رواية وصية صفية الفصل الثاني 2 بقلم منال ابراهيم
*الفصل الثاني*
في أحد المنازل التابعة لأحد المراكز بمحافظة دمياط ومع إشراقة شمس يوم جديد وقفت سيدة في نهاية الخمسينات من عمرها إلى جوار أحد الآسرةوهي تحاول إيقاظ ولدها الذي كان يغط في سبات عميق...سئمت من تكرار المحاولات إلى المرة التي لم تعد تتذكر عددها...فجلست إلي جواره على الفراش وجذبت الغطاء وهي تقول في نفاذ صبر:
- يا واد يا ادهم قوم بقى وجعت قلبي
نهض من مكانه أخيرا وهو يقول بتأفف:
-يا ساتر هو الواحد مايعرفش ينام شوية في البيت ده.
أجابته والدته قائلة بسخرية:
-كل ده ومش عارف تنام...يا ابني قوم بقى عشان اعرف نويت على إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه مع بعض امبارح
اعتدل في جلسته وأخذ يمسح وجهه بكفيه محاولا التذكر قبل أن يقول:
-اديني قمت آهوه...عايزة إيه يا الفت يا بنت حامد الدمياطي
لوت شفتيها قائلة في إستياء:
-يا واد اتكلم مع أمك بأدب شوية...الحق عليا إني عايزة مصلحتك
نظر إليها بطرف عينه وقال بتهكم:
-احنا حنضحك على بعض ولا إيه?بقى عايزة مصلحتي أنا برضه
-يا سيدي عايزة مصلحتنا كلنا ارتحت كده...قوم بقى اغسل وشك وأنا ححضرلك فطار إنما إيه...تاكل صوابعك وراه ونتكلم واحنا بنفطر...يلا بقى يا ادهومتي
-يا سلام...ياسلام عليكي لما بيبقى ليكي طلب عند حد...بتبقي واحدة تانية خالص غير ألفت اللي أنا أعرفها
وضعت يدها علي خدها وقالت بتصنع:
-كده برضه يا ادهم...وأنا اللي كنت بأقول ان ادهم هو إبني حبيبي اللي حيسمع كلامي ويعمل اللي أنا عايزاه واللي فيه مصلحتنا كلنا
-يا سلام...وماطلبتيش الطلب ده من أحمد ليه بقى إن شاءالله? مش هو الكبير يعني المفروض هو اللي يتجوز الأول ولا أنا غلطان
-مالك يا واد محسسني اني باقولك روح إرمي روحك في النار كده ليه? تكونش فاكر بنات أخويا بايرين ولا بايرين...لا يا حبيبي دول بنات صفوت الدمياطي...واظن انك عارف كويس خالك يبقى مين وعنده اد إيه ...وبعدين انت عارف كويس اني لو قلت لأحمد أخوك حيقعد يقولي حرام ما انت عارفه
أجابها قائلا في إعتراض:
-يا سلام كمان مرة...يعني هو حيقولك حرام وأنا بقى من كفار قريش إن شاءالله ولا إيه?
تنهدت قائلة بنفاذ صبر:
-يا إبني هو أنا بأقولك اعمل حاجة غلط لاسمح الله...ده جواز على سنة الله ورسوله...بس انت عارف لو قلت لأحمد حيقعد يقولي حرام نستغل عواطفها ونلعب بمشاعرها والكلام الكبير بتاعه ده....أنا كل اللي عايزاه منك انك تخليها تقع في حبك وتموت فيك عشان لما تتقدملها ما تترفضش
أجابها قائلا بحدة :
-اترفض ليه بقى...هيا حتلاقي احسن مني فين إنشاءالله?
ربتت ألفت علي يده قائلة بإبتسامة:
- ايوه طبعا يا حبيبي...أنا عارف ان نص بنات دمياط يتمنوا إشارة منك...وعموما مادام قلت كده يبقى وافقت ...لكن قولي بقى نويت على مين فيهم...نادية ولا نورا?
أسرع يجيبها قائلا:
- لا نادية مين ...نادية بنت أخوكي دي شايفة نفسها على الأخر وحاطة مناخيرها في السما...وأنا الصنف ده مابيعجبنيش...إنما بالنسبة لنورا ممكن أفكر
تسلل إليها شعور بالراحة اثر موافقته على الإيقاع بنورا حتى إذا ما شعر بأن حبه قد تمكن من قلبها ...تقدم إلى خاله طالبا الزواج منها... ليتقرب بذلك من خاله الذي لن يتوانى وقتها عن تمليكه زمام الأمور وإتخاذه ساعدا أيمن له في كل أعماله...كما انها كانت ترى ان نورا هي الإختيار الموفق بالنسبة لولدها... مما جعل الإبتسامة تنعكس على ملامحها وهي تقول بجدية: كويس حتى البت نورا دي طيبة وهبلة زي أمها الله يرحمها...يعني مش حتاخد في إيدك غلوة
- وانتي بقى عايزة تجوزيني واحدة هبلة
-اخص عليك يا ادهم بقى بنت أخويا هبلة برضه...دي بكرة تتخرج من الجامعة وتبقى عالمة اد الدنيا
ارتسمت على وجهه إبتسامة ساخرة قبل أن يعيد تكرار كلمتها قائلا بتهكم:عالمة
أشاحت بيدها قائلة بلا مبالاة:
- أنا عارفة يا ابني كلية العلوم اللي هيا ولبنى فيها دي بيطلعوا منها إيه
ابتسم وقال ساخرا:
-بالظبط كده يا ماما...بيطلعوا عوالم
- أنا اقصد اقول يعني انها على نياتها وخام ...يعني بكلمتين حلوين منك وشوية رومانسية حتخليها تدوب في هواك...وساعتها بقى لما تتجوزها حتبقى دراع خالك اليمين وحتعرف كل كبيرة وصغيرة في الشغل...ايوه طبعا مش حتبقى جوز بنته ...هو صحيح انا شايفة ان نورا اسهلك من نادية...بس اكيد جوز نادية ده حيبقى عند خالك حاجة تانية...ولا اقولك زي ما تحب خليها نورا وخلاص...اهم حاجة ما يبقاش علي لوحده هو اللي قريب من خالك...انت مش شايفه لازق لعمه في الرايحة والجاية ازاي...ومش بعيد يكون هو كمان حاطط عينه على واحدة من البنات زينا كده...وعايز يتجوزها عشان يكوش على كل حاجة
لوى ادهم شفتيه وقال بمزيد من السخرية:
-بقى علي هو اللي عايز يكوش على كل حاجة برضه
-قصدك إيه يا واد بالكلام ده ?
- لا ماقصديش حاجة...بس أنا مش شايف يعني أي داعي للي عماله بتخططيله ده...إذا كان علي ماسك الشركة مع خالي وهو نائب رئيس مجلس إدارتها...انا واحمد اللي ماسكين شغل خالي هنا في دمياط وكل حاجة في إيدينا...يعني الراجل بيأتمنا على ماله زينا زي علي...وبعد عمر طويل إن شاءالله حيبقى ليكي نصيب في الميراث ...يعني مش محتاجيين حكاية الجواز دي اوي يعني
-لا يا حبيبي...كده انت وأحمد اسمكم بتشتغلوا عنده وبتقبضوا مرتبكم زيكم زي الغريب بالظبط...وبعدين زيادة الخير خيرين...بدال ما يبقى نصيبي لوحده يبقى معاه نصيب واحدة من البنات كمان...ها يا واد قلت إيه بقى أخر كلام
-قلت لا إله إلا الله
-سيدنا محمد رسول الله...يا واد ريح قلبي بقى
تنهد قائلا بعد أن ضاق ذرعا بهذه المناقشة التي تمنعه من العودة للنوم مجددا:
-حاضر مش انتي عايزاني اتجوزها...حاضر ححبهالك واتجوزهالك واضحي بحياة العزوبية وامري لله...عايزة حاجة تانية
ابتسمت وهي تضع يدها على فمها قائلة:
- يوووه جتك إيه يا ادهم...بقى حتتجوزهالي أنا برضه يا واد
اجابها وهو يتمدد في فراشه ويعيد سحب الغطاء عليه مجددا:
-حتجوزهالكوا كلكوا...ارتحتي كده
تنهدت قائلة بإرتياح :
- ربنا يريح قلبك يا حبيبي...بس باقولك إيه...قوم بقى عشان تروح تشوف شغلك بدال ما احمد يسمعك كلمتين في جنابك ع الصبح عشان اتأخرت...ده نزل من بدري راح المعرض
وفي منزل أخر بنفس المحافظة وقفت امرأة في الثامنة والعشرين من عمرها ذات ملامح رقيقة وجمال هادئ أمام المرأة وهي ترتدي ملابسها وتستعد للذهاب إلى عملها بصحبة زوجها الذي دلف إلى الغرفة صارخا:
- يلا بقى يا ست هانم انتي بقالك ساعة بتلبسي ...احنا كده حنتأخر على الشغل ...ولسه كمان حنعدي على أمك عشان نسيبلها البنت
أجابت قائلة في إرتباك وهي تنهي بسرعة إرتداء ملابسها:
-خلاص يا جمال آهوه...خلصت خلاص...دول هما عشر دقايق يا دوب اللي لبست فيهم...ثم حملت صغيرتها وقبلتها من وجنتها قائلة بحنان: يلا بينا يا روضة يا حبيبتي عشان نروح عند تيتة ألفت...يلا بينا يا جمال
-انجري يا اختي ادامي انتي وهيا يلا
نظرت إليه بضيق ثم قالت معاتبة:
-ولزومها إيه طولة اللسان دي ع الصبح كده بس
-جرى إيه يا ست أميرة...مش عاجبك كلامي ولا حاجة
-وهو ده كلام يعجب حد من أصله
-والله أنا لساني كده إذا كان عاجبك
-أنا باقول يلا احسن نتأخر على الشغل
وبنفس المحافظة ولكن هذه المرة داخل أحد معارض الأثاث...جلس شاب في الثامنة والعشرين من عمره خلف مكتبه يتابع عمله في همة ونشاط ملحوظين...حين دخل شقيقه قائلا: صباح الخير يا أحمد
أجابه أحمد دون أن يحيد ببصره عن الأوراق أمامه:
-قلتلك ميت مرة قبل كده يا أدهم ...مسمهاش صباح الخير ...وقلتلك كمان صباح الخير ومساء الخير دي من أيام الجاهلية ...لما كانوا بيقولوا لبعض عمت صباحا وعمت مساءا...وقلتلك برضه إن اسمها السلام عليكم ورحمةالله
أجابه ادهم ممازحا:
- حرام عليك يا احمد...انت محسسني ان أبو لهب داخل عليك المعرض...على فكرة انت وأمك واخدين عني فكرة غلط خالص...وعموما يا سيدي ماتزعلش نفسك...سلام عليكم يا احمد
رفع بصره إليه واجاب قائلا بإبتسامة:
- رغم انها برضه ما اسمهاش سلامو عليكو ا دي...لكن عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...ممكن اعرف بقى سيادتك اتأخرت ليه...أنا مش قلتلك قبل كده ان الشغل ده ليه مواعيد لازم تحترمها أكتر من كده.
زفر قائلا في ضيق :
-بقولك إيه يا احمد...ماتجيب احسن دفتر حضور وإنصراف امضيلك فيه...أنا بيتهيألي لو كان خالك هو اللي ماسك الشغل بنفسه ماكانش حيعمل معايا كده زي ما انت بتعمل.
ترك احمد مافي يده والتفت إليه قائلا بحزم:
- والله خالك هو صاحب المال...وساعتها حيكون حر في ماله يتصرف فيه زي ماهو عايز...لكن حاليا احنا لازم نثبتله اننا اد المسئولية ونحافظ على ماله اللي ائتمنا عليه...وقبل كل ده لازم نراقب ربنا في كل تصرفاتنا...ولو احنا عملنا زيك كده يبقى الناس اللي شغالة تحت إيدينا تعمل إيه? احنا لازم نكون قدوة ليهم
-على فكرة النهاردة الأربع مش الجمعة يا احمد
قطب احمد جبينه في دهشة وقال مستفهما:
- مش فاهم ...وبعدين ما أنا عارف ان النهاردة مش الجمعة ...إيه المشكلة يعني?
-طيب لما انت عارف ان النهاردة مش الجمعة يبقى لزومها إيه الخطبة اللي عمال تسمعهالي من الصبح دي?
-أنا بس بافكرك
جلس ادهم على المقعد المقابل للمكتب وقال مشاكسا أحمد:
-عارف يا احمد يا أخويا...مصر لو فيها اتنين زيك كده
-كان هيجرالها إيه يا فالح?
-كان هيجرالها إيه يعني اكتر من اللي هيا فيه...كفاية عليها لحد كده
-بقى كده يعني
-لا يا حبيبي أنا بهزر معاك بس...بجد لو كل واحد في البلد دي شاف شغله بضمير زيك كده...كان زمانا دلوقتي بنزاحم أمريكا وأوروبا كمان...بدال ما احنا عمالين نرجع لورا كده لما خلاص قربنا نخبط في السودان.
ابتسم احمد لدعابة شقيقه ثم سرعان ما تحولت ملامحه إلى الجدية مرة أخرى وهو يقول:
-سيبك من الكلام ده بقى...انت تاخد العمال دلوقتي وتطلع على المخزن الكبير وتخليهم يفضوه عشان علي ابن خالك زمانه على وصول
ادهم بدهشة: هو علي جاي النهاردة ليه?
-حيستلم شحنة الخشب اللي حتوصل النهاردة من المينا ويوديها المخزن عشان نبتدي في الشغل الجديد بتاع التصدير
-وهو خالك باعت علي من القاهرة لدمياط عشان يستلم شحنة خشب...واحنا روحنا فين إن شاءالله? هو كلام أمك حيطلع بصحيح ولا إيه?
-احمد بدهشة: كلام إيه ده...وإيه دخل أمك في الشغل من اصله...وبعدين ما انت عارف ان الجمعة الجاية دي أخر جمعة في الشهر يعني خالك جاي عشان الحساب بتاع أخر الشهر واكيد علي حيستنى لما يروح معاه...وعموما لما خالك ييجي تقدر تسأله ...لسه فيه حاجة تانية
-آه صحيح...يعني خالك ونادية ونورا حيكونوا هنا يوم الجمعة...بقولك ايه يا احمد...إيه رأيك في نورا بنت خالك?
اندهش احمد من سؤاله الغير متوقع فقال بحيرة:
- اشمعنا يعني...عايز رأيي فيها ليه ?
-إيه رأيك لو تتجوزها
أجابه احمد قائلا بتهكم:
- انت اشتغلت خاطبة ولا إيه يا ادهم ?
-طيب لو مش عجباك نورا ...اتجوز نادية عادي مش حتفرق يعني
رفع احمد حاجبيه قائلا وقد زادت دهشته:
-إيه يا ابني نظام بلاها نادية خد سوسو ده...أنا لا عايز اتجوز نادية ولا عايز اتجوز نورا...ولا بفكر اتجوز دلوقتي من أصله
- خلاص انسى انسى ولا كإني قلتلك حاجة ...عن إذنك بقي لما اروح اشوف شغلي
-ربنا يشفيك يا أدهم يا أخويا...اتفضل بقى روح اعمل اللي قلتلك عليه عشان تروح المعرض التاني تشوف أخبار الشغل هناك إيه
-ماشي يا حبيبي...عن إذنك بقى
ونتركهم قليلا لنذهب إلى منزل أخر حيث جلست امرأة في السادسة والعشرين من عمرها بصحبة زوجها يتناولان معا طعام الإفطار وقد ارتديا ملابسهما واستعدا للذهاب إلى عملهما ...انهى الزوج طعامه ونظر إلى زوجته قائلا:
- أنا شبعت الحمد لله...حانزل بقى اسخن العربية على ما تخلصي فطارك وتحصليني
أجابته زوجته قائلة بإبتسامة:
- خلاص يا حبيبي أنا خلصت أنا كمان على ماتسخن العربية أكون شيلت الأكل ولبست الطرحة وحاحصلك علطول
أجابها قائلا برجاء:
- بقولك إيه يا منمونة يا حبيبتي ...بالله عليكي ما تقفي ساعة ادام المراية تلفي خمسين طرحة فوق بعض والحاجات الغريبة اللي بتعملوها دي...ماينفعش نبقى احنا صحاب الشغل ونروح متأخر.
أجابته وهي ترفع الأطباق من على المائدة وتتجه بهم نحو المطبخ:
- والله يا خالد يا حبيبي انت واخد عني فكرة غلط خالص في الموضوع ده...وبعدين أنا ملاحظة ان صداقتك لأحمد أخويا أثرت اوي عليك
-طيب معلش ابقي صححيلي فكرتي الغلط دي وقت تاني عشان مافيش وقت دلوقتي ...أنا نازل بقى ما تتأخريش
-حاضر يا حبيبي ...ثواني وتلاقيني جاية وراك
اتجه خالد نحو باب الشقة وفتحه وهم أن يخرج منه لكنه أعاد إغلاقه مرة أخرى وعاد إلى حيث تقف أمنية التي اندهشت من فعلته...لكن دهشتها سرعان ما تلاشت وتحولت إلي إبتسامة عذبة عندما اقترب منها خالد وطبع قبلة سريعة على وجنتها لتتورد وجنتها خجلا وتقول وهي مازالت على إبتسامتها: مش كنت مستعجل من شوية...وبعدين اللي يشوفك كده ما يصدقش اننا بنشتغل مع بعض في مكان واحد
-ما أنا ساعات بقعد طول اليوم مش عارف استفرد بيكي دقيقة واحدة من كتر الشغل...فأنا قلت بقى اعمل حساب الظروف...غلطان أنا يعني
-ماشي يا عم يا بتاع الظروف انت
-بقولك إيه أنا نازل عشان لو استنيت دقيقة واحدة اكتر من كده ممكن اقولك خلينا قاعدين هنا وبلاش شغل النهاردة
وبالفعل نزل خالد واستقل سيارته لتلحق به أمنية بعد دقائق لينطلق بالسيارة في طريقهما إلى عملهما معا
انهت كل من نورا ولبنى محاضراتهما ...واستقلا معا سيارة نورا التي ستقوم بتوصيل لبنى أولا إلى منزلها قبل أن تعود إلى المنزل...وما إن وصلا إلى منزل لبنى حتى أوقفت نورا السيارة قائلة:
-ادينا وصلنا يا ستي...ابقي سلميلي بقى على خالتو سمية ولميا لما تطلعي
التفتت إليها لبنى قائلة:
-ما تطلعي معايا وتسلمي عليهم بنفسك وبالمرة نتغدى سوا
اعتذرت نورا قائلة:
-لا معلش يا لبنى مش حينفع...خليها يوم تاني...عايزة اروح ارتاح شوية وبعدين ابتدي في الأبحاث المطلوبة مننا
- يا ستي لو مش عايزة تطلعي عشان خاطر علي...اطمني علي مش بييجي من الشركة دلوقتي...اطلعي معايا بقى وما تبقيش غلسه وبعد الغدا نقعد سوا نعمل الأبحاث المطلوبة مننا
استجابت نورا لطلبها قائلة بإذعان:
- أمري لله...أنا عارفة إني مش حاخلص من الزن بتاعك ده
بعد دقائق كانت نورا تقف أمام باب شقة عمها بصحبة لبنى التي وضعت المفتاح في الباب وادارته ثم دلفت منه وأشارت إلى نورا أن تتبعها...كانت سمية تقف في المطبخ وهي تقوم بإعداد طعام الغداء ...بينما وقفت لمياء إلى جوارها تساعدها عندما دخلت لبنى وهي تصيح قائلة بمرح:
- يا أهل المنزل الكرام ...أنا وصلت بالسلامة ومعايا ضيف ليكوا ...عايز يسلم عليكوا ...ياريت تخلصوا بسرعة اللي في إيديكوا
استدارت سمية لتجد نورا واقفة إلى جوار لبني فابتسمت قائلة بترحاب :
- نورا ...ازيك يا حبيبتي ...أخبارك إيه?
بادلتها نورا الإبتسامة وهي تحتضنها قائلة:
- الحمد لله يا حبيبتي ...أنا كويسة...انتي اللي عاملة إيه
ربتت سمية على ظهرها قائلة بحنان:
- بخير يا حبيبتي طول ما انتي بخير
اقتربت منها لمياء قائلة:
-احم احم...نحن هنا
احتضنتها نورا قائلة بإبتسامة:
- ازيك يا لميا...أخبارك إيه وأخبار الكلية معاكي إيه?
-الحمد لله ماشي الحال
تدخلت لبنى في الحوار قائلةوهي تنظر إلى والدتها:
- أنا اقنعت نورا انها تطلع تتغدى معانا...يلا بقى يا ست ماما مش عايزين نجوعها معانا...احسن تقول إني ضحكت عليها ولا حاجة
- بس كده...حالا يا حبيبتي ويكون الغدا جاهز...يلا يا بنات حضروا السفرة
نورا: إيه ده هو انتوا مش بتستنوا علي لما يرجع من الشركة?
سمية: لا يا حبيبتي اصل علي النهاردة مش في الشركة
سألتها لبنى وهي تقوم بوضع الأطباق على المائدة:
- أمال راح فين يا ماما
- سافر دمياط بيقول عمك مكلفه بشغل هناك راح عشان يخلصه
سألتها لبنى قائلة في إندهاش:
- الله...امال احمد وادهم بيعملوا إيه ?
-أنا عارفة بقى هو اللي قالي كده الصبح وهو بيحضر شنطته
لبنى: خلاص يا نورا بما إن علي مش هنا النهاردة يبقى تباتي معانا ونسهر سوا نعمل الأبحاث والصبح نروح الكلية مع بعض...قولتي إيه?
صمتت نورا للحظات وهي تفكر ثم قالت بخفوت:
- معلش يا لبنى مش حينفع يمكن بابا مايوافقش
اندفعت سمية تجيبها كبركان خامد اشتعلت حممه فجأة:
- مايوافقش ليه بقى...هو صفوت حيمنعك عني...هو مش ده بيت خالتك برضه ولا هوعايز يحرمني منك?
اسرعت نورا تجيبها وهي تنفي هذه الإتهامات عن والدها:
-ابدا والله يا خالتو...هو عمره ما منعني إني اجيلك...والله ده دايما بيجيب سيرتك بكل خير...وبيقول انك أصيلة ووقفتي مع عمو عزت الله يرحمه في عز أزمته
تعجبت لبنى من نبرة والدتها الحادة دون مبرر فسألتها قائلة:
- مالك يا ماما يا حبيبتي...هيا نورا قالت إيه يعني لكل ده ?
اجابت لمياء بدلا عنها قائلة:
-اصل علي حكى لماما الصبح على الموقف اللي عمي صفوت عمله مع نورا النهاردة...ومن ساعتها وماما مشحونة زي ما انتوا شايفين
أجابت نورا بصوت يحمل الكثير من الحزن والأسى:
- ماتزعليش نفسك يا خالتو ...أنا خلاص اتعودت منه على كده...بس أنا مش قادرة افهم سر المعاملة اللي بيعاملهالي دي...أنا بشوفه مع نادية بيعمل إيه بستغرب اوي...بحس إنه واحد تاني خالص...أنا مافيش إختلاف بيني وبين نادية غير في إسم الأم بس...وأنا ما اعتقدش ان ماما الله يرحمها كانت ست وحشة عشان بابا يكرهها كده...ومش ذنبي إني طلعت شبهها وإنه كل ما يشوفني يفتكرها...تعرفي يا خالتو أنا لو ماكنتش عارفة أمي كويس ...كانت دماغي راحت لحاجة وحشة...لكن أنا واثقة في أمي وف أخلاقها...يبقى ليه كرهه ليها ده...إيه ذنبها إنه ماقدرش يقول لجدي لأ ويصمم عليها...ولا فيه حاجة تانية غير كده أنا ما اعرفهاش
سمية وقد بدا عليها التأثر :
-اوعي اسمعك تقولي كده مرة تانية يا نورا...أمك كانت أشرف ست في الدنيا وأبوكي نفسه لو كان شاف عليها حاجة ماكانش خلاها على ذمته لحد ما ماتت الله يرحمها
-طيب قوليلي هو ليه كان بيحب طنط فردوس الله يرحمها ومابيحبش ماما?
- سبحان الله...يا بنتي الحب والكره ده حاجة بإيد ربنا سبحانه وتعالى وحده...ومش معنى ان أبوكي كان بيحب فردوس اكتر ان أمك كانت ست وحشة لا سمح الله
لم تتحمل لبنى الجوع اكثر من ذلك فقالت بمرح:
- إيه يا جماعة ...انتو حتقعدوا تتكلموا وتسيبوا الأكل يبرد ...ناكل الأول وبعدين اتكلموا براحتكوا
مسحت سمية عيونها التي ترقرقت بالدموع وقالت بجدية:
- ايوه صحيح ...الكلام خدنا ونسينا الأكل ...يلا يا حبيبتي عشان ناكل
-نورا: أنا حآكل بس على شرط
-لبنى: كمان حتتشرطي علينا ...مش كفاية تفضلنا عليكي وعزمناكي على الغدا
التفتت سمية إلى لبنى الجالسة أمام المائدة قائلة:
- ده اسمه كلام برضه يا لبنى ....نورا تتشرط زي ما هيا عايزة....عايزة إيه يا حبيبتي?
- عايزاكي بعد الغدا تحكيلي عن ظروف جواز بابا وماما...و بابا اتجوز طنط فردوس ازاي رغم معارضة جدي...وليه جدي اصلا كان رافض...بصي بإختصار كده عايزة اعرف كل حاجة عن الماضي
- حاضر يا حبيبتي...ناكل الأول وبعدين حاحكيلك كل اللي عايزة تعرفيه ...
يتبع
في أحد المنازل التابعة لأحد المراكز بمحافظة دمياط ومع إشراقة شمس يوم جديد وقفت سيدة في نهاية الخمسينات من عمرها إلى جوار أحد الآسرةوهي تحاول إيقاظ ولدها الذي كان يغط في سبات عميق...سئمت من تكرار المحاولات إلى المرة التي لم تعد تتذكر عددها...فجلست إلي جواره على الفراش وجذبت الغطاء وهي تقول في نفاذ صبر:
- يا واد يا ادهم قوم بقى وجعت قلبي
نهض من مكانه أخيرا وهو يقول بتأفف:
-يا ساتر هو الواحد مايعرفش ينام شوية في البيت ده.
أجابته والدته قائلة بسخرية:
-كل ده ومش عارف تنام...يا ابني قوم بقى عشان اعرف نويت على إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه مع بعض امبارح
اعتدل في جلسته وأخذ يمسح وجهه بكفيه محاولا التذكر قبل أن يقول:
-اديني قمت آهوه...عايزة إيه يا الفت يا بنت حامد الدمياطي
لوت شفتيها قائلة في إستياء:
-يا واد اتكلم مع أمك بأدب شوية...الحق عليا إني عايزة مصلحتك
نظر إليها بطرف عينه وقال بتهكم:
-احنا حنضحك على بعض ولا إيه?بقى عايزة مصلحتي أنا برضه
-يا سيدي عايزة مصلحتنا كلنا ارتحت كده...قوم بقى اغسل وشك وأنا ححضرلك فطار إنما إيه...تاكل صوابعك وراه ونتكلم واحنا بنفطر...يلا بقى يا ادهومتي
-يا سلام...ياسلام عليكي لما بيبقى ليكي طلب عند حد...بتبقي واحدة تانية خالص غير ألفت اللي أنا أعرفها
وضعت يدها علي خدها وقالت بتصنع:
-كده برضه يا ادهم...وأنا اللي كنت بأقول ان ادهم هو إبني حبيبي اللي حيسمع كلامي ويعمل اللي أنا عايزاه واللي فيه مصلحتنا كلنا
-يا سلام...وماطلبتيش الطلب ده من أحمد ليه بقى إن شاءالله? مش هو الكبير يعني المفروض هو اللي يتجوز الأول ولا أنا غلطان
-مالك يا واد محسسني اني باقولك روح إرمي روحك في النار كده ليه? تكونش فاكر بنات أخويا بايرين ولا بايرين...لا يا حبيبي دول بنات صفوت الدمياطي...واظن انك عارف كويس خالك يبقى مين وعنده اد إيه ...وبعدين انت عارف كويس اني لو قلت لأحمد أخوك حيقعد يقولي حرام ما انت عارفه
أجابها قائلا في إعتراض:
-يا سلام كمان مرة...يعني هو حيقولك حرام وأنا بقى من كفار قريش إن شاءالله ولا إيه?
تنهدت قائلة بنفاذ صبر:
-يا إبني هو أنا بأقولك اعمل حاجة غلط لاسمح الله...ده جواز على سنة الله ورسوله...بس انت عارف لو قلت لأحمد حيقعد يقولي حرام نستغل عواطفها ونلعب بمشاعرها والكلام الكبير بتاعه ده....أنا كل اللي عايزاه منك انك تخليها تقع في حبك وتموت فيك عشان لما تتقدملها ما تترفضش
أجابها قائلا بحدة :
-اترفض ليه بقى...هيا حتلاقي احسن مني فين إنشاءالله?
ربتت ألفت علي يده قائلة بإبتسامة:
- ايوه طبعا يا حبيبي...أنا عارف ان نص بنات دمياط يتمنوا إشارة منك...وعموما مادام قلت كده يبقى وافقت ...لكن قولي بقى نويت على مين فيهم...نادية ولا نورا?
أسرع يجيبها قائلا:
- لا نادية مين ...نادية بنت أخوكي دي شايفة نفسها على الأخر وحاطة مناخيرها في السما...وأنا الصنف ده مابيعجبنيش...إنما بالنسبة لنورا ممكن أفكر
تسلل إليها شعور بالراحة اثر موافقته على الإيقاع بنورا حتى إذا ما شعر بأن حبه قد تمكن من قلبها ...تقدم إلى خاله طالبا الزواج منها... ليتقرب بذلك من خاله الذي لن يتوانى وقتها عن تمليكه زمام الأمور وإتخاذه ساعدا أيمن له في كل أعماله...كما انها كانت ترى ان نورا هي الإختيار الموفق بالنسبة لولدها... مما جعل الإبتسامة تنعكس على ملامحها وهي تقول بجدية: كويس حتى البت نورا دي طيبة وهبلة زي أمها الله يرحمها...يعني مش حتاخد في إيدك غلوة
- وانتي بقى عايزة تجوزيني واحدة هبلة
-اخص عليك يا ادهم بقى بنت أخويا هبلة برضه...دي بكرة تتخرج من الجامعة وتبقى عالمة اد الدنيا
ارتسمت على وجهه إبتسامة ساخرة قبل أن يعيد تكرار كلمتها قائلا بتهكم:عالمة
أشاحت بيدها قائلة بلا مبالاة:
- أنا عارفة يا ابني كلية العلوم اللي هيا ولبنى فيها دي بيطلعوا منها إيه
ابتسم وقال ساخرا:
-بالظبط كده يا ماما...بيطلعوا عوالم
- أنا اقصد اقول يعني انها على نياتها وخام ...يعني بكلمتين حلوين منك وشوية رومانسية حتخليها تدوب في هواك...وساعتها بقى لما تتجوزها حتبقى دراع خالك اليمين وحتعرف كل كبيرة وصغيرة في الشغل...ايوه طبعا مش حتبقى جوز بنته ...هو صحيح انا شايفة ان نورا اسهلك من نادية...بس اكيد جوز نادية ده حيبقى عند خالك حاجة تانية...ولا اقولك زي ما تحب خليها نورا وخلاص...اهم حاجة ما يبقاش علي لوحده هو اللي قريب من خالك...انت مش شايفه لازق لعمه في الرايحة والجاية ازاي...ومش بعيد يكون هو كمان حاطط عينه على واحدة من البنات زينا كده...وعايز يتجوزها عشان يكوش على كل حاجة
لوى ادهم شفتيه وقال بمزيد من السخرية:
-بقى علي هو اللي عايز يكوش على كل حاجة برضه
-قصدك إيه يا واد بالكلام ده ?
- لا ماقصديش حاجة...بس أنا مش شايف يعني أي داعي للي عماله بتخططيله ده...إذا كان علي ماسك الشركة مع خالي وهو نائب رئيس مجلس إدارتها...انا واحمد اللي ماسكين شغل خالي هنا في دمياط وكل حاجة في إيدينا...يعني الراجل بيأتمنا على ماله زينا زي علي...وبعد عمر طويل إن شاءالله حيبقى ليكي نصيب في الميراث ...يعني مش محتاجيين حكاية الجواز دي اوي يعني
-لا يا حبيبي...كده انت وأحمد اسمكم بتشتغلوا عنده وبتقبضوا مرتبكم زيكم زي الغريب بالظبط...وبعدين زيادة الخير خيرين...بدال ما يبقى نصيبي لوحده يبقى معاه نصيب واحدة من البنات كمان...ها يا واد قلت إيه بقى أخر كلام
-قلت لا إله إلا الله
-سيدنا محمد رسول الله...يا واد ريح قلبي بقى
تنهد قائلا بعد أن ضاق ذرعا بهذه المناقشة التي تمنعه من العودة للنوم مجددا:
-حاضر مش انتي عايزاني اتجوزها...حاضر ححبهالك واتجوزهالك واضحي بحياة العزوبية وامري لله...عايزة حاجة تانية
ابتسمت وهي تضع يدها على فمها قائلة:
- يوووه جتك إيه يا ادهم...بقى حتتجوزهالي أنا برضه يا واد
اجابها وهو يتمدد في فراشه ويعيد سحب الغطاء عليه مجددا:
-حتجوزهالكوا كلكوا...ارتحتي كده
تنهدت قائلة بإرتياح :
- ربنا يريح قلبك يا حبيبي...بس باقولك إيه...قوم بقى عشان تروح تشوف شغلك بدال ما احمد يسمعك كلمتين في جنابك ع الصبح عشان اتأخرت...ده نزل من بدري راح المعرض
وفي منزل أخر بنفس المحافظة وقفت امرأة في الثامنة والعشرين من عمرها ذات ملامح رقيقة وجمال هادئ أمام المرأة وهي ترتدي ملابسها وتستعد للذهاب إلى عملها بصحبة زوجها الذي دلف إلى الغرفة صارخا:
- يلا بقى يا ست هانم انتي بقالك ساعة بتلبسي ...احنا كده حنتأخر على الشغل ...ولسه كمان حنعدي على أمك عشان نسيبلها البنت
أجابت قائلة في إرتباك وهي تنهي بسرعة إرتداء ملابسها:
-خلاص يا جمال آهوه...خلصت خلاص...دول هما عشر دقايق يا دوب اللي لبست فيهم...ثم حملت صغيرتها وقبلتها من وجنتها قائلة بحنان: يلا بينا يا روضة يا حبيبتي عشان نروح عند تيتة ألفت...يلا بينا يا جمال
-انجري يا اختي ادامي انتي وهيا يلا
نظرت إليه بضيق ثم قالت معاتبة:
-ولزومها إيه طولة اللسان دي ع الصبح كده بس
-جرى إيه يا ست أميرة...مش عاجبك كلامي ولا حاجة
-وهو ده كلام يعجب حد من أصله
-والله أنا لساني كده إذا كان عاجبك
-أنا باقول يلا احسن نتأخر على الشغل
وبنفس المحافظة ولكن هذه المرة داخل أحد معارض الأثاث...جلس شاب في الثامنة والعشرين من عمره خلف مكتبه يتابع عمله في همة ونشاط ملحوظين...حين دخل شقيقه قائلا: صباح الخير يا أحمد
أجابه أحمد دون أن يحيد ببصره عن الأوراق أمامه:
-قلتلك ميت مرة قبل كده يا أدهم ...مسمهاش صباح الخير ...وقلتلك كمان صباح الخير ومساء الخير دي من أيام الجاهلية ...لما كانوا بيقولوا لبعض عمت صباحا وعمت مساءا...وقلتلك برضه إن اسمها السلام عليكم ورحمةالله
أجابه ادهم ممازحا:
- حرام عليك يا احمد...انت محسسني ان أبو لهب داخل عليك المعرض...على فكرة انت وأمك واخدين عني فكرة غلط خالص...وعموما يا سيدي ماتزعلش نفسك...سلام عليكم يا احمد
رفع بصره إليه واجاب قائلا بإبتسامة:
- رغم انها برضه ما اسمهاش سلامو عليكو ا دي...لكن عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...ممكن اعرف بقى سيادتك اتأخرت ليه...أنا مش قلتلك قبل كده ان الشغل ده ليه مواعيد لازم تحترمها أكتر من كده.
زفر قائلا في ضيق :
-بقولك إيه يا احمد...ماتجيب احسن دفتر حضور وإنصراف امضيلك فيه...أنا بيتهيألي لو كان خالك هو اللي ماسك الشغل بنفسه ماكانش حيعمل معايا كده زي ما انت بتعمل.
ترك احمد مافي يده والتفت إليه قائلا بحزم:
- والله خالك هو صاحب المال...وساعتها حيكون حر في ماله يتصرف فيه زي ماهو عايز...لكن حاليا احنا لازم نثبتله اننا اد المسئولية ونحافظ على ماله اللي ائتمنا عليه...وقبل كل ده لازم نراقب ربنا في كل تصرفاتنا...ولو احنا عملنا زيك كده يبقى الناس اللي شغالة تحت إيدينا تعمل إيه? احنا لازم نكون قدوة ليهم
-على فكرة النهاردة الأربع مش الجمعة يا احمد
قطب احمد جبينه في دهشة وقال مستفهما:
- مش فاهم ...وبعدين ما أنا عارف ان النهاردة مش الجمعة ...إيه المشكلة يعني?
-طيب لما انت عارف ان النهاردة مش الجمعة يبقى لزومها إيه الخطبة اللي عمال تسمعهالي من الصبح دي?
-أنا بس بافكرك
جلس ادهم على المقعد المقابل للمكتب وقال مشاكسا أحمد:
-عارف يا احمد يا أخويا...مصر لو فيها اتنين زيك كده
-كان هيجرالها إيه يا فالح?
-كان هيجرالها إيه يعني اكتر من اللي هيا فيه...كفاية عليها لحد كده
-بقى كده يعني
-لا يا حبيبي أنا بهزر معاك بس...بجد لو كل واحد في البلد دي شاف شغله بضمير زيك كده...كان زمانا دلوقتي بنزاحم أمريكا وأوروبا كمان...بدال ما احنا عمالين نرجع لورا كده لما خلاص قربنا نخبط في السودان.
ابتسم احمد لدعابة شقيقه ثم سرعان ما تحولت ملامحه إلى الجدية مرة أخرى وهو يقول:
-سيبك من الكلام ده بقى...انت تاخد العمال دلوقتي وتطلع على المخزن الكبير وتخليهم يفضوه عشان علي ابن خالك زمانه على وصول
ادهم بدهشة: هو علي جاي النهاردة ليه?
-حيستلم شحنة الخشب اللي حتوصل النهاردة من المينا ويوديها المخزن عشان نبتدي في الشغل الجديد بتاع التصدير
-وهو خالك باعت علي من القاهرة لدمياط عشان يستلم شحنة خشب...واحنا روحنا فين إن شاءالله? هو كلام أمك حيطلع بصحيح ولا إيه?
-احمد بدهشة: كلام إيه ده...وإيه دخل أمك في الشغل من اصله...وبعدين ما انت عارف ان الجمعة الجاية دي أخر جمعة في الشهر يعني خالك جاي عشان الحساب بتاع أخر الشهر واكيد علي حيستنى لما يروح معاه...وعموما لما خالك ييجي تقدر تسأله ...لسه فيه حاجة تانية
-آه صحيح...يعني خالك ونادية ونورا حيكونوا هنا يوم الجمعة...بقولك ايه يا احمد...إيه رأيك في نورا بنت خالك?
اندهش احمد من سؤاله الغير متوقع فقال بحيرة:
- اشمعنا يعني...عايز رأيي فيها ليه ?
-إيه رأيك لو تتجوزها
أجابه احمد قائلا بتهكم:
- انت اشتغلت خاطبة ولا إيه يا ادهم ?
-طيب لو مش عجباك نورا ...اتجوز نادية عادي مش حتفرق يعني
رفع احمد حاجبيه قائلا وقد زادت دهشته:
-إيه يا ابني نظام بلاها نادية خد سوسو ده...أنا لا عايز اتجوز نادية ولا عايز اتجوز نورا...ولا بفكر اتجوز دلوقتي من أصله
- خلاص انسى انسى ولا كإني قلتلك حاجة ...عن إذنك بقي لما اروح اشوف شغلي
-ربنا يشفيك يا أدهم يا أخويا...اتفضل بقى روح اعمل اللي قلتلك عليه عشان تروح المعرض التاني تشوف أخبار الشغل هناك إيه
-ماشي يا حبيبي...عن إذنك بقى
ونتركهم قليلا لنذهب إلى منزل أخر حيث جلست امرأة في السادسة والعشرين من عمرها بصحبة زوجها يتناولان معا طعام الإفطار وقد ارتديا ملابسهما واستعدا للذهاب إلى عملهما ...انهى الزوج طعامه ونظر إلى زوجته قائلا:
- أنا شبعت الحمد لله...حانزل بقى اسخن العربية على ما تخلصي فطارك وتحصليني
أجابته زوجته قائلة بإبتسامة:
- خلاص يا حبيبي أنا خلصت أنا كمان على ماتسخن العربية أكون شيلت الأكل ولبست الطرحة وحاحصلك علطول
أجابها قائلا برجاء:
- بقولك إيه يا منمونة يا حبيبتي ...بالله عليكي ما تقفي ساعة ادام المراية تلفي خمسين طرحة فوق بعض والحاجات الغريبة اللي بتعملوها دي...ماينفعش نبقى احنا صحاب الشغل ونروح متأخر.
أجابته وهي ترفع الأطباق من على المائدة وتتجه بهم نحو المطبخ:
- والله يا خالد يا حبيبي انت واخد عني فكرة غلط خالص في الموضوع ده...وبعدين أنا ملاحظة ان صداقتك لأحمد أخويا أثرت اوي عليك
-طيب معلش ابقي صححيلي فكرتي الغلط دي وقت تاني عشان مافيش وقت دلوقتي ...أنا نازل بقى ما تتأخريش
-حاضر يا حبيبي ...ثواني وتلاقيني جاية وراك
اتجه خالد نحو باب الشقة وفتحه وهم أن يخرج منه لكنه أعاد إغلاقه مرة أخرى وعاد إلى حيث تقف أمنية التي اندهشت من فعلته...لكن دهشتها سرعان ما تلاشت وتحولت إلي إبتسامة عذبة عندما اقترب منها خالد وطبع قبلة سريعة على وجنتها لتتورد وجنتها خجلا وتقول وهي مازالت على إبتسامتها: مش كنت مستعجل من شوية...وبعدين اللي يشوفك كده ما يصدقش اننا بنشتغل مع بعض في مكان واحد
-ما أنا ساعات بقعد طول اليوم مش عارف استفرد بيكي دقيقة واحدة من كتر الشغل...فأنا قلت بقى اعمل حساب الظروف...غلطان أنا يعني
-ماشي يا عم يا بتاع الظروف انت
-بقولك إيه أنا نازل عشان لو استنيت دقيقة واحدة اكتر من كده ممكن اقولك خلينا قاعدين هنا وبلاش شغل النهاردة
وبالفعل نزل خالد واستقل سيارته لتلحق به أمنية بعد دقائق لينطلق بالسيارة في طريقهما إلى عملهما معا
انهت كل من نورا ولبنى محاضراتهما ...واستقلا معا سيارة نورا التي ستقوم بتوصيل لبنى أولا إلى منزلها قبل أن تعود إلى المنزل...وما إن وصلا إلى منزل لبنى حتى أوقفت نورا السيارة قائلة:
-ادينا وصلنا يا ستي...ابقي سلميلي بقى على خالتو سمية ولميا لما تطلعي
التفتت إليها لبنى قائلة:
-ما تطلعي معايا وتسلمي عليهم بنفسك وبالمرة نتغدى سوا
اعتذرت نورا قائلة:
-لا معلش يا لبنى مش حينفع...خليها يوم تاني...عايزة اروح ارتاح شوية وبعدين ابتدي في الأبحاث المطلوبة مننا
- يا ستي لو مش عايزة تطلعي عشان خاطر علي...اطمني علي مش بييجي من الشركة دلوقتي...اطلعي معايا بقى وما تبقيش غلسه وبعد الغدا نقعد سوا نعمل الأبحاث المطلوبة مننا
استجابت نورا لطلبها قائلة بإذعان:
- أمري لله...أنا عارفة إني مش حاخلص من الزن بتاعك ده
بعد دقائق كانت نورا تقف أمام باب شقة عمها بصحبة لبنى التي وضعت المفتاح في الباب وادارته ثم دلفت منه وأشارت إلى نورا أن تتبعها...كانت سمية تقف في المطبخ وهي تقوم بإعداد طعام الغداء ...بينما وقفت لمياء إلى جوارها تساعدها عندما دخلت لبنى وهي تصيح قائلة بمرح:
- يا أهل المنزل الكرام ...أنا وصلت بالسلامة ومعايا ضيف ليكوا ...عايز يسلم عليكوا ...ياريت تخلصوا بسرعة اللي في إيديكوا
استدارت سمية لتجد نورا واقفة إلى جوار لبني فابتسمت قائلة بترحاب :
- نورا ...ازيك يا حبيبتي ...أخبارك إيه?
بادلتها نورا الإبتسامة وهي تحتضنها قائلة:
- الحمد لله يا حبيبتي ...أنا كويسة...انتي اللي عاملة إيه
ربتت سمية على ظهرها قائلة بحنان:
- بخير يا حبيبتي طول ما انتي بخير
اقتربت منها لمياء قائلة:
-احم احم...نحن هنا
احتضنتها نورا قائلة بإبتسامة:
- ازيك يا لميا...أخبارك إيه وأخبار الكلية معاكي إيه?
-الحمد لله ماشي الحال
تدخلت لبنى في الحوار قائلةوهي تنظر إلى والدتها:
- أنا اقنعت نورا انها تطلع تتغدى معانا...يلا بقى يا ست ماما مش عايزين نجوعها معانا...احسن تقول إني ضحكت عليها ولا حاجة
- بس كده...حالا يا حبيبتي ويكون الغدا جاهز...يلا يا بنات حضروا السفرة
نورا: إيه ده هو انتوا مش بتستنوا علي لما يرجع من الشركة?
سمية: لا يا حبيبتي اصل علي النهاردة مش في الشركة
سألتها لبنى وهي تقوم بوضع الأطباق على المائدة:
- أمال راح فين يا ماما
- سافر دمياط بيقول عمك مكلفه بشغل هناك راح عشان يخلصه
سألتها لبنى قائلة في إندهاش:
- الله...امال احمد وادهم بيعملوا إيه ?
-أنا عارفة بقى هو اللي قالي كده الصبح وهو بيحضر شنطته
لبنى: خلاص يا نورا بما إن علي مش هنا النهاردة يبقى تباتي معانا ونسهر سوا نعمل الأبحاث والصبح نروح الكلية مع بعض...قولتي إيه?
صمتت نورا للحظات وهي تفكر ثم قالت بخفوت:
- معلش يا لبنى مش حينفع يمكن بابا مايوافقش
اندفعت سمية تجيبها كبركان خامد اشتعلت حممه فجأة:
- مايوافقش ليه بقى...هو صفوت حيمنعك عني...هو مش ده بيت خالتك برضه ولا هوعايز يحرمني منك?
اسرعت نورا تجيبها وهي تنفي هذه الإتهامات عن والدها:
-ابدا والله يا خالتو...هو عمره ما منعني إني اجيلك...والله ده دايما بيجيب سيرتك بكل خير...وبيقول انك أصيلة ووقفتي مع عمو عزت الله يرحمه في عز أزمته
تعجبت لبنى من نبرة والدتها الحادة دون مبرر فسألتها قائلة:
- مالك يا ماما يا حبيبتي...هيا نورا قالت إيه يعني لكل ده ?
اجابت لمياء بدلا عنها قائلة:
-اصل علي حكى لماما الصبح على الموقف اللي عمي صفوت عمله مع نورا النهاردة...ومن ساعتها وماما مشحونة زي ما انتوا شايفين
أجابت نورا بصوت يحمل الكثير من الحزن والأسى:
- ماتزعليش نفسك يا خالتو ...أنا خلاص اتعودت منه على كده...بس أنا مش قادرة افهم سر المعاملة اللي بيعاملهالي دي...أنا بشوفه مع نادية بيعمل إيه بستغرب اوي...بحس إنه واحد تاني خالص...أنا مافيش إختلاف بيني وبين نادية غير في إسم الأم بس...وأنا ما اعتقدش ان ماما الله يرحمها كانت ست وحشة عشان بابا يكرهها كده...ومش ذنبي إني طلعت شبهها وإنه كل ما يشوفني يفتكرها...تعرفي يا خالتو أنا لو ماكنتش عارفة أمي كويس ...كانت دماغي راحت لحاجة وحشة...لكن أنا واثقة في أمي وف أخلاقها...يبقى ليه كرهه ليها ده...إيه ذنبها إنه ماقدرش يقول لجدي لأ ويصمم عليها...ولا فيه حاجة تانية غير كده أنا ما اعرفهاش
سمية وقد بدا عليها التأثر :
-اوعي اسمعك تقولي كده مرة تانية يا نورا...أمك كانت أشرف ست في الدنيا وأبوكي نفسه لو كان شاف عليها حاجة ماكانش خلاها على ذمته لحد ما ماتت الله يرحمها
-طيب قوليلي هو ليه كان بيحب طنط فردوس الله يرحمها ومابيحبش ماما?
- سبحان الله...يا بنتي الحب والكره ده حاجة بإيد ربنا سبحانه وتعالى وحده...ومش معنى ان أبوكي كان بيحب فردوس اكتر ان أمك كانت ست وحشة لا سمح الله
لم تتحمل لبنى الجوع اكثر من ذلك فقالت بمرح:
- إيه يا جماعة ...انتو حتقعدوا تتكلموا وتسيبوا الأكل يبرد ...ناكل الأول وبعدين اتكلموا براحتكوا
مسحت سمية عيونها التي ترقرقت بالدموع وقالت بجدية:
- ايوه صحيح ...الكلام خدنا ونسينا الأكل ...يلا يا حبيبتي عشان ناكل
-نورا: أنا حآكل بس على شرط
-لبنى: كمان حتتشرطي علينا ...مش كفاية تفضلنا عليكي وعزمناكي على الغدا
التفتت سمية إلى لبنى الجالسة أمام المائدة قائلة:
- ده اسمه كلام برضه يا لبنى ....نورا تتشرط زي ما هيا عايزة....عايزة إيه يا حبيبتي?
- عايزاكي بعد الغدا تحكيلي عن ظروف جواز بابا وماما...و بابا اتجوز طنط فردوس ازاي رغم معارضة جدي...وليه جدي اصلا كان رافض...بصي بإختصار كده عايزة اعرف كل حاجة عن الماضي
- حاضر يا حبيبتي...ناكل الأول وبعدين حاحكيلك كل اللي عايزة تعرفيه ...
يتبع
