رواية متاهة مشاعر الفصل السادس عشر 16 بقلم نهي طلبة
الفصل السادس عشر
فتح يزيد باب الشقة وسمح لعلياء بأن تتقدمه.. قبل أن يغلقه خلفها.. ثم مد يده يقبض على أناملها الرقيقة بقوة ويسحبها خلفه.. وهو يصف ويعدد لها مزايا الشقة التي اختارها بناء على نصيحة مازن لتكون شقة الزوجية الخاصة بهما.. كان يرص الكلمات بسرعة وغضب وهو يمر بها من غرفة لأخرى.. حتى وصل بها إلى المطبخ الذي كان واسعاً جداً.. كست جدرانه عدة دواليب خشبية.. قدرت علياء أنها صنعت من خشب الأرو.. وتوسطته خزانة كبيرة مستطيلة ومتوسطة الطول.. غطتها قطعة رخامية عريضة..
ارتكزت علياء بكفيها على القطعة الرخامية وقد قررت التوقف عن التجوال بالشقة.. وسمعته يسألها:
ـ ايه رأيك في الشقة؟..
وقبل أن تجيبه ارتفع رنين هاتفه.. بنغمة معينة جعلت علياء تدرك على الفور أن ريناد هي المتصلة.. فلم تملك إلا التأفف في صمت وهي تراه يسحب الهاتف ليتحرك بعيداً ويجيب عليه.. تذكرت لحظة خروجها من الحمام في الصباح وقد لفت جسدها بمنشفة ضخمة وأخذت تبحث في خزانتها عما ترتديه حتى تعثرت ببنطال جينز وقميص قطني.. عندها سمعته وهو يتحدث معها على الهاتف.. لينتابها إحساس مؤلم بالمهانة وحارق بالغيرة.. شعرت بالفعل وكأن جسدها يئن ألماً من عنف الغضب الذي عصف بها.. لتجد يدها تمتد غريزياً إلى أحد الأثواب الصيفية الذي ابتاعته برفقة نيرة.. فسحبته بقوة ودخلت الحمام مرة أخرى لترتديه.. كان ثوباً خفيفاً.. ذو فتحة صدر مربعة.. جزئه العلوي ضيق ويلتف تحت صدرها مباشرة زنار عريض ذو لون وردي مشرق.. وهو نفس لون الورد المنتشر بالفستان ذو الأرضية الكريمية اللون وطوله يصل إلى ما بعد ركبتيها مباشرة..
لمحت نفسها في مرآة الحمام.. لترى أن مظهرها تغيير بفعل ذلك الثوب المغري.. شكرت صديقتها في صمت قبل أن تخرج إلى الغرفة لتجده انتهى من مكالمته الهاتفية وجلس بانتظارها.. فهتفت بعجلة:
ـ أنا جاهزة عشان نروح نشوف الشقة..
لم يسمعها وعيناه تلتهمان تفاصيلها في ذلك الثوب المهلك.. وقد رحل ذلك الجزء من عقله الذي أقنعه منذ قليل أن يبتعد قليلاً ليمنحها فرصة النضوج.. تساءل في جنون.. أي نضوج أكثر من هذا؟!.. يكاد يقسم أنها لو نضجت أكثر لأنفجر هو فوراً..
سألها بصوت أجش وهو يقترب منها ويتحسس الثوب وما يخفيه الثوب بجرأة بالغة:
ـ نروح فين؟.. وجاهزة ايه!!.. روحي البسي..
دفعت يديه بعيداً ووضعت يدها بخصرها فارتفع الثوب لأعلى وهتفت هي بغيظ:
ـ أنا لابسة فعلاً.. وفستاني جديد..
قالت جملتها الأخيرة بحرقة طفلة غاضبة فابتسم قليلاً:
ـ جديد!.. وجه امتى؟..
ـ جبته مع نيرة عشان الكلية..
قفز.. بل طار فعلياً في مكانه فذكرها بحبة ذرة تتقافز فوق صفيح ساخن وهو يصيح:
ـ كلية!!.. أنتِ عايزة تروحي الكلية بده.. أومال تروحي السرير بايه؟!!!
غمغمت بحنق:
ـ قلة أدب!
صرخ بها:
ـ ايه!.. مش سامع قولي تاني كده..
هتفت في وجهه بتمرد يلمحه للمرة الأولى:
ـ بقولك ما تقوليش كده.. دي قلة أدب!..
حاول كتم ابتسامته.. وحادثها بهدوء:
ـ علياء.. ايه اللي مضايقك؟.. ليه مش بتسمعي الكلام؟..
رمقته بنظرة نارية وكتفت ذراعيها وجلست فوق الفراش هاتفة:
ـ خلاص.. مش عايزة أشوف الشقة.. روّح يلا.. شكلك مستعجل!..
لم تدري ماذا أصابها!.. أو ما يدفعها للتصرف بذلك الإنفعال والغضب.. إنها تشعر فقط بحرقة قاتلة في صدرها وغضبها وصراخها عليه.. يريحها للغاية..
تأملها قليلاً يحاول معرفة ما بها.. فهي لم تمر بهذا المزاج العاصف من قبل.. بل أنها قبل قليل كانت تذوب بين أحضانه ثم تركته باكية.. لتذهب إلى الحمام.. ثم.. آه.. الهاتف.. لقد سمعت مكالمته مع ريناد.. وهي تشعر بالغيرة..
ابتسم بإشراق وقد أسعده غيرتها عليه.. فرمقته بغيظ:
ـ أنت بتضحك ليه؟..
اقترب منها بهدوء ثم رفعها من فوق الفراش.. ليضعها أمام خزانتها:
ـ غيري هدومك بسرعة..
سحبت ثوباً آخر لترتديه ولكنه لمح في آخر لحظة الحمالات الرقيقة.. فجذبه منها بعنف:
ـ وده برضوه للكلية؟..
ـ لأ.. للبيت..
حرك رأسه في ألم وهو يتخيله على جسدها.. إنه لم يكتفِ منها بعد.. وبدأت رغبته بها تتحول لألم جسدي يحتاج ما يسكنه بسرعة.. هل يرمي كل قرارات العقل ويسحبها إلى فراشها الوردي.. أم يلتزم العقل ويخرج بها من غرفة النوم فوراً..
أخيراً سمعها تسأل بحنق:
ـ أنت بتدور على ايه؟.. كده لخبطت كل الهدوم على بعضها!..
أخذ يبحث داخل خزانتها حتى وجد ثوب غاية في الاتساع.. والحشمة.. فقذفه إليها:
ـ البسي ده..
حاولت الإعتراض لكنها هتف بحسم:
ـ يلا.. لسه هنشوف العفش..
غابت ثواني وعادت بالثوب الذي اختاره بنفسه.. وقد أخفى تفاصيلها تماماً.. ليجد خياله ينشط بشدة ليجسد له تلك التفاصيل بصور حية أكثر مما ينبغي..
من قال أن الخيال أخف وقعاً من الواقع, فهو أحمق بالتأكيد.. فهو يحترق الآن كرد فعل على الخيال..
التفت لخزانتها ليعبث بها مرة أخرى.. وأخرج قميصاً وتنورة واسعة وطويلة.. وهما ما ترتديه الآن.. قميص أحمر يحتوي تفاصيلها بدقة حاول الإعتراض عليه ولكنها تمسكت به وكأنه ماء المُحاياه.. ما يحيرها بالفعل هو اختفاء معظم ثيابها الجديدة منذ تلك اللحظة ولا تعرف ماذا فعل بهم وأين أخفاهم..
ضغطت بكفيها بقوة على الرخام البارد حتى تستمد بعضاً من برودته.. لتتماسك.. فهي تعلم ما يرغب في مصارحتها به فقد وصلها حواره مع ريناد.. عندما كانت في الحمام صباحاً.. فهو كان بقمة انفعاله ولم ينتبه لارتفاع صوته.. ولكنه حتى الآن لا يعلم بمعرفتها تلك.. والأدهى أنها تشعر به يقاوم بقوة ليبتعد عنها.. ولكنها تدرك أيضاً هشاشة مقاومته تلك..
سمعته وهو ينهي مكالمته.. وهدأت قليلاً لأنه بدا نزقاً في أسلوبه مع الأخرى وكأنه رافض لمكالماتها المستمرة له في الوقت الذي خصصه لعلياء..
كان يراقب انفعالاتها كما يراقب حركاتها المتململة والتي انتهت بفرد كفيها وضغطهما على قطعة الرخام فالتصق القميص أكثر بحناياها ليجسد خيالاته المرهقة له أمامه مباشرة فأغلق الهاتف بسرعة وتحرك نحوها وقد قرر الابتعاد عن التعقل مؤقتاً..
شعرت به يحاوطها من الخلف ويضمها بقوة دافناً شفتيه في عنقها.. فأدركت أن مقاومته تحطمت.. حاولت التملص من قبضته إلا انه زاد من ضغط ذراعه.. واستمر في تقبيل عنقها.. هامساً:
ـ استرخي يا علياء.. أنا مش عارف أنتِ فجأة بقيتِ عصبية.. و..
قاطعته:
ـ مش عارف!!
همس بابتسامة لم يستطع كبحها:
ـ غيرانة؟..
لفت جسدها لتواجهه وحاولت أن تدفعه عنها إلا أنه رفض التزحزح.. بل أنه أحنى رأسه ليتمكن من شفتيها.. وأنامله تتسلل أسفل قميصها بخبث.. لتشهق بقوة عندما شعرت بمداعبته لبشرتها الدافئة.. بينما هو يعاود تقبيلها بشغف هامساً:
ـ العقل هيجنني.. أنا مش قادر أكون عاقل أكتر من كده..
وبسرعة لم تتخيلها كانت ملابسها تتكوم تحت قدميها ليرفعها فوق العارضة الرخامية ويصعد معها.. ليعيش أقصى خيالاته جنوناً..
وبعد فترة ليست بالقصيرة..
حاولت الابتعاد عنه ودفعه عنها.. إلا أنه أحكم ذراعيه حولها هامساً في عبث:
ـ يا مجنونة هنقع!..
استكانت قليلاً.. ثم عادت تهمس:
ـ ابعد..
هز رأسه رافضاً وبدأ في توزيع قبلاته على وجهها مرة أخرى ليهمس بجنون:
ـ أنا أساساً ما صبحتش على الألماسة بتاعتي النهارده!
وهبط بشفتيه يداعب ألماسته بقوة.. وأنامله تعيث جنوناً بجسدها وهمساته تضيع عقلها.. لتستسلم له مرة ثانية.. ويأخذها هو بشغف لا حد له.. باحتياج لا ينتهي.. بجموح مجنون.. واحساس بالاكتمال هي فقط من تمنحه له.. هدأت أخيراً وألقت رأسها على صدره.. لتسمع همسه المحذر:
ـ اوعي تنامي!..
رمقته بذهول فضحك بقوة:
ـ أنا والله خايف لتقعي.. مش أكتر من كده..
عادت تهمس له بتوسل تقريباً:
ـ ابعد..
كانت تريده بالفعل أن يبتعد.. فهي تخشى حالة الهوس التي أصابته منذ أن لمحها بفستانها الخفيف صباح اليوم.. حينها قرأت بعينيه أي جنون سيجتاحها به.. جنون هي غير مستعدة له خاصة الآن وقرار الفراق على بعد لحظات.. أنها فقط تريد سماع قراره بالابتعاد.. تحتاج أن تكون متيقظة لكلماته لا أن تكون مأخوذة به ومنه على الدوام.. أخذ يتأمل انفعالاتها المتوالية.. غضبها وحزنها.. لقد أبدت السعادة لرؤيته الليلة الماضية فقط لاشتياقها له.. ذلك ما لا يستطيع إنكاره.. ولكن منذ أن فتحت عينيها صباح اليوم وهي يلفها حزن غريب..
أخذ يداعب خصلات شعرها المنتشرة على كتفيها بجرأة.. ليستشعر تأثرها به ولكنها تعانده بإصرار شديد.. محاولاتها الدؤوبة للابتعاد عنه مستمرة..
عاود مشاكستها وهو يلف إحدى خصلاتها الناعمة على إصبعه:
ـ زعلانة على فساتينك الجديدة؟
سألته بسرعة:
ـ ودتهم فين؟.. قطعتهم؟..
ابتسم بعبث:
ـ في حد عاقل يقطع حاجات حلوة زي دي برضوه.. أنا بس قفلت عليهم في مكان أمين.. وبعد كده أنا هشوف ايه اللي يعجبني واطلعهولك تلبسيه.. بس ليا أنا بس..
رمقته غاضبة بينما ارتسم على وجهها كل ما تفكر به حوله.. حتى أنه خشي للحظة أن تصارحه بكل ما يدور بعقلها خاصة في نوبة الاندفاع التي أصابتها..
أخيراً سألها بوضوح:
ـ في ايه؟.. فهميني؟.. ايه اللي جرى لك؟..
نجحت أخيراً في الابتعاد عنه فقط لتلتف على جانبها ويلصق ظهرها بصدره.. ويهمس في أذنها بتصميم:
ـ اتكلمي..
أخذت تتملص منه حتى تمكنت من الابتعاد لتجلس فوق العارضة الرخامية وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها واحتضنتهما بذراعيها بشدة..
أغمضت عينيها وهي تحاول أن تخرج أفكارها إلى كلمات.. ولكنها كالعادة كانت أجبن من أن تغضبه أو تغضب منه.. فهمست أخيراً لتغير الموضوع:
ـ حلوة الشقة.. عجبتني..
قفز أرضاً ليتناول قميصه ثم ساعدها لترتديه.. وجلس بجوارها ليضمها نحوه وهو يداعب خصلاتها:
ـ عارفة كمان أظرف حاجة فيها ايه.. أنها قدام مبنى المجموعة على طول.. يعني هجيب منظار وأقعد أراقبك ليل ونهار..
هنا لم تستطع الاستمرار في التظاهر.. فغمغمت بمرارة:
ـ هو في منظار ينفع تشوفني بيه من دبي!..
أخيراً فهم السبب وراء جنون تصرفاتها..
سأل بهدوء لا يشعر به:
ـ تعرفي ايه عن موضوع دبي؟..
ـ هتسافر وتاخدها.. وتسيبني..
ـ يا علياء دي فترة بسيطة.. وأنتِ عندك دراسة.. يعني مش هينفع تسافري..
قفزت إلى الأرض ولفت قميصه حولها وأخذت تجول في أنحاء المطبخ.. تريد البكاء والصراخ وإخباره أنه يعرضها لظلم شديد.. فهو سيتركها للجميع لمن يجرح, ويهاجم بل, ويتطاول..
تحرك خلفها ليضمها بقوة قبل أن تبتعد.. وهمس لها:
ـ بصي.. البداية بابا عرض عليّ العرض ده.. وكان تبريره أني أسيب لك الوقت والمساحة أنك تقرري وكنت بفكر فعلاً أوافق على العرض.. بس النهارده اتأكدت أنه صعب..
همست وقد استكانت على صدره:
ـ صعب!.. بس صعب؟..
ـ وظلم.. ظلم ليكي وليّ..
سألته بتوتر:
ـ وبعدين؟ ايه الحل؟..
ـ الحل هو الطيارة.. أومال الطيارة اخترعوها ليه.. باقي أني أحاول توزيع وقتي..
لفت لتواجهه وسألته باتهام:
ـ أنت اخترعت الكلام ده كله دلوقتِ صح؟
أومأ موافقاً:
ـ ايوه.. بس ده مش كلام.. ده قرار..
كتفت ذراعيها:
ـ وليه القرار ده؟
ضمها إليه وهو يبتسم بخبث:
ـ عجبتني النومة على الرخامة قوي!..
اتسعت عيناها ذهولاً وهو يرفعها مرة أخرى ليثبت لها كلماته!!.. وأيقنت أن لحظات جنونه لم تنتهي لذلك اليوم...
*********
تمدد مازن على الأريكة الوثيرة ملقياً برأسه في حضن دنيا التي كانت تضع بين شفتيه إحدى حبات العنب بعد أن خلصتها من قشرتها الرقيقة كما يفضل تناوله.. كانت تتبع كل حبة بقبلة خفيفة على شفتيه.. مع ابتسامة ناعمة على شفتيها.. وأناملها تتسلل باغواء لتداعب ما ظهر من بشرة صدره..
همست في أذنه:
ـ أنت مش معايا خالص..
داعبت أنفه بأنفها الصغير لتعاود الهمس:
ـ ايه اللي شاغل بالك؟..
عدل من وضع رأسه على ركبتيها.. ومد يده ليتمسك بيدها التي تداعبه بلا توقف, بل أنه ساعدها لتفتح بعض أزرار قميصه.. وتركها للتجول بأناملها كما تشاء.. وهو يرد عليها:
ـ حاتم بيه بيضغط على حسن قوي.. الموضوع تخطى خوف أب على ابنه..
أكملت هي:
ـ وصلوا لمرحلة العند لمجرد العند, صح؟.
ـ اممم..
أطعمته حبة عنب أخرى.. وعادت تسأله:
ـ وأنت ناوي تعمل ايه؟..
مد يده ليجذب رأسها مطالباً بقبلته.. فمنحتها له بسخاء.. وسمعته يجيبها:
ـ حسن مكتفني ومانعني اتدخل نهائي.. ومن جهة تانية مراقبة بابا لحسابي في البنك وأي مصاريف مقيداني تماماً..
كانت أناملها تتداعب صدره بلا هوادة.. وهو عدل من وضع جسده ليرفع رأسه قليلاً ويحيط خصرها بإحدى ذراعيه, فعلمت أنه على وشك حملها إلى غرفتهما.. فسارعت بالقول:
ـ مازن.. أنا تحت أمرك.. و..
قاطعها قبل أن تكمل:
ـ دنيا.. ما تفتحيش موضوع أنتِ عارفة ردي عليه كويس.. مش هيحصل أبداً أني أمد إيدي على فلوسك..
هبطت برأسها لتمنحه قبلة رقيقة تمتص غضبه بسرعة وفاعلية تامة.. وتهمس:
ـ متفقين يا حبي.. بس عندي فكرة.. ممكن تسمعها؟..
كان قد رفع رأسه ليضعه على حاجز الأريكة ومد يده الحرة ليفتح أزرار الفستان الخفيف الذي ترتديه دنيا.. وبينما بدأ جولة عابثة بأنامله.. سألها وقد بدأ تركيزه في الاضمحلال:
ـ امممم... فكرة ايه؟..
عنبة مقشرة أخرى.. تليها القبلة التي لا يتنازل عنها... ثم أخبرته:
ـ هي فكرة ملتوية شوية.. أنا هزود على فاتورة فستان نيرة.. مبلغ معين.. المبلغ اللي أنت تحدده.. وتعطيه لحسن أخوك.. ويبقى كده حلينا المشكلة.. ولو مؤقتاً.. ايه رأيك؟..
لف جسده بالكامل نحوها.. ليتمكن من ضمها كما يريد وقد تحركت أنامله العابثة من فتحة صدرها لتتسلل إلى عنقها ثم إلى خصلاتها السوداء.. فيبعثرها بعبث ليجذب رأسها في قبلة طويلة وهو يهمس أمام شفتيها:
ـ رأيي أنها فعلاً فكرة ملتوية.. بس حاتم بيه مش هينفع معاه غير كده.. نفذي يا ملاكي..
أطلقت ضحكة ناعمة وهي تراوغ شفتيه وتمنحه إحدى حبات العنب بدلاً من القبلة التي يبحث عنها.. فالكلام مازال له بقية.. رفع نظره مبتسماً بمكر:
ـ بعدين هتعود على الدلع ده!..
ضحكت برقة وقد عادت تمرر أناملها برشاقة بين طيتي قميصه المفتوحتين:
ـ هو أنت لسه ما اتعودتش.. أنا شكلي بوظتك.. ونيرة الغلبانة مش هتقدر عليك.. في حد بياكل العنب مقشر!..
ابتسم بسخرية عندما سمعها تلقب نيرة بـ "الغلبانة".. وقبل أن يرد عليها سمعها تقول بضحكة مكتومة:
ـ بمناسبة نيرة.. أنا قلت لك قبل كده أني مش هتكلم على تفاصيل فستانها.. بس.. بس.. في معلومة صغيرة.. بيتهيألي لازم تعرفها..
رفع رأسه وهو ينظر لها بتوجس:
ـ أكيد الفستان مفتوح من كل حتة..
ابتسمت بغموض:
ـ المعلومة مش على الموديل.. عن اللون!
ردد بغباء:
ـ اللون.. ما هو أكيد أبيض.. فستان فرح هيكون لونه...
قطع كلماته ونظرة شقية تتألق في عينيها.. بينما قفز هو هاتفاً:
ـ أحمر.. هتفصل فستان أحمر صح؟..
أطلقت دنيا ضحكة أنثوية عالية لو كان سمعها مازن في وقت آخر لكان سحبها على غرفة النوم مباشرة ولكنه تلك المرة قفز يبحث عن هاتفه ليتصل بنيرة ويختفي في إحدى الغرف.. بينما تلاحقه ضحكات دنيا العذبة التي خفتت قليلاً لتتحول إلى ابتسامة شاردة وهي تتخيل كلامه مع نيرة الآن..
قد يكون من الطبيعي أن تشعر بالغيرة من نيرة.. المرأة التي ستشاركها رجلها قريباً.. ولكنها لا تفعل.. كيف تغضب من حبه لها؟!.. وذلك ما جذبها له من البداية.. ومن غيرها هي.. دنيا.. يدرك عذاب عشق بلا أمل.. أو مستقبل.. عشق يطحن صاحبه.. ويستهلكه.. يقتات على نبضات القلب حتى يكاد يوقفه.. رحمةً بالعاشق من عذابه.. عشق عاشت مثيله, بل أقوى مع سامر..
سامر.. حركت شفتيها باسمه.. لتشعر بمرارة ذكرياتها تجري بها مجرى الدم..
سامر.. جارها.. رفيق طفولتها.. توأم روحها.. كانت قصتهما أبسط من البساطة.. قصة تقليدية يتعثر بها الجميع يومياً.. فلا تلفت انتباه أحد..
الجار الوسيم.. وجارته الصبية الرقيقة ذات الجدائل.. وخطبة غير رسمية.. فالفتاة لم تكمل عامها الخامس عشر.. ولكن فتاها متعجل.. يريد الاطمئنان أن رقيقته.. ستكون له..
ولكن ما حدث لم يتوقعه الشاب.. فقد دار الزمن دورته.. والصبية الرقيقة.. تحولت لأنثى متفجرة.. خطفت أبصار الرجال قبل الشباب في حيهم البسيط.. بل وخارج الحي أيضاً.. وهي كانت سعيدة.. وكيف لا؟!.. وهي تشعر بتفتح أنوثتها.. بالقوة التي منحتها اياها تلك الأنوثة.. سطوة الجمال لا يُعلى عليها.. وإن اقترن بذكائها فهو خلطة مبهرة.. مدمرة.. مخيفة.. وسكن الخوف قلب سامر.. ليزيح الحب شيئاً فشيء.. زاد تحكمه.. كثرت أوامره.. تعالى صوته.. وهي بذكاء الأنثى الفطري استشعرت خوفه.. فارتعبت خوفاً من فقده.. حبيب العمر.. كيف يفكر أنها تنظر لرجل آخر؟.. أنها فقط تستعذب تغزل الآخرين بجمالها.. بفتنتها الوليدة.. لكنه هو.. رجلها الأوحد.. لا ترى آخر ولا تريد غيره هو.. وهو لا يهدأ.. يصرخ.. فتصمت.. يأمر فتطيع.. يتحكم.. فتخضع.. ولكن قلبه لا يرتاح.. عقله تقتله الهواجس.. وهي تزداد فتنة.. أنوثتها قاتلة.. وخضوعها له جرأه.. ليمد يده.. ليس مغازلاً.. كلا.. بل متعدي.. ضربها.. صفعها..
وهي ثارت ثائرتها.. برز جموحها وفقد سيطرته عليها..
خرجت من شرنقة أحكامه وأوامره.. ليعاقبها بارتباطه بفتاة باهتة.. ولكنها مطيعة عن حق.. خانعة بالطبيعة وليس التطبع..
قتلها بكلمته ليلة زفافه..
"أنتِ ما تنفعيش للجواز.. هتتتسببي في جنون أي راجل تكوني ملكه"..
تزوج هو.. تزوج من تريح باله ولا يقلق على ثبات عقله معها.. وانطلقت دنيا.. حاولت التحرر من حبه.. لم تفلح.. فتحررت من روابطها.. وقيودها.. اقتحمت سوق العمل.. ولم يكن أي عمل.. عملت بالإعلان.. فتاة اعلانات.. عارضة.. أو كما يدعونهن.. موديل..
نجحت.. تلألأت.. ظهر وجهها على صفحات المجلات.. نالت بعض الشهرة.. سعت بكل جهدها لتقهر حبها له.. لتتناسى ضعفها نحوه.. تضحياتها التي كادت أن تشمل كل شيء.. ولم يرض.. ولم تنسَ..
ليظهر هو.. سامر..
عاد مطالباً بها.. يذكرها.. بالعشق القديم.. بعهود الهوى.. وكأنها نسيت!.. وكأنها لم تنتظر عودته نادماً.. في كل لحظة.. في كل نجاح تحققه.. كل خطوة تخطوها نحو الشهرة.. كانت تفعلها من أجله.. لتريه أنها لم ولن تتحطم.. وهو جاء أخيراً.. ليعلن استسلامه.. كلا.. ليطالبها هي مرة أخرى بالخضوع.. لتطاوع هواه.. بلا قيود.. بلا روابط أو مسميات.. طالب بها كعشيقة.. وصرخت هي..
"مش ممكن أكون عشيقة باسم الحب"..
طردته.. وتزوجت.. لم تهتم بمن يكون.. فقط.. سيصل بها لأحلامها..
فقد اعتزلت الغرام...
يصدح نجمها في عالم تصميم الأزياء.. وأموال زوجها تمنحها الحماية.. تفتح الأبواب الموصدة.. وتزداد الشهرة.. ويموت الزوج... لتزداد الثروة.. ومعها الطموح..
دار أزياء راقية.. فرع هنا.. وفرع هناك.. ويتألق اسمها.. وتتسع أعمالها.. حتى التقت به.. لم تتوقع أن تقابل من يقهر صدفة تقوقعها.. من يصل إلى الأنثى المتعطشة بداخلها.. من يقتحم أسوار امرأة الأعمال البارزة.. وسيدة التصميم الأولى كما تطلق عليها الصحف..
مازن.. ذلك الشاب المتقد ذكاء ورجولة.. هو المهندس المسئول عن مجمع الأزياء الذي تنوي انشائه.. وشعرت بالضعف.. ضعف لم يصادفها منذ سامر.. ليس حباً.. فحبها لسامر.. فقط.. حتى لو لوثه.. لكنها تمنح قلبها مرة واحدة.. وهي منحته لسامر ولم تسترده أبداً.. لكن مازن يدغدغ أنوثتها.. يجعلها تتفتح بنظرة شقية من عينيه.. ابتسامة هادئة كسولة تسبب لها عقدة في معدتها.. لا حل لها.. احتياج.. لم تعرفه من قبل..
ولكن كيف؟.. أنه يصغرها بتسع أعوام.. كلا.. لم يعجبها وقع العبارة.. هي تكبره.. كلا.. جملة سيئة أخرى.. بينهما تسعة أعوام.. فارق من العمر وليس في صالحها.. وهو عاشق ولكن ليس لها.. اعترف بها.. فقد تعمقت علاقتهما.. ولم تستطع الابتعاد.. وسمته صديق.. وصديقها عاشق.. وهب قلبه لمن ليست له..
باحت له بسرها.. أخبرته عن معشوقها الذي شوه العشق ولوثه خوفاً من جموح معشوقته..
جموح لم يخشه مازن بل اقتحمه.. وفاجئها بعرض زواج..
تجمدت.. صعقت ورددت:
ـ ليه؟..
ببساطة وقحة أجاب:
ـ أنا عايز أكون معاكِ.. ومتأكد أن دي رغبتك برضوه.. واحنا الاتنين أرقى من أي علاقة بره الجواز..
رفضت.. ليس لأن الزواج سري.. فيكفيها أنه لم يطلبها لفراشه.. باسم الحب.. كما فعل سامر.. فرق السنوات كان سبب الرفض السري بداخلها.. ولم يخضع مازن لرفضها.. ليفاجئها باصطحابها ذات ليلة.. إلى أحد المحاميين.. وهناك كان يزيد صديقه الأقرب.. وأحد شهود زواجها..
عامين مرا على معرفتها به.. وعام ونصف على زواجهما.. وكلاهما يحافظ على الاتفاق.. يلتقيان عندما يريدا.. يحتاجا التواجد معاً.. وليس بالضرورة احتياج جسدي مع أنه أساس الاتفاق.. فقط.. يمنحان الراحة لبعضهما..
"صديق ذو فائدة"..
" هكذا يطلقون على علاقتهما.. Friends with benefits"
وهكذا سيبقيان.. لا مجال للمشاعر.. لا ذكر للعشق.. فقط حاجة.. رغبة.. أو شهوة.. ولكنها.. لم تستسلم لها باسم الحب..
عاد صوت صراخ مازن على نيرة ليجذبها من شريط ذكرياتها.. فتسمعه يهتف بغضب:
ـ يا ستي أنا راجل تقليدي.. وعايز أشوف عروستي بفستان أبيض وطرحة.. صمت قليلاً وهو يذرع الأرض أمامها جيئة وذهاب.. مستمعاً إلى نيرة.. فيقطب حاجبيه بشدة.. ثم يرد صارخاً بجنون:
ـ والله يا نيرة لو عملتِ فستان فرحك أحمر لآجي لك لابس بدلة فوشيا!..
وأغلق الهاتف بغضب ليرميه بعيداً.. بينما تعالت ضحكات دنيا المغوية.. ليجذبها إلى غرفة النوم.. ولم تنسَ اصطحاب.. حبات العنب معها.. فهو يحبها.. مقشرة.. ناعمة.. ومليئة بالاغراء..
*************
رمقت منى حسن وقد تعلق على سلم خشبي متحرك وهو ينهي طلاء آخر بقعة بسقف الغرفة.. التي قررا الانتقال لها.. تلك الغرفة التي رفضها حسن سابقاً, ولكنه لم يجد بُداً من القبول بها الآن.. خاصة مع تغير أحوالهما..
عادت منى بذاكرتها إلى عشرة أيام أو أكثر مضت.. عندما ألقى حسن على مسامعها تلك الجملة التي زلزلت كيانها.. وكادت أن توقف قلبها هلعاً..
"أنا عايز أقولك على حاجة.. قرار أخدته.. وبتمنى تساعدني فيه.. ويا ريت اللي هعمله ده ما ينزلنيش من نظرك"..
الجملة تتردد في عقلها.. ومعها عشرات التفسيرات.. وكلها تنتهي بالتنازل.. بالفراق..
ابتلعت ريقها في توتر وهي تسأله بتردد:
ـ قرار ايه يا حسن؟.. خليك صريح.. أنت مش محتاج للمقدمات دي معايا..
أغمض عينيه بألم شديد:
ـ آسف يا منى.. استحمليني شوية.. اللي هكلمك فيه مش سهل عليّ..
سكت قليلاً ليلمح وجهها وقد شحب تماماً.. فشهق بعنف وقد استوعب ما فهمته من كلماته:
ـ منى.. أنتِ متخيلة أني هتخلى عنك.. أو هطلب الفراق مثلاً.. معقولة تكوني مش عارفاني للدرجة دي!..
أخذت منى نفساً عميقاً وأغرورقت عيناها بالدموع وهمست:
ـ حسن.. من غير مقدمات الله يخليك..
تحرك حسن ورفعها من على مقعدها ليضمها إلى صدره بقوة:
ـ والله ما أقدر أبعد عنك.. معقولة تكوني مش حاسة باللي جوايا ناحيتك.. إذا كنت ما قدرتش أعملها واحنا لسه على البر.. يبقى هعملها بعد ما قربت منك وعرفتك أكتر وأكتر.. معقولة أقدر أفتح عينيه وما لاقيش أحلى عيون كحيلة بتضحك في وشي..
ابتسمت وسط دموعها:
ـ أنت كده بتقلقني أكتر يا حسن.. لأن معنى كلامك أنك ناوي تضحي بزيادة.. وتتنازل أكتر..
أبعد رأسها عن صدره ليرفع ذقنها بسبابته وإبهامه ويتأمل عينيها:
ـ أنتِ فاهماني كده ازاي؟..
رفعت راحتيها لتحيط بهما وجهه:
ـ لأنه أنت أنا..
اتكأ بجبهته فوق جبهتها وهو يحرك رأسه قليلاً:
ـ حبيبتي... أنا ممكن أبيع عمري مش بس شهادة الهندسة عشان تكوني ملكي للأبد وقدام الناس كلها.. مراتي.. وحبيبتي.. وأم ولادي كمان..
أسكرتها حلاوة كلماته فسكنت بين أحضانه للحظات.. حتى تغلغلت معاني كلماته بين خلايا عقلها.. فأبعدت نفسها قليلاً لتسأله:
ـ يعني ايه يا حسن؟.. يعني ايه تبيع شهادة الهندسة؟.. ايه معنى الكلام ده؟..
جذبها من يدها ليعاود الجلوس على الأريكة وهي بجانبه ويخبرها ببطء ووضوح:
ـ هو ده القرار اللي عايزك تسانديني فيه.. أنا خلاص قررت أني أنسى مؤقتاً.. لقب مهندس..
حاولت منى مقاطعته إلا أنه أوقفها ليكمل:
ـ سيبيني أتكلم يا منى.. بصي.. من صغرنا وبابــ.. أقصد حاتم بيه.. بيُصر أننا نبدأ من الصفر.. يعني مع البنايين والعمال عشان نفهم ونستوعب الشغل.. وما حدش يقدر يخدعنا أو يستغفلنا.. اشتغلنا كل حاجة.. نجارة.. سباكة.. كهربا.. محارة.. نقاشة.. كل ما يتعلق بالبنا والمقاولات.. موجود كله جوه خلايا مخي..
رمقته منى في صمت ولم تعلق.. فأكمل بمزاح ساخر:
ـ محسوبك أحسن أسطى نقاش عرفته مجموعة العدوي..
توسعت عينا منى وقد فهمت ما يرمي إليه حسن:
ـ حسن.. أنت تقصد.. قصدك.. أنك..
أومأ حسن موافقاً:
ـ أيوه يا منى.. يا ترى نظرتك لحسن هتتغير لو طلق شهادة الهندسة دي.. واتحول ولو مؤقتاً.. للأسطى حسن؟..
وضعت وجهها بين كفيها وهي تحركه يميناً ويساراً:
ـ لا يا حسن.. أنا ما اقبلش.. مش ممكن أوافق أنك تقدم التضحية الكبيرة دي.. ولو حتى عشاني..
رفع وجهها ثانية ليهمس لها:
ـ فين التضحية دي.. أنا بآخد خطوة لمستقبلنا.. يمكن مش لقدام.. أو مش هنتقدم بيها كتير.. يعني هنبدأ من الصفر..
ابتسم بهدوء حتى يطمئن القلق المرتسم في عينيها:
ـ أو يعني قبل الصفر بشوية.. بس هنخرج من حصار حاتم بيه..
عادت منى تهز رأسها برفض تام للفكرة:
ـ لا يا حسن.. كده كتير.. كتير قوي.. أنت رفضت أوضة السطوح.. دلوقتِ عايز.. عايز تشتغل نقاش!
ابتسم حسن بمرارة لم يستطع اخفائها:
ـ يمكن قبل كده فكرت أن فكرة سكننا فوق السطوح تضحية كبيرة مني.. مش هكدب عليكِ يا منى.. وأنتِ بنفسك وصلك الإحساس ده.. لكن لحظة.. ما كان الاختيار بينك وبين مستوى ومظهر اجتماعي مالوش عندي ريحة اللازمة.. ما اترددتش لحظة..
سألت باستفهام:
ـ يعني في اختيار اهوه.. أرجوك يــ...
وضع أنامله على شفتيها يمنعها عن الكلام:
ـ صدقيني.. أي اختيار ما يكونش ليكي الأولوية فيه.. مش حل بالنسبة لي..
ابتعدت منى عنه وأولته ظهرها لتحاول تكوين جملة تعرف أنها ستقتلهما معاً:
ـ حسن.. رجعني بيت أبويا.. وكل..
لفها نحوه بقوة يقطع كلماتها القاتلة بقبلة عاشق وهمس أمام شفتيها:
ـ لو تقدري تقوليها.. أنا ما اقدرش أسمعها.. أنا محتاجك يا منى.. حسن هيتولد على أيديكِ من جديد.. وأنا محتاج قوي اتولد من تاني.. مش هقدر اقتحم الحياة الجديدة دي إلا معاكِ..
في لحظة تذكر تجبر والده عليه.. وهو يطلب منه طلاق منى.. فمثلها تتخذ عشيقة وليست زوجة.. على حد قول حاتم بيه.. تلك النار التي مرت في شرايينه.. أحرقت كل احترام كان يكنه لوالده.. وأشعلت بلهيبها التحدي بحبه لمنى.. ورغبته أن تكون.. له.. حلاله.. في النور.. وأمام الجميع..
عاد ليضغط بجبهته فوق جبهتها:
ـ المشوار صعب.. ومحتاج لك يا منى.. لأنه في طلب تاني.. طلب يخصك..
عادت لتبتعد قليلاً إلا أنه لم يسمح لها فظلت بين دائرة ذراعيه.. لتسمعه يهمس:
ـ ممكن تقدمي طلب اعتذار عن السنة دي.. أو حتى التيرم الأول.. أنا.. الظروف في الأول مش هكون ضامن قوي أني..
قاطعته قبل أن يكمل.. وحتى ترفع عنه الحرج:
ـ ده أنا كنت ناوية أعمله من غير ما تطلب.. كنت عايزة اتفرغ لحياتي كزوجة شوية.. يعني لحد ما اتعود..
عاد ليريح جبهته فوق جبهتها ليتأمل ملامحها ويسألها بخوف ممزوج بأمل:
ـ وموضوعنا الأساسي.. رأيك ايه؟..
رفعت ذراعيها لتتعلق بعنقه وقد جرت دموعها على وجنتيها بلا توقف.. كم تريد الاستجابة لنداء استغاثته.. وكم تخشى موافقته على تلك الخطوة.. تخشى عودة حسن المدلل مرة أخرى.. فعودته ستلقي على كاهلها وهي فقط ذنب تحول حسن.. البشمهندس حسن العدوي ليصبح.. مجرد عامل نقاشة.. ووقتها سيكون حبه لها تبخر بفعل نار الواقع وهو لن يغفر.. ولن يرحم..
يا الله.. ما هو الصواب وما الخطأ؟.. أأبتعد واتركه لحياته المرفهة أو أمد يدي إليه فيولد بين يدي.. حسن جديد كما يقول هو.. ليس عاشقاً فقط.. بل قادراً على حماية معشوقته..
شعرت بيديه تضمها إليه اكثر وهو يطالبها باجابة على سؤاله المنطوق ومؤازرة لقراره المغامر.. للحظة واحدة غاب عقلها.. واختفى منطقها.. لينتصر القلب الذي استجاب لنداء معشوقه.. فضمت نفسها نحوه.. وهي تفتعل ابتسامة باهتة:
ـ لازم اختبر مهاراتك.. في فن النقاشة بنفسي.. الأوضة هتحتاج توضيب ودهان.. وأنا هكون بليه بتاعك.. ايه رأيك بقى؟..
بادلها الابتسام فأردفت هي:
ـ يعني عايز تتعلم حاجة وأنا ما اكونش عارفاها.. ما فيش أسرار بينا يا بيه.. وهساعدك يعني هساعدك..
اتسعت ابتسامته لتصبح واحدة حقيقية بالفعل والتفت ليتناول كوب عصير الفراولة ويضعه في يدها:
ـ أنا موافق بس بشرط.. تقولي لي بقى رأيك في كوباية العصير المحترمة دي..
تناولت منى رشفة واحدة من العصير لتتسع عيناها قليلاً.. وهي تحاول ابتلاعه على مضض.. بينما حسن يصر عليها أن تتناوله عن آخره..
ابتلعت ما في فمها وهي تكمل باقي الكوب وترمق حسن من خلف حافته راجية الله أن تكون مهارته في النقاشة أفضل من صنع العصير.. فهو أغرق العصير بالملح بدلاً من السكر.. ولكنها تناولته كله وهي تبدي استمتاعها بمذاقه الرائع.. فإذا كان هو سيتخلى عن حياة كاملة من أجلها ألا تضحي هي بابتلاع فراولة بالملح!...
عادت إلى واقعها الآن لترمق زوجها وهو ينهي آخر بقعة من سقف الحجرة في مهارة لم تكن تعتقد أنه يمتلكها ولكنه أثبت لها الأسبوع الماضي أنها كانت على خطأ في اعتقادها.. فقد استطاع تحويل غرفة السطح ببضع لمسات فنية من فرشاة الطلاء خاصته إلى منعزل هادئ خاص بهما فقط.. عش رقيق ليحافظ على حبهما.. منحه حسن لمسة رقي خاصة به لتكمل منى بوضع لمساتها الدافئة والحميمة.. فأصبح لديهما شقة تتكون من غرفة نوم واحدة ومطبخ وحمام.. وغرفة تصلح للمعيشة أو تناول الطعام وحتى لاستقبال الضيوف.. وامتلأ البيت الصغير بعدة قطع متنافرة من الأثاث.. جمعتها منى من حيث لا يدري ولكنها بلمسات بسيطة منها.. مفرش هنا.. ووسادة صغيرة هناك.. بساط ذو ألوان غير معلومة.. لوحة عجيبة لفنان أعجب.. لكنها منحت الغرفة لقب مسكن.. بل أن لمساتها امتدت لتحول السطح خارج الغرفة إلى حديقة صغيرة.. تشبه تلك التي أعجبتها بشاليه يزيد بالمعمورة.. وأخيراً ضمهما عش كما تمنيا طويلاً..
بالفعل هو عش.. ضيق للغاية ولكنه أيضاً يموج بالعشق الصافي والتضحية المتبادلة..
وقفا ينظرا إلى صنع أيديهما بفخر شديد ومد حسن ذراعه لها فدست منى نفسها تحته على الفور لتلتصق به وترفع له وجه يعبر عن حب صافٍ:
ـ مبروك علينا شقتنا يا حسن..
همس في أذنها:
ـ أسطى حسن!..
*************
رمق مازن عروسه وهي تتهادى فوق الرواق الطويل الخاص بالفندق الذي سيقام بها زفافهما.. وبالطبع كان نفس الفندق الذي شهد خزيها على يد حسن.. ورغم غضب مازن من طلبها ذاك في البداية إلا أنه أدرك أهميته لتسترد كرامتها وكبريائها أمام أصدقائها ومعارفها.. لذا نفذ طلبها بدون نقاش لرغبته أيضاً في وأد أي شائعات أو أقاويل في مهدها.. وقبل أن تؤثر على حياتهما معاً..
أخذ يتأملها تقترب رويداً.. رويدا.. عيناه تعلقت بعينيها وكأنها يطالبها بالتقدم وعدم الالتفات لأي همس يجري من حولها.. اقتربت قليلاً عندها بدأ يلحظ تفاصيل الثوب..
مبهرة.. أقل ما يمكن أن يقال عنها اليوم.. أبدعت دنيا بالفعل في تصميم ثوبها.. وكأنها هديتها له.. فقد تحولت به نيرة إلى حورية خيالية طالما داعبت أحلامه.. همس في نفسه..
"فهماني يا دنيا.. فهماني قوي"..
كان الثوب عاري الصدر والظهر والكتفين.. يتمسك قسمه الأعلى بصدرها وقد تراصت حبات عديدة من الألماس حتى بدا وكأن ضوء النهار سيسطع منه وامتدت تلك الحبات المتراصة بشكل مثلث لتلتقي بقسمه السفلي الذي يتكون من طبقات لا نهائية من التول الخفيف وقد تناثرت قطع الألماس بعشوائية مبهجة ثم عادت لتنتظم بشكل وريدات عديدة تمركزت فوق قطع من الدانتيل وتركزت على ذيل الفستان حيث امتدت فروعها للتشابك معاً مكونة شبكة مذهلة من الدانتيل والتول والألماس.. وأكملت الطرحة مظهرها الخرافي.. حيث تعلقت في شعرها الذي جمعت بعض خصلاته وتركت المعظم حراً.. وامتد طول الطرحة ليصل إلى طول الفستان الذي امتد خلفها عدة أمتار..
أجبر نفسه على الخروج من حالة السحر وحرك قدميه حتى يلاقيها.. ويتسلم تلك الأميرة الخرافية من والدها.. وسمعه من بعيد يوصيه عليها.. لم يكن يرى غيرها.. أو يسمع سوى صوت أنفاسها.. ولم يشعر بنفسه إلا وقد اقترب منها للغاية.. ليقبلها.. ولكن ليس فوق جبهتها كما هو معتاد, بل على شفتيها.. ولم يبتعد إلا بعد أن تحولت الهمهمات المذهولة إلى صيحات تعجب واستنكار.. حينها رفع شفتيه ليغمز بعينه هامساً بشقاوة:
ـ عشان اللي فاتته البوسة الأولانية.. يلحق يتفرج على التانية!
احمرت وجنتاها بفتنة وكادت أن تنهره بعبارة مستفزة.. ولكنها توقفت عندما لمحت نظرات الحضور البراقة وكأنها تحسدها على عريسها المتيم... وسمعت بضعة آهات من مجموعة من الفتيات إعجاباً بحركة مازن الجريئة... فابتسمت ابتسامة خبيثة تحولت في لحظة إلى ابتسامة خجولة وهي تخفض عينيها أرضاً في حياء تاركة مازن يتأبط ذراعها.. ليعبرا معاً باقي الممر.. ويدخلا إلى القاعة تناجي آذانهم موسيقى كلاسيكية هادئة.. وناعمة تماماً..
بعد أن استقرا في مقعديهما همس مازن في أذنها:
ـ بصراحة.. ما ينفعش أطلب تشغيل أي أغاني.. أنتِ مبهرة بصورة خيالية.. هتخلي حتى أعظم سيمفونية جنبك.. شيء باهت.. أشك أن أي حد في القاعة نزل عينه من عليكِ..
سكت لحظة وهو يتأمل إشراقة وجهها لمغازلته الخفيفة ثم بنبرة مختلفة:
ـ صحيح.. هو الفستان ده مالوش حاجة تغطيه؟..
هتفت بنزق:
ـ مازن!..
ضحك بشقاوة فهو كان يشاكسها فحسب وأمسك اناملها ورفعها إلى شفتيه ليقبلها برقة.. ثم ساعدها لتنهض.. هامساً مرة أخرى:
ـ الأغنية دي بس استثناء..
وعلى الفور تصاعدت موسيقى..
"Everytime we touch"
I still hear your voice, when you sleep next to me.
I still feel your touch in my dream.
Forgive me my weakness, but I don't know why
Without you it's hard to survive.
تعلقت نيرة برقبته بينما ضمها هو لصدره بقوة.. ولفها بذراعيه.. يتحركان على أنغام الأغنية ربما.. أو أنغام أخرى خيالية يسمعها هو فقط فتدفع به إلى عنان السماء.. غاب في عينيها الزبرجدية.. فأخفضتهما أرضاً.. بخجل ربما غير مصطنع.. فهمس لها:
ـ ارفعي وشك.. عايز اشوف عيونك..
نفذت أمره بخجل وهي تغرق بدورها في عيونه البنية.. بلون حبات البن اللامعة.. وملامحه الرجولية الوسيمة.. خاصة ذقنه المنحوتة والعريضة.. وسمعته يهمس عابثاً:
ـ لو فضلتِ تبصي لي كده.. أكيد الناس مش هتتفرج على بوسه بس..
وبالفعل وبدون تصنع شهقت نيرة حرجاً وخجلاً من وقاحة كلماته.. وتورد وجهها بأكمله خجلاً من نظرة عينيه المتلألئة.. فأخفته بحرج في كتفه لتبتعد عن نظراته التي تربكها بشدة وتحاول استجماع نفسها لما هو قادم...
وفي ركن آخر بالقاعة كانت علياء تستمع إلى كلمات الاغنية.. ودموعها تسيل بلا إرادة منها.. تشتاق إليه.. وتحتاجه.. تحلم به كل ليلة.. مئات الأحلام.. تتبادل معه آلاف الحوارات.. كم ترغب في رؤيته.. في اخباره..
'Cause everytime we touch, I get this feeling.
And everytime we kiss, I swear I could fly.
Can't you feel my heart beat fast, I want this to last.
Need you by my side.
وهاتفها
فتح يزيد باب الشقة وسمح لعلياء بأن تتقدمه.. قبل أن يغلقه خلفها.. ثم مد يده يقبض على أناملها الرقيقة بقوة ويسحبها خلفه.. وهو يصف ويعدد لها مزايا الشقة التي اختارها بناء على نصيحة مازن لتكون شقة الزوجية الخاصة بهما.. كان يرص الكلمات بسرعة وغضب وهو يمر بها من غرفة لأخرى.. حتى وصل بها إلى المطبخ الذي كان واسعاً جداً.. كست جدرانه عدة دواليب خشبية.. قدرت علياء أنها صنعت من خشب الأرو.. وتوسطته خزانة كبيرة مستطيلة ومتوسطة الطول.. غطتها قطعة رخامية عريضة..
ارتكزت علياء بكفيها على القطعة الرخامية وقد قررت التوقف عن التجوال بالشقة.. وسمعته يسألها:
ـ ايه رأيك في الشقة؟..
وقبل أن تجيبه ارتفع رنين هاتفه.. بنغمة معينة جعلت علياء تدرك على الفور أن ريناد هي المتصلة.. فلم تملك إلا التأفف في صمت وهي تراه يسحب الهاتف ليتحرك بعيداً ويجيب عليه.. تذكرت لحظة خروجها من الحمام في الصباح وقد لفت جسدها بمنشفة ضخمة وأخذت تبحث في خزانتها عما ترتديه حتى تعثرت ببنطال جينز وقميص قطني.. عندها سمعته وهو يتحدث معها على الهاتف.. لينتابها إحساس مؤلم بالمهانة وحارق بالغيرة.. شعرت بالفعل وكأن جسدها يئن ألماً من عنف الغضب الذي عصف بها.. لتجد يدها تمتد غريزياً إلى أحد الأثواب الصيفية الذي ابتاعته برفقة نيرة.. فسحبته بقوة ودخلت الحمام مرة أخرى لترتديه.. كان ثوباً خفيفاً.. ذو فتحة صدر مربعة.. جزئه العلوي ضيق ويلتف تحت صدرها مباشرة زنار عريض ذو لون وردي مشرق.. وهو نفس لون الورد المنتشر بالفستان ذو الأرضية الكريمية اللون وطوله يصل إلى ما بعد ركبتيها مباشرة..
لمحت نفسها في مرآة الحمام.. لترى أن مظهرها تغيير بفعل ذلك الثوب المغري.. شكرت صديقتها في صمت قبل أن تخرج إلى الغرفة لتجده انتهى من مكالمته الهاتفية وجلس بانتظارها.. فهتفت بعجلة:
ـ أنا جاهزة عشان نروح نشوف الشقة..
لم يسمعها وعيناه تلتهمان تفاصيلها في ذلك الثوب المهلك.. وقد رحل ذلك الجزء من عقله الذي أقنعه منذ قليل أن يبتعد قليلاً ليمنحها فرصة النضوج.. تساءل في جنون.. أي نضوج أكثر من هذا؟!.. يكاد يقسم أنها لو نضجت أكثر لأنفجر هو فوراً..
سألها بصوت أجش وهو يقترب منها ويتحسس الثوب وما يخفيه الثوب بجرأة بالغة:
ـ نروح فين؟.. وجاهزة ايه!!.. روحي البسي..
دفعت يديه بعيداً ووضعت يدها بخصرها فارتفع الثوب لأعلى وهتفت هي بغيظ:
ـ أنا لابسة فعلاً.. وفستاني جديد..
قالت جملتها الأخيرة بحرقة طفلة غاضبة فابتسم قليلاً:
ـ جديد!.. وجه امتى؟..
ـ جبته مع نيرة عشان الكلية..
قفز.. بل طار فعلياً في مكانه فذكرها بحبة ذرة تتقافز فوق صفيح ساخن وهو يصيح:
ـ كلية!!.. أنتِ عايزة تروحي الكلية بده.. أومال تروحي السرير بايه؟!!!
غمغمت بحنق:
ـ قلة أدب!
صرخ بها:
ـ ايه!.. مش سامع قولي تاني كده..
هتفت في وجهه بتمرد يلمحه للمرة الأولى:
ـ بقولك ما تقوليش كده.. دي قلة أدب!..
حاول كتم ابتسامته.. وحادثها بهدوء:
ـ علياء.. ايه اللي مضايقك؟.. ليه مش بتسمعي الكلام؟..
رمقته بنظرة نارية وكتفت ذراعيها وجلست فوق الفراش هاتفة:
ـ خلاص.. مش عايزة أشوف الشقة.. روّح يلا.. شكلك مستعجل!..
لم تدري ماذا أصابها!.. أو ما يدفعها للتصرف بذلك الإنفعال والغضب.. إنها تشعر فقط بحرقة قاتلة في صدرها وغضبها وصراخها عليه.. يريحها للغاية..
تأملها قليلاً يحاول معرفة ما بها.. فهي لم تمر بهذا المزاج العاصف من قبل.. بل أنها قبل قليل كانت تذوب بين أحضانه ثم تركته باكية.. لتذهب إلى الحمام.. ثم.. آه.. الهاتف.. لقد سمعت مكالمته مع ريناد.. وهي تشعر بالغيرة..
ابتسم بإشراق وقد أسعده غيرتها عليه.. فرمقته بغيظ:
ـ أنت بتضحك ليه؟..
اقترب منها بهدوء ثم رفعها من فوق الفراش.. ليضعها أمام خزانتها:
ـ غيري هدومك بسرعة..
سحبت ثوباً آخر لترتديه ولكنه لمح في آخر لحظة الحمالات الرقيقة.. فجذبه منها بعنف:
ـ وده برضوه للكلية؟..
ـ لأ.. للبيت..
حرك رأسه في ألم وهو يتخيله على جسدها.. إنه لم يكتفِ منها بعد.. وبدأت رغبته بها تتحول لألم جسدي يحتاج ما يسكنه بسرعة.. هل يرمي كل قرارات العقل ويسحبها إلى فراشها الوردي.. أم يلتزم العقل ويخرج بها من غرفة النوم فوراً..
أخيراً سمعها تسأل بحنق:
ـ أنت بتدور على ايه؟.. كده لخبطت كل الهدوم على بعضها!..
أخذ يبحث داخل خزانتها حتى وجد ثوب غاية في الاتساع.. والحشمة.. فقذفه إليها:
ـ البسي ده..
حاولت الإعتراض لكنها هتف بحسم:
ـ يلا.. لسه هنشوف العفش..
غابت ثواني وعادت بالثوب الذي اختاره بنفسه.. وقد أخفى تفاصيلها تماماً.. ليجد خياله ينشط بشدة ليجسد له تلك التفاصيل بصور حية أكثر مما ينبغي..
من قال أن الخيال أخف وقعاً من الواقع, فهو أحمق بالتأكيد.. فهو يحترق الآن كرد فعل على الخيال..
التفت لخزانتها ليعبث بها مرة أخرى.. وأخرج قميصاً وتنورة واسعة وطويلة.. وهما ما ترتديه الآن.. قميص أحمر يحتوي تفاصيلها بدقة حاول الإعتراض عليه ولكنها تمسكت به وكأنه ماء المُحاياه.. ما يحيرها بالفعل هو اختفاء معظم ثيابها الجديدة منذ تلك اللحظة ولا تعرف ماذا فعل بهم وأين أخفاهم..
ضغطت بكفيها بقوة على الرخام البارد حتى تستمد بعضاً من برودته.. لتتماسك.. فهي تعلم ما يرغب في مصارحتها به فقد وصلها حواره مع ريناد.. عندما كانت في الحمام صباحاً.. فهو كان بقمة انفعاله ولم ينتبه لارتفاع صوته.. ولكنه حتى الآن لا يعلم بمعرفتها تلك.. والأدهى أنها تشعر به يقاوم بقوة ليبتعد عنها.. ولكنها تدرك أيضاً هشاشة مقاومته تلك..
سمعته وهو ينهي مكالمته.. وهدأت قليلاً لأنه بدا نزقاً في أسلوبه مع الأخرى وكأنه رافض لمكالماتها المستمرة له في الوقت الذي خصصه لعلياء..
كان يراقب انفعالاتها كما يراقب حركاتها المتململة والتي انتهت بفرد كفيها وضغطهما على قطعة الرخام فالتصق القميص أكثر بحناياها ليجسد خيالاته المرهقة له أمامه مباشرة فأغلق الهاتف بسرعة وتحرك نحوها وقد قرر الابتعاد عن التعقل مؤقتاً..
شعرت به يحاوطها من الخلف ويضمها بقوة دافناً شفتيه في عنقها.. فأدركت أن مقاومته تحطمت.. حاولت التملص من قبضته إلا انه زاد من ضغط ذراعه.. واستمر في تقبيل عنقها.. هامساً:
ـ استرخي يا علياء.. أنا مش عارف أنتِ فجأة بقيتِ عصبية.. و..
قاطعته:
ـ مش عارف!!
همس بابتسامة لم يستطع كبحها:
ـ غيرانة؟..
لفت جسدها لتواجهه وحاولت أن تدفعه عنها إلا أنه رفض التزحزح.. بل أنه أحنى رأسه ليتمكن من شفتيها.. وأنامله تتسلل أسفل قميصها بخبث.. لتشهق بقوة عندما شعرت بمداعبته لبشرتها الدافئة.. بينما هو يعاود تقبيلها بشغف هامساً:
ـ العقل هيجنني.. أنا مش قادر أكون عاقل أكتر من كده..
وبسرعة لم تتخيلها كانت ملابسها تتكوم تحت قدميها ليرفعها فوق العارضة الرخامية ويصعد معها.. ليعيش أقصى خيالاته جنوناً..
وبعد فترة ليست بالقصيرة..
حاولت الابتعاد عنه ودفعه عنها.. إلا أنه أحكم ذراعيه حولها هامساً في عبث:
ـ يا مجنونة هنقع!..
استكانت قليلاً.. ثم عادت تهمس:
ـ ابعد..
هز رأسه رافضاً وبدأ في توزيع قبلاته على وجهها مرة أخرى ليهمس بجنون:
ـ أنا أساساً ما صبحتش على الألماسة بتاعتي النهارده!
وهبط بشفتيه يداعب ألماسته بقوة.. وأنامله تعيث جنوناً بجسدها وهمساته تضيع عقلها.. لتستسلم له مرة ثانية.. ويأخذها هو بشغف لا حد له.. باحتياج لا ينتهي.. بجموح مجنون.. واحساس بالاكتمال هي فقط من تمنحه له.. هدأت أخيراً وألقت رأسها على صدره.. لتسمع همسه المحذر:
ـ اوعي تنامي!..
رمقته بذهول فضحك بقوة:
ـ أنا والله خايف لتقعي.. مش أكتر من كده..
عادت تهمس له بتوسل تقريباً:
ـ ابعد..
كانت تريده بالفعل أن يبتعد.. فهي تخشى حالة الهوس التي أصابته منذ أن لمحها بفستانها الخفيف صباح اليوم.. حينها قرأت بعينيه أي جنون سيجتاحها به.. جنون هي غير مستعدة له خاصة الآن وقرار الفراق على بعد لحظات.. أنها فقط تريد سماع قراره بالابتعاد.. تحتاج أن تكون متيقظة لكلماته لا أن تكون مأخوذة به ومنه على الدوام.. أخذ يتأمل انفعالاتها المتوالية.. غضبها وحزنها.. لقد أبدت السعادة لرؤيته الليلة الماضية فقط لاشتياقها له.. ذلك ما لا يستطيع إنكاره.. ولكن منذ أن فتحت عينيها صباح اليوم وهي يلفها حزن غريب..
أخذ يداعب خصلات شعرها المنتشرة على كتفيها بجرأة.. ليستشعر تأثرها به ولكنها تعانده بإصرار شديد.. محاولاتها الدؤوبة للابتعاد عنه مستمرة..
عاود مشاكستها وهو يلف إحدى خصلاتها الناعمة على إصبعه:
ـ زعلانة على فساتينك الجديدة؟
سألته بسرعة:
ـ ودتهم فين؟.. قطعتهم؟..
ابتسم بعبث:
ـ في حد عاقل يقطع حاجات حلوة زي دي برضوه.. أنا بس قفلت عليهم في مكان أمين.. وبعد كده أنا هشوف ايه اللي يعجبني واطلعهولك تلبسيه.. بس ليا أنا بس..
رمقته غاضبة بينما ارتسم على وجهها كل ما تفكر به حوله.. حتى أنه خشي للحظة أن تصارحه بكل ما يدور بعقلها خاصة في نوبة الاندفاع التي أصابتها..
أخيراً سألها بوضوح:
ـ في ايه؟.. فهميني؟.. ايه اللي جرى لك؟..
نجحت أخيراً في الابتعاد عنه فقط لتلتف على جانبها ويلصق ظهرها بصدره.. ويهمس في أذنها بتصميم:
ـ اتكلمي..
أخذت تتملص منه حتى تمكنت من الابتعاد لتجلس فوق العارضة الرخامية وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها واحتضنتهما بذراعيها بشدة..
أغمضت عينيها وهي تحاول أن تخرج أفكارها إلى كلمات.. ولكنها كالعادة كانت أجبن من أن تغضبه أو تغضب منه.. فهمست أخيراً لتغير الموضوع:
ـ حلوة الشقة.. عجبتني..
قفز أرضاً ليتناول قميصه ثم ساعدها لترتديه.. وجلس بجوارها ليضمها نحوه وهو يداعب خصلاتها:
ـ عارفة كمان أظرف حاجة فيها ايه.. أنها قدام مبنى المجموعة على طول.. يعني هجيب منظار وأقعد أراقبك ليل ونهار..
هنا لم تستطع الاستمرار في التظاهر.. فغمغمت بمرارة:
ـ هو في منظار ينفع تشوفني بيه من دبي!..
أخيراً فهم السبب وراء جنون تصرفاتها..
سأل بهدوء لا يشعر به:
ـ تعرفي ايه عن موضوع دبي؟..
ـ هتسافر وتاخدها.. وتسيبني..
ـ يا علياء دي فترة بسيطة.. وأنتِ عندك دراسة.. يعني مش هينفع تسافري..
قفزت إلى الأرض ولفت قميصه حولها وأخذت تجول في أنحاء المطبخ.. تريد البكاء والصراخ وإخباره أنه يعرضها لظلم شديد.. فهو سيتركها للجميع لمن يجرح, ويهاجم بل, ويتطاول..
تحرك خلفها ليضمها بقوة قبل أن تبتعد.. وهمس لها:
ـ بصي.. البداية بابا عرض عليّ العرض ده.. وكان تبريره أني أسيب لك الوقت والمساحة أنك تقرري وكنت بفكر فعلاً أوافق على العرض.. بس النهارده اتأكدت أنه صعب..
همست وقد استكانت على صدره:
ـ صعب!.. بس صعب؟..
ـ وظلم.. ظلم ليكي وليّ..
سألته بتوتر:
ـ وبعدين؟ ايه الحل؟..
ـ الحل هو الطيارة.. أومال الطيارة اخترعوها ليه.. باقي أني أحاول توزيع وقتي..
لفت لتواجهه وسألته باتهام:
ـ أنت اخترعت الكلام ده كله دلوقتِ صح؟
أومأ موافقاً:
ـ ايوه.. بس ده مش كلام.. ده قرار..
كتفت ذراعيها:
ـ وليه القرار ده؟
ضمها إليه وهو يبتسم بخبث:
ـ عجبتني النومة على الرخامة قوي!..
اتسعت عيناها ذهولاً وهو يرفعها مرة أخرى ليثبت لها كلماته!!.. وأيقنت أن لحظات جنونه لم تنتهي لذلك اليوم...
*********
تمدد مازن على الأريكة الوثيرة ملقياً برأسه في حضن دنيا التي كانت تضع بين شفتيه إحدى حبات العنب بعد أن خلصتها من قشرتها الرقيقة كما يفضل تناوله.. كانت تتبع كل حبة بقبلة خفيفة على شفتيه.. مع ابتسامة ناعمة على شفتيها.. وأناملها تتسلل باغواء لتداعب ما ظهر من بشرة صدره..
همست في أذنه:
ـ أنت مش معايا خالص..
داعبت أنفه بأنفها الصغير لتعاود الهمس:
ـ ايه اللي شاغل بالك؟..
عدل من وضع رأسه على ركبتيها.. ومد يده ليتمسك بيدها التي تداعبه بلا توقف, بل أنه ساعدها لتفتح بعض أزرار قميصه.. وتركها للتجول بأناملها كما تشاء.. وهو يرد عليها:
ـ حاتم بيه بيضغط على حسن قوي.. الموضوع تخطى خوف أب على ابنه..
أكملت هي:
ـ وصلوا لمرحلة العند لمجرد العند, صح؟.
ـ اممم..
أطعمته حبة عنب أخرى.. وعادت تسأله:
ـ وأنت ناوي تعمل ايه؟..
مد يده ليجذب رأسها مطالباً بقبلته.. فمنحتها له بسخاء.. وسمعته يجيبها:
ـ حسن مكتفني ومانعني اتدخل نهائي.. ومن جهة تانية مراقبة بابا لحسابي في البنك وأي مصاريف مقيداني تماماً..
كانت أناملها تتداعب صدره بلا هوادة.. وهو عدل من وضع جسده ليرفع رأسه قليلاً ويحيط خصرها بإحدى ذراعيه, فعلمت أنه على وشك حملها إلى غرفتهما.. فسارعت بالقول:
ـ مازن.. أنا تحت أمرك.. و..
قاطعها قبل أن تكمل:
ـ دنيا.. ما تفتحيش موضوع أنتِ عارفة ردي عليه كويس.. مش هيحصل أبداً أني أمد إيدي على فلوسك..
هبطت برأسها لتمنحه قبلة رقيقة تمتص غضبه بسرعة وفاعلية تامة.. وتهمس:
ـ متفقين يا حبي.. بس عندي فكرة.. ممكن تسمعها؟..
كان قد رفع رأسه ليضعه على حاجز الأريكة ومد يده الحرة ليفتح أزرار الفستان الخفيف الذي ترتديه دنيا.. وبينما بدأ جولة عابثة بأنامله.. سألها وقد بدأ تركيزه في الاضمحلال:
ـ امممم... فكرة ايه؟..
عنبة مقشرة أخرى.. تليها القبلة التي لا يتنازل عنها... ثم أخبرته:
ـ هي فكرة ملتوية شوية.. أنا هزود على فاتورة فستان نيرة.. مبلغ معين.. المبلغ اللي أنت تحدده.. وتعطيه لحسن أخوك.. ويبقى كده حلينا المشكلة.. ولو مؤقتاً.. ايه رأيك؟..
لف جسده بالكامل نحوها.. ليتمكن من ضمها كما يريد وقد تحركت أنامله العابثة من فتحة صدرها لتتسلل إلى عنقها ثم إلى خصلاتها السوداء.. فيبعثرها بعبث ليجذب رأسها في قبلة طويلة وهو يهمس أمام شفتيها:
ـ رأيي أنها فعلاً فكرة ملتوية.. بس حاتم بيه مش هينفع معاه غير كده.. نفذي يا ملاكي..
أطلقت ضحكة ناعمة وهي تراوغ شفتيه وتمنحه إحدى حبات العنب بدلاً من القبلة التي يبحث عنها.. فالكلام مازال له بقية.. رفع نظره مبتسماً بمكر:
ـ بعدين هتعود على الدلع ده!..
ضحكت برقة وقد عادت تمرر أناملها برشاقة بين طيتي قميصه المفتوحتين:
ـ هو أنت لسه ما اتعودتش.. أنا شكلي بوظتك.. ونيرة الغلبانة مش هتقدر عليك.. في حد بياكل العنب مقشر!..
ابتسم بسخرية عندما سمعها تلقب نيرة بـ "الغلبانة".. وقبل أن يرد عليها سمعها تقول بضحكة مكتومة:
ـ بمناسبة نيرة.. أنا قلت لك قبل كده أني مش هتكلم على تفاصيل فستانها.. بس.. بس.. في معلومة صغيرة.. بيتهيألي لازم تعرفها..
رفع رأسه وهو ينظر لها بتوجس:
ـ أكيد الفستان مفتوح من كل حتة..
ابتسمت بغموض:
ـ المعلومة مش على الموديل.. عن اللون!
ردد بغباء:
ـ اللون.. ما هو أكيد أبيض.. فستان فرح هيكون لونه...
قطع كلماته ونظرة شقية تتألق في عينيها.. بينما قفز هو هاتفاً:
ـ أحمر.. هتفصل فستان أحمر صح؟..
أطلقت دنيا ضحكة أنثوية عالية لو كان سمعها مازن في وقت آخر لكان سحبها على غرفة النوم مباشرة ولكنه تلك المرة قفز يبحث عن هاتفه ليتصل بنيرة ويختفي في إحدى الغرف.. بينما تلاحقه ضحكات دنيا العذبة التي خفتت قليلاً لتتحول إلى ابتسامة شاردة وهي تتخيل كلامه مع نيرة الآن..
قد يكون من الطبيعي أن تشعر بالغيرة من نيرة.. المرأة التي ستشاركها رجلها قريباً.. ولكنها لا تفعل.. كيف تغضب من حبه لها؟!.. وذلك ما جذبها له من البداية.. ومن غيرها هي.. دنيا.. يدرك عذاب عشق بلا أمل.. أو مستقبل.. عشق يطحن صاحبه.. ويستهلكه.. يقتات على نبضات القلب حتى يكاد يوقفه.. رحمةً بالعاشق من عذابه.. عشق عاشت مثيله, بل أقوى مع سامر..
سامر.. حركت شفتيها باسمه.. لتشعر بمرارة ذكرياتها تجري بها مجرى الدم..
سامر.. جارها.. رفيق طفولتها.. توأم روحها.. كانت قصتهما أبسط من البساطة.. قصة تقليدية يتعثر بها الجميع يومياً.. فلا تلفت انتباه أحد..
الجار الوسيم.. وجارته الصبية الرقيقة ذات الجدائل.. وخطبة غير رسمية.. فالفتاة لم تكمل عامها الخامس عشر.. ولكن فتاها متعجل.. يريد الاطمئنان أن رقيقته.. ستكون له..
ولكن ما حدث لم يتوقعه الشاب.. فقد دار الزمن دورته.. والصبية الرقيقة.. تحولت لأنثى متفجرة.. خطفت أبصار الرجال قبل الشباب في حيهم البسيط.. بل وخارج الحي أيضاً.. وهي كانت سعيدة.. وكيف لا؟!.. وهي تشعر بتفتح أنوثتها.. بالقوة التي منحتها اياها تلك الأنوثة.. سطوة الجمال لا يُعلى عليها.. وإن اقترن بذكائها فهو خلطة مبهرة.. مدمرة.. مخيفة.. وسكن الخوف قلب سامر.. ليزيح الحب شيئاً فشيء.. زاد تحكمه.. كثرت أوامره.. تعالى صوته.. وهي بذكاء الأنثى الفطري استشعرت خوفه.. فارتعبت خوفاً من فقده.. حبيب العمر.. كيف يفكر أنها تنظر لرجل آخر؟.. أنها فقط تستعذب تغزل الآخرين بجمالها.. بفتنتها الوليدة.. لكنه هو.. رجلها الأوحد.. لا ترى آخر ولا تريد غيره هو.. وهو لا يهدأ.. يصرخ.. فتصمت.. يأمر فتطيع.. يتحكم.. فتخضع.. ولكن قلبه لا يرتاح.. عقله تقتله الهواجس.. وهي تزداد فتنة.. أنوثتها قاتلة.. وخضوعها له جرأه.. ليمد يده.. ليس مغازلاً.. كلا.. بل متعدي.. ضربها.. صفعها..
وهي ثارت ثائرتها.. برز جموحها وفقد سيطرته عليها..
خرجت من شرنقة أحكامه وأوامره.. ليعاقبها بارتباطه بفتاة باهتة.. ولكنها مطيعة عن حق.. خانعة بالطبيعة وليس التطبع..
قتلها بكلمته ليلة زفافه..
"أنتِ ما تنفعيش للجواز.. هتتتسببي في جنون أي راجل تكوني ملكه"..
تزوج هو.. تزوج من تريح باله ولا يقلق على ثبات عقله معها.. وانطلقت دنيا.. حاولت التحرر من حبه.. لم تفلح.. فتحررت من روابطها.. وقيودها.. اقتحمت سوق العمل.. ولم يكن أي عمل.. عملت بالإعلان.. فتاة اعلانات.. عارضة.. أو كما يدعونهن.. موديل..
نجحت.. تلألأت.. ظهر وجهها على صفحات المجلات.. نالت بعض الشهرة.. سعت بكل جهدها لتقهر حبها له.. لتتناسى ضعفها نحوه.. تضحياتها التي كادت أن تشمل كل شيء.. ولم يرض.. ولم تنسَ..
ليظهر هو.. سامر..
عاد مطالباً بها.. يذكرها.. بالعشق القديم.. بعهود الهوى.. وكأنها نسيت!.. وكأنها لم تنتظر عودته نادماً.. في كل لحظة.. في كل نجاح تحققه.. كل خطوة تخطوها نحو الشهرة.. كانت تفعلها من أجله.. لتريه أنها لم ولن تتحطم.. وهو جاء أخيراً.. ليعلن استسلامه.. كلا.. ليطالبها هي مرة أخرى بالخضوع.. لتطاوع هواه.. بلا قيود.. بلا روابط أو مسميات.. طالب بها كعشيقة.. وصرخت هي..
"مش ممكن أكون عشيقة باسم الحب"..
طردته.. وتزوجت.. لم تهتم بمن يكون.. فقط.. سيصل بها لأحلامها..
فقد اعتزلت الغرام...
يصدح نجمها في عالم تصميم الأزياء.. وأموال زوجها تمنحها الحماية.. تفتح الأبواب الموصدة.. وتزداد الشهرة.. ويموت الزوج... لتزداد الثروة.. ومعها الطموح..
دار أزياء راقية.. فرع هنا.. وفرع هناك.. ويتألق اسمها.. وتتسع أعمالها.. حتى التقت به.. لم تتوقع أن تقابل من يقهر صدفة تقوقعها.. من يصل إلى الأنثى المتعطشة بداخلها.. من يقتحم أسوار امرأة الأعمال البارزة.. وسيدة التصميم الأولى كما تطلق عليها الصحف..
مازن.. ذلك الشاب المتقد ذكاء ورجولة.. هو المهندس المسئول عن مجمع الأزياء الذي تنوي انشائه.. وشعرت بالضعف.. ضعف لم يصادفها منذ سامر.. ليس حباً.. فحبها لسامر.. فقط.. حتى لو لوثه.. لكنها تمنح قلبها مرة واحدة.. وهي منحته لسامر ولم تسترده أبداً.. لكن مازن يدغدغ أنوثتها.. يجعلها تتفتح بنظرة شقية من عينيه.. ابتسامة هادئة كسولة تسبب لها عقدة في معدتها.. لا حل لها.. احتياج.. لم تعرفه من قبل..
ولكن كيف؟.. أنه يصغرها بتسع أعوام.. كلا.. لم يعجبها وقع العبارة.. هي تكبره.. كلا.. جملة سيئة أخرى.. بينهما تسعة أعوام.. فارق من العمر وليس في صالحها.. وهو عاشق ولكن ليس لها.. اعترف بها.. فقد تعمقت علاقتهما.. ولم تستطع الابتعاد.. وسمته صديق.. وصديقها عاشق.. وهب قلبه لمن ليست له..
باحت له بسرها.. أخبرته عن معشوقها الذي شوه العشق ولوثه خوفاً من جموح معشوقته..
جموح لم يخشه مازن بل اقتحمه.. وفاجئها بعرض زواج..
تجمدت.. صعقت ورددت:
ـ ليه؟..
ببساطة وقحة أجاب:
ـ أنا عايز أكون معاكِ.. ومتأكد أن دي رغبتك برضوه.. واحنا الاتنين أرقى من أي علاقة بره الجواز..
رفضت.. ليس لأن الزواج سري.. فيكفيها أنه لم يطلبها لفراشه.. باسم الحب.. كما فعل سامر.. فرق السنوات كان سبب الرفض السري بداخلها.. ولم يخضع مازن لرفضها.. ليفاجئها باصطحابها ذات ليلة.. إلى أحد المحاميين.. وهناك كان يزيد صديقه الأقرب.. وأحد شهود زواجها..
عامين مرا على معرفتها به.. وعام ونصف على زواجهما.. وكلاهما يحافظ على الاتفاق.. يلتقيان عندما يريدا.. يحتاجا التواجد معاً.. وليس بالضرورة احتياج جسدي مع أنه أساس الاتفاق.. فقط.. يمنحان الراحة لبعضهما..
"صديق ذو فائدة"..
" هكذا يطلقون على علاقتهما.. Friends with benefits"
وهكذا سيبقيان.. لا مجال للمشاعر.. لا ذكر للعشق.. فقط حاجة.. رغبة.. أو شهوة.. ولكنها.. لم تستسلم لها باسم الحب..
عاد صوت صراخ مازن على نيرة ليجذبها من شريط ذكرياتها.. فتسمعه يهتف بغضب:
ـ يا ستي أنا راجل تقليدي.. وعايز أشوف عروستي بفستان أبيض وطرحة.. صمت قليلاً وهو يذرع الأرض أمامها جيئة وذهاب.. مستمعاً إلى نيرة.. فيقطب حاجبيه بشدة.. ثم يرد صارخاً بجنون:
ـ والله يا نيرة لو عملتِ فستان فرحك أحمر لآجي لك لابس بدلة فوشيا!..
وأغلق الهاتف بغضب ليرميه بعيداً.. بينما تعالت ضحكات دنيا المغوية.. ليجذبها إلى غرفة النوم.. ولم تنسَ اصطحاب.. حبات العنب معها.. فهو يحبها.. مقشرة.. ناعمة.. ومليئة بالاغراء..
*************
رمقت منى حسن وقد تعلق على سلم خشبي متحرك وهو ينهي طلاء آخر بقعة بسقف الغرفة.. التي قررا الانتقال لها.. تلك الغرفة التي رفضها حسن سابقاً, ولكنه لم يجد بُداً من القبول بها الآن.. خاصة مع تغير أحوالهما..
عادت منى بذاكرتها إلى عشرة أيام أو أكثر مضت.. عندما ألقى حسن على مسامعها تلك الجملة التي زلزلت كيانها.. وكادت أن توقف قلبها هلعاً..
"أنا عايز أقولك على حاجة.. قرار أخدته.. وبتمنى تساعدني فيه.. ويا ريت اللي هعمله ده ما ينزلنيش من نظرك"..
الجملة تتردد في عقلها.. ومعها عشرات التفسيرات.. وكلها تنتهي بالتنازل.. بالفراق..
ابتلعت ريقها في توتر وهي تسأله بتردد:
ـ قرار ايه يا حسن؟.. خليك صريح.. أنت مش محتاج للمقدمات دي معايا..
أغمض عينيه بألم شديد:
ـ آسف يا منى.. استحمليني شوية.. اللي هكلمك فيه مش سهل عليّ..
سكت قليلاً ليلمح وجهها وقد شحب تماماً.. فشهق بعنف وقد استوعب ما فهمته من كلماته:
ـ منى.. أنتِ متخيلة أني هتخلى عنك.. أو هطلب الفراق مثلاً.. معقولة تكوني مش عارفاني للدرجة دي!..
أخذت منى نفساً عميقاً وأغرورقت عيناها بالدموع وهمست:
ـ حسن.. من غير مقدمات الله يخليك..
تحرك حسن ورفعها من على مقعدها ليضمها إلى صدره بقوة:
ـ والله ما أقدر أبعد عنك.. معقولة تكوني مش حاسة باللي جوايا ناحيتك.. إذا كنت ما قدرتش أعملها واحنا لسه على البر.. يبقى هعملها بعد ما قربت منك وعرفتك أكتر وأكتر.. معقولة أقدر أفتح عينيه وما لاقيش أحلى عيون كحيلة بتضحك في وشي..
ابتسمت وسط دموعها:
ـ أنت كده بتقلقني أكتر يا حسن.. لأن معنى كلامك أنك ناوي تضحي بزيادة.. وتتنازل أكتر..
أبعد رأسها عن صدره ليرفع ذقنها بسبابته وإبهامه ويتأمل عينيها:
ـ أنتِ فاهماني كده ازاي؟..
رفعت راحتيها لتحيط بهما وجهه:
ـ لأنه أنت أنا..
اتكأ بجبهته فوق جبهتها وهو يحرك رأسه قليلاً:
ـ حبيبتي... أنا ممكن أبيع عمري مش بس شهادة الهندسة عشان تكوني ملكي للأبد وقدام الناس كلها.. مراتي.. وحبيبتي.. وأم ولادي كمان..
أسكرتها حلاوة كلماته فسكنت بين أحضانه للحظات.. حتى تغلغلت معاني كلماته بين خلايا عقلها.. فأبعدت نفسها قليلاً لتسأله:
ـ يعني ايه يا حسن؟.. يعني ايه تبيع شهادة الهندسة؟.. ايه معنى الكلام ده؟..
جذبها من يدها ليعاود الجلوس على الأريكة وهي بجانبه ويخبرها ببطء ووضوح:
ـ هو ده القرار اللي عايزك تسانديني فيه.. أنا خلاص قررت أني أنسى مؤقتاً.. لقب مهندس..
حاولت منى مقاطعته إلا أنه أوقفها ليكمل:
ـ سيبيني أتكلم يا منى.. بصي.. من صغرنا وبابــ.. أقصد حاتم بيه.. بيُصر أننا نبدأ من الصفر.. يعني مع البنايين والعمال عشان نفهم ونستوعب الشغل.. وما حدش يقدر يخدعنا أو يستغفلنا.. اشتغلنا كل حاجة.. نجارة.. سباكة.. كهربا.. محارة.. نقاشة.. كل ما يتعلق بالبنا والمقاولات.. موجود كله جوه خلايا مخي..
رمقته منى في صمت ولم تعلق.. فأكمل بمزاح ساخر:
ـ محسوبك أحسن أسطى نقاش عرفته مجموعة العدوي..
توسعت عينا منى وقد فهمت ما يرمي إليه حسن:
ـ حسن.. أنت تقصد.. قصدك.. أنك..
أومأ حسن موافقاً:
ـ أيوه يا منى.. يا ترى نظرتك لحسن هتتغير لو طلق شهادة الهندسة دي.. واتحول ولو مؤقتاً.. للأسطى حسن؟..
وضعت وجهها بين كفيها وهي تحركه يميناً ويساراً:
ـ لا يا حسن.. أنا ما اقبلش.. مش ممكن أوافق أنك تقدم التضحية الكبيرة دي.. ولو حتى عشاني..
رفع وجهها ثانية ليهمس لها:
ـ فين التضحية دي.. أنا بآخد خطوة لمستقبلنا.. يمكن مش لقدام.. أو مش هنتقدم بيها كتير.. يعني هنبدأ من الصفر..
ابتسم بهدوء حتى يطمئن القلق المرتسم في عينيها:
ـ أو يعني قبل الصفر بشوية.. بس هنخرج من حصار حاتم بيه..
عادت منى تهز رأسها برفض تام للفكرة:
ـ لا يا حسن.. كده كتير.. كتير قوي.. أنت رفضت أوضة السطوح.. دلوقتِ عايز.. عايز تشتغل نقاش!
ابتسم حسن بمرارة لم يستطع اخفائها:
ـ يمكن قبل كده فكرت أن فكرة سكننا فوق السطوح تضحية كبيرة مني.. مش هكدب عليكِ يا منى.. وأنتِ بنفسك وصلك الإحساس ده.. لكن لحظة.. ما كان الاختيار بينك وبين مستوى ومظهر اجتماعي مالوش عندي ريحة اللازمة.. ما اترددتش لحظة..
سألت باستفهام:
ـ يعني في اختيار اهوه.. أرجوك يــ...
وضع أنامله على شفتيها يمنعها عن الكلام:
ـ صدقيني.. أي اختيار ما يكونش ليكي الأولوية فيه.. مش حل بالنسبة لي..
ابتعدت منى عنه وأولته ظهرها لتحاول تكوين جملة تعرف أنها ستقتلهما معاً:
ـ حسن.. رجعني بيت أبويا.. وكل..
لفها نحوه بقوة يقطع كلماتها القاتلة بقبلة عاشق وهمس أمام شفتيها:
ـ لو تقدري تقوليها.. أنا ما اقدرش أسمعها.. أنا محتاجك يا منى.. حسن هيتولد على أيديكِ من جديد.. وأنا محتاج قوي اتولد من تاني.. مش هقدر اقتحم الحياة الجديدة دي إلا معاكِ..
في لحظة تذكر تجبر والده عليه.. وهو يطلب منه طلاق منى.. فمثلها تتخذ عشيقة وليست زوجة.. على حد قول حاتم بيه.. تلك النار التي مرت في شرايينه.. أحرقت كل احترام كان يكنه لوالده.. وأشعلت بلهيبها التحدي بحبه لمنى.. ورغبته أن تكون.. له.. حلاله.. في النور.. وأمام الجميع..
عاد ليضغط بجبهته فوق جبهتها:
ـ المشوار صعب.. ومحتاج لك يا منى.. لأنه في طلب تاني.. طلب يخصك..
عادت لتبتعد قليلاً إلا أنه لم يسمح لها فظلت بين دائرة ذراعيه.. لتسمعه يهمس:
ـ ممكن تقدمي طلب اعتذار عن السنة دي.. أو حتى التيرم الأول.. أنا.. الظروف في الأول مش هكون ضامن قوي أني..
قاطعته قبل أن يكمل.. وحتى ترفع عنه الحرج:
ـ ده أنا كنت ناوية أعمله من غير ما تطلب.. كنت عايزة اتفرغ لحياتي كزوجة شوية.. يعني لحد ما اتعود..
عاد ليريح جبهته فوق جبهتها ليتأمل ملامحها ويسألها بخوف ممزوج بأمل:
ـ وموضوعنا الأساسي.. رأيك ايه؟..
رفعت ذراعيها لتتعلق بعنقه وقد جرت دموعها على وجنتيها بلا توقف.. كم تريد الاستجابة لنداء استغاثته.. وكم تخشى موافقته على تلك الخطوة.. تخشى عودة حسن المدلل مرة أخرى.. فعودته ستلقي على كاهلها وهي فقط ذنب تحول حسن.. البشمهندس حسن العدوي ليصبح.. مجرد عامل نقاشة.. ووقتها سيكون حبه لها تبخر بفعل نار الواقع وهو لن يغفر.. ولن يرحم..
يا الله.. ما هو الصواب وما الخطأ؟.. أأبتعد واتركه لحياته المرفهة أو أمد يدي إليه فيولد بين يدي.. حسن جديد كما يقول هو.. ليس عاشقاً فقط.. بل قادراً على حماية معشوقته..
شعرت بيديه تضمها إليه اكثر وهو يطالبها باجابة على سؤاله المنطوق ومؤازرة لقراره المغامر.. للحظة واحدة غاب عقلها.. واختفى منطقها.. لينتصر القلب الذي استجاب لنداء معشوقه.. فضمت نفسها نحوه.. وهي تفتعل ابتسامة باهتة:
ـ لازم اختبر مهاراتك.. في فن النقاشة بنفسي.. الأوضة هتحتاج توضيب ودهان.. وأنا هكون بليه بتاعك.. ايه رأيك بقى؟..
بادلها الابتسام فأردفت هي:
ـ يعني عايز تتعلم حاجة وأنا ما اكونش عارفاها.. ما فيش أسرار بينا يا بيه.. وهساعدك يعني هساعدك..
اتسعت ابتسامته لتصبح واحدة حقيقية بالفعل والتفت ليتناول كوب عصير الفراولة ويضعه في يدها:
ـ أنا موافق بس بشرط.. تقولي لي بقى رأيك في كوباية العصير المحترمة دي..
تناولت منى رشفة واحدة من العصير لتتسع عيناها قليلاً.. وهي تحاول ابتلاعه على مضض.. بينما حسن يصر عليها أن تتناوله عن آخره..
ابتلعت ما في فمها وهي تكمل باقي الكوب وترمق حسن من خلف حافته راجية الله أن تكون مهارته في النقاشة أفضل من صنع العصير.. فهو أغرق العصير بالملح بدلاً من السكر.. ولكنها تناولته كله وهي تبدي استمتاعها بمذاقه الرائع.. فإذا كان هو سيتخلى عن حياة كاملة من أجلها ألا تضحي هي بابتلاع فراولة بالملح!...
عادت إلى واقعها الآن لترمق زوجها وهو ينهي آخر بقعة من سقف الحجرة في مهارة لم تكن تعتقد أنه يمتلكها ولكنه أثبت لها الأسبوع الماضي أنها كانت على خطأ في اعتقادها.. فقد استطاع تحويل غرفة السطح ببضع لمسات فنية من فرشاة الطلاء خاصته إلى منعزل هادئ خاص بهما فقط.. عش رقيق ليحافظ على حبهما.. منحه حسن لمسة رقي خاصة به لتكمل منى بوضع لمساتها الدافئة والحميمة.. فأصبح لديهما شقة تتكون من غرفة نوم واحدة ومطبخ وحمام.. وغرفة تصلح للمعيشة أو تناول الطعام وحتى لاستقبال الضيوف.. وامتلأ البيت الصغير بعدة قطع متنافرة من الأثاث.. جمعتها منى من حيث لا يدري ولكنها بلمسات بسيطة منها.. مفرش هنا.. ووسادة صغيرة هناك.. بساط ذو ألوان غير معلومة.. لوحة عجيبة لفنان أعجب.. لكنها منحت الغرفة لقب مسكن.. بل أن لمساتها امتدت لتحول السطح خارج الغرفة إلى حديقة صغيرة.. تشبه تلك التي أعجبتها بشاليه يزيد بالمعمورة.. وأخيراً ضمهما عش كما تمنيا طويلاً..
بالفعل هو عش.. ضيق للغاية ولكنه أيضاً يموج بالعشق الصافي والتضحية المتبادلة..
وقفا ينظرا إلى صنع أيديهما بفخر شديد ومد حسن ذراعه لها فدست منى نفسها تحته على الفور لتلتصق به وترفع له وجه يعبر عن حب صافٍ:
ـ مبروك علينا شقتنا يا حسن..
همس في أذنها:
ـ أسطى حسن!..
*************
رمق مازن عروسه وهي تتهادى فوق الرواق الطويل الخاص بالفندق الذي سيقام بها زفافهما.. وبالطبع كان نفس الفندق الذي شهد خزيها على يد حسن.. ورغم غضب مازن من طلبها ذاك في البداية إلا أنه أدرك أهميته لتسترد كرامتها وكبريائها أمام أصدقائها ومعارفها.. لذا نفذ طلبها بدون نقاش لرغبته أيضاً في وأد أي شائعات أو أقاويل في مهدها.. وقبل أن تؤثر على حياتهما معاً..
أخذ يتأملها تقترب رويداً.. رويدا.. عيناه تعلقت بعينيها وكأنها يطالبها بالتقدم وعدم الالتفات لأي همس يجري من حولها.. اقتربت قليلاً عندها بدأ يلحظ تفاصيل الثوب..
مبهرة.. أقل ما يمكن أن يقال عنها اليوم.. أبدعت دنيا بالفعل في تصميم ثوبها.. وكأنها هديتها له.. فقد تحولت به نيرة إلى حورية خيالية طالما داعبت أحلامه.. همس في نفسه..
"فهماني يا دنيا.. فهماني قوي"..
كان الثوب عاري الصدر والظهر والكتفين.. يتمسك قسمه الأعلى بصدرها وقد تراصت حبات عديدة من الألماس حتى بدا وكأن ضوء النهار سيسطع منه وامتدت تلك الحبات المتراصة بشكل مثلث لتلتقي بقسمه السفلي الذي يتكون من طبقات لا نهائية من التول الخفيف وقد تناثرت قطع الألماس بعشوائية مبهجة ثم عادت لتنتظم بشكل وريدات عديدة تمركزت فوق قطع من الدانتيل وتركزت على ذيل الفستان حيث امتدت فروعها للتشابك معاً مكونة شبكة مذهلة من الدانتيل والتول والألماس.. وأكملت الطرحة مظهرها الخرافي.. حيث تعلقت في شعرها الذي جمعت بعض خصلاته وتركت المعظم حراً.. وامتد طول الطرحة ليصل إلى طول الفستان الذي امتد خلفها عدة أمتار..
أجبر نفسه على الخروج من حالة السحر وحرك قدميه حتى يلاقيها.. ويتسلم تلك الأميرة الخرافية من والدها.. وسمعه من بعيد يوصيه عليها.. لم يكن يرى غيرها.. أو يسمع سوى صوت أنفاسها.. ولم يشعر بنفسه إلا وقد اقترب منها للغاية.. ليقبلها.. ولكن ليس فوق جبهتها كما هو معتاد, بل على شفتيها.. ولم يبتعد إلا بعد أن تحولت الهمهمات المذهولة إلى صيحات تعجب واستنكار.. حينها رفع شفتيه ليغمز بعينه هامساً بشقاوة:
ـ عشان اللي فاتته البوسة الأولانية.. يلحق يتفرج على التانية!
احمرت وجنتاها بفتنة وكادت أن تنهره بعبارة مستفزة.. ولكنها توقفت عندما لمحت نظرات الحضور البراقة وكأنها تحسدها على عريسها المتيم... وسمعت بضعة آهات من مجموعة من الفتيات إعجاباً بحركة مازن الجريئة... فابتسمت ابتسامة خبيثة تحولت في لحظة إلى ابتسامة خجولة وهي تخفض عينيها أرضاً في حياء تاركة مازن يتأبط ذراعها.. ليعبرا معاً باقي الممر.. ويدخلا إلى القاعة تناجي آذانهم موسيقى كلاسيكية هادئة.. وناعمة تماماً..
بعد أن استقرا في مقعديهما همس مازن في أذنها:
ـ بصراحة.. ما ينفعش أطلب تشغيل أي أغاني.. أنتِ مبهرة بصورة خيالية.. هتخلي حتى أعظم سيمفونية جنبك.. شيء باهت.. أشك أن أي حد في القاعة نزل عينه من عليكِ..
سكت لحظة وهو يتأمل إشراقة وجهها لمغازلته الخفيفة ثم بنبرة مختلفة:
ـ صحيح.. هو الفستان ده مالوش حاجة تغطيه؟..
هتفت بنزق:
ـ مازن!..
ضحك بشقاوة فهو كان يشاكسها فحسب وأمسك اناملها ورفعها إلى شفتيه ليقبلها برقة.. ثم ساعدها لتنهض.. هامساً مرة أخرى:
ـ الأغنية دي بس استثناء..
وعلى الفور تصاعدت موسيقى..
"Everytime we touch"
I still hear your voice, when you sleep next to me.
I still feel your touch in my dream.
Forgive me my weakness, but I don't know why
Without you it's hard to survive.
تعلقت نيرة برقبته بينما ضمها هو لصدره بقوة.. ولفها بذراعيه.. يتحركان على أنغام الأغنية ربما.. أو أنغام أخرى خيالية يسمعها هو فقط فتدفع به إلى عنان السماء.. غاب في عينيها الزبرجدية.. فأخفضتهما أرضاً.. بخجل ربما غير مصطنع.. فهمس لها:
ـ ارفعي وشك.. عايز اشوف عيونك..
نفذت أمره بخجل وهي تغرق بدورها في عيونه البنية.. بلون حبات البن اللامعة.. وملامحه الرجولية الوسيمة.. خاصة ذقنه المنحوتة والعريضة.. وسمعته يهمس عابثاً:
ـ لو فضلتِ تبصي لي كده.. أكيد الناس مش هتتفرج على بوسه بس..
وبالفعل وبدون تصنع شهقت نيرة حرجاً وخجلاً من وقاحة كلماته.. وتورد وجهها بأكمله خجلاً من نظرة عينيه المتلألئة.. فأخفته بحرج في كتفه لتبتعد عن نظراته التي تربكها بشدة وتحاول استجماع نفسها لما هو قادم...
وفي ركن آخر بالقاعة كانت علياء تستمع إلى كلمات الاغنية.. ودموعها تسيل بلا إرادة منها.. تشتاق إليه.. وتحتاجه.. تحلم به كل ليلة.. مئات الأحلام.. تتبادل معه آلاف الحوارات.. كم ترغب في رؤيته.. في اخباره..
'Cause everytime we touch, I get this feeling.
And everytime we kiss, I swear I could fly.
Can't you feel my heart beat fast, I want this to last.
Need you by my side.
وهاتفها
