رواية وصية صفية كامله وحصريه بقلم منال ابراهيم
*المقدمة*
حينما يتملك الطمع من نفوس البشر
حينما تصبح الأنانية والأنانية فقط هي الحاكمة...ترى من يدفع الثمن?
حينما يتعرض الإنسان للظلم من أقرب الأقربين...فإلى من يلجأ ويستكين?
وعندما تأتيك الطعنة من حبيب...فآنى لجروحك أن تطيب.
ولكن...لابد لهذا الظلم من آخر...وحتما سيأتي يوم ينقلب فيه السحرعلى الساحر.
**********************
*مقتطفات من الفصل الأول*
صفوت: مش قادر افهم أمك لحد امتى حتفضل محملاني ذنب موت صفية وكإني قتلتها
********************************
سمية: عمك ده مش حيرتاح غير لما يجيب للبنت دي عقدة نفسية
********************************
علي: يا ماما أنا مشاعري وأحاسيسي مش ملك حد عشان يفرض وصايته عليها
********************************
لبنى: انتي عارفة علي أخويا مش بيحب يبين مشاعره لحد
********************************
نورهان: احنا مش حنضحك على بعض يا لبنى
********************************
لمياء: أنا مش بدافع عنها هيا...أنا بدافع عن حق أخويا في إختيار شريكة حيات
الفصل الأول
الحكاية بإختصار بدأت في يوم كنت قاعد فيه مع عمي في أوضة مكتبه في الفيلا بتاعته...الباب خبط ودخلت منه نادية بنت عمي الكبيرة
نادية بإبتسامة:
- صباح الخير يا بابا
بادلها والدها الإبتسامة قائلا:
-صباح النور على بنوتي الحلوة....غريبة إيه اللي مصحيكي ومخليكي تروحي الجامعة بدري كده النهاردة...لأ وكمان جاية تقوليلي صباح الخير...شكلك كده بيقول انك عايزة فلوس
أجابت على الفور قائلة:
-إيه ده هو أنا باين عليا اوي كده...ولا انت اللي دايما قاريني كده ومابعرفش اخبي عنك حاجة ابدا
اجابها دون أن تفارقه إبتسامته
-:ها عايزة كام يا ستي المرادي?
نادية: انت وذوقك بقى يا صفوت باشا.
اجابها وهو يقوم بفتح الخزانة الموجودة بجوار مكتبه:
-:حاضر يا ستي من عنيا...بس ما قولتيليش عاوزاهم في إيه?
نادية : اصل الكلية عندنا عاملة رحلة لشرم...وأنا عايزة اطلع مع صحابي
استدار إليها قائلا بجدية:
-والرحلة دي فيها بيات يعني?
ابتسمت قائلة:
-طبعا يا بابا...امال حاروح شرم وارجع في نفس اليوم يعني؟
ضيق عينيه قائلا في ضيق:
-ايوه يا نادية بس انتي عايزة تروحي شرم وتباتي هناك لوحدك
نادية: يابابا ماانا قلت لحضرتك إني رايحة تبع الكلية...يعني حيكون معايا صحابي والدكاترة بتوعي...يعني مافيهاش حاجة ...ماتحبكهاش بقى
ابتسم قائلا وهو يمد يده إليها بالمال:
-خلاص يا ستي حاقول إيه تاني...انتي اصلا بتعرفي تثبتيني ازاي...بس إيه ده يا نادية...كل ده وماسلمتيش على ابن عمك
التفتت نادية إلى الشاب الجالس امام المكتب قائلة بضجر:
-سوري يا علي...ماخدتش بالي انك هنا...ازيك وازي طنط سمية ولبني ولميا كلهم عاملين إيه?
ابتسم علي قائلا بسعادة:
-الحمد لله يا نادية...كلنا بخير ...انتي أخبارك إيه?
اجابت قائلة بتعالي:
-زي الفل زي ما انت شايف...ثم اعادت النظر إلى والدها قائلة: سلام بقى يا بابا...عشان الحق ادفع إشتراك الرحلة
صفوت:مع السلامة يا حبيبة بابا
خرجت نادية واغلقت الباب خلفها فالتفت علي إلى عمه قائلا بتردد:
- إذا سمحتلي يا عمي...كنت عايز اقول حاجة لحضرتك بس من غير ما تزعل مني
حدق فيه صفوت ثم قال بإندهاش:
-إيه اللي بتقوله ده يا علي...أنا ازعل منك برضه...انت عارف كويس انك بالنسبالي مش ابن أخويا وبس...انت إبني اللي ماخلفتوش يا علي...قول اللي انت عايزه علطول.
شعر علي بالطمأنينة لكلام عمه فقال:
- ازاي حضرتك توافق ببساطة كده ان نادية تسافروتتبات كام يوم بره البيت كمان لوحدها?
هز رأسه مؤكدا على كلام علي ثم قال بأسى:
-معاك حق يا علي...بس انت عارف أنا بضعف ازاي ادام نادية...البنت مامتها الله يرحمها ماتت وهيا عندها تلت سنين وأنا باحاول بكل الطرق اعوضها...وبعدين نادية مايتخافش عليها وأنا واثق فيها كويس...وبعدين معاها صحابها والدكاترة بتوعها يعني مش لوحدها ولا حاجة زي ما بتقول...خلاص بقى ماتكبرش الموضوع اوي كده
تنهد علي قائلا في ضيق:
- اللى تشوفه حضرتك يا عمي
انهى حديثهما صوت طرقات على باب الغرفة ...نظر صفوت إلى علي قائلا:
- يظهر أن نادية رجعت تاني
أذن صفوت للطارق بالدخول...ولكنها لم تكن نادية هذه المرة...فما ان إنفتح الباب حتى دخلت منه فتاة بيضاء البشرة رقيقة الملامح في الحادية والعشرين من عمرها ...القت السلام على كليهما ...وما إن رأها صفوت حتى تجهم وجهه وأجابها قائلا في تأفف:
-وعليكم السلام يا اختي...نعم عايزة إيه...مش عارفة ان أنا وعلي عندنا شغل دلوقتي...جاية تعطلينا وخلاص
كسا الحزن ملامح وجهها وهي تستمع لكلماته ولكنها تجاهلت ذلك والتفتت إلى علي قائلة بإبتسامة:
- ازيك يا علي?
اجابها علي قائلا:
- الحمد لله يا نورهان...انتي اخبارك إيه?
نورهان: بخير والحمد لله...ثم التفتت إلى والدها قائلة:
-بابا أنا كنت محتاجة فلوس عشان اشتري شوية كتب ومراجع عشان الكلية
صفوت بضيق: فلوس فلوس...انتي مابتشبعيش فلوس.
امتلأت عيناها بالدموع واطرقت برأسها دون أن تجيب ...فاردف قائلا وهو يمد يده إليها بالمال قائلا:
-خدي يا اختي...ويلا شوفي انتي رايحة فين ...احنا ورانا شغل مش فاضيينلك
خرجت مسرعة من الغرفة تشيعها نظرات علي الذي شعر بالشفقة عليها ...التفت إليه صفوت قائلا:
-هايا علي ...احنا كده خلصنا ولا لسه فيه ورق تاني عايز يتمضي?
أجابه علي قائلا:
-لا يا عمي كده الورق كله تمام ...كده يا دوب نلحق نبعته بالفاكس
صفوت: ...لا انت حتسافر دمياط بنفسك وتاخد الوق معاك وتستلم شحنة الخشب من المينا وتوديها المخزن الكبير ...
اجابه قائلا في دهشة:
-إيه ده يا عمي...هو أنا اللي حاستلم شحنة الخشب من المينا
صفوت: ايوه طبعا...هو فيه حد غيرك?
علي: طيب واحمد وادهم يا عمي...ماهم موجودين هناك وممكن أي واحد فيهم يستلمها
صفوت: لا احمد وادهم ماينفعش حد فيهم يسيب شغله هناك...مافيش حد يسد مكانهم...لكن انا هنا موجود مكانك في الشركة لحد ما ترجع بالسلامة إن شاءالله...
اجابه علي مستفسرا:
-أيوه يا عمي...بس النهاردة الأربع ...معقول حاسافر النهاردة وارجع وبعدين اسافر تاني يوم الجمعة...هو حضرتك ناسي ان دي أخر جمعة في الشهر ولا إيه?
أجابه محاولا إنهاء هذه المناقشة:
-لا مش ناسي ولا حاجة...انت حتفضل هناك لحد يوم الجمعة لما احنا نجيلك وبعدين حنرجع كلنا سوا
علي: طيب وأمي وإخواتي مين اللي حيوصلهم?
طمأنه صفوت قائلا:
-ماتقلقش...أنا حاجيبهم معايا وأنا جايلك دمياط إن شاءالله
نكس على رأسه وقال بتردد:
-أيوه يا عمي بس......
صفوت: إيه يا علي? مكسوف تقولي ان أمك مش حتوافق تركب معايا...أنا مش قادر افهم أمك لحد إمتى حتفضل محملاني ذنب موت صفية وكإني قتلتها...مش قادرة تفهم لحد دلوقتي ان أنا وصفية كنا ضحايا طمع جدك الله يرحمه بقى...عموما أنا حاخلي نورا تاخدهم معاها بعربيتها واحنا مسافرين...ماتشغلش بالك انت ...يلا عشان تلحق تحضر شنطتك وتسافر علطول
علي بإذعان:
-حاضر يا عمي...عن إذن حضرتك
ودعه صفوت قائلا:
-مع السلامة وماتنساش تسلملي على عمتك لحد ما اشوفها
خرج علي واغلق الباب خلفه ...فارتمى صفوت على أقرب مقعد ووضع رأسه بين كفيه سامحا للذكريات أن تتسلل إلى عقله ...تذكر ذلك اليوم حين أستدعاه والده إلى مكتبه داخل إحدى معارض الأثاث بدمياط وحدثه قائلا:
"فلاش باك"
حامد وهو يشير إلى أحد المقاعد:
- تعالى يا صفوت اقعد عايز اتكلم معاك في موضوع مهم
جلس صفوت حيث أشار والده وقال بهدوء:
-خير يا حج ...موضوع إيه ده اللي حضرتك عايزني فيه?
حامد: انت عارف يا صفوت ان أنا وعمك صالح شركا في المعرض ده غير اننا صحاب من زمان اوي ونسايب كمان...مش كده ولا إيه?
اجاب صفوت قائلا في دهشة:
- ايوه عارف طبعا يا حج...بس إيه مناسبة الكلام ده?
حامد بجدية:
-شوف يا ابني ...م الآخر كده أنا قررت اخطبلك صفية بنت عمك صالح
ارتسمت معالم الضيق على وجهه وقال بإعتراض:
-ايوه يا حج بس أنا....
قاطعه حامد قائلا:
-انت إيه إن شاءالله...يكونش عندك إعتراض على صفية ولا حاجة?
صفوت: مش الفكرة يا بابا...لكن صفية دي أنا ما بحبهاش وعمري ما فكرت فيها كزوجة يعني
أجاب حامد قائلا بإنفعال:
-حب إيه وكلام فارغ إيه ده...وبعدين هو أنا بقولك حبها...أنا باقولك اتجوزها والحب ده يبقى ييجي بعدين...اشمعنا عزت أخوك لما طلبت منه يتجوز سمية أختها وافق علطول ...وماعملش زيك كده...ودلوقتي بقى عندهم علي ربنا يباركلهم فيه...ولا انت عايزها تتجوز واحد غريب وتدخله مابينا...وبعدين لما عمك صالح يموت تلاقيه واقف بيقولنا حق مراتي...
تنهد صفوت قائلا في ضيق :
- يا بابا عزت وافق يتجوز سمية عشان بيحبها ...يعني دي كانت رغبته من الأساس...وبعدين حضرتك تضمن منين انها توافق ...مش يمكن تكون هيا كمان مش عايزاني
حامد: لا من الناحيةدي اطمن خالص...أنا عارف انها بتحبك وعايزاك...من الأخر كده عمك صالح بقاله مدة بيلمحلي بالموضوع ده...مايعرفش اني كنت مستني لما تخلص السنة اللي فاضلالها وبعدين اطلبها منه...لكن أنا باقول تخطبها دلوقتي ونكتب الكتاب والفرح يبقى بعد سنة لما تخلص دراستها الأول...ها قلت إيه?
صفوت: ماحضرتك رتبت كل حاجة آهوه ...محتاج رأيي في إيه بقى?
حامد بإنفعال:
- يا واد افهم ماتبقاش غشيم...لما انت تتجوزها واخوك متجوز أختها كل حاجة حتبقى في إديكوا انتو ا الاتنين بعد كده...ومش بعيد المعرض ده يبقى سلسلة معارض والبركة فيك انت وعزت بقى...انما أنا وعمك صالح خلاص عجزنا...وبعدين ده انتوا حتى أساميكوا لايقة مع بعضها...انت صفوت وهيا صفية
اجاب قائلا بحدة:
- يا بابا قلت لحضرتك مابحبهاش ...مابحبهاش هو الجواز بالعافية
اقترب منه حامد قائلا بإنفعال:
- امال بتحب مين إن شاءالله?لا ماهو رفضك ده اكيد وراه واحدة تانية
نكس رأسه وقال بإرتباك:
-بصراحة كده ايوه...فيه واحدة تانية بحبها وعايز اتجوزها
- ودي مين دي بقى إن شاءالله اللي فضلتها على صفية وعايز تتجوزها?
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يستجمع صفوت شجاعته قائلا:
-دي تبقى فردوس بنت عم صبحي
اقترب منه حامد حتى اصبح في مواجهته تماما وقال بإستنكار:
-بنت مين يا أخويا ...سمعني تاني كده
ازدرد صفوت لعابه بصعوبة ثم قال بخفوت:
-ما أنا قلت لحضرتك بنت عم صبحي
ازدادت نبرة صوته إرتفاعا وهو يقول:
-صبحي...صبحي الشيال بتاع المعرض...صبحي المرمطون...صبحي المشاويرجي اللي بيجيبلنا الطلبات...ثم قال بمزيد من السخرية:لا ونعم النسب...هو ده النسب اللي اتشرف بيه صحيح...انت باين عليك اتجننت رسمي
صفوت: يابابا انا بحبها وبعدين الفقر عمره ماكان عيب...ومش معني انه بيشتغل عندنا اننا نبقى احسن منه
لم يشعر حامد إلا ويده تهوي على وجه صفوت الذي تحسس بيده مكان الصفعة قائلا بأسى:
-بتضربني يا بابا...دي أول مرة حضرتك تمد إيدك عليا وكل ده عشان مين ...عشان خاطر صفية
حامد: القلم ده عشان خاطر يفوقك ويرجعلك عقلك في راسك...واعمل حسابك اننا حنروح كلنا لعمك صالح يوم الخميس الجاي عشان نخطبلك صفية...وصبحي ده أنا حاعرف شغلي معاه هو وبنته
"باك"
تنهد صفوت قائلا: الله يسامحك يا حج حامد...انت اللي خلتني اكره صفية واكره كل حاجة بتفكرني بيها
خرج علي مسرعا يحاول اللحاق بنورهان قبل أن تغادر إلى الجامعة...وجدها تقف في حديقة الفيلا إلى جوار سيارتها وتبكي بحرقة فاقترب منها قائلا:
-معلش يا نورهان ...مش عايزك تزعلي من عمي
زادت حدة بكائها وهي تقول:
-أنا مش فاهمة هو بيعاملني كده ليه...أنا عمري ماعملت حاجة تزعله مني...كل جريمتي إني ابقى بنت صفية
ابتسم علي قائلا:
- معلش يا ستي ...امسحيها فيا أنا
كفكفت دموعها وأجابته قائلة:
- وانت ذنبك إيه يا علي?...بس قولي صحيح ...هو انت ليه دايما بتقولي نورهان مع إن الناس كلها بتقولي يا نورا...ليه مش بتقول نورا زيهم?
- هو مش نورهان ده برضه اسمك ولا أنا غلطان?
- بس أنا بحب إسم نورا عشان ماما الله يرحمها كانت بتناديني بيه
-طيب انا كنت بس حابب أقولك لو احتاجتي أي حاجة تقدري تطلبيها مني من غير ما تتكسفي...انتي زي لبنى أختى
ارتسمت معالم الضيق على وجهها وقالت بتهكم:
-زي لبنى أختك....متشكرة اوي يا علي مش عايزة حاجة ...عن إذنك بقي عشان زمان لبنى اختك اللي أنا زيها دي مستنية في الشارع
ركبت نورا سيارتها وانطلقت بها في طريقها إلى بيت عمها لتصطحب لبنى معها إلى الجامعة...فيما وقف علي يحدث نفسه قائلا:
-مالها دي...هو أنا قلت حاجة غلط?
مرت نورا بسيارتها لتجد لبني بإنتظارها أمام البناية التي توجد بها شقة عمها...وما ان ركبت لبنى حتي لاحظت معالم الضيق المرتسمة على وجهها بوضوح فقالت مستفهمة:
-مالك يا نورا? فيه حاجة مزعلاكي...وبعدين انتي اتأخرتي عليا ليه النهاردة ...عاجبك كده وأنا واقفة في الشارع بتعاكس
- معلش يا لبنى غصب عني ...روحت لبابا عشان اطلب منه فلوس للمراجع اللي محتاجاها للبحث...انتي عارفة اني بحب اعمل الأبحاث من الكتب مش من النت...اداني كلمتين في جنابي كالعادة ادام علي خلاني خرجت من عنده وأنا باعيط
- وانتي بقى زعلانة عشان اداكي كلمتين ولا عشان الكلمتين دول كانوا ادام علي ?
التفتت إليها نورا ثم عاودت النظر امامها قائلة:
- شكلك فايقة ع الصبح...وعموما أخوكي هو كمان ما اتوصاش...خرج ورايا يقولي ماتزعليش وانتي زي لبنى أختي
اجابتها لبنى قائلة في تذمر:
- يا سلام يا أختي...وانتي بقى زعلانة عشان قالك زي لبنى...مش عجباكي لبنى ولا إيه?
- اصطبحي يا بت انتي مش نقصاكي
- ما انتي عارفة يا نورا أن علي أخويا مش بيحب يبين مشاعره لحد
- احنا مش حنضحك على بعض يا لبنى...أنا عارفة كويس ان ده هو شعور علي من ناحيتي...هو شايفني أخته مش اكتر من كده
حاولت لبنى تغيير الموضوع فقالت بمزاح:
- طيب بصي ادامك يا اختي وانتي بتسوقي احسن ندخل في شجرة ولا عامود نور من تحت راس سي علي حبيب القلب
وفي مكان أخر جلست سيدة في بداية الخمسينات من عمرها وقد ارتدت نظارتها الطبية وهي ترتل أيات من كتاب الله بصوت شجي...حين دخل ولدها قائلا: السلام عليكم يا أمي
اغلقت المصحف ووضعته بجوارها ثم خلعت نظارتها قائلة بإبتسامة:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا حبيبي...إيه يا علي اللي رجعك بدري كده من الشركة النهاردة
- لا يا حبيبتي أنا اصلا ماروحتش الشركة النهاردة...أنا كنت عند عمي في الفيلا بأمضي شوية اوراق وجاي احضر شنطتي عشان مسافر دمياط دلوقتي ان شاءالله استلم شحنة خشب من المينا هناك
وحاستنى هناك لحد يوم الجمعة لحد ماتيجوا وبعدين نرجع كلنا سوا
-طيب واحنا مين اللي حيوصلنا دمياط انا وإخواتك
-ماتقلقيش يا حبيبتي...عمي قالي إنه حيخلي نورهان تاخدكوا معاها في عربيتها ...اسكتي يا ماما النهاردة حصل حتة موقف ادامي من عمي بس ضايقني اوي
أجابت سمية قائلة بقلق:
- خير يا حبيبي...موقف إيه ده اللي ضايقك?
قص علي على والدته من حدث من عمه مع كل من نادية ونورا...ارتسم الحزن على قسمات وجهها ...بدت وكأنها كانت تنتظر موقفا كهذا حتى تخرج شحنة الغضب الكامنة في صدرها تجاه صفوت فقالت بإنفعال:
- يا حبيبتي يا بنت أختي...عمك ده مش حيرتاح غير لما يجيب للبنت دي عقدة نفسية...مش كفاية أمها اللي موتها بحسرتها من عمايله فيها...أقول فيه إيه بس...مش خايف من ربنا...ثم رفعت يديها و أخذت تدعو قائلة:
- ربنا يخلصها منه على خير ...ويوعدها بابن الحلال اللي يستاهلها (قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر لعلي بطرف عينها)
قام علي من مكانه مسرعا وهو يقول:
- أيوه...أنا قايم قبل ما اسطوانة كل يوم تشتغل
نظرت إليه سمية قائلة بأسى:
- كده برضه يا علي...ده بدل ماتريح قلبي من ناحية نورا...وتقولي أنا اولى ببنت خالتي من الغريب
اجابها علي قائلا بضيق:
-يا ماما هو انتوا مش بتزهقوا من الكلام في الموضوع ده انتي شوية ولبنى شوية...ثم يعني هيا حتة أرض حتقوليلي الجار أولى بالشفعة...يا حبيبتي ده حب وجواز يعني مشاعر وأحاسيس وحاجات كتير اوي مش بحسها مع نورهان
مطت شفتيها وقالت في إستياء واضح:
- وانت يا أخويا بقى مشاعرك وأحاسيسك ماتحركتش غير ناحية بنت فردوس
اجاب قائلا بتذمر:
- ومالها يا ماما بنت فردوس...مش هيا كمان بنت عمي ولا يعني عشان مش بنت أختك يبقى خلاص
تنهدت قائلة بألم:
-والله يا ابني مش عشان هيا مش بنت أختي وبس...أنا بس مستغربة ازاي حد يبقى ادامه واحدة زي نورا ويفكر في واحدة زي نادية
أجابها علي وهو يقوم بترتيب ملابسه ووضعها داخل إحدى الحقائب:
- شوفي يا ماما ...انا بحب فيها مرحها وشقاوتها والبهجة اللي بتضيفها على أي مكان تدخله...لكن بنت اختك دي عليها هدوء يجيب شلل بصراحة...صحيح أنا ما انكرش ان نادية فيه في تصرفاتها حاجات كتير ما بتعجبنيش ده غير لبسها وحكاية انها مش محجبة دي برضه مضيقاني...بس اوعدك ان شاءالله لما نتجوز كل ده حيتغير
ما إن انهى علي جملته الأخيرة حتي دلفت إلى داخل الغرفة فتاة في التاسعة عشر من عمرها وهي تفرك وجهها بيديها محاولة محو أثار النوم وقالت بتثاؤب:
- ابقى قابلني
حدق فيها علي قائلا بغيظ:
-ليه يا أم لسان ونص?
أجابت على الفور قائلة:
-عشان اللي بيتغير عشان حد ده لازم يكون بيحبه...لكن مش باين عليها اصلا انها بتحبك...أنا اشك اصلا أن نادية بنت عمي دي بتعرف أساسا تحب حد غير نادية وبس
اجابها علي قائلا بثقة:
-ماتقلقيش أنا حاعرف ازاي اخليها تحبني زي ما بحبها
همت سمية أن تتحدث فأوقفتها لمياء قائلة:
-ما تتعبيش نفسك يا ماما بالكلام في الموضوع ده...علي بيحبها يبقى من حقه إنه يتجوزها...وأنا بصراحة شايفة ان حضرتك ولبنى مزودينها شوية في الكلام في الموضوع ده
-اللي يسمعك وانتي بتدافعي عنها كده...مايشوفكيش انتي وهيا وانتوا عاملين زي ناقر ونقير
- يا حبيبتي أنا مش بدافع عنها هيا...أنا بدافع عن حق أخويا في إختيار شريكة حياته...مش معني اني أنا وهيا مش بنتفق مع بعض ان علي ما يتجوزهاش...وكمان مش معني إنه يتجوزها إنه يجبرني اتعامل معاها عادي وأنا اساسا مش باطيقها...ثم أنا مش بتناقر معاها أنا باخد حقي بس بالأدب...هيا اللي كل ماتشوفني تقولي يا دكتورة البهايم
شعرت سمية أنه لا جدوى من المناقشة وانها ستخرج خاسرة كالعادة فاطرقت برأسها قائلة بأسى:
- طيب ووصية صفية أختي الله يرحمها ليا وهيا بتموت...أنا مش قادرة انسى شكلها وهيا ماسكة إيدي وبتقولي وصيتي ليكي نورا يا سمية...خلي بالك منها واعتبريها بنتك التالتة ...وجوزيها لعلي...عشان ابقى مطمنة عليها ...أنا عارفة انها بتحبه من صغرها وحتبقى سعيدة معاه...لما أقابل أختي وتسألني أقولها إيه?
قبلتها لمياء من وجنتها قائلة :
- بعد الشر عليكي يا حبيبتي
اجابها علي قائلا بإصرار وهو يقوم بإغلاق حقيبته:
- يا ماما كل واحد بيوصي في الحاجة اللي يملكها...وأنا مشاعري واحاسيسي مش ملك حد عشان يفرض وصايته عليها...وعشان تبطلوا كلام معايا في الموضوع ده...أنا بقولكوا آهوه...أنا حتى لو ما اتجوزتش نادية...برضه مش حاتجوز نورهان...وعن إذنكوا بقى عشان أنا كده اتأخرت...ثم حمل حقيبته وغادر متجها إلى دمياط
ربتت لمياء على كتف والدتها قائلة :
-ماما يا حبيبتي...بيتهيألي ان خالتو صفية الله يرحمها لو كانت عايشة ماكانتش حتبقى مبسوطة ابدا وبنتها بتتجوز واحد مش بيحبها...ولا انتي رأيك إيه?
تنهدت سمية ثم أخذت تدعو الله قائلة بتوسل:
- ربنا يهديك يا علي يا ابني وينور بصيرتك
يتبع
الحكاية بإختصار بدأت في يوم كنت قاعد فيه مع عمي في أوضة مكتبه في الفيلا بتاعته...الباب خبط ودخلت منه نادية بنت عمي الكبيرة
نادية بإبتسامة:
- صباح الخير يا بابا
بادلها والدها الإبتسامة قائلا:
-صباح النور على بنوتي الحلوة....غريبة إيه اللي مصحيكي ومخليكي تروحي الجامعة بدري كده النهاردة...لأ وكمان جاية تقوليلي صباح الخير...شكلك كده بيقول انك عايزة فلوس
أجابت على الفور قائلة:
-إيه ده هو أنا باين عليا اوي كده...ولا انت اللي دايما قاريني كده ومابعرفش اخبي عنك حاجة ابدا
اجابها دون أن تفارقه إبتسامته
-:ها عايزة كام يا ستي المرادي?
نادية: انت وذوقك بقى يا صفوت باشا.
اجابها وهو يقوم بفتح الخزانة الموجودة بجوار مكتبه:
-:حاضر يا ستي من عنيا...بس ما قولتيليش عاوزاهم في إيه?
نادية : اصل الكلية عندنا عاملة رحلة لشرم...وأنا عايزة اطلع مع صحابي
استدار إليها قائلا بجدية:
-والرحلة دي فيها بيات يعني?
ابتسمت قائلة:
-طبعا يا بابا...امال حاروح شرم وارجع في نفس اليوم يعني؟
ضيق عينيه قائلا في ضيق:
-ايوه يا نادية بس انتي عايزة تروحي شرم وتباتي هناك لوحدك
نادية: يابابا ماانا قلت لحضرتك إني رايحة تبع الكلية...يعني حيكون معايا صحابي والدكاترة بتوعي...يعني مافيهاش حاجة ...ماتحبكهاش بقى
ابتسم قائلا وهو يمد يده إليها بالمال:
-خلاص يا ستي حاقول إيه تاني...انتي اصلا بتعرفي تثبتيني ازاي...بس إيه ده يا نادية...كل ده وماسلمتيش على ابن عمك
التفتت نادية إلى الشاب الجالس امام المكتب قائلة بضجر:
-سوري يا علي...ماخدتش بالي انك هنا...ازيك وازي طنط سمية ولبني ولميا كلهم عاملين إيه?
ابتسم علي قائلا بسعادة:
-الحمد لله يا نادية...كلنا بخير ...انتي أخبارك إيه?
اجابت قائلة بتعالي:
-زي الفل زي ما انت شايف...ثم اعادت النظر إلى والدها قائلة: سلام بقى يا بابا...عشان الحق ادفع إشتراك الرحلة
صفوت:مع السلامة يا حبيبة بابا
خرجت نادية واغلقت الباب خلفها فالتفت علي إلى عمه قائلا بتردد:
- إذا سمحتلي يا عمي...كنت عايز اقول حاجة لحضرتك بس من غير ما تزعل مني
حدق فيه صفوت ثم قال بإندهاش:
-إيه اللي بتقوله ده يا علي...أنا ازعل منك برضه...انت عارف كويس انك بالنسبالي مش ابن أخويا وبس...انت إبني اللي ماخلفتوش يا علي...قول اللي انت عايزه علطول.
شعر علي بالطمأنينة لكلام عمه فقال:
- ازاي حضرتك توافق ببساطة كده ان نادية تسافروتتبات كام يوم بره البيت كمان لوحدها?
هز رأسه مؤكدا على كلام علي ثم قال بأسى:
-معاك حق يا علي...بس انت عارف أنا بضعف ازاي ادام نادية...البنت مامتها الله يرحمها ماتت وهيا عندها تلت سنين وأنا باحاول بكل الطرق اعوضها...وبعدين نادية مايتخافش عليها وأنا واثق فيها كويس...وبعدين معاها صحابها والدكاترة بتوعها يعني مش لوحدها ولا حاجة زي ما بتقول...خلاص بقى ماتكبرش الموضوع اوي كده
تنهد علي قائلا في ضيق:
- اللى تشوفه حضرتك يا عمي
انهى حديثهما صوت طرقات على باب الغرفة ...نظر صفوت إلى علي قائلا:
- يظهر أن نادية رجعت تاني
أذن صفوت للطارق بالدخول...ولكنها لم تكن نادية هذه المرة...فما ان إنفتح الباب حتى دخلت منه فتاة بيضاء البشرة رقيقة الملامح في الحادية والعشرين من عمرها ...القت السلام على كليهما ...وما إن رأها صفوت حتى تجهم وجهه وأجابها قائلا في تأفف:
-وعليكم السلام يا اختي...نعم عايزة إيه...مش عارفة ان أنا وعلي عندنا شغل دلوقتي...جاية تعطلينا وخلاص
كسا الحزن ملامح وجهها وهي تستمع لكلماته ولكنها تجاهلت ذلك والتفتت إلى علي قائلة بإبتسامة:
- ازيك يا علي?
اجابها علي قائلا:
- الحمد لله يا نورهان...انتي اخبارك إيه?
نورهان: بخير والحمد لله...ثم التفتت إلى والدها قائلة:
-بابا أنا كنت محتاجة فلوس عشان اشتري شوية كتب ومراجع عشان الكلية
صفوت بضيق: فلوس فلوس...انتي مابتشبعيش فلوس.
امتلأت عيناها بالدموع واطرقت برأسها دون أن تجيب ...فاردف قائلا وهو يمد يده إليها بالمال قائلا:
-خدي يا اختي...ويلا شوفي انتي رايحة فين ...احنا ورانا شغل مش فاضيينلك
خرجت مسرعة من الغرفة تشيعها نظرات علي الذي شعر بالشفقة عليها ...التفت إليه صفوت قائلا:
-هايا علي ...احنا كده خلصنا ولا لسه فيه ورق تاني عايز يتمضي?
أجابه علي قائلا:
-لا يا عمي كده الورق كله تمام ...كده يا دوب نلحق نبعته بالفاكس
صفوت: ...لا انت حتسافر دمياط بنفسك وتاخد الوق معاك وتستلم شحنة الخشب من المينا وتوديها المخزن الكبير ...
اجابه قائلا في دهشة:
-إيه ده يا عمي...هو أنا اللي حاستلم شحنة الخشب من المينا
صفوت: ايوه طبعا...هو فيه حد غيرك?
علي: طيب واحمد وادهم يا عمي...ماهم موجودين هناك وممكن أي واحد فيهم يستلمها
صفوت: لا احمد وادهم ماينفعش حد فيهم يسيب شغله هناك...مافيش حد يسد مكانهم...لكن انا هنا موجود مكانك في الشركة لحد ما ترجع بالسلامة إن شاءالله...
اجابه علي مستفسرا:
-أيوه يا عمي...بس النهاردة الأربع ...معقول حاسافر النهاردة وارجع وبعدين اسافر تاني يوم الجمعة...هو حضرتك ناسي ان دي أخر جمعة في الشهر ولا إيه?
أجابه محاولا إنهاء هذه المناقشة:
-لا مش ناسي ولا حاجة...انت حتفضل هناك لحد يوم الجمعة لما احنا نجيلك وبعدين حنرجع كلنا سوا
علي: طيب وأمي وإخواتي مين اللي حيوصلهم?
طمأنه صفوت قائلا:
-ماتقلقش...أنا حاجيبهم معايا وأنا جايلك دمياط إن شاءالله
نكس على رأسه وقال بتردد:
-أيوه يا عمي بس......
صفوت: إيه يا علي? مكسوف تقولي ان أمك مش حتوافق تركب معايا...أنا مش قادر افهم أمك لحد إمتى حتفضل محملاني ذنب موت صفية وكإني قتلتها...مش قادرة تفهم لحد دلوقتي ان أنا وصفية كنا ضحايا طمع جدك الله يرحمه بقى...عموما أنا حاخلي نورا تاخدهم معاها بعربيتها واحنا مسافرين...ماتشغلش بالك انت ...يلا عشان تلحق تحضر شنطتك وتسافر علطول
علي بإذعان:
-حاضر يا عمي...عن إذن حضرتك
ودعه صفوت قائلا:
-مع السلامة وماتنساش تسلملي على عمتك لحد ما اشوفها
خرج علي واغلق الباب خلفه ...فارتمى صفوت على أقرب مقعد ووضع رأسه بين كفيه سامحا للذكريات أن تتسلل إلى عقله ...تذكر ذلك اليوم حين أستدعاه والده إلى مكتبه داخل إحدى معارض الأثاث بدمياط وحدثه قائلا:
"فلاش باك"
حامد وهو يشير إلى أحد المقاعد:
- تعالى يا صفوت اقعد عايز اتكلم معاك في موضوع مهم
جلس صفوت حيث أشار والده وقال بهدوء:
-خير يا حج ...موضوع إيه ده اللي حضرتك عايزني فيه?
حامد: انت عارف يا صفوت ان أنا وعمك صالح شركا في المعرض ده غير اننا صحاب من زمان اوي ونسايب كمان...مش كده ولا إيه?
اجاب صفوت قائلا في دهشة:
- ايوه عارف طبعا يا حج...بس إيه مناسبة الكلام ده?
حامد بجدية:
-شوف يا ابني ...م الآخر كده أنا قررت اخطبلك صفية بنت عمك صالح
ارتسمت معالم الضيق على وجهه وقال بإعتراض:
-ايوه يا حج بس أنا....
قاطعه حامد قائلا:
-انت إيه إن شاءالله...يكونش عندك إعتراض على صفية ولا حاجة?
صفوت: مش الفكرة يا بابا...لكن صفية دي أنا ما بحبهاش وعمري ما فكرت فيها كزوجة يعني
أجاب حامد قائلا بإنفعال:
-حب إيه وكلام فارغ إيه ده...وبعدين هو أنا بقولك حبها...أنا باقولك اتجوزها والحب ده يبقى ييجي بعدين...اشمعنا عزت أخوك لما طلبت منه يتجوز سمية أختها وافق علطول ...وماعملش زيك كده...ودلوقتي بقى عندهم علي ربنا يباركلهم فيه...ولا انت عايزها تتجوز واحد غريب وتدخله مابينا...وبعدين لما عمك صالح يموت تلاقيه واقف بيقولنا حق مراتي...
تنهد صفوت قائلا في ضيق :
- يا بابا عزت وافق يتجوز سمية عشان بيحبها ...يعني دي كانت رغبته من الأساس...وبعدين حضرتك تضمن منين انها توافق ...مش يمكن تكون هيا كمان مش عايزاني
حامد: لا من الناحيةدي اطمن خالص...أنا عارف انها بتحبك وعايزاك...من الأخر كده عمك صالح بقاله مدة بيلمحلي بالموضوع ده...مايعرفش اني كنت مستني لما تخلص السنة اللي فاضلالها وبعدين اطلبها منه...لكن أنا باقول تخطبها دلوقتي ونكتب الكتاب والفرح يبقى بعد سنة لما تخلص دراستها الأول...ها قلت إيه?
صفوت: ماحضرتك رتبت كل حاجة آهوه ...محتاج رأيي في إيه بقى?
حامد بإنفعال:
- يا واد افهم ماتبقاش غشيم...لما انت تتجوزها واخوك متجوز أختها كل حاجة حتبقى في إديكوا انتو ا الاتنين بعد كده...ومش بعيد المعرض ده يبقى سلسلة معارض والبركة فيك انت وعزت بقى...انما أنا وعمك صالح خلاص عجزنا...وبعدين ده انتوا حتى أساميكوا لايقة مع بعضها...انت صفوت وهيا صفية
اجاب قائلا بحدة:
- يا بابا قلت لحضرتك مابحبهاش ...مابحبهاش هو الجواز بالعافية
اقترب منه حامد قائلا بإنفعال:
- امال بتحب مين إن شاءالله?لا ماهو رفضك ده اكيد وراه واحدة تانية
نكس رأسه وقال بإرتباك:
-بصراحة كده ايوه...فيه واحدة تانية بحبها وعايز اتجوزها
- ودي مين دي بقى إن شاءالله اللي فضلتها على صفية وعايز تتجوزها?
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يستجمع صفوت شجاعته قائلا:
-دي تبقى فردوس بنت عم صبحي
اقترب منه حامد حتى اصبح في مواجهته تماما وقال بإستنكار:
-بنت مين يا أخويا ...سمعني تاني كده
ازدرد صفوت لعابه بصعوبة ثم قال بخفوت:
-ما أنا قلت لحضرتك بنت عم صبحي
ازدادت نبرة صوته إرتفاعا وهو يقول:
-صبحي...صبحي الشيال بتاع المعرض...صبحي المرمطون...صبحي المشاويرجي اللي بيجيبلنا الطلبات...ثم قال بمزيد من السخرية:لا ونعم النسب...هو ده النسب اللي اتشرف بيه صحيح...انت باين عليك اتجننت رسمي
صفوت: يابابا انا بحبها وبعدين الفقر عمره ماكان عيب...ومش معني انه بيشتغل عندنا اننا نبقى احسن منه
لم يشعر حامد إلا ويده تهوي على وجه صفوت الذي تحسس بيده مكان الصفعة قائلا بأسى:
-بتضربني يا بابا...دي أول مرة حضرتك تمد إيدك عليا وكل ده عشان مين ...عشان خاطر صفية
حامد: القلم ده عشان خاطر يفوقك ويرجعلك عقلك في راسك...واعمل حسابك اننا حنروح كلنا لعمك صالح يوم الخميس الجاي عشان نخطبلك صفية...وصبحي ده أنا حاعرف شغلي معاه هو وبنته
"باك"
تنهد صفوت قائلا: الله يسامحك يا حج حامد...انت اللي خلتني اكره صفية واكره كل حاجة بتفكرني بيها
خرج علي مسرعا يحاول اللحاق بنورهان قبل أن تغادر إلى الجامعة...وجدها تقف في حديقة الفيلا إلى جوار سيارتها وتبكي بحرقة فاقترب منها قائلا:
-معلش يا نورهان ...مش عايزك تزعلي من عمي
زادت حدة بكائها وهي تقول:
-أنا مش فاهمة هو بيعاملني كده ليه...أنا عمري ماعملت حاجة تزعله مني...كل جريمتي إني ابقى بنت صفية
ابتسم علي قائلا:
- معلش يا ستي ...امسحيها فيا أنا
كفكفت دموعها وأجابته قائلة:
- وانت ذنبك إيه يا علي?...بس قولي صحيح ...هو انت ليه دايما بتقولي نورهان مع إن الناس كلها بتقولي يا نورا...ليه مش بتقول نورا زيهم?
- هو مش نورهان ده برضه اسمك ولا أنا غلطان?
- بس أنا بحب إسم نورا عشان ماما الله يرحمها كانت بتناديني بيه
-طيب انا كنت بس حابب أقولك لو احتاجتي أي حاجة تقدري تطلبيها مني من غير ما تتكسفي...انتي زي لبنى أختى
ارتسمت معالم الضيق على وجهها وقالت بتهكم:
-زي لبنى أختك....متشكرة اوي يا علي مش عايزة حاجة ...عن إذنك بقي عشان زمان لبنى اختك اللي أنا زيها دي مستنية في الشارع
ركبت نورا سيارتها وانطلقت بها في طريقها إلى بيت عمها لتصطحب لبنى معها إلى الجامعة...فيما وقف علي يحدث نفسه قائلا:
-مالها دي...هو أنا قلت حاجة غلط?
مرت نورا بسيارتها لتجد لبني بإنتظارها أمام البناية التي توجد بها شقة عمها...وما ان ركبت لبنى حتي لاحظت معالم الضيق المرتسمة على وجهها بوضوح فقالت مستفهمة:
-مالك يا نورا? فيه حاجة مزعلاكي...وبعدين انتي اتأخرتي عليا ليه النهاردة ...عاجبك كده وأنا واقفة في الشارع بتعاكس
- معلش يا لبنى غصب عني ...روحت لبابا عشان اطلب منه فلوس للمراجع اللي محتاجاها للبحث...انتي عارفة اني بحب اعمل الأبحاث من الكتب مش من النت...اداني كلمتين في جنابي كالعادة ادام علي خلاني خرجت من عنده وأنا باعيط
- وانتي بقى زعلانة عشان اداكي كلمتين ولا عشان الكلمتين دول كانوا ادام علي ?
التفتت إليها نورا ثم عاودت النظر امامها قائلة:
- شكلك فايقة ع الصبح...وعموما أخوكي هو كمان ما اتوصاش...خرج ورايا يقولي ماتزعليش وانتي زي لبنى أختي
اجابتها لبنى قائلة في تذمر:
- يا سلام يا أختي...وانتي بقى زعلانة عشان قالك زي لبنى...مش عجباكي لبنى ولا إيه?
- اصطبحي يا بت انتي مش نقصاكي
- ما انتي عارفة يا نورا أن علي أخويا مش بيحب يبين مشاعره لحد
- احنا مش حنضحك على بعض يا لبنى...أنا عارفة كويس ان ده هو شعور علي من ناحيتي...هو شايفني أخته مش اكتر من كده
حاولت لبنى تغيير الموضوع فقالت بمزاح:
- طيب بصي ادامك يا اختي وانتي بتسوقي احسن ندخل في شجرة ولا عامود نور من تحت راس سي علي حبيب القلب
وفي مكان أخر جلست سيدة في بداية الخمسينات من عمرها وقد ارتدت نظارتها الطبية وهي ترتل أيات من كتاب الله بصوت شجي...حين دخل ولدها قائلا: السلام عليكم يا أمي
اغلقت المصحف ووضعته بجوارها ثم خلعت نظارتها قائلة بإبتسامة:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا حبيبي...إيه يا علي اللي رجعك بدري كده من الشركة النهاردة
- لا يا حبيبتي أنا اصلا ماروحتش الشركة النهاردة...أنا كنت عند عمي في الفيلا بأمضي شوية اوراق وجاي احضر شنطتي عشان مسافر دمياط دلوقتي ان شاءالله استلم شحنة خشب من المينا هناك
وحاستنى هناك لحد يوم الجمعة لحد ماتيجوا وبعدين نرجع كلنا سوا
-طيب واحنا مين اللي حيوصلنا دمياط انا وإخواتك
-ماتقلقيش يا حبيبتي...عمي قالي إنه حيخلي نورهان تاخدكوا معاها في عربيتها ...اسكتي يا ماما النهاردة حصل حتة موقف ادامي من عمي بس ضايقني اوي
أجابت سمية قائلة بقلق:
- خير يا حبيبي...موقف إيه ده اللي ضايقك?
قص علي على والدته من حدث من عمه مع كل من نادية ونورا...ارتسم الحزن على قسمات وجهها ...بدت وكأنها كانت تنتظر موقفا كهذا حتى تخرج شحنة الغضب الكامنة في صدرها تجاه صفوت فقالت بإنفعال:
- يا حبيبتي يا بنت أختي...عمك ده مش حيرتاح غير لما يجيب للبنت دي عقدة نفسية...مش كفاية أمها اللي موتها بحسرتها من عمايله فيها...أقول فيه إيه بس...مش خايف من ربنا...ثم رفعت يديها و أخذت تدعو قائلة:
- ربنا يخلصها منه على خير ...ويوعدها بابن الحلال اللي يستاهلها (قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر لعلي بطرف عينها)
قام علي من مكانه مسرعا وهو يقول:
- أيوه...أنا قايم قبل ما اسطوانة كل يوم تشتغل
نظرت إليه سمية قائلة بأسى:
- كده برضه يا علي...ده بدل ماتريح قلبي من ناحية نورا...وتقولي أنا اولى ببنت خالتي من الغريب
اجابها علي قائلا بضيق:
-يا ماما هو انتوا مش بتزهقوا من الكلام في الموضوع ده انتي شوية ولبنى شوية...ثم يعني هيا حتة أرض حتقوليلي الجار أولى بالشفعة...يا حبيبتي ده حب وجواز يعني مشاعر وأحاسيس وحاجات كتير اوي مش بحسها مع نورهان
مطت شفتيها وقالت في إستياء واضح:
- وانت يا أخويا بقى مشاعرك وأحاسيسك ماتحركتش غير ناحية بنت فردوس
اجاب قائلا بتذمر:
- ومالها يا ماما بنت فردوس...مش هيا كمان بنت عمي ولا يعني عشان مش بنت أختك يبقى خلاص
تنهدت قائلة بألم:
-والله يا ابني مش عشان هيا مش بنت أختي وبس...أنا بس مستغربة ازاي حد يبقى ادامه واحدة زي نورا ويفكر في واحدة زي نادية
أجابها علي وهو يقوم بترتيب ملابسه ووضعها داخل إحدى الحقائب:
- شوفي يا ماما ...انا بحب فيها مرحها وشقاوتها والبهجة اللي بتضيفها على أي مكان تدخله...لكن بنت اختك دي عليها هدوء يجيب شلل بصراحة...صحيح أنا ما انكرش ان نادية فيه في تصرفاتها حاجات كتير ما بتعجبنيش ده غير لبسها وحكاية انها مش محجبة دي برضه مضيقاني...بس اوعدك ان شاءالله لما نتجوز كل ده حيتغير
ما إن انهى علي جملته الأخيرة حتي دلفت إلى داخل الغرفة فتاة في التاسعة عشر من عمرها وهي تفرك وجهها بيديها محاولة محو أثار النوم وقالت بتثاؤب:
- ابقى قابلني
حدق فيها علي قائلا بغيظ:
-ليه يا أم لسان ونص?
أجابت على الفور قائلة:
-عشان اللي بيتغير عشان حد ده لازم يكون بيحبه...لكن مش باين عليها اصلا انها بتحبك...أنا اشك اصلا أن نادية بنت عمي دي بتعرف أساسا تحب حد غير نادية وبس
اجابها علي قائلا بثقة:
-ماتقلقيش أنا حاعرف ازاي اخليها تحبني زي ما بحبها
همت سمية أن تتحدث فأوقفتها لمياء قائلة:
-ما تتعبيش نفسك يا ماما بالكلام في الموضوع ده...علي بيحبها يبقى من حقه إنه يتجوزها...وأنا بصراحة شايفة ان حضرتك ولبنى مزودينها شوية في الكلام في الموضوع ده
-اللي يسمعك وانتي بتدافعي عنها كده...مايشوفكيش انتي وهيا وانتوا عاملين زي ناقر ونقير
- يا حبيبتي أنا مش بدافع عنها هيا...أنا بدافع عن حق أخويا في إختيار شريكة حياته...مش معني اني أنا وهيا مش بنتفق مع بعض ان علي ما يتجوزهاش...وكمان مش معني إنه يتجوزها إنه يجبرني اتعامل معاها عادي وأنا اساسا مش باطيقها...ثم أنا مش بتناقر معاها أنا باخد حقي بس بالأدب...هيا اللي كل ماتشوفني تقولي يا دكتورة البهايم
شعرت سمية أنه لا جدوى من المناقشة وانها ستخرج خاسرة كالعادة فاطرقت برأسها قائلة بأسى:
- طيب ووصية صفية أختي الله يرحمها ليا وهيا بتموت...أنا مش قادرة انسى شكلها وهيا ماسكة إيدي وبتقولي وصيتي ليكي نورا يا سمية...خلي بالك منها واعتبريها بنتك التالتة ...وجوزيها لعلي...عشان ابقى مطمنة عليها ...أنا عارفة انها بتحبه من صغرها وحتبقى سعيدة معاه...لما أقابل أختي وتسألني أقولها إيه?
قبلتها لمياء من وجنتها قائلة :
- بعد الشر عليكي يا حبيبتي
اجابها علي قائلا بإصرار وهو يقوم بإغلاق حقيبته:
- يا ماما كل واحد بيوصي في الحاجة اللي يملكها...وأنا مشاعري واحاسيسي مش ملك حد عشان يفرض وصايته عليها...وعشان تبطلوا كلام معايا في الموضوع ده...أنا بقولكوا آهوه...أنا حتى لو ما اتجوزتش نادية...برضه مش حاتجوز نورهان...وعن إذنكوا بقى عشان أنا كده اتأخرت...ثم حمل حقيبته وغادر متجها إلى دمياط
ربتت لمياء على كتف والدتها قائلة :
-ماما يا حبيبتي...بيتهيألي ان خالتو صفية الله يرحمها لو كانت عايشة ماكانتش حتبقى مبسوطة ابدا وبنتها بتتجوز واحد مش بيحبها...ولا انتي رأيك إيه?
تنهدت سمية ثم أخذت تدعو الله قائلة بتوسل:
- ربنا يهديك يا علي يا ابني وينور بصيرتك
يتبع
