اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم نهي طلبة 


الفصل الثالث والعشرون

اتكأت منى بمرفقها على الوسادة تتأمل وجه حسن النائم بجوارها.. ملامحه هادئة ومرتخية وقد اختفت معالم الشراسة التي اكتسبها مؤخراً..

تهوى كثيراً مراقبته أثناء نومه, وهو ما لم تعد تفعله كثراً في الآونة الأخيرة بسبب صعوبة ساعات عمله.. عمله الذي توقف عن الذهاب إليه منذ تلك الليلة التي وجدته بها نائماً على الأريكة خارج شقتهما الصغيرة.. ومنذ تلك اللحظة وهو يتشبث بها.. يلتصق بها كما يلتصق الطفل بأمه, وكأنه يخشى أنه بابتعاده عنها سيستدعي حسن الآخر.. ذاك الذي دأب على الإساءة لها.. وجرحها مؤخراً..

مرت بأناملها برقة على ملامحه.. مسترخية.. نعم.. ولكنها مجهدة.. وكأن ذهنه لا يتوقف عن التفكير حتى أثناء نومه.. فقط لو تستطيع الدخول إلى عقله لتريحه من الدوامة التي تسحبه من الحياة.. دوامة يصارع للهروب منها.. بإغراق نفسه بين أحضانها هي.. ليس بحثاً عن متعة, ولكن عن أمان.. كما لو كان يبحث بها عن هويته.. عن حسن الذي كانه مرة وأصبح عاجزاً عن استعادته إلا بين ذراعيها...

شعر حسن بحركة أناملها البطيئة على وجهه ففتح عينيه ومد يده ليمسك بأناملها الرفيعة وابتسم لها, فأخفضت عينيها خجلاً وبادرته:

ـ صباح الخير..

ضغط يدها على شفتيه ليطبع قبلة داخل كفها ويردد:

ـ صباح الخير على عيونك الحلوة..

ابتسمت لرده الغير مألوف.. وقبل أن تجبه جذبها بين ذراعيه لتتوسد رأسها كتفه ومد يده ليرفع يدها أمام عينيه وهو يهمس بتعجب:

ـ أنا ما جبتش ليكي شبكة!.. ازاي نسيت؟..

لفت لتواجهه وهي تسأله بذهول:

ـ شبكة!!.. شبكة ايه يا حسن؟.. هو ده وقته؟!

رفع جسده قليلاً وظل محتفظ بها بين ذراعيه:

ـ ومش وقته ليه؟.. تعالي ننزل نختار..

قاطعته قبل أن يكمل كلامه:

ـ مش هتروح شغلك يا حسن؟..

أشاح بوجهه بعيداً:

ـ لا.. أنا مجهد ومش قادر أنزل..

مدت يدها لتعيد وجهه ليقابلها:

ـ حسن..

قاطعها بسرعة:

ـ طب.. تعالي نخرج نروح أي مكان.. من فترة ما خرجناش سوا..

نادته برقة:

ـ حسن..

تنهد عالياً ورد بقلة حيلة:

ـ ايوه يا منى..

أحاطت وجهه بكفيها وقربت وجهها من وجهه هامسة:

ـ حسن حبيبي.. لازم ترجع شغلك.. أنت قدامك هدف ولازم تحققه.. الهدف هدفك.. والنجاح هيبقى ملكك أنت.. ليه تشغل بالك بأي حاجة تانية.. ليه تسمح لأي حد أو أي حاجة تعطلك وتبعدك عن اللي أنت عايزه..

همس بتردد:

ـ منى.. منى.. الفترة اللي فاتت غيرت جوايا حاجات كتير.. أنتِ أكتر واحدة حست بده.. منى..

قاطعته بحب:

ـ منى معاك وجنبك.. أنت قبل كده قلت لي احنا مش عايشين في فيلم قديم.. وأنا بقولك بقى دلوقتِ.. أوعى تكون فاكر أن اللي حصل الفترة اللي فاتت هيخليني أبعد عنك.. ولا أقولك روح ارجع لحياتك الأولانية يا ابن الناس.. لا.. مش أنا اللي هعمل كده.. أنت اخترت يا حسن.. اخترتني أنا فوق حاجات كتير.. ولازم أثبت لك أنك اخترت صح.. وأني فعلاً بحبك.. حتى لو اتغيرت شوية.. كلنا بنتغير.. مش هتخدعني بقشرة بتحاول تبنيها حوالين حسن القديم.. حسن ابن الذوات اللي بيحاول يتعامل مع مجتمع جديد عليه عشان خاطري وعشان خاطر حبنا..

وحركت يدها لتضغط على قلبه قليلاً:

ـ طول ما ده بيدق لمنى.. منى هتتحمل كل حاجة.. وحتى لو دق لغيرها..

طوقها بذراعيه قبل أن تكمل كلامها وهمس:

ـ كفاية يا منى.. أرجوكِ.. أنتِ كده بتعذبيني بطيبتك دي.. أنتِ ازاي كده؟..

أبعدت نفسها عنه قليلاً وهي تمسح جانب وجهه بكفها:

ـ أنا كده عشان أنا عارفة حسن.. وقلب حسن اللي عمره ما هيتغير.. انزل شغلك يا حسن.. انزل وارجع لي تاني.. وما تقلقش.. أنا عارفة ازاي أوصل لقلبك.. وهو ده اللي مش ممكن هخاف منه..

ظلت منى بجواره تحثه على النزول لعمله, حتى خضع أخيراً وتوجه إلى عمله مجبراً.. يملؤه شعور بغيض بأن كل ما يفعله هو محض عبث.. يرغب في هجر تلك المهنة وتلك الحياة إلى الأبد.. ولكنه لا يمتلك أي بديل..

أما منى فقد تحركت بسرعة لترتدي ملابسها فهناك زيارة عليها القيام بها.. قد لا تحبذ ما تنوي القيام به.. ولكن ليس أمامها طريق آخر.. فهي كانت صادقة عندما أخبرته أنها لا تنوي التخلي عنه ليعود مهزوماً مكسوراً إلى والده.. ستثبت لهم جميعاً أنه لم يخطئ عندما اختارها هي فوق الجميع.. خاصة وأنه يتشبث بها كما يتشبث الطفل الخائف بأمه.. وطفلها بحاجة إلى تدخلها السريع..

*********

أنهت علياء اللمسات الأخيرة على مظهرها قبل أن تخرج إلى كليتها.. سوت خصلاتها القصيرة.. وامتنعت تماماً عن استخدام مستحضرات التجميل.. وأخيراً لفت وشاح عريض حول عنقها.. كما طلب منها يزيد.. الذي يحرص على ترك علاماته المميزة عليه دائماً حتى يضطرها لارتداء الوشاح.. ولا تدري سبباً وراء هوسه بإخفاء عنقها.. قد تكون غيرة!.. ربما.. فهو كاد أن ينفجر غيظاً منذ يومين عندما لاحظ أنها لا ترتدي خاتمه في إصبعها.. وكانت تلك إحدى المرات التي يباغتها بسؤال غاضب فتضطر إلى اجابته غافلة تماماً عن عقابها الصامت له.. فكانت صرخته المباغتة يومها:

ـ علياء!.. فين خاتمك ودبلتك؟..

اجابت بدفاع:

ـ قلعتهم.. ضاقوا علي..

جذبها من يدها بقوة:

ـ واما تقلعي الدبلة.. زمايلك.. يعرفوا ازاي أنك متجوزة.. ولا عايزة حد يجي يخطبك مني؟..

نظرت له بذهول ويدها تملس على بطنها التي برزت بوضوح.. رغم كونها في منتصف شهرها الرابع إلا أن حملها بتوأمين.. ظهر بوضوح تام.. وأدرك أفكارها تماماً بدون أن تفصح عنها.. وشعر بسخافته التامة, ولكنه عاجز.. عاجز عن ردع غيرته عليها.. خاصة مع دخولها إلى الجامعة.. وزيادة معارفها.. وأصدقائها.. يخشى أن تتسرب من بين يديه.. أو يقل حبها له.. فهي تصر وبشدة على استمرار الصمت العقابي.. ولا تبادله الحوار إلا فيما ندر..

جاءه صوتها وهي تهتف بحنق:

ـ الخاتم والدبلة علقتهم في سلسلة ومش بقلعها من صدري..

ولحماقتها التامة.. وجدت نفسه تكشف له عن مكان خاتمه بدلاً من أن تخرجه لتلقيه في وجهه لإثارته أعصابها وصراخه عليها..

بالطبع قابل تهورها بتهور أكبر.. ففي اللحظة التالية كانت تستلقي بين ذراعيه في استسلام تام.. وعلى الأريكة العريضة بغرفة المعيشة.. ولم ينتبه أي منهما إلى مرور الوقت.. إلا بعدما سمعا طرقات عالية.. أدركا بعدها أن مصدرها"أم علي".. تنبههما إلى وجودهما خارج غرفة نومهما..

تورد وجه علياء وهي تتذكر ذلك الموقف.. وزاد تورده عندما وجدت "أم علي" أمامها تحاول أن تنبهها لوجودها.. فسألتها بهدوء مصطنع:

ـ خير يا ست أم علي.. في حاجة؟..

ـ ايوه يا ست عليا.. في واحدة عايزة تقابلك بره.. قلت لها أنك هتنزلي تروحي.. كليتك.. بس هي مُصرة..

شحب وجه علياء وقد ظنت للحظة أن سهام تنتظرها لتسمعها المزيد من اتهامتها الجارحة.. أو الأدهى تدبر لها مكيدة أخرى.. لمت يديها حول بطنها بحماية وهي تسأل "أم علي" بخوف:

ـ واحدة!.. واحدة مين؟.. ما قالتش اسمها؟..

هزت "أم علي" رأسها نفياً وهي تقول:

ـ لا.. مش عايزة تقول.. هي شابة صغيرة كده.. و..

تنهدت علياء براحة عندما سمعت تلك الكلمات.. وقالت بهدوء:

ـ طيب. ممكن تقدمي لها عصير.. وأنا جاية وراكي حالاً..

أومأت السيدة وخرجت مسرعة لتعد العصير للضيفة الشابة التي ما أن رأتها علياء حتى اتسعت عيناها ذهولاً وتمتمت في عجب:

ـ منى!!..

ثم استدركت بترحيب وهي تمد يدها بالتحية:

ـ أهلاً وسهلاً.. اتفضلي..

نظرت منى إلى يد علياء الممدودة باحتقار ممزوج بغضب بارد.. ولاحظت علياء ذلك على الفور فسحبت يدها إلى جوارها بحرج.. بينما منى كانت تتأملها بثوبها البسيط ولكن بأناقة ليظهر بروز بطنها الصغير.. وذلك الوشاح حول عنقها.. وخصلاتها القصيرة التي تغطي أذنيها بالكاد.. تذكرت المرة الأخيرة التي رأتها فيها.. تلك الذكرى الأليمة حين طُرِدت منى من عملها ظلماً وتمت إهانتها بدون وجه حق..

ظهرت أفكار منى جلية على وجهها, فأشاحت به بعيداً.. بينما تمتمت علياء بأسف:

ـ أنا.. أنا آسفة.. والله حاولت اعتذر لك كتير.. و.. و.. يزيد قالي أنه فهم حسن.. وأنا.. أنا غلطت.. و..

قاطعتها منى بحزم:

ـ أنتِ غلطتِ في حقي.. صح.. ولي دين في رقبتك.. وأنا جاية أطالبك تردي الدين ده!

هزت علياء رأسها بحيرة.. ومدت يديها بعجز وهي تهمس:

ـ مش فاهمة.. أنا..

قاطعتها منى بسرعة فهي تخشى أن تختفي قسوتها المصطنعة أمام الهشاشة الواضحة للطفلة التي أمامها.. أدركت بوضوح لما حسن حاول جاهداً أن يفهمها أن علياء ضحية لا حول لها في مكيدة نيرة.. حتى أنها شعرت بالغيرة وقتها منها.. فالفتاة.. صححت لنفسها بسخرية.. المرأة الحامل.. أمامها غاية في الرقة والهشاشة يوجد بها ذلك الشيء الغامض الذي يدفعك لمحاولة حمايتها, لا الصراخ بوجهها كما كانت تعتزم.. وهي الآن عاجزة عن استرجاع ذلك الغضب الذي حركها من البداية لتأتي إلى منزل علياء وتطالبها برد دينها..

عاد صوت علياء يتردد بتردد:

ـ منى.. ممكن تقعدي عشان نعرف نتكلم..

ثم أكملت بحرج:

ـ أنا مش بقدر أقف كتير..

جلست منى على المقعد خلفها وبادرت علياء بطلب صريح ولكن بنبرة تلونت برقة غريبة:

ـ أنتِ مديونة لي بوظيفة.. وأنا عايزاكِ تردي الدين..

سألتها علياء بحيرة:

ـ أنتِ عايزة تشتغلي؟..

هزت منى رأسها نفياً:

ـ الوظيفة مش لي..

ثم ابتلعت ريقها بحرج وهي تقول بتردد:

ـ وظيفة.. لــ.... وظيفة..

أكملت علياء وقد استوعبت الموقف:

ـ وظيفة لحسن؟..

أومأت منى برأسها موافقة وهي تطلق تنهيدة ارتياح.. وتقول:

ـ عصام بيه.. ممكن يساعده.. ممكن يتصرف.. أنتِ تقدري تكلميه.. أنا عارفة أنه له مصالح مع والد حسن.. لكن..

قاطعتها علياء وهي ترتكز على جانبي المقعد لتنهض ببطء:

ـ أنا هكلم عمو عصام حالاً.. ما تقلقيش.. واعتبري الموضوع منتهي.. وحسن هيكون له وظيفة تليق به.. و..

قاطعتها منى:

ـ وحسن مش لازم يعرف حاجة..

أومأت علياء بتفهم بينما منى تكمل:

ـ ولا يزيد.. مش عايزة أي حد يعرف أي حاجة عن المقابلة دي.. أنا..

قاطعتها علياء بتفهم:

ـ خلاص.. زي ما تحبي.. ما فيش حد هياخد خبر أبداً..

هتفت منى بعنف:

ـ ونيرة؟..

غمغمت علياء بحرج:

ـ منى.. يا ريت تنسي الموقف القديم والله أنا مش كده.. وأنا وعدتك أنه ما فيش أي حد هيعرف.. صدقيني..

أومأت منى برأسها ومدت يدها لعلياء بتردد, فأسرعت علياء لتتمسك بها وهي تحيها مودعة:

ـ إن شاء الله هيوصلك خبر قريب.. وهيكون خبر كويس..

حيتها منى بهزة رأس خفيفة وخرجت مسرعة وهي تبتهل بداخلها أن تكون قامت بخطوة صحيحة.. ولم تزد المشكلة تعقيداً.. أما علياء فقد التقطت حقيبتها وانطلقت نحو مقر مجموعة الغمراوي المواجه للمبنى الذي تقطن به..

وبعد عدة دقائق كانت تقف أمام عصام الغمراوي في غرفة مكتبه.. وهو يرمقها بمزيج من الدهشة والحرج.. فتلك كانت المرة الأولى التي يلتقيان فيها بعد اختطافها من قِبل أعمامها.. تأملته علياء للحظات قبل أن تبادره بسرعة:

ـ عمو.. لو سمحت أنا عايزة منك خدمة..

وانطلقت في الحديث ولم تتح له فرصة ليقاطعها.. وبعد انتهائها.. سألته بهدوء:

ـ ممكن تلبي ليا الطلب ده؟

تأملها عصام للحظات.. وتنحنح بحرج ليجلي صوته:

ـ عليا.. أنا اعطيت كلمتي لحاتم العدوي و..

قاطعته علياء بسرعة:

ـ بس أنا أول مرة أطلب من حضرتك حاجة..

مرت بذهنه مواقفه الأخيرة مع علياء وكيف خذلها مرة تلو الأخرى.. رأى في تلبية طلبها فرصة ولو ضئيلة ليعوضها عن خيبة أملها به.. وبلا تردد رفع سماعة الهاتف ليجري اتصالاً مع حاتم العدوي..

دقائق قليلة.. بعدها أغلق هاتفه والتفت إلى علياء وهو يبتسم في ود:

ـ خلاص يا ستي.. أنا اتفاهمت مع حاتم.. ويظهر أنه ما صدق يلاقي طريقة يساعد بها ابنه ويكون بعيد عن عيونه في نفس الوقت..

سألته علياء بتردد:

ـ يعني عمو حاتم ممكن يتصالح مع حسن؟..

ابتسم بهدوء:

ـ ده شيء أنا ما اعرفش اجابته.. لكن اللي اعرفه أن حسن هيمسك فرعنا الجديد في دبي.. مكان يزيد.. وأعتقد أن دي وظيفة كويسة جداً.. ولا ايه!..

ضحكت علياء بسعادة:

ـ بجد يا عمو!.. متشكرة جداً..

سكتت لحظة ثم أردفت:

ـ بس لو سمحت بلاش أي حد يعرف أني طلبت منك الطلب ده.. ولا حتى يزيد.. وطبعاً حسن ما يعرفش هو كمان..

سألها بتعجب:

ـ ليه يا عليا؟.. ده طلب غريب شوية..

ـ آسفة يا عمو.. مش هقدر أقول السبب لحضرتك.. أنا وعدت ومتأكدة أن حضرتك بتثق فيا..

أومأ عصام برأسه موافقاً وهو يشعر أنه مضطر لمنحها تلك الموافقة.. فابتسمت علياء بسعادة.. ودعته بسرعة متعذرة بموعد محاضراتها الذي اقترب ولم تتح له الفرصة حتى ليقدم اعتذار عن موقفه نحوها.. لا تريد أن تسترجع تلك الذكريات أبداً.. تحاول بقدر الامكان أن تبقيها مدفونة في أعماق ذاكرتها.. حيث لا يمكنها الوصول أو التذكر..

بينما هو وعدها بالاتصال بحسن على الفور وعرض الوظيفة عليه..

ظلت علياء على سعادتها ونشوتها بتحقيق طلب منى طوال اليوم.. ولكن ما لم تعمل له حساباً كان حضور يزيد إلى شقتهما في المساء_برغم أنه أخبرها صباحاً أنه سيقضي ليلته في منزل ريناد_ ليخبرها بتوتر شديد أنه مضطر للسفر بعد ساعات قليلة إلى دبي..

انتفضت علياء في جلستها على الأريكة وهي تصرخ:

ـ ايه!.. تسافر!!.. تسافر ليه؟.. أنت عايز تسيبني تاني وتسافر..

اقترب منها محاولاً تهدئتها وهو يخبرها:

ـ علياء.. اسمعيني بس..

صرخت بقوة وهي تبتعد عنه ببطء لتذهب إلى غرفتها وهو في إثرها محاولاً جعلها تستمع إليه:

ـ أنا مش هسمع حاجة.. أنت وعدتني.. بس زي كل مرة.. هتخلف وعدك وتجرحني.. وتسيبني لوحدي.. هتسيبني لوحدي..

جاءت كلمتها الأخيرة بصوت متهدج دفعه إلى احتوائها بين ذراعيه وهو يهمس:

ـ يا علياء.. ده اسبوع واحد بس.. بابا عرض على حسن أنه يمسك الفرع بتاع دبي.. وأنا هروح معاه عشان أسلمه الشغل وأنسق معاه.. الفرع هناك تقريباً واقف من يوم ما سيبته ورجعت..

دفعته عنها وابتعدت عن مدى ذراعيه وهي تسأله:

ـ وليه أنت اللي تسافر؟.. أي حد ممكن يقوم بالمهمة دي مكانك..

مسح وجهه بكفيه بتعب:

ـ لا.. ما ينفعش.. أنا اللي بدأت تأسيس الفرع ولازم أنا اللي أسافر.. وعلى فكرة هسافر لوحدي..

كتفت ذراعيها وهي تستوعب المعلومة الأخيرة.. ولكنها لم تهدأ.. فعادت تهتف:

ـ أنت وعدتني.. أنت وعدت يا يزيد.. أنا مش هستحمل أنني أكون لوحدي تاني..

اقترب منها ليحتوي وجهها بين يديه:

ـ ما تقلقيش.. وما تخافيش من حاجة أنا مأمنك المرة دي كويس.. وزودت الأمن على الشقة.. صدقيني الأسبوع هيعدي بسرعة..

هزت رأسها برفض وهي تبعد وجهها عن كفيه:

ـ بس هتسبني لوحدي..

ـ يا علياء ما أنا بروح عند ريناد وبتكوني لوحدك.. مش هتفرق صدقيني..

رمقته بغيظ وصرخت بوجهه:

ـ ابعد عني يا يزيد.. روح سافر.. ولا روح لريناد.. اخرج من هنا..

ضرب كفيه ببعضهما وهو يصيح:

ـ بلاش طريقة الأطفال دي.. وافهميني.. ده شغل.. اسبوع وهرجع.. ولو كان ينفع آخدك كنت أخدتك معايا..

كانت تغلي غضباً وغيرة من تذكيره لها بوجود ريناد في حياته ولم تسعفها هرموناتها بأي هدوء فلم يصلها من كلماته سوى لفظة أطفال... فتعالى صراخها بوجهه ودموعها بدأت تهطل بلا توقف:

ـ اخرج يا يزيد.. روح سافر.. روح.. يلا من هنا..

ارتفاع صوتها جذب "أم علي" للغرفتهما فدخلت مسرعة بدون استئذان وضمت علياء التي ترتجف بقوة وهي تحاول حبس دموعها مع ذكريات لا ترغب في استعادتها ولكنها لم تكف عن الصراخ:

ـ ابعد من هنا.. ابعد.. ابعد..

خرج يزيد وتركها بين ذراعي "أم علي" فانفجرت في عاصفة من البكاء.. والسيدة الطيبة تربت عليها وتهدهدها حتى هدأت قليلاً.. واصطحبتها "أم علي" إلى فراشها لتريح جسدها وذهبت لتعد لها كوب من العصير وعادت بسرعة لتهمس علياء وسط دموعها:

ـ شوفتِ يا ست أم علي اهو سابني ومشي تاني..

ـ مش ده كان طلبك؟..

شهقت علياء بقوة:

ـ آه.. وهو بينفذ كل طلباتي!

ربتت السيدة العجوز على كتفها بطيبة:

ـ بس هو ما بعدش.. هو قاعد بره وعلى آخره.. وبعدين أنا سامعاه بيقولك أنه شغله عايز كده.. ايه لازمة الدلع ده والعياط.. أنتِ مش عارفة أن البكا مش حلو على اللي في بطنك!..

ـ ما شاء الله يا ست أم علي.. أنتِ مركبة رادار.. بتسمعي دبة النملة..

كان ذلك صوت يزيد الذي وقف على مدخل الغرفة يراقبهما.. فأصدرت صوت ينم عن السخرية بشفتيها وهي تتمتم:

ـ وأنا اللي كنت ناوية احنن قلبها عليك.. وأنت قاعد تقولها لما بنام في بيتي التاني و..

قاطعها يزيد:

ـ خلاص.. خلاص.. عرفت أنك سمعتِ كل الكلام.. روحي حطي الغدا..

تخصرت له وهي تغمغم:

ـ ولك نفس تاكل بعد ما نكدت عليها!..

هتف بغيظ:

ـ اعملي قهوة.. شاي.. أي حاجة.. بس روحي من هنا..

خرجت السيدة وهي تغمغم بكلمات وتعبيرات اعتادها منها.. بينما اتجه هو نحو فراش علياء التي أولته ظهرها على الفور.. وجلس بجوارها وهو يهمس:

ـ أسبوع واحد يا علياء.. هتصل بيكي كل ساعة.. لا.. كل نص ساعة..

ظلت صامتة ولم تجبه.. فتنهد بيأس:

ـ رجعنا للسكوت..

ظلت صامتة ورفعت الغطاء حتى غطى وجهها.. فعاد يحاول جذبها للحديث:

ـ ما هو كده ما ينفعش يا علياء.. حاولي تفهمي الموقف.. رجوعي بدون سابق إنذار وقف حاجات كتير.. ولازم أسافر.. شغلي له حق عليّ.. وأم علي معاكِ.. وأنا مش هتأخر.. صدقيني..

طبع قبلة على رأسها المخفي تحت الغطاء وهو يشاكسها:

ـ قومي يلا نتغدى وتحضري لي الشنطة..

ظلت صامتة وهي تحاول اقناع نفسها بكلامه.. ولم تجبه بشيء فزفر بغيظ:

ـ مش هتردي علي.. طيب أنا هكلم ريناد تجهز..

لم تدعه يكمل كلماته وصرخت به:

ـ روح لبيتك التاني.. أنا مش عايزاك هنا..

جذب الغطاء من فوق رأسها بعنف وهو يهتف غاضباً:

ـ ماشي يا علياء.. أنا نازل.. وخلي شغل الأطفال ده ينفعك..

خرج من الغرفة ومن الشقة بأكملها لتنفجر هي في نوبة جديدة من البكاء.. أتت على إثرها "أم علي" مرة أخرى لتحتضنها برقة وهي تخبرها:

ـ معلش.. الرجالة ما لهاش في شغل المحايلة والمدادية.. وأنتِ زودتيها شوية.. مادام كده كده هيسافر, تسيبيه ليه يسافر زعلان منك.. أهو هيروح للتانية تدلعه وتجهز له شنطته.. وأنتِ قاعدة مفحومة عياط..

استمرت علياء ببكائها ولم تعد تعرف ما الخطأ وما الصواب..

*************

وصل مازن إلى منزله وهو يشعر بالإجهاد الشديد نتيجة تراكم العمل في الفترة السابقة.. فهو لم يذهب إلى عمله لمدة أسبوع كامل.. أسبوع عسل كما أطلق عليه.. قضاه برفقة نيرة لم يدخر جهداً في اسعادها أو تلبية طلباتها.. فالخروج والسهر كل ليلة وفي كل مرة مكان مختلف من اختيارها.. كان يختبر معنى أن يمتلك المرأة التي حلم بها لسنوات طويلة.. فلم يبخل عليها بأي شيء بدئاً من وقته ونهاية بهداياه الثمينة التي أغرقها بها.. يكفيه فقط أن تشير بإصبعها إلى ما تريد فيكون بين يديها في لحظتها.. كان يدللها بكل ما تعني الكلمة من معنى وهي كانت تتلقى ذلك الدلال بسعادة قصوى وهي تحكم من سيطرة أنوثتها على حبه لها..

صعد درجات السلم الداخلي مسرعاً يمني نفسه بليلة أخرى تغمره فيها بأحد مفاجآتها التي تسيطر على حواسه بالكامل.. ففي كل ليلة تكون عروس جديدة.. خجولة وناعمة.. وأحياناً شقية عابثة.. والليلة لم تخيب ظنه فقد فاجئته بتمددها في مغطس الحمام وقد ملأته بالمياه واستبدلت رغوة الصابون بأوراق الورد.. فغرق جسدها في غيمة ملونة من الأبيض والوردي ودرجات الأحمر والأصفر.. وتألقت خصلاتها كشعلة وسط ضوء الشموع العطرية التي تنير المكان.. ويدها الناعمة تمدها بكل اغراء وهي تشير له بسبابتها.. ليرافقها في حمامها العطري بأوراق الورد.. ويغرق أكثر وأكثر في أنوثتها السخية.. ولكن إلى متى؟..

**************

وصل حسن إلى شقته الصغيرة وهو يكاد يطير من سعادته.. لم يصدق أن تبتسم له الحياة أخيراً.. هل آن الأوان ليبتعد عن نوعية الحياة المزعجة التي اختبرها مؤخراً.. هل سيمكنه تحقيق أحلامه أخيرا؟ً.. سيعود لعمله الذي يعشقه.. وليس كمهندس فقط.. ولكن مسئول عن فرع شركة الغمراوي في دبي.. حقاً لا يستطيع تصديق نفسه.. وما يسعده بالفعل أن يزيد لم يتدخل ليمنحه الوظيفة.. فالذهول الذي سطر على وجهه وعصام الغمراوي يبلغهما معاً باختياره لحسن للإدارة الفرع كان أكبر دليل أن عصام اختاره بدون أي محاباة من يزيد.. أو حتى تدخل من والده حاتم العدوي.. بقي فقط أن يفاتح منى في الموضوع.. وهو أكثر ما يخشاه.. فالمفروض أن يسافر الليلة.. وبالطبع ستنتظر منى لبعض الوقت حتى تعد جواز سفر لها.. وهو يخشى رفضها ابتعاده ولو لعدة أيام..

دلف إلى شقته ليجد منى قد أعدت الطعام بالفعل.. ووزعت بعض الشموع على المائدة الصغيرة التي وقفت بجوارها ترتدي ثوباً قصيراً من الشيفون الناعم.. وبدا واضحاً من ثوبها الجرئ أنها أعدت نفسها لسهرة رومانسية برفقته..

اقترب منها ليضمها بين ذراعيه طويلاً ليهمس بعدها بفظاظة:

ـ هو احنا ليلتنا فل ولا حاجة!..

ارتفعت عيناها نحوه بذهول.. لتنطلق منه ضحكة قوية لم يستطع كبحها وهو يقول:

ـ آه لو تشوفي وشك.. وتعبيراتك دلوقتِ عاملة ازاي..

وكزته في كتفه بغيظ:

ـ كده برضوه يا حسن.. بتتريق عليا!

عاد ليضمها إلى صدره بقوة:

ـ لا يا حبيبتي.. أنا بس سعيد جداً جداً جداً..

ابتسمت بسعادة لسعادته الواضحة:

ـ خير يا حبيبي.. فرحني معاك..

جذبها من يدها وجلسا معاً إلى مائدة الطعام وبدأ يحكي لها عن مكالمة عصام الغمراوي وذهابه إليه في مقر مجموعة الغمراوي.. لينتهي بعرض العمل الذي عرضه عليه بمرتب يفوق كل ما تمنى يوماً.. أنهى حديثه وهو يخبرها بقلق:

ـ المهم يا منى.. أنا وافقت.. بس لازم أسافر الليلة مع يزيد..

سألته بتردد:

ـ تسافر!.. هو أنا مش هاجي معاك؟..

أمسك يدها يقبلها:

ـ أكيد يا حبيبتي.. بس أنتِ لسه هتعملي جواز سفر.. أنا هسبقك الليلة واظبط الأمور كمان هناك.. وانسق الشغل مع يزيد.. وأنتِ أول ما تخلصي أوراقك هتحصليني.. ده يضايقك في حاجة؟..

تحركت من مقعدها لتجلس على ركبتيه وتحتضنه بقوة:

ـ لا يا حبيب عمري.. أسبوع بالكتير وأكون عندك.. بس أنت اوعى تشتري حاجة لبيتنا لوحدك.. لازم نكون سوا.. متفقين!..

لفها بذراعيه وهو يحملها إلى غرفتهما ويهمس بعبث:

ـ أكيد لازم نكون سوا.. هو أنتِ عندك شك!..

ضحكت بدلال:

ـ والسفر يا حسن؟..

أجاب بصوت أجش:

ـ قدامنا لسه وقت.. ما تقلقيش..

ضحكت بسعادة وبداخلها تشكر علياء التي لم تتصورها بذلك النبل على الاطلاق..

*************

جلس يزيد بجوار حسن في مقعده بالدرجة الأولى في الطائرة المتجهة إلى دبي وهو يتأمل الرسالة القصيرة التي وصلته من علياء..

"توصل بالسلامة.. ابقى طمني عليك"..

زفر بغيظ.. وهو يتمتم بداخله..

"يعني قلقانة عليّ اهوه!.. يبقى ايه لازمة الغضب والغلط"..

تذكر ذهابه إلى منزله هو وريناد التي امتصت غضبه الواضح بكل يسر.. لا يعرف كيف وجد نفسه يقص عليها ما حدث بينه وبين والده وحسن.. واستطاعت بذكائها الأنثوي أن تخرجه من غضبه ليعبر عن سعادته بالفرصة التي منحها والده لحسن.. ليبتعد حسن أخيراً عن المجموعة الغريبة التي تعرف إليها مؤخراً.. امتد الحديث بينهما لفترة.. بعدها أعدت له ريناد حقيبته بهدوء..

واقتربت منه بخجل لتخبره بهمس عملي:

ـ يزيد.. الدكتور قالي أن الليلة مناسبة عشان الحمل والاخصاب وكده..

تنهد بعجب وهو يتذكر الليلة الماضية حيث أجلسها بين ذراعيه وهما يشاهدا أحد الأفلام الرومانسية وعندما حاول التقرب منها فاجئته بصرخة غاضبة.. واعتراض واضح لأن الليلة غير مناسبة لحدوث حمل.. وأنها أخبرته بذلك قبل بداية السهرة..

أخرجته من ذكريات الليلة الماضية بلمسات مغوية لا تجيدها إلا في الليالي التي يحددها لها الطبيب.. ولكنها للأسف تجيدها للغاية.. وهو مجرد.. رجل.. رجل محبط.. وضعيف أمام تلك الفتنة الأنثوية الشقراء... ولكنه رغم كل شيء يشتاق للحمقاء الصامتة التي تسبب له أقصى حالات الغضب..

التفت إلى حسن الجالس بجواره ليخبره بحسم:

ـ تلات أيام بس يا حسن.. هنخلص شغلنا في تلات أيام.. ارجع بعدهم مصر..

وكان له ما أراد.. فواصلا الليل بالنهار ليُنهيا أعمال أسبوع في ثلاثة أيام فقط..

لم يغمض لكليهما جفن بالفعل.. حسن يبذل قصارى جهده ليُلم بكل المعطيات التي يبلغه بها يزيد وبنفس الوقت يقاوم شوقه لزوجته الرقيقة.. ويزيد يكافح قلق عاصف وشوق حارق إلى علياء لا تطفئه مكالماته الهاتفية لها والتي تظهر له بوضوح أنها غاضبة.. وأيضاً.. خائفة..

وصل أخيراً إلى شقة علياء وهو يشعر بالاجهاد في كل خلية بجسده.. واتجه إلى غرفتها.. ليجدها تمسك بزجاجة العطر الخاصة به تستنشقها بعمق وعلى وجهها ابتسامة حالمة سرعان ما انتقلت لشفتيه هو لتتحول إلى شهقة عجب وهو يراها تنثر القليل من عطره على كفها لتلعقه بعدها باستمتاع جم.. جعله يصرخ بها:

ـ علياء!!.. أنتِ اتجننتِ بتعملي ايه!

التفتت له علياء بذعر وهي تخفي زجاجة العطر خلف ظهرها.. وتهمس بخوف:

ـ ما فيش.. ما فيش حاجة..

ـ ما فيش حاجة ازاي!.. وازازة البرفيوم اللي مخبياها دي بتعملي بيها ايه!!

أظهرت علياء يدها من خلف ظهرها لتتهدل بجانبها بتعب وتحركت لتجلس على الفراش لترفع عينيها نحوه بطفولية:

ـ طعمها حلو قوي..

تمتم بذهول:

ـ نعم!.. أنتِ شربتي منه!!

لتكمل هي:

ـ أم علي بتقول ده وحم.. بس الدكتورة زعقت لي ومش موافقة أني اشربه!!..

برقت عيناه في ذهول.. ثم انطلقت ضحكاته بلا توقف حتى دمعت عيناه.. فنهضت من جواره وقد تملكها الغضب.. ولكنه تمكن من الإمساك بها بسهولة بسبب بطء حركتها وأجلسها على ركبتيه وأحاطها بذراعه ومد يده ليأخذ الزجاجة من يدها ويغرق بها نفسه.. ثم همس لها بخبث:

ـ ايه رأيك كده ممكن تدوقيها من غير ما الدكتورة تزعق لك!!

احمرت وجنتاها بقوة ولكزته في كتفه:

ـ أنت قليل الأدب!!

ضحك باستمتاع وهمس لها:

ـ وحشتيني.. وحشتيني قوي.. ووحشني الكلام معاكِ.. وحشني صوتك يا علياء..

أخفضت عينيها أرضاً وحاولت التملص منه.. ولكنه منعها بلطف:

ـ رايحة فين!.. ده أنا ما صدقت..

رددت بخجل:

ـ أنت رجعت بدري..

دفن شفتيه في عنقها وهو يهمس:

ـ علشان خاطر عيونك.. تصدقي أنا ما نمت ولا خليت حسن ينام.. شوفتي بقى معزتك عندي.. أنا ما اقدرش على زعلك..

داعبت أناملها خصلات شعره ومرت بلطف على ملامحه ثم ضمت نفسها إلى صدره لتهمس بتوسل:

ـ أنا بحبك قوي يا يزيد.. بلاش تجرحني.. ولا تبعد عني..

رفعها بين ذراعيه ليستلقي على الفراش وهي بين ذراعيه ويهمس:

ـ اوعي تخاصميني تاني.. أنا خلاص استويت والله.. ومش قادر على زعلك..

دفنت وجهها بصدره وهي تحيطه بذراعيها.. بينما غرق هو في النوم على الفور.. فهو مستيقظ منذ ثلاثة أيام...

**********

وصلت دنيا إلى شقتها لتجد مازن ممدد على الأريكة باسترخاء.. وقد خلع سترته ورابطة عنقه واكتفى بقميص البذلة..

نهض فور دخولها ليستقبلها بلهفة بينما هي كانت في قمة الاجهاد.. فقد كانت عائدة للتو من العرض الأخير الخاص بدار الأزياء التي تملكها..

ضمها لصدره برقة ثم أمسك بها ليلفها بين ذراعيه وهو يطلق صفيراً عالياً.. فهي كانت ترتدي ثوباً فضياً طويلاً.. يلتصق بجسدها ليبرز قدها الرشيق ويتسع عند ركبتيها ليتداخل قماشه الفضي اللامع بقماش شيفون رمادي خفيف..

عاد ليضمها له ويلف خصرها بإحدى ذراعيه ويمد أنامله لتجري على فتحة صدر الفستان الواسعة التي كشفت عن عظام ترقوتيها الرقيقة..

فهمست له:

ـ شكراً لوجودك الليلة يا مازن..

داعب عنقها برقة:

ـ هو أنا عمري فاتني عرض ليكي..

همست:

ـ أنا عارفة أن الوضع اختلف...

وضع أنامله على شفتيها:

ـ هششش.. ما فيش حاجة اختلفت..

ثم أخرج علبة مخملية من جيب بنطاله.. وفتحها أمام عينيها.. لتظهر قلادة ماسية رائعة شكلت لتمثل الشمس بكل آشعتها المبهرة.. ولف حول دنيا ليثبت القلادة خلف عنقها.. ويضمها له بقوة وهو يهمس لأذنها من الخلف:

ـ وحشتيني..

ابتعدت دنيا عنه بمسافة كافية وهي تفكر جيداً فيما تود قوله له:

ـ مازن.. احنا لازم نتكلم جد شوية..

ـ خير يا دنيا؟.. قلقتيني..

ترددت قليلاً.. ثم تكلمت:

ـ الفترة.. الفترة اللي قضناها مع بعض كانت أيام جميلة.. بس أنت ظروفك اختلفت.. دلوقتِ في فحياتك زوجة.. وبيتهيألي نحاول نبعد واحنا لسه أصدقاء.. و..

قاطعها بغضب وهو يقترب منها بسرعة:

ـ وايه يا دنيا!.. ايه الكلام الغريب ده.. ايه اللي حصلك؟.. في حد دخل حياتك؟..

لم يدرِ أيهما ما حدث ولكن صوت الصفعة على وجنة مازن كان يدوي في أذنيهما.. بينما احمرت عينيه غضباً.. ولكنها لم تدع غضبه يؤثر بها فصرخت بعنف:

ـ لولا أنك مازن ما كنتش هتشوف وشي تاني.. أنت عارف كويس مين دنيا..

حرك يده على وجنته وهو يحاول كبح غضبه.. واقترب منها قليلاً:

ـ عايزاني اعتذر يا دنيا.. يبقى أنتِ كمان لازم تعتذري.. لأن كلامك معناه يضايق.. أنا ما كنتش مرتبط بيكي عشان مجرد رغبة أو شهوة.. مجرد ما بقى عندي زوجة يبقى هبعد..

قاطعته بغضب لم تستطع كبحه:

ـ أنت بعدت فعلاً..

ـ لفترة بسيطة.. وأظن وجودي الليلة في الديفيليه دليل على أنك في بالي وأني ما نسيتش أي حاجة تخصك..

مسحت جبهتها بتعب وهي تتهالك على أحد المقاعد:

ـ أنا ما بقيتش عارفة أي حاجة.. أنا حاولت بس أرفع عنك أي حرج..

اقترب ليجلس أمامها على نصف ركبة ومد أنامله ليرفع ذقنها:

ـ تحبي نعلن جوازنا؟.. أنا عرضت عليكِ الموضوع أكتر من مرة..

ابتسمت بتعب:

ـ وكل مرة كانت بتكون عقاب لنيرة..

ـ لكن المرة دي..

قاطعته:

ـ المرة دي ما ينفعش أني أوافق.. كده يبقى بندمر جوازك قل ما يبتدي..

جلس على الأريكة وجذبها من على مقعدها لتسقط بين ذراعيه وبدأ يحرك كفيه بحركات دائرية على كتفيها وعنقها وهمس لها:

ـ هعملك مساج مخصوص.. هدلعك المرة دي.. وآخر مرة اسمع كلام عن البعد ونفترق والكلام ده.. ووقت ما تحبي نعلن جوازنا أنا موافق..

********

مرت ثلاثة أشهر..

جلس يزيد بجانب علياء على فراشها وهي تحتضن صغيرها وتضمه إلى صدرها لترضعه للمرة الأولى.. ليهمس بغيظ:

ـ بيعمل ايه الواد ده؟..

ضحكت بتعب:

ـ زي ما أنت شايف.. وبعدين دي حمد لله على السلامة بتاعتك!

أحاطها بذراعه وهو ينظر إلى ابنه بغيظ مما دفعها إلى الضحك بقوة وهي تهمس:

ـ بتغير من ابنك يا يزيد!..

قطب حاجبيه وهو يسألها:

ـ مش بترضعي أخته ليه؟..

ابتسمت وهي تغير الموضوع وتسأله:

ـ أنت لسه ما سميتهموش؟..

ضحك وهو يتحرك ليرفع ابنته الصغيرة من سريرها:

ـ ازاي.. طبعاً سميتهم.. اتفضلي يا ستي.. أقدم لك الآنسة.. نادية.. والواد الشقي اللي مش بيبطل رضاعة ده.. هسميه علي..

ترقرقت الدموع في عينيّ علياء وهي تتأمله وتهمس:

ـ نادية!.. هتسميها نادية!!.. و..

قاطعها وهو يقترب ليطبع قبلة على جبينها:

ـ حمد لله على سلامتك.. أنتِ ونادية وعلي..

***********

بعد ثلاث سنوااااات...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close