اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم نهي طلبة 

الفصل الحادي والعشرون

وقفت نيرة أمام المرآة.. وهي تنهي اللمسات الأخيرة لزينتها.. وعقلها يراجع خطة تقربها من مازن للمرة المائة.. فكرت أن تقدم اعتذار بسيط.. ولكن غريزتها أنبأتها أن ذِكر حسن بينهما لن يسبب إلا المشاكل.. فقررت أن تظهر اهتمامها.. بالفعل.. سهرة منزلية.. وعشاء شهي على أضواء الشموع.. فستان أسود من الحرير الناعم.. ذو فتحة عنق مهولة تكاد تصل إلى بداية معدتها.. يكشف عن عنق مرمري ناعم تعلقت به قلادة تتدلى لتداعب فتحة فستانها مع كل التفاتة منها.. جمعت شعرها في لفة راقية خلف عنقها.. وأتقنت زينة وجهها.. بالكامل.. ظلال الجفون أسود.. وحمرة قانية للشفاه.. وعطر يغري الحجر..

ألقت نظرة أخرى واثقة على نفسها ومنحت وجهها الفاتن قبلة..

وما أن سمعت صوت محرك سيارته يعلن عن وصوله حتى تحركت بسرعة لتكون في استقباله.. نزلت درجات السلم بسرعة تلتف حول ركبتيها أطراف ثوبها الحريري.. وتصاحبها غيمة من عطرها المغري..

صوت طرقات الكعب العالي على درجات السلم لفتت انتباه مازن على الفور فرفع رأسه ليتجمد تماماً تحت تأثير هيبة جمالها..

كانت جميلة.. بل فاتنة.. مبهرة.. لم يخطئ من أسماها نيرة.. فجمالها ينير عالمه.. حتى ولو هرب منها.. من تأثيرها عليه.. ولكنه.. يعي تأثره به جيداً.. وكما يبدو هي أيضاً أدركت من تعابير وجهه انبهاره بجمالها.. فأبطأت من خطواتها الراكضة.. وتحركت بثقة نحوه.. ولكنها لم تستطع التحكم في أنفاسها اللاهثة وهي تقف أمامه.. تواجهه..

ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه وهو يتناول يدها ليطبع عليها قبلة رقيقة.. ويتأمل لهفة ملامحها لإطراء منه.. ولكنه ظل صامتاً وعيناه تجوبان ملامحها في لهفة وحب وكأنه يبحث عن ارتواء.. اشباع.. فقط من ملامحها..

سألته أخيراً بهمس:

ـ إيه رأيك؟.. عجبتك؟!..

قربها منه بشدة ونظرات عينيه تركزان على حمرة شفتيها وهمس أمامهما:

ـ فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً.. فالصمت في حرم الجمال.. جمال

ابتسمت بسعادة وهي تهتف:

ـ الكلام الحلو ده علشاني؟..

لف خصرها بذراعه هامساً بشقاوة:

ـ لو الجمال ده كله عشاني يبقى الكلام الحلو أكيد عشانك..

قهقهت تلك المرة بسعادة بالغة وهي تستشعر عودة مازن القديم.. مازن الذي كان يتفنن في تدليلها ويغرقها بعواطف لم تعرف مثلها أبداً..

هي على الطريق الصحيح إذاً.. تحقق نجاحاً.. مظهرها فقط جعله يلقي على أذنيها بكلمات الغزل..

فماذا سيفعل عندما يرى ما قامت به من أجله!!..

سحبته من يده وهو كان منقاداً لها تماماً.. فقلبه يقفز بجنون داخل صدره.. سعادة وفرحة حمقاء تنتفض بداخله منبعها إحساسه أنها تريد إرضائه..

تحرك معها بسلاسة لتصطحبه إلى غرفة الطعام.. حيث اصطفت أطباق الطعام.. وغابت الأنوار تاركة السطوة لضوء الشموع.. لتتراقص الخيالات حولهما وهي تتعلق به وتلف ذراعيها حول عنقه هامسة:

ـ نرقص؟..

ضمها لصدره ولف بها ومعها في الغرفة حتى اقتربا من جهاز تسجيل حديث.. فقامت بتشغيل الأغنية التي رقصا عليها ليلة زفافهما.. وهمست:

ـ هنرقص عليها لآخرها المرة دي.. ممكن؟!..

رمق نظرات عينيها المتوسلة.. وتعابير وجهها الملهوفة بتردد.. فرغم سعادته لما تبذله من جهد لتنال رضاه, إلا أنه أصبح يمقت الأغنية وكل ذكريات تلك الليلة البعيدة.. وصله صوتها متوسلاً:

ـ مازن.. بليييييز.. عشان خاطري..

هز رأسه برفض رقيق.. واختار أغنية أخرى وهو يهمس:

ـ هنرقص بس مش سلو.. اسمعي الأغنية دي.. كلماتها تحفة..

وبالفعل ارتفعت النغمات.. ليلف بها عدة مرات حول مائدة العشاء.. ذراعه حول خصرها.. نظراته تتواصل بنظراتها وكأنما يربطهما خيط غير مرئي.. عيونه بها تساؤل.. تجيبه هي بتوسل.. فتجوب نظراته وجهها الفاتن..

ويضمها إليه أكثر.. بينما تتعالى الكلمات الرقيقة..
قل لي- ولو كذباً- كلاماً ناعما ً
قد كاد يقتلني بك التمثال..
مازلتِ في فن المحبة.. طفلةً
بيني وبينك أبحر وجبال
لم تستطيعي -بعد- أن تتفهمي
أن الرجال جميعهم أطفال

فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً
فالصمت في حرم الجمال.. جمال..

كلماتنا في الحب.. تقتل حبنا..
إن الحروف تموت حين تقال..
تتقابل الشفاه أخيراً.. قبلة خاطفة.. وكأنها تساؤل معلق بينهما..

نظراتها ترتفع إليه وكأنها تصرخ.. "خذني".. وتستجيب شفتيه لتمنحها قبلة.. قبلة عشق تلك المرة.. فضم شفتيها.. داعبهما.. قبلهما.. بل كاد يلتهمهما وهو يعمق القبلة لتصبح أقوى.. وأعمق وأكثر إثارة.. حتى أن نيرة لم تحتمل اندفاعه.. فحركت وجهها تدفنه بجانب عنقه.. تهرب قليلاً بمشاعرها التي بعثرها..

ماذا يحدث لها؟.. لقد ظنت أنها ستسيطر عليه.. تستعبده وتستغل حبه.. فيذوب عشقاً بهواها وتبجيلاً لجمالها.. ولكنها هي الآن من تغرق.. تغوص ببحر من الرمال التي تبتلعها.. وهي حتى عاجزة عن المقاومة.. يجب أن تكون هي المتحكمة.. المسيطرة.. فهو من يحبها.. هو العاشق.. أنها مستمتعة فقط بذلك العشق.. ذلك التميز..

تعالت الكلمات مرة أخرى..
قصص الهوى قد جننتك..

فكلها....
غيبوبة.. وخرافة.. وخيال
الحب ليس رواية يا حلوتي..
بختامها يتزوج الأبطال.

مشاعرها تتجاوب.. بقوة.. تكاد تخضع.. كلا.. فكرت بعنف.. يجب أن تهدأ قليلاً.. لن تستسلم الآن.. فلتتركه يحترق قليلاً كما تركها في بؤسها لأيام..

همست له برقة:

ـ نتعشى بقى؟..

توقف عن الرقص وهو يردد بذهول:

ـ نتعشى!!..

سحبته من يده وأجلسته على رأس المائدة.. وسحبت مقعداً وجلست بجواره وهي تبتسم محاولة السيطرة على اضطراب مشاعرها:

ـ الأكل يجنن.. دوق بس كده..

ابتسم ليجاريها:

ـ يا ترى أنتِ اللي طبختِ؟..

تلعثمت قليلاً:

ـ أنت عارف أني ماليش في الطبيخ والكلام ده.. بس أنا أشرفت على توضيب كل حاجة..

همس وقد برد اندفاعه قليلاً:

ـ وماله.. نبتدي خطوة.. خطوة..

أخذا يتناولا طعامهما في صمت متوتر.. فالمشاعر المتطايرة في الجو كانت أكبر من أن تحتويها تلك الغرفة رغم اتساعها..

هو وقد وصل صبره لمنتهاه.. يريد حبيبته.. من ضحى وواجه شقيقه من أجلها وكاد أن يخسره ليحصل عليها..

وهي مشتتة.. في أعماقها تتساءل عن تلك المشاعر التي تجذبها لمازن على الرغم من تيقنها بأنها لم تتغلب على حبها وخيبتها من حسن..

رنين الهاتف أوقف تيار المشاعر الملتهبة.. ليرد مازن بقلق.. فقد كان المتحدث والده.. أخذت نيرة تتابع ملامح مازن وانفعالاته وهو يحادث والده..

أعجبهتها سيطرته على مجريات الحديث.. كان يناقش والده بخفوت وحزم.. وكادت المكالمة أن تنتهي حين سمعته يذكر حسن.. ويكرر على والده الطلب بأن يعفو عنه.. أو على الأقل يخفف من حصاره.. وضعت شوكتها بهدوء متوتر وعيناها تتابع الحوار باهتمام لم يخفَ على مازن.. وأدركت هي ذلك فلعنت غبائها بصمت ولكنها لم تستطع منع نفسها من التساؤل بصوت عالٍ وكان مازن قد أنهى المكالمة للتو:

ـ هو أونكل حاتم هيسامح حسن خالص؟.. يعني هيرجعه للشركة؟..

أجابها بغضب مكبوت:

ـ يهمك اوي أن حسن يرجع؟..

تلعثمت:

ـ لا.. أنا أقصد..

قاطعها وهو ينهض بعنف:

ـ متشكر قوي على العشا.. الأكل كان لذيذ فعلاً..

نهضت خلفه لتتمسك بذراعه:

ـ مازن.. استنى بس..

التفت لينظر لها وهو يحاول احتواء خيبة أمله:

ـ خير.. في حاجة؟..

ـ يا مازن مش كل مرة تغضب وتبعد.. أرجوك..

هز رأسه بحزن:

ـ يمكن أنا غلطان أني بعدت.. لكن ده بيكون رد على غلطك أنتِ.. أنا مش هشرح لك أو أوضح لك الوضع معقد ومكلكع قد إيه.. لازم تكوني أنتِ حاسة.. أنا ظنيت للحظة أن الرسالة وصلتك.. بس يظهر.. أننا لسه محتاجين وقت أطول..

هو أن نثور لأي شيء تافه..
هو يأسنا.. هو شكنا القتال..
هو هذه الكف التي تغتالنا..
ونقبل الكف التي تغتال..

وصلته كلمات الأغنية وكأنها تصف حاله فأغمض عينيه قليلاً وتحرك ليرفع كفها يقبله:

ـ الأغنية.. دي قصيدة لنزار.. كملي باقي أبياتها.. يمكن.. يمكن..

لف ليخرج من الغرفة بينما هي تصرخ من خلفه:

ـ رايح فين؟..

ابتسم بغموض:

ـ للدنيا الواسعة..

خرج وتركها تغلي غضباً وغيظاً وقد فشلت خطتها للتقرب منه واسترداد اهتمامه.. التفتت للمائدة التي أعدتها من أجله لتجذب المفرش بقوة وتحطم ما فوقها.. وتدوس فوق حطام الأطباق بغيظ.. وبداخلها يتردد كيف تفشل في الوصول إلى مازن.. العاشق المتلهف.. بينما تنجح علياء بطفولتها في السيطرة على يزيد بجنونه.. ومنى تتغلغل داخل حسن برقته وحنانه..

أعادت مجريات السهرة في ذهنها.. لتقف عند مكالمة والده.. وبداخلها يكبر الإحساس أنه تعمد استقبال المكالمة وذكر حسن ليختبر ردة فعلها..

"غــــــــــبية"..

صرخت بقوة.. وهي تدرك أنها فشلت في اختبار أحمق.. تدافعت الدموع خلف جفنيها, ولكنها أحكمت سيطرتها عليهم.. كلا.. لن تبكي.. ولن تعترف بالفشل.. ستصل لزوجها.. وستسيطر على قلبه ومداركه.. فقط تحتاج إلى الهدوء.. والصبر.. وسياسة النفس الطويل..

ركضت إلى غرفتها.. لتبحث عن باقي القصيدة كما أخبرها.. لتتساقط دموعها تلك المرة وهي تقرأ..
لا تجرحي التمثال في إحساسه
فلكم بكى في صمته.. تمثال..
قد يطلع الحجر الصغير براعماً
وتسيل منه جداولٌ وظلال
إني أحبك من خلال كآبتي
وجهاً كوجه الله ليس يطال
حسبي وحسبك.. أن تظلي دائماً
سراً يمزقني.. وليس يقال

*************

فتحت علياء عينيها بصعوبة.. وبأذنيها يتردد همس يزيد, بل هو صخب.. صخب ضربات قلبه الهادرة والتي تستشعرها تحت وجنتها.. ومداعباته المستمرة لها حتى تستيقظ تماماً.. فسمعته يهمس وهو مستمر بمداعبته لعنقها طابعاً قبلات عميقة وحسية:

ـ علياء.. علياء.. ردي عليّ.. معقولة طول الليل من غير ولا كلمة..

عدلت من وضع رأسها لتضعه فوق ذراعه.. ورفعت عينيها إليه لتلتقي نظراتهما.. حديث طويل تبادلاه بدون كلمة واحدة.. نظراته تفضح شوقه.. توتره.. احتياجه الذي عجز عن التحكم به.. ونظراتها مليئة بالخجل.. والخزي.. فهي من ضعفت.. هي من ذهبت إليه.. وهي من تبكي دائماً..

التقط دموعها بشفتيه وهو يمرغهما في وجنتيها هامساً:

ـ دموع!!.. دموع ليه يا علياء؟..

لم ترد عليه بل دفنت وجهها بتجويف عنقه وسكنت تماماً.. فهمس بلوعة:

ـ سكوت!!.. سكوت ودموع؟؟.. علياء!!..

كانت تسمع توسله في نبرة صوته وأرادت أن ترد.. أن تقول أي مما يجول بذهنها.. ولكنها عاجزة.. فقط عاجزة عن فتح شفتيها للكلام.. عن تحريك لسانها.. تصطف الكلمات وتتدافع بين ثنايا عقلها ولكنها ترفض التحرك خارجه.. أنها لم تصاب بالخرس.. هي متأكدة.. فهي تحادث نيرة.. و"أم علي"

باستمرار.. فقط تنتابها حالة الخرس معه.. خرس غريب قد تطلق عليه "الخرس اليزيدي"..

طرقات قوية على باب الغرفة أفزعتهما معاً وصوت "أم علي" يدوي:

ـ سي يزيد.. سي يزيد بيه.. الحقني يا سي يزيد بيه.. الست عليا مش موجودة.. مش لاقياها في الشقة.. يا سي يزيد..

دفنت علياء رأسها بصدر يزيد لتخفي وجهها الذي اشتعل حرجاً.. وكأن "أم علي" تمتلك القدرة على الرؤية من خلال الباب المغلق.. بينما يزيد لا يتوقف عن اطلاق السباب..

وأخيراً ارتفع صوته حتى يسكت صرخات "أم علي":

ـ خلاص.. خلاص يا ست أم علي.. علياء معايا هنا.. ما تقلقيش عليها..

سمعا صوت ضحكات "أم علي" الخجولة وصوتها يهتف:

ـ يا نهار الهنا.. أنا هروح أحضر لكوا فطار معتبر..

جلست علياء في الفراش وهي تخفي وجنتيها المشتعلتين بكفيها, ثم تلفتت حولها باحثة عن منامتها.. حينما شعرت بيزيد يتحرك من الفراش ويمد يده إليها بروب طويل يخصه وهو يردد:

ـ ما فيش حتى صباح الخير.. وحشتني.. أي كلمة تبل ريقي..

تمسكت بالروب وعينيها تتسعان غير قادرة على إجابته بالكلمات.. أي كلمات تلك التي يبحث عنها.. وهي من أظهرت بكل وسيلة أخرى مدى اشتياقها له..

ارتدت الروب وتحركت لتخرج من الغرفة حينما وصلها صوته:

ـ استعدي عشان هنروح متابعة الحمل بعد الفطار..

لمعت عينيها اندهاشاً لتذكره الموعد.. وهزت رأسها موافقة.. فتحت الباب لتجد "أم علي" في مواجهتها.. فسحبتها إلى غرفتها وهي لا تكف عن الثرثرة.. وإطلاق النصائح وتهنئتها لأنها "خزت الشيطان وصالحت جوزها"..

اغتسلت سريعاً ومشطت خصلات شعرها القصير.. وخرجت لتجد يزيد متجهاً بدوره ليتناول الافطار.. اصطحبها ليجلسا سوياً.. فوجدت "أم علي".. قد أعدت مائدة حافلة.. كانت جائعة بالفعل.. فبدأت في التهام طعامها بتلذذ تحت أنظار يزيد المذهولة.. رمقت ذهوله للحظات.. ثم استمرت في تناول طعامها.. ولكنه ظل يناظرها بتعجب.. وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة.. سرعان ما تحولت إلى ضحكة عالية وهو يسألها:

ـ إيه اللي أنتِ بتعمليه ده؟!

انطلق لسانها بدون إرادة منها وهي تجيب بدفاع:

ـ بآكل.. أنا جعانة قوي..

توقفت ضحكاته وهو يدرك أنها تحادثه.. تحادثه بالفعل.. بعد خصام أيام, بل أسابيع.. يعود صوتها الناعم ليداعب أذنيه مرة أخرى.. بينما هي وضعت أناملها على فمها وكأنها تتعجب لما قالته.. عادت ابتسامته لتتسع وهو يمد يده ليمسك كفها ويقبل أناملها بمتعة شديدة هامساً:

ـ وماله يا حبيبتي.. براحتك.. بس يعني هو البيض حلو بالمربى.. مش جديدة الوصفة دي!!..

نظرت إلى البيضة المسلوقة في يدها وقد غمستها في طبق المربى.. وابتسمت بحرج.. ثم أكملت طعامها.. تحت نظراته.. كيف تستطيع اخباره أن طعم البيض بالمربى في فمها الآن أروع من طعم الشيكولاة بالكرز...

أنقذها صوت أم علي وهي تخبر يزيد ببشاشة:

ـ سيبها يا سي يزيد بيه.. ده وحم.. هي بتتوحم على المربى.. اسم الله عليها.. بتغمس كل حاجة بالمربى..

ابتسم يزيد لها وضغط على أناملها بحنان وهو يسألها:

ـ بتحبي المربى كده!.. غريبة.. ما كنتيش بتاكليها أبداً..

تضرجت وجنتيها وهي تعي مراقبة "أم علي" لهما.. ورسخت كلماته في ذهنها تخبرها أنه يعلم ما تحب وما تكره.. شجعها ذلك لتخبره عن اقتراب موعد دخولها للكلية.. ولكن عادت حالة الخرس اليزيدي تتلبسها..

فأخذت تفرك أناملها في كفه.. حتى أمسكها وهو يقترب منها هامساً:

ـ دخول الكلية هيكون أول الاسبوع.. صح؟..

أومأت موافقة برأسها.. فعاد يهمس:

ـ خلاص يا علياء.. هوصلك وأجيبك.. ولو ما اقدرتش.. هيكون في سواق وفرد أمن معاكِ على طول.. بس المهم أنك ما ترهقيش نفسك..

سكت قليلاً ينتظرها لتجبه ولكنها ظلت صامتة.. فهمس بحزن:

ـ خصامك صعب قوي يا علياء..

رمقته بنظرة خاصة تنبهه لوجود "أم علي".. فالتفت لها ليصرفها بسرعة.. ويجذب علياء ليجلسها على ركبتيه.. وهو يداعب عنقها ويجري بظهر أصابعه عليه بشغف:

ـ تلبسي حاجة مقفولة.. وكمان كوفيه أو اسكارف.. مفهوم؟..

هزت رأسها رافضة.. يقودها شيطانها لتستفزه.. شيء ما يدفعها لتثير غضبه.. يبدو أنها هرموناتها تتقافز بدون وعي منها.. ولكنه أجاب على استفزازها بطريقة عملية بحتة.. حيث ضمها بقوة ليطبع على عنقها قبلة قوية.. قبلة حب.. قبلة طالت واستمرت وتطورت حين انتقل لشفتيها... وأخيراً رفع رأسه يخبرها بمتعة وهو يداعب جزء من عنقها وقد ظهرت عليه علامة واضحة نتيجة قبلته النهمة:

ـ كده لازم هتغطي رقبتك.. مش بمزاجك على فكرة.. الجمال ده بتاعي وماحدش يمتع عيونه به أبداً.. مفهوم؟؟

ثم ساعدها لتنهض على قدميها وهو يحثها على تبديل ملابسها.. حتى يلحقا بموعد الطبيبة...

وهناك في عيادة الطبيبة وعلى سرير الفحص.. حيث استلقت علياء لإجراء سونار للاطمئنان على الجنين.. ابتسمت الطبيبة ببشاشة وهي تخبر علياء ويزيد:

ـ يا ترى عايزين ولد ولا بنت؟..

سألها يزيد بلهفة:

ـ هو ممكن نعرف دلوقتِ؟..

ضحكت الطبيبة لتخبره بحرفية:

ـ لا.. ممكن كمان شهرين.. بس دلوقتِ ممكن أقولكوا مبروك.. مبروك يا علياء.. أنتِ حامل في توأم..

اتسعت عينا يزيد وهو يبحلق ببلاهة في شاشة المينتور والطبيبة تصف له كيسي الحمل وامتدت يده ليتمسك بكف علياء وهو يرغب بشدة في تقبيلها وتقبيل أولاده بداخلها.. ضم كتفيها بذراعه هامساً:

ـ مبروك يا أم العيال..

************

أتى صباح ذلك اليوم غريباً على زوجين كانا منذ وقت قريب يتقاسما البسمة قبل اللقمة.. حيث تكومت منى على أريكة قديمة وقد التفت بمئزر منزلي ينتمي لحسن.. وكأنها تستدعي حبيبها القديم.. تلتحف به لتستجير به منه.. حسن عاشقها.. حسن من حارب الجميع من أجلها.. ليس هو من حاول أخذها عنوة ليلة أمس.. والليلة التي قبلها.. والتي قبلها..

كانت تستسلم له في كل ليلة حتى لا يتحول حبهما إلى كائن بشع مشوه الهيئة.. سمحت له بمعاملتها بقسوة وهمجية حتى لا تتحول إلى امرأة اغتصبها حبيبها.. ولكن ليلة أمس.. لم تستطع.. فقط عجزت عن احتمال المزيد.. فهي للحظة تاهت عن نفسها.. لحظة أدركت فيها أن منى تضيع.. لحظة واجهت نفسها بأن حسن على وشك الاستسلام.. ليتحول إلى الأسطى حسن.. كما كان يداعبها في بداية عمله.. ليس أن عمله كعامل نقاشة مشين.. أو مسيء.. ولكن اندماجه مع مجموعة عمله الجديدة ومسايرته لهم تشي بأنه سلك طريق الضياع..

المرأة المضحية بداخلها تمردت.. ورفضت مزيد من الاستسلام لقسوته...

تحسست كدماتها بألم وهي تتذكر قوته التي يستخدمها لأول مرة ضدها.. قسوته التي تختبرها للمرة الأولى.. بوهيميته وعنفه.. وهو ينهرها حتى لا تناقشه في سلوكياته.. تغيره الذي بدأ يظهر جلياً.. فلم يعد يلتصق بها كما في بداية زواجهما, بل استهوته جلسات زملائه ممن يدعوهم أصدقائه الجدد واندمج بشدة في سهراتهم وجلساتهم على المقهى.. وتكاد ترتعش عندما يمر بذهنها مكان أكثر بشاعة من مقهى بريء..

صوت جريان الماء أنبأها باستيقاظه.. فمسحت دموعها بسرعة.. وأعدت الإفطار على عجل.. وما أن انتهت حتى وجدته أمامها.. يرمقها بنظرات قلقة.. فآثار عنفه ظاهرة على عنقها وما ظهر من صدرها وساقيها..

رمقته بلوم.. نظراتها تعاتبه.. تلومه.. تجلده.. تسلخه.. أخفض عينيه حتى لا يواجهها.. فهتفت به:

ـ ما تخبيش عينيك عني يا حسن.. بتنزلهم ليه؟.. مكسوف ولا حاسس بالذنب؟..

نفض إحساسه بالذنب سريعاً.. وركبته العصبية التي لازمته مؤخراً وهو يجذبها من ذراعها:

ـ وأنا هتكسف ليه؟.. وليه الذنب من الأساس؟!.. أنتِ ناسية..

قاطعته وهي تجذب ذراعها من قبضته بعنف:

ـ أنك بتاخد حقك.. وإني مراتك ولازم أسمع الكلام.. صح؟..

التفت يوليها ظهره وهو يشعل سيجارته.. فتقافزت الشياطين أمامها لتجذب اللفافة المشتعلة من بين شفتيه بعنف وهي تصرخ:

ـ سجاير قبل الفطار.. ويا ترى دي سيجارة بريئة ولا..

سحب اللفافة المشتعلة من يدها ويده ارتفعت في الهواء لتمنحها صفعة.. شيء آخر جديد عليها لتناله من حبيبها.. نظرتها المذهولة بفزع جمدت يده في الهواء..

ليخفضها ببطء.. ويخفض نظراته معها.. ويهمس وهو يتحرك ليخرج:

ـ أنا هتأخر الليلة.. ما تسهريش تستنيني..

كان جسدها كله ينتفض ومشهد يده المعلقة في الهواء لا يغيب عن ذهنها فوجدت نفسها تصرخ به:

ـ ويا ترى هتسهر فين؟.. في قهوة ولا غرزة وترجع لي مسطول زي الكام يوم اللي فاتوا؟..

لم تتأخر الصفعة تلك المرة ولم يتردد حسن ويده ترتفع لتحط على وجنتها الرقيقة.. رفعت يدها تتحسس وجنتها المكدومة.. ورمقته بنظرة مذبوحة..

لم تذرف دمعة.. وهو لم يتوقف ثانية واحدة ليعتذر.. خرج وكأن الشياطين تصارعه.. وتركها وقد أقسمت أن تسترد زوجها.. حتى لو اضطرت لمحاربته هو شخصياً..

***********

كانت ساقي مازن الطويلتين تقطعان الدرج بسرعة ولهفة حتى وصل إلى عيادة طبيب العظام وإصابات الملاعب الشهير, فاندفع بداخلها يسأل موظفة الاستعلامات:

ـ مدام نيرة غيث؟..

أشارت له إلى غرفة جانبية وهي تخبره بروتينية:

ـ اتفضل حضرتك.. هي منتظرة في الأوضة دي..

دلف إلى الحجرة بسرعة.. ليجد نيرة تجلس على أحد المقاعد وتفرد أمامها ساقها وقد غطت قدمها عدة لفافات بيضاء.. ورأسها مُلقى على مسند المقعد وقد تناثر حولها شعرها بإهمال..

جميلة حتى في لحظات ألمها..

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يتوجه نحوها ويسألها بلهفة:

ـ خير يا نيرة؟... حصل إيه؟..

لمعت في عينيها نظرات عتاب رسمت على وجهها علامات الألم ببراعة وهي تناديه بصوت متهدج:

ـ مازن..

اقترب منها ليتمسك بكفها الذي مدته له ويجلس بجوارها.. يشبع عينيه منها.. فهو يتجنب حتى النظر إليها منذ عدة ليالِ.. منذ ترك لها مائدة العشاء غاضباً.. سألها بهمس:

ـ في إيه؟..

ومد يده ليربت على قدمها الملفوفة بالأربطة:

ـ طمنيني.. حصل إيه؟..

سألته بعتاب:

ـ يهمك تعرف؟..

استولى على جانب وجهها بكفه الضخم:

ـ أكيد يهمني.. أنتِ مش عارفة أنا كنت قلقان قد إيه.. ولا كسرت كام إشارة من ساعة ما وصلني التليفون أنك في عيادة الدكتور.. إيه اللي حصل؟..

هزت كتفيها بهدوء وهي تخبره:

ـ الدكتور بيقول شرخ في مشط رجلي..

ـ إيه؟.. وإيه السبب؟؟

ـ كنت بلعب ماتش تنس ورجلي اتلوت ووقعت عليها..

رمق قدمها بتعجب:

ـ طب مش كان المفروض يجبس الرجل لحد الركبة؟..

تلعثمت قليلاً:

ـ آه.. بس هو.. الشرخ بسيط.. وأنا اتحايلت على الدكتور مش عايزة الجبس.. فجبس القدم بس بشرط.. أني ما دوسش عليها نهائي..

عبس مازن بتفكير:

ـ غريبة قوي!!

هتفت بضيق:

ـ هو إيه اللي غريبة!.. يعني أنا كدابة؟.. خلاص.. اتفضل اتأكد من الدكتور بنفسك..

ـ لا خلاص.. ما فيش داعي.. يلا بينا نروح..

رفعت يديها له في طلب صامت لكي يحملها.. فرفعها بين ذراعيه وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تخفي وجهها في كتفه وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة انتصار واسعة.. فقد نجحت أول خطوة من الخطة 


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close