اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل الخامس عشر 15 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل الخامس عشر 15 بقلم نهي طلبة 

الفصل الخامس عشر

تمدد يزيد على فراشه بأحد أشهر فنادق مدريد.. فندق ذو مبني أثري يعود للقرن الثامن عشر.. قام بالحجز به خصيصاً بعد اكتشافه هوس ريناد الحديث بالأنتيكات والتحف, ولكن الغريب أنه لم يلاقِ استحسانها على الإطلاق.. ولولا وجود التسهيلات والكماليات الحديثة.. من ساونا.. وقاعات للمساج والتجميل وبعض محلات الملابس ذات الماركات المعروفة لأصرت على ترك الفندق..

انتبه لها تخرج من الحمام وقد ارتدت بنطال جينز ضيق وفوقه قميص كريمي من الشيفون المبطن.. وجمعت شعرها للخلف مع زينة خفيفة جداً.. جاهد ليلملم بعض اللهفة نحوها ويظهرها على وجهه وهي تقترب منه وتطبع قبلة خفيفة على شفتيه لتخبره ببساطة:

ـ حبيبي.. أنا نازلة عندي جلسة مساج..

ـ تاني يا ريناد.. امبارح ساونا والنهارده مساج..

هزت كتفيها بلامبالاة:

ـ وإيه يعني.. هو مش شهر العسل ده عشان الاستجمام!

زفر بضيق:

ـ أيوه نستجم سوا.. نخرج سوا.. مش كل واحد لوحده..

رمقته بنظرة قاتلة.. ثم أخبرته بهدوء:

ـ بعد المساج, أنا هروح أعمل شوبينج.. تحب نتقابل على العشا؟.. أقولك ابقى كلمني ونتفق.. باي..

وخرجت من الغرفة تتهادى بحذائها العالي الكعبين بينما ترافقها نظراته الحانقة.. فبعد ليلة زفافه المدمرة ظهرت في صباح اليوم التالي بأبهى صورة لها.. وتعاملت معه وكأن الليلة السابقة لم تمر بهما أبداً.. لم يكن بحاجة لكثير من الذكاء ليدرك أن تحولها ذاك لمحادثة تليفونية طويلة أجرتها مع والدته ووالدتها.. لم يعرف بتفاصيل المكالمة بالطبع.. ولكن وصله نتيجتها.. وهي استعدادها الكامل للاستمرار في زواجهما بكل ما تعني الكلمة من معنى..

لم يعرف لم أصابه ذلك بالقلق على علياء وخاصة من والدته التي بالتأكيد وصلتها حقيقة الزواج.. الآن هو في مدريد غير قادر على حمايتها كما يجب.. وحتى والده لن يستطيع محادثته فهو بالكاد يحادثه منذ ذلك الصباح في غرفة المكتب بالمزرعة.. ولن يستطيع مطالبته بالحفاظ على علياء وحمايتها من والدته.. فذلك كفيل بخلق مشاكل لا حصر لها بين والديه..

لذا فقد قام بالشيء الوحيد الممكن وهو مطالبة نيرة_عن طريق مازن بالطبع_ أن تقنع علياء بالإقامة معها.. لحين عودته.. وهو ما رحبت به نيرة بشدة, فهي بحاجة إلى علياء لمساعدتها في تجهيزات زفافها.. وها هو الآن يحاول الاتصال بها.. للمرة المائة أو أكثر فقد تعب من كثرة العد.. ولكن كما توقع هاتفها مغلق.. متى وكيف تعلمت الصغيرة تلك القسوة؟.. إنه فقط يريد الإطمئنان عليها.. لم تحرمه حتى من صوتها؟.. مشتاق لها بشدة.. يحتاج فقط لسماع صوتها وهي تهمس باسمه.. لا يدري تفسيراً لمشاعره.. حاول كثيراً أن يجد مسمى لما يشعر به نحوها.. أو حتى نحو ريناد.. الذي ازداد ارتباطه بها بعد اكتمال زواجهما.. ولكنه لم يجد تفسيراً لمشاعره المرتبكة..

لا ينكر أن علياء تشعل مشاعره وجسده وتصل به إلى حالة مسكرة من النشوى لم يعرفها إلا معها.. ولكن قد تكون صدمة ريناد بما أخبرها به في ليلة زفافهما هي ما تجعلها تعامله بذلك الجمود البارد.. جمود يفقد وصالهما لذته.. ويقضي على لهفته الطبيعية نحوها كامرأة جميلة.. جميلة جداً في الواقع.. ولكن.. ولكنها تريده, بل تطالبه-حتى في أقصى أوقاتهما حميمية- أن يعاملها كتحفة نادرة وثمينة.. غير قابلة للمس.. فما بالك العبث بها.. وكأنها تتعطف عليه بوجودها في حياته..

مرت بذهنه ذكرى أول قبلة لهما.. فهمس.."كماء البحر..."

زفر بحنق وقد تاق لتواصل حقيقي فحاول مرة أخرى الاتصال بعلياء.. ليقابله نفس الرد.. الهاتف مغلق.. لذا قرر الاتصال بمازن.. الذي أجاب على هاتفه بعد فترة.. وهو يضجع على مقعده براحة ويمد قدميه أمامه على مكتبه:

ـ مبرووك يا عريس.. حلوة مدريد صح؟

رد يزيد بحنق:

ـ أنت بتستهبل يا مازن!.. مش بترد على تليفونك ليه؟

ضحك مازن باستمتاع:

ـ آسف.. كنت بسلم على نيرة وعليا قبل ما يمشوا!..

قفز يزيد من فراشه وهو يهتف:

ـ إيه!.. علياء عندك؟.. خليها تكلمني!

ـ عندي فين يا عريس!!.. بقولك روحوا خلاص.. هيعدوا على دنيا في الأتيليه..

وقبل أن يكمل مازن جملته سمع صراخ يزيد:

ـ دنيا!!.. دنيا دنيا!..

ـ أنت اتجننت يا يزيد؟.. هو إيه اللي دنيا دنيا؟!

هتف يزيد بغضب:

ـ مازن.. ابعد علياء عن دنيا.. أنا مش فاهم أنت موافق ازاي أن نيرة تتقرب منها!

أجابه مازن بغضب مكتوم:

ـ ما تتدخلش يا يزيد..

صرخ يزيد بغضب حارق:

ـ ما اتدخلش ازاي؟!.. بص أنت حر.. أنا ما يهمنيش غير علياء.. ابعدها عن دنيا.. وأنت حر مع خطيبتك..

أجابه مازن بغضب مماثل حاول التحكم فيه:

ـ ويا ترى العروسة سمعاك وأنت بتصرخ وبتقول أنه ما يهمكش غير عليا..

أجابه يزيد بنفس رده السابق:

ـ ما تدخلش يا مازن..

ـ ماشي يا يزيد.. كنت محتاج حاجة تانية؟..

سأله يزيد:

ـ طيب هي شافت الشقة اللي أنت قلت لي عليها؟..

ـ لأ..

زفر يزيد بغضب:

ـ ليه؟.. أنا مش فاهم إيه نوبة التمرد اللي جات لها دي؟.. أكيد كله من نيرة.. ما هي أصلها عايشة في دور حماتي!..

ـ أنت غبي يا يزيد.. ليه بتسميه تمرد؟.. ببساطة هي عايزة تشوف الشقة معاك.. أظن ده حقها..

صمت يزيد للحظات ثم سأله بصوت هامس:

ـ وهي أخبارها إيه.. وحالتها؟.. نفسيتها عاملة إيه؟.. بتعيط ولا..

قاطعه مازن بسرعة:

ـ حيلك.. حيلك.. وأنا هعرف ده كله ازاي.. أنا بس عرفت موضوع الشقة من نيرة..

ـ ماشي يا مازن.. بس أرجوك تاني أبعدها عن دنيا.. أنا مش ناقص تلعب في دماغها..

ـ حاضر يا يزيد.. هحاول..

أغلق الخط مع يزيد وهو يفكر في قلقه من علاقة علياء بدنيا.. يدرك قلق يزيد من تلك العلاقة.. فدنيا بطبيعتها الودودة والمنفتحة قد تقص على علياء قصتها.. وذلك لن يكون في مصلحة يزيد على الاطلاق...

************

تكومت منى على أحد المقاعد الوثيرة وهي ترمق شاشة التلفاز بشرود.. شرود حزين وغاضب, فالتوتر بينها وبين حسن على أشده.. خاصة بعد اتهامها له بالصيبيانية أمام رفضه المتعنت لاقتراحها بالانتقال إلى غرفة السطح فوق منزل والدها.. وصراخه عليها وقتها..

ـ أنتِ يا منى مش حاسة أنا بتعذب وبتبهدل قد إيه.. وجاية تقترحي عليّ حل تعجيزي..

رددت بذهول:

ـ أنا يا حسن مش حاسة بيك!!.. ده اللي أنت شايفه.. اللي أنت حاسه؟

زفر بحنق:

ـ يا منى.. افهميني.. أنا ضهري بيتحني على لوحة الرسم 18 ساعة في اليوم.. وفي الآخر حتى مش اسمي اللي بيظهر على التصميم.. ده غير التصليحات اللي بعملها لباقي المهندسين في المكتب.. ونزولي المواقع.. وبعد ده كله صاحب المكتب بيرمي لي الفلوس كأنه بيعطيني حسنة..

أغمضت عينيها تحاول حبس آلامها مع دموعها:

ـ وأنا مقدرة ده كله..

قاطعها قائلاً بغضب:

ـ عارف أن الفلوس قليلة وأنه ناقصك كتير.. وعارف أني مقصر.. كفاية أني مش قادر أعملك بيت ليكي لوحدك.. يكون بتاعك.. بس أنا حاسس أني باحرت في بحر.. شغل ليل ونهار من غير فايدة.. بس اعمل ايه؟.. قولي الحل؟..

حاولت مقاطعته لكنه أكمل بغضب حاد:

ـ والحل مش السكن في أوضة فوق سطوح.. ده حل ما ينفعنيش.. وما تقوليش أني مرفه أو بدور على الحاجة السهلة.. لأني لو كنت كده, كنت قبلت..

قطع كلماته فجأة وعاد ينفث أنفاسًا غاضبة.. مما جعل منى تسأله بوجل:

ـ كنت قبلت إيه يا حسن؟.. أنت مخبي عني حاجة؟..

أشاح بوجهه عنها:

ـ ما فيش يا منى.. أنا اتأخرت ولازم أنزل الشغل..

هتفت به:

ـ حسن ما تهربش مني..

ـ أنا ما بهربش.. بس اتأخرت.. الساعتين اللي ضيعتهم على حاجة مالهاش لازمة.. هعوضهم أربع ساعات في المكتب..

صرخت بغضب وصوتها يرتفع للمرة الأولى:

ـ لا مش هتنزل.. مش هتنزل إلا لما أعرف.. أنت مخبي عني إيه..

رد بحزم غاضب:

ـ صوتك عالي يا منى..

ـ أيوه يا حسن.. لازم يعلى علشان تسمعني..

ارتفعت نبرة صوته قليلاً:

ـ سامع.. وعارف وفاهم.. وبطحن في الصخر عشان أوفرلك..

قاطعته غاضبة:

ـ ما تقولش أوفرلك.. زي ما أكون باتعمد اطلب منك طلبات فوق طاقتك.. أنت اللي..

سكتت وأمسكت لسانها.. فقد أوشكت على اتهامه بانعدام المسئولية.. والدلال.. لكنه فهم ما كانت تنوي قوله.. فرمقها غاضباً:

ـ أنا اللي..!!.. بعد ده كله أنا اللي... وهو عشان أثبت لك رجولتي.. وتحملي للمسئولية لازم أوافق أعيش في..

كان دوره ليسكت.. هو الآخر.. فهو كان على وشك إهانتها وإهانة المكان الذي يقيم به والدها.. ومن الألم البادي في عينيها.. أدرك أنها فهمت ما لم يقله.. فهمس معتذراً وهو يمد يده لها بتوسل:

ـ منى..

لكنها نفضت يده بعيداً وهي تخبره بجمود:

ـ أنت اتأخرت على شغلك يا حسن..

عاد يهمس:

ـ خلينا نتفاهم..

أجابت وهي على نفس جمودها:

ـ مع السلامة يا حسن..

تركها وخرج بسرعة ولأول مرة يتجاهل معانقتها قبل خروجه.. ابتسمت بحزن وهي تعود لواقعها.. فحسن مازال على عناده وغضبه ورفضه للخضوع للواقع نهائياً.. وهي.. رغم ذلك الهاجس الذي بدأ يراودها بأنه بدأ يمل.. ييأس.. يتسرب من بين يديها.. إلا أنها قررت ألا تبادر بمراضته تلك المرة.. ليس قبل أن يختار على أرض الواقع ماذا يريد بالفعل..

****************

وصل يزيد ومعه ريناد إلى فيلا والدته التي استقبلته بشوق كبير.. وعتاب أكبر وهي تهمس له:

ـ ضحكت عليّ يا يزيد.. استغفلت أمك..

قاطعها يزيد بتوسل:

ـ ماما.. أرجوكِ.. مش وقته الكلام ده..

ربتت على كتفه:

ـ ماشي يا حبيبي.. هنأجل الكلام..

ثم عانقت ريناد وهي تسألها بمودة عن رأيها في مدريد.. وماذا رأت هناك.. وانخرطتا معاً في حديثٍ هامس سبب قلق متصاعد ليزيد وقبل أن يستفهم عما تتحدثا بشأنه.. دخل والده إلى الغرفة ورحب بريناد بجفاف.. والتفت إلى يزيد:

ـ عايزك في المكتب يا يزيد..

ثم خرج بسرعة مثلما دخل فلم يجد يزيد بداً من الذهاب خلفه.. بينما همست سهام لريناد:

ـ ما تقلقيش.. أنا أقنعت عصام.. وهو هيكلم يزيد.. وأول ما تبعدوا.. أنا هنفذ اللي اتفقنا عليه.. المهم هو كويس معاكِ؟

اومأت ريناد موافقة:

ـ أيوه.. هو كويس..

وأكملت بداخلها.. "بس هو مش معاي"..

دخل يزيد خلف والده إلى مكتبه.. ليفاجئه بسؤال سريع وصريح:

ـ أنت بتروح عند عليا المزرعة؟..

رد يزيد بصراحة:

ـ أيوه..

ـ ليه؟..

رفع يزيد أحد حاجبيه ولم يجب بشيء.. خبط والده على المكتب بقوة وهتف به:

ـ ومش مكسوف من نفسك يا أخي.. يعني أنت اتجوزتها عشان كده.. عشان..

قاطعه يزيد بسرعة:

ـ علياء مراتي.. وما فيش حاجة تخليني اتكسف.. وجوازي بيها معلن.. وشقتها موجودة.. لسه بس تيجي تشوفها..

سأله والده:

ـ ومراتك؟..

ـ ما أنا لسه بقول أنها مراتي.. هو أنا أنكرت..

رمقه أبوه بنظرة غامضة.. فاستدرك يزيد:

ـ آه حضرتك تقصد.. ريناد؟.. أنا فهمتها أن جوازي من علياء حقيقي ومستمر.. وتقريبا الوضع استقر..

ـ لا طبعاً.. الوضع مش مستقر ولا هيستقر.. بص يا بني.. عليا مراتك آه.. ومش هينفع يكون في تراجع.. بس البنت لسه صغيرة.. ومشاعرها بتغلبها.. ومش بتحكم عقلها.. ظهورك المستمر قدامها ووجودك جنبها.. والأكتر من كده معاملتك لها كزوجة.. مش في مصلحتها.. ولا مصلحتك.. ده غير أنك عقدت الوضع بإصرارك على جوازك من بنت خالتك.. وما فيش حد هيقدر يبني بيتين مع بعض وفي نفس الوقت..

ـ يعني إيه يا بابا.. مش فاهم؟..

ـ ابعد عن عليا.. سيب لها وقت تكبر فيه ومشاعرها تنضج.. وأنت ركز مع ريناد طالما تممت الجوازة..

هتف يزيد بغضب:

ـ أنا مش هطلق علياء.

ـ وأنا ما قولتش تطلقها.. أنا بقول تبعد.. وتعطوا نفسكوا فرصة.. أنتوا التلاتة.. لأن الوضع كده استحالة يستقيم.. شوف.. أنا هفتح فرع جديد للشركة في دبي.. وبعد تفكير.. قررت أنك تسافر تباشر تأسيس الفرع من البداية..

ـ أيوه يا بابا.. بس..

ـ ما فيش بس.. ده حل كويس.. مؤقت على الأقل.. البنت وراها كلية لازم تشوف مستقبلها.. وأنت عندك زوجة ظلمتها في طريقك.. وده أفضل حل قدرت أتوصل له...

حاول يزيد مناقشة والده:

ـ أنا مش همنعها من كليتها.. وهعطيها كل الوقت اللي محتاجاه.. و..

قاطعه والده:

ـ أنت روحت لها المزرعة كام مرة بعد كتب كتابكوا؟..

احتقن وجه يزيد وأخفض عينيه حرجاً.. فأكمل والده:

ـ ده قصدي.. أنت مش سايب لها فرصة أنها تتحكم في مشاعرها وتفكر في حياتها.. وأنت كمان محتاج أنك تهتم بريناد أكتر.. مش لازم تكرر مآساة قديمة..

رفع يزيد عينيه لوالده.. فتبادلا نظرات متفهمة لثوانٍ.. أجاب يزيد بعدها:

ـ هفكر يا بابا.. أوعدك هفكر كويس.. عن إذنك...

*************

أراحت علياء رأسها على للخلف وأغمضت عينيها لتسترخي على فراشها قليلاً.. فالليلة سيعود يزيد من سفره.. صححت لنفسها وهي تبتسم بمرارة

"هيرجع من شهر العسل"..

سقطت دمعة على وجنتها تلتها أخرى وأخرى.. فهي أخيراً سمحت لنفسها بالتفكير به.. وبزواجه.. وسفره.. واتصالاته التي لا تنقطع ولكنها ترفض الاجابة عليه.. أو بمعنى أدق.. نيرة أجبرتها على رفض مكالماته بعدما سرقت منها هاتفها خفية.. ولم تمانع علياء كثيراً.. فهي مدركة لضعفها الشديد نحوه.. ولن تحتمل أن تكون معه على الهاتف بينما ريناد بجواره فعلياً.. مدركة هي لمشاعر الغيرة التي تعصف بكيانها.. والتي تصور لها مشاهد ولقطات حية ليزيد مع ريناد.. تلك المشاعر التي تدفعها للبكاء كل ليلة حتى تسقط في نوم مرهق مليء بصور له معها هي.. صور تعذبها وتطحن مشاعرها بقسوة.. فتستيقظ باكية ضعفها وحبها وقلبها الأحمق الذي ينتفض لكلمة منه.. ولولا انشغالها مع نيرة الفترة الماضية لجنت شوقاً له وغيرة عليه..

اليوم فقط أعادت نيرة لها الهاتف لتفاجئ بكم المكالمات والرسائل التي أرسلها لها..

ابتسمت بهيام وهي تقرأ رسائله التي تشي بمدى افتقاده واشتياقه لها.. ثم ما لبثت أن قطبت حاجبيها بغضب.. هل معنى هذا أنه سيفتقد ريناد عندما يتواجد معها هي؟..

داعبت أناملها الدمعة الماسية المعلقة بعنقها.. وتذكرت جنون يزيد بها لتهمس لها برقة..

"يا ترى وحشك زي ما وحشني.. وحشتني ابتسامته.. وضحكته وحشني حبه.. وقلبه وجنانه.. حتى الشيزوفيرنيا بتاعته وحشتني!"..

ضحكت في صمت وهي تسترجع كلمات نيرة لها قبل أن تقلها إلى المزرعة..

"البسي يا علياء وظبطي نفسك.. احنا اشترينا هدوم كتير حلوة اليومين اللي فاتوا.. احرقي مشاعره وولعيها.. وما تخليهوش يطول منك حاجة.. لوعيه شوية خليه يحس بقيمتك"..

هزت رأسها في يأس, وهي تعلم صعوبة اتباع نصيحة صديقتها.. فكيف تستطيع إلهاب مشاعره بينما مشاعرها هي تغلي في انتظار رؤيته من جديد..

نهضت من فراشها ببطء وأخذت تتأمل ثيابها الجديدة.. وبعد طول تفكير سحبت إحدى الغلالات الناعمة لترتديها, ووقفت تتأمل صورتها المنعكسة في المرآة بذهول.. فأمامها كانت امرأة مغرية ترتدي غلالة شفافة بلون السماء, ذات فتحة صدر واسعة وظهر عاري تماماً.. غطته خصلاتها السوداء الطويلة.. بينما اتسعت عيناها بخوف وهي تحدث نفسها بحنق..

"معقولة!.. ألبس حاجة زي دي؟!.. ده حتى قلته أحسن!"..

وعلى الفور بدلت ثوب النوم المغري بمنامة قطنية قصيرة بيضاء اللون ذات حمالات رفيعة على الكتفيين ومطبوع عليها صورة كبيرة لتويتي.. استعرضت نفسها مرة أخرى في المرآة.. وهي تحدث نفسها..

"ايوه كده.. دي علياء اللي أنا عارفاها"..

عادت تستلقي على فراشها وهي تتساءل إذا كانت ستراه الليلة.. فما أن علمت بموعد عودته حتى أصرت على ترك فيلا نيرة والعودة إلى المزرعة..

هاجس خبيث تملكها لتعلم مدى لهفته لرؤيتها.. هل سيأتي للمزرعة على الفور أم سيرابط جوار زوجته الأخرى.. وإذا أتى كيف تستقبله؟.. هل تعبر عن شوق أم غضب؟.. احتضنت دمية محشوة على شكل تويتي وتاهت في وسط أفكارها لتسقط في نومٍ عميق فلم تشعر بسيارة يزيد عند وصوله وصعوده الدرج الداخلي بسرعة.. ليصل إلى غرفتها فيفتح الباب بهدوء.. يريد مفاجأتها.. ليفاجئ هو بها مستغرقة في نوم عميق.. تساءل للحظات إذا كان والده محق.. ويجب عليه الابتعاد عنها ليترك مشاعرها لتنضج قليلاً..

ولكن متى استمع يزيد لصوت العقل!!..

تحرك ببطء ليندس بجوارها في الفراش متذمراً من صغر حجمه.. ألصق ظهرها بصدره الضخم ليضم جسدها بين ذراعيه متغلباً على حجم الفراش الطفولي.. همس بأذنها لتستيقظ ولكنها تململت بإنزعاج ولم تفتح عينيها.. إزاح خصلاتها برقة ليكشف جانب عنقها لاثماً إياه ببطء ممتع وهو يهمس مرة أخرى:

ـ عمري ما شفت فراشة نومها تقيل كده!..

عادت تتململ مرة أخرى وهو لم يرحم نعاسها.. وظل يطبع قبلاته على طول عنقها باحثاً بشفتيه عن ماسته الدامعة.. وأخيراً وصلت شفتيه لمبتغاها فعانق الماسة الصغيرة بشفتيه وهو يهمس مرة أخرى:

ـ علياء..

شعر بها تتحرك بين ذراعيه.. فرفع رأسه لتواجهه عينيها.. وقد تحولت زرقة السماء بهما إلى لون منتصف الليل.. رمشت عدة مرات كأنها تتأكد من حقيقة وجوده بجوارها.. وابتلعت ريقها بارتباك وهي تهمس بضعف:

ـ حمد لله على السلا..

لم يدعها تكمل كلماتها فضاعت بين شفتيه وهو يتناولهما بشوق هامساً:

ـ دوختيني.. روحتلك عند نيرة ما لقتكيش..

همست بدورها:

ـ أنا.. قلت استناك هنا أحسن..

طبع قبلة خفيفة على شفتيها:

ـ ذكية..

عاد يقبلها من جديد ويديه تتحسسان جسدها بحميمية بدأت تعتادها منه ولكن يده اصطدمت بدمية تويتي.. فرفعها بيده في ذهول:

ـ إيه ده؟..

أجابته ببراءة:

ـ ده تويتي.. بتاعي..

رفع أحد حاجبيه بتعجب وأمسك بالدمية ليلقي بها بعيداً.. وهو يهمس بتملك:

ـ ما حدش ينام في سريرك غيري..

رمقته بذهول وقبل أن ترد عليه كان قد لمح الرسمة على منامتها.. وفي ثوانٍ كان صوت تمزيق الحمالات الرفيعة يدوي بالغرفة.. لتلحق المنامة بالدمية الصغيرة.. فلا شيء يشارك يزيد فراش زوجته.. لاشيء على الاطلاق..

*****

لمسات خفيفة شعرت بها تتنقل على عينيها ووجنتيها وشفتيها لتعود إلى عينيها مرة أخرى.. ففتحتهما لتجد يزيد يبتسم لها مشاكساً:

ـ بقى لي ربع ساعة باصحي فيكِ..

تململت علياء بين ذراعيه ولكنه لم يسمح لها بالابتعاد عنه فابتسمت بخجل وهي ترمش بعيونها عدة مرات وتضغط بكفيها على كتفي يزيد هامسة:

ـ أنت حقيقي!..

داعب أنفها بأنفه وهو يهمس له بعتاب مصطنع:

ـ أكيد الليلة اللي فاتت ما كانتش حلم..

ابتسمت بخجل ولم تجبه.. فهي لا تستطيع إخباره عدد المرات التي استيقظت بها وهي تحلم أنها بين ذراعيه.. لتدرك أنه حلم.. سراب.. كذبة تعيشها في خيالها بينما هو.. هو كان يقضي شهر عسله مع أخرى..

انقبضت ملامح وجهها عندما مر ذلك الخاطر بذهنها.. وظهرت في عينيها دموع حبيسة.. حاولت كبحها ولكنها هزمتها لتتساقط من بين أجفانها التي كان يقبلها منذ قليل.. وهمست لنفسها:

ـ غبية..

قطب حاجبيه وهو يكرر:

ـ غبية!!.. ليه يا علياء؟..

حركت وجهها لتبعده عن مرمى نظراته وحاولت التملص من بين ذراعيه.. إلا أنه منعها بقوة وهو يكرر:

ـ ليه يا علياء؟.. غبية ليه؟..

رفعت عينيها لتصدم بوجه قريب جداً منها وعينيه بها نظرات قلق عاصفة.. وقد قطب حاجبيه بشدة.. وكرر:

ـ ليه؟!

وجدت نفسها تتكلم بعفوية وكأنها تتحدث مع نيرة:

ـ أنا أول ما شوفتك نسيت ألمي وزعلي ودموعي والجرح اللي جوايا منك.. كل الكلام والعتاب والغضب اللي جوايا دابوا في لحظة.. أول ما شوفتك ما فكرتش غير أني اترمي في حضنك واتأكد أنك حقيقي جنبي.. أنا حاسة أني بضيع من نفسي.. ماعدتش فاهمة حاجة ولا عارفة الصح فين.. أنا غبية.. غبية.. رخصت نفسي..

أحنى رأسه قليلاً ليحرك شفتيه أمام شفتيها بدون أن يمسهما:

ـ هشششش.. اوعي تقولي الكلمة دي.. أنتِ غالية قوي.. قوي يا علياء..

أبعدت وجهها عنه ودموعها مازالت تتساقط وهمست:

ـ غلاوة عشيقة!..

شتم بصمت.. لقد كان على حق عندما طلب من مازن أن يبعدها عن دنيا.. فلابد أنها ثرثرت أمامها بأفكارها المجنونة.. لتطبقها الحمقاء على حياتهما معاً..

لف وجهها نحوه هامساً:

ـ أنجح زوجة اللي ما تخجلش أنها تكون عشيقة لجوزها..

سألته بتوجس:

ـ وبيحترمها؟..

ـ أكيد.. لو ما احترمهاش يبقى مش هيحترم نفسه..

رمقته للحظات طويلة بنظرات متسائلة حائرة.. ثم أبعدت وجهها عنه وهي تتملص من بين ذراعيه:

ـ سيبيني أقوم يا يزيد..

أطلقها من أسر ذراعيه فنهضت ببطء لتذهب إلى الحمام.. وقبل أن تغلق الباب خلفها سألته بألم:

ـ لما هي غالية وهو بيحترمها أومال ليه بيحتاج غيرها؟..

ترك رأسه لتسقط على الوسادة وهو يفكر في كلماتها.. حوارهما معاً.. برائتها.. عفويتها معه.. تحادثه كأنه صديق.. همس بداخله يكمل جملته لها..

"أنجح زوجة هي اللي ما تخجلش تكون عشيقة لزوجها.. وبعفويتها وبرائتها تكون له كمان صديقة"..

جالت عينيه في غرفتها.. غرفتها الوردية.. فكل ما يحيط به وردي.. عرائس ودمى محشوة وردية.. وذلك التويتي.. لم يرَ تويتي وردي من قبل.. حتى غطاء الفراش الذي يتدثر به.. كان وردي اللون.. غرفة غاية في الطفولية والبراءة..

براءة سلبت منها في لحظة لتدخل عالم الكبار.. عالم لا تعرف قواعده.. ولا قوانينه.. يشعر بها حائرة ومشتتة.. تحواره كناضجة.. ولكن بداخلها طفلة تائهة.. يبدو أن والده كان على حق.. يجب عليه أن يمنحها بعض الوقت لتنضج وتستقر.. سيبتعد قليلاً.. قليلاً فقط.. ويعود ثانية.. فقط يجب أن يخبرها بسفره إلى دبي..

*************

فوجئت منى بدخول حسن إلى المنزل في وقت مبكر جداً عن موعده وهو يحمل عدة أكياس بين يديه.. أخذت تتابع تحركاته وهو يتجه إلى المطبخ.. لتسمع بعدها عدة أصوات وضوضاء عالية.. أطباق تتصادم ببعضها.. وأكواب تتهشم.. ثم صوت مياه جارية مختلط بسباب محتشم.. أخيراً ظهر حسن وعلى وجهه معالم انتصار.. وفي يده كوب به سائل أحمر اللون..

وضعه أمامها بفخر قائلاً:

ـ عصير الفراولة اللي بتحبيه..

رمقته في تساؤل عن حقيقة الأمر.. فهو ذهب إلى عمله صباحاً وهو ما زال غاضباً منها.. فما الذي حدث في ساعتين ليغير رأيه.. سمعته يجيب على الأسئلة التي لم تطرحها:

ـ هدنة؟..

أومأت موافقة فهي تريد أن تعلم ماذا به.. ولماذا أتى من عمله مبكراً.. رفع الكوب ومده نحوها.. فأخذته منه على الفور.. وسألته بتوجس:

ـ جيت بدري ليه يا حسن؟..

أغمض عينيه بألم.. ومرت في ذهنه مواجهته الأخيرة مع أبيه منذ دقائق.. حين اقتحم مكتب أبيه ليخبره صراحة رأيه فيما يقوم به نحوه من تصرفات متعسفة.. كان آخرها فقده لعمله.. حيث استغنى صاحب المكتب عن خدماته.. وأخبره صراحة.. أنه لن يجد بعد الآن من يقبل بتوظيفه حتى يسوي أموره مع والده... وإذا أراد أن يعمل بعيداً عن نفوذ والده, فليختر عملاً بعيداً عن تخصصه كمهندس ناجح.. ويبحث عما يسد به رمقه.. وإلا فليخضع لما يريده والده أياً كان ذلك..

اقتربت منى منه بتردد وهي تستشعر بألمه الداخلي.. وما يكتمه داخل صدره..

ربتت على كتفه بحنان:

ـ في إيه يا حسن؟.. هتخبي عليّ؟..

أحنى رأسه أرضاً.. وأجابها متردداً:

ـ منى.. أنا..

سكت ولم يتكلم فحثته ليكمل:

ـ أنت إيه؟..

ابتلع ريقه بصعوبة:

ـ أنا عايز أقولك على حاجة.. قرار أخدته.. وبتمنى تساعدني فيه.. ويا ريت اللي هعمله ده ما ينزلنيش من نظرك..


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close