رواية اكتفيت منك عشقا الجزء الثاني الفصل الحادي عشر11 بقلم فاطمة محمد
اكتفيتُ منكَ عشقًا
(الجزء الثاني)
بقلمي فاطمة محمد
الفصل الحادي عشر:
وبرغم الريح وبرغم الجو الماطر والإعصار، الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار.
نزار قباني.
+
"اللـــــقــــــاء الأول"
-هتوافق يا بابا وهتعرف وقتها انك ظالمها.
3
أجابه عاصم بتلك الكلمات القليلة واثقًا في معشوقته...بينما آتاه صوت والده والذي عبر عن ضيقه وعدم تصديقه لما يتفوه به..
-هنشوف..الأيام ومابينا..
+
عض عاصم على شفتاه بتفكير، ثم أردف:
-سيبك من علياء دلوقتي وخلينا في مصطفى هنعمل معاه إيه؟
+
رد فوزي ببساطة:
-ولا أي حاجة..سيبك منه..وهو هيزهق لوحده لما روفان متخليهوش عارف رأسه من رجله، خلينا في المهم…
+
___________
+
دارت برأسها تحملق به بغيظ ونفاذ صبر….فهو لا يتوقف عن الحديث.. أو الثرثرة إذا صح القول..مخبرًا إياها عن علاقاته النسائية العديدة التي لا تُعد ولا تحصى...
عادت تنظر للطريق أمامها مرة ثانية...متأففة بضجر...بينما ظل يتابع مستمعًا بالحديث معها..
+
-المشكلة بقى يا بت علياء، مش في أني دائمًا بتقفش..لا المشكلة اني دايما اتقفش ورا الشجر..زي ما قفشتيني كدة..ألا صحيح قوليلي فتنتي عليا ليه يومها..
5
هتف الأخيرة بمكر شديد...مضيفًا بمرح منتظرًا سماع جوابها:
-اضايقتي لما شوفتيني مع شيرين صح...اكيد غيرتي عليا عشان أنا حليوة وبسمسم وعينك مني…
6
عادت تحملق به لوهلة مستنكرة حديثه، فغمز لها بعينه اليمنى مردفًا بنظرات عابثة:
-متبصليش بس كدة، قلبي رهيف وقلب خساية، ومش قد البصة دي يا حلو أنت يا ملبن…
12
طفح الكيل ولم تعد تتحمل كلماته الفظة الوقحة...توقفت فى إحدى الزوايا لتصدر السيارة صوتًا أثر احتكاكها القوي بالأرضية الصلبة، صارخة عليه بصوت جهوري عالي رامقة إياه بأعين جحيمية:
-ده أنت كلت دماغ أمي انزل من العربية بدل وديني هلم عليك الناس وأقولهم بيعاكسني ولا اي مصيبة تاخدك بدمك اللي يلطش ده.
+
-أنا دمي يلطش يا عديمة النظر والمفهومية...ده انا البنات بيترموا تحت رجلي عشان دمي اللي مش عجبك ده، وبعدين فكرك لو عملتي كدة هنزل وحياة امي ما نازل، واقولهم مراتي ومتخانقين أو حتى بتولد عادتشي.
11
قالها بانزعاج، يرفض تركها.. فلن يترجل من تلك السيارة وسيقضي يومه معها شاءت ذلك أم أبت..
كزت على أسنانها بقوة...واعتدلت برأسها متجنبة النظر له، مردفة بتساؤل وهدوء نسبي جعل القلق ينهشه:
-يعني مش هتنزل؟
+
رد بعد تفكير والإصرار يليح على قسماته:
-شوفي انا لو هشحت كدة مركبش ومرغيش إلا معاك أنت يا جمر..يا عسل أبيض..
2
رمقته باشمئزاز...ويديها تلتقط حقيبتها بأنفعال، تهز رأسها بتوعد وغيظ:
-طب اشبع بقى بالعربية…
+
قالتها وهى ترتجل من السيارة تحت دهشته، موقفة إحدى سيارات الأجرة التى كانت تمر ولحقت بها مشيرة لها..فتوقف السائق على الفور..
استقلت بالمقعد الخلفي تاركة إياه رفقة سيارتها.
لم يستوعب ما فعلته لوهلة..فهى حقًا بلهاء…
ما ذلك التصرف المتهور الغير متوقع؟!!!!
حقًا ادهشته وصدمته بـ آن واحد.
تحرك من مقعده منتقلًا لمقعدها مخرجًا رأسه من النافذة متمتم بصياح على أمل أن يصل لها:
-رايحة فين يا لولو وعربيتك يا بنت الهبلة..طب معاكي فلوس طاه…
1
دخل برأسه مرة أخرى وأدار سيارتها وسار خلف سيارة الأجرة يلحق بها..
+
____________
+
تقف مهرة في الشرفة العائدة لحجرتها، تراقب شقيقها الذي يرافق زوجته..عذرًا زوجته السابقة..لسيارته..
وضع حقيبتها التي لملمت بها أغراضها في صندوق السيارة الخلفي...ثم فتح باب السيارة ينتظر صعودها بها..
صعدت بجواره، فأغلق الباب من خلفها وسار حول السيارة صاعدًا في مكانه المخصص للقيادة..
سار مغادرًا من بوابة القصر بعدما فتح له البواب بوابة القصر...
كادت تعود لداخل الحجرة لكنها تصنمت مكانها وهى تراه مرة أخرى...شقت بسمة صغيرة ثغرها فلم تكن تتوقع أن تراه ثانية…
ازدادت بسمتها اتساعًا، والدهشة تعتريها مندفعة لخارج المنزل لترى ما الذي يفعله هنا….
بينما كان إبراهيم يقف مع بواب القصر يتسامر معه بعدما تجاهله سليم وغادر بسرعة فائقة..معرفًا إياه على ذاته و أنه السائق الجديد لـ سليم..
قطعت هذا التعارف مرددة اسمه الذي ظل في عقلها حتى الآن لم تنساه بعد..وكيف تنساه وهو كان بطلها…أنقذها من براثن ذلك الذئب البشري الذي أراد سلبها أنوثتها عنوة.…
-إبراهيم...بتعمل إيه هنا؟!
9
حدق بها البواب تارة وبـ إبراهيم تارة آخرى...متابعًا رد إبراهيم عليها بهدوء وبسمة:
-بشتغل..لسة اول يوم ليا انهاردة…
+
-بتشتغل إيه؟!
+
قالتها ببلاها فأجابها بنبرة ساخرة لم يتعمدها:
-واحد سواق ميكروباص هيبقى جاي يشتغل إيه...طباخ؟!
+
تبخرت بسمتها من سخريته منها، فتنحنح هو بحرج بعدما استوعب ما فعله، بينما ابتعد البواب عنهم تاركًا إياهم بمفردهم..
-ها تحبي اطبخلك إيه انهاردة؟!
+
حدقت به بهدوء تام..فأسترسل بمرح وبسمة زادت من وسامته:
-بهزر يا رمضان..إيه مبتهزرش..وعلى العموم جاي اشتغل سواق يا ستي..وبصراحة اول ما جيت هنا افتكرتك علطول وفرحت اني هشوفك تاني..أنتِ تقربي إيه لـ سليم بيه؟!
+
شعرت براحة تتغلغلها، ورغبة في الحديث معه أكثر فـ أكثر:
-مقربلوش انا الشغالة.
+
هتفت بها كابحة بسمتها على وجهه الذي تبدل ونظراته التي بدأت بفحصها، مغمغم بلهجة مرحة ممزوجة بسخرية:
-يا مصيبتي السودة ياني ياما، بقى أنتِ شغالة، اومال البت رحمة ومريم يبقوا إيه!!
+
-مين مريم و رحمة دول؟
+
نطقت بها بفضول، فأجابها بلامبالاة:
-ابدا دول اخواتي بس عايزين الحرق..ومطلعين عيني..معندكيش عرسان ليهم يا اسمك ايه، واهو ينوبك فيا ثواب…
9
ابتسمت على طريقته دون إرادتها مجيبه عليه:
-لا معنديش والله، بس اشوفلك لو حابب، عندنا تلاته هنا عزاب..وعلى فكرة أنا مش الشغالة انا اخت سليم..
+
مط شفتاه، مغمغم:
-كنت حاسس انك بتشتغليني على فكرة، يلا تتعوض، الجايات كتير..
+
ازدردت ريقها مطرقة رأسها للأسفل بخجل، قائلة بتلعثم طفيف:
-هو أنت ينفع متحكيش لحد أنك شوفتني قبل كدة..يعني قصدي اللي حصل اليوم إياه يفضل سر ما بينا..
+
استطرد بطريقة مسرحية:
-أنا اصلا مش فاكر انا شوفتك فين قبل كدة..ولا اعرفك من أساسه..يلا يا شاطرة من هنا..
12
___________
+
على الجانب الآخر…
تجلس جواره تبكي بصمت...لا تستوعب بعد أنه يتركها…
قلبها لا يتحمل ما يحدث..تشعر بأنه سيتوقف عن الخفقان إذا ابتعد عنها…
كما شعرت بحماقة فعلتها..كيف لها أن تفضح ما تشعر به من عشق يعتريه تجاه تلك المخادعة أمام الجميع...فضحته وانتهى الأمر…
رفعت أناملها وكفكفت عبراتها محاولة اخباره بمدى عشقها له..
-سليم..خلينا نرجع ..عشان خاطري انا بحبك مش هعرف اعيش من غيرك..متقسيش عليا..عارفة أني غلطت في اللي عملته ومكنش ينفع اكلم روفان كدة..بس انا من غيرتي عليك وعصبيتي مكنتش عارفة اتحكم في نفسي..خليني معاك يا سليم..أنت نسيت حبنا ايام الجامعة...ازاي قلبك قسي عليا كدة..ازاي..
1
اختلس نظرة خاطفة لها..ثم عاد ينظر أمامه مرة أخرى..متحدث بكلمات معدودة باردة زادت من نيران قلبها وجسدها:
-اسكتي يا أحلام..اسكتي لحد ما اوصلك..مش عايز اسمع صوتك لو سمحتي..
+
-يعني إيه اسكت أنت بضيع حبنا اللي بقاله سنين..ارجوك متعملش كدة..اقولك خلينا نسيب كل حاجة ونعيش لوحدنا..صدقني لو
1
قاطع حديثها المترجي جابرًا إياها على ابتلاع باقيته بجوفها، مغمغم بعصبية:
-اسكتي يا أحلام بقولك اسكتي.
+
برزت عضلات وجهه من شدة عصبيته وتشنجه...ثم وجدته يقف بالسيارة فجأة هابطًا منها..بعدما صفها بإحدى الزوايا..
لا تدرك سبب نزوله..ثوانِ وكانت تعلم السبب..فقد جاء بعلبة سجائر، قام بفتحها بعنفوان أمام مرآى عيناها..مخرجًا واحدة واضعًا إياها بين فمه واشعلها قاذفًا العلبة أمامه..مدخنًا بشراهة صاببًا جام غضبه بها...مبتسمًا بسخرية على حاله فلم يكن من انصار صب الغضب والحنق بالتدخين...فكان يدخن سابقًا بلا سبب..والآن بات لسبب..
فما يمر به جعله يلجأ لها ويتخذها وسيلة لتهدئة حاله..
+
_____________
+
"في سيارة بسام"
وضع هاتفه على أذنيه منتظرًا أجابه الطرف الآخر والذي لم يكن سوى أيهم…
أجابه أيهم بعد ثوانًا مردد:
-أيوة يا بسام..
+
رد بسام بأنفعال وعصبية مفرطة مما فعله سليم:
-شوفت يا أيهم..البيه بوظ كل حاجة وطلق أحلام...وطبعا اتجننت ودخلت في روفان شمال..وقالت أن سليم بيحبها..انا مشفتش غباوة كدة..ازاي يعمل كدة من غير ما يرجعلنا…
+
صعق أيهم مما سمعه وقصه عليه بسام، معقب بسخط واعين مندهشة:
-ازاي يعني طلقها؟؟
+
-قولي أنت ازاي...ده جدي هينفخه...ويستاهل عشان غبي...قولي أنت في العيادة؟
هتف بسام تلك الكلمات بشماته وتشفي مما سيفعله صابر بـ سليم لأخذه تلك الخطوة دون الرجوع له..
1
علق أيهم نافيًا تواجده في العيادة:
-لا نازل منها…
+
-نازل رايح فين يا بني؟
+
تنهد أيهم قبل أن يضيف:
-رايح اشوف شقة هقلبها عيادة..
+
-وهى عيادتك قصرت معاك في حاجة.
+
زفر أيهم، مجيبًا بنفاذ صبر:
-لا مقصرتش ومقولتش هقفلها بقول هشوف شقة في مكان تاني وانا مكلم واحد من المنطقة اللي عايز اخد فيها يشوفلي شقة كويسة ينفع اخليها عيادة ولسة اهو قافل معايا لقالي واحدة فهروح اشوفها لو عجبتني خير وبركة معجبتنيش هدور على غيرها واقلبها برضو عيادة وهقسم الأسبوع على الاتنين..غير أن المنطقة اصلا مفيهاش عيادات اسنان فهيبقى حلو جداا..
4
اماء بسام بتفهم، قائلًا بهدوء ينافي عصبيته منذ دقائق:
-طيب استناني ونروح سوا، خمسة دقائق وهكون قدامك..
13
أغلق أيهم معه...والتعجب يعتريه من الداخل...فلا يغيب عنه محاولات بسام للتقرب منه تلك الفترة….
بعد مرور بعض الوقت.
كان يجلس بجواره ينصت لحديثه الذي يقصه عليه مرارًا وتكرارًا دون ملل أو كلل..
مسح أيهم على وجهه، صائحًا بوجوم:
-ما خلاص يا بسام من ساعة ما ركبت وانت بتعيد وتزيد في نفس الموضوع..ياخي تف على وشي لو ركبت معاك تاني..
2
زاد بسام من قوة قبضته على المقود يزيد من سرعة السيارة صاببًا جام عصبيته بها…
-مضايق يا أيهم..سليم حرق دمي على الصبح ..الخطوة غلط ومش في وقتها..ومدام عايز يطلقها مطلقهاش من الاول وخلصنا لية...سكت ده كله وعملها دلوقتي...اه يا ناس دمي محروق…
1
قالها ملتهمًا الطريق من أمامه...غير منتبهًا لتلك الفتاة التي كانت تسير بجانب الطريق ونثر عليها بعض المياة القابعة في الأرض الصلبة بفضل سرعته لتلقي بعض السباب اللاذع الذي لم يستمع منه شيء غير مباليًا لها…
دار أيهم برأسه يرمق الفتاة بنظرة خاطفة، مغمغم بمرح:
-يا عم اهدا جبتلنا الشتيمة وبليت البنت يخربيت منظرك..
8
هتف بلامبالاة:
-يا عم فكك دول بنات شلق..هو فاضل كتير لسة..انا زهقت يا عم.
+
حدقة أيهم شرزًا، قائلًا:
-مضربتكش على ايدك أنا أنت اللي عايز تيجي معايا...واصلا وصلنا يعتبر..خش شمال اللي جاي..
+
انصاع بسام لحديثه..وبدأ بتهدئه سرعته لدخوله إحدى الحواري…
سارت عيناه ببطء على تلك الحارة، وتمتم وعيناه تنظر بالمرآة الأمامية على هؤلاء الأطفال الذين يركضون خلف سيارته الفاخرة:
-أيهم..أنت متأكد انك هتفتح عيادة هنا..
+
-اه متأكد..
+
-يا عم فكر تاني..ده الفرق بين المكان هنا وهناك عند عيادتك فرق السما والأرض، شوف العيال بيجروا ورا العربية ازاي..لا عيال ايه دول شياطين..ده انا اخاف اسيب عربيتي لوحدها..
7
لم يبالي أيهم بحديثه فقد عزم واتخذ قراره وانتهى الأمر...أشار له بإحدى الزوايا..
-بس اقف هنا تقريبا هى دي العمارة استنى اكلم الراجل..ويكون في علمك هتنزل معايا عقابًا ليك عشان تحرم تلزقلي تاني..
1
______________
+
أسفل البناية التي يقطن بها هيما مع شقيقاته…
كادت أن تلج البناية بملابسها التي ابتلت عن طريق إحدى السيارات المارة، متمتمة بأمتعاض وتشنج….
-حجش سايق مش بني آدم….يا مين يلايمني عليه وأنا اديله العلقة اللي هى وافرج عليه امه لا اله الا الله…
8
قطعت حديثها مضيقة عيناها وهى ترى تلك السيارة تقف بجوار بنايتهم...احتلت بسمة واسعة ثغرها متعرفة عليها...متوعدة بألا تتركه اليوم…
صعدت البناية بخطوات واسعة غير مبالية بصاحب البناية الذي يرافق شابين بالدور الأرضي يجعلهم يتجولون بالمنزل…
دخلت المنزل صافعة الباب من خلفها...آتت رحمة على صوت الباب متمتمة بحاجبين معقودين:
-إيه اللي رجعك تاني يا بت..مش كنتِ رايحة المراجعة…
14
انتبهت على ملابسها المبتلة من الأسفل، فاتسعت مقلتيها، ثم تابعت:
-ايه اللي بلك كدة يا فقرية؟
+
-واحد حمار سايق ومش شايف حد قدامه..عربيته مقوية قلبه..بس على مين وديني لوريه..انا شايفة العربية راكنة تحت…
1
تلفظت بتوعد، فزفرت رحمة، قائلة على مضض:
-بقولك إيه كبري دماغك وفكك دول شوية ماية، هى تلاكيك، خشي غيري عشان تلحقي المراجعة، هتسقطي تاني يخربيتك..وبعدين اخوكي لو عرف انك عملتي مصيبة تاني مش هيسكت..
+
-بقولك إيه فكك أنتِ مني وبرضو مش هسكت وسعي كدة، وآه هى تلاكيك بقى وخنقتي وقلة ادبي هتطلع على جتته..
2
هتفت الأخيرة متجهه صوب الشرفة لتنظر للأسفل على السيارة فوجدتها لاتزال تقف..اندفعت سريعًا تجاه دور المياة لتملأ دلوًا من الماء، وتحركت به تجاه الشرفة واضعة اياه بجوارها...منتظرة خروجه..
دقائق مرت….
والتقطت عيناها هذان الشابان الوسيمان يقتربان من السيارة..فكان إحدهم يقف مع صاحب البناية يودعه والآخر دار حول السيارة ليقف أمام الباب المخصص القيادة ويبدو أنه من تسبب بعودتها للمنزل…
ابتسمت بشر….متمتمة بخفوت وهى تنتشل الدلو الممتلئ بصعوبة:
-يارب تيجي فيه يارررررب.
+
أنهت حديثها مفرغة ذلك الدلو فوق رأسه...ابتعد بسام على الفور بأعين جاحظة وفاه مفتوح..لا يصدق ما حدث له... رافع رأسه للأعلى ليرى الفاعل...صائحًا بجهورية وشراسة وهو يرى تلك الفتاة:
-إيه العما واخد حده معاكي..مش شايفة بتدلقي ماية فين..
13
عقب حديثه تلفظ صاحب البناية الذي هرول مقتربًا منه، حانقًا مما فعلته:
-إيه يا مريم مش تفتحي...بهدلتي الراجل، حد يدلق ماية من البلكونة..
+
-معلش يا عم متولي فدايا اعيش واغرق…
+
دنا أيهم من ابن عمه كابحًا بسمته ولم يتعرف عليها، خاصة بعدما استكملت، مردفة:
-وبعدين متقلقش الماية مش وسخة اووي..ده انا شاطفة فيها الغسيل..
ده أنا حتى بستخدم برسيل جيل ابو ريحة ده من الغالي يعني حاجه بهواتي كده اياكش بس تنضف…
14
تسمر بسام مكانه يتلوى من داخله غيظًا..فرفع رأسه مجددًا صارخًا بغيظ مكتوم وقسمات متشنجة:
-والله لولا أنك بت ك
+
قاطعته بحدة:
-لا يا اخويا انا مش بت...ونزلالك يا عرة الرجالة...لما نشوف حبيب امه هيعمل إيه…
20
ولجت رحمة الشرفة تزامنًا مع خروج مريم منها.. حاولت عدولها عن الهبوط ولكن لا حياة لمن تنادي، اقتربت رحمة من سور الشرفة و نظرت للأسفل هى الأخرى، متمتمة بصوت عالي جذب انتباه بسام وأيهم :
-معلش يا اسمك إيه..وبعدين دي ماية غسيل..حد قالك أنها ماية نار…
2
-لا بقى ده أنتوا مستفزين بجد…
+
أشارت رحمة على نفسها، متحدثة بحاحب مرفوع:
-أنا مستفزة.. طب تصدق انك محتاج رباية وحلال عليك اللي هتعمله فيك…
1
تأفف متولي معتذرًا له ولـ ايهم:
-آنا آسف على اللي حصل..بس البنت دي واختها بتوع مشاكل وكل يوم بخناقة في الحارة محدش بيسلم معاهم بيتخانقوا بسبب ومن غير سبب..وأخوهم غلب معاهم و
+
قطع بسام حديثه، مردفًا يتذمر:
-خلاص يا عم هتحكيلي قصة حياتهم..يلا يا أيهم خلينا نمشي من هنا…
+
على الطرف الآخر كانت فادية تقف في النافذة الصغيرة تراقب ما يحدث..مختلسة النظرات لسيارة ذلك الشاب هامسة مع نفسها:
-ادي العربيات ولا بلاش..يا سلام لو كنت أصغر بتاع خمستاشر سنة كنت وقعتلي على واحد زي دول…
2
جاءت ملك من الداخل على تلك الأصوات، وطلت برأسها ترى ما سبب تلك الضجة…
ارتخت ملامحها وهى تراه يقف بالأسفل، لا تبالي بحديث فادية التي أضافت موضحة لها:
-شوفي البت رحمة واختها بيتخانقوا مع شباب زي الورد.. ومقصوفة الرقبة اللي اسمها مريم دي غرقت الراجل ماية..
+
إلتوى ثغر ملك ببسمة خبيثة و عادت لغرفتها ملتقطة إسدال الصلاة الخاص بها وإرتدته بتعجل، هابطة للأسفل..
لم تهتم فادية بنزولها وعادت تتابع ما سيحدث...
صعد بسيارته فلا يصدق بعد أنها ستهبط وتتشاجر معه حقًا..
لكنها تخطت حدودها...و وجدها تقف جوار نافذته بعدما استقل السيارة وتضرب على النافذة الزجاجية براحة يديها تحسه على الترجل:
-انزلي يا اخويا...انت رايح فين..ده انت غرقتني ماية وضيعت عليا المراجعة..روح منك لله..هو اكمنك معاك عربية تدوس على الناس..
+
زفر بسام بقوة واتقن سبب شجارها...كذلك أيهم الذي تحدث بنفاذ صبر مدركًا بأنها تلك الفتاة التي تناثرت عليها المياة بفضل ابن عمه:
-يلا يا بسام الموضوع مش مستاهل وشكلها هبلة ومأفورة شكلها بتتفرج على هندي كتير..
1
وصل لهم صوت رحمة من الأعلى مردفة بتشجيع:
-متسكتيش يا بت يا مريم ده شتم اختك وقالي أنتِ مستفزة ولو
+
ابتلعت حديثها وهى ترى رفيقتهم التي تربت معهم منذ الصغر تخرج راكضة بأتجاه السيارة تلحق بـ مريم..
ربتت على كتف مريم معلقة بأنفاس عالية أثر ركضها:
-خلاص يا مريم..دول تابعي..
+
التفتت مريم على الفور متعرفة على صاحبة هذا الصوت الأنثوي..لتتناسى غضبها وترتمي بأحضانها..
بادلتها عناقها وعيناها تحدق بـ أيهم الذي ازدادت خفقاته بجنون...وتعلقت عينه بها وبسمة جذابة تأخذ مسارها على وجهه الوسيم…
لاحظ بسام تلك النظرات المتبادلة بين أيهم وملك..فخرج صوت بخبث ومكر:
-آه قول كدة بقى دي مش حكاية عيادة وشغل..دي حكاية حب..
12
أشار له أيهم حتى يغادر كابحًا رغبته وشوقه للحديث معها..لكنه لم يفعلها فلو فعلها ستكون حديث الجميع…
-اطلع يا بسام..
+
بينما سعدت رحمة بل تراقص قلبها لرؤيتها، ولم تنتظر صعودها بل هبطت هى الآخرى.
+
___________
+
هبطت علياء من سيارة الأجرة بملامح وجهه مقتضبه..منزعجة..خاصة بعدما هاتفها عاصم وتسامر معها لدقائق عالمًا بأنها في طريقها (البيوتي)..ثم أغلق معها متحججًا بالعمل..
زفرت بقوة، وشعور بالمقط قد أصابها...تتمنى أن ينتهي كل شيء قريبًا..وتتخلص من عاصم..ذلك الخائن..الذي تلاعب بها وبقلبها..
اقتربت من باب (البيوتي سنتر) ليستقبلها العامل المسئول عن انتهاء تحضيراته..مد يده بالمفتاح الخاص به..مخبرًا إياهم أن عملهم قد انتهى وغادر باقي العمال والمكان بات جاهزًا.
اشرقت بسمة بسيطة ملامحها الجميلة ثم ولجت للمكان وعيناها تجوب به ...لحظات وكانت تشكره..وأعطته الدفعة الباقية من الأموال…
غادر الرجل وبقت بمفردها...لا تعلم بأن هناك من يراقبها من الخارج ...
ترجل مروان من سيارتها بعدما التقطت عيناه الرجل وهو يغادر…
جالت عيناها بالمكان متنهدة براحة وسعادة طفيفة…
متذكرة كيف كانت تنتظر انتهاء هذا المكان..لكن الآن تشعر بأن سعادتها تبخرت..وربما تكون هى من تبدلت..وباتت آخرى يملؤها الحزن.
انتشلها صوته الذكوري والذي همس بجوار أذنيها..مستنشقًا عطر خصلاتها..
-حلو المكان..وأووي كمان..
+
تنهدت براحة فقد تملكها الرعب لاقتراب أحدهم منها بتلك الطريقة..ابتعدت سريعًا رامقة إياه بنظرات ساحقة كارهه، متحدثة بألم ومرارة:
-هو أنت عايز إيه مني..بتلاحقني ليه..انا زهقت حقيقي زهقت ومليت..انا مش واحدة من الشمال اللي تعرفهم..ولو فاكر أن باللي بتعمله ده هتخليني انجذب ليك يبقى بتحلم..انا كنت بكره صنف الرجالة بسبب بابا..وعاصم الوحيد اللي قدر يخليني احبه.. والحمدلله ندمت على حبي ده..وكرهني اكتر في صنف الرجالة..وأنت مش احسن منهم..زيك زيهم يا مروان..
+
كان ينصت لحديثها بتركيز شديد ونظرات عميقة..فلأول مرة يشعر بتأثر من حديث إحدهم..ألمته..وشعر بغصة مريرة تقف بحلقه..صُعب عليه ابتلاعها…
+
تابعت بترجي:
-ابعد عني يا مروان..عشان أنا حقيقي فيا اللي مكفيني..وأنت باللي بتعمله هتبوظ كل حاجة..وهتخلي عاصم يشك فيا..لو عرف انك بتتردد على البيت عندي..والالعن هتخلي الجيران يكلموا عني..
+
خيم صمت مريب...فقط يتبادلون النظرات...يرى بعيناها الألم والخزى...رأى توسل وترجي بأن يبتعد عنها…
ترقرقت العبرات بعيناها وسالت إحدهم على وجنتيها…
رفع يديه وهو مغيب..لتلامس أنامله بشرتها الدافئة الناعمة..
باغتها بتلك الفعلة..فما كان منها سوى أنها ابتعدت عنه عائدة خطوتان للخلف…
جحظت عيناها سريعًا وهى ترى سيارة عاصم بالخارج….
تمتمت دون وعي وهى تتلفت حولها بقلق، ماسحة وجهها تزيل آثار الدموع، متناسية حزنها منشغلة بتلك المعضلة التي حلت على رأسها:
-احيييه عاصم جه..اعمل إيه يخربيتك…
اوديك فين..
+
-احييه ايه يا علياء انتي اسكندرانية يا بت…
13
هتف بمرح محاولًا تهدأتها...فما كان منها سوا سحبه من ملابسه وتخبئته داخل المرحاض الخاص بالسيدات…
ثم أولت ظهرها للباب محاولة تنظيم انفاسها واخفاء توترها…
ترجل عاصم وولج (البيوتي) ويداه بجيب بنطاله والإعجاب يليح على محياه، متمتم بصوت مسموع:
-ايه الجمال ده...حقيقي جاحد مكنتش متخيل هيبقى بالجمال ده...مبروك عليكي يا قلبي…
+
التفتت علياء رامقة إياه بنظرة متفحصة من أعلاه لاسفله، متحدثة بهدوء زائف وملامح جامدة كالجماد:
-الله يبارك فيك..
+
مط شفتاه مستمعًا لطريقتها في الحديث معه..
دنا منها حتى وقف قبالتها..تأمل ملامحها لثوانِ مردفًا:
-لسة زعلانه مني..
+
-وازعل منك لية هو أنت عملت حاجة تضايق لسمح الله؟!
+
نطقت بنبرة ساخرة، فأجابها بأيماءة:
-أيوة تضايق مكنش المفروض اعمل كدة..بس انا ضعفت قدامك مقدرتش امسك نفسي عنك..انا بحبك يا علياء..بحبك اكتر مما تتخيلي...متمنتش حاجة في الدنيا دي قد ما اتمنيتك...أنا آسف يا حبيبتي..آسف اني خوفتك مني..وصدقيني مستحيل اقربلك تاني إلا وأنتِ مراتي وبموافقتك..
+
ابتلعت لعابها، ناعته إياه في سرها فقد فضح ما حدث بينهم..ومن المؤكد بأن مروان ينصت لحديثهم ذلك..
أما بالداخل فكان حقًا يسترق السمع لهم...وتملكه الغضب وسيطر عليه بتلك اللحظة ما أن استمع لكلماته...ومعرفته بمحاولته للمسها والتقرب منها...
حاولت علياء إنهاء الحديث، وهى تنظر في اللاشيء متلاشية النظر بعيناه:
-خلينا نمشي يا عاصم..عايزة اروح..
+
-لا يا علياء مش هامشي قبل ما تقوليلي انك سامحتيني…
+
اخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء نسبي، قائلة بضيق طفيف وكلمات كاذبة:
-مسمحاك يا عاصم، أنت عارف مبعرفش ازعل منك…
+
تنفس الصعداء وتراقص قلبه، مقتربًا ملتقطًا يداها، متمتم دون سابق إنذار:
-خلينا نتجوز يا علياء..
+
أطلت الصدمة من عيناها...ثانية..أثنان...ثم أجابته دون تردد، متيقنه ما سيحدث إذا رفضت ذلك العرض:
-وانا اكيد موافقة….
+
لم يصدق جوابها...كان يتوقع رفضها...فقد نجح والده في زرع الشك داخله…
تبسم ثغره، هاتفًا بسعادة طاغية:
-بجد يا علياء..بجد موافقة..
+
-أيوة يا عاصم موافقة…
+
التقط يداها مقبلًا إياها بنهم...مغمغم:
-أنا هكلم بابا وهنبدأ في التحضيرات في اسرع وقت، يلا خليني اوصلك..واطلع على الشركة عشان مصطفى..
+
قطبت حاجبيها وقالت بتعجب:
-مصطفى رجع؟
+
-أيوة رجع يلا خ
+
قاطعته، رافضة الذهاب متحججة برغبتها في البقاء:
-لا امشي أنت..انا لسة عايزة أتمم على شغلهم، عشان لو في حاجة اكلمهم..
+
اماء لها وعاد يقبل يداها الناعمة مرة أخرى..ثم غادر…
عقب مغادرته خرج مروان من المرحاض صافعًا الباب خلفه بقوة هادرة..صارخًا في وجهها بغضب أعمى وجحيمي لا يدرك سببه:
-مش هتجوزيه أنتِ سامعه..مش هتجوزيه…
1
صمتت دهشة..وربما صدمة..بينما أضاف بنبرة يشوبها غيرة طفيفة:
-قوليلي عملك ايه ها..باسك مش كدة...انتي ازاي تسبية يلمسك…
14
تبدلت نبرته لأخرى حادة صارمة...محكمًا قبضته حول ذراعيها..فصاحت رافضة ذلك الأسلوب الهمجي ناقصة ذراعه:
-إيه ده انت اتجننت بتمسكني كدة لية وبتكلم معايا ازاي كدة..أنت فاكر نفسك مين..وبتكلم بأي حق...اطلع برررة …
+
ترك يداها بغضب واندفع من امامها بسرعة البرق…
6
____________
+
غادرت حجرة النوم بعدما استيقظت من نومها في وقت متأخر، و وجدته يتمدد بجوارها وذاهبًا في سبات عميق هو الآخر، خطت بقدميها داخل المطبخ بعينيها الناعسة، رافعة أناملها تفرك بهم...جالت عيناها بالمطبخ بحثًا عن شيء تُعده لهم في هذا الصباح..تقدمت من الثلاجة وكادت تفتحها فتناهى لأذنيها صوت باب المنزل وهو يغلق بعنف…
قطبت ما بين حاجبيها وتساءلت بينها وبين نفسها بقلق وفزع:
-إيه ده؟!
+
تحركت بتباطأ وفتحت إحدى الأدراج بهدوء تام والتقطت سكين حادًا ظنًا بأنه لص..فليس هناك وقت لتيقظ زوجها…
ازدردت ريقها وقبضت على السكين بقوة وما لبثت أن تخرج لترى من اقتحم منزلهم...فـ آتاها صوت حماتها وهى تصيح:
-الله هو أنتم لسة نايمين ولا إيه..يا إسلام..بت يا فرح..
9
تنهدت فرح براحة، وتركت السكين من يدها على الفور بقوة مصدره صوتًا عاليًا...خرجت من المطبخ لتقابل أمل في وجهها، مغمغمة بحدة:
-هو أنتِ صاحية اومال مبترديش لية، وكلة سد الحنك على الصبح ولا إيه..إسلام فين هو مش ناوي ينزل الشغل بقى ولا إيه..
+
تحولت تعابير فرح لتهكم تام، معلقة:
-شغل؟ أنتِ عايزاه ينزل الشغل واحنا لسة عرسان جداد..ده أحنا لسة مكملناش ح
+
قاطعتها بحدة مضيفة:
-كفاية اوي عليكي، ابني لازم يشوف مصلحته مش هتفديه بحاجة لو طردوه من الشغل..
+
أنهت حديثها تنوي على التحرك من مكانها متجهه لحجرتهم، تقتحمها مثلما اعتادت…
اوقفتها يد فرح التي أحكمت قبضتها على ذراعيها متمتمة بترقب:
-أنتِ رايحة فين، إسلام نايم؟؟
+
نفضت امل يديها وشيء ما يخبرها بأن تلك الفتاه لن تكن سهلة مثلما ظنت..
أجابتها بخشونه ورفعه حاجب:
-عارفة يختي أنه نايم..وبعدين أنتِ بتمنعيني اخش اوضه ابني...لا اسمعي كدة من اولها عشان نبقى حلوين مع بعض...عوج مبحبش..اللي قبليكي لما فكرت تعمل زيك كدة، نهايتها كانت الطلاق...خليته طلقها ومنزلش كلمة امه حبيب امه...وأنتِ مش هتيجي اغلى من اللى راحت..ومتنسيش أني أنا اللي اختارتك لابني فـ تبوسي ايدك وش وظهر..عشان لحقتك قبل ما تبوري وتعنسي..
16
_____________
+
تتمدد على الفراش ..تحتضن صورة والدتها...لم تبالي بصوت خديجة وصابر المترجي كي تفتح لهم منذ دقائق قليلة...فلا تبالي بأي شيء الآن...حالتها تزداد سوءًا…
تشعر بأنها داخل متاهة..كلما اوشكت على الخروج منها وجدت ذاتها تضيع بداخلها أكثر فـ أكثر…
خاصة بعد ما فعلته أحلام اليوم...حديثها وصراخها عليها أمام الجميع..نعتها بالكاذبة...المخادعة...فضحت آمرهم واخبرتهم بأنها ليست ابنتهم الحقيقة….ليست هى الحفيدة التى طال انتظارها...بل هى آخرى كاذبة تبحث عن جاني...إذا علمت هويته قتلته دون تردد..لن تشفق عليه مثلما فعل معها….
اخذت نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ ذلك السؤال بأثارة الشكوك بداخلها رويدًا رويدًا تجاه احلام…
فكيف لم تخبرهم بأنها روفان الحقيقة...إذا كانت صادقة…
لم تفعلها...إذن هى أيضًا كاذبة..وخدعتها…
انتفضت وتصلبت في جلستها على الفراش شاردة بنقطة ما...متمتمة بخفوت و دقات عالية لما توصلت له…
-ازاي ونتيجة التحليل اللي طلعت إيجابي... ازاي؟؟؟؟
22
__يتبع__
+
بقلمي فاطمة محمد
+
