اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل العشرين 20 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل العشرين 20 بقلم نهي طلبة 

الفصل العشرون

وقفت منى تمشط خصلاتها السوداء الطويلة يرتسم تعبير غامض في عينيها التي تقابل عينيّ حسن في المرآة.. منذ عاد من عمله وهي تتهرب منه.. ولكن عينيها تمسح ملامحه بغموض غريب.. وكأنها تبحث عن شيء ما..

تحرك حسن أخيراً من فوق الفراش وقد سأم لعبة تبادل النظرات عبر المرآة.. وقف خلفها وألصق جسده بها وامتدت يده لتمسك بكفها فتسقط فرشاة الشعر منها محدثة دوياً خفيفاً.. ولفها نحوه وهو يضمها بقوة هامساً:

ـ الجميل زعلان ولا مخاصمني!

لم ترد عليه, بل لم ترفع عينيها إليه حتى.. حرك أنامله ليمسك بذقنها يرفع وجهها ليواجه عينيها الحزينة وهو يهمس وقد ظهر القلق واضحاً بنبرته:

ـ منى.. أنتِ مش طبيعية.. في إيه؟..

حاولت الهروب من عينيه.. الابتعاد عن قبضته القوية حول خصرها.. تتناسى تلك المكالمة الملعونة.. صاحبة الصوت المغناج التي تتغزل بزوجها ورجولته.. ومتعتها بين ذراعيه..

رفعت له عينين معذبتين سقطت منهما دمعة بلا إرادة منها.. سارع هو على الفور ليمسحها بشفتيه وهو يسألها بهلع:

ـ في إيه يا منى؟..

تركت رأسها ليسقط فوق صدره وقد بدأت دمعاتها تتوالى وهي ترفع يديها لتعقدهما خلف عنقه.. لتصطدم أناملها بالخدش الطويل في جانب عنقه.. الخدش.. الذي وصفته لها ابتسام على الهاتف.. وحددت موضعه تماماً.. وهي تضحك بغنج وقح عن المتعة التي منحها لها حسن لتمنحه هذا الخدش..

دفعت منى حسن بقوة تخلص نفسها من بين ذراعيه هاتفة بصوت مجروح:

ـ أنت كنت فين قبل ما تيجي يا حسن؟..

لم يسمح لها حسن بالابتعاد.. وتمسك بذراعيها بين يديه يلمح دموعها التي أبت التوقف ونظرات الألم بعينيها وهو يهز رأسه بحيرة:

ـ كنت في الشغل يا منى.. هكون فين يعني؟..

دفعته للتخلص من ذراعيه.. ومنعته من محاولة الامساك بها من جديد وتعالت شهقاتها:

ـ لا يا حسن.. لا.. قولي كنت فين..

تحرك ليتمسك بكتفيها ويتغلب على مقاومتها الواهية ليقترب من عينيها الباكية:

ـ منى.. أنا عمري ما كدبت ولا هكدب عليكِ.. في إيه؟.. أنا مش فاهم حاجة.. فهميني..

رفعت عينيها الدامعتين لتمرا على الخدش بجانب عنقه وهي تحرك شفتيها بدون صوت.. فعاد هو ليضغط على كتفيها باصرار:

ـ منى.. أنا أعصابي اتحرقت.. في إيه؟؟..

مسحت دموعها بظاهر يدها وهي تشير إلى خدشه بإصبع مرتعش:

ـ الجرح اللي في رقبتك ده من إيه؟..

رفع يده يتلمس عنقه وهو يتساءل:

ـ جرح ايه ده!!

وتحرك ليقف أمام المرآة ليتفحص عنقه عن قرب.. فلمح الخدش الطويل.. وتذكر على الفور حركة أنامل ابتسام بجانب عنقه.. فشتم بصمت.. وهو يلتفت إلى منى التي أغرقت الدموع وجهها.. ويجذبها لتجلس بجواره على الفراش.. وبدأ يحكي لها كل ما حدث منذ لمحته ابتسام في المرة الأولى فاتسعت عينا منى بذهول.. وسحبت يدها من بين كفيه وهي تنهض من فوق الفراش وتكتم صرختها بيدها.. فنهض حسن بدوره ليواجهها:

ـ هي دي الحقيقة يا منى..

هزت رأسها بذهول:

ـ يعني الست دي.. عايزة... عايزة...

تركت سؤالها ناقص.. بدون أن تكمله.. بينما تضرجت وجنتيها خجلاً.. فلم يستطع حسن كبت تعليق مشاكس:

ـ لسه خدودك بيحمروا يا منى!!..

صرخت بغيظ:

ـ حسن!!..

مد ذراعه وهو يقبض على خصرها بقوة ويقربها منه هامساً:

ـ حسن!!.. حسن زعلان.. حسن مخاصمك.. معقولة تشكي فيا؟!!..

أخفضت منى نظرها حرجاً وهي تهمس:

ـ ده مش شك.. دي.. دي..

همس مستمتعاً:

ـ غيرة؟..

رفعت عينيها إليه ودموعها مازالت تتعلق بأهدابها.. وهمست بوجل:

ـ وخوف يا حسن.. خايفة أصحى من حلمي بيك.. خايفة أفوق وأنزل من سابع سما.. ووقتها مش رقبتي اللي هتنكسر.. لا.. ده قلبي..

ضمها إليه أكثر.. متكئاً بجبهته فوق جبهتها هامساً:

ـ بحبك يا منى.. وما حبيتش غيرك..

سكنت بين ذراعيه تستمع لدقات قلبه والتي رغم صخبها إلا أنها كانت تهدئ من مخاوفها.. وتمنحها أماناً وحماية كانت في حاجة لهما.. ظلا هكذا لفترة.. حتى علا رنين هاتف حسن.. تجاهله في البداية إلا أنه عاد للرنين مرة تلو الأخرى.. حتى اضطر أن يبتعد عن منى لييمسك بالهاتف ويتأمل شاشته المضيئة بغيظ جعل منى تتحرك بدورها لتجواره وهي تسأله:

ـ في إيه يا حسن؟.. مين على التليفون؟..

ـ أجاب بغيظ:

ـ دي الست ال****.. اللي قلت لك عليها..

توسعت عينا منى بذهول وهي تستمع إلى اللفظة التي أطلقها حسن على ابتسام.. وسرعان ما توردت وجنتيها حرجاً من مجرد التفكير بتلك الكلمة.. ولاحظ حسن ذلك على الفور.. فغمغم معتذراً:

ـ آسف يا منى.. الأسطوات اللي معايا بيقولوا الكلمة دي باستمرار.. يظهر أنها مسكت في لساني..

أومأت منى برأسها وظهر اللوم واضحاً بنبرتها:

ـ بصراحة يا حسن أنت بقيت تكرر كلام كتير من بتاع زمايلك ده.. يا حبيبي.. مش لازم تنسى أبداً أن دي فترة مؤقتة.. و..

قاطعها حسن بضيق:

ـ أنا فاهم يا منى.. وآسف إذا كنت ضايقتك بكلمة كده ولا كده..

عاد الرنين يرتفع مرة أخرى.. فما كان من منى إلا أن سحبت الهاتف من يده.. وتأكدت أن تلك السيدة هي من تتصل ففتحت الخط على الفور.. لتصدم أذنيها ضحكة مبتذلة وصوت ابتسام الذي تعرفت عليه من مكالمتها السابقة يهمس في شماتة:

ـ أكيد مراتك اللي أنت طالع لي بيها السما دي طينت عيشتك.. عشان تعرف أنك مش قدي.. أظن تعقل كده بقى وتهاودني بدل..

كانت عينا منى تتوسع بذهول من جرأة تلك المرأة وقاطعتها بقوة:

ـ لا.. اطمني.. أنا لا طينت عيشته.. ولا هو هيهاودك.. واقفلي الخط بقى.. كفاية سفالة..

صرخت ابتسام على الجهة الأخرى:

ـ أنتِ مين؟.. أنتِ مراته!!.. اعطيني حسن.. هو جبان للدرجة دي مش قادر يواجهني بنفسه..

أغمضت منى عينيها.. وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول استدعاء هدوء لا تمتلكه في تلك اللحظة:

ـ اسمعي يا مدام.. اللي أنتِ عايزاه من جوزي ده مش هيحصل.. خلي عندك كرامة.. ولمي نفسك وما عدتيش تتصلي تاني.. وأظن أنتِ عارفة هو ابن ناس قد ايه.. وواحد زيه عمره ما هيقرب لبواقي الرجالة التانية.. أظن فهماني..

وأغلقت منى الخط, بل والهاتف وهي ترتعش مما حدث بينما وجدت حسن يصفق بكفيه بقوة وهو يفتحهما على آخرهما قائلاً بصوت أجش:

ـ ينصر دينك يا ست الستات..

رمقته منى بذهول.. وداخل عقلها تتردد جملة أزعجتها كثيراً..

"حسن اندمج بزيادة في مهنته الجديدة"...

*********

"أنتِ تعديتِ السفالة للإجرام.. ولو كنتِ فاهمة إني ما اكتشفتش اتفاقك مع أعمام عليا تبقي غلطانة.. السواق بتاع عليا اعترف بكل حاجة.. والقذارة اللي بلغتيها لأهل البنت أنا مش هسكت عليها.. اللي عملتيه ده يا مدام اسمه تحريض على القتل"..

تجمدت يدا يزيد على مقبض الباب وهو يستوعب ما وصل لأذنيه للتو... وأغمض عينيه بألم وهو يتأكد من هاجس مجنون مر بذهنه واستبعده على الفور.. ليتبين أنه لم يكن هاجس ولكنه بكل تأكيد كان جنوناً..

فتح الباب ببطء.. لتصطدم عيناه بعينيَ والده الذي شحبت ملامحه على الفور مما جعل سهام تلتفت لتواجه عينيّ ابنها اللذين اتقدتا كجمرتين.. وهو يهمس لها بذهول:

ـ ليه؟.. ليه؟؟.. دي كانت ممكن تموت..

صرخت سهام بلهفة وهي تواجه ابنها:

ـ ما يهمنيش.. أنا ما يهمنيش غيرك يا يزيد..

حاولت تقترب منه إلا أنه مد ذراعه على طولها ليمنع اقترابها صارخاً بعنف:

ـ ما تقربيش مني.. ما تقربيش مني..

اندفعت سهام نحو يزيد متجاهلة تحذيره وهي تصرخ به بدورها:

ـ اسمعني يا يزيد.. افهمني يا بني.. أنا عملت كده عشانك.. كان لازم أحميك واحمي حياتك ومستقبلك..

صرخ بقوة:

ـ حياتي ومستقبلي!!.. أنتِ عارفة أنتِ قلتِ إيه؟.. فاهمة الصورة اللي وصلت لأعمام علياء كانت إيه؟.. مستوعبة أنهم كانوا ممكن يقتلوها..

قاطعته أمه بصرخة مدوية:

ـ يموتها.. يقتلوها.. وأنا إيه اللي يهمني!.. أنا قلت لك أني ما فكرتش غير فيك أنت وبس.. أنت وبس اللي باقي لي يا يزيد..

ـ أناااااااا..

كانت صرخة مشروخة.. وهو يتأمل أمه محاولاً التحكم في دموعه.. ومجاهداً كل شياطينه التي تحثه على الانتقام.. ولكن أينتقم من أمه؟!!.. كيف؟..

مسح وجهه بكفيه وهو يصارع للخروج من هوة حيرته.. هوة تبتلعه بسرعة.. ولا تهتم لمقاومته العنيفة.. دوار.. دوار عنيف أصابه وهو يحاول الوصول لقرار.. لوسيلة ليحافظ على وعده لعلياء باسترداد حقها ممن ظلمها.. وفي نفس الوقت يحتفظ بصلة ما بأمه..

"يا الله.."..

همسها لنفسه وهو يلقي بجسده على الأريكة المريحة في غرفة المكتب.. رامياً رأسه إلى الخلف.. ضاغطاً بأصبعيه على جسر أنفه حتى يقلل من عنف الصداع الذي يضرب رأسه بلا رحمة..

شعر بأنامل والدته تملس على جبهته بحنان.. فابتعد عنها صارخاً:

ـ قلت لك ما تلمسينيش..

ترقرقت الدموع بعينيّ سهام وهي تلومه بألم:

ـ للدرجة دي.. للدرجة دي بنت نادية سيطرت عليك وبقيت مش طايق لمسة من أمك..

ضرب ركبتيه بعنف وهو يقفز لينهض بعيداً عنها هاتفاً بقوة:

ـ علياء.. اسمها علياء.. مراتي.. مراتي اللي حضرتك شوهتي سمعتها وسمعتي وسمعة أبويا.. حولتينا لمجموعة شواذ عايشين علاقات مريضة.. وكل ده ليه.. ليه.. لييييييييه؟؟؟؟..

علا صوته بصراخ هيستيري وهو يلمح شفتي والدته تتحركان.. فقاطعها بقوة:

ـ ما تقوليش عشاني.. آسف جداً.. مش مصدقك..

كان عصام قد قرر اتخاذ وضع المتفرج في النقاش الدائر بين زوجته وابنه.. كان رجل أعمال محنك ويدرك أنه في وضع خاسر من جميع النواحي.. فيزيد لن يسامحه على اخفاء اختطاف علياء عنه.. وسهام قررت منذ زمن أن تسقيه الأمرين بسبب زواجه من نادية.. فقرر الاكتفاء بالمتابعة عن بعد.. وعدم التدخل.. إلا أن صرخة يزيد الأخيرة بسهام وما رسمته من ألم شديد على ملامحها أجبرت عصام على التدخل لينهر يزيد بلطف:

ـ يزيد.. ما ينفعش تتكلم مع والدتك بالطريقة دي..

التفت له يزيد وكأنه فوجئ بوجوده.. وأخذ يتأمله للحظات.. وأخيراً قال بعنف مكبوت:

ـ ما تقلقش حضرتك.. أنا وماما طول عمرنا بنعرف نتفاهم مع بعض بدون تدخل من حضرتك.. طول عمري وأنا لوحدي معاها..

توسعت عينا عصام بذهول لرد يزيد.. ليفاجئه يزيد برد آخر:

ـ وعلى فكرة.. سفر مش هسافر.. وهرجع لشغلي في المجموعة أول ما اطمن على علياء.. وحملها يستقر..

صرخت سهام بجزع:

ـ حمل!!.. حمل يا يزيد!.. هي البنـــ

وقبل أن تكمل إهانتها المعتادة لعلياء هتف بها يزيد بصرامة لم تعتدها منه:

ـ علياء حامل يا ماما ايوه.. علياء هتكون أم أولادي.. أنا فاهم أن ده شيء حضرتك صعب تتقبليه.. لكن مع الوقت هيكون الموضوع أسهل.. ومش هنضايق حضرتك بزيارات أو مقابلات...

قاطعت سهام كلامه وهي تصرخ بهيستريا:

ـ أنا كان عندي حق.. عندي حق.. أهي بعدتك عني أهي.. ومش عايزاك تزورني.. يزيد يا حبيبي.. لو على اللي في بطنها.. احنا نستنى لما تولد وناخد البيبي وريناد هتربيه وهتكون أم..

صرخ يزيد مقاطعاً:

ـ مامااااااااا

وضرب قبضته بسطح المكتب فارتطمت بمرمدة زجاجية.. تحطمت تحت قبضته لفتات.. وتسببت له في جرح بالغ بكف يده..

صرخت سهام بقوة لمرأى دماء يزيد.. وحاولت الاقتراب منه إلا أنه رفع يده المدماة إليها مانعاً اياها من الاقتراب قائلاً لها بصوت حاسم:

ـ أنا حاولت.. يشهد ربنا أني حاولت أني كلامي ما يكونش جارح أو مؤذي.. رغم أنك آذيتني وآذيتِ علياء.. لكن يظهر أني لازم أكون واضح.. ماما.. علياء هي مراتي.. هي ما سرقتنيش منك ولا أغوتني.. بالعكس.. أنا اللي..

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يكمل:

ـ أنا اللي آذيتها كتير.. علياء هتكون أم ابني وهي اللي هتربيه.. ومن فضلك.. ما تقربيش ناحية علياء.. ما تكلميهاش في التليفون.. لو حتى شوفتيها ماشية في شارع.. غيري اتجاهك.. عشان أنا لو عرفت أنك قربتِ منها.. وقتها فعلاً هتكوني خسرتيني بجد..

شهقة ملتاعة كانت الرد على كلمات يزيد.. ولكنها لم تصدر من شفتي سهام, بل كانت ريناد هي من تقف على باب الغرفة وتنظر إلى جرح يزيد النازف بجزع وتستمع إلى كلماته الحاسمة بقلق جعلها تهتف متسائلة:

ـ هي.. هي علياء حامل؟..الكلام ده بجد..

التفت إليها يزيد بحنق:

ـ حمد لله على السلامة يا مدام ريناد.. وصلتِ امتى وازاي ومين سمح لك أنك تسافري؟

تحركت ريناد بثقة لتجذب يزيد من ذراعه وهي تلقي بنظرات حذرة على والديه الذين صمتا تماماً.. وتمكنت بسهولة من اخراج يزيد من الغرفة لتتجه به إلى غرفته القديمة وتبدأ في مداوة جرحه برقة بالغة, رقة لم يعتدها منها, تقارب حميم حرمته إياه منذ بداية زواجهما..

سألها في خفوت يخفي غضب مستتر:

ـ أنتِ كنتِ تعرفي ماما ناوية على إيه؟..

رفعت عينيها بسرعة إليه وأخفضتهما ثانية.. واستمرت بتضميد جرحه بمهارة.. ولكنه لم يستسلم لصمتها.. ضغط على يدها بقوة وهو يهمس من بين أسنانه:

ـ ردي عليّ..

ـ طنط سهام قالت لي أنه عندها الطريقة اللي تخليك تطلق عليا.. لكن ما وضحتش ازاي..

ضحك بسخرية مريرة:

ـ عبيط أنا عشان أصدق الكلام ده!..

أنهت تضميد جرحه وتحركت لتخبره بغضب:

ـ والله أنا كان ممكن أكذب وأقولك ما اعرفش بتتكلم عن إيه.. لكني جاوبت بصراحة وما كدبتش.. وقلت لك الحقيقة..

نظر إليها بتأمل.. كان منطقها سليماً.. ولكن حدسه يخبره أنها كانت تعلم..

تفرس في عينيها بحثاً عن الحقيقة ولكنه لم يجد إلا نظرات جامدة وواثقة..

موقفها الثابت أجبره على تصديقها وهو ما كانت تخطط له تماماً.. فلو أنكرت معرفتها عن الموضوع لما صدقها.. فتعمدت ذكر نصف الحقيقة.. حتى تقنعه بصدقها.. وهو صدقها ولكن مجبراً.. يجبره شعور بالذنب نحوها.. ذنب منبعه ضعف إحساسه بها.. نسيانه أو تناسيه لوجودها في اليومين السابقين.. لهفته القوية في الذهاب إلى علياء.. ذنب.. ذنب متعدد الأوجه.. ذنب لا يعرف له تكفيراً..

تنحنح ليجلي صوته:

ـ يلا بينا.. هوصلك وبعدين هروح المستشفى..

حاولت ريناد التحكم بأعصابها قدر الإمكان.. فيزيد يلعب بأوراق مكشوفة الآن ويصرح بوضوح عن أهمية علياء في حياته..

سألته ريناد بفضول واضح:

ـ فعلاً عليا حامل؟..

ـ أيوه علياء حامل..

لم يستطع السيطرة على الفرحة المتراقصة في صوته.. ولم تستطع ريناد السيطرة على غضبها الذي بدا واضحاً وهي تسأل:

ـ كام؟

لف وجهه عنها وهو يجبها بخفوت:

ـ شهرين..

اتسعت عيناها ذهولاً.. ثم أخفضتهما سريعاً.. وهي تهمس:

ـ مبروك..

ـ الله يبارك فيكِ..

رفعت عينيها وأخبرته ببساطة:

ـ أنا عايزة أروح لدكتور أتابع معاه وأعرف سبب تأخر الحمل..

رمقها بذهول وهو يسأل:

ـ حمل إيه اللي اتأخر!.. إحنا ما كملناش شهرين متجوزين!..

أجابته بنزق:

ـ بس عليا حملت على طول.. وأنا لازم أعرف إيه اللي غلط عندي..

وضع وجهه بين كفيه يحاول أن يخفي ضحكة مريرة ارتسمت على ملامحه وهو يتذكر المثل الشعبي الحكيم..

"هم يضحك وهم يبكي"...

ولكنه عاد ليتذكر.. تلك هي ريناد.. لا تسمح لأحد بأن يتفوق عليها.. حتى بأسبقية الحمل!!..

ـ يلا يا ريناد.. هوصلك بيتنا وهنتكلم في موضوع الدكتور ده بعدين.. أما أفوق من اللي أنا فيه..

أجابته بتردد:

ـ طيب ما توصلني عند ماما..

قاطعها بحسم:

ـ لا ماما ولا بابا.. هتروحي بيتك.. تفتحيه وتشوفي ناقصه إيه.. زي أي زوجة ما بتعمل.. ولو على خالتي.. كلميها تيجي تبيت معاكي الكام يوم الجايين دول.. لأني مش عارف ظروفي..

اجابته بضيق:

ـ أوك يا يزيد.. اللي تشوفه..

هل كان يقسو عليها؟.. كلا.. ربما قليلاً.. هز رأسه بعنف ينفض عنه تلك الأفكار.. فهو غير قادر على التعامل معها بتلك اللحظة..

********

وصل إلى المشفى بعدما قام بتوصيل ريناد إلى منزلهما.. ليجد نيرة جالسة على الأريكة وهي تقلب بقنوات التلفاز في ملل.. وعلياء مستغرقة في نومها بوداعة طفلة رقيقة..

زفرت نيرة بحنق ما أن رأته وهي تخبره بنزق:

ـ حمد لله على السلامة.. ما كنت نمت لك تلات- أربع ساعات كمان..

همس يزيد في تعب وهو يلوح بيد المضمدة:

ـ آسف يا نيرة.. اتأخرت غصب عني.. لو تحبي أوصلك بنفسي أو ابعت معاكِ واحد من بتوع الأمن..

لمحت يده المربوطة والتعب الواضح على ملامحه.. فهمست بخفوت:

ـ ما فيش داعي.. مازن سايب لي عربية بسواقها بره.. على فكرة, الدكتورة كتبت لعليا على خروج بكره.. هاجي على الساعة 11 كده عشان أساعدها..

تصبح على خير..

خرجت نيرة وهي تغلق الباب خلفها.. فتوجه يزيد بلهفة إلى فراش علياء.. ليجوارها ملتصقاً بها.. ومحيطاً إياها بذراعيه.. وهو يملس على خصلاتها التي رتبتها نيرة في قصة شعر جديدة.. لمحها فور دخوله الغرفة ولكنه أجل تفحصها حتى تغادر نيرة..

رتبت نيرة خصلات علياء وهذبتها فتركت غرة كثيفة على جبهتها وتمتد لتغطي حاجبيها وتستطيل قليلاً بينهما بينما ظهر عنقها الطويل جلياً نتيجة الخصلات القصيرة جداً خلف عنقها الذي طبع عليه يزيد شفتيه متأوهاً مدركاً لروعته والتي أظهرتها التصفيفة الجديدة.. فهمس بأذن علياء بغيظ وهو يتابع سلسلة الشامات الصغيرة بإصبعه.. ثم استبدل إصبعه بشفتيه:

ـ أنا هعمل خير للبشرية وأقتل نيرة.. هي عملت لك القصة دي عشان تجيب لي ذبحة!.. صح؟

تململت علياء بانزعاج بين ذراعيه.. فعاود تقبيلها في عنقها بخفة.. فتحت على إثرها عينيها ولفت وجهها له وكأنها تتأكد من وجوده.. قبلها على جبينها برقة وهو يزيد من ضمها حتى شعرت بضمادة يده تخدش بشرتها.. فنزلت بعينيها لترى يده المربوطة.. حركت عليها أناملها بخفة ورفعت عينيها بتساؤل قلق.. عاود مداعبة غرتها بلطف ورفعها عن عينيها هامساً:

ـ ما تقلقيش.. جرح بسيط..

شعر بأناملها تمر على يده الجريحة برقة وكأنها تربت عليها بحنان.. ثم ما لبثت أن لفت جسدها بين ذراعيه لتصبح في مواجهته وتغرز وجهها بعنقه وتلفه بذراعيها وتعود للنوم مرة أخرى..

رفع غرتها من فوق عينيها مرة أخرى.. وهو يهمس:

ـ يعني تكشف رقبتك وتغطي عينيكي!!.. صاحبتك دي مجنونة..

شعر بابتسامة شفتيها على عنقه.. فارتعش جسده تأثراً.. وزاد من ضمها.. وقد أدرك أنها لم توجه إليه كلمة واحدة.. هي مازالت تعاقبه بخصامها.. وهو مستعد للتحمل..

*************

مرت عدة أيام على وجود علياء بشقتها.. كانت تقضي أغلبها بالاستلقاء بفراشها كما أمرتها الطبيبة.. لم يفارقها بها يزيد إلا ساعات قليلة كان ينهي بها أعماله في فرع الشركة المواجهة للشقة.. ويعود إليها سريعاً.. فهي مازالت تتخبط رعباً من ذكرياتها الأليمة بين أهلها..

مازال رجلي الأمن مرابطان أمام الشقة.. وظف سيدة خمسينية لترعى علياء في ساعات غيابه.. وكانت دنيا هي من تكفلت بالعثور عليها, بطلب من مازن بالطبع.. فكانت "أم علي".. وهي سيدة في أوائل الخمسينات.. وحيدة تماماً بعد زواج أشقائها وشقيقاتها.. وهي من أفنت عمرها في رعايتهم.. لينطلق كل منهم في حياته.. مطالبين إياها بإكمال المشوار ورعاية أولادهم.. ولكنها السيدة المضحية تمردت على ما جبلت عليه من إيثار.. وقررت الخروج للعمل.. حتى لو كانت مدبرة منزل لزوجة شابة صغيرة.. صامتة وخائفة معظم الأوقات.. ولكنها تملك ذلك الشيء الغامض الذي دفع بـــ"أم علي" بالموافقة على رعايتها على الفور.. فهي تبدو وكأنها بحاجة إلى الحماية طوال الوقت..

نيرة كانت تأتي لزيارتها وتقضي معظم النهار برفقتها.. وكأنها تهرب هي الأخرى من بيتها.. من زوجها.. كما برعت في الهروب من نظرات علياء المتسائلة بشأن وجودها المستمر معها وابتعادها عن مازن..

ولكن علياء لم تصمت ذلك اليوم.. فهي ترى التعاسة بعيون نيرة.. ولا تدرك لها سبباً فعشق مازن لها واضحاً لعيون علياء التي سألت نيرة وهما جالستين في أحد الأيام بالشرفة التي ملأها يزيد بشتلات القرنفل.. حتى يسعد عينيها برؤية زهرتها المفضلة:

ـ نيرة.. حبيبتي.. في إيه؟.. مش معقول دي تصرفات عروسة جديدة..

غمغمت نيرة بتوتر:

ـ هيكون في إيه يا عليا؟!.. ولا حاجة.. أنتِ عارفة ظروف ارتباطي بمازن.. و..

قاطعتها علياء:

ـ مازن بيحبك يا نوني.. بيعشقك.. الحكاية أكبر من ظروف ارتباطكوا..

ضحكت نيرة بافتعال:

ـ هو يعني لازم يتصرف بجنون زي سي يزيد بتاعك.. اللي مش بيخليكي تخطي الأرض.. تصدقي ده طلب مني أني أكلمه لو حبيتِ تدخلي أوضتك عشان يجي يشيلك.. ربنا يعينك على جنانه..

كانت نيرة تلقي بكلماتها بغرض المزاح ولكن بداخلها شعور قوي يصرخ.. بأنها تريد ذلك أيضاً.. تحتاج أن يدللها مازن كما اعتاد في فترة خطبتهما.. ولكن بفضل اندفاعها.. حرمت نفسها ذاك الدلال والعواطف الجامحة التي كان يغرقها بها.. تباً.. ألم تكن تستطيع الانتظار لتنال من حسن في موقف آخر..

حسناً.. يجب أن تفكر وتجد حلاً لتستعيد شغف مازن.. ولكن كيف؟.. كيف أقربه مني بدون أن أبدو كالمتسولة لعاطفته؟.. كانت تعصر ذهنها بقوة وهي تفكر في أي حل.. أي طريقة.. حينما سمعت صوت "أم علي" المتفكهة وهي تخبرهما بضحكة مكتومة:

ـ ست عليا.. يزيد بيه وصل من شغله وبيقولك تحبي يدخلك الأوضة دلوقتِ؟

ابتسمت علياء بدورها.. فهي مازالت تخاصمه.. لا تطلب منه أي شيء مباشرة بل تستخدم "أم علي" لايصال رسائلها له.. والسيدة تكتم ضحكاتها مرة.. وتؤنبها مرة أخرى محذرة اياها..

"هتزهقي الراجل منك.. وهيطفش يدور له على ست تانية"..

كان رد علياء ابتسامة بلهاء.. فــ"أم علي" التي تدلل يزيد كطفلها العائد بعد غياب لا تعلم بعد بوجود زوجة أخرى في حياته..

ـ ست عليا.. ست عليا..

أخرجها صراخ "أم علي" من أفكارها نظرت لها بحيرة بينما همست نيرة بخفوت:

ـ خلاص يا أم علي.. قولي له يجي.. أنا نازلة دلوقتِ..

لحظة واحدة وكان يزيد أمامها.. ليرفعها من على مقعدها بين ذراعيه هامساً كالعادة:

ـ لفي ايديكِ حوالين رقبتي يا علياء..

أطاعته بصمت.. وركنت رأسها على كتفه وهي تخفي عينيها عن نيرة.. ولكنها لم تستطع كبح ابتسامتها الفرحة والتي لمحتها نيرة على الفور وهي تلحظ احتقان وجه يزيد بقوة..

ابتسمت نيرة بدورها وهي تتذكر قول مازن بأن علياء تملك سُلطة كبيرة على مشاعر يزيد.. ودوى بذهنها جملته الغاضبة.. أن تتعلم منها.. برقت الفكرة في رأسها على الفور.. فاتسعت ابتسامتها.. أكثر وأكثر.. وهي تتمتم..

"ماشي يا مازن.. أما نشوف هتقول إيه على اللي اتعلمته من عليا!"..

**************

جلس كلاً من مازن ويزيد على أحد الأرائك بمكتب هذا الأخير يستمعان إلى حسن وهو يقص عليهما مطاردة تلك السيدة التي تدعى ابتسام له بشتى الطرق والوسائل.. حتى أنها تجرأت وظهرت أمام منزله.. طالبة.. بل متوسلة إياه الذهاب إلى منزلها لمناقشة بعض الأعمال الخاصة!!..

يومها نهرها بعنف.. وهددها بفضيحة مدوية أمام أهل الحارة.. والذين لن يغفروا تفكير سيدة مثلها.. لتظهر منى لحظتها وتزيد في تهديدها بــ"علقة محترمة من سيدات الحارة المحترمات حتى يظهر لها صاحب"..

يومها هربت مسرعة بسيارتها ولكنها لم تكف عن الاتصال.. وإرسال الرسائل..

كانا الرجلين يكتمان ضحكاتهما بصعوبة وحسن يصرخ:

ـ أعمل إيه في *****... دي؟.. بطلوا ضحك وساعدوني..

قطب مازن متعجباً استخدام أخيه لمثل ذلك اللفظ.. وما لبث أن تذكر عدة ألفاظ مشابهة أثناء سرد الحكاية.. فسأل حسن بضيق:

ـ من إمتى بتتكلم بالطريقة دي يا حسن؟..

رد حسن بغيظ:

ـ بقولك إيه يا هندسة.. عيش عيشة أهلك وبلاش الأنزحة الكدابة دي!!

ردد مازن بذهول:

ـ عيش عيشة أهلك!!.. حسن..

قاطعه حسن بغيظ أكبر:

ـ يوووووه.. سايب المشكلة وجاي في الهايفة وتتنح لي فيها.. انجز يا بشمهندس وشغل الجمجمة..

هتف مازن بغضب:

ـ حسن...

أمسك يزيد بذراعه ضاغطاً عليه بقوة حتى يمنعه من الاسترسال في الكلام.. فسكت مازن على مضض.. بينما توجه يزيد لحسن مستفسراً:

ـ يعني هي عايزة جواز.. ولا...

ضرب حسن كفيه ببعضهما على معدته وهو يسخر:

ـ لا يا سيدي.. ولا.. وبعدين هتفرق معاك في إيه؟..

ـ خلاص يا حسن.. اهدى شوية.. عشان نتفاهم.. أنت أساساً اتعاملت معاها غلط..

كتف حسن ذراعيه وهو يسأل:

ـ غلط؟.. تقصد إيه يا دنجوان عصرك؟..

لاحظ يزيد نبرة حسن المحتدة وتغير أسلوبه.. وكان قد لاحظ تغير مفرداته كذلك.. فتبادل مع مازن نظرات قلقة.. حسن.. يتحول.. يتغير ويقسو بقوة.. فحسن القديم لم يكن ليهدد سيدة أبداً بافتعال فضيحة حتى ولو كانت تلك الابتسام..

ابتسم يزيد بتوتر:

ـ بص يا حسن.. أنت قعدت تقولها مراتي.. وبحب مراتي.. طبعاً جننتها وحطيتها قدام تحدي.. كأنك.. يعني..

قاطعه حسن بفظاظة:

ـ أيوه.. كأني رميت قماشة حمرا في وش تور..

ابتلع يزيد لعابه بضيق:

ـ يعني.. تقريباً..

هتف حسن بحنق:

ـ والمطلوب؟.. أخلي الــ ***** تغور من وشي إزاي؟؟؟...

تغاضى يزيد عن سوء ألفاظ حسن وهو يسأله بتوسل:

ـ أحل لك مشكلتك وتساعدني مع علياء.. عايزها ترجع تكلمني تاني.. هيه.. موافق؟..

ضرب حسن كف بكف وهو يصيح:

ـ يحرق دي صحوبية يا أخي.. يعني لو ما ساعدتكش.. هتسيبني أغرق مع الست اشتعال دي!!..

ـ خلاص يا حسن.. اهدا يا أخي..

كان مازن صامتاً بغضب وهو يستمع للحوار.. يريد أن ينهض ليمسك بتلابيب هذا الحسن ويسأله"من أنت؟.. وأين أخفيت شقيقي؟؟".. ولكنه حاول السيطرة على أعصابه بقوة فولاذية وهو يتذكر محاولاته الحثيثة مع والده ليفك الحصار قليلاً حول حسن.. محاولات يشعر أنها على وشك النجاح بها.. ولكنه يحتاج إلى القليل من الوقت بعد..

سمع يزيد ينصح حسن بهدوء:

ـ بص يا حسن.. هي بس حست أنك مميز شوية عن اللي حواليك وده جذب واحدة من نوعيتها.. يعني لو تقدر تحسسها أنك واحد عادي زي زمايلك يعني.. و..

صرخ مازن مقاطعاً:

ـ لاااااا.. أنت عايزه يتحول أكتر من كده!!..

انتفض حسن بغضب ليجذب مازن من قبه قميصه وهو يسأله بحرقة:

ـ قصدك إيه؟..

دفعه مازن بقوة ولكن حسن كان أكثر غضباً ليتزحزح.. والتمعت نظرة شرسة بعينيه مما دفع بيزيد ليتدخل على الفور بينهما ليبعدهما عن بعض وهو يهمس لمازن بغضب:

ـ لو مش عارف تتحكم في أعصابك.. روح.. لكن مش هسمح أن ترفع إيديك عليه.. فاهمني..

عاد مازن إلى مقعده بعنف.. بينما التفت يزيد إلى حسن مهدئاً:

ـ خلاص يا حسن خلينا في المهم.. زي ما قلت لك.. حاول تظهر قدامها كأي نقاش.. من زمايلك.. و..

قاطعه حسن بسخرية:

ـ هو ده الحل السحري بتاعك؟!..

هز يزيد رأسه نفياً وهو يلتقط هاتفه ليتصل بأحد أصدقائه.. وسرعان ما تعالت ضحكاته مع ذاك الصديق قبل أن يخبره بلهجة غامضة:

ـ عندي طلب صغير..

سكت قليلاً وأكمل:

ـ خدمة خاصة بنون النسوة أيوه.. تعرف ابتسام نيازي؟؟

قهقه يزيد بقوة:

ـ أنا قلت ما فيش غيرك هيحل المشكلة.. مدام ابتسام يا سيدي ناوية على واحد معرفة.. والراجل غلبان ما لوش غير مراته وبيته.. و..

قطع يزيد كلماته بينما وصله الرد على الطرف الآخر.. فصاح يزيد:

ـ تسلم يا غالي.. أنا برضوه قلت الحل في إيد ناجي..

سكت قليلاً وهو يستمع لناجي.. ثم أنهى المكالمة:

ـ حبيبي.. اللي تؤمر به.. عدي عليّ في الشركة وهخلص لك الموضوع..

أغلق الهاتف.. والتفت إلى حسن مبتسماً:

ـ خلاص يا سيدي.. وأهو ناجي هيخلصك منها.. وهيتحمل هو عذاب الست اشتعال.. ارتحت؟..

أومأ حسن موافقاً.. وقد تنهد بارتياح.. بينما يزيد يعاجله بلهفة:

ـ قولي أعمل إيه بقى؟.. نفسي علياء ترجع تكلمني تاني.. عايز أسمع صوتها.. كل اللي أعرفه عن الرومانسية عملتهولها.. قرنفل وغرقت لها الشقة.. نجاة وحفظت أغانيها.. أنا..

قاطعه حسن بهدوء وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة فعاد للحظة حسن القديم:

ـ سيبها تخاصمك يا يزيد..

صرخ يزيد بعنف:

ـ إيه!!

اتسعت ابتسامة حسن:

ـ سيبها تخاصمك.. تعاقبك.. تحس أنها في إيدها حاجة تعملها.. أقضي عقوبتك لنهايتها.. بس ما تخاصمهاش أنت.. كلمها على طول, حتى لو ما ردتش عليك.. احكي لها عن شغلك.. عن يومك.. هتعملوا ايه لابنكم اللي جاي في الطريق.. كلمها وما تبطلش كلام.. واستحمل خصامها لحد ما هي تكتفي..

ربت على كتف يزيد وهو يخرج مودعاً وشاكراً له مساعدته.. بينما رمق مازن بنظرة خاطفة وتحرك ليفتح الباب قبل أن يشعر بذراعي مازن تنطبقان عليه بعناق أخوي وهو يهمس له:

ـ آسف يا حسن.. أخوك الصغير مدب.. استحمله بقى!..

ابتسم حسن بهدوء.. وهو يربت على كتف شقيقه.. ويخرج سريعاً..

********

وقف يزيد تحت الدش وهو يتلقى مياهه الباردة علها تخفف شيئاً من غليانه.. وهو يتذكر نصيحة حسن في ذلك اليوم.. بأن يسمح لعلياء بعقابه للنهاية..

وها هو يتحمل ببسالة دش بارد تلو الآخر حتى لا يزعجها.. ينتظرها بصبر لم يكن يعلم أنه يملكه حتى تعاود الحديث معه مرة أخرى.. لا ينكر أن نصيحة حسن كانت مفيدة.. حسناً مفيدة قليلاً.. فهو منذ تلك الليلة وهو يحادثها بلا انقطاع.. تعجبت من أحاديثه الطويلة في البداية.. ثم سرعان ما ارتسم الاهتمام في عينيها وهي تتابعه يسرد تفاصيل يومه.. وكيف حل تلك المشكلة.. وكيف أجل حل أخرى حتى يسرع ليكون بجوارها.. بجوار ابنهما.. كان يلمح نظرة حنان وابتسامة لا توصف بكلمات على شفتيها وهي تسمعه يحادث صغيرهما.. أو يحدثها بشأن من شئونه.. ابتسامتها تلك كانت مكافأة له على صبره.. على غليانه لقربها.. احتراق فعلي يشعر به.. ولا دواء له غيرها.. فقد تيقن من ذلك.. في عصر أحد الأيام برفقة ريناد.. ولكن للعجب كانت ريناد تبدو مكتفية وسعيدة.. يبدو أن طول الحرمان حسن من أدائه..

ابتسم بسخرية من نفسه وهو يجفف جسده ويخرج من الحمام ليستلقي في فراش علياء الوردي.. ذلك الذي أصرت على اصطحابه معها من المزرعة.. وتحول مؤخراً لفراشه هو.. فهو بعد عدة ليالِ احترق جسده برغبته بها ولم يستطع الاقتراب منها.. قرر أن ينتقل من غرفتها.. كان يضمها حتى تنام وتستغرق في نومها.. ثم يذهب إلى فرضه الليلي من الأدشاش الباردة.. وينام في فراشها الوردي الضيق.. مرر يده بخصلت شعره بغيظ.. ألا تشعر بغليانه.. باحتراقه.. بتوقه لها..

بينما كان هو يحترق داخل الفراش الوردي كانت علياء تعض يدها مترددة.. لا تعلم هل تقدم على تلك الخطوة أم لا.. توقفت يدها على مقبض غرفته وهي تفكر.. هل تذهب إليه؟.. هل تبدأ هي؟..

في بداية خصامها له كان يسعدها نظرة التوق العنيفة بعينيه.. والآن أصبحت تشعر بتوق مماثل.. وربما أعنف نحوه.. تباً.. أنها الهرمونات بالتأكيد.. كما قرأت في أحد الكتب الخاص بصحة الحامل.. وظنت وقتها أنه يمتنع عنها تنفيذاً لتعليمات الطبيبة.. ولكن انقضى الوقت وانقضت التعليمات وهو ما زال متباعداً..

حسناً.. ليس متباعداً تماماً.. فهي تشعر بغليان جسده وهو يجاورها كل ليلة حتى تستغرق في النوم.. غليان يزداد باضطراد.. وأنبأتها غريزة أنثى ولدت على يديه.. أنه وصل لأقصى درجات تحمله.. لذا حسمت أمرها ولفت مقبض الباب.. لتدخل إلى الغرفة المظلمة.. وتتحرك نحو فراش يزيد بتردد.. بينما عيني يزيد اتسعاتا في وسط وجهه وهو يراها تدلف إلى الغرفة.. وهي ترتدي منامة تويتي الشهيرة.. عبس شاتماً.. كم تمتلك منهم.. هل ينبغي أن يمزقهم جميعاً..

وقفت أمام الفراش وهي ترمقه بخجل.. بينما كاد مفرش السرير أن يشتعل بنيران توقه إليها.. ولكنه ظل صامتاً وهو يضغط على أسنانه بعنف بينما هي تقترب منه بتردد.. لتهبط تجاوره بخجل.. تلتصق به.. وتجذب رأسه نحوها.. تمنحه قبلة كانت هي ولأول مرة البادئة بها.. لم يستطع صبراً لثانية أخرى تمر, فجذبها إلى صدره برغبة حارقة.. عنيفة.. لن تشبعها سواها..

*******

صوت ارتطام شديد بأثاث غرفة المعيشة كان ما أيقظ منى.. والتي تعجبت كيف غفت وهي تنتظر عودة حسن.. والذي أصبح يتأخر بعودته يوماً بعد يوم.. والليلة تأخر كثيراً.. حتى أنها نامت قبل عودته..

صوت ارتطام آخر.. وسباب بذيء وصل إلى مسامعها.. قبل أن ترتدي مئزرها المنزلي وتخرج بسرعة لترى من بالخارج.. لتفاجيء بحسن راقداً على ظهره فوق الأريكة وهو يحاول خلع حذائه.. وفي كل مرة يفشل كان يشتم ببذاءة..

هتفت بتعجب وهي تتجه نحوه لتعدل من جلسته.. وتتكئ على ركبتيها لتخلع حذائه:

ـ حسن اتأخرت قوي..

فوجئت به يجذبها من عنقها بقسوة ويرفع وجهها إليها هامساً:

ـ منى.. ريحتك حلوة قوي..

مرغ شفتيه في عنقها بنهم.. حتى شعرت بأسنانه تغرز في بشرة عنقها الرقيقة.. فأـبعدته عنها بقوة:

ـ في إيه يا حسن؟..

جذبها مرة أخرى ليقبلها بعنف حتى أدمى شفتيها:

ـ هو إيه اللي في إيه.. في اني عايز مراتي.. عايز أتبسط شوية.. إيه مش من حقي بعد تعب ومرمطة طول النهار إني أرجع ألاقي الحتة بتاعتي مستنياني وعايزة تبسطني..

رددت منى بذهول:

ـ حتة بتاعتك!!.. تبسطك!!

جذبها مرة أخرى ليضغطها إلى صدره بعنف كاد أن يحطم أضلاعها وهو يقبلها بشهوة.. هامساً:

ـ اخرسي بقى هتطيري النفسين من دماغي..

شهقت منى بعنف.. وهي تتلقى منه معاملة لم تتصور أبداً أن تتلقاها أي زوجة من زوجها.. زوجها الذي كان يعشقها.. قبل أن يعرف التدخين.. والسجائر.. سجائر غير بريئة أبداً..
يتبع....

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close