رواية متاهة مشاعر الفصل الرابع عشر 14 بقلم نهي طلبة
الفصل الرابع عشر
وقف مازن وقد فرج ساقيه وكتف ذراعيه على صدره تشع من حوله طاقة من الغضب تعكسها عيناه بوضوح وهو يتأمل دنيا التي جلست على أحد المقاعد وقد شبكت أناملها, تهز ساقها بلامبالاة وقد وضعتها فوق الأخرى فانكمش طول التنورة القصيرة من الأساس فكانت تصل بالكاد إلى منتصف فخذها...
قطعت دنيا حلقة الصمت وسألته بهدوء بارد:
ـ هتفضل ساكت كده كتير؟
خرج صوته يضج بغضب مكتوم:
ـ بحاول أفهم إيه اللي حصل النهارده ده؟..
نهضت بغتة من جلستها وواجهته بغضب مماثل:
ـ أوعى عقلك يوديك لحتة غلط.. أنت عارفني كويس.. وعارف أنه مش أنا اللي أعمل كده..
فك ذراعيه ولم يرد بأي شيء بينما أظهرت عيناه غضب مشتعل.. فرفعت دنيا سبابتها ووكزته بها في صدره عدة مرات وهي تهتف به:
ـ علاقتك بها ما تهمنيش في حاجة.. وبكررها تاني أنا ما اعملش كده.. لو كنت من النوع ده صدقني كانت حاجات كتير اتغيرت وأنت عارف كده..
فك ذراعيه وقلل من تحفزه قليلاً وقد شعر بالندم لأنه جدد جراحها من جديد:
ـ أنا آسف يا دنيا.. بس لازم أفهم.. إزاي أنتِ ونيرة اتقابلتوا وليه؟
ـ نيرة هي اللي اتصلت بيا وحددت الميعاد.. عايزاني أصمم لها فستان الفرح
ـ هه..
قالها بسخرية مستفزة جعلت درجات غضبها ترتفع للسماء فهتفت به:
ـ أظن أني ما كدبتش عليك ولا مرة طول السنتين اللي فاتوا.. ومش هاجي أعملها النهارده.. وأكيد برضوه هي قالت لك هي كانت معايا ليه.. ولا إيه؟
هدأ غضبه قليلاً وهو يتذكر ثرثرة نيرة في السيارة عن المُصممة التي على وشك دخول أبواب العالمية وعن اتفاقها معها لتصمم ثوب زفافها.. كانت كلماتها تتبخر فوق مراجل غضبه من دنيا فلم يركز في حديثهما إلا قليلاً..
عاد صوت دنيا يهتف به:
ـ أنت روحت فين؟.. مازن.. أنت لسه مش مصدقني؟..
غمغم بتعجب:
ـ وإيه اللي يخلي نيرة اللي بتطلب هدومها مخصوص من باريس, تطلب منك تصميم فستانها!
كتفت ذراعيها وهي تجيبه ساخرة:
ـ ميرسي على المجاملة!
مسح وجهه بكفيه وهو يعتذر ثانية:
ـ أنا آسف.. ما اقصدش..
قاطعته بإشارة من يدها:
ـ بص يا مازن.. أنا هوضح الموضوع عشان مش عايزة أي سوء تفاهم بينا.. نيرة اتصلت بيا الصبح وطلبت تقابلني.. حددت لها ميعاد بعد أسبوع أكون رجعت من سفرية لبنان.. لكن هي أصرت على مقابلة فورية.. وأظنك عارف قد إيه خطيبتك ممكن تكون مقنعة..
لوى شفتيه ببسمة ساخرة بينما أكملت هي:
ـ حددنا الميعاد في النادي لأني مش هقدر أروح الأتيليه النهارده.. وآه.. هي سمعت عن العرض الأخير بتاعي في لبنان وأنت فاكر طبعاً سمَع إزاي.. وكمان في كذا ممثلة مشهورة لبست تصميماتي في المهرجان الأخير.. اسم دنيا الموجي مش أقل من أي مصمم معروف, ومش هسمحلك أنك تقلل من شغلي تاني..
سألها مستفهماً:
ـ طيب ليه وافقتِ تقابليها؟.. طالما عرفتِ هي مين, إيه لازمة المشاكل؟..
أشارت له بسبابتها موضحة:
ـ هي اتصلت بي عشان شغل.. شغلي خط أحمر.. ما فيش أي علاقات هتأثر على شغلي.. أظن أن ده كان ضمن اتفاقنا..
ـ يعني هتصممي لها الفستان؟..
ـ أكيد..
هز رأسه بصمت فهو يعرف كم هي عنيدة ولا تتراجع عن قراراتها وخاصة أن كانت تتعلق بعملها.. أجلى صوته وهو يسألها بتردد:
ـ وطلبت فستان شكله إيه؟
ابتسمت وهي تخبره:
ـ عايزه فستان تبهر بيه عريسها.. وما تحاولش تعرف تفاصيل أكتر..
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة:
ـ كل اللي هطلبه أن موقف زي بتاع النهارده ما يتكررش تاني.. ممكن؟
هزت رأسها موافقة:
ـ أكيد يا مازن.. صدقني لو كنت أعرف أنك هتقابلها في النادي كنت غيرت مكان المقابلة..
ـ بس ما كنتيش هتبلغيني, صح؟..
أومأت موافقة وهي تلقي بحذائها العالي الكعبين بعيداً.. وتخلع سترة بذلتها لتظهر بلوزة ضيقة بلا كمين حددت معالم فتنتها بدقة وامتدت يدها لتحرر خصلات شعرها الطويل فانسدل كشلال أسود وصل لما بعد خصرها.. وتحركت نحوه بحركات مدروسة حتى اقتربت منه فأمسكت ذقنه بأناملها وهي تهمس:
ـ تؤ.. زي ما قلت شغلي منفصل عننا.. تمام يا حبي..
ورفعت نفسها حتى وصلت لشفتيه فقبلته بشغف.. وهمست له بصوت أجش:
ـ بس طالما إحنا هنا دلوقتِ.. ممكن أسمح لك تقنعني أني أقولك هقابلها تاني امتى؟..
لف خصرها بذراعه وهو يطبع قبلة خفيفة على وجنتها:
ـ مش فاضي دلوقتِ يا دنيا.. أنا متأخر على اجتماع مجلس الإدارة..
لم تسمح له بالابتعاد ولفت ذراعيها حول عنقه:
ـ مازن.. أنا مسافرة الليلة.. و..
قطع كلماتها جرس هاتفه.. فأبعدها قليلاً:
ـ شوفتي.. ده أكيد حاتم بيه.. عايز يخرب بيتي و..
توسعت عيناه وهو يرمق شاشة الهاتف:
ـ نيرة!..
لم يجب على الهاتف حتى سكت الرنين.. فسألته دينا بفضول:
ـ ما ردتش عليها ليه؟..
منحها نظرة لتصمت ولكنها لم تهتم.. وأكملت:
ـ ممكن تدخل تكلمها من جوه.. ولا أقولك أنا اللي هدخل عشان تكون براحتك.
تعالى صوت هاتفه مرة أخرى.. وقبل أن يغلقه.. أسرعت دنيا وأوقفته بغمزة من عينها:
ـ التقل صنعة يا بشمهندس.. بس بلاش تزودها.. رد على التليفون براحتك..
فتح مازن الخط ليجد صوت نيرة في أقصى حالات اضطرابه.. فهتف بها بقلق:
ـ في إيه يا نيرة؟.. اهدي بس وفهميني..
سكت قليلاً ليستمع إلى نبرتها المضطربة ثم طمئنها بهدوء:
ـ طيب.. خلاص.. ربع ساعة وهكون عندك..
رفع عينيه إلى دنيا فوجدها تبتسم بغموض ثم توجهت نحوه وطبعت قبلة خفيفة على وجنته:
ـ هسلم عليك بقى دلوقتِ لأن طيارتي كمان أربع ساعات.. أشوف وشك بخير..
أحاط خصرها بذراعه وهو يقبلها مودعاً:
ـ أشوف وشك بخير يا دنيا.. أول ما توصلي طمنيني..
أومأت برأسها موافقة وخرج هو ليلحق بموعده مع نيرة.. بينما ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيّ دنيا وهي تغمغم:
ـ يا بختها بيك يا مازن.. يا ريت بس ما تكسرش قلبك..
فقد كان يتردد في رأسها باقي جملة نيرة والتي لم تخبره بها..
"عايزة فستان أبهر بي خطيبي.. وأقهر بي خطيبي الأولاني ويندم ألف مرة على أنه فرط فيا"..
************
كان حسن يعمل على إنهاء بعض الرتوش النهائية بإحدى التصميمات التي كلفه بها صاحب المكتب الهندسي عندما جاءته منى بكوب من الشاي وبعض قطع الكيك, ووقفت بجواره وهي تداعب خصلات شعره وتهمس:
ـ حسن.. أنت لسه زعلان؟..
أخفض رأسه فوق لوحته وهو يكتم ابتسامته.. فهي تحاول مراضاته منذ ساعات وهو مستمر في التظاهر بالغضب.. فقط حتى يستمتع بدلالها له..
لفت ذراعها حول كتفه وهي تقترب منه أكثر وتهمس:
ـ أنا مش فاهمة بس مين اللي يزعل من التاني!!.. يعني بعد ما أجهز لك الغدا.. تغضب وتسيب الأكل وكمان مش عايز تكلمني ولا ترد عليّ..
ظل صامتاً ولم تسمع منه أي رد.. فسحبت ذراعها بهدوء وأولته ظهرها وهي تغمغم بحنق:
ـ براحتك.. أنا في الصالة لو..
وقبل أن تكمل كلامها وجدت نفسها تسحب للخلف بسرعة فشهقت بخوف وحسن يرفعها ليحشرها بين جسده ولوحة التصميم.. وهو يخبرها بضحكة مكتومة:
ـ بقى بذمتك الشيء اللي كان في الأطباق ده اسمه غدا؟!..
أخفضت رأسها وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تخبره بصبر:
ـ يا حبيبي.. دي اسمها بصارة.. وبعدين دي طعمها حلو جداً.. ومفيدة كمان.. أنت قمت وسبت الأكل حتى من غير ما تدوقها!..
جلس حسن من جديد على مقعده وأوقفها بين ساقيه وهو يسألها بتردد:
ـ يعني الشيء الأخضر اللزج ده طعم كويس معقولة؟!.. طيب بتتعمل من إيه البتاعة دي..
ـ من الفول.. و..
قاطعها قبل أن تكمل:
ـ فول!!.. فول تاني!.. هيبقى فول في الفطار والغدا كمان.. ما هو البصارة من الفول والفول من البصارة يا مسعودي..
وكزته في كتفه وهتفت بحنق:
ـ بقى كده يا حسن بتتريق عليّ.. طيب أنا بجد بقى زعلانة.. و..
ضاعت باقي كلماتها بين شفتيه وهو يهمس:
ـ زعلانة يبقى لازم أصالحك.. دي المصالحة هي أحلى حاجة في الزعل..
وضعت رأسها على كتفه وهي تبتسم:
ـ أنت مش هتتكلم جد أبداً..
ـ لا يا ستي هنتكلم جد.. أنتِ تدخلي تغيري هدومك وأنا هعزمك على أحلى عشا.. بدل الغدا النص كم بتاعك..
ابتلعت منى سخريته من الطعام البسيط بدون أن تعلق عليها.. فهي تحاول معه تدريجياً حتى يكف عن بعثرة الأموال خاصة وأن راتبه مع العمل الإضافي الذي يقوم به بالكاد يكفي تكاليف الطعام.. ولولا أن جدته دفعت ايجار الشقة لهذا الشهر لأصبحا في أزمة بالفعل, وهو مُصر بعناد شديد على ألا يسمح لها بالعمل.. ولكنها لم تكف عن التفكير في حل لمشكلتهما.. وأخيراً وجدت حلاً معقولاً ولكنها لا تعرف كيف ستكون ردة فعل حسن عليه.. فكرت قليلاً ثم همست بأذنه:
ـ طيب أنا عندي اقتراح تاني.. هعملك عشا أحلى ألف مرة من بتاع بره وهنسهر سوا هنا لأني عايزاك في موضوع مهم..
غمزها بشقاوة:
ـ تصدقي وأنا عايزك برضوه في نفس الموضوع ده..
انفجرت بالضحك وهي تتملص من بين يديه:
ـ أشك أنه نفس الموضوع.. على العموم خلص شغلك هيكون العشا جاهز..
وبالفعل أعدت له عشاء شهي مضحية بما كانت تنوي طهوه لغذاء اليوم التالي.. لكنها كانت ترغب في إرضائه حتى يستمع إليها بهدوء ودون غضب..
وبالفعل كان في مزاجاً رائقاً بعد أن تناولا العشاء.. رقصا معاً وهما يستعيدا ذكريات شهر العسل.. وحينما قاربت الموسيقى على الانتهاء, شعرت منى أن حسن على وشك حملها إلى غرفتهما ليلقنها أحد دروسه اللذيذة.. ابتعدت عنه قليلاً وهي تسحبه إلى الأريكة ليجلسا معاً واضعة رأسها على صدره وهي تداعبه بلطف:
ـ حسن.. عايزة أقولك على حاجة..
أجابها بهمس رائق:
ـ قولي يا حبيبة حسن..
شجعها مزاجه على الكلام فتحدثت بسرعة:
ـ حسن.. أنا فكرت في مكان نعيش فيه.. ما فيش داعي للشقة دي.. وخاصة أنه إيجارها عالي قوي.. وأنت قلت إنك مش هتقبل فلوس تاني من جدتك..
اعتدل حسن في جلسته وهو يسألها بجدية:
ـ مكان إيه اللي فكرتِ فيه يا منى؟.. إوعي تكوني فكرتِ أننا نروح نعيش عند باباكِ.. ده مستحيل..
ابتلعت منى ريقها فهي تعلم صعوبة ما ستقترحه على نفسه:
ـ حسن.. أوعدني أنك هتسمعني للآخر.. وهتفكر كويس في اقتراحي..
هز رأسه بحيرة ولكنه أجابها:
ـ أوعدك يا منى..
ـ شوف يا سيدي.. في فوق السطح في البيت عند بابا أوضتين مقفولين.. ما فيش حد بيستعملهم.. أنا أما كنت عندهم آخر مرة طلعت وبصيت عليهم.. لقيتهم محتاجين شغل بسيط.. ووهيكونوا مناسبين..
قاطعها حسن:
ـ مناسبين لإيه يا منى؟..
ـ حسن.. اسمعني للآخر.. إحنا لازم ندبر نفسنا وإلا هيجي الشهر الجديد واحنا مش معانا إيجار الشقة دي.. مش عيب ولا حرام لو قعدنا في أوضة فوق السطوح.. أنت دايماً كنت بتقول المهم نكون سوا.. وعشان ده يتحقق لازم نضحي.. أنا عارفة أنك ضحيت كتير وخسرت كتير.. بس معلش يا حسن هنضغط على نفسنا فترة لحد ما الأمور تهدى وتقدر ترجع لشغلك أو على الأقل تمسك شغل مناسب.. أرجوك فكر يا حسن.. أنا مش فارق معايا أني أعيش في فيلا.. أو شقة فخمة أو فوق سطوح..
بدا الإمتعاض الشديد على وجه حسن وهو يتصور حياته في غرفة فوق سطح منزل بحي شعبي.. وقرأت منى بوضوح امتعاضه هذا ولكنها لم تيأس..
فاقتربت منه وهي تضع بصوتها كل ما تملكه من دلال وغنج:
ـ عشان خاطري يا حسن.. عشان خاطري.. تيجي معايا نشوفها بس.. وبعدين تقول رأيك..
لم يجد حسن بداً من الموافقة على رجائها الحار وهو يعتصر عقله بقوة بحثاً عن حل.. عن مكان مناسب ليقيم به هو وزوجته.. بدون أن يرضخ لتهديد والده المستمر.. أو لاغرائاته المستترة.. والتي بدأت اليوم بالذات بعرض مبتذل حمله صاحب المكتب الذي يعمل به.. بموافقة والده على حل وسط.. وهو عودته إلى عمله القديم.. على أن يجعل زواجه من منى زواجاً سرياً..
سمع صوتها المتوسل:
ـ حسن..
ضمها إلى صدره وهو يدفن وجهه بخصلات شعرها:
ـ ماشي يا منى.. هاجي معاكِ بكره نشوف السطوح.. أنا عندي كام منى..
********
خيم الصمت التام على سيارة مازن الذي وضع كل تركيزه في القيادة بينما أخذت نيرة تتلاعب بقماش ثوبها ذو الأوان المتعددة والذي أجبرها مازن على ارتدائه في بداية السهرة.. رمقته بغيظ وهي تتذكر سعادتها وهي تتهادى بثوب سهرة من قماش الشيفون الأبيض له فتحة صدر مربعة.. وقد التصق قماشه بصدرها ثم تهدلت طبقاته حتى نهاية ساقيها.. مع كمين طويلين يكاد يصل طولهما لطول الفستان الأساسي.. كانت تبدو كحورية ملائكية.. ابتسمت بخبث.. بل كانت تبدو كعروس..
خطت عدة خطوات حتى وصلت إلى مازن الذي كان يجلس على الأرجوحة بالشرفة ويوليها ظهره كعادته.. كانت تغضب من حركته تلك في البداية.. إلا أن غضبها قد تحول سريعاً إلى لهفة لترى تلك النظرة بعينيه في كل مرة يلتفت بها نحوها وعيناه تكاد تحتوي ملامحها بنظرة شوق ولهفة.. إلا أنه تلك المرة.. لم يلتفت نحوها.. بل أخبرها بهدوء:
ـ اطلعي غيري الفستان يا نيرة..
هتفت بدهشة:
ـ أغيره!.. ليه؟.. أنت حتى ما شوفتوش.. والله مقفول ومش قصير..
شعرت به يبتسم رغم أنها لم ترى وجهه ولكنها سمعته يسألها بهدوء:
ـ بس أبيض صح؟
ضربت قدمها بالأرض غضباً وهي تهتف بحنق:
ـ عرفت إزاي؟
هز رأسه وقد ظهرت ضحكته تلك المرة:
ـ اطلعي غيريه يا نيرة.. وبلاش تلبسي واحد فضي.. الليلة فرح ريناد.. وهي العروسة..
هتفت بعناد:
ـ مش هغيره..
هز كتفيه وهو مازال يوليها ظهره:
ـ يبقى مش هنروح الفرح..
عادت تضرب قدمها بالأرض غضباً وهي تلتفت لتصعد إلى غرفتها وتغير ثوبها الأبيض بذلك الذي ترتديه الآن والذي يضم عدة درجات من اللونين الأزرق والأحمر, ولكنها اختارته تلك المرة عاري الصدر والذراعين والظهر أيضاً.. وكأنها تريد أن تثبت أنها صاحبة الكلمة الأخيرة..
التفتت له وهي تتأمل ملامحه عاجزة عن تفسير مشاعرها نحوه.. لا تنكر وسامته الواضحة.. فهي كانت تراه وسيماً دائماً.. لكن ما يجذبها نحوه ليست تلك الوسامة.. تشعر أنه مثل اللهب.. وهي ترى نفسها لأول مرة كالفراشة التي تنجذب بدون تفكير نحو شعلة قد تكون سبباً في هلاكها.. ولكن كيف؟.. كيف وهو يمتلك تلك القدرة الغير معقولة على فهمها.. واحتوائها أيضاً.. فلم تنسى يوم اتصلت به وهي في أقصى حالات الاضطراب لظنها بأن دعوة أبيها لفريدة لتناول الغذاء ما هي إلا مقدمة لعودتها الدائمة إلى حياتهم جميعاً.. ولم تهدأ إلا بعد أن أقنعها مازن بالجلوس مع ضيفتها على مائدة الغذاء والقيام بواجبات الضيافة كما يفترض بها كسيدة صغيرة لبيت والدها.. ورضخت نيرة لطلبه بنزق بعدما وعدها بأن يتواجد معها في تلك الجلسة.. والتي أدركت بعدها.. أن فريدة لن تعود لتصبح جزء من أسرتها ثانية.. رغم استشعارها بغريزتها الأنثوية.. أن فريدة مازالت غارقة في حب والدها.. إلا أنها كما بدا واضحاً.. قد قررت أن تتجاوز تلك المشاعر أو على أفضل تقدير.. تتجاهلها.
أخرجها من ذكرياتها توقف السيارة.. فسألت مازن بقلق:
ـ هي العربية عطلت ولا إيه؟.. إحنا لسه ما وصلناش المزرعة؟..
التفت لها وهو يجيبها بهدوء:
ـ المزرعة قريبة قوي.. والعربية سليمة.. بس أنا حبيت أقولك ما فيش داعي تحكي لعليا على أي حاجة شوفتيها في الفرح.. يعني الكلام بتاع البنات ده..
ضغطت على أسنانها بغضب:
ـ هو أنت شايفني معدومة الإحساس للدرجة دي!
ـ ما اقصدش يا نيرة.. بس ممكن الكلام ياخدكوا وتحكي من غير ما تقصدي.. وممكن هي كمان تسأل..
ـ اطمن.. أنا فاهمة كويس.. وعليا مش هتسأل هي أكيد مموتة نفسها عياط دلوقتِ..
أومأ موافقاً وهو يهمس:
ـ مسكينة..
سألته بغضب:
ـ إيه صعبانة عليك قوي؟..
تأملها لثوانِ ولم يتمالك نفسه من سؤالها:
ـ معقولة.. دي غيرة؟..
تجمدت بالكامل عندما سمعت سؤاله.. غيرة!.. معقول نيرة تغار؟.. تغار عليه؟.. رمشت عينيها بسرعة وهي تحاول.. فهم ما يدور بأعماقها.. ولكنها
لم تجد سوى فوضى مشاعر لم تفهمها.. وقررت ألا تحاول فهمها الآن على الأقل.. فقررت تغيير الموضوع..
فسألته:
ـ أنت اتضايقت من الكلام اللي قلته ليزيد وريناد؟..
أدرك أنها تتهرب من سؤاله.. ولكنه مررها تلك المرة وهو يبتسم ساخراً.. متذكراً ملامح يزيد ونيرة تلقي بقنبلتها فوق رأسه قائلة..
"ألف مبروك يا ريناد.. الفستان تحفة.. بسيط ومش مبهرج.. لايق عليكِ جداً.. أنا آسفة كان نفسي اقعد لآخر الحفلة.. بس عليا لوحدها الليلة.. وأكيد حالتها النفسية صعبة.. لازم أروح لها اهون عليها شوية"...
والتفتت إلى يزيد بنظرة صاعقة..
"مبروك للمرة التانية يا عريس"
عاد مازن إلى جميلته الجالسة بجواره وهو غير قادر على كتم ضحكاته التي تعالت وهو يتخيل الليلة العظيمة التي ينتظرها يزيد..
تأملته ضحكاته فابتسمت بدورها قائلة:
ـ يعني مش متضايق.. أنا عملت كده عشان خاطر عليا..
رمقها بنصف عين:
ـ خاطر عليا؟!
أشاحت بوجهها بعيداً:
ـ أيوه.. اطلع بقى بالعربية.. عشان اتأخرت عليها..
تأملها للحظات ثم أدار محرك السيارة ليقلها نحو المزرعة.. لتقضي ليلتها مع علياء الغارقة في أحزانها...
***********
وصل يزيد وريناد إلى الجناح الخاص بالعروسين والذي قام بحجزه ليقضيا فيه ليلة زفافهما قبل أن ينطلقا في الصباح إلى مدريد لقضاء شهر العسل كما اتفقا من قبل..
حاول يزيد أن يحملها ليدخلا إلى الجناح كما هو متبع ولكنها تخطته ودخلته بمفردها..
خطت عدة خطوات حتى توقفت في منتصف الصالة الخارجية للجناح.. عدة مقاعد تلتف حول أريكة وثيرة.. تتوسط الغرفة عربة طعام رصت فوقها عدة أطباق مغطاة يبدو أنها تحتوي على العشاء.. زجاجة من الشامبانيا توسدت دلو ملئ بقطع الثلج.. الأضواء هادئة وحسية ووريقات من الجوري الأحمر والأبيض تناثرت لتكون عدة قلوب صغيرة متناثرة على أرض الغرفة وتبدو أنها تمتد حتى غرفة النوم.. أجواء مثالية لليلة زفاف حالمة.. كما تمنت يوماً.. ولكن.. لكن ليس الليلة...
جالت عيناها في كل ركن بالجناح ماعدا المكان الذي وقف به يزيد الذي وقف يتأملها بفستان زفافها.. كانت جميلة.. مبهرة برقي خاص بها فقط.. شعرها جمعته خلف رأسها في تسريحة راقية.. وتناثرت زهيرات بيضاء صغيرة بين خصلاته.. زينة وجهها كانت بسيطة بخلاف المعروف عن زينة العروس.. فملامحها التي تميل للجمال الغربي لم تكن تحتمل الزينة الكثيفة.. لم تستخدم طرحة زفاف.. فلم تكن تتماشى مع الثوب الذي اختارته بعناية ليحدد معالم جسدها المغرية.. حيث احتضن جزئه العلوي صدرها وغطى ذراعيها بقماش التول الخفيف المطعم ببعض وردات من الدانتيل الأبيض أحاطت عنقها ونهديها بحميمية لتترك ظهر الفستان عارياً بالكامل بينما التف جزئه السفلي حول جسدها بإحكام وأحاطت خصرها بزنار ذهبي رفيع..
تصادمت نظراته -التي تظهر تأثره بالجمال الخارق الذي تجسده- مع نظراتها الباردة والتي تحمل حيرة شديدة ممزوجة بالعديد من الأسئلة والتي سببتها بالطبع جملة نيرة المقصود منها إثارة المتاعب..
قرر تجاهل هالة البرود المحيطة بها واقترب منها بهدوء طابعاً قبلة رقيقة على جبهتها تقبلتها بسكون مما شجعه أن يحيط خصرها بذراعه ليوزع قبلات صغيرة على وجهها حتى وصل لشفتيها فأخذهما في قبلة عميقة وهو يهمس في أذنها:
ـ مبروك.. يا ريناد.. يا أحلى وأرق عروسة..
تجاوبت ريناد مع قبلاته في البداية تحاول أن تجاري شغفه الواضح.. ولكن جملة نيرة عادت تدق في أذنيها كنواقيس عالية التردد.. فدفعته عنها فجأة وارتدت للخلف تحتضن نفسها بذراعيها وهي تهز رأسها برفض أصابه بالحيرة فقد كانت تتجاوب معه منذ قليل ولكنها فجأة سحبت نفسها منه وقد ظهر الرفض على كل ملمح من وجهها..
حاول أن يخطو خطوة نحوها ولكنها أوقفته بإشارة من يدها واستمرت حركة رأسها الرافضة.. فحاول طمأنتها:
ـ ما تقلقيش يا ريناد.. ما فيش داعي للخوف..
انطلق سؤالها فجأة بدون إرادة منها:
ـ جوازكوا صوري فعلاً؟
قطب يزيد حاجبيه وهو يسألها بهدوء:
ـ تفتكري ده وقت السؤال؟
تمالكت ريناد نفسها قليلاً ورفعت ذقنها بكبرياء:
ـ إيه.. عايز تعيش دور العريس؟.. يعني ما عشتوش قبل كده!
ـ ريناد.. أنا طلبت قبل كده أنك تستفسري على أي حاجة وأنتِ رفضتِ.. والليلة جاية تسألي!
ـ أنت قلت لي أنك هتجاوبني في أي وقت..
اقترب منها متجاهلاً إشارتها له بالابتعاد وأمسك كتفيها بيديه:
ـ ريناد.. الليلة فرحنا.. ليلة بينتظرها كل عريس وعروسة.. أوعدك أرد على كل أسئلتك بعدين..
نفضت يديه عنها.. وعادت تبتعد عنه من جديد وهي تتهمه بوضوح:
ـ وأنت زي كل عريس كنت منتظر ليلة فرحك؟.. بس المهم فرحك على مين فينا؟..
ـ ريناد..
عادت تهتف:
ـ صوري ولا حقيقي؟..
زفر بحنق وهو يفك ربطة عنقه ويخلع سترته ليلقي بها بعشوائية.. واتجه نحو نافذة الغرفة ليفتحها يعب من الهواء النقي.. برغم وجود التكييف البارد إلا أنه شعر بإختناق شديد..
استند بكفيه على زجاج النافذة المفتوحة وهو يسأل بدون أن يلتفت نحوها:
ـ كل ده تأثير كلمة نيرة؟
عادت تكرر وبدت كما أنها لم تسمعه:
ـ صوري ولا حقيقي؟..
أجابها بتردد:
ـ ريناد..
والتفت ليواجهها ليفاجئ بزجاجة الشامبانيا تطير بالقرب من أذنه وترتطم بالإطار المعدني للنافذة لتسقط مهشمة إلى قطع صغيرة ويسيل السائل الذهبي على قدميه..
رفع عينيه اليها بذهول.. فتلك الواقفة أمامه بخصلاتها الذهبية القصيرة.. والتي تناثرت حول وجهها ولمعت عينيها الذهبية بلمعة شيطانية لم تكن تشبه ريناد التي يعرفها بشيء.. كانت صورة لامرأة مثيرة للغاية.. ولكنها مرعبة للغاية أيضاً..
ـ ريناد..
قالها متردداً.. ولكنها ابتسمت ساخرة بمرارة:
ـ خلاص يا يزيد.. أنت جاوبت.. ويا ترى بقى الجواز مؤقت برضوه زي ما فهمتني؟
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول:
ـ أنا ما قلتش أبداً أنه مؤقت.
ـ بس ما قولتش أنه مستمر.
زفر بحنق:
ـ أنتِ سمعتِ اللي كنتِ عايزة تسمعيه.. وصدقتِ اللي كنتِ عايزة تصدقيه..
وصفق يديه ببعضهما وهو يكمل:
ـ واخترتِ اسوأ وقت عشان تواجهي الحقيقة..
هزت رأسها بغضب:
ـ لأنها ليلة الفرح اللي كنت منتظرها, صح؟..
رد بدون أن يعي ما يقوله:
ـ لأن وقت التراجع فات!
برقت عيناها بألم عاصف ووجدت شفتيها تصرخان:
ـ طلقني..
مسح وجهه بكفه وهو يشيح برأسه بعيداً:
ـ ادخلي نامي يا ريناد.. عندنا طيارة الصبح..
التفتت لتمسك إحدى المزهريات المنتشرة في الجناح لتلقي بها نحو واحدة من المرآة المعلقة على الحائط خلفه وتتناثر قطع الزجاج في كل مكان مرافقة لصرختها:
ـ طلقني بقولك.. سامعني ولا لأ!..
لم يرد عليها وحاول أن يتحرك نحوها.. ولكنها أسرعت لتلتقط مزهرية أخرى لتلقي بها نحوه تلك المرة فاضطر للانحاء حتى يتفادها.. وقبل أن يعتدل وجد وسادة طائرة ترتطم بوجهه بعنف.. وريناد ما زالت تصرخ:
ـ طلقني يا يزيد..
هتف بها بغضب:
ـ اعقلي يا ريناد.. بلاش جنان.. أنتِ عارفة إيه معنى واحدة تطلق ليلة فرحها..
اعتصرت عينيها بقوة حتى لا تتساقط دموعها أمامه وقد تغلغلت جملته بين خلايا عقلها.. فكتفت ذراعيها بقوة وهي تقول بعنف:
ـ طلقها هي..
تنهد يزيد بقوة وهو يخبرها بهدوء قاطع:
ـ لأ..
برقت عيناها بغضب شديد وهي تلتفت حولها بجنون.. لتتناول كل ما تطاله يديها وتلقي به نحوه.. أو في المكان التي كانت تظن أنه واقف به فهو تحرك بعيداً عن مرمى أهدافها الطائرة ولكن الدموع التي كانت قد بدأت تتساقط من عينيها متمردة على إرادتها أعمت عينيها وأسالت زينتها على وجهها فلم تعد ترى أي شيء حولها سوى الغضب الحارق.. استمرت بتحطيم كل ما طالته يداها حتى تجمدت فجأة عندما لمحت نفسها في المرآة..
اقتربت قليلاً لتتأمل وجهها في المرآة المحطمة.. فشهقت بعنف وهي ترى مسخ لامرأة كانت فاتنة منذ دقائق قليلة.. فعيونها حمراء.. جفونها محتقنة بشدة.. والكحل الأسود حفر خطوط سوداء على وجنتيها.. طلاء شفتيها اختفى ولم تعد تذكر السبب.. وخصلاتها مشعثة وثائرة كعش طائر صغير..
سحبت نفساً عميقاً وتوجهت برأس مرفوعة نحو غرفة النوم وأغلقت الباب خلفها بشدة بدون أن تلقي نحوه نظرة أخرى... غابت قليلاً.. وعندما خرجت من جديد سمعت شهقة يزيد المكتومة وتنفسه السريع.. فابتسمت بسخرية وهي تدرك أنها حققت ما تريد.. فقد اختارت أقصر ثوب للنوم وأكثرهم إثارة وارتدته وحده بدون الروب الخاص به.. مشطت شعرها بسرعة.. لمسة أخيرة من طلاء شفاه أحمر قاني كالغضب الذي يتقافز أمام عينيها.. وانهت مظهرها برشة عطر تعلم أنه يفضله.. كادت أن تصيبه بأزمة قلبية.. وهي سعيدة بذلك فهو يستحق فقد مرغ كرامتها وكبريائها في الوحل.. بين أحضان تلك الحقيرة التي فضلها عليها.. لمحت عينيه تلتهم كل جزء من جسدها.. وتجري عليه بسرعة.. وشعرت بذبذبات الرغبة تشع من حوله بقوة.. فاتسعت ابتسامتها
وهي تجذب عربة الطعام وتكشف الأطباق واحداً تلو الآخر وتتناول طعامها بهدوء وتلذذ وسط حطام الجناح وتحت نظرات يزيد المذهولة.. أنهت طعامها سريعاً.. وتوجهت نحو غرفة النوم لتتوقف في منتصف المسافة وهو يسألها:
ـ على فين؟!
هزت كتفيها بلامبالاة:
ـ هدخل أنام عندنا بكره الصبح طيارة..
اختفت من أمام عينيه وتجمد هو حائراً.. هل يلحق بها أم يقضي ليلة زفافه على الأريكة.. صوت المفتاح الذي دار ليوصد بابها منحه الإجابة سريعاً فيما وصلت لأذنيه صوت طرقات على الباب.. فاتجه ليفتحه ووجد أحد عمال الفندق ينظر له بحرج وهو يخفض عينيه أرضاً:
ـ أنا آسف يا فندم.. أنا عارف أن الليلة فرح سعادتك.. ألف مبروك.. وربنا يسعدك ويقويك.. بس النزلاء اللي في باقي الدور بيشتكوا من الدوشة..
ألقى الرجل كلماته بحرج شديد ليفاجئ بأغرب رد فعل من يزيد الذي انفجر ضاحكاً بهيستريا...
وقف مازن وقد فرج ساقيه وكتف ذراعيه على صدره تشع من حوله طاقة من الغضب تعكسها عيناه بوضوح وهو يتأمل دنيا التي جلست على أحد المقاعد وقد شبكت أناملها, تهز ساقها بلامبالاة وقد وضعتها فوق الأخرى فانكمش طول التنورة القصيرة من الأساس فكانت تصل بالكاد إلى منتصف فخذها...
قطعت دنيا حلقة الصمت وسألته بهدوء بارد:
ـ هتفضل ساكت كده كتير؟
خرج صوته يضج بغضب مكتوم:
ـ بحاول أفهم إيه اللي حصل النهارده ده؟..
نهضت بغتة من جلستها وواجهته بغضب مماثل:
ـ أوعى عقلك يوديك لحتة غلط.. أنت عارفني كويس.. وعارف أنه مش أنا اللي أعمل كده..
فك ذراعيه ولم يرد بأي شيء بينما أظهرت عيناه غضب مشتعل.. فرفعت دنيا سبابتها ووكزته بها في صدره عدة مرات وهي تهتف به:
ـ علاقتك بها ما تهمنيش في حاجة.. وبكررها تاني أنا ما اعملش كده.. لو كنت من النوع ده صدقني كانت حاجات كتير اتغيرت وأنت عارف كده..
فك ذراعيه وقلل من تحفزه قليلاً وقد شعر بالندم لأنه جدد جراحها من جديد:
ـ أنا آسف يا دنيا.. بس لازم أفهم.. إزاي أنتِ ونيرة اتقابلتوا وليه؟
ـ نيرة هي اللي اتصلت بيا وحددت الميعاد.. عايزاني أصمم لها فستان الفرح
ـ هه..
قالها بسخرية مستفزة جعلت درجات غضبها ترتفع للسماء فهتفت به:
ـ أظن أني ما كدبتش عليك ولا مرة طول السنتين اللي فاتوا.. ومش هاجي أعملها النهارده.. وأكيد برضوه هي قالت لك هي كانت معايا ليه.. ولا إيه؟
هدأ غضبه قليلاً وهو يتذكر ثرثرة نيرة في السيارة عن المُصممة التي على وشك دخول أبواب العالمية وعن اتفاقها معها لتصمم ثوب زفافها.. كانت كلماتها تتبخر فوق مراجل غضبه من دنيا فلم يركز في حديثهما إلا قليلاً..
عاد صوت دنيا يهتف به:
ـ أنت روحت فين؟.. مازن.. أنت لسه مش مصدقني؟..
غمغم بتعجب:
ـ وإيه اللي يخلي نيرة اللي بتطلب هدومها مخصوص من باريس, تطلب منك تصميم فستانها!
كتفت ذراعيها وهي تجيبه ساخرة:
ـ ميرسي على المجاملة!
مسح وجهه بكفيه وهو يعتذر ثانية:
ـ أنا آسف.. ما اقصدش..
قاطعته بإشارة من يدها:
ـ بص يا مازن.. أنا هوضح الموضوع عشان مش عايزة أي سوء تفاهم بينا.. نيرة اتصلت بيا الصبح وطلبت تقابلني.. حددت لها ميعاد بعد أسبوع أكون رجعت من سفرية لبنان.. لكن هي أصرت على مقابلة فورية.. وأظنك عارف قد إيه خطيبتك ممكن تكون مقنعة..
لوى شفتيه ببسمة ساخرة بينما أكملت هي:
ـ حددنا الميعاد في النادي لأني مش هقدر أروح الأتيليه النهارده.. وآه.. هي سمعت عن العرض الأخير بتاعي في لبنان وأنت فاكر طبعاً سمَع إزاي.. وكمان في كذا ممثلة مشهورة لبست تصميماتي في المهرجان الأخير.. اسم دنيا الموجي مش أقل من أي مصمم معروف, ومش هسمحلك أنك تقلل من شغلي تاني..
سألها مستفهماً:
ـ طيب ليه وافقتِ تقابليها؟.. طالما عرفتِ هي مين, إيه لازمة المشاكل؟..
أشارت له بسبابتها موضحة:
ـ هي اتصلت بي عشان شغل.. شغلي خط أحمر.. ما فيش أي علاقات هتأثر على شغلي.. أظن أن ده كان ضمن اتفاقنا..
ـ يعني هتصممي لها الفستان؟..
ـ أكيد..
هز رأسه بصمت فهو يعرف كم هي عنيدة ولا تتراجع عن قراراتها وخاصة أن كانت تتعلق بعملها.. أجلى صوته وهو يسألها بتردد:
ـ وطلبت فستان شكله إيه؟
ابتسمت وهي تخبره:
ـ عايزه فستان تبهر بيه عريسها.. وما تحاولش تعرف تفاصيل أكتر..
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة:
ـ كل اللي هطلبه أن موقف زي بتاع النهارده ما يتكررش تاني.. ممكن؟
هزت رأسها موافقة:
ـ أكيد يا مازن.. صدقني لو كنت أعرف أنك هتقابلها في النادي كنت غيرت مكان المقابلة..
ـ بس ما كنتيش هتبلغيني, صح؟..
أومأت موافقة وهي تلقي بحذائها العالي الكعبين بعيداً.. وتخلع سترة بذلتها لتظهر بلوزة ضيقة بلا كمين حددت معالم فتنتها بدقة وامتدت يدها لتحرر خصلات شعرها الطويل فانسدل كشلال أسود وصل لما بعد خصرها.. وتحركت نحوه بحركات مدروسة حتى اقتربت منه فأمسكت ذقنه بأناملها وهي تهمس:
ـ تؤ.. زي ما قلت شغلي منفصل عننا.. تمام يا حبي..
ورفعت نفسها حتى وصلت لشفتيه فقبلته بشغف.. وهمست له بصوت أجش:
ـ بس طالما إحنا هنا دلوقتِ.. ممكن أسمح لك تقنعني أني أقولك هقابلها تاني امتى؟..
لف خصرها بذراعه وهو يطبع قبلة خفيفة على وجنتها:
ـ مش فاضي دلوقتِ يا دنيا.. أنا متأخر على اجتماع مجلس الإدارة..
لم تسمح له بالابتعاد ولفت ذراعيها حول عنقه:
ـ مازن.. أنا مسافرة الليلة.. و..
قطع كلماتها جرس هاتفه.. فأبعدها قليلاً:
ـ شوفتي.. ده أكيد حاتم بيه.. عايز يخرب بيتي و..
توسعت عيناه وهو يرمق شاشة الهاتف:
ـ نيرة!..
لم يجب على الهاتف حتى سكت الرنين.. فسألته دينا بفضول:
ـ ما ردتش عليها ليه؟..
منحها نظرة لتصمت ولكنها لم تهتم.. وأكملت:
ـ ممكن تدخل تكلمها من جوه.. ولا أقولك أنا اللي هدخل عشان تكون براحتك.
تعالى صوت هاتفه مرة أخرى.. وقبل أن يغلقه.. أسرعت دنيا وأوقفته بغمزة من عينها:
ـ التقل صنعة يا بشمهندس.. بس بلاش تزودها.. رد على التليفون براحتك..
فتح مازن الخط ليجد صوت نيرة في أقصى حالات اضطرابه.. فهتف بها بقلق:
ـ في إيه يا نيرة؟.. اهدي بس وفهميني..
سكت قليلاً ليستمع إلى نبرتها المضطربة ثم طمئنها بهدوء:
ـ طيب.. خلاص.. ربع ساعة وهكون عندك..
رفع عينيه إلى دنيا فوجدها تبتسم بغموض ثم توجهت نحوه وطبعت قبلة خفيفة على وجنته:
ـ هسلم عليك بقى دلوقتِ لأن طيارتي كمان أربع ساعات.. أشوف وشك بخير..
أحاط خصرها بذراعه وهو يقبلها مودعاً:
ـ أشوف وشك بخير يا دنيا.. أول ما توصلي طمنيني..
أومأت برأسها موافقة وخرج هو ليلحق بموعده مع نيرة.. بينما ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيّ دنيا وهي تغمغم:
ـ يا بختها بيك يا مازن.. يا ريت بس ما تكسرش قلبك..
فقد كان يتردد في رأسها باقي جملة نيرة والتي لم تخبره بها..
"عايزة فستان أبهر بي خطيبي.. وأقهر بي خطيبي الأولاني ويندم ألف مرة على أنه فرط فيا"..
************
كان حسن يعمل على إنهاء بعض الرتوش النهائية بإحدى التصميمات التي كلفه بها صاحب المكتب الهندسي عندما جاءته منى بكوب من الشاي وبعض قطع الكيك, ووقفت بجواره وهي تداعب خصلات شعره وتهمس:
ـ حسن.. أنت لسه زعلان؟..
أخفض رأسه فوق لوحته وهو يكتم ابتسامته.. فهي تحاول مراضاته منذ ساعات وهو مستمر في التظاهر بالغضب.. فقط حتى يستمتع بدلالها له..
لفت ذراعها حول كتفه وهي تقترب منه أكثر وتهمس:
ـ أنا مش فاهمة بس مين اللي يزعل من التاني!!.. يعني بعد ما أجهز لك الغدا.. تغضب وتسيب الأكل وكمان مش عايز تكلمني ولا ترد عليّ..
ظل صامتاً ولم تسمع منه أي رد.. فسحبت ذراعها بهدوء وأولته ظهرها وهي تغمغم بحنق:
ـ براحتك.. أنا في الصالة لو..
وقبل أن تكمل كلامها وجدت نفسها تسحب للخلف بسرعة فشهقت بخوف وحسن يرفعها ليحشرها بين جسده ولوحة التصميم.. وهو يخبرها بضحكة مكتومة:
ـ بقى بذمتك الشيء اللي كان في الأطباق ده اسمه غدا؟!..
أخفضت رأسها وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تخبره بصبر:
ـ يا حبيبي.. دي اسمها بصارة.. وبعدين دي طعمها حلو جداً.. ومفيدة كمان.. أنت قمت وسبت الأكل حتى من غير ما تدوقها!..
جلس حسن من جديد على مقعده وأوقفها بين ساقيه وهو يسألها بتردد:
ـ يعني الشيء الأخضر اللزج ده طعم كويس معقولة؟!.. طيب بتتعمل من إيه البتاعة دي..
ـ من الفول.. و..
قاطعها قبل أن تكمل:
ـ فول!!.. فول تاني!.. هيبقى فول في الفطار والغدا كمان.. ما هو البصارة من الفول والفول من البصارة يا مسعودي..
وكزته في كتفه وهتفت بحنق:
ـ بقى كده يا حسن بتتريق عليّ.. طيب أنا بجد بقى زعلانة.. و..
ضاعت باقي كلماتها بين شفتيه وهو يهمس:
ـ زعلانة يبقى لازم أصالحك.. دي المصالحة هي أحلى حاجة في الزعل..
وضعت رأسها على كتفه وهي تبتسم:
ـ أنت مش هتتكلم جد أبداً..
ـ لا يا ستي هنتكلم جد.. أنتِ تدخلي تغيري هدومك وأنا هعزمك على أحلى عشا.. بدل الغدا النص كم بتاعك..
ابتلعت منى سخريته من الطعام البسيط بدون أن تعلق عليها.. فهي تحاول معه تدريجياً حتى يكف عن بعثرة الأموال خاصة وأن راتبه مع العمل الإضافي الذي يقوم به بالكاد يكفي تكاليف الطعام.. ولولا أن جدته دفعت ايجار الشقة لهذا الشهر لأصبحا في أزمة بالفعل, وهو مُصر بعناد شديد على ألا يسمح لها بالعمل.. ولكنها لم تكف عن التفكير في حل لمشكلتهما.. وأخيراً وجدت حلاً معقولاً ولكنها لا تعرف كيف ستكون ردة فعل حسن عليه.. فكرت قليلاً ثم همست بأذنه:
ـ طيب أنا عندي اقتراح تاني.. هعملك عشا أحلى ألف مرة من بتاع بره وهنسهر سوا هنا لأني عايزاك في موضوع مهم..
غمزها بشقاوة:
ـ تصدقي وأنا عايزك برضوه في نفس الموضوع ده..
انفجرت بالضحك وهي تتملص من بين يديه:
ـ أشك أنه نفس الموضوع.. على العموم خلص شغلك هيكون العشا جاهز..
وبالفعل أعدت له عشاء شهي مضحية بما كانت تنوي طهوه لغذاء اليوم التالي.. لكنها كانت ترغب في إرضائه حتى يستمع إليها بهدوء ودون غضب..
وبالفعل كان في مزاجاً رائقاً بعد أن تناولا العشاء.. رقصا معاً وهما يستعيدا ذكريات شهر العسل.. وحينما قاربت الموسيقى على الانتهاء, شعرت منى أن حسن على وشك حملها إلى غرفتهما ليلقنها أحد دروسه اللذيذة.. ابتعدت عنه قليلاً وهي تسحبه إلى الأريكة ليجلسا معاً واضعة رأسها على صدره وهي تداعبه بلطف:
ـ حسن.. عايزة أقولك على حاجة..
أجابها بهمس رائق:
ـ قولي يا حبيبة حسن..
شجعها مزاجه على الكلام فتحدثت بسرعة:
ـ حسن.. أنا فكرت في مكان نعيش فيه.. ما فيش داعي للشقة دي.. وخاصة أنه إيجارها عالي قوي.. وأنت قلت إنك مش هتقبل فلوس تاني من جدتك..
اعتدل حسن في جلسته وهو يسألها بجدية:
ـ مكان إيه اللي فكرتِ فيه يا منى؟.. إوعي تكوني فكرتِ أننا نروح نعيش عند باباكِ.. ده مستحيل..
ابتلعت منى ريقها فهي تعلم صعوبة ما ستقترحه على نفسه:
ـ حسن.. أوعدني أنك هتسمعني للآخر.. وهتفكر كويس في اقتراحي..
هز رأسه بحيرة ولكنه أجابها:
ـ أوعدك يا منى..
ـ شوف يا سيدي.. في فوق السطح في البيت عند بابا أوضتين مقفولين.. ما فيش حد بيستعملهم.. أنا أما كنت عندهم آخر مرة طلعت وبصيت عليهم.. لقيتهم محتاجين شغل بسيط.. ووهيكونوا مناسبين..
قاطعها حسن:
ـ مناسبين لإيه يا منى؟..
ـ حسن.. اسمعني للآخر.. إحنا لازم ندبر نفسنا وإلا هيجي الشهر الجديد واحنا مش معانا إيجار الشقة دي.. مش عيب ولا حرام لو قعدنا في أوضة فوق السطوح.. أنت دايماً كنت بتقول المهم نكون سوا.. وعشان ده يتحقق لازم نضحي.. أنا عارفة أنك ضحيت كتير وخسرت كتير.. بس معلش يا حسن هنضغط على نفسنا فترة لحد ما الأمور تهدى وتقدر ترجع لشغلك أو على الأقل تمسك شغل مناسب.. أرجوك فكر يا حسن.. أنا مش فارق معايا أني أعيش في فيلا.. أو شقة فخمة أو فوق سطوح..
بدا الإمتعاض الشديد على وجه حسن وهو يتصور حياته في غرفة فوق سطح منزل بحي شعبي.. وقرأت منى بوضوح امتعاضه هذا ولكنها لم تيأس..
فاقتربت منه وهي تضع بصوتها كل ما تملكه من دلال وغنج:
ـ عشان خاطري يا حسن.. عشان خاطري.. تيجي معايا نشوفها بس.. وبعدين تقول رأيك..
لم يجد حسن بداً من الموافقة على رجائها الحار وهو يعتصر عقله بقوة بحثاً عن حل.. عن مكان مناسب ليقيم به هو وزوجته.. بدون أن يرضخ لتهديد والده المستمر.. أو لاغرائاته المستترة.. والتي بدأت اليوم بالذات بعرض مبتذل حمله صاحب المكتب الذي يعمل به.. بموافقة والده على حل وسط.. وهو عودته إلى عمله القديم.. على أن يجعل زواجه من منى زواجاً سرياً..
سمع صوتها المتوسل:
ـ حسن..
ضمها إلى صدره وهو يدفن وجهه بخصلات شعرها:
ـ ماشي يا منى.. هاجي معاكِ بكره نشوف السطوح.. أنا عندي كام منى..
********
خيم الصمت التام على سيارة مازن الذي وضع كل تركيزه في القيادة بينما أخذت نيرة تتلاعب بقماش ثوبها ذو الأوان المتعددة والذي أجبرها مازن على ارتدائه في بداية السهرة.. رمقته بغيظ وهي تتذكر سعادتها وهي تتهادى بثوب سهرة من قماش الشيفون الأبيض له فتحة صدر مربعة.. وقد التصق قماشه بصدرها ثم تهدلت طبقاته حتى نهاية ساقيها.. مع كمين طويلين يكاد يصل طولهما لطول الفستان الأساسي.. كانت تبدو كحورية ملائكية.. ابتسمت بخبث.. بل كانت تبدو كعروس..
خطت عدة خطوات حتى وصلت إلى مازن الذي كان يجلس على الأرجوحة بالشرفة ويوليها ظهره كعادته.. كانت تغضب من حركته تلك في البداية.. إلا أن غضبها قد تحول سريعاً إلى لهفة لترى تلك النظرة بعينيه في كل مرة يلتفت بها نحوها وعيناه تكاد تحتوي ملامحها بنظرة شوق ولهفة.. إلا أنه تلك المرة.. لم يلتفت نحوها.. بل أخبرها بهدوء:
ـ اطلعي غيري الفستان يا نيرة..
هتفت بدهشة:
ـ أغيره!.. ليه؟.. أنت حتى ما شوفتوش.. والله مقفول ومش قصير..
شعرت به يبتسم رغم أنها لم ترى وجهه ولكنها سمعته يسألها بهدوء:
ـ بس أبيض صح؟
ضربت قدمها بالأرض غضباً وهي تهتف بحنق:
ـ عرفت إزاي؟
هز رأسه وقد ظهرت ضحكته تلك المرة:
ـ اطلعي غيريه يا نيرة.. وبلاش تلبسي واحد فضي.. الليلة فرح ريناد.. وهي العروسة..
هتفت بعناد:
ـ مش هغيره..
هز كتفيه وهو مازال يوليها ظهره:
ـ يبقى مش هنروح الفرح..
عادت تضرب قدمها بالأرض غضباً وهي تلتفت لتصعد إلى غرفتها وتغير ثوبها الأبيض بذلك الذي ترتديه الآن والذي يضم عدة درجات من اللونين الأزرق والأحمر, ولكنها اختارته تلك المرة عاري الصدر والذراعين والظهر أيضاً.. وكأنها تريد أن تثبت أنها صاحبة الكلمة الأخيرة..
التفتت له وهي تتأمل ملامحه عاجزة عن تفسير مشاعرها نحوه.. لا تنكر وسامته الواضحة.. فهي كانت تراه وسيماً دائماً.. لكن ما يجذبها نحوه ليست تلك الوسامة.. تشعر أنه مثل اللهب.. وهي ترى نفسها لأول مرة كالفراشة التي تنجذب بدون تفكير نحو شعلة قد تكون سبباً في هلاكها.. ولكن كيف؟.. كيف وهو يمتلك تلك القدرة الغير معقولة على فهمها.. واحتوائها أيضاً.. فلم تنسى يوم اتصلت به وهي في أقصى حالات الاضطراب لظنها بأن دعوة أبيها لفريدة لتناول الغذاء ما هي إلا مقدمة لعودتها الدائمة إلى حياتهم جميعاً.. ولم تهدأ إلا بعد أن أقنعها مازن بالجلوس مع ضيفتها على مائدة الغذاء والقيام بواجبات الضيافة كما يفترض بها كسيدة صغيرة لبيت والدها.. ورضخت نيرة لطلبه بنزق بعدما وعدها بأن يتواجد معها في تلك الجلسة.. والتي أدركت بعدها.. أن فريدة لن تعود لتصبح جزء من أسرتها ثانية.. رغم استشعارها بغريزتها الأنثوية.. أن فريدة مازالت غارقة في حب والدها.. إلا أنها كما بدا واضحاً.. قد قررت أن تتجاوز تلك المشاعر أو على أفضل تقدير.. تتجاهلها.
أخرجها من ذكرياتها توقف السيارة.. فسألت مازن بقلق:
ـ هي العربية عطلت ولا إيه؟.. إحنا لسه ما وصلناش المزرعة؟..
التفت لها وهو يجيبها بهدوء:
ـ المزرعة قريبة قوي.. والعربية سليمة.. بس أنا حبيت أقولك ما فيش داعي تحكي لعليا على أي حاجة شوفتيها في الفرح.. يعني الكلام بتاع البنات ده..
ضغطت على أسنانها بغضب:
ـ هو أنت شايفني معدومة الإحساس للدرجة دي!
ـ ما اقصدش يا نيرة.. بس ممكن الكلام ياخدكوا وتحكي من غير ما تقصدي.. وممكن هي كمان تسأل..
ـ اطمن.. أنا فاهمة كويس.. وعليا مش هتسأل هي أكيد مموتة نفسها عياط دلوقتِ..
أومأ موافقاً وهو يهمس:
ـ مسكينة..
سألته بغضب:
ـ إيه صعبانة عليك قوي؟..
تأملها لثوانِ ولم يتمالك نفسه من سؤالها:
ـ معقولة.. دي غيرة؟..
تجمدت بالكامل عندما سمعت سؤاله.. غيرة!.. معقول نيرة تغار؟.. تغار عليه؟.. رمشت عينيها بسرعة وهي تحاول.. فهم ما يدور بأعماقها.. ولكنها
لم تجد سوى فوضى مشاعر لم تفهمها.. وقررت ألا تحاول فهمها الآن على الأقل.. فقررت تغيير الموضوع..
فسألته:
ـ أنت اتضايقت من الكلام اللي قلته ليزيد وريناد؟..
أدرك أنها تتهرب من سؤاله.. ولكنه مررها تلك المرة وهو يبتسم ساخراً.. متذكراً ملامح يزيد ونيرة تلقي بقنبلتها فوق رأسه قائلة..
"ألف مبروك يا ريناد.. الفستان تحفة.. بسيط ومش مبهرج.. لايق عليكِ جداً.. أنا آسفة كان نفسي اقعد لآخر الحفلة.. بس عليا لوحدها الليلة.. وأكيد حالتها النفسية صعبة.. لازم أروح لها اهون عليها شوية"...
والتفتت إلى يزيد بنظرة صاعقة..
"مبروك للمرة التانية يا عريس"
عاد مازن إلى جميلته الجالسة بجواره وهو غير قادر على كتم ضحكاته التي تعالت وهو يتخيل الليلة العظيمة التي ينتظرها يزيد..
تأملته ضحكاته فابتسمت بدورها قائلة:
ـ يعني مش متضايق.. أنا عملت كده عشان خاطر عليا..
رمقها بنصف عين:
ـ خاطر عليا؟!
أشاحت بوجهها بعيداً:
ـ أيوه.. اطلع بقى بالعربية.. عشان اتأخرت عليها..
تأملها للحظات ثم أدار محرك السيارة ليقلها نحو المزرعة.. لتقضي ليلتها مع علياء الغارقة في أحزانها...
***********
وصل يزيد وريناد إلى الجناح الخاص بالعروسين والذي قام بحجزه ليقضيا فيه ليلة زفافهما قبل أن ينطلقا في الصباح إلى مدريد لقضاء شهر العسل كما اتفقا من قبل..
حاول يزيد أن يحملها ليدخلا إلى الجناح كما هو متبع ولكنها تخطته ودخلته بمفردها..
خطت عدة خطوات حتى توقفت في منتصف الصالة الخارجية للجناح.. عدة مقاعد تلتف حول أريكة وثيرة.. تتوسط الغرفة عربة طعام رصت فوقها عدة أطباق مغطاة يبدو أنها تحتوي على العشاء.. زجاجة من الشامبانيا توسدت دلو ملئ بقطع الثلج.. الأضواء هادئة وحسية ووريقات من الجوري الأحمر والأبيض تناثرت لتكون عدة قلوب صغيرة متناثرة على أرض الغرفة وتبدو أنها تمتد حتى غرفة النوم.. أجواء مثالية لليلة زفاف حالمة.. كما تمنت يوماً.. ولكن.. لكن ليس الليلة...
جالت عيناها في كل ركن بالجناح ماعدا المكان الذي وقف به يزيد الذي وقف يتأملها بفستان زفافها.. كانت جميلة.. مبهرة برقي خاص بها فقط.. شعرها جمعته خلف رأسها في تسريحة راقية.. وتناثرت زهيرات بيضاء صغيرة بين خصلاته.. زينة وجهها كانت بسيطة بخلاف المعروف عن زينة العروس.. فملامحها التي تميل للجمال الغربي لم تكن تحتمل الزينة الكثيفة.. لم تستخدم طرحة زفاف.. فلم تكن تتماشى مع الثوب الذي اختارته بعناية ليحدد معالم جسدها المغرية.. حيث احتضن جزئه العلوي صدرها وغطى ذراعيها بقماش التول الخفيف المطعم ببعض وردات من الدانتيل الأبيض أحاطت عنقها ونهديها بحميمية لتترك ظهر الفستان عارياً بالكامل بينما التف جزئه السفلي حول جسدها بإحكام وأحاطت خصرها بزنار ذهبي رفيع..
تصادمت نظراته -التي تظهر تأثره بالجمال الخارق الذي تجسده- مع نظراتها الباردة والتي تحمل حيرة شديدة ممزوجة بالعديد من الأسئلة والتي سببتها بالطبع جملة نيرة المقصود منها إثارة المتاعب..
قرر تجاهل هالة البرود المحيطة بها واقترب منها بهدوء طابعاً قبلة رقيقة على جبهتها تقبلتها بسكون مما شجعه أن يحيط خصرها بذراعه ليوزع قبلات صغيرة على وجهها حتى وصل لشفتيها فأخذهما في قبلة عميقة وهو يهمس في أذنها:
ـ مبروك.. يا ريناد.. يا أحلى وأرق عروسة..
تجاوبت ريناد مع قبلاته في البداية تحاول أن تجاري شغفه الواضح.. ولكن جملة نيرة عادت تدق في أذنيها كنواقيس عالية التردد.. فدفعته عنها فجأة وارتدت للخلف تحتضن نفسها بذراعيها وهي تهز رأسها برفض أصابه بالحيرة فقد كانت تتجاوب معه منذ قليل ولكنها فجأة سحبت نفسها منه وقد ظهر الرفض على كل ملمح من وجهها..
حاول أن يخطو خطوة نحوها ولكنها أوقفته بإشارة من يدها واستمرت حركة رأسها الرافضة.. فحاول طمأنتها:
ـ ما تقلقيش يا ريناد.. ما فيش داعي للخوف..
انطلق سؤالها فجأة بدون إرادة منها:
ـ جوازكوا صوري فعلاً؟
قطب يزيد حاجبيه وهو يسألها بهدوء:
ـ تفتكري ده وقت السؤال؟
تمالكت ريناد نفسها قليلاً ورفعت ذقنها بكبرياء:
ـ إيه.. عايز تعيش دور العريس؟.. يعني ما عشتوش قبل كده!
ـ ريناد.. أنا طلبت قبل كده أنك تستفسري على أي حاجة وأنتِ رفضتِ.. والليلة جاية تسألي!
ـ أنت قلت لي أنك هتجاوبني في أي وقت..
اقترب منها متجاهلاً إشارتها له بالابتعاد وأمسك كتفيها بيديه:
ـ ريناد.. الليلة فرحنا.. ليلة بينتظرها كل عريس وعروسة.. أوعدك أرد على كل أسئلتك بعدين..
نفضت يديه عنها.. وعادت تبتعد عنه من جديد وهي تتهمه بوضوح:
ـ وأنت زي كل عريس كنت منتظر ليلة فرحك؟.. بس المهم فرحك على مين فينا؟..
ـ ريناد..
عادت تهتف:
ـ صوري ولا حقيقي؟..
زفر بحنق وهو يفك ربطة عنقه ويخلع سترته ليلقي بها بعشوائية.. واتجه نحو نافذة الغرفة ليفتحها يعب من الهواء النقي.. برغم وجود التكييف البارد إلا أنه شعر بإختناق شديد..
استند بكفيه على زجاج النافذة المفتوحة وهو يسأل بدون أن يلتفت نحوها:
ـ كل ده تأثير كلمة نيرة؟
عادت تكرر وبدت كما أنها لم تسمعه:
ـ صوري ولا حقيقي؟..
أجابها بتردد:
ـ ريناد..
والتفت ليواجهها ليفاجئ بزجاجة الشامبانيا تطير بالقرب من أذنه وترتطم بالإطار المعدني للنافذة لتسقط مهشمة إلى قطع صغيرة ويسيل السائل الذهبي على قدميه..
رفع عينيه اليها بذهول.. فتلك الواقفة أمامه بخصلاتها الذهبية القصيرة.. والتي تناثرت حول وجهها ولمعت عينيها الذهبية بلمعة شيطانية لم تكن تشبه ريناد التي يعرفها بشيء.. كانت صورة لامرأة مثيرة للغاية.. ولكنها مرعبة للغاية أيضاً..
ـ ريناد..
قالها متردداً.. ولكنها ابتسمت ساخرة بمرارة:
ـ خلاص يا يزيد.. أنت جاوبت.. ويا ترى بقى الجواز مؤقت برضوه زي ما فهمتني؟
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول:
ـ أنا ما قلتش أبداً أنه مؤقت.
ـ بس ما قولتش أنه مستمر.
زفر بحنق:
ـ أنتِ سمعتِ اللي كنتِ عايزة تسمعيه.. وصدقتِ اللي كنتِ عايزة تصدقيه..
وصفق يديه ببعضهما وهو يكمل:
ـ واخترتِ اسوأ وقت عشان تواجهي الحقيقة..
هزت رأسها بغضب:
ـ لأنها ليلة الفرح اللي كنت منتظرها, صح؟..
رد بدون أن يعي ما يقوله:
ـ لأن وقت التراجع فات!
برقت عيناها بألم عاصف ووجدت شفتيها تصرخان:
ـ طلقني..
مسح وجهه بكفه وهو يشيح برأسه بعيداً:
ـ ادخلي نامي يا ريناد.. عندنا طيارة الصبح..
التفتت لتمسك إحدى المزهريات المنتشرة في الجناح لتلقي بها نحو واحدة من المرآة المعلقة على الحائط خلفه وتتناثر قطع الزجاج في كل مكان مرافقة لصرختها:
ـ طلقني بقولك.. سامعني ولا لأ!..
لم يرد عليها وحاول أن يتحرك نحوها.. ولكنها أسرعت لتلتقط مزهرية أخرى لتلقي بها نحوه تلك المرة فاضطر للانحاء حتى يتفادها.. وقبل أن يعتدل وجد وسادة طائرة ترتطم بوجهه بعنف.. وريناد ما زالت تصرخ:
ـ طلقني يا يزيد..
هتف بها بغضب:
ـ اعقلي يا ريناد.. بلاش جنان.. أنتِ عارفة إيه معنى واحدة تطلق ليلة فرحها..
اعتصرت عينيها بقوة حتى لا تتساقط دموعها أمامه وقد تغلغلت جملته بين خلايا عقلها.. فكتفت ذراعيها بقوة وهي تقول بعنف:
ـ طلقها هي..
تنهد يزيد بقوة وهو يخبرها بهدوء قاطع:
ـ لأ..
برقت عيناها بغضب شديد وهي تلتفت حولها بجنون.. لتتناول كل ما تطاله يديها وتلقي به نحوه.. أو في المكان التي كانت تظن أنه واقف به فهو تحرك بعيداً عن مرمى أهدافها الطائرة ولكن الدموع التي كانت قد بدأت تتساقط من عينيها متمردة على إرادتها أعمت عينيها وأسالت زينتها على وجهها فلم تعد ترى أي شيء حولها سوى الغضب الحارق.. استمرت بتحطيم كل ما طالته يداها حتى تجمدت فجأة عندما لمحت نفسها في المرآة..
اقتربت قليلاً لتتأمل وجهها في المرآة المحطمة.. فشهقت بعنف وهي ترى مسخ لامرأة كانت فاتنة منذ دقائق قليلة.. فعيونها حمراء.. جفونها محتقنة بشدة.. والكحل الأسود حفر خطوط سوداء على وجنتيها.. طلاء شفتيها اختفى ولم تعد تذكر السبب.. وخصلاتها مشعثة وثائرة كعش طائر صغير..
سحبت نفساً عميقاً وتوجهت برأس مرفوعة نحو غرفة النوم وأغلقت الباب خلفها بشدة بدون أن تلقي نحوه نظرة أخرى... غابت قليلاً.. وعندما خرجت من جديد سمعت شهقة يزيد المكتومة وتنفسه السريع.. فابتسمت بسخرية وهي تدرك أنها حققت ما تريد.. فقد اختارت أقصر ثوب للنوم وأكثرهم إثارة وارتدته وحده بدون الروب الخاص به.. مشطت شعرها بسرعة.. لمسة أخيرة من طلاء شفاه أحمر قاني كالغضب الذي يتقافز أمام عينيها.. وانهت مظهرها برشة عطر تعلم أنه يفضله.. كادت أن تصيبه بأزمة قلبية.. وهي سعيدة بذلك فهو يستحق فقد مرغ كرامتها وكبريائها في الوحل.. بين أحضان تلك الحقيرة التي فضلها عليها.. لمحت عينيه تلتهم كل جزء من جسدها.. وتجري عليه بسرعة.. وشعرت بذبذبات الرغبة تشع من حوله بقوة.. فاتسعت ابتسامتها
وهي تجذب عربة الطعام وتكشف الأطباق واحداً تلو الآخر وتتناول طعامها بهدوء وتلذذ وسط حطام الجناح وتحت نظرات يزيد المذهولة.. أنهت طعامها سريعاً.. وتوجهت نحو غرفة النوم لتتوقف في منتصف المسافة وهو يسألها:
ـ على فين؟!
هزت كتفيها بلامبالاة:
ـ هدخل أنام عندنا بكره الصبح طيارة..
اختفت من أمام عينيه وتجمد هو حائراً.. هل يلحق بها أم يقضي ليلة زفافه على الأريكة.. صوت المفتاح الذي دار ليوصد بابها منحه الإجابة سريعاً فيما وصلت لأذنيه صوت طرقات على الباب.. فاتجه ليفتحه ووجد أحد عمال الفندق ينظر له بحرج وهو يخفض عينيه أرضاً:
ـ أنا آسف يا فندم.. أنا عارف أن الليلة فرح سعادتك.. ألف مبروك.. وربنا يسعدك ويقويك.. بس النزلاء اللي في باقي الدور بيشتكوا من الدوشة..
ألقى الرجل كلماته بحرج شديد ليفاجئ بأغرب رد فعل من يزيد الذي انفجر ضاحكاً بهيستريا...
