رواية متاهة مشاعر الفصل الثاني عشر 12 بقلم نهي طلبة
الفصل الثاني عشر
تأمل يزيد وجه والدته والذي ظهرت عليه علامات الشحوب والألم.. أغمض عينيه محاولاً الهروب من عينيها التي ترمقه بذهول غير مصدقة الخبر الذي ساقه لها منذ دقائق فقط... جسد وجهها المعنى الحقيقي للألم والصدمة وهي تحاول استيعاب كلماته.. غير قادرة على تكوين جملة واحدة تعبر بها عما يجول بصدرها وعقلها من شعور قاسٍ بالخيانة.. كيف يفعلها ابنها؟.. كيف تخونها قطعة منها؟.. كيف تفقد زوجها وابنها لنفس المرأة؟.. نعم نفس المرأة.. بأعماق سهام لا فرق بين نادية وعلياء ابنتها..
لقد عانت منذ سنوات الشعور القاتل بإهمال زوجها لها.. بأنها غير كافية له.. كانت تسمع منه تذمره وشكواته المتتالية من انشغالها في جمعياتها الخيرية.. أو حفلاتها وإهمالها في حقوقه.. تلك الحفلات التي كانت تقيمها له ومن أجله حتى تتسع أعماله وتتعمق علاقاته تحولت لتصبح عذره وذريعته ليخونها بدلاً من المرة.. مرات.. وهو يظنها غافلة عن عبثه ومجونه.. لكنها كانت تعرف.. في كل مرة يفعلها ويخون عهود زواجهما كانت تعرف.. وهل هناك أقرب للرجل من امرأته لتشعر بوجود أخرى, بل أخريات في حياة زوجها..
ومع كل خيانة يأتي إليها باكياً معتذراً.. طالباً عفوها وغفرانها متعذراً بأزمة منتصف العمر التي يحاول جاهداً التخلص منها.. لكنها مع كل صك عفو تمنحه يموت بداخلها جزء.. تتجمد مشاعرها ويتحول حبها له إلى لامبالاة كريهة.. فلم يتبقَ لها إلا كبرياء أنثوي أجوف اغتاله بإعلانه خبر زواجه من نادية.. وسحب منها كل حق لاختيار الابتعاد والمحافظة على ما بقي من كرامتها عندما أخبرها بما تعانيه نادية من مرض عضال.. فالزوجة الجديدة.. الجميلة والرقيقة.. تصارع الموت.. الذي يطرق بابها كل يوم..
كيف يمكنها صب غضبها على امرأة تحتضر؟.. كيف تصرخ بزوجها وتطالبه بالاختيار بين وفاء لزوجة أولى.. رفيقة الدرب وأم الولد.. وشفقة على زوجة ثانية تسحب منها أنفاس الحياة؟.. لابد أن تكون شيطان حتى تفعل هذا!.. حتى اختيارها لتكون ذلك الشيطان سلبها إياه عندما اصطحبها بخدعة لتقابل نادية.. التي أصرت على مقابلتها طالبة عفوها قبل أن تسلم روحها إلى خالقها..
وبعد موت نادية بعدة أيام دخل عليها عصام مصطحباً طفلة ضئيلة الحجم ليفاجأها بصدمة جديدة:
ـ سهام.. دي تبقى عليا.. بنت نادية الله يرحمها.. وهتعيش معانا من النهادره
نظرة واحدة إلى علياء لتجدها نسخة مصغرة من أمها.. وأيقنت أن القدر رحمها أخيراً ومنحها رفاهية الكراهية.. الكراهية في أقسى صورها للطفلة الصغيرة التي لم ترى فيها سوى خيانة عصام وفجور نادية..
أساءت معاملتها.. لا تنكر.. أهملتها وهمشتها.. وأخيراً نفتها إلى المزرعة لترافق الجد القعيد..
مرت السنوات وهي تحاول أن تتناسى الجرح والصفعة المؤلمة لأنوثتها, ليأتي ابنها اليوم ويطعن أمومتها بإخبارها أنه تزوج من الفتاة الصغيرة!..
لم تهتم لسماع تفسيره لتلك الزيجة أو تبريره لما قام به.. لم تدري بنفسها إلا وصراخها الهيستيري قد ملأ المنزل رفضاً واعتراضاً..
كلا لن ترضخ تلك المرة.. لن تترك ابنها لتلك الفتاة لتلف حبائلها حوله لتفقده مثلما فقدت أباه..
حاول التوضيح لها بهدوء:
ـ ماما.. يا ماما أرجوكِ اسمعيني..
دفعت يده بعيداً وهي تهمس بغضب:
ـ عايز مني إيه؟؟.. روح للهانم اللي اتجوزتها..
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يلقي بكذبته المفضوحة:
ـ قلت لك ده كتب كتاب بس عشان نحميها من طمع أعمامها.. ونرجع أرضها..
وأضاف بعجلة:
ـ ده كان رأي المحامي.. عشان تتنقل الوصاية المالية من أعمامها..
سخرت أمه وادعت تصديق كذبته قائلة:
ـ وهو ما فيش غيرك!.. أي واحد بيشتغل عند أبوك كان قام بالمهمة.
انقبض قلبه بشدة لمجرد تخيل علياء تنتمي لرجلٍ آخر.. فغمغم قائلاً:
ـ ما ينفعش طبعاً.. لازم حد يكون ثقة..
قاطعته أمه:
ـ وريناد؟..
تردد قليلاً فهتفت أمه بغيظ:
ـ ايه هتلغي جوازك من بنت خالتك عشان الهانم ولا إيه؟!.. أنت مش كنت هتجنن عشان نقدم ميعاد الفرح؟..
ـ أيوه يا ماما.. بس..
صرخت أمه بقوة:
ـ عايز تفضح بنت خالتك بعد ما وزعنا دعوات الفرح والبيت بيتفرش.. عايز تسيبها وتخلى بيها؟..
ـ لا يا ماما.. أنا ما قلتش كده.. أنا بس خايف أن ريناد ترفض.. ده قصدي.. لكن أنا هكلمها وأقنعها و..
قاطعته أمه بحسم:
ـ لا.. أنا اللي هكلمها وهقنعها كمان.. بس جوازك من اللي اسمها عليا دي.. ما فيش حد يعرف عنه أي حاجة.. أنت فاهم ولا لأ؟..
ـ لأ طبعاً.. جوازه من عليا هيكون معلن.. ومعروف للجميع.. ولا أنت لك رأي تاني يا يزيد؟
ألقى عصام جملته وهو يدلف إلى حجرة سهام متجاهلاً معالم الانهيار البادية على وجهها ومركزاً نظراته على يزيد فقط الذي غمغم بهدوء:
ـ لا يا بابا.. حضرتك عندك حق.. الجواز لازم يكون معلن..
قاطعه عصام بغضب مكبوت:
ـ أيوه.. أنا حتى كنت ناوي أعملها فرح, بس هي رفضت..
صرخت سهام بهلع:
ـ إيه.. فرح!!.. مش هو كتب كتاب وبس عشان الأراضي..
أجابها عصام وهو يرمق ابنه بنظرة نارية:
ـ اسألي ابنك!..
عاد صوت سهام يعلو وهي تلتفت ليزيد الذي رمق والده بنظرة متوسلة.. فهو أدرك أن والدته على وشك الإصابة بإحدى النوبات الهيستيرية.. والتي اعتاد عليها بعد زواج والده.. فحاول عصام حل الموقف قائلاً:
ـ لازم إشهار.. علشان نقدر نرفع القضية ونرجع أرضها.. وعشان كمان لو اتقدم لها حد تاني يكون في عندنا سبب للرفض.. البنت كبرت وبيجيلها كل يوم عرسان.. وخلاص.. أنا أساساً اتصرفت ونشرت خبر جوازهم في كام مجلة اجتماعية..
شحب وجه سهام وهي تتصور شقيقتها وابنتها تتلقيان الخبر عن طريق المجلات.. فهتفت:
ـ اخرجوا بره انتوا الاتنين.. وسيبوني أدور على طريقة أتفاهم بيها مع أختي..
أومأ عصام وخرج بهدوء بينما ترافقه نظرات القهر والألم من عيني سهام.. فهو لم يتغير.. يجرح قلبها ويطعن كرامتها ولا يتذكر حتى أن يراضيها بكلمة إلا بعد أن تنهار حزناً..
لمح يزيد والدته تسحب بعض أقراص من قارورة صغيرة وتبتلعها.. فتحرك بسرعة نحوها:
ـ أقراص إيه دي يا ماما؟
ربتت على كفه بهدوء:
ـ ما تخافش يا يزيد.. دي هتخليني أنام شويه.. بس أعصابي تهدى عشان أعرف أكلم ريناد واتفاهم معاها..
*************
جلس مازن على الأرجوحة الخفيفة بشرفة الفيلا الخاصة بعامر غيث.. ينتظر وصول نيرة وهو ينفث دخان سيجارته بكسل عندما سمع صوتها يأتي من خلفه:
ـ ما كنتش أعرف أنك بتدخن..
لف رأسه نحوها ليراها قادمة بقامتها الهيفاء وقد ارتدت فستان فيروزي قصير التصق بجسدها متمسكاً بعنقها بشريط يلتف حوله.
أخذ يتأملها بنظرة تقدير ذكورية جعلت معدتها تنقبض وهي تلمح عينيه تجري على شعرها الأحمر الذي جمعته بطريقة عشوائية تاركة بعض خصلات تداعب بشرة عنقها الطويل, وأكملت عينيه جولتهما على بشرة كتفيها الوردية وصدرها الممتلئ الذي أظهره نحافة خصرها ووركيها الدقيقين.. مروراً بساقيين مرمريتين وملفوفتين باغراء.. ثم عادت عينيه لترتفع إلى عينيها.. وتلك النظرة مازالت تسكنهما..
تساءلت في صمت عن تلك النظرة التي تلمحها في عينيه لأول مرة أم ربما كانت موجودة من قبل وهي لم تنتبه لها..
سألته مرة ثانية لتقطع الصمت:
ـ من إمتى بتدخن يا مازن؟
هز كتفيه بلامبالاة:
ـ يمكن من... وأنا في ثانوي.. ليه في حاجة؟..
توسعت عيناها بشدة.. ما بال هذا الرجل!.. هل كانت عمياء لتغفل عن تفاصيله؟.. أم أن حبها لحسن أعمى عينيها عن أي شيء آخر..
هزت كتفيها تحاول تبني لامبالاة مماثلة:
ـ لا ما فيش حاجة.. بس دي أول مرة أشوفك تدخن!
ـ في حاجات كتير ما تعرفيهاش عني يا نيرة.. بس بكره هتعرفيها.. أنا هعلمك..
برقت عيناها بقوة وهي تفهم التلميح المزدوج الذي سبب لها رعشة خفيفة, وبخت نفسها بشدة.. ماذا أصابها لتتفتت أعماقها تحت تأثير ذلك الرجل؟.. ألم تقرر في لحظة مجنونة وحسن يهدد ويتوعد أن تنتقم منه ومن أخيه سوياً..
هل لاعترافه بحبها أثر في ذلك الإرتباك الذي أصبح يصيبها في وجوده؟..
هزت رأسها لتنفض عنها ذلك الضباب الذي سبب لها نوعاً من الغباء.. وتحركت لتجلس ملتصقة به على الأرجوحة وتحركها بخفة.. شعرت على الفور برد فعل جسده استجابة لجسدها الملتصق به مما عزز ثقتها بتأثيرها عليه..
اقتربت منه لتلف كفيها حول ذراعه وتلقي برأسها على كتفه.. بينما يراقبها من أسفل رموشه بصمت.. منتظراً خطوتها التالية.. ولم تتأخر بالفعل وهي تسبل له برموشها وتسأله بصوت ناعم:
ـ هو صحيح اللي أنا سمعته؟.
أمسك يدها قبل أن تصل أصابعها العابثة إلى زر قميصه العلوي.. وحاول التحكم في أنفاسه اللاهثة وهو يسألها:
ـ سمعتِ إيه؟
ترددت قليلاً:
ـ امممم.. أن أونكل حاتم حرم حسن من كل حاجة حتى الشغل؟
نغزة قوية شعر بها في قلبه عند سماعه اسم حسن يخرج من شفتيها.. شعور لا إرادي بالغيرة اجتاح عروقه.. يعلم أنه تقدم لخطبتها وهو مدرك تماماً لمشاعرها أو لما تظنه مشاعر ناحية شقيقه.. ولكنه لا يعلم إذا كان سيمكنه التغلب على ذلك الألم في كل مرة ستنطق بها اسمه..
أفاقه صوتها المتألم وهي تهمس:
ـ آه.. مازن سيب إيدي..
نظر بذهول ليجد أصابعه تضغط على يدها المستريحة على صدره بقوة كادت أن تحطم أناملها النحيلة..
نهض من مكانه فجأة يتأملها وهي تفرك أناملها حتى تخفف من الألم.. فغمغم بسرعة:
ـ أنا آسف.. ما قصدتش..
لم تهتم بألم يدها.. بقدر اهتمامها بالوصول إلى غايتها.. فنهضت بدورها لتقترب منه وهي تحط بكفيها على كتفيه وتلتصق به هامسة:
ـ وأنا كمان ما قصدتش اللي أنت فهمته..
ثم سمحت لأناملها بالتجول قليلاً على وجنته وذقنه وأكملت:
ـ أنا أقصد أن دي فرصتك دلوقت عشان تكون الكل في الكل وتسيطر على إدارة الشركة..
لمحت نظراته المستنكرة فاستدركت:
ـ تحت إشراف أونكل حاتم طبعاً..
أخذ مازن يتأمل ملامحها.. التصاقها الشديد به.. أناملها التي تسعى إلى إغوائه وإلهائه بلا هوادة حتى يغيب عنه المغزى الحقيقي لسؤالها أو لاهتمامها بأمور عمله.. إنها تريد الإنتقام لكرامتها.. يكاد أن يقرأ غرضها الحقيقي بأحرف كبيرة لامعة مرسوم في عينيها.. وهي تغطي ذلك بغطاء محترم يمثل لهفة الخطيبة على مصلحة خطيبها..
لفها بذراعه ليضغطها على جسده قليلاً ويرفع ذقنها لتواجه عيناها عينيه.. وأخذ يرمقها للحظات بنظرات غير مفهومة قبل أن يمد يده ليمسك كفها الذي يتجول على وجهه بلا رادع ويدس به شيئاً ما.. هامساً في أذنها:
ـ شبكتك يا حبي!
بسطت يدها لتجد بها علبة مخملية صغيرة.. فتحتها فلمحت خاتم من الذهب تعتليه ياقوتة حمراء دائرية الشكل تحيطها عدة ماسات صغيرة.. لتشكل حبة الياقوت قلب زهرة وقطع الماس الصغيرة هي أوراقها...
شهقت نيرة إعجاباً بالخاتم وأسرعت تضعه في إصبعها وتتأمل شكل يدها به..
ـ وااااااو.. مازن.. ده تحفة.. كأنه متصمم علشاني..
وافقها قائلاً:
ـ فعلاً.. هو اتصمم علشانك..
رمت ذراعيها حول عنقه هاتفة:
ـ وااااو.. ميرسي يا حبيــ..
وضع أصابعه على فمها ليمنعها في الاسترسال:
ـ أما تقولي كلمة حبيبي.. لازم تقصديها.. دي مش كلمة تتقال بدل شكراً ولا ميرسي.. ماشي..
رمقته بغيظ.. فهو يدللها بيد وبالأخرى يمسك لها العصا.. ولكن رغم هذا.. لن يستطيع الإفلات من سحرها.. لن تكون نيرة غيث إن لم تجعله كخاتم آخر في إصبعها بجوار خاتمه المذهل هذا..
زمت شفتيها قائلة:
ـ أنا زعلانة منك..
ـ ليه؟..
ـ يوم ما كلمتك من المزرعة عند عليا وقلت لك عايزة أروح.. فاكر؟..
ـ أيوه.. قلتِ عايزة أروح بعت لك السواق وروحك.. فيها إيه دي؟..
ابتعدت عنه فجأة وهي تضع يدها بخصرها وقد انساها بروده دور المغوية الذي تحاول تقمصه وهتفت بحنق:
ـ ليه بعت لي السواق؟.. ما جيتش أنت ليه؟..
تحرك ليواجهها وهو يخبرها باستفزاز:
ـ كنت مشغول..
برقت عيناها بغضب وسمعته يسألها:
ـ أنتِ كمان ما ردتيش على تليفون واحد من تليفوناتي..
همست بغيظ:
ـ كنت مشغولة..
أرجع رأسه للخلف وهو يطلق ضحاكات عالية.. ثم مد يده ليداعب ذقنها:
ـ مشغولة بتكسري مناخير يزيد!
سألته بتوجس وهي تبعد ذقنها عن متناول يده:
ـ هو قالك ايه؟..
ـ قالي على اللي حصل..
شهقت بخوف وهي تتلعثم:
ـ ايه.. قالــ..
قاطعها:
ـ قالي إن خطيبتي المجنونة اتنرفزت عليه وكسرت مناخيره.. علشان رفض يرجعها معاه في العربية.. مش هو ده اللي حصل برضوه؟
ضغطت نيرة على أسنانها بعنف.. فلولا ولائها لعلياء لكانت فضحت هذا اليزيد.. ولكنها لا تستطيع المجازفة بسمعة الغبية الصغيرة..
كادت أن تومئ موافقة على الكذبة التي أخبره بها يزيد.. إلا أنه سبقها قائلاً:
ـ خلاص يا نيرة.. أنا مقدر إخلاصك لعليا.. هي بنت كويسة وأكيد يزيد هيقدر يحميها بعد ما بقيت مراته..
هزت رأسها بعجز.. كيف تخبره أن علياء بحاجة لمن يحميها من يزيد وجنونه خاصة بعد زواجه منها وامتلاكه الحق في التواجد بحياتها بكل الطرق الممكنة.. والأدهى من سيحميها من جنون سهام عندما تعرف الحقيقة..
شعرت بيده تربت على كتفها:
ـ ما تقلقيش على عليا.. صدقيني.. يزيد كفيل بأنه يحافظ عليها كويس قوي..
ثم نظر في ساعته ليتحرك معها نحو باب الفيلا مردفاً:
ـ بكره.. هعدي عليكِ نروح نشوف الفيلا اللي اخترتها.. وبالمرة ننقي العفش..
ـ إيه!!.. بسرعة كده..
ـ نيرة.. أنا وضحت لك قبل كده أني مش عايز الكلام يكتر.. كل ما هنطول مدة الخطوبة كل ما الأسئلة هتزيد..
ودعها بقبلة دافئة على وجنتها قبل أن يتوجه إلى سيارته وينطلق بها.. تاركاً إياها تفكر أنها استمتعت حقاً بأول لقاء لها مع خطيبها الجديد.. وأنها أيضاً لم تحصل منه على إجابة تخص استيلائه على إدارة الشركة.. حتى تضمن أن تضع رقبة حسن تحت أصابعها.. لتلويها فتكسرها.. أو تعفو عنه بعد أن يعود معترفاً بخطئه..
***********
جلست منى تنتظر عودة حسن في قلق.. تخشى أن يعود من مقابلة العمل وهو يحمل نفس الرد.. اعتذار مُحرج من صاحب الشركة مع نصيحة ودودة بتسوية خلافاته مع والده..
أسبوع كامل منذ عودتهما من الأسكندرية.. وحسن يخرج يومياً باحثاً عن عمل بلا جدوى.. وبدا من الواضح أن والده أغلق أمامه جميع المنافذ بإحكام.. فالمؤسسات الكبيرة رفضت استقباله من البداية.. بينما أصحاب الشركات الأصغر اكتفوا باعتذار مقتضب عن مقابلته.. ولم يبق إلا المكاتب الصغيرة والمبتدئة والتي بدأ حسن بطرق أبوابها منذ يومين ولم يحقق نتيجة إلى الآن..
تذكرت قول حسن لها بأنهما على وشك الدخول في حرب ضروس مع والده.. وأيقنت أنه بالفعل عدو شرس لا يرحم.. فبخلاف إيقافه لكل الامتيازات المالية لحسن.. وتدخله الواضح لمنعه من العمل في أي مكان.. فقد سلبه شقته التي أعدها حسن من أجل زواجهما.. واضطرهما ذلك للمكوث في إحدى الشقق المفروشة.. والتي اقترض حسن إيجارها من جدته.. السيدة روح.. والتي تمده سراً بالأموال وتحاول مساعدته خفية عن والده.. وذلك يسبب غضب حسن الشديد.. فهو رافض لمبدأ الاقتراض وطلب المساعدة.. ولكن يده مغلولة ووالده يحكم عليه الخناق مع مرور الوقت.. حتى سيارته.. تم سحبها منه.. ولجأ حسن للمواصلات العامة في بحثه اليومي عن عمل لائق..
سمعت صوت الباب يغلق فتحركت مسرعة لتستقبل حسن الذي بدا على وجهه ملامح الإحباط الشديد.. فاقتربت منه لتحيطه بذراعيها بقوة وقد أدركت أنه في حاجة إلى المواساة:
ـ معلش يا حسن.. بكره الظروف هتتحسن..
ضمها إلى صدره وهو يغمر وجهه في شعرها.. مستمتعاً بنعومة ملمسه ومستمداً من دفئها وحنانها قوة هو في أمس الحاجة إليها..
همس لها:
ـ أنا لقيت شغل..
ابتعدت عنه قليلاً:
ـ بجد يا حسن!.. أومال مالك؟.. شكلك زعلان!..
أحاط كتفيها بذراعه واصطحبها ليجلسا على إحدى الأرائك:
ـ هو مكتب هندسي صغير.. ومش هشتغل باسمي.. هجهز التصميم.. وصاحب المكتب هو اللي هيحط عليه اسمه..
ـ بس كده يا حسن مجهودك وشغلك كله هيضيع.. ما فيش حل تاني؟..
ـ الحمد لله إني قدرت أوصل لكده.. بس..
ـ بس إيه يا حسن؟..
ـ المرتب مش هيكون كبير قوي.. يعني مش هيكفي حتى إيجار للشقة دي..
ترددت منى قليلاً قبل أن تهمس بخفوت:
ـ يا حسن أنا ممكن أشتغل وأساعد.. بلاش تنشف دماغك.. إحنا لازم نساعد بعض..
انتفض حسن هاتفاً بغضب:
ـ منى.. اقفلي على الموضوع ده نهائي.. أنا مش ممكن أسمح أن مراتي تتبهدل عشان أنا مش قادر أصرف عليها.. أنتِ متجوزة راجل.. فاهمة!..
اقتربت منه تحتوي غضبه برقة وهي تطوق عنقه بذراعيها وتداعب ذقنه بعبث:
ـ تعرف أني كده هزعل منك.. أنا فاهمة أني متجوزة راجل وسيد الرجالة كمان, لكن أنت ما تنساش أني كنت بشتغل قبل ما نتجوز وده لا قلل مني ولا قلل من أبويا.. ولا إيه؟..
أحنى رأسه خجلاً:
ـ أنا ما اقصدش طبعاً يا منى.. أنا كل اللي بفكر فيه أني لازم أحميكِ وأكون قادر على أني ألبي كل طلباتك.. افهميني.. احساسي أني مقصر..
رفعت أناملها لتضعها أمام شفتيه لتقطع كلماته:
ـ يا حبيبي.. أنا يكفيني اللي أنت عملته عشان نكون مع بعض..
رفعها بين ذراعيه لتصبح عينيه في مواجهة عينيها:
ـ أنتِ بس تقوليلي يا حبيبي.. وهموم الدنيا كلها تختفي في ثواني...
همست أمام شفتيه:
ـ حبيبي..
ضغط شفتيه على شفتيها بتوق يزداد مع اقترابه منها.. مع وجودها بين ذراعيه.. عمق قبلته ليرتوي من شهد حبها.. وكأنه سيرتوي يوماً!..
**************
فتحت عينيها لتجد نفسها وحيدة في الفراش.. تثاءبت بكسل وهي تلمح أثر رأسه مازال مطبوعاً على الوسادة بجوارها.. ثم ما لبثت أن وصلتها رائحة التبغ لتدرك أنه مازال معها في الغرفة..
دعكت عينيها بظاهر يدها لتلمح قامته بطولها المميز وقد وقف يدخن سيجارته في النافذة مرتدياً بنطاله فقط.. وبدا بعيداً بأفكاره..
سحبت نفسها من الفراش ولفت جسدها العاري بالمفرش الحريري.. وتوجهت نحوه لتحيط صدره بذراعيها وتمرغ أنفها في ظهره بعبث.. ثم تسحب اللفافة المحترقة من بين أصابعه لتضعها بين شفتيها مطلقة عدة أنفاس قبل أن تهمس جوار أذنه:
ـ ايه اللي شاغلك؟.. برضوه بتفكر فيها؟..
سمعت صوته ينهرها بعنف:
ـ دنيا.. احنا اتفاقنا كان واضح.. أنتِ حاجة وهي حاجة تانية.. ومافيش داعي تجيبي سيرتها كل شويه..
لفت جسده بين ذراعيها وهي تضمه إليها بشغف وتهمس بتوسل:
ـ آسفة.. يا حبي..
سكت ولم يرد عليها.. فأحاطت عنقه بذراعيها وهي ترفع نفسها لتطبع على شفتيه قبلة استجاب لها بعد عدة لحظات.. بينما هي تهمس بين أنفاسه:
ـ مازن.. بات الليلة هنا.. عشان خاطري ما تروحش.
تأمل يزيد وجه والدته والذي ظهرت عليه علامات الشحوب والألم.. أغمض عينيه محاولاً الهروب من عينيها التي ترمقه بذهول غير مصدقة الخبر الذي ساقه لها منذ دقائق فقط... جسد وجهها المعنى الحقيقي للألم والصدمة وهي تحاول استيعاب كلماته.. غير قادرة على تكوين جملة واحدة تعبر بها عما يجول بصدرها وعقلها من شعور قاسٍ بالخيانة.. كيف يفعلها ابنها؟.. كيف تخونها قطعة منها؟.. كيف تفقد زوجها وابنها لنفس المرأة؟.. نعم نفس المرأة.. بأعماق سهام لا فرق بين نادية وعلياء ابنتها..
لقد عانت منذ سنوات الشعور القاتل بإهمال زوجها لها.. بأنها غير كافية له.. كانت تسمع منه تذمره وشكواته المتتالية من انشغالها في جمعياتها الخيرية.. أو حفلاتها وإهمالها في حقوقه.. تلك الحفلات التي كانت تقيمها له ومن أجله حتى تتسع أعماله وتتعمق علاقاته تحولت لتصبح عذره وذريعته ليخونها بدلاً من المرة.. مرات.. وهو يظنها غافلة عن عبثه ومجونه.. لكنها كانت تعرف.. في كل مرة يفعلها ويخون عهود زواجهما كانت تعرف.. وهل هناك أقرب للرجل من امرأته لتشعر بوجود أخرى, بل أخريات في حياة زوجها..
ومع كل خيانة يأتي إليها باكياً معتذراً.. طالباً عفوها وغفرانها متعذراً بأزمة منتصف العمر التي يحاول جاهداً التخلص منها.. لكنها مع كل صك عفو تمنحه يموت بداخلها جزء.. تتجمد مشاعرها ويتحول حبها له إلى لامبالاة كريهة.. فلم يتبقَ لها إلا كبرياء أنثوي أجوف اغتاله بإعلانه خبر زواجه من نادية.. وسحب منها كل حق لاختيار الابتعاد والمحافظة على ما بقي من كرامتها عندما أخبرها بما تعانيه نادية من مرض عضال.. فالزوجة الجديدة.. الجميلة والرقيقة.. تصارع الموت.. الذي يطرق بابها كل يوم..
كيف يمكنها صب غضبها على امرأة تحتضر؟.. كيف تصرخ بزوجها وتطالبه بالاختيار بين وفاء لزوجة أولى.. رفيقة الدرب وأم الولد.. وشفقة على زوجة ثانية تسحب منها أنفاس الحياة؟.. لابد أن تكون شيطان حتى تفعل هذا!.. حتى اختيارها لتكون ذلك الشيطان سلبها إياه عندما اصطحبها بخدعة لتقابل نادية.. التي أصرت على مقابلتها طالبة عفوها قبل أن تسلم روحها إلى خالقها..
وبعد موت نادية بعدة أيام دخل عليها عصام مصطحباً طفلة ضئيلة الحجم ليفاجأها بصدمة جديدة:
ـ سهام.. دي تبقى عليا.. بنت نادية الله يرحمها.. وهتعيش معانا من النهادره
نظرة واحدة إلى علياء لتجدها نسخة مصغرة من أمها.. وأيقنت أن القدر رحمها أخيراً ومنحها رفاهية الكراهية.. الكراهية في أقسى صورها للطفلة الصغيرة التي لم ترى فيها سوى خيانة عصام وفجور نادية..
أساءت معاملتها.. لا تنكر.. أهملتها وهمشتها.. وأخيراً نفتها إلى المزرعة لترافق الجد القعيد..
مرت السنوات وهي تحاول أن تتناسى الجرح والصفعة المؤلمة لأنوثتها, ليأتي ابنها اليوم ويطعن أمومتها بإخبارها أنه تزوج من الفتاة الصغيرة!..
لم تهتم لسماع تفسيره لتلك الزيجة أو تبريره لما قام به.. لم تدري بنفسها إلا وصراخها الهيستيري قد ملأ المنزل رفضاً واعتراضاً..
كلا لن ترضخ تلك المرة.. لن تترك ابنها لتلك الفتاة لتلف حبائلها حوله لتفقده مثلما فقدت أباه..
حاول التوضيح لها بهدوء:
ـ ماما.. يا ماما أرجوكِ اسمعيني..
دفعت يده بعيداً وهي تهمس بغضب:
ـ عايز مني إيه؟؟.. روح للهانم اللي اتجوزتها..
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يلقي بكذبته المفضوحة:
ـ قلت لك ده كتب كتاب بس عشان نحميها من طمع أعمامها.. ونرجع أرضها..
وأضاف بعجلة:
ـ ده كان رأي المحامي.. عشان تتنقل الوصاية المالية من أعمامها..
سخرت أمه وادعت تصديق كذبته قائلة:
ـ وهو ما فيش غيرك!.. أي واحد بيشتغل عند أبوك كان قام بالمهمة.
انقبض قلبه بشدة لمجرد تخيل علياء تنتمي لرجلٍ آخر.. فغمغم قائلاً:
ـ ما ينفعش طبعاً.. لازم حد يكون ثقة..
قاطعته أمه:
ـ وريناد؟..
تردد قليلاً فهتفت أمه بغيظ:
ـ ايه هتلغي جوازك من بنت خالتك عشان الهانم ولا إيه؟!.. أنت مش كنت هتجنن عشان نقدم ميعاد الفرح؟..
ـ أيوه يا ماما.. بس..
صرخت أمه بقوة:
ـ عايز تفضح بنت خالتك بعد ما وزعنا دعوات الفرح والبيت بيتفرش.. عايز تسيبها وتخلى بيها؟..
ـ لا يا ماما.. أنا ما قلتش كده.. أنا بس خايف أن ريناد ترفض.. ده قصدي.. لكن أنا هكلمها وأقنعها و..
قاطعته أمه بحسم:
ـ لا.. أنا اللي هكلمها وهقنعها كمان.. بس جوازك من اللي اسمها عليا دي.. ما فيش حد يعرف عنه أي حاجة.. أنت فاهم ولا لأ؟..
ـ لأ طبعاً.. جوازه من عليا هيكون معلن.. ومعروف للجميع.. ولا أنت لك رأي تاني يا يزيد؟
ألقى عصام جملته وهو يدلف إلى حجرة سهام متجاهلاً معالم الانهيار البادية على وجهها ومركزاً نظراته على يزيد فقط الذي غمغم بهدوء:
ـ لا يا بابا.. حضرتك عندك حق.. الجواز لازم يكون معلن..
قاطعه عصام بغضب مكبوت:
ـ أيوه.. أنا حتى كنت ناوي أعملها فرح, بس هي رفضت..
صرخت سهام بهلع:
ـ إيه.. فرح!!.. مش هو كتب كتاب وبس عشان الأراضي..
أجابها عصام وهو يرمق ابنه بنظرة نارية:
ـ اسألي ابنك!..
عاد صوت سهام يعلو وهي تلتفت ليزيد الذي رمق والده بنظرة متوسلة.. فهو أدرك أن والدته على وشك الإصابة بإحدى النوبات الهيستيرية.. والتي اعتاد عليها بعد زواج والده.. فحاول عصام حل الموقف قائلاً:
ـ لازم إشهار.. علشان نقدر نرفع القضية ونرجع أرضها.. وعشان كمان لو اتقدم لها حد تاني يكون في عندنا سبب للرفض.. البنت كبرت وبيجيلها كل يوم عرسان.. وخلاص.. أنا أساساً اتصرفت ونشرت خبر جوازهم في كام مجلة اجتماعية..
شحب وجه سهام وهي تتصور شقيقتها وابنتها تتلقيان الخبر عن طريق المجلات.. فهتفت:
ـ اخرجوا بره انتوا الاتنين.. وسيبوني أدور على طريقة أتفاهم بيها مع أختي..
أومأ عصام وخرج بهدوء بينما ترافقه نظرات القهر والألم من عيني سهام.. فهو لم يتغير.. يجرح قلبها ويطعن كرامتها ولا يتذكر حتى أن يراضيها بكلمة إلا بعد أن تنهار حزناً..
لمح يزيد والدته تسحب بعض أقراص من قارورة صغيرة وتبتلعها.. فتحرك بسرعة نحوها:
ـ أقراص إيه دي يا ماما؟
ربتت على كفه بهدوء:
ـ ما تخافش يا يزيد.. دي هتخليني أنام شويه.. بس أعصابي تهدى عشان أعرف أكلم ريناد واتفاهم معاها..
*************
جلس مازن على الأرجوحة الخفيفة بشرفة الفيلا الخاصة بعامر غيث.. ينتظر وصول نيرة وهو ينفث دخان سيجارته بكسل عندما سمع صوتها يأتي من خلفه:
ـ ما كنتش أعرف أنك بتدخن..
لف رأسه نحوها ليراها قادمة بقامتها الهيفاء وقد ارتدت فستان فيروزي قصير التصق بجسدها متمسكاً بعنقها بشريط يلتف حوله.
أخذ يتأملها بنظرة تقدير ذكورية جعلت معدتها تنقبض وهي تلمح عينيه تجري على شعرها الأحمر الذي جمعته بطريقة عشوائية تاركة بعض خصلات تداعب بشرة عنقها الطويل, وأكملت عينيه جولتهما على بشرة كتفيها الوردية وصدرها الممتلئ الذي أظهره نحافة خصرها ووركيها الدقيقين.. مروراً بساقيين مرمريتين وملفوفتين باغراء.. ثم عادت عينيه لترتفع إلى عينيها.. وتلك النظرة مازالت تسكنهما..
تساءلت في صمت عن تلك النظرة التي تلمحها في عينيه لأول مرة أم ربما كانت موجودة من قبل وهي لم تنتبه لها..
سألته مرة ثانية لتقطع الصمت:
ـ من إمتى بتدخن يا مازن؟
هز كتفيه بلامبالاة:
ـ يمكن من... وأنا في ثانوي.. ليه في حاجة؟..
توسعت عيناها بشدة.. ما بال هذا الرجل!.. هل كانت عمياء لتغفل عن تفاصيله؟.. أم أن حبها لحسن أعمى عينيها عن أي شيء آخر..
هزت كتفيها تحاول تبني لامبالاة مماثلة:
ـ لا ما فيش حاجة.. بس دي أول مرة أشوفك تدخن!
ـ في حاجات كتير ما تعرفيهاش عني يا نيرة.. بس بكره هتعرفيها.. أنا هعلمك..
برقت عيناها بقوة وهي تفهم التلميح المزدوج الذي سبب لها رعشة خفيفة, وبخت نفسها بشدة.. ماذا أصابها لتتفتت أعماقها تحت تأثير ذلك الرجل؟.. ألم تقرر في لحظة مجنونة وحسن يهدد ويتوعد أن تنتقم منه ومن أخيه سوياً..
هل لاعترافه بحبها أثر في ذلك الإرتباك الذي أصبح يصيبها في وجوده؟..
هزت رأسها لتنفض عنها ذلك الضباب الذي سبب لها نوعاً من الغباء.. وتحركت لتجلس ملتصقة به على الأرجوحة وتحركها بخفة.. شعرت على الفور برد فعل جسده استجابة لجسدها الملتصق به مما عزز ثقتها بتأثيرها عليه..
اقتربت منه لتلف كفيها حول ذراعه وتلقي برأسها على كتفه.. بينما يراقبها من أسفل رموشه بصمت.. منتظراً خطوتها التالية.. ولم تتأخر بالفعل وهي تسبل له برموشها وتسأله بصوت ناعم:
ـ هو صحيح اللي أنا سمعته؟.
أمسك يدها قبل أن تصل أصابعها العابثة إلى زر قميصه العلوي.. وحاول التحكم في أنفاسه اللاهثة وهو يسألها:
ـ سمعتِ إيه؟
ترددت قليلاً:
ـ امممم.. أن أونكل حاتم حرم حسن من كل حاجة حتى الشغل؟
نغزة قوية شعر بها في قلبه عند سماعه اسم حسن يخرج من شفتيها.. شعور لا إرادي بالغيرة اجتاح عروقه.. يعلم أنه تقدم لخطبتها وهو مدرك تماماً لمشاعرها أو لما تظنه مشاعر ناحية شقيقه.. ولكنه لا يعلم إذا كان سيمكنه التغلب على ذلك الألم في كل مرة ستنطق بها اسمه..
أفاقه صوتها المتألم وهي تهمس:
ـ آه.. مازن سيب إيدي..
نظر بذهول ليجد أصابعه تضغط على يدها المستريحة على صدره بقوة كادت أن تحطم أناملها النحيلة..
نهض من مكانه فجأة يتأملها وهي تفرك أناملها حتى تخفف من الألم.. فغمغم بسرعة:
ـ أنا آسف.. ما قصدتش..
لم تهتم بألم يدها.. بقدر اهتمامها بالوصول إلى غايتها.. فنهضت بدورها لتقترب منه وهي تحط بكفيها على كتفيه وتلتصق به هامسة:
ـ وأنا كمان ما قصدتش اللي أنت فهمته..
ثم سمحت لأناملها بالتجول قليلاً على وجنته وذقنه وأكملت:
ـ أنا أقصد أن دي فرصتك دلوقت عشان تكون الكل في الكل وتسيطر على إدارة الشركة..
لمحت نظراته المستنكرة فاستدركت:
ـ تحت إشراف أونكل حاتم طبعاً..
أخذ مازن يتأمل ملامحها.. التصاقها الشديد به.. أناملها التي تسعى إلى إغوائه وإلهائه بلا هوادة حتى يغيب عنه المغزى الحقيقي لسؤالها أو لاهتمامها بأمور عمله.. إنها تريد الإنتقام لكرامتها.. يكاد أن يقرأ غرضها الحقيقي بأحرف كبيرة لامعة مرسوم في عينيها.. وهي تغطي ذلك بغطاء محترم يمثل لهفة الخطيبة على مصلحة خطيبها..
لفها بذراعه ليضغطها على جسده قليلاً ويرفع ذقنها لتواجه عيناها عينيه.. وأخذ يرمقها للحظات بنظرات غير مفهومة قبل أن يمد يده ليمسك كفها الذي يتجول على وجهه بلا رادع ويدس به شيئاً ما.. هامساً في أذنها:
ـ شبكتك يا حبي!
بسطت يدها لتجد بها علبة مخملية صغيرة.. فتحتها فلمحت خاتم من الذهب تعتليه ياقوتة حمراء دائرية الشكل تحيطها عدة ماسات صغيرة.. لتشكل حبة الياقوت قلب زهرة وقطع الماس الصغيرة هي أوراقها...
شهقت نيرة إعجاباً بالخاتم وأسرعت تضعه في إصبعها وتتأمل شكل يدها به..
ـ وااااااو.. مازن.. ده تحفة.. كأنه متصمم علشاني..
وافقها قائلاً:
ـ فعلاً.. هو اتصمم علشانك..
رمت ذراعيها حول عنقه هاتفة:
ـ وااااو.. ميرسي يا حبيــ..
وضع أصابعه على فمها ليمنعها في الاسترسال:
ـ أما تقولي كلمة حبيبي.. لازم تقصديها.. دي مش كلمة تتقال بدل شكراً ولا ميرسي.. ماشي..
رمقته بغيظ.. فهو يدللها بيد وبالأخرى يمسك لها العصا.. ولكن رغم هذا.. لن يستطيع الإفلات من سحرها.. لن تكون نيرة غيث إن لم تجعله كخاتم آخر في إصبعها بجوار خاتمه المذهل هذا..
زمت شفتيها قائلة:
ـ أنا زعلانة منك..
ـ ليه؟..
ـ يوم ما كلمتك من المزرعة عند عليا وقلت لك عايزة أروح.. فاكر؟..
ـ أيوه.. قلتِ عايزة أروح بعت لك السواق وروحك.. فيها إيه دي؟..
ابتعدت عنه فجأة وهي تضع يدها بخصرها وقد انساها بروده دور المغوية الذي تحاول تقمصه وهتفت بحنق:
ـ ليه بعت لي السواق؟.. ما جيتش أنت ليه؟..
تحرك ليواجهها وهو يخبرها باستفزاز:
ـ كنت مشغول..
برقت عيناها بغضب وسمعته يسألها:
ـ أنتِ كمان ما ردتيش على تليفون واحد من تليفوناتي..
همست بغيظ:
ـ كنت مشغولة..
أرجع رأسه للخلف وهو يطلق ضحاكات عالية.. ثم مد يده ليداعب ذقنها:
ـ مشغولة بتكسري مناخير يزيد!
سألته بتوجس وهي تبعد ذقنها عن متناول يده:
ـ هو قالك ايه؟..
ـ قالي على اللي حصل..
شهقت بخوف وهي تتلعثم:
ـ ايه.. قالــ..
قاطعها:
ـ قالي إن خطيبتي المجنونة اتنرفزت عليه وكسرت مناخيره.. علشان رفض يرجعها معاه في العربية.. مش هو ده اللي حصل برضوه؟
ضغطت نيرة على أسنانها بعنف.. فلولا ولائها لعلياء لكانت فضحت هذا اليزيد.. ولكنها لا تستطيع المجازفة بسمعة الغبية الصغيرة..
كادت أن تومئ موافقة على الكذبة التي أخبره بها يزيد.. إلا أنه سبقها قائلاً:
ـ خلاص يا نيرة.. أنا مقدر إخلاصك لعليا.. هي بنت كويسة وأكيد يزيد هيقدر يحميها بعد ما بقيت مراته..
هزت رأسها بعجز.. كيف تخبره أن علياء بحاجة لمن يحميها من يزيد وجنونه خاصة بعد زواجه منها وامتلاكه الحق في التواجد بحياتها بكل الطرق الممكنة.. والأدهى من سيحميها من جنون سهام عندما تعرف الحقيقة..
شعرت بيده تربت على كتفها:
ـ ما تقلقيش على عليا.. صدقيني.. يزيد كفيل بأنه يحافظ عليها كويس قوي..
ثم نظر في ساعته ليتحرك معها نحو باب الفيلا مردفاً:
ـ بكره.. هعدي عليكِ نروح نشوف الفيلا اللي اخترتها.. وبالمرة ننقي العفش..
ـ إيه!!.. بسرعة كده..
ـ نيرة.. أنا وضحت لك قبل كده أني مش عايز الكلام يكتر.. كل ما هنطول مدة الخطوبة كل ما الأسئلة هتزيد..
ودعها بقبلة دافئة على وجنتها قبل أن يتوجه إلى سيارته وينطلق بها.. تاركاً إياها تفكر أنها استمتعت حقاً بأول لقاء لها مع خطيبها الجديد.. وأنها أيضاً لم تحصل منه على إجابة تخص استيلائه على إدارة الشركة.. حتى تضمن أن تضع رقبة حسن تحت أصابعها.. لتلويها فتكسرها.. أو تعفو عنه بعد أن يعود معترفاً بخطئه..
***********
جلست منى تنتظر عودة حسن في قلق.. تخشى أن يعود من مقابلة العمل وهو يحمل نفس الرد.. اعتذار مُحرج من صاحب الشركة مع نصيحة ودودة بتسوية خلافاته مع والده..
أسبوع كامل منذ عودتهما من الأسكندرية.. وحسن يخرج يومياً باحثاً عن عمل بلا جدوى.. وبدا من الواضح أن والده أغلق أمامه جميع المنافذ بإحكام.. فالمؤسسات الكبيرة رفضت استقباله من البداية.. بينما أصحاب الشركات الأصغر اكتفوا باعتذار مقتضب عن مقابلته.. ولم يبق إلا المكاتب الصغيرة والمبتدئة والتي بدأ حسن بطرق أبوابها منذ يومين ولم يحقق نتيجة إلى الآن..
تذكرت قول حسن لها بأنهما على وشك الدخول في حرب ضروس مع والده.. وأيقنت أنه بالفعل عدو شرس لا يرحم.. فبخلاف إيقافه لكل الامتيازات المالية لحسن.. وتدخله الواضح لمنعه من العمل في أي مكان.. فقد سلبه شقته التي أعدها حسن من أجل زواجهما.. واضطرهما ذلك للمكوث في إحدى الشقق المفروشة.. والتي اقترض حسن إيجارها من جدته.. السيدة روح.. والتي تمده سراً بالأموال وتحاول مساعدته خفية عن والده.. وذلك يسبب غضب حسن الشديد.. فهو رافض لمبدأ الاقتراض وطلب المساعدة.. ولكن يده مغلولة ووالده يحكم عليه الخناق مع مرور الوقت.. حتى سيارته.. تم سحبها منه.. ولجأ حسن للمواصلات العامة في بحثه اليومي عن عمل لائق..
سمعت صوت الباب يغلق فتحركت مسرعة لتستقبل حسن الذي بدا على وجهه ملامح الإحباط الشديد.. فاقتربت منه لتحيطه بذراعيها بقوة وقد أدركت أنه في حاجة إلى المواساة:
ـ معلش يا حسن.. بكره الظروف هتتحسن..
ضمها إلى صدره وهو يغمر وجهه في شعرها.. مستمتعاً بنعومة ملمسه ومستمداً من دفئها وحنانها قوة هو في أمس الحاجة إليها..
همس لها:
ـ أنا لقيت شغل..
ابتعدت عنه قليلاً:
ـ بجد يا حسن!.. أومال مالك؟.. شكلك زعلان!..
أحاط كتفيها بذراعه واصطحبها ليجلسا على إحدى الأرائك:
ـ هو مكتب هندسي صغير.. ومش هشتغل باسمي.. هجهز التصميم.. وصاحب المكتب هو اللي هيحط عليه اسمه..
ـ بس كده يا حسن مجهودك وشغلك كله هيضيع.. ما فيش حل تاني؟..
ـ الحمد لله إني قدرت أوصل لكده.. بس..
ـ بس إيه يا حسن؟..
ـ المرتب مش هيكون كبير قوي.. يعني مش هيكفي حتى إيجار للشقة دي..
ترددت منى قليلاً قبل أن تهمس بخفوت:
ـ يا حسن أنا ممكن أشتغل وأساعد.. بلاش تنشف دماغك.. إحنا لازم نساعد بعض..
انتفض حسن هاتفاً بغضب:
ـ منى.. اقفلي على الموضوع ده نهائي.. أنا مش ممكن أسمح أن مراتي تتبهدل عشان أنا مش قادر أصرف عليها.. أنتِ متجوزة راجل.. فاهمة!..
اقتربت منه تحتوي غضبه برقة وهي تطوق عنقه بذراعيها وتداعب ذقنه بعبث:
ـ تعرف أني كده هزعل منك.. أنا فاهمة أني متجوزة راجل وسيد الرجالة كمان, لكن أنت ما تنساش أني كنت بشتغل قبل ما نتجوز وده لا قلل مني ولا قلل من أبويا.. ولا إيه؟..
أحنى رأسه خجلاً:
ـ أنا ما اقصدش طبعاً يا منى.. أنا كل اللي بفكر فيه أني لازم أحميكِ وأكون قادر على أني ألبي كل طلباتك.. افهميني.. احساسي أني مقصر..
رفعت أناملها لتضعها أمام شفتيه لتقطع كلماته:
ـ يا حبيبي.. أنا يكفيني اللي أنت عملته عشان نكون مع بعض..
رفعها بين ذراعيه لتصبح عينيه في مواجهة عينيها:
ـ أنتِ بس تقوليلي يا حبيبي.. وهموم الدنيا كلها تختفي في ثواني...
همست أمام شفتيه:
ـ حبيبي..
ضغط شفتيه على شفتيها بتوق يزداد مع اقترابه منها.. مع وجودها بين ذراعيه.. عمق قبلته ليرتوي من شهد حبها.. وكأنه سيرتوي يوماً!..
**************
فتحت عينيها لتجد نفسها وحيدة في الفراش.. تثاءبت بكسل وهي تلمح أثر رأسه مازال مطبوعاً على الوسادة بجوارها.. ثم ما لبثت أن وصلتها رائحة التبغ لتدرك أنه مازال معها في الغرفة..
دعكت عينيها بظاهر يدها لتلمح قامته بطولها المميز وقد وقف يدخن سيجارته في النافذة مرتدياً بنطاله فقط.. وبدا بعيداً بأفكاره..
سحبت نفسها من الفراش ولفت جسدها العاري بالمفرش الحريري.. وتوجهت نحوه لتحيط صدره بذراعيها وتمرغ أنفها في ظهره بعبث.. ثم تسحب اللفافة المحترقة من بين أصابعه لتضعها بين شفتيها مطلقة عدة أنفاس قبل أن تهمس جوار أذنه:
ـ ايه اللي شاغلك؟.. برضوه بتفكر فيها؟..
سمعت صوته ينهرها بعنف:
ـ دنيا.. احنا اتفاقنا كان واضح.. أنتِ حاجة وهي حاجة تانية.. ومافيش داعي تجيبي سيرتها كل شويه..
لفت جسده بين ذراعيها وهي تضمه إليها بشغف وتهمس بتوسل:
ـ آسفة.. يا حبي..
سكت ولم يرد عليها.. فأحاطت عنقه بذراعيها وهي ترفع نفسها لتطبع على شفتيه قبلة استجاب لها بعد عدة لحظات.. بينما هي تهمس بين أنفاسه:
ـ مازن.. بات الليلة هنا.. عشان خاطري ما تروحش.
