رواية مذاق العشق المر الفصل السابع والعشرين 27 بقلم سارة المصري
الفصل السابع والعشرون
خوف ، قلق ، ندم وكل ما يتعلق بالحزن من مشاعر سيطر على باله في تلك الساعات الصعبة التى مرت عليه وهو فى ردهة المشفى فى انتظار الاطمئنان عليها ..
خرجت الطبيبة المعالجة لها منذ قليل وأخبرته انها مجرد رضوض وكدمات وكسر فى ذراعها الايسر..
أما الغيبوبة التى سقطت بها فلاسباب نفسية تفر بها من واقع ترفضه وتلوذ بعقلها الغائب من حقائق يؤلمها تصديقها..
لم يتخيل أن الأمر سيصل الى احتجازها في مشفى ..ظن أنها أقوى بكثير من كل هذا ..
مرت امامه الطبيبة من جديد فأسرع اليها في لهفة:
” لو سمحتى انا ممكن اشوفها ”
رمقته الطبية فى حذر وتمعنت بهيئته القلقة قبل أن تسأله:
” وحضرتك تبقالها ايه ؟؟“
رد دون تفكير :
” ابقا جوزها ”
قالها صدقا ودون شعور منه وبتلقائية وبساطة فلم يستطع ابدا ان يقتنع انها لم تعد زوجته ..
وضعت الطبيبة يدها فى جيب معطفها وعضت على شفتيها تفكر للحظات قبل ان تقول:
” تقدر تشوفها ”
ذهب اليها ...
جلس على كرسى قريب من فراشها ..
تأمل في حزن كدمة الى جوار عينيها وأخرى اسفل شفتها ..
التقطت عيناه ملامحها الهادئة التى اشتاقها واعتادها اربع سنوات كاملة حتى اصبح يشعر انها جزء من ملامحه هو ..
ضرب على جبينه فى ندم.. لم يقصد ان يصل بها الى هذه الحالة ابدا ، ارادها فقط ان تتخذ له العذر ..
ارادها فى حياته بعد ان تقتنع بمبرراته حتى وان كان رغما عنها ...
ولكن يبدو أنه قد خسرها للابد كما اخبره زين ..
هز رأسه في اصرار...
لا لن يخسرها ابدا سيحاول من جديد ..
مرت ساعة وبدأت تتململ فى فراشها فابتسم فى سعادة واقترب بوجهه منها وهى تفتح عينيها فى بطء ليهمس لها فى حنان:
” حمدلله ع السلامة يا حبيبتى ”
نظرت له طويلا ولم ترد فكرر وهو يقترب اكثر ويضع يده على جبينها:
” سامعانى ايلينا ؟؟؟“
اغمضت عينيها فى قوة حتى كادت تعتصرهما وفتحتهما من جديد لتصرخ به :
” اخويا فين ؟؟؟“
تراجع يوسف وهو يخفض رأسه فى ندم فكررت هى بصوت اعلى:
” اخويا فين يا حقير ؟؟”
واعتدلت فى فراشها فى حدة مزيحة كفه عن جبينها في تقزز..
مقاومة كل الالام التى اصابتها ومنعت اى أنة واحدة من بلوغ شفتيها وهى تهتف به بينما تدفع بكفها الايمن صدره :
” هاتلى اخويا هنا دلوقتى واخرج برة ”
امسك بكفها وضغطه بقوة هامسا فى قلق :
” اهدى ايلينا ..على انا مخطفتوش هو اصلا كان فى الاوضة اللى جنبى ..اهدى بس وانا هعملك اللى انت عاوزاه ”
تأوهت من لمسته لها فهى لم تعد تتقبلها ...
هى تذكرها بما كان خيالها يوحى لها ان يفعله من كان يساومها :
” والله يا يوسف لدفعك تمن اللى عملته ده غالى ..مكفكش خيانتك ووجعك جاى كمان تكمل عليا ...انا بكرهك بكرهك بكرهك ...اطلع برة ”
وكررت صراخها فى هستيرية لتدلف طبيبتها فى تلك اللحظة وترى حالة الانهيار التى اصابتها وهى تهتف بيوسف فى غضب فنظرت له فى صرامة بدورها :
” لو سمحت يا استاذ ..اتفضل برة دلوقتى ”
نظر يوسف اليها وهي تشير الى الممرضات خلفها ليقتربن ثم الى ايلينا التى تطالعه فى حقد وكره لم يعرفه من قبل حين كانت تتلوى بين يدى الممرضات ليحاولن حقنها بمهدىء وبينما كانت الطبيبة تغرس المحقن فى ذراعها كان يوسف يتراجع للخلف وهو ينظر اليها ترتخى لترتمى على الفراش...
**********************************
اخذت تخدش على الأوراق امامها فى عشوائية بينما تجلس على فراشها فى المشفى وهى تفكر وترتب كل شىء فى رأسها من جديد ...
عمرها الذى قضته مع يوسف وما فعله بها وحاول تبريره بشكل يبدو لها الان مضحكا فهى لاترى الا انه اراد كسرها امام نفسها ولكن لا...
ستعود ايلينا اقوى مما كانت ، ستعود انسانة اخرى لم يسبق له ان صادفها ، تنهدت وهى تسترجع ما اخبرها علي به فقد استغله يوسف منتهزا حبه له فقد كان الأخير يرعاه كأخ له عندما كانا فى القصر وكثيرا ما شاركه اهتماماته ولهوه ..
تنهدت في عمق وهي تتذكر لقائها به..
فبعد ان استقبلته حاولت ان تعود الى طبيعتها امامه وهى ترى قلقه وخوفه الواضح ولكنها ارادت ان تعرف كيف خدعه يوسف فأخبرته في هدوء:
” بعد كدة يا على مش اى حد يقولك حاجة تصدقها ...انا عمرى ما اتخيلت انك ممكن تكون ساذج كدة ..معقول يقولك هعملها مفاجأة تصدقه وتروح معاه ”
تحسس على نظارته فى ارتباك وهو يقول في تردد:
” ماهو مكناش نقصد اكيد ان الموضوع يوصل بيكى للمستشفى ”
ضيقت عينيها وهى تنظر اليه وتدرس جملته فى عقلها لتهمس في حذر :
” مكنتوش تقصدو ...هوا قالك ايه بالظبط ياعلي ”
فرك يديه وأخذ تنفسه يتصاعد بينما يهز ساقيه فى حركة مرتبكة تعرفها ايلينا جيدا ..تضاربت الأفكار برأسها لتهتف بصوت اعلى نسبيا :
” اتكلم يا علي ”
نهض من مكانه فى بطء وازدرد ريقه قبل ان يخفض رأسه ليقول في خجل:
” هوا ..هوا بصراحة قالى انه عايز يتكلم معاكى وانه بس هيقنعك انه حد خاطفنى عشان توافقى تتكلمي معاه ”
نهضت من مكانها وقطبت حاجبيها وهى تتحرك تجاهه في بطء ...لا تصدق حقا ما يخبرها به :
” وانت شاركته لعبته الوسخة دى يا على ”
اشاح بوجهه يعطيها الجواب بصمته ..
ففعلت معه مالم تفعله فى حياتها ابدا مع اى شخص ...
لطمته بقوة حتى دوت صوت الصفعة في المكان..
تحسس وجنته في ألم دون ان يرفع رأسه اليها فواصلت وهى تضم قبضتها وتنحنى قليلا لتعادل طوله:
” خليته يلعب بأختك واعصابها ..انا كنت بموت وانا بتخيل ان فيه حد ممكن يكون عمل فيك حاجة ”
واضافت وهى تمسك بكتفيه وتهزه فى عنف:
” انت غبي ..غبي ...غبي...تعرف الطريقة اللى استخدمها عشان اروحله كانت ايه ولا مقالكش على دى كمان ”
حاول التغلب على شهقاته حتى لا يبكى فألمه لا يحتمل بعد ان تلقى تلك الصفعة من اخته بكل ما حملته من خيبة امل به ليجيبها بصوت متلعثم :
” ايا كان اللى هيعمله انا كنت واثق انه بيحبك وعمره ما هيأذيكى ”
أفلتت ضحكة ساخرة وهى تدفعه فى غضب و تشير بذراعيها للمكان :
” كل ده وماأذنيش ...انا محدش فى الدنيا اذانى قده ولا وجعنى زيه ”
هنا همس على بصوت يشوبه البكاء :
” بس انتى بتحبيه يا ايلينا وكنتى عاوزة ترجعيله ...انا عملت كدة عشانك مش عشانه ...كنت عاوزة اكسر جزء العند اللى مانعك تتكلمى معاه او تسمعيه ...“
واضاف بعد ان مسح انفه:
” انا كنت بسمعك كل ليلة بتعيطى يا ايلينا ...كنت بسمعك بتنادى باسمه وانتى نايمة ومع كل ده بتعاندى نفسك طول الوقت وتقولى انك نستيه ”
صرخت به فى الم لا تنفي ما قاله بل تؤكده تماما فالنكران لم يعد يفيد:
” وهوا ميستاهلش ..ميستاهلش ذرة حب واحدة جوايا ..هوا جرحنى بكل طريقة ممكنة ولازم يدفع تمن كل اللى عمله ”
” اخبارك ايه دلوقتى ؟؟؟“
تسلل صوت الطبيبة المحبب الى اذنها فانتشلها من افكارها لترفع رأسها بابتسامة صغيرة:
” بخير دكتورة ملك ”
واضافت في امتنان:
” ومش عارفة فعلا اشكرك على اللى انتى عملتيه معايا ازاى ”
جلست ملك امامها قائلة فى هدوء :
” اولا احنا اتفقنا انى ملك وبس ..ثانيا انا خبطتك بعربيتى وكان لازم اعالجك يعنى احنا كدة خالصين ”
قالت ايلينا وهى تربت على كفها القريب منها:
” انتى مش بس عالجتينى ..انتى كمان اخدتى بالك من على الفترة اللى فاتت ..انا بجد مديونالك كتير ”
ابتسمت ملك وهى تحتوى كف ايلينا بين كفيها :
" احنا خلاص بقينا اخوات والاخوات مفيش بينهم شكر ولا ايه ”
هزت ايلينا رأسها فى امتنان فواصلت ملك فى جدية :
” المهم دلوقتى انتى ناوية على ايه ؟؟؟“
لمعت عينا ايلينا وتراجعت للخلف وهى تتنهد في عمق:
” كتيييير ”
ضيقت ملك عينيها تسألها في خبث:
” والكتير ده يا ترى ليه علاقة بيوسف ”
رفعت ايلينا حاجبيها وخفضتهما وكأنها تجيبها فى نفسها بل كله من اجل يوسف ..
من اجل ان ترد له كل صفعاته...
من اجل ان تؤدب نفسها على كل لحظة ندمت فيها على ما فعلته فى حقه ...
هو يستحق كل ما أصابه واكثر
واصلت ملك وهى تتمعن بها أكثر تحاول سبر أغوارها:
” بصراحة يا ايلينا اللى انتى حكيتيلى عنه مستحيل يكون نفسه الانسان اللى كان بينهار عشانك الايام اللى فاتت ..مش جايز تكونى فعلا ظالماه ”
ضحكت في هم وهى تمرر يدها فى شعرها بعصبية:
” ظالماه ؟؟؟...بعد كل اللى حكتهولك يا ملك ظالماه ”
هزت ملك كتفيها تحاول أن تؤكد وجهة نظرها:
” هوا قالك انه مخانكيش بارادته وانها هيا ...“
قاطعتها ايلينا وهي تلوح بكفها :
” انتى هتتكلمى زيه يا ملك ..هتتبرريله اللى هوا عمله عشان يثبتلي ان الظروف ممكن تجبر البني ادم انه يتنازل ...لو كان قالى وقتها كان جايز اعذره لكن اكتشف بعد سنتين ان جوزى خانى واتجوز عشيقته وكمان عنده منها طفل ويطلب منى استوعب كل ده واصدق ان حياتى كلها اتقلبت عشان خدعة هوا وقع نفسه فيها بمزاجه ”
واضافت فى مرارة واضحة:
” ملك يوسف اخد منى احساسى بالامان ..خطف اخويا و...“
قاطعتها ملك في رفق:
” انتى عارفة انه مخطفوش وعلى نفسه اكدلك ه ”
ضربت ايلينا الوسادة بقبضتها هاتفة:
” مجرد انه يوهمنى انه عملها ..مجرد انه يخلى واحد يكلمنى ويساومنى على شرفى حتى لو بالكدب ..مجرد ما يكسرنى قدام نفسى تبقى جريمته مكتملة بالنسبالى يا ملك ”
واشاحت بوجهها وهى تغمض عينيها فى ضعف تخبرها بما يقتلها التفكير به :
” انتى مش عارفة يوسف بالنسبالى كان ايه ...يوسف كان اول حب فى حياتى ..كنت بغمض عينى فى حضنه وانا مطمنة ورامية كل حمولى عليه ..وفجأة الاقيه اخد منى كل ده ..فجأة اهون عليه بالطريقة دى ”
لمعت دمعة بعيني ملك وكأن كلمات صديقتها الجديدة قد خرجت من قلبها الجريح بدوره ..قلبها الذي لازال يعاني من الم لاشفاء له :
” اهدى يا ايلينا ..اهدى ارجوكى ...انا اسفة لو كان كلامى ضايقك ”
افلتت ايلينا نفسها من بين ذراعى ملك وابتسمت بصعوبة لتنحي هالة الحزن جانبا ولو للحظات :
” ملك هوا انا ممكن اطلب منك تساعدينى فى انى الاقى شغل مناسب ..اى شغل ..ومكان اعيش فيه غير بيتى القديم ..اى مكان حتى لو بسيط مش هيفرق ”
ربتت ملك على كتفها في دعم :
” موضوع الشغل متشيليش همه خالص ..اكيد انتى سمعتى عن مجموعة عزام ”
هزت ايلينا رأسها بالايجاب:
” اه طبعا دى اشهر من النار على العلم ”
شابكت ملك أناملها ببعضها :
” تبقا بتاعة بابا ..احمد عزام ...وانا هكلمه يا ستى فى الموضوع ده متشيلش هم وبالنسبة للبيت برضه ليها حل بس ليه عايزة تسيبى بيتك ”
أطرقت ايلينا برأسها لتعبث في شرشف الفراش للحظات قبل ان تنظر الى ملك مطولا وتقول :
” ملك انا ممكن اطلب منك طلب وتوعدينى انك هتعمليه ”
قطبت ملك حاجبيها في جدية:
” لو فى مقدورى اوعدك طبعا ”
مالت اليها ايلينا في رجاء:
” اوعدينى ان يوسف البدرى ميعرفش اى حاجة لا عن شغلى ولا عن مكانى ”
نهضت ملك في دهشة .. ماالذي تنتويه تلك المجنونة:
” وليه ده كله ؟؟؟“
” اوعدينى وبس ياملك ”
ادرات ملك حدقتى عينيها فى تفكير قبل ان تتنهد في استسلام:
” اوعدك يا ايلينا ..ده شىء يخصك ..بس اعملى حسابك ان احنا كدة هنسافر اسكندرية لان اغلب شغل بابا هناك ”
ابتسمت ايلينا فى سعادة ، هذا ما تريده بالضبط لن يراها يوسف وهى على انكسارها هذا ابدا ، ستستعيد كل قوتها لتواجهه من جديد ..
تعرف انه سينبش الارض بحثا عنها وسيتألم لفراقها فهى لم تنكر انه لازال يحبها رغم كل شىء ..
لا تنكر ان مذاهبهما فى الحب شاذة عن المعروف ولكنه يبقا حبا فى النهاية حتى وان اختلف فى طريقته عن المعتاد ..
ورغم هذا فلن تغفر له ابدا هذا الانكسار والصدع الذى ألم بروحها ...
ستعود لتظهر له من جديد بالوقت والطريقة التى تحددها ..والى هذا الحين فيلتجرع الام الفراق والندم حتى يكتفى .
*************************************
وقف زين فى شرفته يتنفس في عمق وهو ينظر الى السماء الصافية ليلا ويخرج من جيب سترته تلك الحلية الصغيرة التى انتزعها من شعرها منذ سنوات ..
قربها من أنفه وأخذ نفسا عميقا من رائحتها التى كانت رحيمة بحاله وظلت عالقة بها ..
لم تفارقه تلك الحلية ابدا ..
ينقلها من جيب سترة الى سترة أخرى..
يخشى ضياع اخر ما تبقى من حبيبته...
نعم حبيبته ...
قد سأم المقاومة ...
سأم المحاولة للتسليم بأمره لينتهى كل شىء ويخرجها من تفكيره ، ابتعد عنها كما وعدها وتركها لحياتها مع اخر وحاول أن يفعل المثل ففشل ...
حاول أن يقنع بحياته مع سمر ...
حاول ان يأخذ من عشقها الغريب له اى طاقة تدفعه لنسيان صوفيا او التسليم لحياته بدونها لتبوء كل محاولاته بالفشل..
فتح المجال لمن صدهن فى الماضي واعطاهن الفرصة ليقتربن من جديد ، حاول ان يلهي مشاعره بهن ليعيش مجرد حالة حب فقط فعجز...
كل ذرة من مشاعره ترفض ان يزاح عن كاهلها عشق صوفيا حتى وان ذاقت بسببها كل عذابات الدنيا ...
سلم لقدره فى النهاية وتوقف عن المحاولة وأيقن انه سيظل يعشقها حتى وان كان من المحال حتى ألا يلمحها مجددا...
حتى وان كان سيظل يتعذب بهذا الحب مابقى له من عمر فليس له الان سوى ان يتعايش مع المه ان لم يكن منه شفاء..
لايصدق انه بالفعل قد استمع الى صوتها منذ أيام حتى وان كان طلبا للمساعدة...
تسللت نبراتها المحببة الى طريقها الذى تعرفه جيدا ولم تضله مهما مرت عليها السنوات ، الطريق سيظل واضحا امامها الى عمق قلبه ...
تذكر وقتها كل مامر بهما من ذكريات..
بداية من اللقاء الأول ..
مرورا بعهدهما الذى نفضت يدها منه ولا يمكنه ان يلومها ابدا على هذا ...
ونهاية بالوداع الاخير الذى عرفته فيه على زوجها لتضع نقطة النهاية التى يرفضها قلبه ضاربا كل اعتبارات الدنيا عرض الحائط...
استيقظ من افكاره على واقعه المزعج المتمثل فى ذراعي سمر تطوقان خصره بينما تريح رأسها بين كتفيه ... قبض على الحلية فى يده وهو يزفر فى ضيق :
” سمر ..مش قادر لو سمحتى ”
ارخت ذراعيها على خصره ورفعت رأسها في بطء لتقف الى جواره قائلة فى غيظ حاولت كتمه :
” انت مش حكاية مش قادر ..انت بقالك كام يوم حتى لمسة ايدى مش طايقها ”
مسح وجهه بيده دون ان ينظر اليها فماذا بوسعه ان يقول ، لقد فقد القدرة فى تكذيب ما يراه حقيقة لامفر منها ...
واصلت في مرارة وهى تحتضن نفسها:
” فيها ايه يا زين مش موجود فيا ؟؟..فيها ايه مخليك مشغول بيها لحد دلوقتى؟؟ ...انت عارف انت قربت منى كام مرة طول السنين اللى فاتت ”
واضافت وهى تزمر شفتيها وتقول فى الم واضح بينما يتجنب هو النظر اليها:
” وكل مرة انا اللى كنت برغمك وبحاول اخليك تقرب بكل طريقة حتى لو كانت الطريقة انك تتخيلنى هيا ”
التفت لها فى حدة لم يحتمل ما قالته ليهتف بها فى غضب :
” سمر ”
ارتمت دون مقدمات بين ذراعيه وهى تتشبث فى ملابسه كأن قدميها لاوجود لهما وتأخذ من وجوده الدعم كى لا تسقط ...مرغت وجهها فى صدره لتتمتم وهى على شفا الانهيار:
” زين انا بحبك ..ارجوك ...ارجوك...لو عرفت بس انا بحبك اد ايه ..ارحمنى بقا يا زين ..ارحمني ”
اشفق عليها ولكن ما بيده وقد اخبرها من اللحظة الأولى بما تعرفه هى جيدا....
لم يعدها بانه سيحبها يوما وكيف يعد المرء بما ليس له عليه حكم ولا سلطان ...هو لايملك لها سوى كثير من الشفقة وهي ترتجف بين ذراعيه فهي مثله تماما تتألم بحبها المستحيل ...
كلاهما يحمل العذاب ذاته فهى بين ذراعي رجل يعشق طيفا لازال يعانى من سحره حتى الان ، تنهد فى عمق وهو يضمها اليه هامسا:
” خلاص يا سمر ..اهدي ”
ازداد ارتجافها وتشبثها به أكثر فحملها ليضعها على الفراش فى رفق وقبل أن ينهض من جوارها امسكت بكفه تتوسله :
"ارجوك يا زين ارجوك ما تسيبنيش ”
اقتربت منه ببطء وهو لم يرفضها وكعادتها دائما هى من تبدأ وهو اما يستجيب او يتزرع بألف حجة ، فان استجاب فهو يستدعى كل غريزته كرجل ليستطيع ان يأخذها كزوجة ، كان حملا ثقيلا على فؤاده يتهرب منه باستمرار ويشعره دوما بالخيانة ، هذا الشعور الغير منطقى الذى يلازمه وعبثا يحاول ان ينحيه جانبا ...أغمض عينيه بينما كانت بين يديه وهمس فى حزن اعتادته منه دوما:
” صوفيا ”
وكأنها لاتهتم أن يتخيلها أخرى ..
كأن كرامتها لم تعد ذات قيمة ...
كأنها تركت له الخيال ليعشق صوفيا فيه كما يشاء لتتلقى هي هذا العشق بين ذراعيها في الواقع ..
تتلقى حقها التي كادت أن تغتصبه منها تلك الشقراء اللعينة ...
حقها التي قاتلت من أجله بحقارة لا تنكر ولكن لم يكن أمامها سبيل غيره ..وجود زين الدين في حياتها مسألة حياة أو موت وهي لاتريد الموت مطلقا ...
هي تريد أن تحيا لتنعم بقربه فالحياة قد بدأت تمنحها الكثير فبعد أن عاش راهبا الى جوارها لثلاثة أعوام تمخض الحظ معطيا اياها فرصة لتصبح زوجته عن حق ..وهاهو يوما بعد الاخر يستسلم لقدره معها وربما جاءت اللحظة التي تتمكن فيه من طرد خيال تلك الشقراء العالق بباله هذا الى الأبد ..
*************************************
زهرة بيضاء شريدة في منتصف حوض مميز في حديقة منزل زياد مرررت الذكرى على ذهنها رغما عنها ...
نبرات صوته تسللت الى أذنها مجددا :
"سمتها صوفيا ...جمالها ميحتملش اي اسم تاني "
أغمضت عينيها واقتربت في استسلام تشم عطرها ...
فتحت عينيها فجأة وقد قفزت الذكرى الى الزهرة بدورها ...
لم تشتم رائحتها بل شعرت برائحته هو..
ماذا حدث لها بحق الله ؟؟...
لقد ظنت انها تجاوزت كل شىء ...
كيف عادت الى نقطة الصفر بمجرد مكالمة صغيرة استغاثت فيها به لينقذ ايلينا ...
العقل والمنطق وكل شىء يخبرها انه لايستحق ..والقلب يعترض كالدوام غير عابىء بأحد ...
حسنا فليعترض كما يحلو له فلم يعد هناك ارادة ستخضع له مطلقا فيكفي جدا ما حدث ...
شعرت بمن يجذب بنطالها فنظرت الى الأسفل بابتسامة لتجد تلك الصغيرة المبهجة تفتح ذراعيها لها وتطلب منها أن تحملها ..
رفعتها وقبلت وجنتها وهي تقول :
"ديانا الجميلة "
قطبت الصغيرة حاجبيها في تركيز واشارت باصبعها تجاه الوردة البيضاء ...
ابتسمت صوفيا وهي تضمها اليها ؛
"ايه رأيك لو نسميها ديانا ...جمالها ميحتملش ..."
بترت عبارتها بسرعة ...
الويل لها هل تردد عبارته دون وعي ...
هل بلغ بها الخبل تلك الدرجة ؟؟
انزلت الصغيرة لتلتقط كفها وتبتعد بها عن المكان ...
اجلستها على ارجوحة صغيرة وبدأت في هزها لتتعالى ضحكاتها في سعادة ...
"يا بختك ديانا "
انتبهت صوفيا على الصوت لتحيي الفتاة الرقيقة التى عقدت ساعديها تتابعهما :
"دارين ..ازيك "
ابتسمت دارين في رقة :
"انا بخير ...المهم انتي عاملة ايه ...خلاص اتطمنتي على ايلينا "
هزت صوفيا رأسها وهي تتمتم :
"الحمد لله "
عضت دارين شفتها السفلى للحظات وهي تطرقع أصابعها في حيرة ..
ضيقت صوفيا عينيها وأنهت ترددها على الفور :
"دارين ...انتي عايزة تقولي حاجة صح "
حكت دارين جبينها بكفها تجيبها في توتر :
"بصراحة زياد كان عاوز يسألك عن .."
توقفت صوفيا عما تفعله لتنظر الى دارين في صرامة :
"احنا ناقشنا الموضوع ده كتير دارين وانتو عارفين رأيي كويس فيه فليه كل شوية تضغطو عليا "
"اللي هوا ايه رأيك يا صوفيا ؟؟؟"
التفت الاثنتان على صوته وقدومه المفاجىء الذي أربكهما ...
اقترب من الصغيرة ورفعها من على الأرجوحة قبل أن يقبل وجنتها ويعطيها لدارين قائلا :
"خديها جوة يا دارين لو سمحتي "
ضمت دارين الصغيرة وهي تبدل النظر بين وجهيهما في ترقب ليكرر زياد :
"دارين لو سمحتي .."
قاطعته وهي تبدأ بالتحرك :
"حاضر ..حاضر "
راقبهما زياد حتى اختفيا ليلتفت الى صوفيا يسألها وهو يضع يديه في جيب سترته :
"لحد امتى صوفيا "
تشبثت صوفيا بأحد أعمدة الأرجوحة وضغطته بقوة ..فتحت ثغرها تبحث عن اجابة لم يسعفها بها عقلها ..
كرر سؤاله في لهجة تحمل حزما نوعا ما :
"امم.. مقولتليش صوفيا ؟؟"
أشاحت بوجهها لحظات عادت فيها اليه تخبره في حسم :
"زياد ...انا مش هبدأ حياة جديدة والقديمة لسة متقفلتش ..مش هقولك ان الموضوع يخص صحتي لانك دكتور وعارف ان حالتي دلوقتي بقت احسن كتير بعد العلاج ..انا عاوزة الاقي نفسي يا زياد قبل اي حاجة تانية ...انا بدأت طريق ولازم اكمله ...خلاص بدأ يكون ليا هوية وكيان منفصل ...بدأت اعرف انا مين ...انا كنت ضعيفة تايهة ولما في لحظة افتكرت نفسي وصلت تهت اكتر ...انا مش ههرب تاني يازياد ...مش هتجوز الا لو كنت بقلبي وكياني للانسان اللي هتجوزه ...مش هظلم حد معايا واخليه مجرد تجربة للنسيان ...الظلم احساس صعب ...جربته كتييييير وللاسف من الناس اللي بحبهم ...احساس بيقتل وبيخليك تسأل نفسك طب ليه انا ...ليه الحب يكون قصاده الوجع ...احساس ميتوصفش وانا مش هخلي حد يجربه على ايدي انا ابدا"
تنهد في عمق وهو يقترب خطوة منها يخبرها في حنان:
"بس انتي من حقك يكون عندك حياة يا صوفيا ...ممكن الحياة الجديدة دي تكون المخرج من كل اللي مريتي بيه ...جايز لما يكون عندك عيلة واولاد تفكيرك يختلف "
احتضنت نفسها بذراعيها قبل ان تهتز ابتسامة بائسة على شفتيها لتخبره :
"انت ناسي اني عمري ما جربت احساس العيلة من اصله يا زياد ...انا اترميت في مدرسة داخلي من وانا عمري خمس سنين ...سنين طويلة عشتها جواها وانا لاعارفة ليا دين ولا هوية ولا حتى اهل ...كلمة اب وام بالنسبة لاي حد فيكو معناها كبير لكن بالنسبالي مجرد اتنين متكفلين بيا ماديا وبس ...عمره ما حد فيهم خدني في حضنه او حتى حاول يعرف حاجة عني "
أغمضت عينيها بقوة لتزدرد غصة مؤلمة حشرجت نبرتها :
"تعرف اني اوقات كتيرة كنت بغير منك انت وايلينا ...لما كنا بنتقابل في المناسبات كان كل واحد فيكو وسط ابوه وامه وانا لوحدي ...بس دلوقتي خلاص مش هيبقى هدفي ادور على حد يشاركني وحدتي ولا حد يرسملي حياتي زي ماهوا عايز ...انا كبرت خلاص يا زياد ..كبرت اوي "
"لسة بتحبيه ؟؟"
"الاجابة بتوجع ..الاجابة ظالمة للكل ...ظالمة ليا وليها وحتى ليه هوا كمان ...الاجابة مش هتغير حقيقة مهمة ..حقيقة ان زين لازم يخرج من حساباتي "
مال اليها يسألها في ترقب :
"وعشان كدة كدبتي عليه "
فركت كفيها ببعضهما للحظات لتهمس في حسم :
"لا...انا كدبت عليه عشان قاصدة اوجعه ..عشان تعبت اني طول الوقت انا اللي بحارب وبواجه وهوا بيستسلم ..استسلم لوعد ادتهوله وسابني تلات سنين ...تلات سنين لولا وجودك جنبي فيها انت ودارين كان زماني انتهيت ..زين سابني عشان الظروف ورجعلي لما الظروف اتحلت ...انا ولا مرة كنت في حياته الاختيار الاول...دايما كنت في الاخر ...خلاص دلوقتي الوضع اتغير ومن النهاردة انا هكون الاختيار الاول في حياتي "
*************************************
+
” كلكو تعتبرو نفسكو مرفودين ...كلكو ..ماهو انتو مبتاخدوش شوية عشان لما اطلب منكو اعرف مكان حد لحد دلوقتى متعرفوش تجيبولي معلومة واحدة عنها .. الأرض انشقت وبلعتها ولا ايه ؟؟؟..وانتو كان لازمتكو ايه قدام المستشفى .. لبست طاقية الاخفا وهيا خارجة"
هتف يوسف بهذا الكلام فى غضب وهو فى غرفه مكتبه يتلقى أنباء فشلهم كالمعتاد في العثور على ايلينا بعد مغادرتها للمشفى دون علمهم ، حاول احد الرجال الدفاع عن موقفهم :
” يا فندم احنا مسبنهاش ولا لحظة اكيد هيا اتنكرت او خرجت من مكان سرى منعرفهوش ”
ابتسم يوسف فى تهكم وعلت نبرته الغاضبة أكثر:
” ده على اساس انكو بتشتغلو ايه ...مش المفروض أي مكان بتراقبوه بتعرفو مداخله ومخارجه كويس ولا انتو من الاخر شوية هواة وملكوش فيها وواخدين سمعة على الفاضي ”
رد الرجل وهو يحاول كبح غيظه :
” حضرتك كلفتنا من الأول بحمايتها مش مراقبتها ودي تفرق عن دي ”
,كور يوسف قبضته وكز على أسنانه حتى كاد يحطمها حنقا:
” وكمان لكو عين تردو والله ل...“
وقطع جملته وهو ينظر تجاه الباب الذي فتحه أحدهم.. ابتسم للشاب الأنيق مفتول العضلات الذى دخل اليهم :
” جيت فى وقتك يا فارس باشا ”
تقدم فارس اليه فى بطء ووقف امامه لحظات قبل ان يلكمه فى فكه صارخا فيه بغضب:
” عملت ايه فى ايلينا يا يوسف يا بدري "
+