رواية مذاق العشق المر الفصل السادس عشر 16 بقلم سارة المصري
وصل بدهشته الى أقصى درجة ممكنة ..درجة كافية لجعله يحتقر أباه رغما عنه ...
حاول جهده ألا يفعل وهو يسمع عرضه المخزي بمقايضته على شرف حبيبته ..
حاول جهده أن يمنع أي كلمة قاسية من بلوغ شفتيه.. أوقف سيل الغضب بحاجز الأبوة التى تربطه به ولم يتجاوزها سوى همهمته :
” أنا لو قبلت أنك تعمل فيها كدة أبقا مش راجل ”
وقبل أن يرد محمود بحرف جاء موظف من حسابات المشفى ووقف الى جوار زين ليطلب منه وضع مبلغ بالخزينة ..
نظر الى والده فى ألم وخيبة أمل قبل أن يتبع الموظف ..
راقبه محمود حتى اختفى وقد عزم بالفعل على تنفيذ ما يفكر فيه ، فكما أجبر ولده على معرفة علاقتها بآخر سيجبره على معرفة أخلاقها التي يتيقن من انحلالها ، سيرى اذن هل سيتنازل عن كرامته ورجولته مقابل رغبته فيها أم ماذا؟.
انتهى زين من دفع المبلغ المطلوب وعاد ليجد أباه جالسا باسترخاء شديد على أحد المقاعد وهو يغمض عينه ويمدد ساقيه واضعا قدما فوق الاخرى وعلى ثغره ابتسامة غريبة يرى زين أنها لاتتناسب مع الموقف أو حالة الشد والجذب التي جمعتهما منذ قليل ، فتح محمود عينيه واعتدل ليرفع نظره الى ولده قائلا :
” عارف انك مكنتش هتوافق ..بس دلوقتى بس هتعرف انى كان عندى حق ”
حاول زين طرح الفكرة عن رأسه تماما.. لايريد ان يصدق ان أباه قعد فعلها ....تلاحقت أنفاسه وطرح سؤاله فى تلعثم يخشى اجابته ..يخشى رد فعله ..:
” انت عملت ايه ؟؟“
تراجع محمود فى كرسيه وعاد لاسترخائه من جديد وهو يجيبه في تلذذ :
” الدكتورة زمانها خلصت وجاية ”
للحظات توقف زين عن التنفس ...
للحظات كاد ان يضع كل اعتبارات الابوة والبنوة جانبا... للحظات فكر في ...صوفيا!!!
انتفض فجأة وتخلص من صدمته ليهرول اليها وبمجرد ان ابتعد خطوتين ناداه أبوه من خلفه :
” الدكتورة جت تعالى ”
نظر زين الى الطبيبة التى كانت تتجه اليهم فى برود بينما نهض محمود وهو يظن ان خطته قد نجحت بأكملها وستبتعد الشقراء المنحلة عن حياة ابنه ، فحين يعلم انها كانت لاخرين قبله سينسى تماما غضبه وحنقه على ما صنعه وينشغل بصدمته فيها هى ، تنهدت الطبيبة وهي تضع يدها فى جيبها قائلة :
” اطمنو البنت كويسة وسليمة ”
كست الصدمة وجه محمود ومسح وجهه فى خيبة امل.. بينما بدل زين نظره بين الطبيبة وابيه بازدراء وكأنه لايهتم بما قالته ..هو فقط يهتم بمن انتهكت انسانيتها بسببهما ...هتف في ألم لم يستطع غضبه أن يخفيه :
” انا هوديكو فى داهية.. والله ما هعدى اللى حصل ده على خير ابدا ..انا هقفلكو المستشفى دى ”
رمقته الطبيبة فى صرامة دون أن يهتز لها جفن قبل أن تشير بسبابتها محذرة :
” من فضلك يا أستاذ حافظ على الفاظك ...والدك هوا اللى قال انها بنته و مخطوفة وخاف يكون فيه حد قربلها او اذاها ...“
وعقدت ساعديها لتضيف :
” البنت فاقت واحنا بنكشف عليها ومنهارة جوة وواضح ان والدك الف القصة من دماغه وقسما بالله لو هيا حبت تشتكى لأنا اللى اوديكو فى داهية ”
مرر يده فى شعره بعنف ...أخذ يشده في قسوة وينظر الى أبيه فى ألم محاولا حبس دموع القهر في عينيه ، لقد عجز عن حمايتها ، تأذت بسببه أذى لم ولن يلحق بها ابدا ، لقد عرضها على يد أبيه لأقصى امتهان قد تتعرض له أنثى ، لقد جعله يعاملها كسلعة يجب فحصها قبل أن يقوم بشرائها ليتأكد من صلاحيتها ، صوفيا التي ائتمنته على حياتها بل فكرت في المخاطرة بنفسها من اجل شقيقته يعجز عن حمايتها ...
يعجز عن حمايتها ...
اخذت كلمات العجز وقلة الحيلة يتردد صداها فى عقله حتى التفت الى ابيه فى بطء بصوت متهدج:
” كدة ارتحت ..هديت ..ضميرك دلوقتي أخباره ايه ؟؟؟...“
واشار الى حيث ذهبت الطبيبة ليواصل :
” متنساش تخلى الدكتورة تبقا تكشف على بنتك هيا كمان ”
كاد والده ان يصفعه ولكنه تمالك نفسه بصعوبة وهو ينظر حوله ليقول من بين اسنانه :
” اخرس ..انت هتقارن اختك ب..“
قاطعه زين وهو يضحك فى وجع :
” بمين!!!!!..صوفيا ...ارجع لبنتك البيت خليها تحكيلك صوفيا عملت معاها ايه ...ولا الجاسوس اللى انت بعته يعرف صوفيا وميعرفش ايتن ..مقالكش ان الهانم طلعت الشقة ورانا ..مقالكش ان الهانم كانت عايزة تهرب مع واحد وصوفيا هيا اللى كشفت كل حاجة ليها ”
دفعه محمود فى عنف وهو يهتف غير مصدق :
” انت بتخرف بتقول ايه ..بنتي أنا ايتن ؟؟“
أغمض زين عينيه في ألم وهو ينظر للأعلى مواصلا :
” بنتك فى البيت روح اسألها ”
تركه زين فى صدمته ولم يهتم بتهالكه على مقعده في ذهول ...ذهب مباشرة الى غرفتها .. صوت صرخاتها وصله قبل ان يفتح الباب فأفلت دمعة عجز من جانب عينه أوقفته مكانه ..
كيف سيواجهها ؟؟؟
كيف سينظر الى عينيها وقد عجز عن حمايتها..
ولكن قلبه المتلهف للاطمئنان عليها ولو بنظرة قد سيطر على تلك الهواجس وحركه بقوة ليفتح الباب ويراها وهي تتلوى بين يدي الممرضات وهن يحاولن حقنها بمهدىء بينما تبكي في حرقة وشعرها قد تناثر حول وجهها وعنقها بعشوائية ..
رأى انهيارها لأول مرة وبسببه ..
بسبب حبه لها الذي أشقاها بينما ادخلها حبها له جنة لم يتخيل أن يطرق بابها فى حياته ..
لمحته فصرخت أكثر وهتفت بأعلى نبرة يمتلكها صوتها المشتت:
” اطلع برة ...برة ..أنا بكرهك يا زين بكرهك ..أنت زيك زيهم كلهم ..بكرهك ومش عايزة أشوفك تاني ”
وقطع صوت صراخها أنة ألم والمحقن يغرس بذراعها لترتخي تدريجيا وهي تهذي:
” ليه كدة ؟؟...ليييييه ...أنا حبيتك ..ليه تعمل فيا ...“
ولم تكمل جملتها لتغيب عن الوعي بفعل المهدىء الذي استجاب له بسرعة فائقة عقلها وكل حواسها الرافضة لهذا الواقع المؤلم الذي ذبحت فيه على يد حبيبها ...
اقترب منها في بطء .. لها كل الحق فيما تفعله .. ليته مات قبل ان يسمح لأبيه او لغيره بانتهاكها على هذا النحو .. سيخرج من حياتها كما تريد ..لن يسامح نفسه حتى وان سامحته هي ..لن يتمكن من رؤية عجزه فى عينيها من جديد ..
كانت دائما الاقوى دون أن تشعر ...
هي من انتظرت مباركة أهله دون اتخاذ أي قرار منه هي من تحركت لتنقذ شقيقته وان خانتها الطريقة.. وهو كل ما فعله هو اطباق سطوته عليها وتحكمه بمصيرها وليته أودى بها الى بر أمان ..
لقد أضاعها ..ذبح مشاعرها البريئة بحناجر معتقدات أبيه الظالمة ...
انحنى قليلا ليهمس فى أذنها :
” أنا همشى يا صوفيا ووعد مني مفيش بعدك أبدا ..قلبي هيفضل ملك ليكي انتي طول ما أنا عايش ..“ وقبل جبهتها لتختلط دمعته مع حبيبات عرقها ..
نظر الى جفنيها المغلقين وتمنى لو فتحهما لحظة ليأخذ جرعة أخيرة من سحرهما قبل أن يحرم منهما للأبد...ربما كان هذا عقابا كافيا ألحقه به القدر وهو يعرف أنه يستحقه تماما...
**********************************
ارتجت وهي تستمع الى صرخة أبيها الذي وقف أمامها فى تأهب هاتفا :
” يعني الكلام صح؟؟“
أطرقت برأسها في خجل وهي تفرك يديها المرتعدتين في خوف...
اختبرت قسوة أبيها لأول مرة حين دوت صفعته القوية على وجنتها لتسقط على أريكة قريبة في غرفة مكتبه ، نهضت في ألم وهي تتحسس ألم اللطمة ليعطها أخرى افقدتها توازنها لتسقط أرضا هذه المرة ...قبض كفه وهو يحاول منع نفسه من ايذائها أكثر ، لو استجاب لشيطانه لدفنها الأن حية ..
هتف بأنفاس لاهثة:
” ليه يا ايتن ..أنا دلعتك اكتر من أي حد في اخواتك كل طلباتك كانت أوامر ...ليه ؟؟“
وهم أن يصفعها من جديد وهي تحاول النهوض لولا ان وقف زين الذي دخل فجأة بينهما ..
اختبئت خلف أخيها ودفنت رأسها في ظهره .. تشبثت به وارتعدت في هلع ...تمزقت حروفها تماما وهي تجيب في جزع:
” كنت خايفة تجوزوني حسام غصب عني ”
امتقع وجه ابيها وهو يميل اليها صارخا:
” أنا قولتلك عمر ده ما هيحصل دي كانت مجرد فرصة ليكو ..لو مرتحتوش كل حاجة كانت هتنتهي ..ولما كان فيه حد فى حياتك مجاش اتقدم ليه ..ليه تهربي معاه يا غبية ”
أجابت وهي تتشبث في ذراع زين أكثر وتختبىء خلفه: ” هوا قالي أن ظروفه صعبة ومكنتوش هتوافقو عليه ..فحب ان احنا نحط الكل قدام الأمر الواقع ”
لم يحتمل محمود هذه المرة فهم ليجذبها من خلف أخيها ليضغط على ذراعها في قوة صائحا :
” تحطي مين يا ف......تحطي راسنا في الطين كلنا ”
وبينهما تذكرها ...حبيبته المدمرة بسببهم.. تذكر حين عرض عليها هذا ووعدها بتحدي الكل من أجلها ولكنها رفضت حتى لا يخسر أهله... أغمض عينيه فى ألم فشتان بين من يحب ويتوهم ..
عاد الى الواقع بصرخة ايتن وقبضة أبيها تعتصر ذراعها في قوة ورغم غيظه منها ويقينه أنها تستحق ما هو أكثر الا انها في النهاية شقيقته ولو تركها لمحمود فسيفتك بها دون شك ، جذبها من ذراع أبيها وهو يقول:
” كفاية كدة ”
” فعلا كفاية كدة ”
التفت الجميع لصاحب الصوت الذى وقف على الباب يحتبس دموعه في مقلتيه في محاولة بائسة للاحتفاظ بما تبقى من كرامته ..ربما ساعدته حالة الصدمة التى لازال تحت تأثيرها في ذلك ..اقترب في بطء..
نظر لها في شرود وكأنه يتعرف ملامحها لأول مرة ...
كأن هذه لا تمت لحبيبته التي عاش في عشقها منذ طفولته بصلة ..
همس فى الم يقاومه باستماتة ..ولكن ربما الموت بما يصاحبه من انتزاع الروح من الجسد لهو أخفأ وطأة من المه هذا :
” كفاية اوي يا بنت عمي ...للدرجادي...للدرجادي بتكرهيني... لدرجة انك تهربي مع واحد تاني عشان متتجوزنيش ..ليه ..انا سألتك وانتي رديتي وقولتي مش فارقة ..ادتيني أمل انك مع الوقت هتحبيني... ”
واضاف بنبرة حملت من القهر اكثر مما حملت من الثورة:
” كنتى قولي انك مش عاوزاني ..كنتى ارفضيني وعمري ما كنت هغصبك ..للدرجادي مشاعري مكنتش فارقة معاكي”
واستدار في بطء مثقلا بانكساره وصدمته ليواجه عمه لائما :
” وانت يا عمي مفكرتش فيا ..مفكرتش غير ان تدي لبنتك واحد بيحبها وبيعشق التراب اللى بتمشي عليه لكن مش مهم هوا ..المهم هيا تاخد وبس.. تاخد حبي ليها وخوفى عليها ..لكن انا اخد جرح وتقليل وتجاهل ”
اختلجت شفتي محمود وهو يحاول أن يبحث عن رد مناسب فلم يمهله حسام فرصة ليلتفت الى ايتن التي كانت تنتفض من البكاء مواصلا :
” انتى اعتبرتي حب ليكي ضعف وفعلا هوا كان كدة ..حبي ليكي هوا اللى خلاني افضل عايش فى البيت ده واشتغل مع عمي وانسى اى طموح ليا بس عشان اكون قريب منك ..حبى ليكي عماني عن تصرفاتك وتقليلك مني واستهتارك بمشاعري ”
واشاح بوجهه عنها وهو يخلع دبلتها من خنصره..
خلعها في سرعة وقسوة ربما أراد بها عقاب نفسه قبلها على افناءه لعمره في حب من لاتستحق .. نظر لها لحظة كأنه يودع معها ماضيه بأسره قبل ان يضعها على مكتب عمه قائلا :
” كفاية فعلا لحد كدة ...أنا بحلك من أي ارتباط ...روحي عيشى حياتك بالشكل اللى يعجبك ومع الانسان اللى انتي عايزاه .. انا من النهاردة ابن عمك وبس ..وحقي أنا مسامح فيه”
ونظر الى عمه مضيفا فى هدوء :
” عمى أنا مستقيل من الشغل ..والبيت انا هسيبه وهرجع فيلا بابا الله يرحمه وسمر براحتها عاوزة تيجي معايا أو تفضل براحتها ”
هنا نطق محمود أخيرا ...استجمع ما أمكنته حالته من كلمات :
” حسام اسمعني ...انت ابني زي زين ويوسف وانا لما اخترتك لايتن اخترت اغلى حاجة عندي وادتهالك.. مش زي ما أنت متخيل اني مفكرتش غير فى بنتي وبس ”
وامسك بكتفيه مواصلا في حنان حاول به تفتيت شعور ابن أخيه بالقهر والظلم :
” أنا مش هقدر الومك ولا أراجعك فى قرار ليك كل الحق فيه ..أما بالنسبة للبيت والشغل فده بيتك وفلوسك يا حسام محدش بيتصدق عليك بيهم ”
ابتسم حسام في ألم :
” عمي من فضلك أنا محتاج ابعد ..أرجوك انا خلاص خدت قراري ”
ونظر اليها لاخر مرة كأنه يودع كل مشاعره تجاهها.. كأنه يخبرها أنه سيخنق قلبه بيده ان نبض بحبها من جديد ..
لم تملك سوى أن تعتذر بعينيها فكلماتها في مثل هذا الموقف ستكون محض وقاحة من الجميع .. لم تتخيل أنه يحبها لتلك الدرجة ...
لم تتخيل أنه تنازل عن كل شىء فقط ليبتعد عن جرحها له..
لم يكن بالضعف الذي تتخيله بل كانت هي ضعفه الذي خلعه عنه الان مع دبلتها ليبدأ كتابة صفحة جديدة من حياته ...
وخزات الضمير المؤلمة قد تكالبت عليها .. تجاه زين الذي أفقدته حبيبته..
تجاه صوفيا التي عرضتها للامتهان..
تجاه ابيها الذي تلاعبت بكرامته ..
وتجاه حسام الذي جعلها تفكر بأي منطق كانت ستفر منه دون أن تفكر مطلقا في كرامته كرجل ..
نظرة أخيرة من زين أحرقتها ، نظرة رجل خسر حبيبته وللأبد ، حبيبته التى نبض لها قلبه من بين كل نساء الأرض وخسرها بسببها ..وماذا عن أمها لو علمت بعد عودتها .. ماذا بامكانها أن تضيف الى الامها ايضا ؟؟.
****************************
عاد يوسف من المرحاض بعد أن انتهى من غسل يده الى ايلينا التي كانت على مائدتها تواصل تناول طعامها فى أفخم مطاعم مدريد ..
جاء من خلفها ليراها تحاول العبث بهاتفه ، تنهد وهو يحاول أن يتجاوز هذا.. لازالت على وضعها بعدم الثقة به حتى وان ادعت العكس ، ماضيه لازال يقف عقبه بينهما ..
مسح وجهه بيده وهو يحاول أن يقنع نفسه ان كل هذا سيتغير مع الوقت فالثقة مجرد بذرة تحتاج الى رعاية من الطرفين لتتشعب جذورها وتثبت اكثر في نفس كل منهما ..
لف ذراعه حول كتفيها فانتفضت وهي تضع يدها على صدرها وتمسك الهاتف بيدها الأخرى ليمد أصابعه تجاه هاتفه هامسا في أذنها :
" ايلينا "
انتفضت لترد في تلعثم :
” أنا كنت.. ”
قاطعها وهو يهمس مجددا لا يريدها أن تكذب:
” كلمة السر ايلينا ”
قالها وهو يكتب الحروف فى بطء ليفتح الهاتف أمامها ، قبل وجنتها بسرعة قبل ان يعود الى مكانه في الكرسى المقابل لها ...
لاحظ توترها وهي تحاول أن تسوق أي مبرر لما يحدث فقال ليعفيها من الحرج :
” هوا موبايلك فاصل ولا ايه ؟؟؟؟..عايزة تكلمي مين ؟؟“
تنهدت لتجيبه بما تريده في صدق :
” عايزة أكلم صوفيا ...موبايلها مقفول بقاله يومين ومش عارفة أوصلها ..قلقانة عليها أوي يا يوسف ”
تناول الهاتف منها قائلا':
” هاتي أكلم زين أكيد عارف مكانها ”
قبضت على كفه وهي تناوله الهاتف لتسأله في دهشة :
” أنت عارف اللي بين صوفيا وزين ”
ابتسم وهو يرفع حاجبيه :
” زين مقوم البيت كله حريقة بقاله كام شهر عشان خاطرها ”
مالت اليه في ترقب :
” وأنت يا يوسف رأيك زيهم ”
مال بدوره اليها :
” قبل ما أعرفك اه كان ممكن يكون رأيى زيهم ..بس من بعد ما عرفتك وعشت السعادة اللى مكنتش أتخيل اني أعشها شايف ان اللي بيتجوزو من غير حب بيفوتهم كتير ”
وغمز بعينه وهو يتناول كفها ليقبل باطنه :
” وأنا مش عايز أخويا يفوته حاجة ”
رمقت نظراته الشغوفه بها فاحمرت وجنتيها وهمهت في خجل :
” مش هتكلم زين ؟؟“
اعتدل من جديد وهو يبتسم ويحتفظ بكفها فى يده قائلا:
” هنكلم زين ”
وضع الهاتف على أذنه ولحظات وتجهم وجهه تدريجيا وهو يقول في حذر :
” تعبانة من امتى يا زين ؟؟؟“
ارتعدت ايلينا وسحبت كفها من يده وانتفضت لتقف الى جواره في ترقب حتى أنهى مكالمته ليقف مواجها لها يخبرها في حزن :
”للأسف صوفيا تعبت شوية ونقلوها المستشفى ”
أمسكت بذراعه تسأله في خوف واضح :
” امتى حصل الكلام ده وحالتها ايه ”
ضمها تحت ذراعه يطمأنها :
” اهدى حبيبتي هيا كويسة ”
نظرت له فى هلع ينفي تصديقها له :
” أنا خايفة عليها اوي يا يوسف ”
ربت على وجنتها لتهدىء :
” هتبقى كويسة ان شاء الله ..زين قال حاجة بسيطة ”
رفعت رأسها اليه بعينين دامعتين ففهم ما تعنيه دون أن تنطق...فهم خجلها فيما تريد طلبه فتنهد في عمق قائلا :
” حاضر يا ايلينا هنسافر على أول طيارة ”
أمسكت كفه تسأله في حب :
” يعنى انتي مش متضايق.. ولا زعلان ”
هز رأسه يجيبها في رقة :
” من جهة زعلان فأنا زعلان ان احنا هنرجع ومكملناش اسبوعين ”
وقبل أن تنطق وضع اصبعه على شفتيها مواصلا:
” بس انتى مادام معايا المكان مش هيفرق ..هنعوضها ان شاء الله ”
هنا لم تهتم مطلقا بمن حولها وارتمت بين ذراعيه وهي تقول فى تأثر :
” أنا بحبك اوي يا يوسف ...ربنا يخليك ليا ”
لم يهتم مثلها بأى شىء حوله وهو يضمها اكثر :
” ويخليكى ليا يا اغلى من عمري كله ”
****************************************************
أخذت صوفيا وضع الجنين وهي تنام في فراشها تحدق في اللاشىء وعقلها غارق بالتفكير بكل شىء ، في حياتها كلها من بدايتها ...
في زين ..
اه من زين ...
لماذا ظهر في حياتها من الأصل ؟
لم يكن سوى نسخة مكررة من غيره ، لقد غامرت بنفسها من اجل ان تنقذ شقيقته ...
غامرت من أجله هو...
من أجل التقاليد التي طالما حاول تلقينها اياها وكانت أخته على وشك الخروج عنها...
لم يعطها أي فرصة للدفاع عن نفسها وهو يصفها بأشنع التهم كأنها لم تكن كتابا مفتوحا أمامه طيلة الفترة الماضية ..
أطاعته فى كل شىء وتخلت عن عنادها من اجله وفي المقابل لم يتوان عن اصدار احكامه القاسية وتنفيذها ، لم يتوان فى انتهاك جسدها بتلك الطريقة ولو فكر فى سؤالها مجرد سؤال لأخبرته حتى لو لم يكن لديه أدنى حق فى المعرفة كانت ستفعل ...
هل بلغ به تفكيره ان يظن انها بائعة هوى تسلم جسدها لأيا كان..
وفى تلك اللحظة تمنت لو لم تحبه بعدما كانت ترى ان حبه هو اجمل شىء حدث لها ..
ألم يكن بمقدوره ان يكون اكثر رحمة ؟؟
الم يكن ...
“ اخبارك ايه دلوقتى ”
اخرجتها الطبيبة من افكارها فتمتمت :
” احسن الحمد لله ”
عقدت الطبيبة ساعديها وقالت في رفق :
” لسة بتفكرى فى اللى حصل ..انا قولتلك لو حبيتى تقدمى بلاغ فى الراجل ده انا مستعدة اشهد معاكى ”
اغمضت صوفيا عينيها فى الم :
” مبقتش فارقة ”
قالت الطبيبة وهي تميل اليها :
” بس الراجل ده صعب اوى نفذ اللى عايزه غصب عن ابنه ومن وراه كمان ”
التهمت اذن صوفيا الكلمات فاعتدلت بسرعة وهى تسألها في لهفة :
” انتى قولتى ايه ..اللى عمل كدة ابو زين مش زين نفسه ”
هزت الطبيبة كتفيها قائلة :
” معرفش زين مين بس الشاب اللى كان معاه كان هيصور قتيل ساعتها واضح ان ابوه اتصرف من وراه ”
وضعت صوفيا جبينها بين كفيها وفركته فى قوة وهى تتمتم :
” يعنى مش زين ..مش زين ”
وعادت لتهمس فى خيبة امل :
” طب ليه سابنى ومسألش عني من وقتها ”
لم تملك الطبيبة اجابة هذه المرة فأغمضت صوفيا عينيها وهي ترتمي من جديد على وسادتها لتأخذ وضعها القديم مواصلة في رجاء :
” من فضلك سيبينى لوحدى ”
تركتها الطبيبة بناءا على رغبتها لتحاول أن تعادل افكارها من جديد بعد ما علمته
هل لا زالت تسخط على زين ؟؟
ام انتقل هذا السخط على والده؟؟
هل لم يعد مذنبا من وجهة نظرها ؟؟
..أغمضت عينيها فى حزن فالان علمت انه من المحال ان تتقبلها هذه العائلة.. فهل عليها ان تفكر فى عرضه السابق بالابتعاد عنهم من جديد ولكن ...
اوقفت افكارها تماما وهى تغطي رأسها بالوسادة لتحاول الهرب من كل شىء ...لن يمكنها اتخاذ قرار مناسب وهي في هذه الحالة ..لحظات و شعرت بباب الغرفة يفتح فظنته احدى الممرضات لتهتف فى تأفف :
” قلت مش عاوزة ...“
وقطعت كلماتها ليتسع ثغرها وتنهمر دموعها فى حرارة هذا بالفعل كل ما كانت تحتاجه الان .
+