اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم نهي طلبة 


الفصل الثاني والعشرون

أخذ حسن يقلب ألوان الطلاء بقوة في الدلو الكبير حتى يُظهر اللون المطلوب.. كان يضرب الألون بعنف شديد.. يماثل الغضب الذي يموج بداخله.. غضب نمى وتراكم مع الأيام.. غضب على الكل.. ومن الكل..

لا يريد أن يرسم لنفسه دور الضحية المظلوم.. كلا.. إنها اختياراته.. وطريق قرر اتخاذه.. ولا وقت للندم.. أو التراجع..

همسة بداخله ترددت..

"ويا ترى أنت فعلاً ماشي في طريقك صح؟"..

قذف العصا بغضب داخل الدلو الكبير فتناثرت قطرات من الطلاء على ملابسه ووجهه.. مسحها بذراعه بدون اهتمام.. ثم نهض ليخرج علبة السجائر من جيبه ويشعل إحداها.. اتجه نحو أقرب شرفة في المكان مبتعداً عن الفوضى التي أحدثها لينفث دخان سيجارته.. ويخرج معه.. غضبه.. ونقمته وذكريات صباح أحد الأيام الذي تبدل به كل شيء..

كان ذلك بعد عدة أيام من حديثه مع مازن ويزيد.. وبدا أن نصيحة يزيد قد نجحت بالفعل.. وبدأت تلك المسماه ابتسام اظهار بعض إمارات الامتعاض والتقزز كلما حضرت ووجدته يتناول طعامه مع زملائه, طعام شعبي بسيط.. أثار تقززها.. خاصة عندما تناول رشفة طويلة من كوب الشاي الثقيل, وبعدها مسح شفتيه يظاهر يده وهي تحادثه محاولة الوصول إليه.. وبدأ بتنفيذ بعض الأفعال.. التي لمحها من بعض زملائه كلما أتت.. ولم يكن ذلك بالشيء الصعب.. فهو كان قد التقط بعض السلوكيات تلقائياً نتيجة احتكاكه المستمر بهم.. حتى كان صباح ذلك اليوم.. وكانت قد تغيبت عن الحضور لعدة أيام وانقطعت اتصالاتها.. وبدا أن صديق يزيد قد نجح في تحويل اهتمامها عنه.. كان سعيداً وفي غاية الارتياح.. فبرغم تعقل منى وتيقنها من إخلاصه وأن تلك السيدة هي من تطارده, إلا أنها كانت تمر بنوبات غضب وغيرة لم يستطع احتوائها في بعض الأحيان.. وفي ذلك الصباح قرر أن يطلع شقيقه على الأخبار السعيدة.. ويطمئنه عن أحواله.. رمق ساعته التي تشير إلى السابعة والنصف.. فكر في الاتصال بمازن ولكنه تردد في إيقاظه, فجلس ينتظر باقي زملائه.. فمن المفترض أن يبدأوا العمل في السابعة.. ولكن في كل مرة تتحول السابعة لما بعد التاسعة, ولكنه بالرغم من ذلك يحضر يومياً في موعده.. ويجلس لينتظر.. تلك طبيعته.. ولم يستطع تغييرها..

قرر أخيراً الاتصال بشقيقه مجازفاً بإيقاظه.. رن الجرس عدة مرات.. قبل أن يفتح الخط.. ويصله صوت ناعم لامرأة ناعسة:

ـ آلــ..و..

تعجب بشدة ورمق شاشة هاتفه ليتأكد أنه اتصل برقم شقيقه.. حينما وصل إليه الصوت مرة أخرى كان بعيداً ولكنه تمكن من تمييز رنة الفزع به:

ـ آسفة والله يا مازن.. افتكرته بتاعي.. كنت نايمة وما اخدتش بالي...

كانت هناك زمجرة غاضبة.. ميزها على الفور.. أنه مازن.. شقيقه الذي سرعان ما وصله صوته:

ـ حسن.. صباح الخير.. خير؟.. في حاجة!.. أنت كويس؟

جاءه رد حسن بغضب:

ـ أنت فين؟.. ومين اللي ردت عليّ؟.. ده مش صوت مراتك..

تلعثم مازن قليلاً:

ـ حسن.. بص.. مش هينفع على التليفون.. أنا هشرح لك كل حاجة.. بس..

أغلق حسن الهاتف بعنف.. وبداخله ألف سؤال لا يود لهم إجابة.. بركان غضبه ثار فجأة.. بدون أن يجد له سبباً في الواقع.. فماذا يهمه إذا كان شقيقه خائن.. يخون زوجته.. وعائلته؟.. هذا لا يعنيه.. لا يعنيه البتة.. فلما يشعر بطعم الغدر المر يحرق جوفه.. لما؟.....

مرت فترة بسيطة.. حرق بها علبة سجائر كاملة.. ليجد مازن أمامه.. على وجهه ترتسم ملامح مبهمة.. وما أثار غيظ حسن أن الذنب لم يكن منها.. بادره مازن على الفور:

ـ حسن.. اسمعني.. دنيا مش ما زي أنت فاهم..

ردد حسن بتساؤل:

ـ دنيا!!.. اسمها دنيا؟..

زفر مازن بحرقة:

ـ حسن.. دنيا.. أنا أعرفها من زمان.. علاقتنا مش زي ما أنت فاهم..

رمقه حسن باحتقار.. واتجه إلى أحد دلاء الطلاء ليفتحه.. وبدأ الاعداد لعمله.. حين تردد صوت مازن يفسر بتردد:

ـ حسن.. دنيا في حياتي من قبل نيرة بكتير.. دنيا هي الحاجة الحلوة اللي مرت في حياتي.. شعور واحساس مختلف عن نيرة.. دنيا تبقى..

لم يكمل جملته فقد ألقى حسن بمحتويات دلو الطلاء نحوه هاتفاً بغضب:

ـ امشي من وشي يا مازن..

مد مازن يده في توسل ولكن حسن صرخ مرة أخرى:

ـ برررره..

خرج مازن بسرعة محاولاً تنظيف ملابسه على قدر الإمكان.. بينما تفجرت نار حارقة بأعماق حسن... نار عجز عن اخمادها.. نار لم يعرف لها سبباً.. ولم يهتم بالبحث.. فقط.. أراد الهروب.. الهروب من كل شيء.. فلم يستطع تحمل ما يرسمه له شيطانه, فاستجاب لشيطان آخر.. فحين عرض عليه الاسطى سُمعه.. إحدى سجائره.. قبلها بترحيب.. كأنه يريد الغوص بها بعيداً عن الواقع.. ومنذ ذلك اليوم وهو يتعمد تغيييب نفسه.. وكأنه امتهن الهروب بجانب النقاشة...

زفر بغضب.. متى ينتهي من تلك الدائرة؟.. متى يهرب من تلك الذكريات؟..

**********

وضع مازن نيرة على فراشها بحرص.. وهي ترسم ببراعة ملامح متألمة على وجهها.. أراح ظهرها على وسادة عريضة.. وعدل من وضعها لتكون أكثر ارتياحاً.. ثم رفع قدمها المضمدة على وسادة صغيرة برقة شديدة تعجبت منها للغاية.. وأخيراً جلس بجوارها يطوقها بذراعه وهو يسألها بحنان:

ـ هيه.. كده أحسن؟..

ألقت برأسها على كتفه.. ومدت يدها لتمسك بكفه بين أناملها وهي تسأله بدلال:

ـ أنت قلقت علي بجد!

تركها تعبث بأنامله.. بينما حرك ذراعه ليحيط خصرها ويقربها منه.. طابعاً قبلة خفيفة على جبينها:

ـ وده سؤال برضوه!!.. التليفون جاني وما وضحش في أيه.. أنا على ما وصلت كانت أعصابي اتدمرت..

لفت رأسها فسقطت شفتيها على عنقه.. لتطبع قبلة شقية عليها وتلاحظ تأثيرها عليه بسهولة حيث ازدادت وتيرة تنفسه وبرزت حنجرته بشدة..

بسمة خبيثة ارتسمت على شفتيها.. وهي تتوعده بداخلها.. هو يريد قلبها مستسلماً.. وهي تريده خاضعاً بالكامل.. وسلاحها أنوثتها.. حتى لو بدا ذلك ابتذال.. لا يهمها.. هو زوجها.. وهي تريده..

حركت رأسها فجأة.. وهي تمرر يدها بين خصلات شعرها وتنفضه قليلاً ليداعب وجه مازن بعبث.. جعله يلهث قليلاً وابتسمت هي بسعادة هاتفة بشقاوة:

ـ مازن.. ممكن تساعدني أغير هدومي..

اعتدل في جلسته وهو يرمقها ببلاهة وهي ترفع خصلات شعرها لأعلى وتوليه ظهرها.. لم يفهم.. ماذا تريد؟.. هل تريده أن يخلع عنها ملابسها؟..

جاءه صوتها تتذمر بدلال:

ـ ماااازن.. افتح السوستة.. عايزة أغير هدومي..

نظرة سريعة لوجهها في المرآة.. وأدرك أنها تتلاعب..

ابتسامة ساحرة ارتسمت على وجهه.. وهو يجمع شعرها من يدها ليبعده على أحد كتفيها.. وينفذ طلبها ببطء وأنامله تلامس ظهرها باستمتاع جعل ابتسامته تتسع وتتسع.. وهو يهبط بشفتيه يستبدلها بأنامله فشعر بها ترتجف تأثراً.. وتحركت مبتعدة عنه بسرعة وهي تهتف ووجنتيها تشتعلان:

ـ خلاص كفاية.. أنا هتصرف.. هات لي أي حاجة ألبسها..

تحرك ببطء نحو خزانة ملابسها وعيناه لا ترحماها.. سحب فستان طويل, رماه بين يديها.. واقترب ليهمس بجوار أذنها:

ـ خسارة.. كان نفسي أكمل..

شهقت بذهول واشتعل وجهها بأكمله.. ثم سمعته يكمل بشقاوة:

ـ وأقفلك السوستة..

طبع قبلة خفيفة على وجنتها وخرج من غرفتها وهو يطلق صفيراً طويلاً.. بينما هي كانت تراقبه مذهولة.. لقد خرج!.. تركها وخرج!!..

تكاد تقسم أنه تأثر بها.. مثلما فعلت هي تماماً.. ولكنه.. ابتعد..

ضغطت على أسنانها بغيظ حتى كادت أن تطحنهما.. لقد فشلت.. فشلت في التأثير عليه.. غمغمت في تصميم..

"ماشي يا مازن.. الجولة دي لك.. لكن الجاية هتكون لي.. وهتكون الأخيرة"..

وبالفعل.. لم تتراجع.. ولم تتنازل.. والتزمت فراشها.. تدعي عدم قدرتها على الحركة..

وفي المساء.. عندما دخل إلى حجرتها حتى يتناولا العشاء في حجرتها بناءً على طلبه.. وجدها جالسة على مقعدها أمام المرآة وقد ارتدت أكثر ملابسها احتشاماً.. ثوباً طويلاً يصل لما بعد كاحليها.. وله كمين طويلين يلتصقان بذراعيها.. ثم يتسعان عند المرفقين.. فيكشفان عن بشرة ذراعيها الناعمة كلما رفعتهما وهي تحاول تمشيط خصلاتها الطويلة.. وباقي الثوب كان مقفلاً تماماً عند الصدر والعنق.. أما لونه!!.. بالطبع.. أحمر..

ابتسم باعجاب.. لقد خالفت ظنه وغيرت قواعد اللعبة.. فقط لو يستطيع التأكد من إصابة قدمها..

تحرك بخفة ليقف خلفها وانحنى ببطء وذراعيه تلامسان ذراعيها يحتويهما برقة حتى لامس وجنتها ليطبع عليها قبلة عميقة وهو يهمس:

ـ امممم.. البرفيوم بتاعك يجنن..

أربكها.. للمرة الثانية يربكها.. ويسحب منها المبادرة.. لم تعرف بم تجبه.. ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت رفع ذراعيها لتكمل تمشيط شعرها.. ولكنه سحب منها الفرشة وبعثر خصلاتها بيديه.. ثم رفعها بين ذراعيه.. وهو يهس في أذنها:

ـ أنا بحب شعرك كده.. حر..

دفن رأسه بخصلاتها وهو يتشممها بشغف:

ـ رااائع..

لفت ذراعيها حول عنقه تتمسك به بقوة حتى لا تسقط من بين ذراعيه.. فلم تكن مستعدة لذلك الهجوم الحسي على مشاعرها.. ظنت لوهلة أنه سيحملها لفراشها.. خاصة وقد أخذ شفتيها في قبلة طويلة.. ولكنه أحبط أحلامها عندما أجلسها على مقعدها برقة بالغة وتحرك ليتخذ مكانه أمامها قائلاً:

ـ أنا طلبت منهم يعملوا كل الأكل اللي بتحبيه..

نظرت إليه بغيظ.. وكادت أن تنسى إصابتها المزعومة وتقفز على قدميها لتصرخ بوجهه.. ولكن بقايا من التعقل منعتها.. فجلست تتناول طعامها بصمت.. خيم عليهما الصمت لفترة.. ثم برقت عيناها ببريق ماكر قبل أن ترفع شوكتها نحوه هامسة:

ـ دوق كده من ايدي..

أمسك يدها وهي تضع الشوكة في فمه ليلتقطها بخفة.. ولم يترك يدها من يده بل همس في خبث:

ـ بس ده من الشوكة.. مش من ايدك!!..

رفعت حاجبها بتحدي.. وطالبته برقة:

ـ أكيد.. بس الدور عليك أنت بقى تأكلني..

ارتفعت ضحكاته عالية.. مما دفع ابتسامة إلى وجهها.. سرعان ما اختفت وهو يعود بيدها الممسكة بالشوكة ليضعها في فمها هي.. وهو يسأل بشقاوة:

ـ حلو كده..

امتدت السهرة بهما وهما يتبادلان الغزل ممزوج بوعود مبهمة.. وجاء الخدم ليرفعوا الطعام.. بعدها سألته نيرة:

ـ تحب نشغل أي موسيقى..

قاطعها قائلاً بعجلة:

ـ لا.. أنا خلاص.. اتعقدت من الأغاني.. بكل أنواعها..

ـ طيب.. ممكن تشيلني تواديني السرير؟..

رفع حاجبه بتساؤل:

ـ أومال اتحركتِ ازاي قبل اما أوصل؟..

رسمت معالم الإرهاق على وجهها وهي تخبره بألم:

ـ آه يا مازن.. اتحركت على رجل واحدة.... صعب قوي..

أرخت أهدابها لتخفي نظرات عينيها:

ـ ممكن بقى تساعدني..

حملها برفق وهو يضمها بقوة لصدره.. مستمتعاً بقربها الشديد منه.. وهي لم ترحمه, وهي تداعب خصلاته القصيرة بأناملها الرقيقة وتحرك وجهها على صدره ببطء هامسة:

ـ ياه يا مازن.. أنا مجهدة قوي.. عايزة أنام..

هتف بعجب:

ـ تنامي!!..

ـ آه هنام.. مجهدة بقولك!

تحرك بعنف ليضعها على فراشها.. لم يكن مراعياً لها.. بل شعرت بأنه يود لو يقذف بها فوق الفراش.. وسرعان ما نفذ هدفه فقذف بثوب نومها ليسقط أمام وجهها.. وهو يخبرها بغضب مكبوت:

ـ عايزة أي مساعدة تاني!..

هزت رأسها ببراءة واهتزت معها خصلاتها كما يعشقها.. وهمست:

ـ تصبح على خير..

خرج من حجرتها بسرعة.. ولكن بخلاف المرة السابقة كانت هي منتشية بانتصارها.. وهو يزفر غضباً..

استمر الحال بينهما على تلك الطريقة.. بين مد وجزر.. فكانت نيرة تتقدم نحوه خطوة لتعود خطوتين إلى الخلف.. وهو لم يترك فرصة لمشاكستها إلا وانتهزها.. ففي صباح أحد الأيام أيقظها بقبلة نهمة على شفتيها.. كان شغوفاً برقة.. والتفت ذراعاه حولها يضمها بقوة.. ويديه تتحرك بلا هوادة على جسدها.. حتى ظنت للحظة أنه سيندس بجوارها ليفعل زواجهما, ولكنه فاجأها كعادته بأن رفعها قليلاً وعبث بيديه بخصلاتها وهمس أمام شفتيها:

ـ صباح الخير..

برقت عيناها بشدة وهمست بدورها:

ـ صباح النور..

اعتدل في جلسته.. وأجلسها معه بحيث ظهرها قابل صدره وجدته يهتف بشقاوة:

ـ تصدقي أنا نفسي أمشط شعرك..

وأقرن قوله بالفعل.. فشعرت بأنامله تتخلل خصلاتها.. بعدها بدأ يمشط شعرها ببطء.. على الأقل هذا ما بدا.. ولكن ما حدث كان.. عذاب.. عذاب خالص.. فقد أشعل جميع حواسها.. بلمساته.. فمشط شعرها بيد.. وامتدت الأخرى لتتحرك ببطء.. من ذراعيها.. لكتفيها... وداعبت أنامله رقة ترقوتها لترتفع لعنقها بعبث جعلها غير قادرة على الصمود لمدة أطول.. وسرعان ما شعرت بشفتيه تمسحان عنقها برقة وسمعت همسه بجوار أذنها:

ـ أنا رايح الشغل.. عايزة حاجة؟.. أشيلك للحمام؟..

لم تصدر منها سوى هزة خفيفة من رأسها.. فقبلها على شعرها وخرج من غرفتها مغلقاً الباب خلفه بهدوء.. بينما هي أمسكت فرشاة شعرها لتلقيها نحو الباب بغضب.. وهي تتوعده.. لن تمررها له.. كلا.. لن تعلن الاستسلام..

وبالفعل نفذت انتقامها في صباح اليوم التالي.. فانتظرت موعد مروره الصباحي.. وكانت تعلم أنه سيكون متعجلاً ذلك الصباح لارتباطه باجتماع مجلس إدارة, أخبرها عنه الليلة الماضية.. فأعدت نفسها على عجل.. وارتدت أقصر ما تملكه من ثياب.. ثوب نوم حريري وردي اللون يتعلق على كتفيها بحمالتين رفيعتين.. ويلتصق بصدرها ليبرز امتلائه الخفيف ثم يتهدل على جسدها.. ليصل لبداية وركيها.. ورمت بجسدها جوار خزانتها.. حيث ثنت إحدى ساقيها.. وتركت الأخرى ذات الأربطة ممتدة أمامها.. وهزت رأسها بعنف.. فتبعثرت خصلاتها.. واحتقن وجهها.. وما أن شعرت بدخوله الغرفة حتى عصرت عينيها فترقرقت بالدموع وهي تلتقي بعينيه وترفع يدها نحوه هامسة بصوت ضعيف يحمل بحة محببة:

ـ مازن.. الحقني!!.. أنا وقعت!..

وقف أمامها وقد تجمد تماماً.. صعقه مظهرها الساحق.. كانت صورة صارخة للجمال بكل مقاييسه.. أيقونة للفتنة والاغواء.. بشرتها التي ظهرت أمامه.. تقريباً بأكملها.. لم تكن بيضاء شفافة كعادة الصهباوات.. لم تمتلك خيط نمش واحد كالمعتاد مع الحمراوات.. بل كانت بشرة وردية لامعة.. ولم يحتج للمسها ليدرك أنها تماثل الأطفال نعومة.. وكانت ترتدي ثوباً وردياً كاد أن يختفي لونه بين وردية بشرتها..

من قال أن الصهباوات لا يرتدين الوردي؟!!.. هو أبله بالتأكيد.. فالصهباء أمامه لا يجب أن ترتدي إلا الوردي.. وهو بخلاف الرجال عاشق لكل ما هو وردي.. وخاصة بشرتها الناعمة

أفاق على صوت بكائها:

ـ مازن.. مش هتساعدني!!..

تحرك ببطء محاولاً السيطرة على جسده.. وهو يدرك عبث المحاولة.. ولكن خيط بسيط من العقل أخبره أن فقدان السيطرة الآن ليس في صالحه.. ولا صالحها.. لا يضمن نفسه.. لا يضمنها على الاطلاق سيؤذيها.. بالتأكيد سيفعل..

وصل إليها وحملها بصمت.. حرص بشدة ألا يلامسها إلا للضرورة.. وضعها على فراشها برقة وابتعد سريعاً قبل أن تتمسك بعنقه.. كما كانت تنوي.. ولمع الغيظ بعيونها.. وأدرك هو لعبتها بسهولة.. ولكنه مازال متأثراً.. ثائراً.. وأيضاً غاضباً.. وظهر ذلك في صوته وهو يخرج أجش بنبرة غامضة:

ـ ايه آخرة اللعبة دي يا نيرة؟.. امتى هتفهمي أننا مش في حرب رابح ومهزوم؟..

رفعت رأسها له بغضب فبرقت عيناها الشبيهتين بعيون القطط.. وارتدت خصلاتها للخلف.. وظهر جمال عنقها وهي تتنفس بسرعة وتهتف:

ـ امتى أنت هتسامحني؟.. امتى هترضى؟..

مسح وجهه بكفيه وهو يزفر بيأس.. وقبل أن يتفوه بكلمة.. كان هاتفه يصدر رنين مزعج.. أجاب بتوتر.. فكان المتحدث والده يستعجل حضوره إلى الاجتماع..

اعتذر منها بغمغمة مبهمة وخرج سريعاً هارباً منها.. ومن غضبها.. وسؤالها.. بالفعل.. متى يرضى؟..

كان السؤال مازال يشغل باله طوال الاجتماع.. وغاب ذهنه تماماً عما دار به.. كما غابت باقي أحداث اليوم..

ضياع.. ذلك ما شعر به.. أنه بحاجة للراحة.. للهدوء.. لدنيا...

ودنيا جالسة أمامه الآن بغرفة مكتبه في شقتهما.. حيث افترشت بأوراقها أرض الغرفة.. ورفعت شعرها بعشوائية فوق رأسها حيث غرزت به أحد أقلامها.. ووضعت آخر بين شفتيها وهي تزمهما بفتنة محاولة حل معضلة تصميم ما ملقى أمامها بأحد الأوراق.. كانت غائبة تماماً عن الواقع حولها..

تكاد لا تشعر بوجوده حولها وهي غارقة وسط تصاميمها.. وهو جالساً خلف مكتبه يراقبها بصمت.. صمت خيم عليهما في الأيام السابقة.. بالتحديد بعدما أجابت على هاتفه عن طريق الخطأ.. وبعدها تدهورت علاقته بحسن تماماً.. وحملها هي الذنب.. رغم اعتذارها أكثر من مرة على خطأها الغير متعمد.. ولكنه كان في حالة من الغضب لم تسمح له بالغفران.. ومن جهة أخرى نيرة تضغط عليه بكل ما تملك من قوة اغراء وتأثير.. فشعر بأنه كحبة قمح بين شقيّ الرحى.. كم يحتاج إلى الراحة.. إلى النسيان.. والهروب..

التقط من طبق الفاكهة أمامه حبة كرز وألقاها نحو دنيا التي رفعت عينيها نحوه بغضب.. فسألها ببراءة زائفة:

ـ ايه.. جت فيكي؟..

اعتدلت في جلستها وهي تسأله:

ـ عايز ايه يا مازن؟..

أجابها بشغف:

ـ عسل..

رفعت حاجبها بغيظ:

ـ والله!!..

ضحك بتوتر:

ـ والله..

تأملته لوهلة.. تريد الاستجابة له.. ولكن شيء يمنعها.. تشعر تلك المرة بخطأ ما:

ـ جبرنا..

ضحك تلك المرة بخبث:

ـ طيب.. رقصة..

تأملته بحيرة ورددت:

ـ رقصة!!..

هز رأسه موافقاً.. فأجابته بغيظ:

ـ بعد كل التجاهل ده.. والغضب.. والخصام.. تيجي.. تاكل وتنام.. وكأنك قاعد في أوتيل.. كام مرة حاولت أعتذر.. وأنت مش راضي تسمع.. ودلوقتِ عشان...

قطعت كلماتها.. وهزت رأسها بحسم:

ـ عندي شغل كتير.. التصاميم دي لازم تكون في الورشة بكره الصبح..

اقترب منها ونزل على ركبة واحدة أمامها.. رفع ذقنها التي ترتعش غضباً وحزناً بأنامله:

ـ أنا آسف يا دنيا.. ما تزعليش.. اعذريني.. واستحمليني.. ما فيش حد بيفهمني ويستحملني غيرك..

رفعت له عينيها ودموعها تلتمع بهما.. فهبط برأسه ليتناول شفتيها برقة.. معتذراً هامساً:

ـ سامحيني بقى..

أنزلت رأسها بصمت.. ولم ترد.. فعاد يرفعه لها هامساً:

ـ لو عايزاني استنى هنا الليلة, هستنى معاكِ.. علشانك أنتِ..

هزت رأسها بحسم وتصميم:

ـ لا يا مازن.. مش الليلة.. مش هينفع..

نهض واقفاً على قدميه.. وقبل أن يخرج نادته:

ـ مازن..

التفت إليها وقد ظن أنها غيرت رأيها.. ولكنه وجدها تخبره ناصحة:

ـ اطلب من يزيد يتدخل بينك وبين حسن.. انتوا التلاتة كنتوا قريبين.. وهو أكتر واحد ممكن يأثر عليه..

أومأ برأسه موافقاً.. وهو يخبرها:

ـ ده اللي عملته فعلاً.. يزيد هيقابله الليلة.. تصبحي على الخير..

توجه إلى منزله وقد غمره إرهاق قوي.. لم يمر على غرفة نيرة.. فهو لا يمتلك طاقة لمزيد من المشاكسة معها.. كل ما يحلم به هو حمام دافئ يغمر به نفسه ويغيب به عقله..

توقف أمام غرفته وقد لفت نظره ضوء شاحب يظهر من تحت بابها.. امتدت يده ببطء ليفتحه.. ليجد عدد لانهائي من الشموع العطرية.. متناثرة بروعة في أنحاء الغرفة وقد ربط بين كل شمعة وأخرى مجموعة من أوراق الجوري الحمراء.. لاحظ أن الشموع يزداد تجمعها في منطقة معينة.. ويمتد أمامها مجموعة من الورود على شكل سهم.. رأسه يشير إلى.. إلى.. نيرة.. وقد لفت نفسها تماماً بورق هدايا لامع.. ربطته حول عنقها بشريط أحمر كبير.. والتف الشريط ليكون عقدة كبيرة على شكل فراشة فوق رأسها..

تجمد مازن تماماً.. بل صعق متجمداً.. لم يجرؤ حتى على اخراج كلمة من بين شفتيه خوفاً من اختفاء ما يرى..

التقطت عيناها نظراته الحائرة تحتويها برقة ظهرت في ابتسامتها المشجعة وملامحها الراغبة..

أشار بيده يتساءل عن هدفها.. فهزت كتفيها باستسلام:

ـ ما فيش حرب.. ما فيش مهزوم..

تأملها متردداً.. فعادت تهمس بنعومة:

ـ أنا جاية أصالحك اهوه.. مش هتفتح هديتك؟..

سأل بحيرة وهو يقترب منها:

ـ هدية!!..

أشارت له بعينيها.. ففهم أنها تقصد الشريط الأحمر حولها.. فاقترب منها أكثر وهو يهمس:

ـ ما فيش لعب؟.. ما فيش تحدي؟..

هزت رأسها بشقاوة وهي تزم شفتيها وقد طلتهما بلون وردي لامع.. وبدأت خصلاتها تفلت من الشريط الأحمر.. وهمست بإغواء:

ـ الهدية..

سحب الشريط الأحمر بسرعة ولهفة.. فانسدل شعرها ليغطي وجهها وظهرها.. وظهرت من تحت خصلاتها بشرتها الوردية وقد غطتها مجموعة متشابكة من الخيوط.. تشكل أصغر ثوب للنوم رآه في حياته..

جذبها نحوه بعنف.. ولكنها راوغته.. وهي تتجه إلى مشغل الإسطوانات.. وسرعان ما علت نغمات إحدى مقطوعات عمر خيرت.. وكانت موسيقاها كفيلة بإغراء الأحجار بالرقص..

اتجهت نيرة نحوه مرة أخرى بخطوات راقصة مدروسة.. اقتربت منه لتخلع عنه سترة بذلته ورابطة عنقه وتلقي بها بعيداً..

لمها بين ذراعيه ولكنها تمايلت على أنغام الموسيقى هامسة له بإغواء:

ـ ترقص معايا!..

انضم لها مازن.. واستمرت رقصتها بين ذراعيه لعدة دقائق قبل أن يقرر أنه اكتفى ويحملها إلى فراشه.. وجسده بأكمله ينتفض تأثراً بها.. وتوقاً إليها..

وبرقت عيناها انتصاراً.. وعقلها يردد في خفوت قبل أن يستسلم للمتعة بين ذراعيه..

"الاستسلام أحياناً.. لا يعني هزيمة.. بل قد يكون مقدمة لانتصار.."

************

رمى حسن جسده بإرهاق على الأريكة الكبيرة خارج شقته الصغيرة.. وألقى رأسه للخلف وهو يمسد جسر أنفه بإصبعيه السبابة والإبهام.. محاولاً إبعاد الصداع المؤلم عن رأسه.. ولكن بلا فائدة.. فألم رأسه نابع من التفكير.. تفكير مستمر لا ينقطع.. تزعجه أفكاره.. بل تقلقه.. فيهرب بها كل ليلة في دخان أزرق يعمي بصره وبصيرته.. ولكن الليلة مختلفة.. الليلة سحبه يزيد عنوة من وسط عمله.. ولم يسمح له بالبقاء مع أصدقاء الليالي السابقة..

ذهبا معاً إلى شقة يزيد.. الذي اصطحبه إلى شرفة واسعة معتذراً بحرج:

ـ معلش بقى يا أبو علي.. مش هينفع نسهر في أي مكان..

سخر حسن منه بفظاظة:

ـ ايه.. بتخاف من المدام!

هز يزيد رأسه مصححاً:

ـ بخاف عليها.. مش منها..

ثم استطرد متخابثاً:

ـ يظهر أننا هنبدل الأدوار..

رفع حسن رأسه بعنف.. وفي ذهنه تمر مشاهد له مع منى وهو يسيء لها مرة بعد أخرى وهتف بغضب:

ـ قصدك ايه؟..

وقبل أن يجبه يزيد وصلت "أم علي".. بصينية عليها عدة مشروبات باردة.. وتوجهت نحو يزيد متسائلة بوجه متجهم:

ـ أجهز العشا يا بيه؟..

كبت يزيد ابتسامة كادت أن تظهر على وجهه, فــ"أم علي".. بدلت معاملتها وتدليلها له فور أن علمت بوجود زوجة أخرى في حياته.. فأصبحت تعامله ببرود وجفاء شديد.. وإن ظن يوماً أن نيرة هي حماته.. فإن "أم علي".. قد يطلق عليها بجدارة.."عمله الأسود".. فهي لا تترك فرصة لتأنيبه وتقريعه إلا وانتهزتها.. بينما التزمت علياء الصمت كما اعتاد منها مؤخراً.. ولكنها لم تمانع مكوثه في حجرتها.. وهو أيضاً عجز عن الابتعاد..

ـ يـــا بيه.. أنت يا بيه.. أجهز عشا؟..

انتبه يزيد على صوت "أم علي" الأشبه بالصراخ.. وغمغم في نفسه..

"أنت يا بيه؟!.. ماشي"..

ـ لا يا ست أم علي.. حسن بيه متعود يتعشى مع المدام بتاعته..

ردت بصفاقة:

ـ وهو برضوه متجوز اتنين؟.. ولا زي مخاليق ربنا.. رضي بواحدة!

كاد حسن أن ينفجر ضحكاً من تلك السيدة التي تؤنب يزيد وكأنه طالب مشاغب.. وسمع يزيد يرد عليها:

ـ لا.. هو زي باقي مخاليق ربنا..

انطلقت "أم علي" تغرق حسن بدعواتها:

ـ ربنا يكرمك يا بني ويفتحها في وشك.. ويوسع رزقك.. و..

قاطعها يزيد:

ـ ادخلي كملي دعواتك له جوه.. وسيبينا نقول الكلمتين..

التفتت له "أم علي" بحنق:

ـ وأنت يا بيه هتبات هنا ولا في البيت التاني؟..

هتف بغيظ:

ـ وأنتِ يخصك ايه؟.. إذا كانت علياء ما بتسألش..

أخذت السيدة تغمغم بحنق:

ـ تسأل على ايه يا كبدي.. وأنت جايب لها الكتمة والسكات.. وأنا اللي كنت بقولها راضي جوزك.. وصالحيه.. أتاري قلبها مكسور يا حبة عيني و..

قاطعها يزيد بنزق:

ـ أنتِ بتقولي ايه؟.. سمعيني كده..

زمت شفتيها بحركة غاضبة:

ـ ولا حاجة.. هقول ايه؟.. بالإذن..

وتركتهما وهي تغمغم متحسرة على حظ علياء الذي أوقعها في وغد.. يهوى الزواج.. بينما انطلق حسن ضاحكاً بقوة حتى دمعت عيناه:

ـ يا نهار.. الست دي نمرة.. بس أنت ايه اللي مسكتك عليها؟..

رفع يزيد حاجبه وهو يخبره بغيظ:

ـ علياء بتحبها..

أومأ حسن بتفهم.. وانحسرت الضحكة عن وجهه وكلمة يزيد ترن في أذنيه "هنبدل الأدوار"..

ربت يزيد على كتفه بمودة ودعاه للجلوس:

ـ اقعد يا حسن.. عايزين نتفاهم..

ـ على ايه؟.

ـ اقعد بس وبلاش عِند..

جلس حسن بصمت وتناول أحد المشروبات الباردة وتجرعه مرة واحدة وامتدت يده ليمسح بها فمه كما اعتاد مؤخراً.. ورمق يزيد بتحدي أن يعترض.. ولكن يزيد بادره بالأهم:

ـ في ايه بينك وبين مازن؟..

ارتفعت رأس حسن بغضب وهب واقفاً:

ـ شيء ما يخصكش..

ـ لأ.. يخصني.. واقعد كده واستهدى بالله خلينا نعرف نتكلم..

جلس حسن مرغماً.. وسمع يزيد يخبره بتوتر:

ـ مازن.. حكى لي على اللي حصل..

قاطعه حسن بسخرية:

ـ قالك ايه؟.. أنه بيخون مراته وجوازهم ما مرش عليه شهر.. وأن..

أكمل له يزيد:

ـ أن دنيا في حياة مازن قبل نيرة.. أيوه.. عارف..

ارتد حسن في مقعده بتعجب وهو يهتف:

ـ وأنت ايه!.. عادي.. موافقه على اللي بيعمله؟..

سكت يزيد لبرهة وكأنه يفكر في كلماته قبل أن يقول:

ـ بص يا حسن.. دنيا.. نيرة.. مكان كل واحدة فيهم في حياة مازن شيء يخصه لوحده.. ما يخصش حد فينا.. لا أنا ولا أنت.. السؤال بقى.. ليه أنت زعلان من أخوك ومقاطعه؟..

انتفض حسن هاتفاً بغضب وهو يهب واقفاً على قدميه:

ـ ليه؟.. بتسألني ليه؟... بعد كل اللي حصل؟.. واللي عمله ليلة الحفلة؟.. وأنا اللي كنت فاهم أنه بيعمل كده عشان بيحب نيرة.. واتحملت..

قاطعه يزيد وهو يقف بدوره:

ـ اتحملت ايه يا حسن؟.. مش كل اللي أنت عملته كان عشان ترتبط بالإنسانة الوحيدة اللي حبيتها.. ولا أنا غلطان؟.. يفرق معاك في ايه إذا كان مازن بيحب نيرة أو لأ؟..

هتف حسن:

ـ تفرق.. تفرق.. تفرق في..

سكت حسن ولم يستطع اخراج أفكاره السوداء في كلمات.. فربت يزيد على كتفه بعطف وهو يكمل:

ـ تفرق أن مازن حقق كل اللي هو عايزه من غير ما يخسر حاجة, وأنت خسرت كل حاجة؟.. ده قصدك؟..

تهالك حسن على أقرب مقعد وهو يهز رأسه رافضاً بينما يزيد يكمل:

ـ بص يا حسن.. حياة مازن الشخصية كتاب مقفول.. ما فيش حد يقدر يعرف جواه ايه.. كل اللي اقدر اقولهولك وبمنتهى الأمانة.. أن ما فيش حد فيكوا كسب كل حاجة.. وبرضوه ما فيش حد خسر كل حاجة.. وعلى فكرة.. دينا تبقى مرات مازن.. أخوك لا بيُعك.. ولا هو من النوع ده..

كرر حسن بذهول:

ـ مراته؟.. مراته ازاي؟.. و..

قاطعه يزيد ثانية:

ـ شيء ما يخصش حد فينا.. اللي يهمني سؤال واحد.. أنت فعلاً بتعتقد أن مازن خطط ودبر عشان يستولى هو على الشركة؟..

رفع حسن عينيه بصدمة وقد واجهه يزيد بأسوأ أفكاره وأقسى شياطينه.. فأكمل يزيد وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة:

ـ مصدوم ليه؟.. مش هي دي الأفكار اللي قلبت كيانك.. وبعدتك عن أخوك؟..

نهض حسن بعنف منهياً الحوار ومتحدياً يزيد أن يوقفه وتوجه نحو باب الشرفة.. ثم التفت إلى يزيد هاتفاً بخشونة:

ـ أنا عايز أمشي.. تصبح على خير..

ربت يزيد على كتفه وهو يصطحبه لباب الشقة مدركاً أنه يحتاج للانفراد بنفسه وترتيب أفكاره.. ولكنه أضاف قبل أن يودعه:

ـ أنت من جواك عارف الاجابة يا حسن.. ما تسيبش نفسك لشيطان غبي.. هيخسرك كل حاجة..

تبادلا النظرات لعدة ثوانٍ قبل أن يخفض حسن بصره.. فسأله يزيد بمودة:

ـ تحب أوصلك؟.. الوقت اتأخر..

هتف حسن بفظاظة:

ـ توصلني!.. شايفني نوغه قدامك.. ادخل لمراتك ولا هتنام في البيت التاني!

دفعه يزيد بمداعبة مغتاظة:

ـ طيب.. مع السلامة ياللي مش نوغه.. أصل الحكاية ناقصاك.. مش كفاية علي عملي الأسود اللي جوه..

رفع حسن يده محيياً وانطلق في طريقه.. وفي رأسه تتصارع الأفكار.. وسؤال يزيد اللائم يتردد بقوة..

"أنت فعلاً بتعتقد أن مازن خطط ودبر عشان يستولى هو على الشركة؟"..

وبداخله يتردد سؤال أقوى..

"أنا ازاي فكرت في كده؟.. ولا ده بداية ندم على قرارات أنا أخدتها ودلوقت عايز أحمل أي حد عواقبها؟"..

وسؤال آخر أكثر ازعاجاً.. وأكثر إيلاماً..

"هل يستحق الحب كل تلك التضحية دي؟.. هل تستحق منى؟.. هل........

وأخيراً سقط نائماً هرباً من كل أفكاره وشياطينه.. ليوقظه صوت منى القلق:

ـ حسن!!.. حسن!!!.. حسن.. رد علي الله يخليك أنت كويس؟..

اقتربت منه تجلس على ركبتيها ويدها تملس على شعره بحنان وقلق خالص ينطق به صوتها.. وحب خام يصرخ بعينيها مع هتافها:

ـ حــــســــن.. رد..

وضاعت باقي كلماتها بين شفتيه.. وهو يأخذها بقوة.. بعنف.. بيأس.. باحتياج.. بل.. اجتياح


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close