رواية متاهة مشاعر الفصل السابع عشر 17 بقلم نهي طلبة
الفصل السابع عشر
اضجع مازن في فراشه واضعاً ذراعه تحت رأسه ورفع هاتفه بيده الأخرى وأخذ يعبث به للحظات حتى ظهر اسم حسن على الشاشة.. أخذ يتأمل رقم شقيقه للحظات.. رقم يحفظه عن ظهر قلب إلا أن استخدامه له أصبح نادراً.. توترت علاقته بشقيقه في الفترة الأخيرة لا ينكر هذا.. يكتفيان باتصالات أصبحت رسمية وروتينية..
الغيرة شعور بشع.. ولا يملك إلا أن يعانيه بصمت.. صمت أجبره عليه شعور مميت بالخجل.. والآن تحول الخجل إلى خزي مؤلم.. كيف يواجه شقيقه وقد حولته نيرة مرتين لخنجر تنحره به؟!!..
والليلة.. الليلة تأكد من أنها مازالت تحمل له مشاعر.. حتى ولو كانت كراهية إلا أنها تظل مشاعر.. فهي لم تأبه بحفل زفافها أو الفضيحة التي افتعلتها مقابل أن تؤلمه.. وهذا لا يصدر إلا عن عاشقة ناقمة.. وهو ما لن يستطيع نسيانه أو غفرانه بسهولة...
عبث بهاتفه قليلاً.. ورفعه إلى أذنه.. ولم ينتظر طويلاً حتى وصله صوت يزيد مجلجلاً:
ـ يخرب بيت عقلك.. إيه اللي بيخليك تتصل دلوقتِ!.. عايز تعليمات ولا شرح؟!!.. أومال بتعمل إيه مع دنيا بقى لك سنة وزيادة!!
هتف به مازن بحنق:
ـ لِم نفسك يا يزيد.. أنا مش ناقصك!
ـ واضح.. إيه اللي حصل؟. دنيا طربقتها على دماغك.. ولا..
قاطعه مازن:
ـ أنت مش ناوي تسكت وتلم الدور!
ـ حصل إيه يا مازن؟
تنهد مازن وقص كل ما حدث في حفل الزفاف على يزيد الذي صمت للحظات قبل يستفسر يزيد بذهول:
ـ وحسن فعلاً قرر أنه يشتغل نقاش؟
ـ أيوه.. قرر وصمم كمان.. رافض أي مساعدة مننا.. وكمان مش عايزني أبلغ جدتي.. دماغه ناشفة..
أجابه يزيد:
ـ عايز يحقق هدف معين.. ربنا معاه..
خيم الصمت عليهما لفترة قبل أن يعاود يزيد السؤال:
ـ وموقف والدك.. سكت وهو شايف اللي بيحصل؟..
هز مازن رأسه بحيرة:
ـ مش عارف يا يزيد.. في لحظة حسيت أنه هيتدخل ويوقف المهزلة دي.. وبعدين اختفى.. مش عارف..
كانت الجملة الحائرة الأخيرة تطالب يزيد بحل.. أي حل.. فقال بحزم لا يتعامل به كثيراً:
ـ روح لأخوك يا مازن.. الزيارة اتأخرت..
زفر مازن بحزن:
ـ عارف..
عاد يزيد يردد:
ـ مش هينفع تتأخر عن كده.. وحاول معاه في موضوع النقاشة دي..
ـ هروح له بكره..
ـ سلم لي عليه..
خيم الصمت عليهما.. فسأله يزيد بسخرية:
ـ أنت شكلك ناوي تقضيها تليفون الليلة.. ما تقوم تروح لدنيا..
تمنى مازن بالفعل لو يستطيع الذهاب لها, ولكنه يعلم أنها سترفض استقباله.. فهي لن تكون البديل الجاهز الذي ينفث به إحباطاته.. لم تكن تلك طبيعة علاقتهما.. ولن تكون.. كما أنه لن يهجر منزله ليلة زفافه.. يكفيه أن يهجر فراش عروسه.. ولكن ما بينهما.. يظل حبيس جدران المنزل.. ولولا احتياجه للفضفضة ما حادث يزيد.. لكنه يعلم أن حديثه مع يزيد كحديثه مع نفسه..
قطع أفكاره صوت يزيد يسأل بلهفة:
ـ شوفتها الليلة يا مازن؟.. عاملة إيه؟
ابتسم مازن بسخرية فكلٍ يغني على ليلاه.. فكر أن يراوغه قليلاً ولكنه أجابه:
ـ جميلة.. حزينة ووحيدة..
صوت تنهيدة يزيد كاد أن يصم أذنه.. قبل أن يجيبه مسرعاً:
ـ طيب اقفل بقى عشان أكلمها.. أنت أخدت أكتر من وقتك!..
أغلق يزيد وحاول الاتصال بعلياء عدة مرات ليجد أن الهاتف مغلق في كل مرة.. زفر بحدة وهو يعيد المحاولة مرة بعد مرة لتقابله نفس الرسالة الصوتية..
لابد أنها غاضبة.. أو تمر بإحدى نوبات تمردها التي ازدادت في الآونة الأخيرة.. وخاصة بعد سفره.. حسناً.. ليس تمرد بالمعنى المفهوم وإنما تذبذب مهلك في الانفعالات والمشاعر.. وهو لم يبتعد إلا أسبوعين.. وينوي العودة إليها بعد يومين وأخبرها بذلك بالفعل قبل ذهابها للزفاف.. لم تغضب وتغلق هاتفها إذاً؟..
تحرك ليدخل إلى غرفة نومه _التي أغلقتها ريناد على نفسها منذ سمعت صوت الهاتف لظنها أن علياء هي المتكلمة_ اندس بجوارها في الفراش ووجدها توليه ظهرها كالعادة.. حاول أن يضمها برقة.. فوصله صوتها:
ـ هي الساعة كام دلوقتِ؟..
أبعد ذراعيه ليضعهما تحت رأسه:
ـ الساعة اتنين..
ـ وأنت بعد ما خلصت وشوشة مع الهانم.. جاي دلوقتِ تحضني؟..
أجابها بصبر وكأنه يكرر أكليشيه يومي:
ـ أنا هنا معاكِ.. وهي بعيد.. طبيعي أني اطمن عليها.. وبعدين مش هي اللي كانت على التليفون.. ده...... حسن..
ـ برضوه الوقت اتأخر.. تصبح على خير..
رفعت الغطاء على كتفها حتى غطى أذنها وهي تغمض عينيها في قوة.. هرباً من رغباته التي لا تنضب ولا تقل.. لقد أصابها الملل بل الاشمئزاز من حالته تلك.. حتى أصبحت ترحب بمكالمته المستمرة لتلك الحمقاء الأخرى.. فتتخذ من غضبها ذريعة لرفضه مرة بعد مرة وهي مطمئنة أنه لا يستطيع الهرب نحو الأخرى.. وأن لا ملجأ له إلا هي.. فلتستمتع بقوتها تلك حتى تروض رغباته تماماً.. راحت في نومٍ عميق بالفعل وهي تتلذذ بتلك الفكرة.. تهذيب يزيد.. وتحجيم رغباته..
***********
أطلت منى من شباك الغرفة لتتأمل حسن الشارد والصامت تماماً منذ غادرا حفل زفاف شقيقه.. كان جالساً وسط حديقتها الصغيرة خارج الغرفة ناظراً إلى لاشيء.. وبدا الغضب على ملامحه.. غضب ممزوج بشيء لم تفهمه.. أهو التصميم أم الندم؟.... تساءلت والحيرة تتآكلها هل حانت لحظة الندم؟.. لكنها أتت بسرعة شديدة.. حتى أنها لم تتهيأ لها.. ذهابها برفقته إلى الزفاف كان مخاطرة ولكنها أخذتها بشجاعة.. وكانت متأكدة من تحرش نيرة بها.. فهي أنثى وتدرك عمق الجرح بداخل أنثى مثلها.. وتصورت أنها ستكون محط انتقام نيرة.. ولكن ما لم تفكر به هو هجوم نيرة على حسن نفسه.. واهانته بتلك الطريقة الفجة.. وهو.. بدا متجمداً وكأن كلمات تلك المتكبرة كانت كسياط وشمت جلده بما لا يمكن محوه.. والمشكلة أنه بدا متباعداً ورافضاً أي تسرية أو مواساة منها.. ردوده قصيرة ومقتضبة.. عيناه تتهرب من مواجهة عينيها.. ويلجأ للصمت متجنباً إجابة أسئلتها المنطوقة والصامتة.. وأخيراً.. اعتكف وحيداً وسط جنتها الخضراء.. ولكن بنفسية سوداء كالجحيم..
خرجت له أخيراً تحاول فك عزلته وسألته بخفة:
ـ حبيبي.. أجهز لك عشا خفيف؟
هز رأسه رافضاً بدون أي كلمة.. عادت تشاكسه مرة أخرى:
ـ طيب أعمل لك عصير فراولة.. بالسكر المرة دي..
أجاب باقتضاب:
ـ أنا مش محتاج حاجة يا منى.. شوية وهدخل أنام.. تصبحي على خير..
وأشاح وجهه بعيداً عنها.. يشرد عنها في عالم بعيد.. رافضاً وللمرة الأولى مشاركتها بأفكاره.. وهمومه..
اقتربت منه بصمت لتضم رأسه الى صدرها .. تحتفظ بها طويلاً قريباً من قلبها.. ثم قبلته على جبينه برقة وتركته كما طلب ودخلت إلى غرفة نومهما.. وفي أعماقها تشعر بحزن وجرح منه.. فهو انغمس في أحزانه على نفسه ولم ينتبه لألمها ومعانتها هي الأخرى من الإهانة التي ألحقتها بها نيرة على السواء.. إهانة كانت تتوقعها وقررت أن تتلقاها بشجاعة مقابل أن يشارك شقيقه ليلة زفافه.. ولكنه للأسف.. لم يفكر إلا بنفسه.. بألمه.. بكرامته.. وكبريائه..
وفي تلك الليلة ولأول ناما.. وكل منهما يولي ظهره للآخر.. ملتحفاً بأفكار مقلقة.. وحيرة حول المستقبل.. منى دموعها تجري بصمت وخوف رهيب يعتصر قلبها.. وحسن مصاب بحالة من الجمود.. جمدت كل أفكاره ومشاعره.. يشعر أنه في فقاعة عازلة ويخشى بشدة الإتيان بأي حركة خشية تمزق الفقاعة ومواجهة ما يحيط به..
ظلا كلا منهما يحاول ادعاء النوم بلا فائدة.. حتى شعرت منى بحسن يلتف ليلتصق بها.. فالتفتت له منى لتندس بين أحضانه وتغرز وجهها في صدره بينما تعصرها ذراعاه ليقربها منه أكثر فأكثر لتزداد دموعها ويمسحها هو بشفتيه هامساً:
ـ آسف.. يا منى...
استرخت منى بين ذراعيه وابتسامتها تخترق دموعها ورأسها يتوسد صدره.. تتجاوب برقة مع همساته واعتذراته المتكررة التي يلقي بها في أذنيها... وقلبها ينتفض سعادة بعدما كان يعتصر حزناً.. فحبيبها لم يحتمل أن تغفو وهي مجروحة منه.. فما الذي تريده بعد ذلك؟..
***********************
اقتحمت نيرة غرفة مازن وهي تغلي من الغضب... وظهر ذلك على معالم وجهها الجميل الذي احتقن بشدة.. وارتجف صوتها حنقاً وهي تسأل مازن الذي كان قد وصل لتوه من الخارج:
ـ تقدر تقولي كنت فين من الصبح؟.. أنا صحيت لقيت البيت كله فاضي وأنا لوحدي!..
رفع حاجبيه بسخرية:
ـ ما كنتش أعرف أنك بتخافي!
ضربت قدمها في الأرض بغضب:
ـ أنا ما بهزرش.. ازاي تخرج لوحدك يوم صبحيتنا ومن بدري كمان وما ترجعش إلا على العصر.. كنت فين؟..
تحرك ليقترب منها قليلاً وسألها ببرود:
ـ ده اسميه إيه.. قلق عليّ ولا قلق على برستيجك؟..
فكرت نيرة أن تتحدى بروده وتخبره أنها لا تهتم إلا بمظهرها الاجتماعي.. ولكنها تراجعت عندما داهمتها تلك اللحظة التي اكتشفت فيها عدم وجوده بالبيت.. والهلع الذي أصابها لظنها أنه سأم منها وقرر إنهاء ارتباطه بها.. فتحت فمها لتهادنه بكلمات رقيقة عن قلقها عليه.. ولكنه أوقفها:
ـ قبل ما تكدبي كدبة واحتمال تصدقيها.. افتكري أنك ما اتصلتيش مرة واحدة تسألي وتشوفي أنا فين..
رمشت بأهدابها عدة مرات وابتلعت ريقها بصعوبة.. تحاول أن تصلح من موقفها.. فهي فكرت بالاتصال به بالفعل عدة مرات.. ولكنها كانت تتراجع في كل مرة خوفاً من أن يبلغها أنه ترك المنزل ولن يعود..
وقبل أن تجد أي كلمات تجبه بها.. سمعته يخبرها:
ـ أنا جبت معايا أكل عشان الغدا.. ممكن توضبي السفرة؟.. بكره الخدم هيرجعوا لشغلهم.. وآه قبل ما أنسى.. يا ريت تجمعي هدومي من أوضتك وتنقليها الأوضة دي....
فغرت فاهها من كلماته ولم تستوعب إلا جملته بنقل ملابسه من حجرتهما.. فرددت بذهول:
ـ إيه اللي أنت بتقوله ده!
ـ بصي يا نيرة.. أنا مش عايز أفشل في حياتي.. أنا واحد ما بيعرفش يفشل.. امبارح كان سهل جداً أني أوصلك على بيت عمي عامر بدل ما أجيبك بيتنا.. لكن زي ما قلت لك.. كده أبقى فشلت.. في نفس الوقت صعب أقبل تصرفك امبارح..
كتفت ذراعيها بتوتر وهي تسأل:
ـ يعني إيه؟.. هنعمل إيه؟..
ـ مش هنعمل أي حاجة.. أنا محتاج أفكر في وضع جوازنا وفرص نجاحه..
صرخت بغضب:
ـ ما تتكلمش عن جوازنا زي ما تكون بتتكلم على صفقة ولا عملية جديدة للشركة.. وبتفكر فيه من ناحية المكسب والخسارة..
ابتسم بسخرية:
ـ أنتِ اللي حولتيه لكده بتصرف غبي.. ويا ريت يكون مش محسوب.. لأنه لو كان مدبر.. صدقيني هيكون تصرفي غير متوقع..
اقتربت منه.. اقتربت أكثر من اللازم.. ووضعت كفيها على صدره.. لتشعر بضربات قلبه تهدر تحت ضغط يدها.. فابتسمت بغنج:
ـ خلينا نبدأ من جديد..
لم يكن قربها منه بتلك الطريقة في صالحه.. خاصة مع توقه الشديد بأن يجعلها له.. ذلك الشوق الذي دفعه إلى الهرب منها ومن الفيلا بأكملها ليغرق نفسه في دوامة العمل.. حيث أنهك جسده فعلياً وأحرق رغبته بها في بوتقة الأعمال والتنقل بين المواقع.. وللغرابة لم تكثر الأقاويل حول خروج العريس إلى عمله يوم صبحيته.. فقد كان أغلب المدعووين في الزفاف من موظفي الشركة ولابد أنهم استنتجوا ما حدث بعد المشهد الوقح الذي افتعلته نيرة بالأمس..
انتبه فجأة على لمساتها وقد انتقلت أناملها لتمس ذقنه العريض والتي تفتنها بشدة ولكنها تبقي افتتانها بها سراً.. ولكنها وجدته يبعد يدها عن وجهه ويبتعد هو الآخر.. وإن فضحت سرعة تنفسه تأثره بها.. بينما كان هو يلعن ويسب ضعفه بداخله.. فهو يحاول التمسك بالبرود والجمود.. يريد أن يوجعها ولو قليلاً.. أن يسترجع ولو أقل القليل من كرامته التي مزقتها شر تمزيق..
فأخبرها ببرود يحاول اصطناعه:
ـ عشان نبدأ من جديد.. لازم نلاقي نقطة.. ولو صغيرة نبدأ منها.. نقطة نتقابل فيها.. وزي ما أنا عايز أوصل للنقطة دي لازم تكون دي كمان رغبتك.. ولحد ما ده يحصل, أنا هنام في الأوضة دي.. الجواز مش بس أننا ننام في نفس الأوضة ونفس السرير..
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يردف.. مدركاً صعوبة كلماته على نفسه أولاً قبل أن تكون عليها:
ـ الجواز اللي أنا عايزه.. إن الواحد يكون عنده استعداد يقدم كل حاجة.. مقابل أنه يمتلك قلب حبيبه..
هتفت مقاطعة في غضب:
ـ هو أنا لازم أضحي واتنازل عشان أنفع أكون زوجة لك!
هز رأسه بحسم:
ـ مش تنازلات يا نيرة.. أنا مش بطلب تنازلات.. ولا هقدم تنازلات تاني.. لأنه لو كانت العلاقة صادقة وقوية مش هيكون في تنازلات.. منى امبارح جت فرحك وهي متأكدة أنك هتحاولي اهانتها.. لكن جت عشان تكون جنب حسن.. وما فكرتش أنها بتتنازل عشان ترضيه.. لا.. فكرت بس أنها تكون جنبه.. مش تنازل ولا تضحية.. بس صدق في المشاعر.. عشان كده بنت السواق زي ما قلتِ عليها امبارح.. ملكت قلب أخويا.. يا ريت تكوني فهمتِ أنا عايز أقول إيه..
غمغمت من بين أسنانها:
ـ برضه منى.. حتى أنت بتعطيني بها المثل.. كل ده عشان كلمتين قلتهم.. وكنت عايزة أرد بيهم شوية من كرامتي اللي بعترها أخوك.. خلاص.. هو من حقه يجرح ويهين وأنا لو رديت أبقى وحشة وما انفعش زوجة..
هز رأسه بيأس:
ـ تبقي لسه مش فهماني.. للأسف.. لسه.. واضح أنه الطريق طويل..
ثم لف مولياً إياها ظهره وتوجه نحو باب الحمام الملحق بالغرفة.. وهو يجبها بحسم:
ـ نيرة.. من فضلك قبل ما تدخلي أوضتي بعد كده.. تبقي تخبطي الأول..
توسعت عيناها في وسط وجهها حتى بدا كشاطئ أبيض يحيط ببركاتين فيروزيتين... وهي تدرك المعنى المؤلم لكلماته التي حولتها إلى إنسانة غريبة عنه وليست زوجته التي تمناها طويلاً..
وقبل أن يدخل إلى الحمام أردف ببطء:
ـ أنا عندي مشوار بعد المغرب.. هخلصه واعدي عليكِ نروح نزور جدتي.. هي عايزة تشوفك وتبارك لك.. أنتِ عارفة طبعاً أنه صحتها ما تتحملش أنها تحضر أفراح..
قال كلمته ودخل إلى الحمام مغلقاً بينهما باب...
***************
صفعة قوية وألم شديد نتيجة جذب شعرها بقوة كانا ما آفاقا علياء من غيبوبتها الإجبارية.. فتحت عينيها لتحاصرها قسوة عيون توسطت وجوه حجرية تعرفت فيها على عمها الأكبر صالح, وزوجته, وعمها سالم وهو الأوسط في ترتيب الأشقاء.. ولا يبدو أنه يهتم بما يدور أمامه.. وأصغر أعمامها مهدي والذي التمعت في عينيه نظرات ذنب ممتزجة بالشفقة والعجز.. ثم لمحت القسوة والتجبر الذي تجسد واضحاً في عينيّ عمتها سعاد, وأخيراً صاحبة الصفعة ومن تجذب خصلاتها بلا هوادة.. "الحاجة مُنتهى".. عمة والدها..
صفعة أخرى.. تلتها جملتها الظالمة:
ـ فاجرة.. دي آخرة الجاعدة في مصر.. البت عيارها فلت..
سالت دموعها وهي تحاول استيعاب ما يدور حولها والحاجة منتهى تبرم خصلاتها بقسوة وكأنها تريد انتزاعها من رأسها بالفعل..
وعادت تردد:
ـ ما هتخرجش من الدار لآخر يوم في عمرها.. ابعت المأذون يا ولد أخوي.. دي دواها الجواز.. ابن عمها يعجد عليها..
شهقت عمتها سعاد وهي تلطم صدرها:
ـ يعجد عليها!.. وأمل بنتي.. مرته..
لتتدخل زوجة عمها صالح:
ـ أنا هبعت لأم عواد الداية.. ولو طلع كلام الست سهام دي صُح.. يبجى نرميها لأي أجير من اللي بيفلحوا الأرض..
شهقت علياء بقوة وابتلعت دموعها مع المرار الذي يجري بحلقها وهي تتساءل بذهول عن علاقة سهام بأعمامها.. لما يذكرونها الآن؟.. ماذا يحدث حولها؟.. هل سهام هي من سلمتها لهم.. وماذا أخبرتهم؟.. أنها لا تعلم ما حدث بينها وبين يزيد قبل الزواج.. فماذا أخبرتهم لتشعل غضبهم بتلك الطريقة؟..
رددت بهمس مذهول:
ـ داية!!.. يعني إيه؟.. وليه؟.. هتعمل فيّ إيه؟..
ارتفع صوتها قليلاً:
ـ يا عمي.. اسمعني.. والله أنا..
لطمة قوية نزلت فوق عينها تلك المرة لتختفي الرؤية أمامها للحظات وهي تسمع عمها صالح ينهرها:
ـ أنتِ تسكتي ساكت.. ما اسمعش حسك ده أبداً.. بس دي غلطتي لما وافجت تجعدي في بيت الراجل الناجص ده..
نهضت من الفراش وهي تترنح لتحاول التمسك بكف عمها وتتوسله:
ـ يا عمي.. اسمعني.. ارجوك..
أزاحها بعنف فسقطت أرضاً.. بينما صوت زوجته يدوي في شماتة:
ـ هي اللي جليلة شرف.. منتظر إيه من واحدة تربية صالة رجص.. وأمها..
صرخت عليا بقوة:
ـ ما تجبيش سيرة ماما.. ما حدش يجيب سيرة ماما..
تلك المرة جذبها عمها من شعرها لتتوالى الصفعات على وجهها وهو يصرخ بها:
ـ يا جليلة الشرف والرباية.. تروحي تلفي على الراجل اللي لمك في بيته وبعد ما أمك خربت بيته مرة.. جاية أنتِ تكملي عليه وتجري رجله للحرام والمعصية.. لا دين ولا أخلاج.. ولا رباية.. أنتِ في موتك رحمة..
كانت الكلمات موجعة بقدر الصفعات بل ربما أكثر وجعاً.. فرحبت بغياب وعيها وهي تتبين أخيراً.. المكيدة التي حاكتها سهام لها.. فهي لم تخبرهم بزواجها من يزيد بل أقنعتهم بأنها على علاقة غير مشروعة.. بــ عصام.. زوج أمها ووالد يزيد.. وهم صدقوها.. تلك الغريبة التي لم يروها أو يعرفوها قط.. صدقوها.. وحكموا عليها هي.. ابنتهم.. وبقي موعد وكيفية تنفيذ الحكم..
هل دمائهم تجري في عروقها بالفعل؟.. تشك بقوة.. لا عجب أن أباها هرب منهم ليتزوج أمها!.. من يستطيع تحمل تلك القسوة من أقرب الناس إليه؟.. طالما حذرتها أمها منهم.. ومن تحجر قلوبهم.. والآن.. ذهب والدها ومن بعده أمها.. ولم يتبقَ لها أحد.. إلا حبيب ونصف زوج.. تشك في إمكانية إنقاذه لها.. وأقارب يشاركونها اسم العائلة وبضعة فدادين من الأراضي الزراعية هي كل ما يهتمون بها...
****************
عاد حسن من عمله مع آذان العشاء وهو يحمل عدة أكياس بين يديه.. تحتوي على بعض مل طلبته منى.. ليفاجئ بشقيقه جالساً وسط حديقة منى الصغيرة يحتسي كوباً من الشاي وقد جلس معه عم نصر وبدا أنهما منهمكين في حديث طويل...
التفت مازن فجأة لتصطدم عيناه بعينيّ حسن التي ضاقت في تركيز وكأنه يحاول تبين سبب وجود شقيقه_العريس الجديد_ هنا في منزله بدلاً من تواجده مع عروسة.. بينما جرت عينا مازن على ملامح أخيه يلتهمها في شوق واضح.. وقد بدا تأثره من الإرهاق البادي على ملامح حسن.. وملابسه التي فقدت رونقها واحتفظت ببعض أناقتها السابقة.. نهض ببطء ليتوجه نحو شقيقه ولكن منى التي شعرت بعودة زوجها كانت قد خرجت من شقتهما الصغيرة وتوجهت نحو حسن فقطع التواصل البصري بينه وبين شقيقه.. والتفت لزوجته يمد يده إليها بالأكياس ويهمس لها بضعة كلمات فتومئ بصمت وهي تأخذ منه حقيبة صغيرة.. خمن مازن أنها تضم الملابس التي يعمل بها حسن.. ولمح يد منى تضغط برفق ورقة على كتفه قبل أن تدخل إلى الشقة مرة أخرى..
لم يسمعا عم نصر وهو يستأذن متعذراً بموعد صلاة العشاء.. وظلت نظرات الشقيقين معلقة ببعضها.. تحرك حسن قليلاً وفتح ذراعيه على وسعهما فاندفع مازن إليه ليلتقي الشقيقان في عناق ترحيب وعتاب طويل..
وأخيراً همس حسن:
ـ مبروك يا مازن..
ابتعد مازن وهو يخفض بصره أرضاً ويهمس بدوره:
ـ لسه زعلان مني يا حسن؟..
ـ أنا مش زعلان.. ليه بتقول كده؟.
ـ مش أنا اللي بقول.. العتاب في عينيك هو اللي بيقول..
وضع حسن يديه في جيبي بنطاله وتحرك قليلاً حتى وصل إلى سور السطح.. فرمى بنظره إلى الأفق وهو يقول بصدق:
ـ يمكن ليلة امبارح زعلت شوية.. لكن قبل كده لأ..
ـ بس أنت بعدت قوي يا حسن.. همشتني جامد بعد جوازك.. في أوقات كتير حسيت أن يزيد أقرب لك مني أنا أخوك.. حتى أنه اتحول لشبه مرسال بينا..
هز حسن رأسه بنفي تام:
ـ يا مازن أنا بعدت عشانك أنت.. عشان سعادتك مش عشان زعلان منك..
قاطعه مازن بمواجهة آن أوانها:
ـ ليلة الحفلة واللي أنا عملته.. ما ضايقكش.. ما زعلتش أني طاوعتها وخذلتك؟..
سأله حسن بتقرير:
ـ أنت بتحبها.. مش كده؟..
لمحة من عذاب حي التمعت في عينيّ مازن قبل أن يخفيها بسرعة.. ولكن حسن التقطها بقدرة عاشق وفطرة أخ يبحث عن سعادة شقيقه.. فربت على كتف مازن بحنان:
ـ أنت اتصرفت صح.. لو أنا مكانك وجت لي الفرصة أني أكون مع الإنسانة اللي بحبها ما كنتش هتردد لحظة.. وده فعلاً اللي عملته.. أنا خاطرت بكل حاجة في سبيل أني أكون مع منى.. ليه بتلوم نفسك على نفس المخاطرة؟
أجابه مازن بسرعة:
ـ لأن...
ثم سكت وكأنه انتبه إلى شيء ما.. وسأل حسن بخفوت:
ـ أنت كنت عارف أني.. أني.. أني بحبها؟..
هز حسن رأسه بنفي:
ـ عرفت متأخر.. متأخر قوي.. ياريت كنت صارحتني من البداية.. كان حاجات كتير اختلفت..
عادت لمحات العذاب تمر بعينيّ مازن ولم يستطع إخفائها تلك المرة:
ـ ما كانش ينفع.. هي بتحــ.. أقصد كانت بتحمل لك كشاعر و..
قاطعه حسن:
ـ هي موهومة.. وأنت عارف كويس.. بص.. دي مش نقطة نقاشنا دلوقتِ.. لا أنا بلوم عليك سكوتك.. ولا زعلان من موقفك يوم الحفلة.. لكن..
سكت حسن وبدا متردداً في قول ما عنده.. ثم حسم أمره ليقول:
ـ أنت متأكد أنها هتسعدك؟..
أخفض مازن نظره وأسبل جفونه ليغطي على ما ظهر في عينيه من تعبير حائر.. ثم ربت على كتف حسن ورفع نظره إليه وقد غطى قناع من الجمود ملامحه:
ـ ما تقلقش عليّ.. أنا عارف هتعامل معاها إزاي..
لم يبدو على حسن أنه يصدقه وظهر على وجه سؤال حائر.. لم يستطع كبته فانطلق منه بدون إرادة:
ـ ليه؟..
هز مازن رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة:
ـ من غير ليه!.. أنت ممكن تلاقي ألف مبرر للاعجاب.. لكن لو وقفت لحظة وقدرت تحدد سبب للحب.. يبقى اتحول لأي حاجة تانية.. غير الحب..
تجمد حسن للحظات.. ثم غمغم بهمس:
ـ للدرجة دي يا مازن!..
لم يجبه مازن.. وأدار وجهه بعيداً.. قبل أن يقرر تغيير الموضوع:
ـ ما تشغلش بالك بيّ.. خلينا في الأهم.. أنت لسه مصر على موضوع النقاشة؟..
تكتف حسن بإحساس من على وشك دخول معركة:
ـ مضايقك الموضوع ده في حاجة؟..
ـ أكيد في حلول تانية..
أومأ حسن موافقاً:
ـ أكيد.. بس ده أسرع!
ردد مازن بعجب:
ـ أسرع؟؟
ـ أيوه يا مازن أسرع.. أكيد أنا مش هستمر نقاش طول عمري..
هز مازن رأسه بحيرة وكأن حسن ألقى اليه بــلغز عميق:
ـ فهمني أنت ناوي على إيه؟.. أنا ممكن أدبر لك..
زجره حسن:
ـ مازن.. خلاص.. أنا لازم أفكر أني أدبر لنفسي.. وأحل المشاكل اللي نتجت عن قراراتي.. مش هينفع حد تاني يحمل همي.. أو يحل مشاكلي..
ـ فهمني يا حسن.. أنت بتقلقني بكلامك مش بتطمني..
أخرج حسن زفرة حارة قبل أن يقول:
ـ أنا ناوي على السفر يا مازن..
ـ سفر!
أكمل حسن وكأن مازن لم يقاطعه:
ـ والسفر محتاج مصاريف.. مصاريف كتير.. خاصة أني لازم آخد منى معايا.. مش هينفع أسيبها هنا لوحدها..
ـ وأسرع طريقة هي النقاشة؟..
غمز حسن بعينه:
ـ أنا نقاش شاطر!..
وأكمل مازن عنه:
ـ و...
ابتسم حسن:
ـ و... وبس..
بادله مازن الابتسام:
ـ هو عصبي جداً من بعد ما وصله الموضوع.. درجة عصبيته 44 وشرطة..
ابتسم حسن بمرارة:
ـ قلقان على مظهره قدام الناس واسمه في السوق..
ـ ممكن..
وتردد قليلاً قبل أن يكمل:
ـ امبارح.. امبارح.. تقريباً قربت أصدق أنه كان قلقان عليك أنت.. بس.. أنت عارف.. صعب أني أحدد.. بس يا حسن.. مش معنى كده أني موافق أنك تتبهدل لمجرد إثبات موقف..
ـ لا يا مازن.. مش مجرد إثبات موقف بس.. زي ما قلت لك.. السفر هو هدفي.. النقاشة مجرد وسيلة.. اطمن أنا مركز كويس..
ربت مازن على كتفه وهو يتحرك متوجهاً نحو باب السطح:
ـ ماشي يا حسن.. براحتك.. بس افتكر دايماً.. أن مجموعة العدوي.. لك فيها حق زي.. وأكتر كمان.. و..
قاطعه حسن راغباً في تغيير الموضوع:
ـ أنت هتتعشى معانا الليلة..
ابتسم مازن بتفهم واجاب بهدوء:
ـ الليلة هتعشى مع جدتي.. عايزة تبارك لي..
ـ سلم لي عليها يا مازن..
أومأ مازن برأسه.. وتحرك ليخرج من باب السطح.. ثم عاد ليعانق شقيقه بقوة:
ـ أنا آسف يا حسن.. والله آسف..
وكزه حسن بخفة:
ـ عيب يا ولد.. أخوك الكبير يا ولد..
ابتسما معاً.. وعيونهما يغشاها الدمع..
*************
لم تعرف كم غابت عن الدنيا ولكنها استيقظت على وكزة قوية من زوجة عمها وهي تخبرها بعنف:
ـ جومي.. أم عواد جت.. وهتشوفك دلوجت..
دعكت علياء عينيها بظهر يدها وهي تحاول التحرك فتمنعها آلام جسدها المتفرقة.. وشعرت بقماش ناعم يلقى بوجهها.. فأمسكته لتكتشف جلباب واسع أسود اللون.. أخذت تتأمله بدهشة بينما هتفت بها زوجة عمها:
ـ جومي.. اجلعي المسخرة اللي أنتِ لابساها.. والبسي ده.. أم عواد مستعجلة..
سألت علياء بتردد:
ـ مستعجلة ليه؟.. هي هتعمل إيه؟..
ـ البسي بس..
خرجت وتركتها وحدها فبدلت علياء فستانها بالجلباب الأسود.. رتبت فستانها برقة وهي تتذكر صراخ يزيد عندما وصفته له وتوعده لها بأنه سيمزقه.. ولكن ليس قبل أن يعاينه على جسدها أولاً.. هزت رأسها بخوف.. ماذا سيحدث لها الآن؟.. وهل سيعلم بمكان وجودها؟.. كيف سيعلم ومن سيخبره؟.. وهل سيأتي؟.. هل يهتم بما يكفي ليأتي؟.. أم....
قطع تسلسل أفكارها.. دخول عمتها وزوجة عمها مع سيدة أخرى.. تبدو ملامح وجهها هادئة نوعاً.. ولكنها ملابسها السوداء تبدو مقبضة بشدة..
أمرتها زوجة عمها بخشونة أن تستلقي على ظهرها.. ولكنها تجمدت في مكانها تحت النظرات المتفحصة من المرأة الغريبة حتى فوجئت بعمتها تدفعها بقوة لتسقط على الفراش.. حاولت النهوض ولكن زوجة عمها لفت حول الفراش من الناحية الأخرى لتجذبها وتكبلها كلا السيدتين من كل جهة.. بينما تعرضها تلك السيدة سوداء الملابس لابشع انتهاك قد تمر به أنثى..
تعالت صرختها التي أخرستها لطمة قوية من عمتها وهي تنهرها:
ـ اخرسي يا فاجرة..
ثم وجهت كلماتها الى أم عواد:
ـ وأنتِ كمان.. خلصينا..
انتهت السيدة من فحصها المؤلم وألقت بالغطاء فوق علياء التي تكومت على نفسها متخذة وضع الجنين وهي تشهق ببكاء مكتوم وجسدها ينتفض مع كل شهقة.. أغمضت عينيها علهن يختفين من أمامها.. فهي لم تعد قادرة على تحمل سواد ملابسهن والأصعب قلوبهن الحجرية.. فلم تنتبه لحركة تلك السيدة الغريبة وهي تشير برأسها لعمتها وتقترب منها لتهمس في أذنها بشيء ما جعل عمتها تلطم خديها وتخرج مسرعة.. ليعود معها بعد ذلك عمها صالح وقد التمع الشر والأذى في عينيه ليجرها كعادته من شعرها ولكن تلك المرة تسقط من فوق فراشها وهي تصرخ بألم.. وصفعاته تتوالى على كل ما تصله كفه الضخمة من جسدها.. وتنطلق منه كلمات السباب والشتائم لم تسمعها من قبل وهو يصفها بأبشع ما ذكر في معاجم اللغة.. فأخذت تردد بدون توقف:
ـ مظلومة.. والله مظلومة.. أنا متجوزة.. يزيد اتجوزني.. يزيد.. يزيد..
تصرخ بأعلى صوتها بينما يتجبر عمها ولا يصدق:
ـ اتجوزك.. تلاجيه كان بيصلح غلطة أبوه.. عيلة واطية.. وأنت اوطى يا بنت..
صرخت مقاطعة وصفعة أخرى تسقط على وجنتها فأسالت الدماء من جانب وجهها:
ـ والله يزيد جوزي.. والله..
هم بصفعها من جديد عندما تدخلت زوجته لتمنعه:
ـ بيكفي يا صالح.. هتموتها في ايدك..
ـ موتها حلال..
ـ عايز توسخ يدك بدمها النجس.. ولا تروح أنت جصادها.. دي تربية بنادر وما نعرفش مين هيسأل عليها.. احنا نرميها للواد عبده العلاف.. ونبجى سترنا عرض أخوك..
هتفت علياء بهم:
ـ متجوزة والله أنا متجوزة.. يزيد.. يز..
أخذت تردد اسمه بخفوت.. وكأن ترديد اسمه ما سيحميها من قسوتهم وحكمهم الجائر...
دخل لحظتها مهدي العم الأصغر.. وسمع كلمات علياء المتفرقة فتوجه لأخيه:
ـ طيب يمكن يا خويا تكون صادجة ومتجوزة صُح.. ما نسعل ونتوكد..
سخر صالح منه:
ـ صدجتها يا خوي.. جلبك الطيب حن!
ـ ما هنخسرش حاجة.. مش احسن ما نجوزها وتطلع على ذمة راجل تاني.. ده غير أوراجها كلها عند اللي اسمه عصام ده..
فكر صالح في كلمات أخيه قليلاً:
ـ عندك حق يا أخوي.. والأرض لازم ناخدها بيع وشرا الأول جبل أي حاجة وبعدين نشوف هنعمل معاها إيه..
ثم أشار إلى علياء المتكومة على الأرض وهو يحدث زوجته:
ـ ما تخرجش من الأوضة.. واكلها عيش وميّ..
ربتت زوجته على كتفه وهي تطمئنه:
ـ اطمن يا حاج صالح.. أنا فاهمة هعمل إيه..
خرجوا جميعاً من الغرفة وتركوها وحيدة.. ملقاة على الأرض فلم تملك القوة حتى للزحف لتعود إلى فراشها.. لم تشعر بمعنى اليتم كما شعرت تلك اللحظة.. وحيدة تماماً رغم وجودها وسط أهلها.. غريبة وسط أقارب يهاجهمونها ويتهمونها بما لا تعلم.. يبادرون ليس لحمايتها ولكن لانتهاكها..
وهو.. معذبها الأول.. أول من انتهك.. وأول من ابتعد.. وأول من تركها وحيدة وسط قطيع من ذئاب ينهشها ولا تملك ما تدافع به عن نفسها.. سوى كلمتها والتي يرفض الجميع سماعها..
وبين اليقظة والهذيان شعرت بمن يدخل الغرفة.. ويقترب منها.. لتلمح نصل حاد يلمع في الضوء.. قبل أن تغيب تماماً عن الوعي.. ولسانها يردد اسمه كتعويذة سحرية ربما تحميها من قسوتهم الباردة...
************
على الجانب الآخر كان يزيد يحاول يائساً ولثلاثة أيام كاملة الاتصال بعلياء بلا جدوى.. فهي لا ترد على هاتفها المحمول.. ولا هاتف المزرعة.. وحتى حاول الاتصال بها على هاتف شقتهما_والتي قررت ألا تنتقل اليها إلا وهو معها_ ولكنه أيضاً فشل في الوصول إليها..
كان يظن في البداية أنها غاضبة عليه بسبب صراخه عليها.. ولكن الآن أدرك أن الأمر يتخطى نوبة غضب عابرة.. فيبدو أن حضورها زفاف نيرة أشعل بداخلها الحنين ليكون له زفافها الخاص.. وهي إما غاضبة تلومه ومحرجة من مطالبته بحفل خاص بها.. أو أنها غاضبة لأنه لم يستطع العودة في الموعد الذي أخبرها به.. وقررت أن تعاقبه بخصام.. زفر بحنق فهو كان ينوي العودة إليها بالأمس.. ولكن والده كبله بمجموعة من المهام والأعمال ستستغرق أسبوعاً على الأقل...
حاول مرة أخرى أن يتصل بها.. لتأتي له الرسالة المسجلة التي سأمها.. فاتصل بوالده مباشرة:
ـ بابا.. علياء فين؟..
ـ عليااا؟.. عليا موجودة.. هتروح فين؟
لهفة يزيد الشديدة لم تمكنه من التقاط التوتر في صوت والده.. فأردف بسرعة:
ـ أنا بيتهيألي أنها زعلانة أو ممكن محرجة وبتفكر يكون لها حفلة وفرح.. لو سمحت يا بابا بلغها أني موافق.. واللي هي تطلبه هنفذه.. بس خليها تفتح الموبايل.. عايز اطمن عليها..
لم يعرف والده بم يجبه فهو قرر إخفاء أمر اختطاف علياء عنه.. ففي البداية لم يكن يعرف ما حدث لها.. فقط أنها لم تصل إلى المزرعة بل تغيبت طوال الليل ولم تظهر أبداً..
عند عصر اليوم التالي.. لم يجد بداً من الذهاب إلى الشرطة.. وبعدما استمع له مأمور القسم.. لفت نظره بطريقة غير مباشرة.. بسؤال أعمامها.. أو التحري لديهم أولاً.. ولكنه لم يحتج لذلك.. فقد وصله اتصال من عمها في اليوم التالي.. وكان فحوى الاتصال من أغرب ما يمكن.. وأكال له الرجل اتهامات ووصمه بما لم يخطر على باله.. وعندما أوضح له أن علياء أصبحت زوجة لابنه يزيد.. تعالت صيحات عمها بالتهديد له وليزيد بالانتقام وغسل العار.. أي عار يتحدث عنه هذا الرجل؟.. هل أخبرتهم علياء بفعلة يزيد نحوها قبل الزواج؟.. وهل تذكروا الآن فقط ابنتهم؟.. وفكروا في حمايتها والثأر لشرفها!
صوت يزيد أخرجه من شروده وهو يؤكد:
ـ خلاص يا بابا هتبلغها؟..
صمت عصام للحظات.. ثم حسم أمره.. واجاب بحزم:
ـ هو احنا مش اتفقنا أنك تبعد عنها لفترة.. اللي بتعمله ده اسمه إيه.. البنت محتاجة وقت تراجع فيه نفسها.. حضورها فرح نيرة أثر عليها جامد زي ما قولت.. سيبها تروق على مهلها.. وهي هتبقى تكلمك..
وأغلق الخط بسرعة.. يعلم بأن اخفائه الحقيقة عن يزيد قد يعرض علياء للخطر, ولكنه أب.. يخشى على ابنه من تهديدات أعمام الفتاة.. وعزائه أن عمها اتصل ثانية فاتحاً مجال للتفاوض.. وموضحاً أنهم يهتمون بالأراضي وميراث علياء من والدها.. وهو يحاول معهم جاهداً ليصل إلى حل ينقذ به الفتاة قبل فوات الأوان...
***************
اضجع مازن في فراشه واضعاً ذراعه تحت رأسه ورفع هاتفه بيده الأخرى وأخذ يعبث به للحظات حتى ظهر اسم حسن على الشاشة.. أخذ يتأمل رقم شقيقه للحظات.. رقم يحفظه عن ظهر قلب إلا أن استخدامه له أصبح نادراً.. توترت علاقته بشقيقه في الفترة الأخيرة لا ينكر هذا.. يكتفيان باتصالات أصبحت رسمية وروتينية..
الغيرة شعور بشع.. ولا يملك إلا أن يعانيه بصمت.. صمت أجبره عليه شعور مميت بالخجل.. والآن تحول الخجل إلى خزي مؤلم.. كيف يواجه شقيقه وقد حولته نيرة مرتين لخنجر تنحره به؟!!..
والليلة.. الليلة تأكد من أنها مازالت تحمل له مشاعر.. حتى ولو كانت كراهية إلا أنها تظل مشاعر.. فهي لم تأبه بحفل زفافها أو الفضيحة التي افتعلتها مقابل أن تؤلمه.. وهذا لا يصدر إلا عن عاشقة ناقمة.. وهو ما لن يستطيع نسيانه أو غفرانه بسهولة...
عبث بهاتفه قليلاً.. ورفعه إلى أذنه.. ولم ينتظر طويلاً حتى وصله صوت يزيد مجلجلاً:
ـ يخرب بيت عقلك.. إيه اللي بيخليك تتصل دلوقتِ!.. عايز تعليمات ولا شرح؟!!.. أومال بتعمل إيه مع دنيا بقى لك سنة وزيادة!!
هتف به مازن بحنق:
ـ لِم نفسك يا يزيد.. أنا مش ناقصك!
ـ واضح.. إيه اللي حصل؟. دنيا طربقتها على دماغك.. ولا..
قاطعه مازن:
ـ أنت مش ناوي تسكت وتلم الدور!
ـ حصل إيه يا مازن؟
تنهد مازن وقص كل ما حدث في حفل الزفاف على يزيد الذي صمت للحظات قبل يستفسر يزيد بذهول:
ـ وحسن فعلاً قرر أنه يشتغل نقاش؟
ـ أيوه.. قرر وصمم كمان.. رافض أي مساعدة مننا.. وكمان مش عايزني أبلغ جدتي.. دماغه ناشفة..
أجابه يزيد:
ـ عايز يحقق هدف معين.. ربنا معاه..
خيم الصمت عليهما لفترة قبل أن يعاود يزيد السؤال:
ـ وموقف والدك.. سكت وهو شايف اللي بيحصل؟..
هز مازن رأسه بحيرة:
ـ مش عارف يا يزيد.. في لحظة حسيت أنه هيتدخل ويوقف المهزلة دي.. وبعدين اختفى.. مش عارف..
كانت الجملة الحائرة الأخيرة تطالب يزيد بحل.. أي حل.. فقال بحزم لا يتعامل به كثيراً:
ـ روح لأخوك يا مازن.. الزيارة اتأخرت..
زفر مازن بحزن:
ـ عارف..
عاد يزيد يردد:
ـ مش هينفع تتأخر عن كده.. وحاول معاه في موضوع النقاشة دي..
ـ هروح له بكره..
ـ سلم لي عليه..
خيم الصمت عليهما.. فسأله يزيد بسخرية:
ـ أنت شكلك ناوي تقضيها تليفون الليلة.. ما تقوم تروح لدنيا..
تمنى مازن بالفعل لو يستطيع الذهاب لها, ولكنه يعلم أنها سترفض استقباله.. فهي لن تكون البديل الجاهز الذي ينفث به إحباطاته.. لم تكن تلك طبيعة علاقتهما.. ولن تكون.. كما أنه لن يهجر منزله ليلة زفافه.. يكفيه أن يهجر فراش عروسه.. ولكن ما بينهما.. يظل حبيس جدران المنزل.. ولولا احتياجه للفضفضة ما حادث يزيد.. لكنه يعلم أن حديثه مع يزيد كحديثه مع نفسه..
قطع أفكاره صوت يزيد يسأل بلهفة:
ـ شوفتها الليلة يا مازن؟.. عاملة إيه؟
ابتسم مازن بسخرية فكلٍ يغني على ليلاه.. فكر أن يراوغه قليلاً ولكنه أجابه:
ـ جميلة.. حزينة ووحيدة..
صوت تنهيدة يزيد كاد أن يصم أذنه.. قبل أن يجيبه مسرعاً:
ـ طيب اقفل بقى عشان أكلمها.. أنت أخدت أكتر من وقتك!..
أغلق يزيد وحاول الاتصال بعلياء عدة مرات ليجد أن الهاتف مغلق في كل مرة.. زفر بحدة وهو يعيد المحاولة مرة بعد مرة لتقابله نفس الرسالة الصوتية..
لابد أنها غاضبة.. أو تمر بإحدى نوبات تمردها التي ازدادت في الآونة الأخيرة.. وخاصة بعد سفره.. حسناً.. ليس تمرد بالمعنى المفهوم وإنما تذبذب مهلك في الانفعالات والمشاعر.. وهو لم يبتعد إلا أسبوعين.. وينوي العودة إليها بعد يومين وأخبرها بذلك بالفعل قبل ذهابها للزفاف.. لم تغضب وتغلق هاتفها إذاً؟..
تحرك ليدخل إلى غرفة نومه _التي أغلقتها ريناد على نفسها منذ سمعت صوت الهاتف لظنها أن علياء هي المتكلمة_ اندس بجوارها في الفراش ووجدها توليه ظهرها كالعادة.. حاول أن يضمها برقة.. فوصله صوتها:
ـ هي الساعة كام دلوقتِ؟..
أبعد ذراعيه ليضعهما تحت رأسه:
ـ الساعة اتنين..
ـ وأنت بعد ما خلصت وشوشة مع الهانم.. جاي دلوقتِ تحضني؟..
أجابها بصبر وكأنه يكرر أكليشيه يومي:
ـ أنا هنا معاكِ.. وهي بعيد.. طبيعي أني اطمن عليها.. وبعدين مش هي اللي كانت على التليفون.. ده...... حسن..
ـ برضوه الوقت اتأخر.. تصبح على خير..
رفعت الغطاء على كتفها حتى غطى أذنها وهي تغمض عينيها في قوة.. هرباً من رغباته التي لا تنضب ولا تقل.. لقد أصابها الملل بل الاشمئزاز من حالته تلك.. حتى أصبحت ترحب بمكالمته المستمرة لتلك الحمقاء الأخرى.. فتتخذ من غضبها ذريعة لرفضه مرة بعد مرة وهي مطمئنة أنه لا يستطيع الهرب نحو الأخرى.. وأن لا ملجأ له إلا هي.. فلتستمتع بقوتها تلك حتى تروض رغباته تماماً.. راحت في نومٍ عميق بالفعل وهي تتلذذ بتلك الفكرة.. تهذيب يزيد.. وتحجيم رغباته..
***********
أطلت منى من شباك الغرفة لتتأمل حسن الشارد والصامت تماماً منذ غادرا حفل زفاف شقيقه.. كان جالساً وسط حديقتها الصغيرة خارج الغرفة ناظراً إلى لاشيء.. وبدا الغضب على ملامحه.. غضب ممزوج بشيء لم تفهمه.. أهو التصميم أم الندم؟.... تساءلت والحيرة تتآكلها هل حانت لحظة الندم؟.. لكنها أتت بسرعة شديدة.. حتى أنها لم تتهيأ لها.. ذهابها برفقته إلى الزفاف كان مخاطرة ولكنها أخذتها بشجاعة.. وكانت متأكدة من تحرش نيرة بها.. فهي أنثى وتدرك عمق الجرح بداخل أنثى مثلها.. وتصورت أنها ستكون محط انتقام نيرة.. ولكن ما لم تفكر به هو هجوم نيرة على حسن نفسه.. واهانته بتلك الطريقة الفجة.. وهو.. بدا متجمداً وكأن كلمات تلك المتكبرة كانت كسياط وشمت جلده بما لا يمكن محوه.. والمشكلة أنه بدا متباعداً ورافضاً أي تسرية أو مواساة منها.. ردوده قصيرة ومقتضبة.. عيناه تتهرب من مواجهة عينيها.. ويلجأ للصمت متجنباً إجابة أسئلتها المنطوقة والصامتة.. وأخيراً.. اعتكف وحيداً وسط جنتها الخضراء.. ولكن بنفسية سوداء كالجحيم..
خرجت له أخيراً تحاول فك عزلته وسألته بخفة:
ـ حبيبي.. أجهز لك عشا خفيف؟
هز رأسه رافضاً بدون أي كلمة.. عادت تشاكسه مرة أخرى:
ـ طيب أعمل لك عصير فراولة.. بالسكر المرة دي..
أجاب باقتضاب:
ـ أنا مش محتاج حاجة يا منى.. شوية وهدخل أنام.. تصبحي على خير..
وأشاح وجهه بعيداً عنها.. يشرد عنها في عالم بعيد.. رافضاً وللمرة الأولى مشاركتها بأفكاره.. وهمومه..
اقتربت منه بصمت لتضم رأسه الى صدرها .. تحتفظ بها طويلاً قريباً من قلبها.. ثم قبلته على جبينه برقة وتركته كما طلب ودخلت إلى غرفة نومهما.. وفي أعماقها تشعر بحزن وجرح منه.. فهو انغمس في أحزانه على نفسه ولم ينتبه لألمها ومعانتها هي الأخرى من الإهانة التي ألحقتها بها نيرة على السواء.. إهانة كانت تتوقعها وقررت أن تتلقاها بشجاعة مقابل أن يشارك شقيقه ليلة زفافه.. ولكنه للأسف.. لم يفكر إلا بنفسه.. بألمه.. بكرامته.. وكبريائه..
وفي تلك الليلة ولأول ناما.. وكل منهما يولي ظهره للآخر.. ملتحفاً بأفكار مقلقة.. وحيرة حول المستقبل.. منى دموعها تجري بصمت وخوف رهيب يعتصر قلبها.. وحسن مصاب بحالة من الجمود.. جمدت كل أفكاره ومشاعره.. يشعر أنه في فقاعة عازلة ويخشى بشدة الإتيان بأي حركة خشية تمزق الفقاعة ومواجهة ما يحيط به..
ظلا كلا منهما يحاول ادعاء النوم بلا فائدة.. حتى شعرت منى بحسن يلتف ليلتصق بها.. فالتفتت له منى لتندس بين أحضانه وتغرز وجهها في صدره بينما تعصرها ذراعاه ليقربها منه أكثر فأكثر لتزداد دموعها ويمسحها هو بشفتيه هامساً:
ـ آسف.. يا منى...
استرخت منى بين ذراعيه وابتسامتها تخترق دموعها ورأسها يتوسد صدره.. تتجاوب برقة مع همساته واعتذراته المتكررة التي يلقي بها في أذنيها... وقلبها ينتفض سعادة بعدما كان يعتصر حزناً.. فحبيبها لم يحتمل أن تغفو وهي مجروحة منه.. فما الذي تريده بعد ذلك؟..
***********************
اقتحمت نيرة غرفة مازن وهي تغلي من الغضب... وظهر ذلك على معالم وجهها الجميل الذي احتقن بشدة.. وارتجف صوتها حنقاً وهي تسأل مازن الذي كان قد وصل لتوه من الخارج:
ـ تقدر تقولي كنت فين من الصبح؟.. أنا صحيت لقيت البيت كله فاضي وأنا لوحدي!..
رفع حاجبيه بسخرية:
ـ ما كنتش أعرف أنك بتخافي!
ضربت قدمها في الأرض بغضب:
ـ أنا ما بهزرش.. ازاي تخرج لوحدك يوم صبحيتنا ومن بدري كمان وما ترجعش إلا على العصر.. كنت فين؟..
تحرك ليقترب منها قليلاً وسألها ببرود:
ـ ده اسميه إيه.. قلق عليّ ولا قلق على برستيجك؟..
فكرت نيرة أن تتحدى بروده وتخبره أنها لا تهتم إلا بمظهرها الاجتماعي.. ولكنها تراجعت عندما داهمتها تلك اللحظة التي اكتشفت فيها عدم وجوده بالبيت.. والهلع الذي أصابها لظنها أنه سأم منها وقرر إنهاء ارتباطه بها.. فتحت فمها لتهادنه بكلمات رقيقة عن قلقها عليه.. ولكنه أوقفها:
ـ قبل ما تكدبي كدبة واحتمال تصدقيها.. افتكري أنك ما اتصلتيش مرة واحدة تسألي وتشوفي أنا فين..
رمشت بأهدابها عدة مرات وابتلعت ريقها بصعوبة.. تحاول أن تصلح من موقفها.. فهي فكرت بالاتصال به بالفعل عدة مرات.. ولكنها كانت تتراجع في كل مرة خوفاً من أن يبلغها أنه ترك المنزل ولن يعود..
وقبل أن تجد أي كلمات تجبه بها.. سمعته يخبرها:
ـ أنا جبت معايا أكل عشان الغدا.. ممكن توضبي السفرة؟.. بكره الخدم هيرجعوا لشغلهم.. وآه قبل ما أنسى.. يا ريت تجمعي هدومي من أوضتك وتنقليها الأوضة دي....
فغرت فاهها من كلماته ولم تستوعب إلا جملته بنقل ملابسه من حجرتهما.. فرددت بذهول:
ـ إيه اللي أنت بتقوله ده!
ـ بصي يا نيرة.. أنا مش عايز أفشل في حياتي.. أنا واحد ما بيعرفش يفشل.. امبارح كان سهل جداً أني أوصلك على بيت عمي عامر بدل ما أجيبك بيتنا.. لكن زي ما قلت لك.. كده أبقى فشلت.. في نفس الوقت صعب أقبل تصرفك امبارح..
كتفت ذراعيها بتوتر وهي تسأل:
ـ يعني إيه؟.. هنعمل إيه؟..
ـ مش هنعمل أي حاجة.. أنا محتاج أفكر في وضع جوازنا وفرص نجاحه..
صرخت بغضب:
ـ ما تتكلمش عن جوازنا زي ما تكون بتتكلم على صفقة ولا عملية جديدة للشركة.. وبتفكر فيه من ناحية المكسب والخسارة..
ابتسم بسخرية:
ـ أنتِ اللي حولتيه لكده بتصرف غبي.. ويا ريت يكون مش محسوب.. لأنه لو كان مدبر.. صدقيني هيكون تصرفي غير متوقع..
اقتربت منه.. اقتربت أكثر من اللازم.. ووضعت كفيها على صدره.. لتشعر بضربات قلبه تهدر تحت ضغط يدها.. فابتسمت بغنج:
ـ خلينا نبدأ من جديد..
لم يكن قربها منه بتلك الطريقة في صالحه.. خاصة مع توقه الشديد بأن يجعلها له.. ذلك الشوق الذي دفعه إلى الهرب منها ومن الفيلا بأكملها ليغرق نفسه في دوامة العمل.. حيث أنهك جسده فعلياً وأحرق رغبته بها في بوتقة الأعمال والتنقل بين المواقع.. وللغرابة لم تكثر الأقاويل حول خروج العريس إلى عمله يوم صبحيته.. فقد كان أغلب المدعووين في الزفاف من موظفي الشركة ولابد أنهم استنتجوا ما حدث بعد المشهد الوقح الذي افتعلته نيرة بالأمس..
انتبه فجأة على لمساتها وقد انتقلت أناملها لتمس ذقنه العريض والتي تفتنها بشدة ولكنها تبقي افتتانها بها سراً.. ولكنها وجدته يبعد يدها عن وجهه ويبتعد هو الآخر.. وإن فضحت سرعة تنفسه تأثره بها.. بينما كان هو يلعن ويسب ضعفه بداخله.. فهو يحاول التمسك بالبرود والجمود.. يريد أن يوجعها ولو قليلاً.. أن يسترجع ولو أقل القليل من كرامته التي مزقتها شر تمزيق..
فأخبرها ببرود يحاول اصطناعه:
ـ عشان نبدأ من جديد.. لازم نلاقي نقطة.. ولو صغيرة نبدأ منها.. نقطة نتقابل فيها.. وزي ما أنا عايز أوصل للنقطة دي لازم تكون دي كمان رغبتك.. ولحد ما ده يحصل, أنا هنام في الأوضة دي.. الجواز مش بس أننا ننام في نفس الأوضة ونفس السرير..
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يردف.. مدركاً صعوبة كلماته على نفسه أولاً قبل أن تكون عليها:
ـ الجواز اللي أنا عايزه.. إن الواحد يكون عنده استعداد يقدم كل حاجة.. مقابل أنه يمتلك قلب حبيبه..
هتفت مقاطعة في غضب:
ـ هو أنا لازم أضحي واتنازل عشان أنفع أكون زوجة لك!
هز رأسه بحسم:
ـ مش تنازلات يا نيرة.. أنا مش بطلب تنازلات.. ولا هقدم تنازلات تاني.. لأنه لو كانت العلاقة صادقة وقوية مش هيكون في تنازلات.. منى امبارح جت فرحك وهي متأكدة أنك هتحاولي اهانتها.. لكن جت عشان تكون جنب حسن.. وما فكرتش أنها بتتنازل عشان ترضيه.. لا.. فكرت بس أنها تكون جنبه.. مش تنازل ولا تضحية.. بس صدق في المشاعر.. عشان كده بنت السواق زي ما قلتِ عليها امبارح.. ملكت قلب أخويا.. يا ريت تكوني فهمتِ أنا عايز أقول إيه..
غمغمت من بين أسنانها:
ـ برضه منى.. حتى أنت بتعطيني بها المثل.. كل ده عشان كلمتين قلتهم.. وكنت عايزة أرد بيهم شوية من كرامتي اللي بعترها أخوك.. خلاص.. هو من حقه يجرح ويهين وأنا لو رديت أبقى وحشة وما انفعش زوجة..
هز رأسه بيأس:
ـ تبقي لسه مش فهماني.. للأسف.. لسه.. واضح أنه الطريق طويل..
ثم لف مولياً إياها ظهره وتوجه نحو باب الحمام الملحق بالغرفة.. وهو يجبها بحسم:
ـ نيرة.. من فضلك قبل ما تدخلي أوضتي بعد كده.. تبقي تخبطي الأول..
توسعت عيناها في وسط وجهها حتى بدا كشاطئ أبيض يحيط ببركاتين فيروزيتين... وهي تدرك المعنى المؤلم لكلماته التي حولتها إلى إنسانة غريبة عنه وليست زوجته التي تمناها طويلاً..
وقبل أن يدخل إلى الحمام أردف ببطء:
ـ أنا عندي مشوار بعد المغرب.. هخلصه واعدي عليكِ نروح نزور جدتي.. هي عايزة تشوفك وتبارك لك.. أنتِ عارفة طبعاً أنه صحتها ما تتحملش أنها تحضر أفراح..
قال كلمته ودخل إلى الحمام مغلقاً بينهما باب...
***************
صفعة قوية وألم شديد نتيجة جذب شعرها بقوة كانا ما آفاقا علياء من غيبوبتها الإجبارية.. فتحت عينيها لتحاصرها قسوة عيون توسطت وجوه حجرية تعرفت فيها على عمها الأكبر صالح, وزوجته, وعمها سالم وهو الأوسط في ترتيب الأشقاء.. ولا يبدو أنه يهتم بما يدور أمامه.. وأصغر أعمامها مهدي والذي التمعت في عينيه نظرات ذنب ممتزجة بالشفقة والعجز.. ثم لمحت القسوة والتجبر الذي تجسد واضحاً في عينيّ عمتها سعاد, وأخيراً صاحبة الصفعة ومن تجذب خصلاتها بلا هوادة.. "الحاجة مُنتهى".. عمة والدها..
صفعة أخرى.. تلتها جملتها الظالمة:
ـ فاجرة.. دي آخرة الجاعدة في مصر.. البت عيارها فلت..
سالت دموعها وهي تحاول استيعاب ما يدور حولها والحاجة منتهى تبرم خصلاتها بقسوة وكأنها تريد انتزاعها من رأسها بالفعل..
وعادت تردد:
ـ ما هتخرجش من الدار لآخر يوم في عمرها.. ابعت المأذون يا ولد أخوي.. دي دواها الجواز.. ابن عمها يعجد عليها..
شهقت عمتها سعاد وهي تلطم صدرها:
ـ يعجد عليها!.. وأمل بنتي.. مرته..
لتتدخل زوجة عمها صالح:
ـ أنا هبعت لأم عواد الداية.. ولو طلع كلام الست سهام دي صُح.. يبجى نرميها لأي أجير من اللي بيفلحوا الأرض..
شهقت علياء بقوة وابتلعت دموعها مع المرار الذي يجري بحلقها وهي تتساءل بذهول عن علاقة سهام بأعمامها.. لما يذكرونها الآن؟.. ماذا يحدث حولها؟.. هل سهام هي من سلمتها لهم.. وماذا أخبرتهم؟.. أنها لا تعلم ما حدث بينها وبين يزيد قبل الزواج.. فماذا أخبرتهم لتشعل غضبهم بتلك الطريقة؟..
رددت بهمس مذهول:
ـ داية!!.. يعني إيه؟.. وليه؟.. هتعمل فيّ إيه؟..
ارتفع صوتها قليلاً:
ـ يا عمي.. اسمعني.. والله أنا..
لطمة قوية نزلت فوق عينها تلك المرة لتختفي الرؤية أمامها للحظات وهي تسمع عمها صالح ينهرها:
ـ أنتِ تسكتي ساكت.. ما اسمعش حسك ده أبداً.. بس دي غلطتي لما وافجت تجعدي في بيت الراجل الناجص ده..
نهضت من الفراش وهي تترنح لتحاول التمسك بكف عمها وتتوسله:
ـ يا عمي.. اسمعني.. ارجوك..
أزاحها بعنف فسقطت أرضاً.. بينما صوت زوجته يدوي في شماتة:
ـ هي اللي جليلة شرف.. منتظر إيه من واحدة تربية صالة رجص.. وأمها..
صرخت عليا بقوة:
ـ ما تجبيش سيرة ماما.. ما حدش يجيب سيرة ماما..
تلك المرة جذبها عمها من شعرها لتتوالى الصفعات على وجهها وهو يصرخ بها:
ـ يا جليلة الشرف والرباية.. تروحي تلفي على الراجل اللي لمك في بيته وبعد ما أمك خربت بيته مرة.. جاية أنتِ تكملي عليه وتجري رجله للحرام والمعصية.. لا دين ولا أخلاج.. ولا رباية.. أنتِ في موتك رحمة..
كانت الكلمات موجعة بقدر الصفعات بل ربما أكثر وجعاً.. فرحبت بغياب وعيها وهي تتبين أخيراً.. المكيدة التي حاكتها سهام لها.. فهي لم تخبرهم بزواجها من يزيد بل أقنعتهم بأنها على علاقة غير مشروعة.. بــ عصام.. زوج أمها ووالد يزيد.. وهم صدقوها.. تلك الغريبة التي لم يروها أو يعرفوها قط.. صدقوها.. وحكموا عليها هي.. ابنتهم.. وبقي موعد وكيفية تنفيذ الحكم..
هل دمائهم تجري في عروقها بالفعل؟.. تشك بقوة.. لا عجب أن أباها هرب منهم ليتزوج أمها!.. من يستطيع تحمل تلك القسوة من أقرب الناس إليه؟.. طالما حذرتها أمها منهم.. ومن تحجر قلوبهم.. والآن.. ذهب والدها ومن بعده أمها.. ولم يتبقَ لها أحد.. إلا حبيب ونصف زوج.. تشك في إمكانية إنقاذه لها.. وأقارب يشاركونها اسم العائلة وبضعة فدادين من الأراضي الزراعية هي كل ما يهتمون بها...
****************
عاد حسن من عمله مع آذان العشاء وهو يحمل عدة أكياس بين يديه.. تحتوي على بعض مل طلبته منى.. ليفاجئ بشقيقه جالساً وسط حديقة منى الصغيرة يحتسي كوباً من الشاي وقد جلس معه عم نصر وبدا أنهما منهمكين في حديث طويل...
التفت مازن فجأة لتصطدم عيناه بعينيّ حسن التي ضاقت في تركيز وكأنه يحاول تبين سبب وجود شقيقه_العريس الجديد_ هنا في منزله بدلاً من تواجده مع عروسة.. بينما جرت عينا مازن على ملامح أخيه يلتهمها في شوق واضح.. وقد بدا تأثره من الإرهاق البادي على ملامح حسن.. وملابسه التي فقدت رونقها واحتفظت ببعض أناقتها السابقة.. نهض ببطء ليتوجه نحو شقيقه ولكن منى التي شعرت بعودة زوجها كانت قد خرجت من شقتهما الصغيرة وتوجهت نحو حسن فقطع التواصل البصري بينه وبين شقيقه.. والتفت لزوجته يمد يده إليها بالأكياس ويهمس لها بضعة كلمات فتومئ بصمت وهي تأخذ منه حقيبة صغيرة.. خمن مازن أنها تضم الملابس التي يعمل بها حسن.. ولمح يد منى تضغط برفق ورقة على كتفه قبل أن تدخل إلى الشقة مرة أخرى..
لم يسمعا عم نصر وهو يستأذن متعذراً بموعد صلاة العشاء.. وظلت نظرات الشقيقين معلقة ببعضها.. تحرك حسن قليلاً وفتح ذراعيه على وسعهما فاندفع مازن إليه ليلتقي الشقيقان في عناق ترحيب وعتاب طويل..
وأخيراً همس حسن:
ـ مبروك يا مازن..
ابتعد مازن وهو يخفض بصره أرضاً ويهمس بدوره:
ـ لسه زعلان مني يا حسن؟..
ـ أنا مش زعلان.. ليه بتقول كده؟.
ـ مش أنا اللي بقول.. العتاب في عينيك هو اللي بيقول..
وضع حسن يديه في جيبي بنطاله وتحرك قليلاً حتى وصل إلى سور السطح.. فرمى بنظره إلى الأفق وهو يقول بصدق:
ـ يمكن ليلة امبارح زعلت شوية.. لكن قبل كده لأ..
ـ بس أنت بعدت قوي يا حسن.. همشتني جامد بعد جوازك.. في أوقات كتير حسيت أن يزيد أقرب لك مني أنا أخوك.. حتى أنه اتحول لشبه مرسال بينا..
هز حسن رأسه بنفي تام:
ـ يا مازن أنا بعدت عشانك أنت.. عشان سعادتك مش عشان زعلان منك..
قاطعه مازن بمواجهة آن أوانها:
ـ ليلة الحفلة واللي أنا عملته.. ما ضايقكش.. ما زعلتش أني طاوعتها وخذلتك؟..
سأله حسن بتقرير:
ـ أنت بتحبها.. مش كده؟..
لمحة من عذاب حي التمعت في عينيّ مازن قبل أن يخفيها بسرعة.. ولكن حسن التقطها بقدرة عاشق وفطرة أخ يبحث عن سعادة شقيقه.. فربت على كتف مازن بحنان:
ـ أنت اتصرفت صح.. لو أنا مكانك وجت لي الفرصة أني أكون مع الإنسانة اللي بحبها ما كنتش هتردد لحظة.. وده فعلاً اللي عملته.. أنا خاطرت بكل حاجة في سبيل أني أكون مع منى.. ليه بتلوم نفسك على نفس المخاطرة؟
أجابه مازن بسرعة:
ـ لأن...
ثم سكت وكأنه انتبه إلى شيء ما.. وسأل حسن بخفوت:
ـ أنت كنت عارف أني.. أني.. أني بحبها؟..
هز حسن رأسه بنفي:
ـ عرفت متأخر.. متأخر قوي.. ياريت كنت صارحتني من البداية.. كان حاجات كتير اختلفت..
عادت لمحات العذاب تمر بعينيّ مازن ولم يستطع إخفائها تلك المرة:
ـ ما كانش ينفع.. هي بتحــ.. أقصد كانت بتحمل لك كشاعر و..
قاطعه حسن:
ـ هي موهومة.. وأنت عارف كويس.. بص.. دي مش نقطة نقاشنا دلوقتِ.. لا أنا بلوم عليك سكوتك.. ولا زعلان من موقفك يوم الحفلة.. لكن..
سكت حسن وبدا متردداً في قول ما عنده.. ثم حسم أمره ليقول:
ـ أنت متأكد أنها هتسعدك؟..
أخفض مازن نظره وأسبل جفونه ليغطي على ما ظهر في عينيه من تعبير حائر.. ثم ربت على كتف حسن ورفع نظره إليه وقد غطى قناع من الجمود ملامحه:
ـ ما تقلقش عليّ.. أنا عارف هتعامل معاها إزاي..
لم يبدو على حسن أنه يصدقه وظهر على وجه سؤال حائر.. لم يستطع كبته فانطلق منه بدون إرادة:
ـ ليه؟..
هز مازن رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة:
ـ من غير ليه!.. أنت ممكن تلاقي ألف مبرر للاعجاب.. لكن لو وقفت لحظة وقدرت تحدد سبب للحب.. يبقى اتحول لأي حاجة تانية.. غير الحب..
تجمد حسن للحظات.. ثم غمغم بهمس:
ـ للدرجة دي يا مازن!..
لم يجبه مازن.. وأدار وجهه بعيداً.. قبل أن يقرر تغيير الموضوع:
ـ ما تشغلش بالك بيّ.. خلينا في الأهم.. أنت لسه مصر على موضوع النقاشة؟..
تكتف حسن بإحساس من على وشك دخول معركة:
ـ مضايقك الموضوع ده في حاجة؟..
ـ أكيد في حلول تانية..
أومأ حسن موافقاً:
ـ أكيد.. بس ده أسرع!
ردد مازن بعجب:
ـ أسرع؟؟
ـ أيوه يا مازن أسرع.. أكيد أنا مش هستمر نقاش طول عمري..
هز مازن رأسه بحيرة وكأن حسن ألقى اليه بــلغز عميق:
ـ فهمني أنت ناوي على إيه؟.. أنا ممكن أدبر لك..
زجره حسن:
ـ مازن.. خلاص.. أنا لازم أفكر أني أدبر لنفسي.. وأحل المشاكل اللي نتجت عن قراراتي.. مش هينفع حد تاني يحمل همي.. أو يحل مشاكلي..
ـ فهمني يا حسن.. أنت بتقلقني بكلامك مش بتطمني..
أخرج حسن زفرة حارة قبل أن يقول:
ـ أنا ناوي على السفر يا مازن..
ـ سفر!
أكمل حسن وكأن مازن لم يقاطعه:
ـ والسفر محتاج مصاريف.. مصاريف كتير.. خاصة أني لازم آخد منى معايا.. مش هينفع أسيبها هنا لوحدها..
ـ وأسرع طريقة هي النقاشة؟..
غمز حسن بعينه:
ـ أنا نقاش شاطر!..
وأكمل مازن عنه:
ـ و...
ابتسم حسن:
ـ و... وبس..
بادله مازن الابتسام:
ـ هو عصبي جداً من بعد ما وصله الموضوع.. درجة عصبيته 44 وشرطة..
ابتسم حسن بمرارة:
ـ قلقان على مظهره قدام الناس واسمه في السوق..
ـ ممكن..
وتردد قليلاً قبل أن يكمل:
ـ امبارح.. امبارح.. تقريباً قربت أصدق أنه كان قلقان عليك أنت.. بس.. أنت عارف.. صعب أني أحدد.. بس يا حسن.. مش معنى كده أني موافق أنك تتبهدل لمجرد إثبات موقف..
ـ لا يا مازن.. مش مجرد إثبات موقف بس.. زي ما قلت لك.. السفر هو هدفي.. النقاشة مجرد وسيلة.. اطمن أنا مركز كويس..
ربت مازن على كتفه وهو يتحرك متوجهاً نحو باب السطح:
ـ ماشي يا حسن.. براحتك.. بس افتكر دايماً.. أن مجموعة العدوي.. لك فيها حق زي.. وأكتر كمان.. و..
قاطعه حسن راغباً في تغيير الموضوع:
ـ أنت هتتعشى معانا الليلة..
ابتسم مازن بتفهم واجاب بهدوء:
ـ الليلة هتعشى مع جدتي.. عايزة تبارك لي..
ـ سلم لي عليها يا مازن..
أومأ مازن برأسه.. وتحرك ليخرج من باب السطح.. ثم عاد ليعانق شقيقه بقوة:
ـ أنا آسف يا حسن.. والله آسف..
وكزه حسن بخفة:
ـ عيب يا ولد.. أخوك الكبير يا ولد..
ابتسما معاً.. وعيونهما يغشاها الدمع..
*************
لم تعرف كم غابت عن الدنيا ولكنها استيقظت على وكزة قوية من زوجة عمها وهي تخبرها بعنف:
ـ جومي.. أم عواد جت.. وهتشوفك دلوجت..
دعكت علياء عينيها بظهر يدها وهي تحاول التحرك فتمنعها آلام جسدها المتفرقة.. وشعرت بقماش ناعم يلقى بوجهها.. فأمسكته لتكتشف جلباب واسع أسود اللون.. أخذت تتأمله بدهشة بينما هتفت بها زوجة عمها:
ـ جومي.. اجلعي المسخرة اللي أنتِ لابساها.. والبسي ده.. أم عواد مستعجلة..
سألت علياء بتردد:
ـ مستعجلة ليه؟.. هي هتعمل إيه؟..
ـ البسي بس..
خرجت وتركتها وحدها فبدلت علياء فستانها بالجلباب الأسود.. رتبت فستانها برقة وهي تتذكر صراخ يزيد عندما وصفته له وتوعده لها بأنه سيمزقه.. ولكن ليس قبل أن يعاينه على جسدها أولاً.. هزت رأسها بخوف.. ماذا سيحدث لها الآن؟.. وهل سيعلم بمكان وجودها؟.. كيف سيعلم ومن سيخبره؟.. وهل سيأتي؟.. هل يهتم بما يكفي ليأتي؟.. أم....
قطع تسلسل أفكارها.. دخول عمتها وزوجة عمها مع سيدة أخرى.. تبدو ملامح وجهها هادئة نوعاً.. ولكنها ملابسها السوداء تبدو مقبضة بشدة..
أمرتها زوجة عمها بخشونة أن تستلقي على ظهرها.. ولكنها تجمدت في مكانها تحت النظرات المتفحصة من المرأة الغريبة حتى فوجئت بعمتها تدفعها بقوة لتسقط على الفراش.. حاولت النهوض ولكن زوجة عمها لفت حول الفراش من الناحية الأخرى لتجذبها وتكبلها كلا السيدتين من كل جهة.. بينما تعرضها تلك السيدة سوداء الملابس لابشع انتهاك قد تمر به أنثى..
تعالت صرختها التي أخرستها لطمة قوية من عمتها وهي تنهرها:
ـ اخرسي يا فاجرة..
ثم وجهت كلماتها الى أم عواد:
ـ وأنتِ كمان.. خلصينا..
انتهت السيدة من فحصها المؤلم وألقت بالغطاء فوق علياء التي تكومت على نفسها متخذة وضع الجنين وهي تشهق ببكاء مكتوم وجسدها ينتفض مع كل شهقة.. أغمضت عينيها علهن يختفين من أمامها.. فهي لم تعد قادرة على تحمل سواد ملابسهن والأصعب قلوبهن الحجرية.. فلم تنتبه لحركة تلك السيدة الغريبة وهي تشير برأسها لعمتها وتقترب منها لتهمس في أذنها بشيء ما جعل عمتها تلطم خديها وتخرج مسرعة.. ليعود معها بعد ذلك عمها صالح وقد التمع الشر والأذى في عينيه ليجرها كعادته من شعرها ولكن تلك المرة تسقط من فوق فراشها وهي تصرخ بألم.. وصفعاته تتوالى على كل ما تصله كفه الضخمة من جسدها.. وتنطلق منه كلمات السباب والشتائم لم تسمعها من قبل وهو يصفها بأبشع ما ذكر في معاجم اللغة.. فأخذت تردد بدون توقف:
ـ مظلومة.. والله مظلومة.. أنا متجوزة.. يزيد اتجوزني.. يزيد.. يزيد..
تصرخ بأعلى صوتها بينما يتجبر عمها ولا يصدق:
ـ اتجوزك.. تلاجيه كان بيصلح غلطة أبوه.. عيلة واطية.. وأنت اوطى يا بنت..
صرخت مقاطعة وصفعة أخرى تسقط على وجنتها فأسالت الدماء من جانب وجهها:
ـ والله يزيد جوزي.. والله..
هم بصفعها من جديد عندما تدخلت زوجته لتمنعه:
ـ بيكفي يا صالح.. هتموتها في ايدك..
ـ موتها حلال..
ـ عايز توسخ يدك بدمها النجس.. ولا تروح أنت جصادها.. دي تربية بنادر وما نعرفش مين هيسأل عليها.. احنا نرميها للواد عبده العلاف.. ونبجى سترنا عرض أخوك..
هتفت علياء بهم:
ـ متجوزة والله أنا متجوزة.. يزيد.. يز..
أخذت تردد اسمه بخفوت.. وكأن ترديد اسمه ما سيحميها من قسوتهم وحكمهم الجائر...
دخل لحظتها مهدي العم الأصغر.. وسمع كلمات علياء المتفرقة فتوجه لأخيه:
ـ طيب يمكن يا خويا تكون صادجة ومتجوزة صُح.. ما نسعل ونتوكد..
سخر صالح منه:
ـ صدجتها يا خوي.. جلبك الطيب حن!
ـ ما هنخسرش حاجة.. مش احسن ما نجوزها وتطلع على ذمة راجل تاني.. ده غير أوراجها كلها عند اللي اسمه عصام ده..
فكر صالح في كلمات أخيه قليلاً:
ـ عندك حق يا أخوي.. والأرض لازم ناخدها بيع وشرا الأول جبل أي حاجة وبعدين نشوف هنعمل معاها إيه..
ثم أشار إلى علياء المتكومة على الأرض وهو يحدث زوجته:
ـ ما تخرجش من الأوضة.. واكلها عيش وميّ..
ربتت زوجته على كتفه وهي تطمئنه:
ـ اطمن يا حاج صالح.. أنا فاهمة هعمل إيه..
خرجوا جميعاً من الغرفة وتركوها وحيدة.. ملقاة على الأرض فلم تملك القوة حتى للزحف لتعود إلى فراشها.. لم تشعر بمعنى اليتم كما شعرت تلك اللحظة.. وحيدة تماماً رغم وجودها وسط أهلها.. غريبة وسط أقارب يهاجهمونها ويتهمونها بما لا تعلم.. يبادرون ليس لحمايتها ولكن لانتهاكها..
وهو.. معذبها الأول.. أول من انتهك.. وأول من ابتعد.. وأول من تركها وحيدة وسط قطيع من ذئاب ينهشها ولا تملك ما تدافع به عن نفسها.. سوى كلمتها والتي يرفض الجميع سماعها..
وبين اليقظة والهذيان شعرت بمن يدخل الغرفة.. ويقترب منها.. لتلمح نصل حاد يلمع في الضوء.. قبل أن تغيب تماماً عن الوعي.. ولسانها يردد اسمه كتعويذة سحرية ربما تحميها من قسوتهم الباردة...
************
على الجانب الآخر كان يزيد يحاول يائساً ولثلاثة أيام كاملة الاتصال بعلياء بلا جدوى.. فهي لا ترد على هاتفها المحمول.. ولا هاتف المزرعة.. وحتى حاول الاتصال بها على هاتف شقتهما_والتي قررت ألا تنتقل اليها إلا وهو معها_ ولكنه أيضاً فشل في الوصول إليها..
كان يظن في البداية أنها غاضبة عليه بسبب صراخه عليها.. ولكن الآن أدرك أن الأمر يتخطى نوبة غضب عابرة.. فيبدو أن حضورها زفاف نيرة أشعل بداخلها الحنين ليكون له زفافها الخاص.. وهي إما غاضبة تلومه ومحرجة من مطالبته بحفل خاص بها.. أو أنها غاضبة لأنه لم يستطع العودة في الموعد الذي أخبرها به.. وقررت أن تعاقبه بخصام.. زفر بحنق فهو كان ينوي العودة إليها بالأمس.. ولكن والده كبله بمجموعة من المهام والأعمال ستستغرق أسبوعاً على الأقل...
حاول مرة أخرى أن يتصل بها.. لتأتي له الرسالة المسجلة التي سأمها.. فاتصل بوالده مباشرة:
ـ بابا.. علياء فين؟..
ـ عليااا؟.. عليا موجودة.. هتروح فين؟
لهفة يزيد الشديدة لم تمكنه من التقاط التوتر في صوت والده.. فأردف بسرعة:
ـ أنا بيتهيألي أنها زعلانة أو ممكن محرجة وبتفكر يكون لها حفلة وفرح.. لو سمحت يا بابا بلغها أني موافق.. واللي هي تطلبه هنفذه.. بس خليها تفتح الموبايل.. عايز اطمن عليها..
لم يعرف والده بم يجبه فهو قرر إخفاء أمر اختطاف علياء عنه.. ففي البداية لم يكن يعرف ما حدث لها.. فقط أنها لم تصل إلى المزرعة بل تغيبت طوال الليل ولم تظهر أبداً..
عند عصر اليوم التالي.. لم يجد بداً من الذهاب إلى الشرطة.. وبعدما استمع له مأمور القسم.. لفت نظره بطريقة غير مباشرة.. بسؤال أعمامها.. أو التحري لديهم أولاً.. ولكنه لم يحتج لذلك.. فقد وصله اتصال من عمها في اليوم التالي.. وكان فحوى الاتصال من أغرب ما يمكن.. وأكال له الرجل اتهامات ووصمه بما لم يخطر على باله.. وعندما أوضح له أن علياء أصبحت زوجة لابنه يزيد.. تعالت صيحات عمها بالتهديد له وليزيد بالانتقام وغسل العار.. أي عار يتحدث عنه هذا الرجل؟.. هل أخبرتهم علياء بفعلة يزيد نحوها قبل الزواج؟.. وهل تذكروا الآن فقط ابنتهم؟.. وفكروا في حمايتها والثأر لشرفها!
صوت يزيد أخرجه من شروده وهو يؤكد:
ـ خلاص يا بابا هتبلغها؟..
صمت عصام للحظات.. ثم حسم أمره.. واجاب بحزم:
ـ هو احنا مش اتفقنا أنك تبعد عنها لفترة.. اللي بتعمله ده اسمه إيه.. البنت محتاجة وقت تراجع فيه نفسها.. حضورها فرح نيرة أثر عليها جامد زي ما قولت.. سيبها تروق على مهلها.. وهي هتبقى تكلمك..
وأغلق الخط بسرعة.. يعلم بأن اخفائه الحقيقة عن يزيد قد يعرض علياء للخطر, ولكنه أب.. يخشى على ابنه من تهديدات أعمام الفتاة.. وعزائه أن عمها اتصل ثانية فاتحاً مجال للتفاوض.. وموضحاً أنهم يهتمون بالأراضي وميراث علياء من والدها.. وهو يحاول معهم جاهداً ليصل إلى حل ينقذ به الفتاة قبل فوات الأوان...
***************
