اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم نهي طلبة 


الفصل الرابع والعشرون

"الحب صبور دائماً وليس غيوراً أبداً, الحب أبداً ليس متبجّح ولا مغرور, وهو ليس وقح أو أناني أبداً ولا يعاتب ولا يستاء, الحبُ لا يسعد بذنوبِ الناسِ الآخرين.. لكن المسرات في الحقيقة..
هو جاهز دائماً للإعتذار للإئِتمان, للتَمنّي.. وللتَحَمُل, مَهما يحدث.."

A walk to remember

انهمكت منى في تنسيق ورودها التي بدأت بالتفتح.. ومراعاة براعم أخرى على وشك التفتح.. أنها حديقتها التي طالما حلمت بها.. وقدمها حسن لها مع منزلهما الرائع هذا.. لقد أعدها حتى قبل أن يعد المنزل من الداخل..

مسحت على جبهتها بإنهاك وقد تساقطت منها قطرات العرق البارد.. يبدو أن نزلة البرد الأخيرة تصر على مصاحبتها لفترة طويلة.. ذلك الشعور بالإرهاق المستمر لا يفارقها في الآونة الأخيرة.. وحسن يتوسلها الذهاب إلى طبيب.. وهي تعاند.. لا تريد إزعاجه ولا إثارة قلقه.. وبداخلها أمل خفي أن يكون ذلك الإرهاق سببه بذرة حبهما تنمو في أحشائها أخيراً.. فقد تأخر حملها كثيراً.. وكلما فاتحت حسن في الموضوع يخبرها أن كل شيء بأمر الله.. وهو لا يريد من يشاركه اهتمامها وحبها.. كانت ترضى بذلك في البداية مدركة أن السبب الرئيسي هو الظروف المادية المتعثرة.. ولكن الآن بعد مرور ثلاث سنوات قضياها بدبي.. وتحسن أحوالهما المادية بصورة فاقت كل توقعاتها.. أصبح تأخر حملها هاجس يرافقها طوال الوقت.. بينما حسن يصب اهتمامه الدائم على عمله والنجاح به.. حتى أن اسمه بدأ يتردد بقوة بين رجال الأعمال.. ويتهافت الجميع للتعاقد مع شركة الغمراوي حتى يقوم البشمهندس حسن العدوي بتصميم فيلا.. أو شاليه.. أو.. أو...

تحمد الله على كل هذا النجاح.. ولكنها تفتقد حسن العاشق الذي يبحث عن أمانه معها.. تغير حسن.. ليس كالتغير السابق.. حمداً لله.. لكن المادة أصبحت تشكل جانب هام من حياته.. طموحه أصبح بلا حدود.. بحثه عن النجاح لا يهدأ.. ولولا بقايا حسن القديم الذي يدين بولاء لا ينضب لعصام الغمراوي, لكان بدأ في تأسيس شركة خاصة به.. وهو قد كون من العملاء ما يكفي لانطلاقه ناجحة.. ولكن حسن القديم مازالت له القليل من السطوة في هذا الأمر.. ولا تعتقد منى أن تلك السطوة ستستمر طويلاً..

أمسكت رأسها بإنهاك.. فقد هاجمها دواراً آخر جعلها تترنح بقوة.. ولسوء حظها تزامن ذلك مع وصول حسن الذي سارع ليتلقاها بين ذراعيه قبل أن تلامس أرض حديقتها الغالية التي طالما حلمت بها..

وضعها على فراشها برقة.. نادى اسمها عدة مرات.. ودعك وجنتيها وجبهتها بقوة قبل أن تفتح عينيها بإجهاد هامسة:

ـ آه.. هو إيه اللي جرى!

هتف حسن:

ـ اللي جرى أنه أغمى عليكِ.. اللي جرى أن عِندك مالوش آخر.. مش عارف منشفة دماغك ليه؟..

دعكت منى جبهتها بتعب:

ـ خلاص يا حسن.. دول شوية إرهاق و..

قاطعها:

ـ ما فيش و.. احنا هنروح المستشفى النهارده.. وما فيش نقاش..

********

جلس مازن ويزيد بمواجهة شاطئ البحر أمام الشاليه الخاص بيزيد بالمعمورة.. وعلي يلعب بين قدمي يزيد بالرمال.. بينما رفع مازن نادية بين ذراعيه وهو يداعبها بقوة لتضحك الفتاة بسعادة وتهتف:

ـ ماسن.. ماسن.. أيزة قوة..

ضحك مازن بقوة وهو يوبخها بمداعبة:

ـ يا شقية.. بتستغليني عشان تشربي قهوة..

هتف يزيد بتوسل:

ـ بلاش أبوس إيديك يا مازن.. كده مش هتنام.. كفاية أدهم أخوها الصغير.. 10 شهور أهوه.. وصاحي ليل ونهار..

ضحك مازن بقوة:

ـ ما حدش قالك تتهبل وتخلف تاني وولادك يا دوب كملوا السنة.. الدنيا مش هتطير.. إرحم حالك شوية..

هتف يزيد بغضب:

ـ لِم نفسك يا مازن.. والله لولا أنك ماسك نادية كنت وريتك شغلك.. عيب عليك.. بدل ما تتشطر كده.. وتجيب لك كام نونو يقرفوك.. وينكدوا عليك عيشتك ليل ونهار.. وخصوصاً في الليل..

غامت عينا مازن قليلاً وهو يتذكر مناقشاته المستمرة مع نيرة من أجل الإنجاب.. ورفضها المستمر بحجة أن الوقت ما زال أمامهما طويلاً وهي تريد الاستمتاع بحبه ودلاله لها بدون أن يشاركها بهما أي شخص.. كما أنها سعيدة بما حققته من نجاح في عملها في مجال العلاقات العامة بمجموعة العدوي_غيث.. ولا تريد ما يعطلها عن نجاحها حالياً...

همس مازن بخفوت:

ـ مش كل ست تنفع تكون أم..

سأله يزيد:

ـ إيه؟ بتقول حاجة؟..

هز مازن رأسه نافياً:

ـ لا.. بس بتعجب من حب نادية للقهوة؟..

زفر يزيد بحنق:

ـ البركة في سي أدهم.. علياء اتوحمت على القهوة فيه.. ونادية من يومها وهي عايزة قهوة..

ضحكت نادية بشقاوة لتصيح:

ـ زيد.. أيزة قوة..

ضحك يزيد وأخذ ابنته من بين ذراعي مازن ليرفعها عالياً ويعود لالتقاطها مرة أخرى وضحكات الفتاة تتعالى.. وهو يعاود الكرة.. مرة بعد مرة.. حتى سمع صوت علياء تصرخ من داخل شرفة الشاليه وتسرع نحوه:

ـ يزيد.. بالراحة.. البنت.. مش كده..

وصلت عنده لتجذب نادية ناحيتها فأخبرها بشقاوة:

ـ روحي يا ندوش لماما.. هي هتجيب لك القهوة..

ثم اقترب منها وهمس لها لتسمع هي فقط:

ـ بس بيتهيألي المرة دي مربى!..

وغمز لعلياء بعبث فشهقت بقوة وتضرجت وجنتاها حرجاً.. بينما تظاهر مازن بمشاركة علي اللعب بالرمال..

سأل يزيد:

ـ أومال أدهم فين؟..

أجابته علياء:

ـ مع نيرة..

صرخ يزيد بهلع:

ـ إيه.. سيبتي الواد معاها لوحده.. دي ممكن تاكله!..

وكزته علياء في جنبه فصرخ متأوهاً:

ـ إيه.. جوزها قدامك وسامع كلامي وما اعترضش..

ضحك مازن بغموض وأخبر علياء:

ـ أهم حاجة أنه ما يوسخش فساتنها.. وإلا..

هتفت علياء بحنق:

ـ أنتوا.. أنتوا..

ولم تسعفها الكلمات فأخذت ابنتها وذهبت وهي تتمتم ليزيد:

ـ خلي بالك من علي..

فهتف مازن:

ـ سيبي نادية ألعب معاها شوية.. لو ممكن؟

ابتسمت علياء وابنتها تهتف:

ـ ماسن.. ماسن..

سلمتها لمازن وهي تعتذر بحرج:

ـ آسفة والله.. هي بتنادي على كل الناس بأساميهم..

وزغرت ليزيد الذي ارتدى قناع البراءة:

ـ كله من أبوها..

تركتهما وذهبت لتجالس نيرة في شرفة الشاليه.. والتي دفعت إليها بأدهم ما أن جلست على مقعدها وهي تهتف:

ـ امسكي ابنك.. مُصر يشد شعري..

ضحكت علياء وهي تسأل نيرة بود:

ـ مش بتفكري في الأطفال يا نيرة؟..

تغير وجه نيرة قليلاً.. ونظرت للشاطيء حيث تتعالى ضحكات مازن مع الصغيرين.. وخاصة نادية.. همست:

ـ مازن بيحب نادية قوي..

ـ نيرة..؟..

التفتت نيرة لعلياء لتسألها:

ـ هي.. منى وحسن لسه ما خلفوش؟..

شهقت علياء بغضب:

ـ إيه لازمة السؤال ده دلوقتِ يا نيرة؟..

ـ عادي بسأل.. عايزة أعرف.. فضول..

ـ فضول!!.. أنتِ كل فترة بتحاولي تعرفي أخبار حسن.. ليه يا نيرة؟

همست نيرة بغضب:

ـ مش قادرة أنساه يا عليا.. أنا اشتغلت في الشركة مخصوص على أمل أنه يرجع وأكون قريبة منه..

هتفت علياء بذهول:

ـ إيه الكلام ده!!.. معقولة بعد السنين دي كلها.. ومازن؟.. مازن بيحبك قوي يا نيرة.. ليه تظلميه كده؟..

هزت نيرة كتفيها وهي تراقب مازن أنه يعشقها بالفعل.. وهي تحب ذلك.. تحب علاقتهما معاً.. ستكون كاذبة إن أنكرت أنها تريد مازن كزوج.. وكرجل.. ولكنها غير قادرة على محو حسن من قلبها.. غير قادرة على منحه العفو لخطيئته بحقها.. ذنبه الذي لن يغفره إلا عودته متوسلاً السماح.. أو ربما.. العودة إليها..

التفتت لعلياء تسألها:

ـ يزيد مش بيقولك إذا كان حسن ناوي يرجع ولا لأ؟..

هتفت علياء بحنق:

ـ يووووه يا نيرة.. لازم تنسي حسن خالص.. أنتِ مرات أخوه.. فاهمة يعني إيه أخوه!..

هزت نيرة كتفيها:

ـ مازن إنسان كويس جداً.. بس برضوه غامض جداً.. الحياة معاه مش سهلة.. مش سهلة أبداً..

سرحت بنظرها لتراقبه وهو يرفع نادية فوق كتفيه.. ويجري خلف علي الصغير يطارده ضاحكاً.. ومسدت بيدها على بطنها وقد ارتسم على وجهها تعبير غامض.. وغاضب..

********

تمسك حسن بمقود السيارة بكلتا يديه وهو يضغط عليه بشدة يحاول جاهداً حبس دموع تتسابق لتعبر جفنيه.. وهو يقاوم ببسالة.. نعم لابد من المقاومة.. لابد من أن يظل صامداً حتى لا يسبب لها الفزع.. لا يريدها أن تحمل هماً سابقاً لأوانه..

لا يصدق ما مر به.. بعد دوامة كبيرة من التحاليل والآشعة.. وبعد إعادة الفحص والتحاليل أكثر من مرة.. كانت النتيجة لا تتغير.. وبدا على الطبيب التأثر وهو يخبره بكلمات موجزة عملية..

"آسف جداً.. زي ما توقعت.. كل التحاليل بتأكد التشخيص الأولي..

وفي مرحلة متقدمة.. بص.. هنا الطب متقدم جداًHepatic cancer

لكن نصيحة لو تقدر تسافر فرنسا.. هيكون أفضل"

"في أمل يا دكتور؟"..

وهنا كانت ربتة مواساة من الطبيب على كتفه..

"الأمل في ربنا كبير"..

أوقف السيارة على جانب الطريق.. ولم يعد يحتمل ضغط الدموع أكثر فتركها تسيل بصمت.. بألم.. وجع لا يحتمل.. لا يصدق أن تنتهي الرحلة بتلك السرعة.. لقد بدآ مؤخراً فقط الاستمتاع بالحياة وترفها سوياً.. ولكنها فقط أشياء بسيطة.. عشاء رومانسي في مطعم فخم.. رحلة بحرية صغيرة.. قطع بسيطة من المجوهرات.. شبكتها التي وعدها بها منذ زمن.. تجول بين واجهات المحلات وهما يدركان أنهما يملكان القدرة على شراء ما يحلو لهما.. بيت وحديقة كما تمنت يوماً.. أنها فقط أشياء بسيطة فقد أجل الأحلام الكبيرة لــ لاحقاً.. لكي يصفعه الواقع المر.. بأنه قد لا يكون هناك لاحقاً..

مسح دموعه وبدأ سلسلة من الاتصالات التليفونية.. بدأت بمازن.. وانتهت مع فريدة والدة صبا.. وقد وعدته بإنهاء كافة الاجراءات وتسهيل حضوره ومنى إلى باريس في أقرب وقت... وكانت عند كلمتها بالفعل فلم يمر يومان إلا وكانا على متن الطائرة المتجهة إلى مطار شارل ديجول بباريس..

مدت منى أناملها تتمسك بيد حسن وهي تهمس له بحنان:

ـ وبعدين يا حسن.. سيبها لله.. أنا مش خايفة.. وراضية بقضائه..

ضغط على يديها بعنف.. عنف لا ينبع من قسوة بل خوف.. فزع.. لا يقوى على تخيل حياته بدونها.. أنها منى.. منى وكفى.. عندما صارحها بحقيقة مرضها ابتسمت ابتسامة راضية.. وتمتمت بهدوء..

"قدر الله وما شاء فعل"..

كانت هي من تواسيه وتهدئ من روعه, وظلت على تجلدها وصبرها حتى وصلت إلى الحرم المكي.. وكان قد لبى لها طلبها بأن تقوم بالعمرة قبل السفر للعلاج.. وهناك فقط فقدت تماسكها.. وانهارت في نوبة بكاء.. ظنها في البداية خوفاً من القادم.. ولكنها كانت خوفاً من أن يكون مرضها ابتلاء لذنب ارتكبته.. وظلت تدعو وتتوسل المغفرة والعفو.. وهو يتوسل لها الشفاء..

وأخيراً.. انتهت نوبة بكائها.. وارتسمت على وجهها ابتسامة رائعة.. وكأنها تشع رضا وراحة.. بل ضياءً..

عاد من شروده ليرد عليها بصوت متحشرج:

ـ إن شاء الله خير.. مدام فريدة حجزت لنا في المستشفى الأمريكي في باريس.. مستشفى كبير قوي.. دول حتى بيوفروا مساعدة للمرضى العرب.. وفي ممرضة إنجليزية من أصول عربية.. هتكون شبه مرافقة ليكي.. مدام فريدة بلغتني بكده..

وضعت رأسها على كتفه تخبره بحنان:

ـ شوفت ازاي ربنا مسهلها.. سيبها لله بس.. وبلاش تعمل في نفسك كده..

أحاطها بذراعه بقوة يريد أن يزرعها بداخلها.. يداريها بين عينيه.. يخفيها عن الموت المتربص بها.. والذي يهدد بأخذها منه مع كل نفس..

وصلا إلى المطار.. وكانت فريدة بانتظارهما تصحبها صبا ابنتها فقد كانت في زيارة لها بذلك الوقت وبدا على شفتيها ابتسامة هادئة..

حياها حسن بمودة.. وهو يسألها عن أخبار والدها.. بينما تحفظت منى منها قليلاً.. فهي شقيقة نيرة ولا تعلم كيف تتعامل معها.. إلا أن تصرفات صبا السلسة والمرحة سرعان ما أذابت برود منى نحوها..

اقتربت فريدة من حسن تخبره بكل ما قامت به من ترتيبات لإقامة منى:

ـ وعلى فكرة يا حسن الممرضة اللي كلفوها بمرافقة منى اسمها لورا ستيفنز.. هي إنجليزية من أصل لبناني.. وإن شاء الله هتكون معاكوا في كل خطوة جوه المستشفى.. أنا اخترتها انجليزية لسهولة التواصل..

أومأ حسن موافقاً بامتنان.. واتجهوا جميعاً إلى المشفى, حسن قلبه ينتفض بداخله مع كل خطوة يشعر أنه في طريقه ليفقدها للأبد.. ومنى ترتسم على وجهها إمارات الرضا وابتسامة هادئة شجاعة.. تتأملها كلاً من فريدة وصبا بإعجاب يصل حد الانبهار من قوة تماسكها وصلابتها..

هناك التقوا مع لورا ستيفنز التي رافقتهم حتى الغرفة التي تم حجزها لمنى.. وهناك بدأت الشرح بطريقة عملية بحتة تناقض ملامحها الشقراء الرقيقة:

ـ أنا أدعى "لورا ستيفنز".. سوف أكون مرافقة للسيدة "العدوي" طوال إقامتها بالمستشفى.. في البداية سوف نقوم بإعادة جميع التحاليل والآشعة.. وبناء على ما يظهر بها سوف يتم التعامل مع الوضع.. الطبيب المشرف على الحالة يدعى دكتور "راندال آدمز".. وهو من أمهر جراحي المستشفى.. أي سؤال أو استفسار سأكون في خدمتكم..

ثم أكملت بلغة عربية ضعيفة نوعاً:

ـ أنا بفضل التعامل بالانجليزية.. هي أسهل شوي.. أنا بتكلم عربي بسيط.. لكن بفهم عربي كويس قوي..

ـ هل من الممكن معرفة متى أبدأ التحاليل؟.. وهل مطلوب مني أي شيء؟..

كانت منى التي ألقت السؤال.. فاقتربت منها لورا لتحادثها بود:

ـ ارتاحي الآن سيدة "العدوي".. وغداً نبدأ في جميع الاجراءات وسوف أكون معكِ في كل خطوة..

أومأت لها منى بامتنان وهي تحادثها بالعربية:

ـ يا ريت تناديني منى..

أشارت لها لورا موافقة:

..ok ـ

سألها حسن:

ـ ما هو الإجراء المتوقع بعد ظهور نتيجة التحاليل؟..

ـ في الغالب قد يقرر الطبيب إجراء جراحة لو وجد أنه من السهل استئصال الورم.. وستكون جراحة عاجلة... ولكنه رأي الطبيب في النهاية.. أي سؤال آخر؟..

رد حسن بهدوء:

ـ شكراً لكِ..

أومأت لهم وخرجت بهدوء تاركة اياهم تحت صمت رهيب لم تقطعه سوى ضحكة منى المتوترة:

ـ إيه.. ساكتين ليه؟.. هي بتقول أن الجراحة ضرورة وممكن الدكتور يستئصل الورم.. دي أخبار كويسة!!..

اقترب حسن من فراشها ليربت على كتفها بحب:

ـ أكيد يا حبيبتي أخبار كويسة..

تنحنحت فريدة بحرج فرغماً عنها روح الفنانة بداخلها قد سحبتها نحو ملامح لورا تريد أن تخطها على لوحة رسم فوراً:

ـ هنسيبك دلوقتِ عشان ترتاحي يا منى.. وأنت يا حسن.. كل تليفوناتي معاك.. أي حاجة تليفون صغير هتلاقيني عندك.. سلام دلوقت..

خرجتا معاً وتركتا حسن وهو يجاور منى في فراشها.. يلتصق بها وكأنه يخشى أن يفقدها.. منذ أن علم بحقيقة مرضها وهو يخشى النوم.. يخشى أن يغفل لحظة تختفي بعدها من أمام ناظريه.. يشعر أنه يحارب عدو مجهول.. يحارب في معركة خاسرة..

ربتت منى على كتفه وهي تجذب رأسه ليتوسد صدرها:

ـ نام أنت يا حسن.. ارتاح شويه يا حبيبي..

رفع عينيه نحوها يتوسلها ألا ترحل.. ألا تتركه.. فمالت لتقبله على جبهته هامسة:

ـ أنا هكون جنبك.. ودايماً معاك..

لفها بذراعيه.. رأسه ترتاح لقلبها يدق تحت أذنيه.. وحركة تنفسها المستقرة كانت بمثابة مهدئ لأفكاره البائسة.. فخلد للنوم ملتصقاً بها.. وهي تربت على رأسه وتداعب شعره بحنان..

وبدأت سلسلة التحاليل والآشعة مرة أخرى.. وبدأت معها تظهر أعراض المرض العديدة.. وأبرزها الآلام المبرحة التي بدأت تهاجمها وكأنها كمنت لسنوات ثم قررت مباغتتها مرة واحدة.. كانت تتمزق حرفياً من شدة الألم, ولكنها حاولت ببسالة أن تصمد وتظهر الراحة والعافية أمام حسن..

ظهرت نتائج التحاليل والآشعة وقرر الطبيب اجراء جراحة عاجلة محاولاً انقاذ الوضع..

**********

دخلت لورا بابتسامتها الهادئة إلى غرفة منى.. وهي تحمل مجموعة متنوعة من المستحضرات والمعدات الطبية المختلفة:

ـ مساء الخير..

ردت منى بإنهاك:

ـ مساء الخير, لورا.. هل حان الوقت؟..

اقتربت لورا منها بهدوء وابتسامتها الهادئة مازالت على شفتيها:

ـ لا تقلقي عزيزتي.. دكتور آدامز.. من أمهر الجراحين..

أومأت منى بتعب بالغ.. وسألت لورا:

ـ هل من الممكن أن تستدعي زوجي؟..

ـ بالطبع..

غابت لورا لدقائق عادت بعدها وحسن في إثرها... وقد ارتسمت على وجهه إمارات القلق:

ـ خير يا منى في حاجة؟..

مدت له يدها فهرع ليتمسك بها.. واقترب منها:

ـ ممكن أكلم بابا وماما؟..

ـ طبعاً يا حبيبتي ممكن.. أنتِ اللي رفضتِ تقوليلهم أي حاجة من الأول..

أومأت بتعب:

ـ معلش.. غيرت رأيي.. حابة أسمع صوتهم قبل ما أدخل العمليات..

اتصل على الفور بالعم نصر وأعطى لها الهاتف لتحادث والدها..

ـ أيوه يا بابا..

سكتت قليلاً:

ـ لا يا حبيبي.. أنا كويسة.. صوتي تعبان؟.. لا ده دور برد شديد حبتين.. كنت عايزة أكلم ماما وأطمن عليكوا..

حادثت والدتها قليلاً.. ومع كل جملة منها كان حسن يشعر أنها تلقي بكلمات الوداع.. رغم أنها كانت تخبرهم بإصرار أنها بخير.. وأن ما بها وعكة صحية طارئة.. إلا أن نبرة صوتها وملامح وجهها أخبراه أنها تودعهم.. وفي نفس الوقت لا تريد إشعارهم بأي قلق..

اختتمت كلماتها لوالدتها هامسة لها:

ـ خدي بالك من بابا يا ماما.. أنا بحبكوا قوي.. وبُعدي السنين اللي فاتت كان غصب عننا أنا وحسن.. كنا فاهمين..

قطعت كلماتها لتعيد صياغتها:

ـ كنا فاهمين أننا لازم نكون نفسنا بسرعة.. خدي بالك من صحتك ومن بابا.. لا إله إلا الله..

أخذ حسن منها الهاتف وطمئن والدتها ببعض كلمات بدت فارغة لأذنيه.. وأغلق الهاتف.. ليضمها بقوة لصدره ودموعه تتساقط فوق وجنتها:

ـ منى.. أنتِ بتستسلمي ولا إيه؟.. ليه طريقتك دي في الكلام.. إحنا هنعمل العملية ودي أول خطوة..

ابتسمت منى بتعب:

ـ طيب والدموع لازمتها إيه.. معلش بقى أنا اصلي جبانة وأول مرة أدخل عمليات فقلت أعمل شويتين زي الافلام.. ما تقلقش أنت وروح نادي لورا عشان تجهزني للعملية..

قبلها على جبينها بقوة وهمس:

ـ إوعي تستسلمي يا منى.. اوعي.. مش هسمح لك..

أمسكت يده وقبلتها بحب:

ـ أنا قوية بيك وليك يا حسن..

قاطعهما صوت لورا الرقيق:

ـ آسفة.. منى.. يجب أن نبدأ في إعدادك الآن..

ضمها حسن مرة أخرى.. وتحرك مبتعداً ليخرج من الغرفة.. وسرعان ما وجد منى تتوجه إلى غرفة العمليات محمولة على فراش متحرك.. فاقترب منها بسرعة ليهمس:

ـ لا إله إلا الله يا منى.. هستناكِ.. لازم تقاومي يا منى..

ابتسمت منى وقد بدت معالم الراحة على وجهها:

ـ هقاوم عشان خاطرك يا حسن.. محمد رسول الله..

همست لها لورا:

ـ أنه يحبك للغاية.. يبدو كالتائه بدونك.. فلتقاومي من أجله عزيزتي..

أومأت منى بابتسامتها الرقيقة:

ـ هل يمكنكِ أن تطمئنيه على مسار العملية أولاً بأول؟..

ـ بالطبع عزيزتي.. يسعدني ذلك..

غابت منى عن عينيّ حسن داخل المنطقة المخصصة للعمليات.. وهمست له لورا بأنها ستأتي له بالأخبار كلما استطاعت.. فالعملية قد تطول مدتها لساعات.. تبعاً لما قد يراه الجراح.. وبالفعل انتظر حسن في إحدى قاعات الانتظار.. ولكن لغرابة الأمر لم يطل انتظاره عن ساعة.. وجد بعدها لورا تأتي بصحبة الطبيب آدامز الذي أخبره بطريقة عملية واحترافية شديدة ونقلت لورا كلماته حرفياً:

ـ آسف سيد "عدوي".. لقد ظننت أن الجراحة من الممكن أن تشتري لنا بعض الوقت.. وقد نتبعها باجراءات قصوى.. كالعلاج الذري.. ولكننا اكتشفنا بعد أن بدأنا الجراحة أن المرض بدأ بالانتشار بالفعل وانتقل إلى عدة أجهزة أخرى.. وأي تدخل جراحي سيسبب الوفاة حتماً.. تقبل أسفي..

صرخ حسن بقوة في وجه لورا وهو غير قادر على استيعاب كلماتها:

ـ أنتِ بتقول إيه!..

ثم انتقل إلى الانجليزية:

ـ ما الذي يعنيه هذا؟.. لورا.. تكلمي بما أفهمه بالله عليكِ..

رمقته لورا بشفقة وأخبرته بتوضيح:

ـ الطبيب آدمز.. يقصد.. أعني.. أنه لا داعي للجراحة.. و..

قاطعها بلهفة:

ـ وماذا؟.. ما الخطوة التالية؟..

هزت لورا كتفيها بعجز وهي تحاول أن تستدعي أسلوبها العملي بلا فائدة:

ـ احممم.. لا توجد خطوة تالية.. أقصى ما في استطاعتنا فعله هو توفير سبل الراحة لها.. وتقليل آلامها قدر الامكان.. فحدة الآم ستتزايد في الأيام المقبلة..

ردد بلا وعي:

ـ أيام!!.. هل تخبريني أنه تبقى لها أيام؟!!..

ثم توجه للطبيب الذي كان يراقبه بشفقة وإن لم يتخلَ عن أسلوبه العملي:

ـ دكتور.. أرجوك.. تكلم.. أخبرني بالحقيقة..

أجاب الطبيب باحتراف:

ـ آسف سيد "عدوي".. تلك هي الحقيقة.. وسنحاول قصارى جهدنا أن تكون الفترة القادمة مريحة لها بقدر الامكان.. تقبل أسفي مرة أخرى.. معذرة..

غادر الطبيب تاركاً حسن غارقاً في شقائه.. تائهاً بين دروب وحدة يستشعرها تقترب منه لتقضي عليه.. سيفقدها.. لقد حارب.. وقاتل لتكون له.. عادى والده ومجتمعه.. كاد أن يدمر علاقته بشقيقه وأصدقائه.. انتصر عليهم جميعاً.. تقاليد بالية لم ينظر لها.. أعراف وعادات لم تهمه بشيء.. ضحى بمهنته لشهور.. باع الكل واشترى وجودها بجانبه.. لتأتي معركته الأخيرة.. يحارب ضد الموت.. ومن يحارب الموت يخسر بجدارة..

جاءت صرخة قاتلة من أعماقه:

ـ لاااااااااااااااااااااأ..

لتصرخ لورا بمن حولها:

ـ فليأتني أحدكم بأمبول مهدئ في الحال..

وصلت فريدة وصبا في تلك اللحظة لتشهدا انهيار حسن تحت قدمي لورا فأسرعتا نحوها لتخبرهما باختصار بما حدث وتطلب منهما التواجد مع منى حتى يستفيق حسن..

فترة بسيطة مرت استفاق حسن من غيبوبته الاصطناعية.. وكانت لورا وقتها بجواره.. رمش بعينيه عدة مرات.. ثم فتحهما ليسألها بهمس:

ـ هل الأمر حقيقياً؟.. ألا يوجد أي أمل؟..

ابتسمت لورا بعطف:

ـ حسن.. إن زوجتك بطلة.. صدقني بكل المقاييس هي بطلة.. إنها سيدة نادرة.. الآلام التي تحملتها في صمت الفترة السابقة لا يمكن أن يتحملها أشد الرجال..

اتسعت عينا حسن بذهول بينما هي تكمل:

ـ لا تتعجب.. لقد تحدثنا مطولاً في الأيام السابقة.. هي سيدة ودودة للغاية.. أنها تعاني من الألم منذ مدة.. وظنت أنه مرض ما سرعان ما يزول.. أو..

صمتت للحظة وبدا على وجهها التأثر:

ـ كانت تظن أنها تعاني من متاعب الحمل..

شهق حسن بحزن بينما أكملت لورا:

ـ لا يذهب عقلك بعيداً.. فلم يكن من الممكن تجنب المحتوم.. والمرض لدى زوجتك للأسف غاية في الشراسة.. وحتى لو تم اكتشافه مبكراً لم يكن ليحدث أي فرق.. أعلم أن كلماتي صادمة.. ولكنك بالفعل بحاجة لتناسي ألمك وحزنك الآن لتستطيع دعمها في الأيام القادمة.. أنها ستحتاج وجودك بشدة.. سأتركك لترتاح قليلاً.. أن السيدة فريدة والآنسة صبا برفقتها الآن وهي لم تستفق من المخدر بعد..

خرجت وتركته مستلقياً في فراشه.. عيناه معلقتان بالسقف.. وعقله فارغ من كل شيء بينما يشعر بقلبه محطم.. سوف تزهق روحه ويموت كمداً.. لقد قرأ في مكان ما عن مرض يسمى "القلب المفطور".. وهو ما تسببه الآلام النفسية والعاطفية الطاحنة.. هذا ما يشعر به الآن.. لقد فطر ذلك الطبيب قلبه.. ذبحه وهو يخبره بأن الأمل منعدم.. أنها سترحل.. حبة قلبه.. ستهجر القلب الذي ذاب عشقاً لها.. كيف يتحمل؟.. كيف يدعمها وهي تواجه الموت؟.. لقد كانت هي الداعمة على الدوام.. كانت السند والأهل وقت تخلى عنه أهله.. كانت الصديق وقت ما أحتاج لصاحب.. كانت الحبيبة والزوجة.. الوطن.. أنها وطنه.. والآن الطبيب يخبره أن يساعدها على الرحيل في صمت.. أي طلب أحمق هذا؟!.. وأي قدرة إعجازية يطالبه بها الرجل..

***

مرت عدة أسابيع بعد ذلك اليوم واظبت فيها فريدة وصبا على الحضور يومياً نشأت علاقة طيبة بين منى وصبا, فاتخذتها منى كشقيقة صغرى قضت معها أوقاتاً لطيفة كانت كمهدئ رقيق لآلام منى من غربتها وبعدها عن أهلها وآلام مرضها التي أصبحت في تزايد مستمر.. بينما قويت علاقة منى بلورا التي أبهرتها قصة حب حسن ومنى.. وكانت تدفع منى لتقصها عليها مراراً.. فالجانب الرومانسي منها عشق محاربة حسن ليحتفظ بمنى إلى جانبه.. فكانت ترمقه دائماً بانبهار من ذلك الفارس الذي حارب الجميع حتى عادات مجتمعه ليفوز بأميرته الرقيقة..

دلف حسن إلى غرفة منى فوجد لورا جالسة بجوارها كالعادة وتتهامسان سوياً.. فابتسم بحنان واقترب ليمسك كفي منى ويقبلهما ثم يقبل جبينها..

حيا لورا بهدوء وجلس ملتصقاً بمنى وسألها بحنان:

ـ هل دفعتكِ لورا لتقصي عليها قصة زواجنا مرة أخرى؟..

ابتسمت لورا:

ـ كلا.. لقد كنت أقص أنا عليها تلك المرة قصة أجدادي.. فقد عشق جدي وهو رجل إنجليزي.. وكما تقولون.. من أصحاب الأملاك والألقاب.. عشق جدتي عندما زار بيروت منذ خمسين عاماً.. ولم يعد إلى لندن إلا وقد أصبحت زوجته.. أرأيت.. توجد لدي قصص رومانسية, بل وصراعات حضارية أيضاً!..

ضحكت منى برقة فضمها حسن لصدره وطبع قبلة أخرى على جبينها.. وسأل لورا بابتسامة:

ـ إذاً.. لماذا أتيتِ إلى باريس وتركتِ لندن؟.. بالتأكيد توجد قصة أخرى هنا..

تغير وجه لورا ونهضت فجأة:

ـ سوف أذهب الآن.. حتى ترتاح منى قليلاً..

خرجت وتركتهما معاً.. فسارع حسن بوضع رأسه على صدر منى.. يريد أن يختفي بداخل قلبها.. فيذهب معها عندما ترحل.. ضمها بقوة وهمس لها:

ـ مازن ودنيا وصلوا باريس.. وهيجوا بالليل يطمنوا عليكِ..

سألت منى بسعادة:

ـ دنيا!.. دنيا جت معاه؟..

وافقها حسن بإشارة بسيطة من رأسه وهو يتذكر التآلف الفطري الذي نشأ بين منى ودنيا.. عندما زاره مازن في منزله بدبي بعد سفر حسن بفترة وجيزة.. واصطحب معه دنيا في تلك الزيارة التي عاتب فيها حسن لسفره حتى دون أن يودع شقيقه الوحيد.. فقط اكتفى بوداع سريع للجدة روح.. سافر بعدها تاركاً كل شيء ورائه..

كان حسن وقتها مازال غاضباً من الحياة المزدوجة التي يحياها شقيقه, ورافض كلياً لوجود دنيا في حياة مازن.. وجود لم يجد له حسن أي تفسير.. ولكن الصداقة السريعة التي نمت بين منى ودنيا أجبرت حسن على تقبل الثنائي الغريب.. تقبل تحول لمودة عميقة نحو دنيا بعدما تعددت زياراتها لمنى سواء برفقة مازن أو في رحلاتها المنفردة.. وقد بدأ يستشعر ذلك الشيء الخفي الذي يجذب شقيقه إليها.. ويربطه بها.. ورغماً عنه اعترف لنفسه أنها كزوجة لمازن أفضل من نيرة بمراحل.. ولكنها حياة مازن الذي يصر على استمراره مع نيرة..

استيقظ حسن من أفكاره أو ربما غفوة بسيطة نالها على همسة منى المتألمة:

ـ حسن.. من فضلك اضغط على الجرس.. محتاجة المسكن.. حاسة بألم رهيب..

رفع رأسه ليرى وجهها وقد تقلص بآلام مضنية.. سارع باستدعاء إحدى الممرضات.. التي سارعت بإعطائها جرعة المسكن.. وبدا أن الوقت يمر والألم لا تخف حدته فوجه منى زاد احتقانه من الألم حتى كاد أن يتحول إلى الأزرق.. والممرضة الشابة تسألها برفق:

ـ سيدتي.. هل خفت حدة الألم أم مازال كما هو؟..

لم تستطع منى الاجابة بينما هتف حسن بغضب:

ـ إنها تتألم بشدة.. ألا تستطيعين القيام بشي ما؟

أومأت الفتاة بالايجاب وهي تخبره:

ـ بلى سيدي.. يمكنني.. ولكن السيدة منى ترفض أن أزيد من جرعة المورفين كما أمر دكتور آدمز.. وتخبرني أنها ستتحمل.. ولكن..

ـ آآآآآآآآآآآه..

صرخة قوية من منى دفعت حسن ليصرخ بالفتاة:

ـ أعطيها الجرعة التي أمر بها الطبيب.. أنها تتعذب بشدة..

نفذت الفتاة ما طلبه منها حسن على الفور.. بينما تحرك هو ليضم منى إلى صدره.. وقد بدأت حدة آلامها تخف قليلاً ووجدها تهمس:

ـ يا رب.. ما اتعذبش اكتر.. يا رب ارحمني..

هتف حسن:

ـ منى!.. لا يا منى ما تقوليش كده..

ربتت على رأسه بإنهاك وهي تردد:

ـ عارف يا حسن.. أفضل حاجة حصلت أن شعري مش هيوقع.. وشكلي مش هيختلف قوي.. عشان تفضل فاكر منى.. منى اللي حبيتها ومن هي بضفاير..

سكتت قليلاً لتستجمع قواها:

ـ كانوا البنات في المدرسة.. وحتى في الكلية بعدها.. يقولوا لي.. ده بيتسلى بيكي.. وعمره ما هيفكر يتجوزك.. وأنا أقولهم.. أبداً.. حبيبي وواثقة فيه بعمري كله..

ترقرقت دمعة بعينيه فهمست له:

ـ ما تبكيش.. يا حسن.. طب أقولك على حاجة.. أما مرينا بالفترة الصعبة.. وأما.. أما كنت بتشرب سجاير وكده.. كنت مرعوبة أنك تكون ندمت على ارتباطنا.. أو بتراجع نفسك.. أنا كنت واثقة في حبك صحيح.. بس جه جوايا قلق أنه حبي مش كافية..

قاطعها بسرعة:

ـ يا منى أنتِ تكفيني عن العالم كله.. أنتِ دنيتي كلها..

ربتت على كفه بحب:

ـ بعد ما قابلت دنيا فهمت سبب غضبك.. أنت غضبت للحب نفسه يا حسن.. فكرت أن مازن شوه فكرة الحب النضيف اللي أنت ما عرفتش غيره.. وقتها حبيتك أكتر.. مع أني مش عارفة إزاي ممكن أحبك أكتر.. بس يظهر قلبي ما عادتش قادر يتحمل حب أكتر من كده.. حبك كان طاهر وبرئ ومركز يا حسن تشبعت به للعمر كله.. حتى لو كان العمر ده قرب يخلص..

همس بصوت متحشرج:

ـ ما تسيبينيش يا منى.. ما تسيبينيش..

خرج صوتها منهكاً:

ـ لو بتحبني يا حسن..

قاطع كلماتها ووضع أصابعه على شفتيها:

ـ لا يا منى.. لا ما تكمليش..

أغمضت عينيها بإنهاك ودمعة ألم هربت على جانب وجهها سارع هو بمسحها.. وسألته:

ـ لسه رنة موبايلك.."حبيبي يا عاشق"؟..

أومأ بالايجاب.. فردت هي:

ـ أنا بحب الأغنية دي قوي.. بتحكي حكايتنا يا حسن..

وأخذت تردد:

ـ حبيبي يا عاشق.. يا حر زي الطير..

فأكمل لها وهو يبكي:

ـ شاور هقول حاضر..

خفت صوتها لتهمس:

ـ للحب قلبي أسير...

ثم ضغطت بيدها على كف حسن بقوتها الواهية لتهمس:

ـ حرره يا حسن.. أرجوك حرره من الأسر.. أنا تعبانة وعايزة أرتاح.. عايزاك تعتق قلبي..

أجهش بالبكاء وسقطت رأسه بجانب يدها على الفراش وهو يردد:

ـ مش قادر.. مش ممكن أستغني عنك.. قاومي يا منى..

رددت بخفوت:

ـ حررني يا حسن.. تعباااانة..

همسة خافتة أخيرة:

ـ لا إله إلا الله..

خفت صوتها للغاية.. حتى اختفى تماماً فرفع حسن رأسه بهلع:

ـ منى.. منى.. منىىىىىىىىىىىى

دخلت بضعة فتيات من طاقم التمريض وعدة أطباء الغرفة استجابة لصرخته وسرعان ما ظهرت لورا في الغرفة.. وبدأ الأطباء بفحصها... وتبادلوا بضعة كلمات قبل أن يخبره كبيرهم:

ـ لقد دخلت السيدة منى في غيبوبة.. ولا ندري هل ستيستيقظ منها أم لا.. لقد هاجمها المرض بقوة وشراسة وسرعة.. ولا أستطيع توقع القادم..

خرجوا جميعاً من الغرفة وبقيت لورا فقط.. وحسن يراقبهم بذهول ويشير إلى منى ويردد:

ـ لا.. هو بيقول إيه؟.. مش هتفوق تاني!!.. مش هكلمها تاني.. إزاي!!.. بسرعة كده..

وهبط ليركع على ركبتيه بجوار فراشها:

ـ لا يا منى.. لسه بدري.. في كلام كتير ما قولناهوش.. في حاجات كتير ما اعتذرتش عنها..

صرخ بقوة:

ـ لاااااااا.. لا يا منى أنتِ قلتِ مش هتسيبيني.. مش هقدر أحررك يا منى.. ما اقدرش.. ما اقدرش..

دخل في تلك اللحظة مازن تصحبه دنيا.. ولمحا المشهد المآساوي.. حسن راكع على ركبتيه.. ومنى غائبة في عالم قد لا تعود منه.. اندفع مازن نحو شقيقه يرفعه أرضاً وهو يهمس بلهفة:

ـ حسن.. حسن..

ما أن سمع صوت أخيه حتى أغرق نفسه بين ذراعيه وهو ينتفض ببكاء مرير.. وما أصعب بكاء الرجال.. عندما يكون عن عجز.. عن فقد.. وحرمان..

همس لأخيه:

ـ خلاص.. خلاص يا مازن دخلت غيبوبة والدكتور بيقول.. بيقول..

لم يستطع إكمال كلامه واستمرت دموعه في الهطول بلا توقف.. فتحركت دنيا وهي تراقب حسن بإشفاق وقد خنقتها غصة مريرة لتمهس لمازن:

ـ مازن.. خده بره عشان يهدى شوية.. وأنا هانتظر مع منى هنا..

وافقها مازن واصطحب شقيقه الذي تحول إلى دمية لا حول لها ولا قوة..

بينما جلست دنيا بجوار منى التي أغمضت عينيها بسلام.. وأخذت تملس على وجهها وشعرها.. فسألتها لورا التي كانت مازالت بالغرفة:

ـ مرحباً.. أنا لورا.. الممرضة المرافقة لمنى..

رحبت بها دنيا وهي تتأملها بتعجب.. بينما أردفت لورا:

ـ أنتِ السيدة دنيا, أليس كذلك؟..

أومأت دنيا موافقة.. لتكمل لورا:

ـ لقد أخبرتني منى عنكِ.. وعن سيدة أخرى تُدعى علياء.. هل تعرفينها؟..

ـ نعم.. أعرف علياء..

تنهدت لورا براحة:

ـ هذا جيد.. فهي تركت لها رسالة معي..

ـ وأين تلك الرسالة؟..

ـ كلا.. أنها رسالة شفهية.. هل يمكن أن تبلغيها أن منى تشكرها كثيراً.. وتخبرها أنها سامحتها منذ زمن..

أومأت دنيا برأسها وقبلت منى على جبينها وهي تهمس:

ـ أنتِ هتمشي فعلاً يا منى.. ودعتِ الكل.. كان نفسي أشوفك قبل ما..

ظلت منى راقدة في غيبوبتها لأربعة أيام كاملة.. ولم تستفق أبداً.. بينما رافقها حسن في كل لحظة ينتظر لدقيقة واحدة.. لحظة واحدة تفتح بها عيناها.. ولكن لم تأتِ تلك اللحظة..

لم يتحرك كذلك مازن ودنيا من المشفى ووصلت فريدة وصبا التي رمقت دنيا الملتصقة بمازن بعجب شديد.. وأرادت أكثر من مرة أن تسألها عمن تكون.. ولكن الظرف لم يسمح.. وزاد من تعجبها أن لورا تلقبها بالسيدة "العدوي"..

في مساء اليوم الرابع.. دلفت لورا إلى غرفة منى لتغير لها المحاليل المغذية.. وأخذت تراقب حسن وهو جالس بجوارها يتمسك بكفها بكلتا يديه ويهمس:

ـ ارجعي لي يا منى.. لسه حكايتنا ما خلصتش.. لسه الكلام كتير بيينا..

قاطعته لورا فجأة بتوسل:

ـ .. "اسمح لها بالرحيل.. من فضلك"let her go... plzـ...

رفع حسن إليها عينين باكيتين وحمراوتين:

ـ ماذا تقولين؟..

رددت مرة أخرى:

ـ من فضلك حسن.. اسمح لها بالرحيل في سلام.. أنها في غيبوبة ولكنها تتألم..

أشارت إلى شاشة المونيتور أمامها:

ـ هل ترى هذا؟.. يجب أن أعطها جرعة المورفين الآن.. أنها تتألم بسبب مرضها وتتألم بسبب ألمك.. لا تكن أنانياً ودعها ترحل في سلام..

تلعثم حسن:

ـ ولكن.. ولكن.. هذا.. كيف.. كيف.. لا..

همست لورا:

ـ لا تستغل حبها لك ضدها.. واسمح لها بالرحيل..

خرجت من الغرفة وحسن ينظر لمنى بصدمة..

"أنا بعذبك يا منى!.. بعذبك بحبي؟!.. نفسي تفتحي عيونك لحظة واحدة.. لحظة واحدة يا منى.. عايز أقولك أن عمري ما حبيت غيرك ولا بصيت لواحدة غيرك.. عايز أقولك أنا آسف على كل لحظة وكل كلمة آذيتك بيها وعذري أني ما كونتش في وعيي.. لا.. لا.. ده مش عذر.. بس ما كونتش أقصد.. أنا كنت بعذب نفسي.. بضيع نفسي.. وأنتِ نفسي يا منى.. أنتِ أنا.. كنت بغيب عن الدنيا وارجع لك عشان ارجع لدنيتي بين ايديكِ.. سامحيني يا عمري.. يا أحلى حاجة في عمري.."

رفع يديها ليقبلهما وهو يهمس..

"عايزاني أحررك يا منى؟.. عايزة تسيبيني؟.."

هز رأسه بألم وهو يحبس دموع تحارب للهطول..

"آآآآه.. آآآآه.. شاور هقول حاضر.. حاضر يا منى.. حاضر هفك أسرك.. هنفذ لك آخر طلب.. خلاص يا منى.. خلاص.. "

هبط بشفتيه ليقبل رأسها هامساً ليرد على آخر ما همست به قبل أن تغيب عن عالمه..

"محمد رسول الله"..

ظل متمسكاً بكفها وعيناه تسمرت على وجهها.. ومرت ساعة كاملة قبل أن يعلن جهاز ضربات القلب سكون قلب طالما نبض بالحب.. الحب الطاهر البرئ..

تدافع عدد من الأطباء والممرضات إثر صوت الجهاز ليحاولوا انعاش قلبها عدة مرات.. ولكن فشلت جميع المحاولات.. ليلتفت الطبيب إلى حسن الذي تجمدت عيناه على المشهد:

ـ آسف.. لقد بذلنا كل المحاولات لانعاش قلبها ولكن...

قاطعه حسن بإشارة من يده ليصمت.. فأخفض الرجل بصره وهمس:

ـ آسف.. تقبل تعازيّ..

دلف الجميع إلى الغرفة.. ضم مازن شقيقه إليه بقوة بينما ظل حسن على جموده, عيناه شاخصة نحو منى فقط.. لا يشعر بمن حوله ولا يرى غير حياته معها مشهد تلو الآخر في شريط قاسي طويل ينتهي ليعود يكرر نفسه من جديد.. كل لحظة حب.. سعادة.. ألم.. قسوة..

"كم كانت الرحلة قصير يا منى.. قصيرة للغاية.. لم أستطع حتى التعويض"..

أيقظه صوت الطبيب يطلب من الجميع الخروج من الغرفة حتى ينتهي طاقم التمريض من عمله.. فخرجوا جميعاً يقدمون لحسن العزاء والمواساة.. وهو يحرك رأسه بلا معنى ولا يستوعب ما يخبرونه إياه.. حتى استفاق على جملة مازن:

ـ هوضب أنا كل الأمور عشان ناخدها مصر.. عشان.. الدفن..

كانت كلمته الأخيرة خافتة للغاية ولكن حسن شعر بها كطلقة رصاص تخت 


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close