رواية متاهة مشاعر الفصل التاسع عشر 19 بقلم نهي طلبة
الفصل التاسع عشر
اتخذت علياء وضع الجنين في رقدتها كما اعتادت في الأيام الأخيرة وظلت تحاول العودة إلى النوم بدون فائدة.. فما أن تغمض عينيها حتى ترى أمامها وجه عمتها وهي تمسك بالمقص لتغتال خصلاتها الطويلة.. وتهمس لها بغل أنها ستسلبها كل ما يميز جمالها عن سائر نساء العائلة, ذلك الجمال الذي ورثته عن أمها "الساقطة" كما رددت عمتها.. وبعدما انتهت جذبت سلسلة يزيد من عنقها بعنف وهي تخبرها أن العهر لا يستحق المكافأة..
حاولت ضم نفسها بذراعيها تعوض بهما عن ذراعيه اللتين أحاطتاها طوال الليل.. منحها الدفء والأمان لا تنكر.. لكن هناك تلك القطعة من الصقيع والتي تشبه الخنجر مازالت تدمي روحها, تجعلها غير قادرة على التواصل معه.. أو حتى النظر إليه.. حالة من الصمت تمسكت بها وهو تقبلها بتفهم وظل ملتصقاً بها طوال الليل.. يطمئنها بوجوده كلما استيقظت فزعة هاربة من عذاب جديد أو تنكيل بها.. يضمها بين ذراعيه لتستكين برأسها على صدره فتهدأ قليلاً.. حكى لها كيف علم باختفائها وكيف اتفق مع أعمامها.. اعتذر منها لتفريطه في الأرض.. وشرح لها تلك كانت الطريقة الوحيدة ليعود بها إلى بيتهما.. أقسم أن يعوضها عن الأرض وما سلبوه منها.. وكأنها تهتم.. وكأنه يدرك ما سُلِب منها.. ليس الأمان ولا الطمأنينة فهما ضاعا مع موت والديها.. أو كونها ذات أهمية لأحدهم.. فهي تعودت الحياة على الهامش.. لكن الأيام الماضية أثبتت لها كم هي رخيصة بالفعل.. لا تساوي إلا حفنة من الأموال وطين أرض..
رائحة عطرية ثقيلة اخترقت أنفاسها وصوت حذاء ذو كعب عالٍ أكد لها أنها لم تعد بمفردها في الغرفة.. فيزيد أخبرها بهمس أنه سيذهب ليبدل ملابسه, ونيرة قررت الذهاب وإحضار العدة اللازمة لتعيدها إلى أنوثتها كما أخبرتها.. ولم تقبل جدال..
التفتت علياء ببطء لتواجه عينين ممتلئين بالكراهية والحقد وصوت سهام يدوي بكل مقت الدنيا:
ـ حقيقي.. زي القط بسبع أرواح!..
انكمشت علياء على نفسها وأحاطت بطنها بذراعيها تحمي طفلها بدون إرادة منها وهي تهتف بخوف:
ـ ابعد.. ابعدي.. عني.. أنا عـ..ا.ر.فـ..ــة.. عارفة كـــ..ل حــ..اجة..
كتفت سهام ذراعيها وأجابتها بسخرية:
ـ وناوية على إيه إن شاء الله!.. تحكي ليزيد عشان تبعديه عن أمه الشريرة!
وأطلقت ضحكات عالية جعلت علياء تعتقد أنها لم تكن في حالة عقلية سليمة.. وأردفت بغل:
ـ وتفتكري يزيد ابني.. هيصدقك.. أو يصدق كلامك؟.. أعمامك نفسهم ما جابوش سيرتي.. فكروا إزاي يجمعوا من وراكي قرشين.. زي أي واحدة مومس أهلها بيتاجروا بيها..
سقطت دموع علياء وشعرت أنها ستختنق بغصتها.. فسهام تضغط على جرحها بشدة.. لاحظت سهام صمتها ودموعها التي بدأت تهطل.. فاستمرت بقسوة كلماتها.. وكأنها تريد أن تكمل انتقامها:
ـ للأسف أهلك طلعوا في منتهى الرخص.. كان لازم أتوقع كده.. فكروا في مكاسبهم وبس.. بذمتك حاسة بإيه وأهلك بيطلبوا أنك تدفعي تمن جوازك من ابني أرضك وكل ما تملكي..
رغم قسوة كلمات سهام إلا أن شيء ما جعل علياء تنتفض لتواجه القسوة الموجهة إليها.. لم تعرف من أين امتلكت القوة.. ربما طفلها هو من يحثها على المقاومة.. ربما كثرة جراحها لم تدع مكاناً لجرح آخر.. ولكنها وجدت نفسها تتحرك من فوق فراشها لتواجه سهام وتهتف وسط دموعها المتساقطة:
ـ أنتِ ليه بتكرهيني كده!.. أنا عمري ما أذيتك ولا حتى فكرت أجرحك.. وأنتِ بمنتهى القسوة دبرتِ أنكِ تمحيني من الدنيا..
صرخت سهام وقد بدا تشوشها واضحاً:
ـ عمرك ما أذيتيني!!.. أنتِ سرقتِ جوزي مني.. هدمتِ حياتي ودمرتِ بيتي..
كان بيروح هنا وهنا.. ويرجع لي أنا.. لحد ما عرفك.. و..
قاطعتها علياء بذهول:
ـ أنــ..ا.. عملت كده!.. أنا عليااااء!
وكأنها لكمتها في وجهها لتستفيق لواقعها صارخة بجنون وكأنها تحدث نفسها:
ـ علياء.. نادية.. هتفرق.. نادية ملكته.. سرقته مني.. وسابت بنتها تكمل من وراها..
ثم هزت رأسها بقوة فتناثرت خصلاتها المصففة جيداً.. وبرقت عيناها بشدة وهي تقترب منها بشدة:
ـ أنتِ جريمتك أكبر.. أنتِ خطفتِ فرحة عمري كله.. خلتيني أشوفك في عيون ابني ليل ونهار.. كأنه عايش في ملكوت ما فيش فيه غيرك.. كان لازم حياتنا ترجع زي ما كانت قبل ما تظهري فيها.. وهو يتجوز ريناد.. ويفضل حبيب أمه وبس.. لكن أنتِ.. أنتِ.. أنتِ لازم تختفي من الدنيا!
صرخت بها علياء وهي تتراجع للخلف وتلف بطنها بذراعيها:
ـ ما تقربيش مني.. أخرجي بره..
اقتربت سهام وأمسكت بكتفيّ علياء وهي تهزها بشدة وتردد هاتفة:
ـ لازم تختفي.. لازم..
ـ ماااامااا..
صرخة يزيد التي أتت من باب الغرفة المفتوحة وقد برزت حدقتاه ذهولاً من المشهد.. والدته تهز علياء بشدة.. بينما علياء تلف ذراعيها حول بطنها ودموعها تتساقط وعلى وجهها ارتسمت أقصى درجات الرعب..
تحرك بسرعة لينتزع علياء من بين يدي والدته ليزرعها في صدره ويضمها بقوة بين ذراعيه محاولاً السيطرة على نوبة الهيستريا التي بدأت تظهر علاماتها واضحة عليها وهي تتخبط بين أحضانه وتشهق بقوة متمتمة بكلمات غير مفهومة..
هتف بوالدته بقوة:
ـ ماما من فضلك سيبيني معاها لوحدنا..
تجمدت سهام وهي تسمع نبرة ابنها الحازمة, والتي تناقض تصرفاته الرقيقة نحو الفتاة فهو يضمها.. يقربها.. يهمس لها.. يحاول طمأنتها وهدهدتها بكل الطرق.. وهي أمه يطلب منها الخروج بتلك اللهجة الباردة التي أعادها للمرة الثانية وهو يصرخ بأمه:
ـ ماما.. من فضلك أخرجي بره الأوضة..
رمقته سهام بنظرة ضائعة ثم خرجت مهرولة من الغرفة وصورة ابنها وهو يضم عدوتها بين ذراعيه لا تنمحي من أمام عينيها..
أما علياء فكان جسدها ينتفض بقوة وهي عاجزة عن السيطرة عليه, وكأن عنف سهام نحوها أيقظ ذكريات الأيام الماضية فكانت تفرك وجهها في عنق يزيد تارة, وتارة أخرى تخبط رأسها بقوة في صدره وكأنها تريد إسقاط المشاهد التي تتزاحم في رأسها.. ثم تعود وتلصق وجهها بصدره وهي تتمسك بقميصه بقوة.. متمتمة من بين شهقاتها:
ـ أنت سيبتني لها.. سيبتني لوحدي.. لوحدي.. بعدت.. عني.. بعدت عني.. وأنا لوحدي.. كلهم.. كلهم.. سابوني.. آذوني.. وجعوني قوي.. ما فيش حد عايزني.. أنا عايزة ماما.. عايزة أروح لماما.. هقولها أنا مش رخيصة.. أنا متجوزة.. مش رخيصة.. ماما.. ماما..
ظلت تخبط رأسها بصدره وهي تناجي أمها وتبكي بلا توقف.. بينما هو ثبت رأسها بكفه زارعاً إياها بصدره ومتمتماً بأذنها:
ـ اهدي يا علياء.. اهدي الله يخليكِ.. مش هينفع تاخدي مهدئ ولا منوم.. هدي نفسك شوية..
أخذت شهقاتها تتعالى واستبدلت رأسها بقبضتيها وهي تضرب صدره بقوة هاتفة:
ـ عايزة ماما.. أروح لها.. عايزة أروح لها..
وازدادت انتفاضاتها وهي تحاول التخلص من ذراعيه اللتين أحكمتا الطوق حولها.. حتى فقدت معظم قوتها وتهاوت بين يديه ليسقطا معاً أرضاً وهو يحاول دعمها حتى لا يرتطم جسدها بالأرض.. فسقط هو أولاً ليتمكن من تلقيها بين ذراعيه.. ويضمها إليه بقوة مسيطراً على حركاتها الرافضة له وهي تتمتم بلا انقطاع:
ـ ماما.. عايزة أروح لها..
عدل وضع جسده ليستند بظهره على الأريكة المواجهة للفراش ويجلسها على ساقيه اللذين امتدا أمامه وهو يهمس في أذنها:
ـ هشششش... علياء حبيبتي اهدي.. اهدي..
زاد من ضغط ذراعيه حولها وهو يضمها بقوة حتى هدأت شهقاتها قليلاً.. بينما دموعها لم تتوقف وهي تهتف بحرقة:
ـ أنا مش رخيصة.. أنا.. مش..
عدل وضع جسدها بحيث تستلقي بين أحضانه وأسند رأسها على ذراعه.. وأبعد بأنامله خصلاتها القصيرة المشعثة والتي غطت عينيها الدامعتين.. وامتدت أنامله لتمسح دمعاتها برقة وهو يقترب بوجهه منها واضعاً جبهته فوق جبهتها هامساً:
ـ عارفة ليه عمري ما ناديتك باسم غير علياء؟..
سكنت شهقاتها قليلاً وبدا أنها بدأت تستمع له.. فأكمل:
ـ اسمك بيوصفك يا علياء.. اسم أجمل وأغلى من أنه يختصر.. حتى لو بغرض الدلع والدلال.. مش بيقولوا كل واحد له نصيب من اسمه.. وأنتِ بقى اسمك بيوصفك كلك.. قلت لك قبل كده أنتِ غالية.. غالية قوي يا علياء..
سكنت بين ذراعيه وقد استسلمت لقبضته على خصرها وأخذت ترمش بعينيها الدامعتين وقد تعلقت الدموع بأهدابها.. وهي تستمع لكلماته التي يخبرها بها للمرة الأولى.. حرك جبهته قليلاً.. ليتمكن من رؤية عينيها اللتين تحدقان في وجهه بخوف وأمل.. فقبل وجنتها برقة شديدة هامساً:
ـ جننتيني لما بدأتِ تقلدي نيرة في لبسها.. ما كنتش ببقى فاهم إيه اللي بيحصلي.. عايز أغطيكِ وأخبيكِ عن عيون الناس.. كنت ببرر ده الأول وأقول لنفسي.. أختي الصغيرة.. زي ما بابا كان بيقولي..
ابتسم بسخرية من حاله وأكمل لعينيها المنتظرة بلهفة تكملة حديثه:
ـ لحد ليلة الحفلة في النادي.. وأنتِ بترقصي مع مازن.. من جوايا اتأكدت أنك مستحيل تكوني أخت لي.. كل اللي فكرت فيه أني عايز أخدك من إيدين مازن وأخبيكي.. لأنك بتاعتي..
ازدادت قبضته حول خصرها وهو يهمس بشراسة:
ـ بتاعتي.. فاهمة إزاي بتاعتي..
وترجم لها كلماته بقبلة ضارية على شفتيها تركتها تلهث بقوة وعينيها مازالتا تبرقان بغموض وهو يكمل:
ـ اللي حصل بعد كده أني أثبت ملكيتي بغباء.. وأنتِ دفعتِ التمن..
عاد الحزن مرة أخرى يترقرق في عينيها مع الدموع, وحاولت إبعاد وجهها عنه... ولكنه ثبته بشراسة لتسمع باقي كلماته وهو يخبرها:
ـ أنتِ بتاعتي.. مراتي..
ومد كفه يتحسس بطنها في شغف:
ـ أم ابني.. ومش هسمح لأي حد بعد كده يقلل منك.. ولا حتى أنتِ..
أغمضت عينيها فجرت إحدى الدمعات المعلقة في أهدابها وسألته في خفوت:
ـ ولا حتى مامتك؟..
عاد إليه مشهد والدته وهي تهز علياء بقسوة لحظة دخوله الغرفة.. فزاد من ضمه لها وهو يقول بحزم:
ـ ما فيش حد هيقرب منك, ولا هيأذيكِ تاني يا علياء.. ده عهد عليّ.. يا ريت تصدقيني وتسامحيني على اللي فات..
خرجت الكلمات منها قبل أن تستطيع منع نفسها:
ـ أنت سيبتني لوحدي..
اتكأ بجبهته فوق جبهتها ليهمس:
ـ لأني غبي!..
منعت بسمة خائنة كادت أن ترتسم على شفتيها وشعرت به يتمسك بيدها ويضغطها بين أصابعه قليلاً.. قبل أن يتحرك ليخرج من جيبه علبة صغيرة.. أخرج منها خاتماً مبهراً وأدخله في بنصرها هامساً:
ـ عارف أني أتأخرت.. والمفروض شبكتك كانت جت لك من بدري.. وكل حقوقك.. وحتى الأرض اللي ضاعت هرجعها.. أو على الأقل هعوضك عنها..
همست:
ـ بس أنا مش عايزة حاجة..
هز رأسه نافياً:
ـ لا.. المرة دي مش هينفع.. ومش هوافقك.. أنا بس اللي موقفني أنك توصلي لواحد وعشرين سنة عشان ما فيش حد من أعمامك يتدخل تاني..
أخفضت بصرها أرضاً والتزمت الصمت ولم تجبه.. فمد يده ليرفع ذقنها حتى
تواجهه عيناها وسألها هامساً:
ـ عجبك الخاتم؟..
انتقل بصرها بدون إرادة منها الى الخاتم في بنصرها.. كانت الماسة ذات اللون الأزرق الشاحب تتألق في يدها.. وقد ارتكزت على قاعدة بلاتينية ودعمها من الجانبين.. وردتين ماسيتين براقتين.. كان مميزاً بالفعل ولم ترى مثله من قبل وخاصة ماسته الملونة.. سمعته يهمس لها وهو يتناول يدها يقبل الخاتم بها:
ـ أنا طلبت الخاتم ده.. ولون الماسة الأزرق مخصوص.. ومن فترة.. ولسه الجواهرجي مكلمني الصبح عشان استلمه.. آسف أني اتأخرت عليكِ..
عادت لتلوذ بالصمت وكأنها تذكرت الآن أن تعاقبه بصمتها..
ابتسم بتفهم أمام صمتها الذي لاحظه على الفور.. ولكن ما يطمأنه أنها كفت عن البكاء.. وأمسكت قميصه بيدها التي ألبسها فيها الخاتم.. ويدها الأخرى التفت حول خصره لتدعم نفسها.. وأغمضت عينيها وهي ترمي برأسها على صدره وتباعدت شهقاتها.. وبدا أنها ستخلد للنوم بين ذراعيه.. فاستمر يهمس لها بمواقف وأحداث مرت بهما معاً.. بشعوره بالغيرة من مازن لأنه كان مقرباً منها في بعض الأوقات.. غيظه الشديد من نيرة بل غيرته من علاقة الصداقة بينهما.. كان يحكي.. ويحكي.. وهي تستمع في صمت.. تشعر أنه بجوارها بالفعل.. بأفكاره.. وعقله.. بروحه وليس جسده فقط.. تشعر أنها له.. وأنها بالفعل مميزة.. حتى ولو بقدر ضئيل.. ضئيل جداً..
وعلى بوابة المشفى أنزل مازن نيرة بعدما أحضرت لعلياء بضعة أشياء.. أهمها بضعة ثياب جديدة حتى تخرجها من ثوب المشفى الكئيب كما أخبرتها صباحاً.. وقبل أن تستدير لمازن مودعة لمحت سهام تغادر المشفى وهي تركب سيارتها ومعالم التوتر والغضب تحيط بها.. فقفزت من السيارة تركض نحو غرفة علياء.. وقد انتابها القلق الشديد عليها.. ولمح مازن اتجاه نظراتها.. فلحق بها مباشرة تاركًا السيارة في مدخل المشفى.. فهو يملك شكوكه الخاصة نحو سهام.. ولكنه بالطبع لم يستطع مواجهة صديقه بتلك الشكوك حول أمه..
وصلت نيرة أولاً إلى غرفة علياء لتجد الباب مفتوح على مصراعيه كما تركته سهام.. ولكنها تسمرت أمام مشهد يزيد الذي يضم علياء بين ذراعيه ويهدهدها كطفل صغير.. هامساً في أذنها بلا توقف بينما أغمضت عينيها باستسلام تستمع إليه ممسكة بقميصه بقبضتها.. وكأنها طفلة تختبئ بين أحضان أمها من قسوة العالم..
شعرت نيرة بيد مازن على كتفها وهو يسحبها خارج الغرفة التي لم يشعر من فيها بوجودهما وأغلق الباب بهدوء وحرص.. وجذب نيرة ليتجها إلى خارج المشفى:
ـ سيبيهم مع بعض شوية يا نيرة.. ابقي ارجعي لها بالليل.. هي محتاجة وجوده معاها دلوقتِ..
جذبت يدها منه بعنف وهب تهتف:
ـ ما هو وجوده ده هو سبب المشاكل كلها!
توقف مازن ليواجهها:
ـ علياء تقدر تحل مشاكلها مع يزيد بسهولة.. ما فيش خوف عليها منه, بالعكس هي لها سُلطة عليه.. وسُلطة كبيرة كمان.. من غير أي تدخل منك أو مني.. يلا بينا..
جلست بجواره في مقعد السيارة الأمامي.. بعدما اعتذر من أمن المشفى لتركه السيارة بتلك الصورة.. وسمعها تخبره:
ـ عارف.. كان نفسي ما يرجعش من دبي..
رفع حاجباً متسائلاً:
ـ وعلياء؟.. مين كان ممكن يخرجها من تحت إيدين اعمامها؟..
أجابته بثقة:
ـ أنت كنت تقدر بسهولة مع الرجالة اللي كانوا معانا هناك.. بس كانت علياء هتفوق من وهم يزيد..
أدار مازن السيارة وهو يجبها بغموض:
ـ وعشان هو مش وهم يزيد رجع.. وبلاش تلعبي في دماغها.. أو تزرعي أي أفكار.. دلوقتِ في طفل جاي في الطريق.. والوضع مش مستحمل..
غمغمت بحنق:
ـ طفلة هتخلف طفل!
ابتسم بسخرية وهو ينهي الحوار:
ـ طفلة يمكن.. بس عرفت ولو بالفطرة إزاي تسكن يزيد وتتمكن منه.. حاولي تتعلمي منها حاجة..
رمقته بحذر وقد جمعهما معاً نفس الشعور للمرة الاولى.. فهما يشعران ويالسخرية بالحسد نحو يزيد وعلياء..
*************
كان حسن منهمكاً في عمله كعادته.. نائياً بنفسه قليلاً عن زملائه.. يحاول جاهداً التأقلم والاندماج معهم والمحافظة على هويته في نفس الوقت.. ويعلم مدى صعوبة هذا.. فإن شعروا للحظة أنه يتعالى عليهم, أو يعاملهم على أنه أعلى منزلة لفقد مودتهم الفطرية وتقبلهم الطبيعي له.. يحاول المحافظة على علاقة متوازنة معهم, ولكن رغماً عنه أصبح يتنازل قليلاً.. فيشاركهم جلساتهم وخاصة بعد زيارة تلك السيدة التي تسمى ابتسام وازدياد التعليقات الموحية نحوه.. فاضطر لتبادل المزاح والنكات معهم حول الأمر محولاً إياه إلى مزحة سخيفة حتى لا يتحول الموضوع لاتجاه آخر..
دقات لكعب رفيع وعالي وصلت لأذنيه مع همهمات وضحكات مكتومة من زملاؤه.. وصوت يصطنع النعومة:
ـ هاي يا أسطى سونة!..
حاول ألا يلتفت نحوها.. ولكنها رفعت أناملها لتحركها على كتفه لتجبره على الالتفاف نحوها.. ليجدها ترتدي أقصر تنورة وقعت عيناه عليها.. حتى أنه ظن لوهلة الأولى أنها نسيت أن ترتدي واحدة تحت البلوزة الخضراء الشيفون التي ترتديها وتفسر جسدها بالتفصيل من ناحية الشفافية والضيق على السواء..
وجدها ترمش بعينيها اللتين تحولتا إلى لون زمردي:
ـ شفت عينيا بقيت لون عينيك إزاي؟..
رمقها بذهول:
ـ افندم!
اقتربت منه وهي تتغنج بوقاحة:
ـ ما بتردش على تليفوناتي ليه؟..
أجاب باقتضاب:
ـ أنا رديت عليكِ فعلاً.. وبلغتك أني مش فاضي لأي شغل خاص..
رفعت أناملها لتتحسس وجنته الخشنة حيث لم يتمكن من حلاقة ذقنه في الصباح لانقطاع المياه.. وهو شيء اعتاد عليه مؤخراً.. ولكنه وجدها الآن تتلمس خشونة ذقنه بشغف.. بينما لمح بطرف عينه زملاؤه يتحركون.. متعذرين باستراحة الغذاء ليتركوهما معاً.. وسط الغمزات والابتسامات الموحية.. سمع صوتها يتهدج:
ـ ما حلقتش دقنك ليه؟..
كاد أن يصرخ بها.. "أنتِ مجنونة يا ست أنتِ!".. ولكنه بدلاً من ذلك.. قرر أن يلاعبها بطريقتها فازاح يدها ببطء وهو يهمس لها:
ـ بحلقها بالليل.. عشان بتضايق مراتي..
ابتعدت عنه ولمعت عينيها بسخرية:
ـ أنت متخيل كده.. أني هغير... تؤ تؤ تؤ.. أنا ما يهمنيش مراتك.. ولا أيه اللي بيضايقها.. ولاحبها لك, ولا حتى حبك لها..
ورفعت أناملها لتداعب صدره بإغراء:
ـ أنت عارف اللي أنا عاوزاه..
سألها:
ـ واللي هو؟..
رفعت يدها الأخرى لتتسلل نحو صدره هي الأخرى وترتفعا معاً لتحيط بعنقه وهي تهمس بإغراء:
ـ الشالية بتاعي في الساحل.. نروح يومين.. نغير الديكورات..
وصمتت للحظة لتردف:
ـ ونغير جو.. وبعدين ترجع لمراتك.. ما ترجعش.. براحتك..
أجابها بابتسامة:
ـ فكرة كويسة.. حتى هتكون فرصة حلوة أني أفسح منى في الساحل..
سألت بغضب:
ـ منى مين؟..
هز كتفيه بملل:
ـ منى مراتي..
تحكمت في غضبها بصعوبة وهمست له وهي تحرك يديها من خلف عنقه ولكن لتمرر أظافرها بخفة تاركة خدش طويل على طول عنقه وهمست بخبث:
ـ ما تتحدانيش يا حسن.. أنا دايماً باخد اللي أنا عايزاه...
تركته في حيرة ورحلت.. ولم يعلم بوجود الخدش في عنقه إلا ليلاً ومنى تحاول دفعه بكل ما تملك من قوة صارخة بصوت مجروح:
ـ أنت كنت فين قبل ما تيجي يا حسن؟..
*************
تسللت دنيا بخفة من الفراش تاركة مازن ليرتاح قليلاً.. ارتدت روباً قصيراً.. واتجهت للمطبخ لتعد له النسكافيه كما يحبه.. بدون استخدام الماكينة.. ولكنها تعده له يدوياً حيث تدعك السكر مع حبيبات النسكافيه لفترة طويلة ثم تصب له الماء واللبن.. الثلث والثلثين.. ابتسمت لنفسها ابتسامة حزينة.. فهي أصبحت تحفظ عاداته وما يحب وما يكره كما تحفظ اسمها.. وتسعى دائماً لإسعاده وإرضائه..
وضعت يدها على قلبها تريد أن تخرجه من بين ضلوعها لتسأله..
"ليه؟.. ليه ما اختارتش تحبه هو؟.. ليه اختارت اللي بيوجعك ويجرحك؟.."..
كادت أن تسقط دمعة من عينيها.. لولا أنها شعرت بأنفاسه فوق عنقها.. ويديه تتسلل إلى فتحة روبها هامساً:
ـ ليه سيبتي السرير؟..
حاولت أن تبعد يديه ولكنها تعلم مدى إصراره عندما يريد شيئاً.. فتركتهما أخيراً:
ـ كنت بعملك نسكافيه..
لفها نحوه وهو يفتح الروب ليضمها لصدره طابعاً قبلة على عنقها:
ـ اممممم.. ممكن نأجل النسكافيه شوية؟..
حاولت التملص منه وهي تشعر بيده تلف خصرها من أسفل الروب والأخرى تثبت رأسها حتى يتمكن من تقبيلها.. فهمست بضعف:
ـ مازن.. عندي شغل.. لازم أنزل..
حرك يده من خلف رأسها ليزيح قدح النسكافيه فيسقطه في الحوض.. ورفعها بين ذراعيه واتجه بها إلى غرفتهما بسرعة..
بعد فترة.. كان يرتشف قدحاً آخر من النسكافيه بتلذذ وهو مستلقي في الفراش.. وهي جالسة بجواره.. تريد أن تعلم ما به.. فهي تشعر باختلافه.. وخاصة بعد ظهوره أمام عتبة شقتها في الليلة التالية لزفافه.. ليلتها همس باجهاد:
ـ صداع يا دنيا.. صداع هيفرتك دماغي..
اصطحبته ليلتها إلى الأريكة.. ووضعت رأسه في حجرها وظلت تمسدها لساعة كاملة قبل أن تظهر معالم الارتياح على وجهه..
همست له:
ـ أحسن دلوقتِ؟..
أجاب باقتضاب:
ـ أنا كنت عند حسن..
ولم يقل المزيد.. فقط أغمض عينيه واستسلم للنوم..
علمت ليلتها أنه لن يجيب على أي سؤال.. فاحترمت رغبته.. ولم تجادل.. ولم تناقش.. فقط عدلت من وضع رأسه لتتلقاها على صدرها.. وظلا هكذا.. حتى الفجر.. فنهض ليذهب الى منزله وهو يضمها الى صدره طابعاً قبلة على جبينها:
ـ متشكر قوي يا دنيا..
تحسست وجنته بحنان:
ـ انا موجودة دايماً يا مازن.. دنيا صديقتك قبل ما أكون دنيا مراتك..
أفاقت من ذكريات تلك الليلة على أصابعه تداعب ساقها وهو يسألها:
ـ سرحانة في إيه؟..
رمقته للحظة:
ـ عايزة أزور عليا..
ابتسم ابتسامة واسعة.. تحولت لضحكة عالية.. ولم يستطع التوقف عن الضحك.. حتى أن دنيا سحبت منه قدح النسكافيه وهي تلكزه بعنف:
ـ إيه!.. هو أنا قلت نكتة!..
هز رأسه وهو يحاول التحكم في ضحكاته:
ـ مستغرب بس.. مراتاتي الاتنين.. بيحبوا عليا جداً.. أعتقد أنها الست الوحيدة اللي هتجتمعوا على التعاطف معاها وحبها.. وهي تستحق بصراحة..
وقفت دنيا على ركبتيها ووضعت يديها في خصرها لتطل عليه من علو:
ـ سخيف.. على فكرة ما فيش حاجة تضحك؟.
ثم قطبت حاجبيها:
ـ أنت معجب بعلياء بجد؟
تصنع التأثر:
ـ أنتِ عايزة يزيد يقتلني, صح؟.. بس دي غيرة دي ولا إيه!.. غريبة.. أنتِ عمرك ما غيرتي من نيرة!
لفت جسدها وجلست بجواره وهي تناوله قدح النسكافيه مرة أخرى وتجبه بصراحة كما اعتادت:
ـ مش عارفة.. ممكن تكون غيرة.. بس مع نيرة أنا فاهمة إحساسك ناحيتها وعارفة مشاعرك.. واليوم اللي هغير فيه من نيرة.. هو اليوم اللي هبعد فيه عن حياتك, لكن يمكن غِرت إن إعجابك يكون من نصيب واحدة تانية..
رمقها بدهشة:
ـ عارفة.. على قد وضوحك.. على قد ما أنتِ لغز كبير..
أمسكت ذقنه بأناملها وهي تداعبه:
ـ بس لغز حلو.. مش كده..
تحرك فجأة ووضع القدح بجواره وقلبها على ظهرها وهو يهتف:
ـ لغز زي العسل.. وأنا ناقصني عسل اليومين دول!..
ضحكت بعبث.. وتملصت منه لتقف بجوار الفراش مكتفة ذراعيها:
ـ عايزة أروح لعليا..
رمى نفسه على الفراش وهو يتحسر متمتماً
"مكتوب عليك الحرمان من العسل يا مازن".
ثم رفع صوته:
ـ بلاش يا دنيا.. يزيد هيتضايق..
رفعت حاجبها:
ـ ومين قالك أني عايزة موافقته!
ـ طب وموافقتي أنا!
ـ وأنت مش هتوافق ليه؟..
اعتدل في جلسته وجذبها لتجلس بجواره:
ـ وضع عليا النفسي مش مستقر.. اللي مرت به مش بسيط.. ده غير الحمل.. بلاش.. يا دنيا.. وخاصة إنه المفروض أنك ما تعرفيش تفاصيل اللي حصل..
ـ بس أنا كنت عايزة أساعدها..
ـ يزيد موجود..
رمقته بنظرة نارية.. فعادت ضحكاته ترتفع وهو يجذبها لتصبح تحته مرة أخرى:
ـ يظهر أنك ونيرة بتشتركوا في حب عليا وكره يزيد..
همست بضعف:
ـ مازن..
اقترب منها بخطورة:
ـ مازن محتاج العسل...
**********
وصل يزيد إلى فيلا والده وهو يشعر بالإجهاد الشديد.. فهو لم يغمض عينيه منذ يومين.. ولن يطمئن ويغمضهما قبل أن يصطحب علياء إلى شقتهما بأمان.. حتى أنه طلب من رئيس الأمن في مجموعته وضع رجلين من أفضل رجاله أمام غرفتها بالمشفى.. وأمرهما ألا يسمحا لأحد بالدخول سواه, هو ونيرة فقط.. فبالرغم من سخافة نيرة إلا أنها تهتم بعلياء بصدق..
اقترب من مكتب والده ليخبره بقراره بعدم العودة إلى دبي مرة أخرى.. فهو قرر البقاء ومحاولة إنجاح حياته والتأقلم مع وجود زوجتين.. ضرب رأسه بقوة.. فريناد ما زالت بدبي.. كيف غاب ذلك عن باله؟.. حسناً.. سيطلب منها العودة.. ولكن أولاً.. يحتاج إلى الحديث مع والده.. ثم حوار طويل وحازم مع والدته ليوضح لها وضع علياء في حياته..
قبل أن يمد يده ليفتح باب المكتب وصله صوت والده يصرخ في والدته بغضب:
ـ أنتِ تعديتِ السفالة للإجرام.. ولو كنتِ فاهمة إني ما اكتشفتش اتفاقك مع أعمام عليا تبقي غلطانة.. السواق بتاع عليا اعترف بكل حاجة.. والقذارة اللي بلغتيها لأهل البنت أنا مش هسكت عليها.. اللي عملتيه ده يا مدام اسمه تحريض على القتل..
تجمدت يدا يزيد على مقبض الباب وهو يستوعب ما وصل لأذنيه للتو.
اتخذت علياء وضع الجنين في رقدتها كما اعتادت في الأيام الأخيرة وظلت تحاول العودة إلى النوم بدون فائدة.. فما أن تغمض عينيها حتى ترى أمامها وجه عمتها وهي تمسك بالمقص لتغتال خصلاتها الطويلة.. وتهمس لها بغل أنها ستسلبها كل ما يميز جمالها عن سائر نساء العائلة, ذلك الجمال الذي ورثته عن أمها "الساقطة" كما رددت عمتها.. وبعدما انتهت جذبت سلسلة يزيد من عنقها بعنف وهي تخبرها أن العهر لا يستحق المكافأة..
حاولت ضم نفسها بذراعيها تعوض بهما عن ذراعيه اللتين أحاطتاها طوال الليل.. منحها الدفء والأمان لا تنكر.. لكن هناك تلك القطعة من الصقيع والتي تشبه الخنجر مازالت تدمي روحها, تجعلها غير قادرة على التواصل معه.. أو حتى النظر إليه.. حالة من الصمت تمسكت بها وهو تقبلها بتفهم وظل ملتصقاً بها طوال الليل.. يطمئنها بوجوده كلما استيقظت فزعة هاربة من عذاب جديد أو تنكيل بها.. يضمها بين ذراعيه لتستكين برأسها على صدره فتهدأ قليلاً.. حكى لها كيف علم باختفائها وكيف اتفق مع أعمامها.. اعتذر منها لتفريطه في الأرض.. وشرح لها تلك كانت الطريقة الوحيدة ليعود بها إلى بيتهما.. أقسم أن يعوضها عن الأرض وما سلبوه منها.. وكأنها تهتم.. وكأنه يدرك ما سُلِب منها.. ليس الأمان ولا الطمأنينة فهما ضاعا مع موت والديها.. أو كونها ذات أهمية لأحدهم.. فهي تعودت الحياة على الهامش.. لكن الأيام الماضية أثبتت لها كم هي رخيصة بالفعل.. لا تساوي إلا حفنة من الأموال وطين أرض..
رائحة عطرية ثقيلة اخترقت أنفاسها وصوت حذاء ذو كعب عالٍ أكد لها أنها لم تعد بمفردها في الغرفة.. فيزيد أخبرها بهمس أنه سيذهب ليبدل ملابسه, ونيرة قررت الذهاب وإحضار العدة اللازمة لتعيدها إلى أنوثتها كما أخبرتها.. ولم تقبل جدال..
التفتت علياء ببطء لتواجه عينين ممتلئين بالكراهية والحقد وصوت سهام يدوي بكل مقت الدنيا:
ـ حقيقي.. زي القط بسبع أرواح!..
انكمشت علياء على نفسها وأحاطت بطنها بذراعيها تحمي طفلها بدون إرادة منها وهي تهتف بخوف:
ـ ابعد.. ابعدي.. عني.. أنا عـ..ا.ر.فـ..ــة.. عارفة كـــ..ل حــ..اجة..
كتفت سهام ذراعيها وأجابتها بسخرية:
ـ وناوية على إيه إن شاء الله!.. تحكي ليزيد عشان تبعديه عن أمه الشريرة!
وأطلقت ضحكات عالية جعلت علياء تعتقد أنها لم تكن في حالة عقلية سليمة.. وأردفت بغل:
ـ وتفتكري يزيد ابني.. هيصدقك.. أو يصدق كلامك؟.. أعمامك نفسهم ما جابوش سيرتي.. فكروا إزاي يجمعوا من وراكي قرشين.. زي أي واحدة مومس أهلها بيتاجروا بيها..
سقطت دموع علياء وشعرت أنها ستختنق بغصتها.. فسهام تضغط على جرحها بشدة.. لاحظت سهام صمتها ودموعها التي بدأت تهطل.. فاستمرت بقسوة كلماتها.. وكأنها تريد أن تكمل انتقامها:
ـ للأسف أهلك طلعوا في منتهى الرخص.. كان لازم أتوقع كده.. فكروا في مكاسبهم وبس.. بذمتك حاسة بإيه وأهلك بيطلبوا أنك تدفعي تمن جوازك من ابني أرضك وكل ما تملكي..
رغم قسوة كلمات سهام إلا أن شيء ما جعل علياء تنتفض لتواجه القسوة الموجهة إليها.. لم تعرف من أين امتلكت القوة.. ربما طفلها هو من يحثها على المقاومة.. ربما كثرة جراحها لم تدع مكاناً لجرح آخر.. ولكنها وجدت نفسها تتحرك من فوق فراشها لتواجه سهام وتهتف وسط دموعها المتساقطة:
ـ أنتِ ليه بتكرهيني كده!.. أنا عمري ما أذيتك ولا حتى فكرت أجرحك.. وأنتِ بمنتهى القسوة دبرتِ أنكِ تمحيني من الدنيا..
صرخت سهام وقد بدا تشوشها واضحاً:
ـ عمرك ما أذيتيني!!.. أنتِ سرقتِ جوزي مني.. هدمتِ حياتي ودمرتِ بيتي..
كان بيروح هنا وهنا.. ويرجع لي أنا.. لحد ما عرفك.. و..
قاطعتها علياء بذهول:
ـ أنــ..ا.. عملت كده!.. أنا عليااااء!
وكأنها لكمتها في وجهها لتستفيق لواقعها صارخة بجنون وكأنها تحدث نفسها:
ـ علياء.. نادية.. هتفرق.. نادية ملكته.. سرقته مني.. وسابت بنتها تكمل من وراها..
ثم هزت رأسها بقوة فتناثرت خصلاتها المصففة جيداً.. وبرقت عيناها بشدة وهي تقترب منها بشدة:
ـ أنتِ جريمتك أكبر.. أنتِ خطفتِ فرحة عمري كله.. خلتيني أشوفك في عيون ابني ليل ونهار.. كأنه عايش في ملكوت ما فيش فيه غيرك.. كان لازم حياتنا ترجع زي ما كانت قبل ما تظهري فيها.. وهو يتجوز ريناد.. ويفضل حبيب أمه وبس.. لكن أنتِ.. أنتِ.. أنتِ لازم تختفي من الدنيا!
صرخت بها علياء وهي تتراجع للخلف وتلف بطنها بذراعيها:
ـ ما تقربيش مني.. أخرجي بره..
اقتربت سهام وأمسكت بكتفيّ علياء وهي تهزها بشدة وتردد هاتفة:
ـ لازم تختفي.. لازم..
ـ ماااامااا..
صرخة يزيد التي أتت من باب الغرفة المفتوحة وقد برزت حدقتاه ذهولاً من المشهد.. والدته تهز علياء بشدة.. بينما علياء تلف ذراعيها حول بطنها ودموعها تتساقط وعلى وجهها ارتسمت أقصى درجات الرعب..
تحرك بسرعة لينتزع علياء من بين يدي والدته ليزرعها في صدره ويضمها بقوة بين ذراعيه محاولاً السيطرة على نوبة الهيستريا التي بدأت تظهر علاماتها واضحة عليها وهي تتخبط بين أحضانه وتشهق بقوة متمتمة بكلمات غير مفهومة..
هتف بوالدته بقوة:
ـ ماما من فضلك سيبيني معاها لوحدنا..
تجمدت سهام وهي تسمع نبرة ابنها الحازمة, والتي تناقض تصرفاته الرقيقة نحو الفتاة فهو يضمها.. يقربها.. يهمس لها.. يحاول طمأنتها وهدهدتها بكل الطرق.. وهي أمه يطلب منها الخروج بتلك اللهجة الباردة التي أعادها للمرة الثانية وهو يصرخ بأمه:
ـ ماما.. من فضلك أخرجي بره الأوضة..
رمقته سهام بنظرة ضائعة ثم خرجت مهرولة من الغرفة وصورة ابنها وهو يضم عدوتها بين ذراعيه لا تنمحي من أمام عينيها..
أما علياء فكان جسدها ينتفض بقوة وهي عاجزة عن السيطرة عليه, وكأن عنف سهام نحوها أيقظ ذكريات الأيام الماضية فكانت تفرك وجهها في عنق يزيد تارة, وتارة أخرى تخبط رأسها بقوة في صدره وكأنها تريد إسقاط المشاهد التي تتزاحم في رأسها.. ثم تعود وتلصق وجهها بصدره وهي تتمسك بقميصه بقوة.. متمتمة من بين شهقاتها:
ـ أنت سيبتني لها.. سيبتني لوحدي.. لوحدي.. بعدت.. عني.. بعدت عني.. وأنا لوحدي.. كلهم.. كلهم.. سابوني.. آذوني.. وجعوني قوي.. ما فيش حد عايزني.. أنا عايزة ماما.. عايزة أروح لماما.. هقولها أنا مش رخيصة.. أنا متجوزة.. مش رخيصة.. ماما.. ماما..
ظلت تخبط رأسها بصدره وهي تناجي أمها وتبكي بلا توقف.. بينما هو ثبت رأسها بكفه زارعاً إياها بصدره ومتمتماً بأذنها:
ـ اهدي يا علياء.. اهدي الله يخليكِ.. مش هينفع تاخدي مهدئ ولا منوم.. هدي نفسك شوية..
أخذت شهقاتها تتعالى واستبدلت رأسها بقبضتيها وهي تضرب صدره بقوة هاتفة:
ـ عايزة ماما.. أروح لها.. عايزة أروح لها..
وازدادت انتفاضاتها وهي تحاول التخلص من ذراعيه اللتين أحكمتا الطوق حولها.. حتى فقدت معظم قوتها وتهاوت بين يديه ليسقطا معاً أرضاً وهو يحاول دعمها حتى لا يرتطم جسدها بالأرض.. فسقط هو أولاً ليتمكن من تلقيها بين ذراعيه.. ويضمها إليه بقوة مسيطراً على حركاتها الرافضة له وهي تتمتم بلا انقطاع:
ـ ماما.. عايزة أروح لها..
عدل وضع جسده ليستند بظهره على الأريكة المواجهة للفراش ويجلسها على ساقيه اللذين امتدا أمامه وهو يهمس في أذنها:
ـ هشششش... علياء حبيبتي اهدي.. اهدي..
زاد من ضغط ذراعيه حولها وهو يضمها بقوة حتى هدأت شهقاتها قليلاً.. بينما دموعها لم تتوقف وهي تهتف بحرقة:
ـ أنا مش رخيصة.. أنا.. مش..
عدل وضع جسدها بحيث تستلقي بين أحضانه وأسند رأسها على ذراعه.. وأبعد بأنامله خصلاتها القصيرة المشعثة والتي غطت عينيها الدامعتين.. وامتدت أنامله لتمسح دمعاتها برقة وهو يقترب بوجهه منها واضعاً جبهته فوق جبهتها هامساً:
ـ عارفة ليه عمري ما ناديتك باسم غير علياء؟..
سكنت شهقاتها قليلاً وبدا أنها بدأت تستمع له.. فأكمل:
ـ اسمك بيوصفك يا علياء.. اسم أجمل وأغلى من أنه يختصر.. حتى لو بغرض الدلع والدلال.. مش بيقولوا كل واحد له نصيب من اسمه.. وأنتِ بقى اسمك بيوصفك كلك.. قلت لك قبل كده أنتِ غالية.. غالية قوي يا علياء..
سكنت بين ذراعيه وقد استسلمت لقبضته على خصرها وأخذت ترمش بعينيها الدامعتين وقد تعلقت الدموع بأهدابها.. وهي تستمع لكلماته التي يخبرها بها للمرة الأولى.. حرك جبهته قليلاً.. ليتمكن من رؤية عينيها اللتين تحدقان في وجهه بخوف وأمل.. فقبل وجنتها برقة شديدة هامساً:
ـ جننتيني لما بدأتِ تقلدي نيرة في لبسها.. ما كنتش ببقى فاهم إيه اللي بيحصلي.. عايز أغطيكِ وأخبيكِ عن عيون الناس.. كنت ببرر ده الأول وأقول لنفسي.. أختي الصغيرة.. زي ما بابا كان بيقولي..
ابتسم بسخرية من حاله وأكمل لعينيها المنتظرة بلهفة تكملة حديثه:
ـ لحد ليلة الحفلة في النادي.. وأنتِ بترقصي مع مازن.. من جوايا اتأكدت أنك مستحيل تكوني أخت لي.. كل اللي فكرت فيه أني عايز أخدك من إيدين مازن وأخبيكي.. لأنك بتاعتي..
ازدادت قبضته حول خصرها وهو يهمس بشراسة:
ـ بتاعتي.. فاهمة إزاي بتاعتي..
وترجم لها كلماته بقبلة ضارية على شفتيها تركتها تلهث بقوة وعينيها مازالتا تبرقان بغموض وهو يكمل:
ـ اللي حصل بعد كده أني أثبت ملكيتي بغباء.. وأنتِ دفعتِ التمن..
عاد الحزن مرة أخرى يترقرق في عينيها مع الدموع, وحاولت إبعاد وجهها عنه... ولكنه ثبته بشراسة لتسمع باقي كلماته وهو يخبرها:
ـ أنتِ بتاعتي.. مراتي..
ومد كفه يتحسس بطنها في شغف:
ـ أم ابني.. ومش هسمح لأي حد بعد كده يقلل منك.. ولا حتى أنتِ..
أغمضت عينيها فجرت إحدى الدمعات المعلقة في أهدابها وسألته في خفوت:
ـ ولا حتى مامتك؟..
عاد إليه مشهد والدته وهي تهز علياء بقسوة لحظة دخوله الغرفة.. فزاد من ضمه لها وهو يقول بحزم:
ـ ما فيش حد هيقرب منك, ولا هيأذيكِ تاني يا علياء.. ده عهد عليّ.. يا ريت تصدقيني وتسامحيني على اللي فات..
خرجت الكلمات منها قبل أن تستطيع منع نفسها:
ـ أنت سيبتني لوحدي..
اتكأ بجبهته فوق جبهتها ليهمس:
ـ لأني غبي!..
منعت بسمة خائنة كادت أن ترتسم على شفتيها وشعرت به يتمسك بيدها ويضغطها بين أصابعه قليلاً.. قبل أن يتحرك ليخرج من جيبه علبة صغيرة.. أخرج منها خاتماً مبهراً وأدخله في بنصرها هامساً:
ـ عارف أني أتأخرت.. والمفروض شبكتك كانت جت لك من بدري.. وكل حقوقك.. وحتى الأرض اللي ضاعت هرجعها.. أو على الأقل هعوضك عنها..
همست:
ـ بس أنا مش عايزة حاجة..
هز رأسه نافياً:
ـ لا.. المرة دي مش هينفع.. ومش هوافقك.. أنا بس اللي موقفني أنك توصلي لواحد وعشرين سنة عشان ما فيش حد من أعمامك يتدخل تاني..
أخفضت بصرها أرضاً والتزمت الصمت ولم تجبه.. فمد يده ليرفع ذقنها حتى
تواجهه عيناها وسألها هامساً:
ـ عجبك الخاتم؟..
انتقل بصرها بدون إرادة منها الى الخاتم في بنصرها.. كانت الماسة ذات اللون الأزرق الشاحب تتألق في يدها.. وقد ارتكزت على قاعدة بلاتينية ودعمها من الجانبين.. وردتين ماسيتين براقتين.. كان مميزاً بالفعل ولم ترى مثله من قبل وخاصة ماسته الملونة.. سمعته يهمس لها وهو يتناول يدها يقبل الخاتم بها:
ـ أنا طلبت الخاتم ده.. ولون الماسة الأزرق مخصوص.. ومن فترة.. ولسه الجواهرجي مكلمني الصبح عشان استلمه.. آسف أني اتأخرت عليكِ..
عادت لتلوذ بالصمت وكأنها تذكرت الآن أن تعاقبه بصمتها..
ابتسم بتفهم أمام صمتها الذي لاحظه على الفور.. ولكن ما يطمأنه أنها كفت عن البكاء.. وأمسكت قميصه بيدها التي ألبسها فيها الخاتم.. ويدها الأخرى التفت حول خصره لتدعم نفسها.. وأغمضت عينيها وهي ترمي برأسها على صدره وتباعدت شهقاتها.. وبدا أنها ستخلد للنوم بين ذراعيه.. فاستمر يهمس لها بمواقف وأحداث مرت بهما معاً.. بشعوره بالغيرة من مازن لأنه كان مقرباً منها في بعض الأوقات.. غيظه الشديد من نيرة بل غيرته من علاقة الصداقة بينهما.. كان يحكي.. ويحكي.. وهي تستمع في صمت.. تشعر أنه بجوارها بالفعل.. بأفكاره.. وعقله.. بروحه وليس جسده فقط.. تشعر أنها له.. وأنها بالفعل مميزة.. حتى ولو بقدر ضئيل.. ضئيل جداً..
وعلى بوابة المشفى أنزل مازن نيرة بعدما أحضرت لعلياء بضعة أشياء.. أهمها بضعة ثياب جديدة حتى تخرجها من ثوب المشفى الكئيب كما أخبرتها صباحاً.. وقبل أن تستدير لمازن مودعة لمحت سهام تغادر المشفى وهي تركب سيارتها ومعالم التوتر والغضب تحيط بها.. فقفزت من السيارة تركض نحو غرفة علياء.. وقد انتابها القلق الشديد عليها.. ولمح مازن اتجاه نظراتها.. فلحق بها مباشرة تاركًا السيارة في مدخل المشفى.. فهو يملك شكوكه الخاصة نحو سهام.. ولكنه بالطبع لم يستطع مواجهة صديقه بتلك الشكوك حول أمه..
وصلت نيرة أولاً إلى غرفة علياء لتجد الباب مفتوح على مصراعيه كما تركته سهام.. ولكنها تسمرت أمام مشهد يزيد الذي يضم علياء بين ذراعيه ويهدهدها كطفل صغير.. هامساً في أذنها بلا توقف بينما أغمضت عينيها باستسلام تستمع إليه ممسكة بقميصه بقبضتها.. وكأنها طفلة تختبئ بين أحضان أمها من قسوة العالم..
شعرت نيرة بيد مازن على كتفها وهو يسحبها خارج الغرفة التي لم يشعر من فيها بوجودهما وأغلق الباب بهدوء وحرص.. وجذب نيرة ليتجها إلى خارج المشفى:
ـ سيبيهم مع بعض شوية يا نيرة.. ابقي ارجعي لها بالليل.. هي محتاجة وجوده معاها دلوقتِ..
جذبت يدها منه بعنف وهب تهتف:
ـ ما هو وجوده ده هو سبب المشاكل كلها!
توقف مازن ليواجهها:
ـ علياء تقدر تحل مشاكلها مع يزيد بسهولة.. ما فيش خوف عليها منه, بالعكس هي لها سُلطة عليه.. وسُلطة كبيرة كمان.. من غير أي تدخل منك أو مني.. يلا بينا..
جلست بجواره في مقعد السيارة الأمامي.. بعدما اعتذر من أمن المشفى لتركه السيارة بتلك الصورة.. وسمعها تخبره:
ـ عارف.. كان نفسي ما يرجعش من دبي..
رفع حاجباً متسائلاً:
ـ وعلياء؟.. مين كان ممكن يخرجها من تحت إيدين اعمامها؟..
أجابته بثقة:
ـ أنت كنت تقدر بسهولة مع الرجالة اللي كانوا معانا هناك.. بس كانت علياء هتفوق من وهم يزيد..
أدار مازن السيارة وهو يجبها بغموض:
ـ وعشان هو مش وهم يزيد رجع.. وبلاش تلعبي في دماغها.. أو تزرعي أي أفكار.. دلوقتِ في طفل جاي في الطريق.. والوضع مش مستحمل..
غمغمت بحنق:
ـ طفلة هتخلف طفل!
ابتسم بسخرية وهو ينهي الحوار:
ـ طفلة يمكن.. بس عرفت ولو بالفطرة إزاي تسكن يزيد وتتمكن منه.. حاولي تتعلمي منها حاجة..
رمقته بحذر وقد جمعهما معاً نفس الشعور للمرة الاولى.. فهما يشعران ويالسخرية بالحسد نحو يزيد وعلياء..
*************
كان حسن منهمكاً في عمله كعادته.. نائياً بنفسه قليلاً عن زملائه.. يحاول جاهداً التأقلم والاندماج معهم والمحافظة على هويته في نفس الوقت.. ويعلم مدى صعوبة هذا.. فإن شعروا للحظة أنه يتعالى عليهم, أو يعاملهم على أنه أعلى منزلة لفقد مودتهم الفطرية وتقبلهم الطبيعي له.. يحاول المحافظة على علاقة متوازنة معهم, ولكن رغماً عنه أصبح يتنازل قليلاً.. فيشاركهم جلساتهم وخاصة بعد زيارة تلك السيدة التي تسمى ابتسام وازدياد التعليقات الموحية نحوه.. فاضطر لتبادل المزاح والنكات معهم حول الأمر محولاً إياه إلى مزحة سخيفة حتى لا يتحول الموضوع لاتجاه آخر..
دقات لكعب رفيع وعالي وصلت لأذنيه مع همهمات وضحكات مكتومة من زملاؤه.. وصوت يصطنع النعومة:
ـ هاي يا أسطى سونة!..
حاول ألا يلتفت نحوها.. ولكنها رفعت أناملها لتحركها على كتفه لتجبره على الالتفاف نحوها.. ليجدها ترتدي أقصر تنورة وقعت عيناه عليها.. حتى أنه ظن لوهلة الأولى أنها نسيت أن ترتدي واحدة تحت البلوزة الخضراء الشيفون التي ترتديها وتفسر جسدها بالتفصيل من ناحية الشفافية والضيق على السواء..
وجدها ترمش بعينيها اللتين تحولتا إلى لون زمردي:
ـ شفت عينيا بقيت لون عينيك إزاي؟..
رمقها بذهول:
ـ افندم!
اقتربت منه وهي تتغنج بوقاحة:
ـ ما بتردش على تليفوناتي ليه؟..
أجاب باقتضاب:
ـ أنا رديت عليكِ فعلاً.. وبلغتك أني مش فاضي لأي شغل خاص..
رفعت أناملها لتتحسس وجنته الخشنة حيث لم يتمكن من حلاقة ذقنه في الصباح لانقطاع المياه.. وهو شيء اعتاد عليه مؤخراً.. ولكنه وجدها الآن تتلمس خشونة ذقنه بشغف.. بينما لمح بطرف عينه زملاؤه يتحركون.. متعذرين باستراحة الغذاء ليتركوهما معاً.. وسط الغمزات والابتسامات الموحية.. سمع صوتها يتهدج:
ـ ما حلقتش دقنك ليه؟..
كاد أن يصرخ بها.. "أنتِ مجنونة يا ست أنتِ!".. ولكنه بدلاً من ذلك.. قرر أن يلاعبها بطريقتها فازاح يدها ببطء وهو يهمس لها:
ـ بحلقها بالليل.. عشان بتضايق مراتي..
ابتعدت عنه ولمعت عينيها بسخرية:
ـ أنت متخيل كده.. أني هغير... تؤ تؤ تؤ.. أنا ما يهمنيش مراتك.. ولا أيه اللي بيضايقها.. ولاحبها لك, ولا حتى حبك لها..
ورفعت أناملها لتداعب صدره بإغراء:
ـ أنت عارف اللي أنا عاوزاه..
سألها:
ـ واللي هو؟..
رفعت يدها الأخرى لتتسلل نحو صدره هي الأخرى وترتفعا معاً لتحيط بعنقه وهي تهمس بإغراء:
ـ الشالية بتاعي في الساحل.. نروح يومين.. نغير الديكورات..
وصمتت للحظة لتردف:
ـ ونغير جو.. وبعدين ترجع لمراتك.. ما ترجعش.. براحتك..
أجابها بابتسامة:
ـ فكرة كويسة.. حتى هتكون فرصة حلوة أني أفسح منى في الساحل..
سألت بغضب:
ـ منى مين؟..
هز كتفيه بملل:
ـ منى مراتي..
تحكمت في غضبها بصعوبة وهمست له وهي تحرك يديها من خلف عنقه ولكن لتمرر أظافرها بخفة تاركة خدش طويل على طول عنقه وهمست بخبث:
ـ ما تتحدانيش يا حسن.. أنا دايماً باخد اللي أنا عايزاه...
تركته في حيرة ورحلت.. ولم يعلم بوجود الخدش في عنقه إلا ليلاً ومنى تحاول دفعه بكل ما تملك من قوة صارخة بصوت مجروح:
ـ أنت كنت فين قبل ما تيجي يا حسن؟..
*************
تسللت دنيا بخفة من الفراش تاركة مازن ليرتاح قليلاً.. ارتدت روباً قصيراً.. واتجهت للمطبخ لتعد له النسكافيه كما يحبه.. بدون استخدام الماكينة.. ولكنها تعده له يدوياً حيث تدعك السكر مع حبيبات النسكافيه لفترة طويلة ثم تصب له الماء واللبن.. الثلث والثلثين.. ابتسمت لنفسها ابتسامة حزينة.. فهي أصبحت تحفظ عاداته وما يحب وما يكره كما تحفظ اسمها.. وتسعى دائماً لإسعاده وإرضائه..
وضعت يدها على قلبها تريد أن تخرجه من بين ضلوعها لتسأله..
"ليه؟.. ليه ما اختارتش تحبه هو؟.. ليه اختارت اللي بيوجعك ويجرحك؟.."..
كادت أن تسقط دمعة من عينيها.. لولا أنها شعرت بأنفاسه فوق عنقها.. ويديه تتسلل إلى فتحة روبها هامساً:
ـ ليه سيبتي السرير؟..
حاولت أن تبعد يديه ولكنها تعلم مدى إصراره عندما يريد شيئاً.. فتركتهما أخيراً:
ـ كنت بعملك نسكافيه..
لفها نحوه وهو يفتح الروب ليضمها لصدره طابعاً قبلة على عنقها:
ـ اممممم.. ممكن نأجل النسكافيه شوية؟..
حاولت التملص منه وهي تشعر بيده تلف خصرها من أسفل الروب والأخرى تثبت رأسها حتى يتمكن من تقبيلها.. فهمست بضعف:
ـ مازن.. عندي شغل.. لازم أنزل..
حرك يده من خلف رأسها ليزيح قدح النسكافيه فيسقطه في الحوض.. ورفعها بين ذراعيه واتجه بها إلى غرفتهما بسرعة..
بعد فترة.. كان يرتشف قدحاً آخر من النسكافيه بتلذذ وهو مستلقي في الفراش.. وهي جالسة بجواره.. تريد أن تعلم ما به.. فهي تشعر باختلافه.. وخاصة بعد ظهوره أمام عتبة شقتها في الليلة التالية لزفافه.. ليلتها همس باجهاد:
ـ صداع يا دنيا.. صداع هيفرتك دماغي..
اصطحبته ليلتها إلى الأريكة.. ووضعت رأسه في حجرها وظلت تمسدها لساعة كاملة قبل أن تظهر معالم الارتياح على وجهه..
همست له:
ـ أحسن دلوقتِ؟..
أجاب باقتضاب:
ـ أنا كنت عند حسن..
ولم يقل المزيد.. فقط أغمض عينيه واستسلم للنوم..
علمت ليلتها أنه لن يجيب على أي سؤال.. فاحترمت رغبته.. ولم تجادل.. ولم تناقش.. فقط عدلت من وضع رأسه لتتلقاها على صدرها.. وظلا هكذا.. حتى الفجر.. فنهض ليذهب الى منزله وهو يضمها الى صدره طابعاً قبلة على جبينها:
ـ متشكر قوي يا دنيا..
تحسست وجنته بحنان:
ـ انا موجودة دايماً يا مازن.. دنيا صديقتك قبل ما أكون دنيا مراتك..
أفاقت من ذكريات تلك الليلة على أصابعه تداعب ساقها وهو يسألها:
ـ سرحانة في إيه؟..
رمقته للحظة:
ـ عايزة أزور عليا..
ابتسم ابتسامة واسعة.. تحولت لضحكة عالية.. ولم يستطع التوقف عن الضحك.. حتى أن دنيا سحبت منه قدح النسكافيه وهي تلكزه بعنف:
ـ إيه!.. هو أنا قلت نكتة!..
هز رأسه وهو يحاول التحكم في ضحكاته:
ـ مستغرب بس.. مراتاتي الاتنين.. بيحبوا عليا جداً.. أعتقد أنها الست الوحيدة اللي هتجتمعوا على التعاطف معاها وحبها.. وهي تستحق بصراحة..
وقفت دنيا على ركبتيها ووضعت يديها في خصرها لتطل عليه من علو:
ـ سخيف.. على فكرة ما فيش حاجة تضحك؟.
ثم قطبت حاجبيها:
ـ أنت معجب بعلياء بجد؟
تصنع التأثر:
ـ أنتِ عايزة يزيد يقتلني, صح؟.. بس دي غيرة دي ولا إيه!.. غريبة.. أنتِ عمرك ما غيرتي من نيرة!
لفت جسدها وجلست بجواره وهي تناوله قدح النسكافيه مرة أخرى وتجبه بصراحة كما اعتادت:
ـ مش عارفة.. ممكن تكون غيرة.. بس مع نيرة أنا فاهمة إحساسك ناحيتها وعارفة مشاعرك.. واليوم اللي هغير فيه من نيرة.. هو اليوم اللي هبعد فيه عن حياتك, لكن يمكن غِرت إن إعجابك يكون من نصيب واحدة تانية..
رمقها بدهشة:
ـ عارفة.. على قد وضوحك.. على قد ما أنتِ لغز كبير..
أمسكت ذقنه بأناملها وهي تداعبه:
ـ بس لغز حلو.. مش كده..
تحرك فجأة ووضع القدح بجواره وقلبها على ظهرها وهو يهتف:
ـ لغز زي العسل.. وأنا ناقصني عسل اليومين دول!..
ضحكت بعبث.. وتملصت منه لتقف بجوار الفراش مكتفة ذراعيها:
ـ عايزة أروح لعليا..
رمى نفسه على الفراش وهو يتحسر متمتماً
"مكتوب عليك الحرمان من العسل يا مازن".
ثم رفع صوته:
ـ بلاش يا دنيا.. يزيد هيتضايق..
رفعت حاجبها:
ـ ومين قالك أني عايزة موافقته!
ـ طب وموافقتي أنا!
ـ وأنت مش هتوافق ليه؟..
اعتدل في جلسته وجذبها لتجلس بجواره:
ـ وضع عليا النفسي مش مستقر.. اللي مرت به مش بسيط.. ده غير الحمل.. بلاش.. يا دنيا.. وخاصة إنه المفروض أنك ما تعرفيش تفاصيل اللي حصل..
ـ بس أنا كنت عايزة أساعدها..
ـ يزيد موجود..
رمقته بنظرة نارية.. فعادت ضحكاته ترتفع وهو يجذبها لتصبح تحته مرة أخرى:
ـ يظهر أنك ونيرة بتشتركوا في حب عليا وكره يزيد..
همست بضعف:
ـ مازن..
اقترب منها بخطورة:
ـ مازن محتاج العسل...
**********
وصل يزيد إلى فيلا والده وهو يشعر بالإجهاد الشديد.. فهو لم يغمض عينيه منذ يومين.. ولن يطمئن ويغمضهما قبل أن يصطحب علياء إلى شقتهما بأمان.. حتى أنه طلب من رئيس الأمن في مجموعته وضع رجلين من أفضل رجاله أمام غرفتها بالمشفى.. وأمرهما ألا يسمحا لأحد بالدخول سواه, هو ونيرة فقط.. فبالرغم من سخافة نيرة إلا أنها تهتم بعلياء بصدق..
اقترب من مكتب والده ليخبره بقراره بعدم العودة إلى دبي مرة أخرى.. فهو قرر البقاء ومحاولة إنجاح حياته والتأقلم مع وجود زوجتين.. ضرب رأسه بقوة.. فريناد ما زالت بدبي.. كيف غاب ذلك عن باله؟.. حسناً.. سيطلب منها العودة.. ولكن أولاً.. يحتاج إلى الحديث مع والده.. ثم حوار طويل وحازم مع والدته ليوضح لها وضع علياء في حياته..
قبل أن يمد يده ليفتح باب المكتب وصله صوت والده يصرخ في والدته بغضب:
ـ أنتِ تعديتِ السفالة للإجرام.. ولو كنتِ فاهمة إني ما اكتشفتش اتفاقك مع أعمام عليا تبقي غلطانة.. السواق بتاع عليا اعترف بكل حاجة.. والقذارة اللي بلغتيها لأهل البنت أنا مش هسكت عليها.. اللي عملتيه ده يا مدام اسمه تحريض على القتل..
تجمدت يدا يزيد على مقبض الباب وهو يستوعب ما وصل لأذنيه للتو.
