأبيض أو الأسود!.. هل تعتقد أن المشاعر تختفي بضغطة زر؟..
تكلم بإقرار وغضب مكتوم:
ـ بقيتِ معه رغم علمك بزواجه..
هتفت بشراسة:
ـ لقد أخبرتني أنك لن تحكم علي!..
تجاهلها متسائلاً:
ـ كم استمرت علاقتك معه؟..
برقت عينيها القططية بشراسة وهي تسأل بدورها:
ـ هل ستسمح بتبادل الأدوار؟..
ضيق عينيه بحيرة.. فأكملت لتوضح له:
ـ أن أقوم باستجواب مماثل؟..
أشاح بيده:
ـ أنتِ تعلمين كل شيء عني بالفعل..
كتفت ذراعيها وهي تجاوبه بتحد:
ـ ما أعرفه عنك كان على لسان منى..
صمتت عندما برقت عيناه غضباً.. فتنهدت بإجهاد وتهالكت على الفراش لتسأله بواقعية:
ـ حسن.. هل تنوي الاستمرار في زواجنا؟...
سؤال يحتاج لاجابة.. اجابة هو لا يملكها.. على الأقل في الوقت الحالي..
*********
عدلت نيرة مرآة السيارة لتتأكد من مظهرها قبل أن تتوجه إلى الأتيليه الخاص بدنيا.. لتبدأ أولى معاركها مع من فتنت زوجها.. وتزوجته.. وسرقته منها منذ سنوات..
داعبت خصلاتها الحمراء الثائرة والتي تناثرت بفتنة لتغطي صدرها وذراعيها وظهرها أيضاً المكشوفين تماماً.. رفعت صدر ثوبها الأحمر الناري ليغطي مقدمة صدرها قليلاً.. ويظهر بعض من بشرتها الوردية اللامعة بين خصلاتها.. وعندما ترجلت من سيارتها جحظت عيون من حولها ونظراتهم تجري على ساقيها الطويلتين لتصل لنهاية ثوبها الذي ارتفع فوق ركبتيها بعدة إنشات..
ابتسمت بثقة وهي تستشعر اعجاب الرجال بها في كل خطوة تخطوها بدلال بالغ أبرزه كعب حذائها العالي..
تعلم أن مازن سيقتلها لو رآها بذلك الثوب.. ولكنها في تلك اللحظة لا تهتم.. فهو دمرها بالفعل الليلة الماضية.. وارتدائها لذلك الثوب لهو أقل انتقام تستطيعه, كما أنها ستذهب لمواجهة إحدى أيقونات الأناقة والموضة في العالم العربي.. وارتدائها لمثل ذلك الثوب الصاعق يزيد من ثقتها بنفسها.. تلك الثقة الواهية التي بعثرها حسن ثم جاء مازن ليجمعها مرة أخرى ولكن ليلقي بها في أقرب سلة مهملات وهو يخبرها بمنتهى البرود أنه متزوج من قبل حتى أن يتزوجها أو يرتبط بها..
وبين تدافع أفكارها وجدت نفسها أمام مكتب مساعدة دنيا التي رحبت بها.. وأبلغت دنيا بوصولها مما أثار تعجبها.. هل كانت تتوقعها؟..
دلفت إلى مكتب دنيا الفخم وتحركت الأخيرة لاستقبالها عند الباب مما سمح لها بتأملها جيداً... جميلة.. بل فاتنة.. تمتلك جمال شرس.. لا شك أنه يثير اعجاب العديد من الرجال.. وأولهم مازن, بشعرها الأسود الطويل والذي تصففه اليوم بجديلة فرنسية معقدة ورغم هذا يصل طولها لنهاية خصرها الذي التف بزنار فضي يجمع ثوبها الوردي اللون والذي تلتف تنورته حول ركبتيها..
كانت خامته رقيقة مما سمح بإظهار تناسق قدها الممشوق مع المحافظة على أناقتها ووقارها.. وذلك أغضب نيرة بشدة.. فدنيا ببساطتها وأناقتها تمثل ما يعجب مازن.. ما يريده ويستحقه رجلاً مثله..
أغضبها تفكيرها بشدة وهزت رأسها بعنف لتقذف منها تلك الأفكار فتناثرت خصلاتها حولها وظهر عُري ثوبها بوضوح, فزمت دنيا شفتيها بعدم رضا وهي تدعوها للجلوس على إحدى الأرائك.. ولكن نيرة هزت رأسها رفضاً وكتفت ذراعيها ووقفت بتحدي وهي تخاطب دنيا بترفع:
ـ أكيد دي مش زيارة ودية..
وأشارت بيدها بطريقة مسرحية مترفعة:
ـ وواضح أنك كنتِ منتظرها..
ابتسمت دنيا ببرود:
ـ أكيد.. الخبر النهارده في كل الجرايد..
وصمتت لحظة لتردف وقد اتسعت ابتسامتها باستفزاز:
ـ أنا لازم أشكرك.. مازن قالي أنك أشرفتِ بنفسك على توزيع البيان على الجرايد..
هتفت نيرة بحنق وقد أغاظها برود دنيا:
ـ يا بجاحتك.. ايه مش مكسوفة من نفسك؟..
قطبت دنيا بتساؤل:
ـ اتكسف!.. اتكسف من ايه؟.. أنا لا عملت حاجة عيب ولا حرام؟..
صرخت بها نيرة:
ـ أنتِ سافلة..
تقدمت دنيا خطوتين وهي تشير لها بسبابتها محذرة:
ـ يا ريت تتعاملي بأدب.. وتحتفظي بتحضرك..
ثم أضافت وهي تلوي شفتيها باستهزاء:
ـ ده لو كنتِ تعرفي يعني ايه تحضر!
هتفت بها نيرة:
ـ تحضر!.. خطفتِ جوزي وجاية تكلميني عن التحضر!!
أجابتها دنيا ببرود سيدة أعمال تدير جلسة مفاوضات غير مرغوبة:
ـ بيتهيألي مازن وضح لك أني الزوجة الأولى..
ـ ولما أنتِ الأولى وافقتِ تكوني في الضل ليه؟..
رفعت دنيا حاجبها وهي تحاول التمسك بواجهة البرود:
ـ أسبابي ما تخصكيش..
ـ لا.. خلاص.. ما عادش ينفع تقوليلي يخصك ويخصني.. دلوقتِ مصيرنا مرتبط ببعضه..
أجابتها دنيا بعجب:
ـ ايه الكلام العجيب ده.. مصيرنا ازاي مرتبط ببعضه.. أنا مصيري بإيد ربنا سبحانه وتعالى وبعدها قرارتي في إيدي.. وطبعاً بالتفاهم مع مازن.. أنتِ ليه متخيلة أنه ممكن يجبر أي واحدة على وضع مش مقبول..
هزأت نيرة منها:
ـ طبعاً.. أنتِ بقى فهماه كويس وعاملة لي فيها الصدر الحنين..
هتفت دنيا بغضب وقد بدأ برودها في التبخر:
ـ مدام نيرة.. افتكري أني قلت لك احتفظي بتحضرك..
صرخت نيرة:
ـ أنتِ جايبة البرود ده منين!.. ولا أنتِ ساذجة ومش متخيلة وضعنا الجديد..
أشارت دنيا بسبابتها محذرة:
ـ ما تعليش صوتك هنا.. وأنا مش ساذجة أبداً.. الوضع ده مستمر بقى له سنين.. أنا أقلمت نفسي معاه.. حاولي أنتِ كمان تتأقلمي.. على الأقل عشان خاطر مازن..
ضحكت نيرة ضحكة مريرة:
ـ وأنتِ طبعاً بتعملي كل حاجة عشان خاطر مازن..
ثم سألت بصرامة خافتة:
ـ بتحبيه؟..
ارتسمت على ملامح دنيا رقة عذبة وهي تجيبها معترفة:
ـ جداً..
العشق الخالص الذي استشعرته نيرة من تلك الكلمة البسيطة التي ألقتها دنيا بنبرة حالمة أشعلت الدماء في عروق نيرة لتهتف بغيظ:
ـ جداً!!.. شغلتيه ولعبتي بيه, عميتي عيونه عني وعن..
قاطعتها دنيا بغضب:
ـ عميت عيونه!!.. بيتهيألي أنتِ عارفة كويس من اللي عيونه معمية..
حاولت نيرة مقاطعتها فمنعتها دنيا هاتفة بحسم:
ـ اسمعيني كويس.. أنا ساكتة على إهاناتك وتطاولاتك لأني مقدرة الصدمة اللي بتمري بيها.. لكن مش هسمح لك تستخدميني كشماعة تعلقي عليها مشاكلك مع مازن.. أنا موجودة في حياته من قبلك.. حقيقة وواقع تقبليهم.. زي بالظبط ما أنا تقبلت احتياجه لوجودك في حياته.. احتياج أنتِ حولتيه للعنة عليكِ وعليه بدل ما تعملي منه قصة حب جميلة.. وجاية تكلميني على عمى البصر..
بهتت نيرة لهجوم دنيا الغير متوقع واشتعلت مراجل غضبها وهي تدرك قوة علاقة دنيا بمازن.. مدى تفهمها له.. وتقديرها لمشاعره..
هتفت بشراسة وهي ترغب في جرح دنيا.. رغبة أعمتها عن كل شيء:
ـ بللا بللا بللا.. أنتِ فاكرة أن كلامك ده هيقلقني.. أو حتى تهديدك بأنك في حياته.. و... وشوية الكلام الفارغ ده.. أنتِ كل اللي يهمك أنك تحتفظي به.. عشان خاطر مزاجك.. شاب وغني ووسيم.. وأصغر منك.. يعني بصراحة كده.. هتلاقي زيه منين يوافق أنه يرتبط بواحدة في سنك!.. واحدة خلاص السنين اللي باقية لأنوثتها تتعد على صوابع الأيد الواحدة..
رمشة جفن وعضلة بسيطة تحركت في جانب وجه دنيا كانا الدليل الوحيد على تأثرها الشديد بهجوم نيرة.. لكنها تمالكت نفسها وتحركت بهدوء نحو الباب لتفتحه وتشير لنيرة:
ـ اتفضلي يا مدام نيرة.. الوقت اللي حددته لزيارتك انتهى وأنا ورايا شغل كتير..
رمقتها نيرة بغضب وتحركت بهدوء لتخرج من الغرفة وهي تحاول الحفاظ على رأسها مرفوع.. لتتوقف أمامها لثوانٍ هامسة:
ـ الشركة الثلاثية دي مش هتستمر كتير.. وأنا مش هنسحب ولا ناوية أتهزم بسهولة..
وخرجت مسرعة بينما أغلقت دنيا الباب وهي تطلب من مساعدتها إلغاء كافة مواعيدها.. فهي أمامها نهار طويل من العمل والبكاء.. فلقد أصابتها جملة نيرة بمقتل..
لكنها لم تعرف أن أعماق نيرة كانت في حالة فوضى.. لم تستطع تحديد مشاعرها أو ما يجب أن تشعر به بالتحديد.. فلقد كان سبب زيارتها الأساسي لدنيا هو اظهار قوتها وتماسكها بعدما صدمها مازن بخبر زواجه.. أرادت أن تظهر لدنيا أن ذلك الزواج ما هو إلا نزوة حمقاء لمازن وهي كأي زوجة عاقلة ستتقبل جموح زوجها لفترة ثم ستعيده إلى بيته وعش زواجهما.. ولكن ما حدث هو العكس تماماً.. لقد شعرت بأنها هي الدخيلة.. بأنها هي النزوة العابرة التي تتحملها دنيا في مقابل اسعاد مازن.. لم تدري لم أغضبتها قوة مشاعر دنيا نحو مازن أكثر من فكرة أنها ستشاركها به بالفعل.. هل تغار من قدرة دنيا على احتواء مازن؟.. هل تغار من حب دنيا له رغم رغبتها العميقة بتصديق أن مشاعره لها هي وحدها, حتى لو أنكر ذلك وحاربه..
فوضى مهلكة ذلك ما تشعر به... هل أحبت مازن.. أم أحبت حبه لها؟..
هل تريد استعادته كرجل وزوج أم فقط تريد الانتصار في معركة افتعلتها مع دنيا؟.. من خلال حوارها معها أدركت أن مازن لم يخبرها بأمر الاجهاض.. فهل كان ذلك حفاظاً على خصوصية علاقته بها؟.. إذاً فهو لا يريد تشويه صورتها أمام غريمتها.. هل ما زال يحبها ولو قليلاً؟..
هاجمها هاجس خفي أرعبها, بأن مازن أخفى الأمر عن دنيا حفاظاً على مشاعرها, فهي لم تنجب منه.. كما أن سنواتها تجري وقد لا تتتمكن من الانجاب بسهولة..
بقدر ما أغضبها ذلك الهاجس بقدر ما جعل ذهنها يبرق بفكرة جهنمية.. الحمل.. ذلك هو الحل.. يجب أن تعوض مازن عن الحمل الضائع..
وحينها ستتمكن استعادته, بل وطرد دنيا من حياته...
*********
اضجع يزيد براحة على الأريكة الوثيرة بغرفة المعيشة الفخمة بفيلا ريناد..
مدد ساقيه أمامه على المائدة الصغيرة المواجهة للأريكة وأخذ يقلب في قنوات التلفاز بملل وذهن غائب.. ليس غائباً بالتحديد.. بل هو هناك معها.. فهو حتى وإن هرب من مواجهتها لكنها تسيطر على عقله بسهولة.. لا يعلم إلى متى يمكنه تأجيل المواجهة.. فهو يراعي هشاشة نفسيتها أثناء الحمل.. ولذلك يحاول الانتظار حتى يهدأ غضبه ولو قليلاً.. لا يستطيع مواجهتها وأفكاره تتصارع بين قلق يكاد يبلغ حد المرض من فقدانها, وبين غضب شديد لاخفائها أمور عنه.. بداية من وظيفة حسن وانتهاء بجريمة نيرة المقززة..
كيف أمكنها مجاراتها فيما قامت به؟.. كيف؟.. يعلم أنها تعشق الأطفال.. ولن تسمح بقتل واحد.. كيف استطاعت مساعدة نيرة على التخلص من جنينها؟..
زفر بغيظ وهو يدرك أنه كان يجب عليه مواجهتها بدلاً من هروب جبان نحو ريناد والتي بالقطع لن تساعد في اخماد حيرته.. فهو لا يتبادل معها حوارات كــتلك..
لوى شفتيه ساخراً وهو يتذكر غيرة علياء من تواجده المستمر برفقة ريناد.. آه لو تعلم فقط ما تطلقه ريناد نفسها على وجودها في حياته.. فهي تسمي نفسها.."منسقة حفلات بدوام دائم.. زوجة لحين اشعار آخر"..
تباً.. لقد أفسد حياته بالفعل وحياة من حوله.. و...
وانتفض في جلسته إثر صرخة غاضبة من ريناد:
ـ يزيــــــــــــــد.. أنت اتجننت ترفع رجليك على الترابيزة كده..
ثم شهقت بصدمة مذهولة:
ـ كمان بتحط عليها كوباية العصير من غير طبق..
قطع يزيد جملتها الغاضبة بأن جذبها نحوه ليلفها بذراعيه هامساً بشقاوة:
ـ آسف يا أبلة الناظرة.. آخر مرة..
تملصت من بين ذراعيه وهي تخبره بغضب:
ـ ابعد يا يزيد.. أنت عارف أني متعصبة منك.. أولاً..
ورفعت يدها لتعدد على أصابعها:
ـ كان لازم تعرفني بوفاة منى مرات حسن.. على الأقل اعمل الواجب.. واروح لوالدتها.. ثانياً.. نيرة كانت في المستشفى وخرجت وحصلها اجهاض.. ده كله من غير ما تقولي.. ثالثاً.. ايه اللي شلفط وشك كده؟..
دعك جانب وجهه الذي يؤلمه نتيجة لكمة مازن له وتجاهل اخبارها عنها بينما
قطب حاجبيه بحيرة:
ـ تعملي الواجب مع والدة منى!!!.. ازاي؟!.. مش ده المكان اللوكال اللي مش بتطقيه؟..
هزت كتفيها بلامبالاة:
ـ أيوه.. بس عليا راحت.. عايز الناس تفتكر أنها هي صاحبة الذوق والواجب وأنا لآ.. ولا عايزهم يفكروا أنك طلقتني وهي بقيت مدامتك الوحيدة..
لوى شفتيه بامتعاض وهو يغمغم:
ـ لا.. بجد أفحمتيني.. أسباب وجيهة فعلاً..
ثم ابتعد عنها ناهضاً وهو يدرك أنها فقدت اهتمامها بالكدمة الزرقاء بوجهه عندما قررت التركيز على نفسها.. تنهد بتعب وهو يسألها بوقاحة:
ـ يا ترى الليلة مطلوب خدماتي.. ولا ممكن أروح أنام..
أجابته بغضب:
ـ ايه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي.. من فضلك يا يزيد حسن أسلوبك شوية..
ثم جذبته من يده ليعاود الجلوس بجوارها وأمسكت كفه تداعب أنامله وهي تسأله:
ـ عليا وافقت أن خالتو تشوف الولاد؟..
نظر إليها بطرف عينه متسائلاً:
ـ طبعاً ماما اللي طلبت منك تسأليني؟..
ألقت برأسها على كتفه ثم مرغت وجنتها حتى استقرت على صدره وداعبته بإغواء وهي تردد:
ـ يا حبيبي.. دي حاجة ما تزعلش.. واحدة ونفسها تشوف أحفادها.. شيء طبيعي.. عليا اللي مكبرة الموضوع.. والحكاية اللي حصلت زمان مستحيل تتكرر.. يعني خالتو هتعمل ايه للولاد!!.. شيء عجيب والله..
اجابها بهدوء:
ـ ولادها وهي حرة.. وخلينا نقفل على الموضوع ده.. ممكن؟..
طوقته بذراعيها وهي تحرك شفتيها على عنقه وتهمس:
ـ ايه رأيك لو أخدت اجازة يومين وسافرنا في أي مكان نغير جو.. الدكتور بيقول ده هيساعد مع النظام الجديد..
غمغم بتردد:
ـ أيوه.. بس أسافر وأسيب علياء ازاي!.. دي حامل و..
ابتعدت ريناد عنه بعنف وهي تهتف:
ـ أيوه.. حامل.. للمرة الكام؟.. التالتة.. صح؟.. أظن ممكن تنساها يومين وتركز معايا.. لأني نفسي أعرف معنى كلمة حامل..
جذبها لتجلس بجواره ثانية ويطوقها بذراعه مربتاً على كتفيها:
ـ طيب ايه رأيك نعمل حقن مجهري؟..
هزت رأسها بغضب:
ـ لأ طبعاً.. قلت لك قبل كده كتير.. لأ.. طالما الدكتور قال أني سليمة.. وممكن الحمل يتم طبيعي.. عايز ليه نلجأ للحقن المجهري؟.. أنت عارف هيكون شكلي ازاي وسط اصحابي وهما عارفين أن الهانم بتحمل ولا الأرانب.. وأنا.. اضطر ألجأ لطرق صناعية!!
هز رأسه بحيرة:
ـ ريناد.. أنتِ عايزة طفل عشان محتاجة تكوني أم.. ولا عشان لازم تكوني أم؟..
ظهرت معالم الحزن على ملامحها وبدأت تعصر عينيها لتستدعي بضعة دمعات:
ـ يعني ايه؟.. أنت بتلعب بالكلام ليه؟.. عايز تتهرب من الموضوع صح؟.. حتى مش قادر تشاركني حاجة طبيعية وبسيطة زي دي؟..
وفجأة أجهشت بنوبة بكاء.. وهي تتمتم برغبتها في طفل ينمو بداخلها.. فلم يجد أمامه بداً من الموافقة على الإجازة الاجبارية..
*********
قررت نيرة وضع خطتها في حيز التنفيذ في أسرع وقت.. فابتاعت في طريقها للمنزل أكثر أثواب النوم إثارة.. واختارته باللون الوردي كما يحب..
وأغرقت جسدها.. وشعرها بعطره المفضل.. وأضافت لمسة أخيرة من طلاء شفاه بلون الكرز.. وتمددت في فراشه بإغراء مميت.. تنتظر عودته.. وتدعو بداخلها ألا تخبره دنيا بلقائهما العاصف صباح اليوم..
لم يطل انتظارها فسرعان ما دخل مازن إلى الغرفة ليفاجئ بالمشهد المغري الذي أعدته له.. وريقات الزهور منثورة على الفراش.. والشموع المعطرة موزعة في أرجاء الغرفة المظلمة جزئياً.. وموسيقى حالمة تذيب أشد القلوب قساوة.. ووسط كل ذلك.. الشعلات الحمراء متناثرة على وسادته.. ومعذبته ترتدي ثوب وردي شفاف.. يلتصق بجسدها كجلدٍ ثاني لها..
وقف يتأملها قليلاً ورغبته الطبيعية كرجل تتحرك نحوها.. ولكن بطريقة بدائية وغريزية مقززة.. سرعان ما عبر عنها عندما جذبها بشدة ليطبع على شفتيها قبلة عنيفة.. نهمة.. تعبر عن شهوة خالصة.. استشعرتها هي على الفور.. لتدفعه عنها قليلاً وهي تهمس:
ـ سامحني يا مازن.. أنا آسفة..
أسكت شفتيها بقبلة أخرى عنيفة.. جعلتها تبتعد على الفور وهي تسأله بغضب:
ـ في ايه؟.. ليه كده؟..
ضحك بسخرية وهو يردد كلماتها:
ـ ليه؟.. مش هو ده اللي أنتِ عايزاه؟.. ده اللي قررتِ تعمليه؟.. مشهد اغواء متكامل..
ثم لوى شفتيه باشمئزاز:
ـ مشهد رخيص.. رخيص بالظبط زي مفهومك للحب.. زي ما حولتِ مشاعر حلوة.. وأحاسيس رقيقة لشيء مبتذل ورخيص.. مجرد علاقة جنسية مثيرة.. تسيطري بها تاني على الزوج الأحمق.. صح؟..
جذبها من ذراعها بقوة وهو يهمس بغضب:
ـ طول السنين اللي فاتت وأنا بحاول أصحح مفهومك عن تبادل المشاعر وتبادل الحب.. بس الظاهر ما فيش فايدة.. برضوه عقلك صورلك أن حل مشكلتنا هو علاقة سريعة تهدي بيها غضبي وتقدري تسيطري علي بالجنس..
هز كتفيه بلامبالاة:
ـ خلاص.. أنتِ قررتِ أن منزلتك ما تتعداش مكانة المومس.. مين أنا عشان أعترض..
ثم أبعدها عنه قليلاً وهو يتأمل جسدها بنظرات اشتهاء وقحة قبل أن يأمرها بحسم:
ـ اقلعي هدومك..
شهقت بقوة وابتعدت عنه وهي تحمي جسدها بذراعيها.. وتهز رأسها يميناً ويساراً بقوة رافضة كلماته المهينة..
دفعها لتسقط على فراشه وهو يخبرها ببرود بينما يخلع ملابسه:
ـ أنا هدخل آخد شاور.. أخرج آلاقيكي قلعتِ ومنتظراني في السرير..
وسكت لوهلة قبل أن يقول ببرود قاتل:
ـ أو أخرج آلاقيكي بره الأوضة خالص وتكوني نضفتِ القرف ده..
قال ذلك وهو يشير إلى الورود والشموع المتناثرة.. وأردف بوقاحة:
ـ وبعد كده ما تدخليش أوضتي إلا لو أنا طلبت منك.. ده لو احتجت خدماتك..
تركها تنفجر في نوبة بكاء هيستيري ودخل إلى الحمام ليتأمل صورته المنعكسة في المرآة.. رأى ملامحه ولكن بنظرات ميتة.. بقلب بدأ يتحول لقطعة من الصخر الجليدي.. ولكنه رغم ذلك ينتفض بعذاب مُهِلك.. فبرغم أنه أهانها وجرحها وقسي عليها ولكن قلبه الصخري كما يظن يلومه ويعاتبه على قسوته وينتفض باكياً حزناً على محبوبته..
لكم صورته في المرآة بغضب وهو يهتف:
ـ لأمتى... العذاب ده لأمتى!..
***********
وهناك عبر البحار.. وفي بلدٍ آخر.. بل قارة أخرى.. قلب آخر يريد صاحبه ذبحه.. ودفنه.. والرقص فوق بقاياه كل ليلة بين أحضان الإثارة..
يتسلل من فراشها.. ويبحث وسط أشيائه عن هاتف محمول ينتمي لحبيبة غائبة بجسدها ولكنها تحيا في قلب يريد قتله.. فيعبث بأزاره قليلاً.. ثم يسمع صوت مميز لوصول رسالة في هاتفه
ويفتح الرسالة ليجد تحيتهما المعهودة..
"تصبح على خير.. لا اله الا الله"..
ويرد هو برسالته..
"استنيني يا ملاكي أنا هفضل أحلم بيكي ليل ونهار"..
وأردف برسالة أخرى
"محمد رسول الله"..
