رواية مذاق العشق المر الفصل السابع عشر 17 بقلم سارة المصري
الفصل السابع عشر
+
ارتمت صوفيا بسرعة بين ذراعي ايلينا وكأنها افتقدتها منذ مائة عام...
أخذت تتمتم بين دموعها:
” سيبتينى لييه ايلينا ؟؟..سيبتينى ليه ؟؟“
جلست ايلينا فى المقابل وهي تضمها فى قوة تحاول بها التغلب على ارتعادها ونحيبها بينما تمرر اصابعها في شعرها وتقبل رأسها فى حنان ، حاولت ان ترفع وجهها لتتحدث اليها ولكن الأخرى أبت ذلك وتشبثت بها أكثر ...
رضخت ايلينا لرغبتها وأبقتها دقائق في أحضانها تهدهدها كطفل صغير ..
أغمضت صوفيا عينيها بقوة قبل أن ترفع رأسها بصعوبة من على صدر صديقتها كأنه قد التصق به ..
احتوت ايلينا وجهها بين كفيها ...مسحت بابهاميها دموعها وهي تمنع نفسها بصعوبة من مشاركتها البكاء ..صوفيا ليست مجرد صديقة ...صوفيا أعدتها طفلتها لسنوات طويلة ...رؤيتها وهي تتمزق قهرا شىء لا تحتمله مطلقا ..
” صوفيا ..حبيبة قلبي ..مالك.. ؟؟“
ارتمت صوفيا بين ذراعيها من جديد كأنها تختفي في حنانها من قسوة العالم وظلمه ..كأنها تخشى أن يسلبها حضن صديقتها وأمانه كما سلبها كل شىء :
” ارجوكي ايلينا احضنيني وبس ...خليني اعيط لحد ما اكتفي ومن غير ما تسأليني ..ممكن ”
أحاطتها ايلينا بذراعيها واخذت تربت على ظهرها لتبكي صوفيا من جديد.. قهرا على حبها الضائع ..
تبكي النبذ الذى ستظل تعانيه عمرها بأكمله .. تبكي الذنب الذى تحاسب عليه دون أن ترتكبه .
*************************************
مر يوسف بالحديقة قبل أن يدلف للقصر ليجد علي الصغير جالسا على احدى الطاولات وهو يتحسس بيده كتابا بطريقة برايل ...ابتسم كعادته حين يرى هذا الصغير الذي يذهله دوما ...رؤيته تبعث السعادة الى أي نفس مهما حملت من مشاق ...يكفيها نظرة الى هذا الملاك لتنفض عنها كل ما تختنق به من هموم ..خلع نظارته الشمسية وسار في اتجاهه ببطء ..وقف الى جواره للحظات يتبين ان كان سيكتشف وجوده أم لا ولم يخطأ ظنه اذ ابتسم علي وهو يقول في بساطة "أهلا يا يوسف "
ضحك يوسف وهو يجذب مقعدا ليجلس امامه يسأله في حيرة :
"لا بجد بقا قولي عرفت ازاي أنه أنا من غير ما اتكلم حتى "
هز علي كتفيه وهو يشرح له :
" اولا بحس أن فيه حد جاي من صوت خطواته حتى لو هوا حاول يداريها فيه احساس بسيط ودني بتستقبله...الخطوات بالنسبالي زي البصمة ..كل واحد فيكو ليه خطوة معينة ...وطبعا ريحة كل حد بتأكد البصمة دي "
رفع يوسف حاجبيه في ذهول ..هذا الطفل يخدعهم بالفعل ..هو رجل متنكر في زي وصوت طفل ..كيف لمن في عمر التاسعة أن يتحدث بهذا الأسلوب والمنطق بل أن يقضى جل وقته في قراءة كتب لا يستوعبها عقله هو الراشد ..
قاطع علي أفكاره التي يعرفها جيدا ومل من تفكير غيره دوما به هكذا ..هل ينتظرون من طفل كفيف أن يحيا العمر ساخطا على حرمانه من حاسة حباه الله بعشرة أمامها ...انه يرسم العالم بذهنه هو ..بخياله البريء الذي لم يلوث بعد بأحقاد البشر :
"قولي يا يوسف ...عامل ايه مع ايلينا ؟؟"
ابتسم يوسف حين سمع اسمها منه ...كل منهما بالفعل يليق أن يكون أخا للاخر :
"كويسين ...بس اضطرينا نرجع عشان تعب صوفيا "
ومال اليه يربت على كفه قائلا :
"المهم دلوقتي ...طمني عليك ...عامل ايه ..مش محتاج أي حاجة "
رد علي في امتنان :
"الحمد لله ..أنا بخير طول ما انتو بخير "
واصل يوسف في حنان :
"علي ...انت عارف انا بعزك قد ايه ومش عشان انت أخو ايلينا ولا ابن عمو سمير الله يرحمه ..لو احتجت أي حاجة في أي وقت اطلبها مني أنا "
مد علي كفه ليربت على كف يوسف وهو يبتسم في ود:
"اللي ممكن أطلبه منك انك تخلى بالك من ايلينا ..ايلينا بالنسبالي كل حاجة ..اختي وأمي وحبيبتي و..."
قاطعه يوسف مازحا :
"ايه يا حاج علي ...أنا كدة هغير "
وأردف في جدية :
"ايلينا بقت حته مني يا علي ...بقت بالنسبالي كل حاجة ...اطمن "
تنهد الصغير وهو يضع كتابه على الطاولة :
"ربنا يسعدكو "
............................................................
وقفت ايتن فى تردد امام باب منزله....
تمد يدها الى جرس الباب ...ثم تعود فى منتصف الطريق ...
تعبث فى خصلات شعرها الاسود ...
تقضم اظافرها وهى تحاول ان تتخذ تلك الخطوة التى عزمت عليها واصبحت اكثر صعوبة حين دخلت حيز التنفيذ ، لم تتخيل للحظة ان حسام بامكانه التخلى عن كل شىء ، عن عمله ومكانته وعنها ايضا ...
غرورها الذى صنعته من الأصل مشاعره الجياشة نحوها صور لها انه قد يتنازل عن اى شىء من اجلها ، وانه بسهولة سيصفح عنها ويتناسى كل ما حدث ، انقطعت حيرتها وحسام يفتح الباب فجأة ...
انتفضت للخلف فى فزع بينما حافظ الثاني على توازنه رغم المفاجاة التى واجهته بدوره ...ربما صدمته الكبرى فيها افقدته اى شعور بالصدمة بعدها ..
استند بكفه على الباب وهو يأخذ نفسا عميقا ليقول فى حدة :
” خير يا ايتن اللى جابك هنا ؟؟“
ازدردت ريقها تجيبه فى تلعثم :
” هنتكلم على الباب؟ ”
نظر خلفه لحظات وعاد ينظر لها قائلا في حدة :
” انا عايش لوحدى ”
تنحنحت فى حرج لتجلي صوتها ...لم تعتده حادا هكذا من قبل :
” حسام انا عاوزة اتكلم معاك لو سمحت ”
عض على شفته السفلى وتنحى جانبا لتدخل وهو يقول باقتضاب:
” اتفضلى ”
راقبها وهى تدخل لتجلس على اول مقعد صادفها فى الصالون ...
نظر الى الباب ليتركه مفتوحا ويقف الى جوار مقعد مقابل وهو يعقد ساعديه ويتأملها قائلا:
” ايتن قولى اللى عندك بسرعة لو سمحتى عشان ميصحش تفضلى موجودة هنا كتير ”
شابكت اصابعها ببعضها البعض وهى تنظر ارضا وتتساءل اين ذهبت خطبتها العصماء التى جهزتها مسبقا؟؟
اين تاهت كلمات الاعتذار ؟؟؟
ربما لانها لم تجد حسام بالانهيار الذى توقعته ...انهياره كان سيسهل من مهمته كثيرا ليفلت منها كلمات التعاطف دون حساب ...حسام الذي تعرفه ليس بهذه القوة والقسوة مطلقا ...قسوة لم تسمح سوى بكلمة واحدة من بلوغ شفتيها :
” اسفة ”
دق باصابعه على الكرسى الذى يستند عليه قائلا فى برود :
” على ايه ؟؟؟“
رفعت رأسها اليه فى بطء :
” من فضلك يا حسام بلاش الطريقة دى ...زعقلى صرخ فيا اشتمنى حتى بس بلاش كدة ”
ضحك في صخب وهو يفرك كفيه في تهكم واضح :
” اه انتى جاية لحسام القديم بقا ..او خلينا نقول بشكل ادق حسام اللى انتى بتشوفيه بطريقتك... العاشق الولهان فى تراب رجليكى اللى ضيع عمره كله واحلامه وطموحه عشان بس يبقا جنبك ..حسام الضعيف بحبه ليكى ..حبه اللى خلاه يتنازل مرة واتنين وعشرة من غير ما يحس انه بدا ييجى على كرامته بزيادة ..الذنب مش ذنبك ..انا اللى كنت اعمى ”
وفتح ذراعيه ليواصل :
” ودلوقتى خلاص ..اتخلصت من ضعفى.. هرجع اعمل حياة جديدة غير الحياة اللى لخصتها كلها فيكى ”
تمعنت به.. شابتها دهشة وهي تراقب حسام الجديد الذي لم تصادفه طيلة عمرها بأكمله ...
ابتسم بزاوية فمه فى سخرية :
” ايه كنتى متوقعه هتيجى تلاقينى منهار وحابس نفسى يا حرام وبشرب وبسكر عشان انسى ومش بعيد كمان اكون شانق نفسى ..مش غرورك كان ممكن يوصلك ده ”
واضاف وهو يشير بسبابته الى صدره في جدية :
” انا فوقت يا ايتن خلاص فوقت ”
تمعنت به اكثر، حاصرته بنظراتها تلتهم ملامحه التي تراها لاول مرة بتلك الصلابة وكأن تلك الصورة الهشة التى كان عليها دائما لم تكن له او ان غرورها بالفعل هو ماكان يصور لها هذا ...تصورت بالفعل انه يعيش حالة انهيار وصدمة ...شعرت بالشفقة عليه لهذا جاءت ، هل بالفعل تخطاها بهذه السهولة؟؟
تنهد وهو ينظر الى ساعته يخبرها في حسم:
” انا اسف جدا عندى شغل ولازم انزل ”
حكت جبينها بكفها فى تردد لم يمنعها من سؤالها التالي رغم علمها بمدى وقاحته:
"يعنى مش هشوفك تانى ”
اقترب في بطء وحملت نبراته أكبر قدر من القسوة وهو يجيبها :
” انا من النهاردة بالنسبالك زى زين ويوسف وقت ما هتحتاجى حاجة هتلاقينى ”
تجمدت فى مكانها للحظات تتساءل لماذا ضاق صدرها بتلك الجملة وهى طالما تمنتها منه ؟
لماذا الان لاتقبلها مطلقا ؟؟
اهو شعور التملك ؟؟
اهي رغبتها فى ان يرضى غرورها كأنثى ويظل يحتفظ بحبها الكبير فى قلبه رغم ما حدث؟؟
لما تراه اليوم بشكل اخر غير الذي اعتادته طيلة عمرها ليس فقط في طباعه بل في ملامحه ؟؟
نظرة أخيرة اليه والى الباب الذي وقف الى جواره ليطلب منها الرحيل جعلتها تشعر لأول مرة أنها خسرت الكثير ...
*************************************
ألقت هاتفها فى غيظ بعد ان قرأت رسالة جديدة من رسائل لاتعد ولا تحصى من صديقاته القدامى ...تحاول كل منهن دائما ايهامها باستمرار علاقتها به ...
فتحاول هي بالمقابل التشبث بكل ذرة ثقة وضعتها فيه واقناع نفسها بنظرية الوقيعة التي تتبناها مثلهن للظفر به من جديد ...
تحاول التقوي بعشقه الذي تشعر به مع كل همسة او لمسة او حتى نفس من أنفاسه ..
ولكن الأفاعي لعبن على اضعف وتر لديها ..
الغيرة ...
ان لم ينجحن فى اقناعها بخيانته فعلى الاقل اوصلنها الى التفكير فى علاقاته العابثة من قبل ، كادت فى كل مرة ان تفقد عقلها وهى تتخيله مع اخرى قبل ان تدخل هى حياته ...
تمنت لو كانت اول انثى تخط ذكرياتها على صفحة قلبه..
دائما يذكرنها انها حرمت هذا الحق وأن قلبه يحمل صفحات من ذكريات طويلة له مع أخريات ..
سؤال خبيث يكاد يفقدها عقلها تماما.. هل من الممكن ان يحن الى ماضيه فى يوم ما حين يكتفى منها ويخفت شغفه بها ؟؟
استغرقت فى أفكارها تماما حتى عادت الى واقعها بقبلته على شعرها ..
رفعت رأسها بابتسامة جاهدت كثير لترسمها على شفتيها ..
تبادل معها حوارا عاديا وهو يبدل ملابسه حتى تفاجىء بسؤالها :
” يوسف انت ليه مش عاوزنى ارجع شغلى ؟؟؟“
توقف لحظة وهو يضع ملابسه فى الخزانة والتفت لها قائلا فى هدوء :
” انا مرفضتش انك ترجعى الشغل ..بس لو هترجعى هترجعى مديرة لقسم التصميمات مش مديرة لمكتبى ” فاجئها بما قاله فسألته فى حيرة :
” وليه بقا ؟؟“
تمعن بها للحظات... هل يخبرها انه اعتاد دوما ان يفصل بين حياته الخاصة وعمله وانها بالذات ستفقده تلك العادة تماما.. فان بقيت امامه لن يهتم حينها بشىء مطلقا سواها ..شغفه بها قد وصل حد الهوس ، واذا عادت الى عملها فربما فقد اعصابه فى أي لحظة وقبلها او ضمها... ليس ربما بل مؤكد هذا سيحدث ليراهما اى موظف فى وضع غير لائق ..
” هيا الاجابة صعبة اوى كدة ؟؟“
قالتها ايلينا وهى تعقد ساعديها فى مواجهته سامحة لكل شياطين الكون ان تتناول عقلها بالشك كما تشاء وأضافت بسخرية :
” ولا عايز تكون على راحتك ”
رد فى حدة وقد ازعجه ما رمت اليه :
" قصدك ايه ؟؟“
قطبت جبينها تجيبه في غضب :
” انت فاهم قصدى كويس ..شكلك كدة حنيت لمغامراتك القديمة ”
زفر محاولا الحفاظ على هدوئه وهي تخبره صراحة بانعدام ثقتها به :
” يبقى الحكاية بقا مش حكاية شغل ..سيادتك عايزة تراقبينى ...مش مكفيكى التلفون اللى كل ليلة بتقعدى تفتشى فيه عاوزانى اكون تحت عنيكى على طول ”
حاولت الرد فاوقفها بكفه قائلا وهو يحتد بنبرته اكثر:
” احنا قبل ما نتجوز وانتى عارفة ان كان عندى ماضى وخلاص انا رميته ورا ضهرى ومش عايز ارجعله تانى ..لكن انتى مصرة كل مرة ترجعينا ليه ..مش قادرة تثقى فيا وفى حبى ليكى وتقتنعى انى اتغيرت ”
اخفضت رأسها للحظات وادركت انها بالفعل تسرعت ككل مرة فاقتربت تمسك بكفيه تحاول أن تعتذر مدعومة بأنوثتها الفجة:
” اعمل ايه يا يوسف بغير عليك ..كل ما اتخيل انك كنت مع واحدة قبلى ببقا هتجنن ..انا عارفة انه ماضى وانتهى عارفة انى ممكن اكون مجنونة بس كتير كنت بتمنى اكون اول واحدة فى حياتك ..الغيرة بتقتلنى يا يوسف ”
نظر الى اناملها التى تحيط كفيه وابتسم في حزن :
” يا ريتها كانت غيرة يا ايلينا لكن ده شك ..وانا طول الوقت اللى فات وانا بحاول اقنع نفسى بالعكس بس هيا دى الحقيقة ...وانا مش هستحمل كتير شكك فيا ولا نظرة الاتهام اللى على طول بشوفها فى عنيكى اللى ساعات بتحسسنى انك ندمانة انك ارتبطتى بيا ”
سارعت تنفي ما قاله بسرعة :
” يوسف لا اوعى تقول كدة ....انت اجمل حاجة حصلت فى حياتى ”
نظر لها فى تمعن ليجد ان عينيها لازالت تحمل الكثير الذى يرفض لسانها البوح به فاقترب ليقبل جبينها فى بطء قبل ان ينسحب الى فراشه قائلا :
” مش بالكلام يا ايلينا ....مش بالكلام ”
******************************************
شهر قد مضى عليها وهى تقيم فى منزل ايلينا القديم فقد رفضت العودة معها الى القصر بعد كل ما تسببت لها هذه العائلة من الم ..أخفت الأمر برمته عن صديقتها وأخبرتها فقط بحاجتها الى البعد لتعييد تقييم علاقتها بزين من جديد ...لم تشأ ان تقحم ما فعلته به هذه العائلة ليفسد ما بين ايلينا ويوسف فهي تعرف أن صديقتها لن تمرر ما حدث ان علمت به مرور الكرام .. فى البداية شعرت بغضبها على زين فهو لم يهتم بالسؤال عنها كأن لم يجمعهما شيئا ذات يوم ..
هل تضايق لأنها طردته من غرفتها يوم ان ظنت انه من فعل تلك الفعلة الشنيعة ؟؟
ام تضايق هو من سوء ظنها به ؟؟
من من حقه ان يغضب من الاصل ؟؟
هى من اهماله ؟؟
ام هو من رد فعلها ؟؟
قضت اغلب اوقاتها فى الرسم وانتظمت ايلينا في زيارتها يوميا لتقضى معها بعض الوقت مكررة محاولاتها لاعادتها الى القصر دون جدوى .. اتخذت قرارها ذات لحظة بالعودة من حيث أتت ورأت ان هذا افضل للجميع ولكنها تحججت بحالتها الصحية التى لم تستقر بعد لترجىء الأمر قليلا ...حجة واهنة ساقتها مشاعرها المعذبة واستجاب الجسد وأعلن ضعفه بالفعل ليثبت مصداقيتها أكثر ..فهي لاتحتمل البعد ..لا تحتمل الفراق ..
مر الوقت ..
خفت صوت العقل تماما ..
تمكنت المشاعر من كل شىء ..
احتل زين وشوقها اليه كل ذرة من تفكيرها ..
شوق عارم محا كل قسوته فى لحظة واتخذ له كل الاعذار بل وضعه فى مكان الضحية ..
مبررات كثيرة اتخذها قلبها له ورفضها عقلها ليثور القلب ناثرا فوضاه بكل ذرة من احساسها .. فيرفع الكيان بأسره رايته البيضاء مهزوما فلم يعد لشىء سلطان عليه ..
فتحت هاتفها وطالعت بعض الصور التى التقطتها لهما سويا ..
كم منعت نفسها من مطالعتها حتى لا يتغلب الشوق عليها وبما أن المعركة قد حسمت فلا ضير أبدا أن تراهما مرة واثنان وعشرة .
ابتسامات وديعة ..نظرات تحطها بالدفء والأمان .هذا لم يكن وهما مطلقا ..بل كانت حياة بأسرها ..حياة عاشت كل لحظة بها وانتظرت ما لم تعشه بعد منها
هي لم تحتج صورة على هاتف لتدرك هذا ..
لم تحتج أن تتذكر ما لم تنساه من الأساس ..
زين الدين في كل شىء تحط نظراتها مرساه عليه ..بل بين جفونها ان أغلقتها عن العالم ..
بين ألوانها التي تمزجها لتصنع لوحة وفي أوراقها التي لم تمسها أقلامها بعد .....
تنهدت بعمق وهي تستسلم تماما و تدير رقمه ليدق قلبها وترتعد يدها وهى تشعر ان ما يفصلها عن سماع صوته هى تلك الرنات السخيفة ..
كادت ان تنهى المكالمة حين اوشك الرنين على الانتهاء ليقطع صوته كل شىء وكأنه يأتيها من داخلها وليس عبر الهاتف:
” صوفيا ”
ازدردت ريقها وحاولت التحكم فى ارتعادها حتى لا يسقط الهاتف منها ...لحظات من الصمت استمعت فيها فقط الى أنفاسه فتتهدت في عمق وكأنها تسحب هذا الهواء الذي يخرج منه الى صدرها ..عله يحمل بعضا من رائحته وكثير من ذكراه ..حملت نبرتها بما تبقى بها من تماسك وهي تهمس:
” زين ...ممكن اشوفك ضرورى ”
وفى المكان والموعد المحدد جلست أمامه محاولة الحفاظ على ثباتها وهى تتأمل هدوئه الذى ازعجها واقلقها ..
تبا له الا يشعر بشىء من شوقها الذى كاد ان يجعلها تضمه امام الجميع حتى لو رغما عنه متناسية كل ما حدث لها بسببه ..
تأملت ملامحه للحظات وهو يعبث بكوب العصير امامه فى شرود دون ان ينظراليها فهمست فى عتاب :
” هنت عليك يا زين طول الفترة اللى فاتت دى متسألش عنى ”
تنهد وهو يرفع رأسه ببطء اليها :
” كنا محتاجين فترة نبعد يا صوفيا عشان نقدر نفكر كويس ”
واضاف بشبح ابتسامة واهنة :
” لو مكنتيش اتكلمتى انتى النهاردة كنت هكلمك انا بكرة او بعده بالكتير ”
ابتسمت وهي تمد كفها في تردد تتمنى لو لامست أنامله ولكنها قبضته وأعادته في منتصف الطريق تسأله ان كان لازال هذا حقها أم لا :
” يعنى وحشتك ؟؟ ”
أرادت ان تطمئن نفسها باجابته....ارادت ان تحصل منه على اقراره بهذا ..
نظر لها طويلا قبل ان يعود بظهره الى مقعده فى استرخاء :
” صوفيا اسمعينى ...انا فكرت كويس الفترة اللى فاتت ووصلت ان انا وانتى مينفعش نكمل مع بعض بأي شكل ”
تصلبت عضلات وجهها تستوضح منه ماقاله:
” انت قولت ايه ؟؟“
تابع وهو يقطب حاجبيه ويتحاشى النظر اليها لا يتحمل ابدا ان يرى صدمتها فيه :
” انا وانتى غير بعض فى كل حاجة مستحيل نقدر نتجمع فى نقطة واحدة ..انتى انسانة متهورة مبتديش فرصة لعقلك انه يفكر.. مبتعمليش حساب لاى حد ولا اى حاجة ..مهما احذرك ومهما احاول معاكى برضه بت..“
قاطعته بعينين التمعت فيهما دموع القهر هاتفة:
” انا عملت كدة عشان ايتن ...عارفة انى اتصرفت بتهور بس مكنش قدامى حل تانى ”
رد فى قسوة متعمدة وهو يضرب المائدة بكفه ..وضع نفسها في خانة الذنب يذبحه وهو الجاني والمذنب والمشتت :
” وانا مش هقدر استحمل تهورك ده ..انا كنت انسان ماشى بعقلى عارف انا عاوز ايه كويس من ساعة ما ظهرتيلى وانتى خلتينى اقبل بحاجات عمرى ما كنت اتخيل انى هقبلها ...انا مش عارف هقدر مستحمل ده ولا لا ..بس اللى متأكد منه ان اختلافنا ده فى يوم هيقضى على اى مشاعر جوانا ”
هزت رأسها في الم تحاول أن تجمع شتات أمرها بأي كلمة ..ما يخبرها به ليس مجرد عبارات ينهي بها عاشق علاقته بمعشوقته بل أنه ينهي حياتها بأسرها التي لخصت كل معانيها به..يشوه حبا راهنت عليه بعمرها كله :
” لا يا زين ارجوك حبى ليك مش بالضعف ده ابدا ..حبك غيرنى... غير فيا حاجات كتير.. بلاش تسيبنى زيهم يا زين ..انت غيرهم ”
نظر لها لحظات وبعدها اشاح بوجهه وهو يقول بصوت متهدج بعض الشىء :
” خلاص يا صوفيا انا خدت قرارى وكل حاجة بينا انتهت ”
تمتمت وهى على وشك الانهيار كأنها لم تعد تسمعه :
” لا ..لا ..انت لا ..انت مش زيهم ...انت مش زيهم ”
اغمض عينيه بقوة محاولا اضفاء التماسك على عبارته :
” الحب لوحده مش كفاية ...كل حاجة بينا انتهت ” ومسح وجهه بكفيه قبل ان يتابع وكأنه يطلق رصاصة مباشرة الى قلبها لينهي أي أمل لديها :
"انا وسمر فرحنا اخر الشهر الجاى ”
هل ما سمعته كان حقيقيا ؟؟؟، زفافه على اخرى ؟؟، للحظة طنت ان الأرض قد توقفت عن الدوران وان اللغة ربما تبدلت حروفها ومعانيها او هى بعدها لم تتعلمها من الاساس ، او ربما كان من يجلس امامها يحمل وجه زين وليس هو ابدا ..
تعلم بحب بسمر له فربما تتوهم ..
أمسكت بطرف المائدة وهي تحاول النهوض :
” انت قولت ايه ؟؟....هتتجوز ؟؟“
لم يرد فانسابت دموعها اكثر وهى تهتف فى مرارة:
” حبتها امتى يا زين ؟؟؟“
رد دون ان ينظر لها :
” قولتلك الحب مش مهم ..ساعات التفاهم لوحده كفاية ”
اشارت الى صدرها بقبضتها تهمس في قهر:
” وانا ؟؟؟..انا يازين صفحة واتقفلت ...تجربة وانتهت ..حالة كأنها ما اتعشتش ولا مرت فى حياتك ”
واضافت وهى تمسح دموعها بظهر يدها في حرقة :
” انا سامحتك يا زين على كل حاجة ...سامحتك على البهدله اللى اتبهدلتها بسببك ...على اهمالك ليا ...سامحتك واعتبرت نفسى الغلطانة ..مش قادرة اصدق انك ترمينى بالشكل ده ..انت وعدتنى انك مش هتسيبنى ابدا ..وعدتني انك كل اهلي ..انت ابويا وأخويا وصاحبي و...حبيبي"
نهض فى بطء محاولا الا يجعل دموعها على هذا النحو تؤثر به فالشعرة الضعيفة التي تفصله عن التراجع ستحترق بنار لوعته :
” صوفيا اكيد فى يوم هتلاقى حد يحبك وي..“
دفعته فى صدره صائحة تمنعه من امتهان حبها المقدس:
” ولا كلمة ولا كلمة ..انا زين حبيبى هيفضل فى قلبى عمرى كله ”
وتمعنت به لتضيف في نبرة بائسة وهي تهز رأسها في قوة :
” لكن انت مش هوا مش هوا ...مش دى طريقة كلامك ولاده الأمان اللى كنت بحسه معاك ”
وفرت من امامه وصوت نحيبها يصله حتى غادرت ليجلس على مقعده فى تهالك ..
هل حقا هو الرحيل بلا عودة ؟؟
هل عيناها التى طالما سحرته بكت أمامه هكذا دون أن يخضع ولو للحظة ويتراجع؟
هل كتبت كلمة النهاية في هذه القصة ..
نظر الى حيث خرجت وهو يهز رأسه فى الم لا يعلم احد على الارض بما يحمله غيره .
عاد بذاكرته اسبوعا للخلف الى ذلك اليوم المشئوم ، لم يكن احد فى المنزل وقتها حين عاد من عمله ، واثناء مروره الى غرفته توقف وهو يمر بغرفة سمر ولفت نظره صوتها المرتفع وهى تحادث احد الاشخاص تليفونيا :
” يعنى ايه عايز تتخلى عنى ؟؟؟؟...ازاى بعد كل اللى حصل بينا ..اواجه عمى ازاى ..اواجههم كلهم ازاى ؟؟“
فقد اعصابه مما سمع فالأمرلا يحتمل سوى تفسير واحد ...ماذا حدث بهذا المنزل ايتن ثم سمر ...اتسعت عيناه هلعا لقد سمعها تقول انها سلمته نفسها ، باعت شرفها تلك الحمقاء ، فتح الباب دون ان يطرقه وتوجه اليها فى بطء هاتفا:
” ايه اللى سمعته ده ”
انتفضت سمر فى رعب وسقط الهاتف منها وهى تقول فى تلعثم:
” زين ؟؟“
امسك ذراعها بقوة هاتفا من بين اسنانه :
” انطقى ؟؟؟....انتى عملتى ايه ...سلمتى نفسك لمين وليه ؟؟؟“
تأوهت سمر قائلة :
” سيبنى يا زين انا معملتش حاجة ”
اضاف وهو يضغط على ذراعها اكثر:
” وايه اللى سمعته ده وخايفة ليه تواجهينا ؟؟؟؟“
لم ترد فدفعها للحائط لترتطم به فى عنف وهو يصرخ بها :
” ازاى تعملى كدة فى نفسك وفينا ”
نظرت له فى مرارة وقالت :
” انت السبب يا زين ”
تراجع فى ذهول فواصلت :
” ايوة انت ...انت اللى رفضت مشاعرى وخلتنى اروح ادور على اى حد ينسينى حبى ليك حتى لو وصلت انى اسلمه نفسى ايوة سلمتله نفسى ”
لم يتحمل اعترافها الصريح فصفعها على وجهها بقوة القت بها ارضا فصرخت وهى تحاول النهوض :
” ايوة انت السبب فى كل حاجة ...عمرى ما هسامحك يا زين انت ضيعتنى فاهم ضيعتنى ”
وقبل ان يتحرك خطوة قاطعته صرخة ابيه :
” ايه اللى بيحصل بالظبط ؟؟“
انتفض الاثنان على صرخة محمود الذى وقف خلفهما يمسك مقبض الباب بقوة وهو يعتصره كأنه يفرغ به شحنات غضبه بينما مسحت سمر دموعها بظهر يدها وهى تنظر الى زين الذى تصلب فجأة ..
هل يخبر ابيه ان ابنة اخيه ساقطة ؟؟؟
هل يخبره بأنه لم يجيد تربيتها هى والأخرى التى كادت ان تلحق بمصيرها لولا صوفيا
اللعنة هل يشعر بالتشفى فى ابيه ؟؟
انتشله ابيه من افكاره وهو يصرخ بغضب عارم :
” حد فيكو ينطق ..زين انت كنت بتتهجم على بنت عمك ؟؟“
اتسعت حدقتا زين فكيف يظن ابوه فيه هذا ؟؟
أخرسته الصدمة تماما ..
أيعقل ان يعتدى على ابنة عمه شرفه وعرضه؟؟
ولكن ما تخطى ذهوله بمراحل ما فعلته سمر اذ تخلصت من ذهولها بسرعة لتعيد ترتيب المشهد باخراج محترف لم يعرف له نظير ، اندفعت فجأة الى عمها وارتمت بين ذراعيه وهى تبكي قائلة :
” الحقني يا عمي ..ابنك غدر بيا ودبحني ”
1