رواية وصية صفية الفصل الثلاثون 30 بقلم منال ابراهيم
* الفصل الثلاثون*
ظلت نادية ساهرة طيلة ليلتها تفكر في طريقة تستطيع بها التقرب من علي وإستعادة حبه الضائع... لم تذق طعما للنوم إلا بعد أن توصلت إلى فكرة ستمكنها من أن تكون بقربه طيلة اليوم ...وفي الصباح ذهبت إلى غرفة والدها عازمة على تنفيذها ... طرقت الباب ودلفت إلى الداخل بعد أن جاءها الإذن بالدخول ... اقتربت من والدها وطبعت قبلة على وجنته قائلة: صباح الخير يا بابا يا حبيبي.
نظر إليها وإبتسامة تعلو ثغره قبل ان يقول: انا شايفك النهاردة ماشاء الله عليكي... نفسيتك أحسن من إمبارح بكتير
جلست إلي جواره وقالت : فعلا حضرتك معاك حق ...انا فعلا النهاردة احسن من إمبارح... وحاكون احسن كمان لو وافقت على الطلب اللي حاطلبه منك دلوقتي
نظر إليها بإهتمام وقال بجدية: اعتبريني يا ستي وافقت من قبل ما اسمعه... طلب إيه ده بقى ?
أجابت بجدية: أصل انا بصراحة زهقت من قعدة البيت ...حضرتك وعلي بتروحوا الشركة ونورا كلها أيام والدراسة حتبتدي ... يعني هيا كمان حتنشغل وأنا حافضل فالفيلا لوحدي...فأنا بقى فكرت وقولت ليه أنا كمان ماروحش اشتغل مع حضرتك فالشركة ? وبكده اتعلم وفنفس الوقت مابقاش حاسة بالملل فغيابكوا
صفوت بدهشة: وانتي يا بنتي تفهمي إيه بس فشغلنا ?
نادية بإصرار: ياحبيبي انت ناسي ان أنا اصلا خريجة تجارة قسم إدارة أعمال ...وبعدين ما البركة فيك انت يا بابا يا حبيبي عشان تعلمني وتعرفني كل حاجة فشغلكوا
اجابها قائلا بإمتعاض: يا نادية يا حبيبتي أنا دلوقتي كبرت ومابقاش فيا دماغ اعلم حد وماعنديش صبر زي زمان
ربما لو كان يحاول مساعدتها في مخططها لما قال أفضل من ذلك ...وجدتها نادية فرصة ذهبية لتقول بخبث: خلاص بقي يا بابا ...مافيش غير إن حضرتك تطلب من علي إنه هو اللي يعلمني ويفهمني كل حاجة فالشغل ...طالما حضرتك مش حتقدر
استحسن صفوت الفكرة فقال مؤيدا: معاكي حق ...علي هو احسن واحد يعلمك لإنه عارف كل كبيرة وصغيرة فالشغل ... يمكن كمان اكتر مني ... أنا حابلغه النهاردة بالموضوع ده واطلب منه يتولى المهمة دي...وانتي من بكرة تعملي حسابك تروحي معانا الشركة...وأنا واثق انك حتتعلمي بسرعة
نظرت إلى الفراغ أمامها وقالت بتحدي: ماتقلقش يا بابا ...أنا حاثبت لحضرتك وللكل...ان بنتك مش جميلة وبس ...لأ وكمان ذكية
ما إن علم علي من عمه بنبأ قدوم نادية للعمل بالشركة حتى أعتراه ضيق وتوتر شديدين ... كان يود أن يخبر عمه برفضه لهذا الأمر ...ولكنه بالتأكيد لا يملك خيارا كذلك...فالشركة بالطبع تخص عمه وهو وحده صاحب الحق في التصرف بشأنها... أما ضيقه الأكبر فكان بسبب رغبة عمه أن يتولى هو مسئولية تعليم نادية وتدريبها ...ولكن كعادة الأمر تنتصر رغبة صفوت فالنهاية...وبينما كان يزاول عمله في مكتبه بالشركة إذ سمع طرقا على باب غرفته فسمح للطارق بالدخول ...لتدخل نادية وهي تحمل بيدها أحد الملفات وتقول في حيرة مصطنعة:لوسمحت يا علي...ممكن تفهمني الحاجات اللي فالملف ده لإني فيه كذا نقطة مش فهماهم والبركة فيك انت بقى تفهمني
تنهد علي قائلا في ضيق وهو يمد يده ليأخذ الملف: وريني يا نادية لما أشوف إيه اللي انتي مش فاهماه بالظبط
تجاهلت يده الممدودة وتوجهت نحو مقعده خلف المكتب لتضع الملف أمامه على المكتب ثم مالت بجسدها نحو المكتب وهي تنظر داخل الملف قائلة: تعالى بص كده وأنا حاوريك النقط اللي وقفت معايا فيه بالظبط
تراجع علي بمقعده قليلا إلى الخلف حتى لا تصبح قريبة منه إلى هذا الحد وقال بجدية صارمة: نادية... ممكن تقعدي على الكرسي هناك وأنا برضه حاعرف أشرحلك اللي انتي عايزاه
اصطنعت الحرج قائلة وهي تعتدل في وقفتها : هو أنا كده مضيقاك ? آسفة اوي ماخدتش بالي
توجهت نحو المقعد أمام المكتب وجلست عليه قائلة: أنا قعدت آهوه ...اتفضل بقى أشرح
أمسك علي بالملف وأخذ يشرح لنادية محتواه وبصره مركز على الأوراق أمامه بينما كانت نظراتها مسلطة عليه وإبتسامة مرتسمة على ثغرها ... ربما هو ليس في وسامة سامح ...ولكنه به رجولة تفوق سامح بمراحل...انتهى علي من الشرح الذي لم تستمع منه نادية إلى حرف واحد فرفع رأسه قائلا بجدية: ها فهمتي المطلوب منك تعمليه بالظبط ?
اتسعت إبتسامتها وهي تجيبه قائلة: انت ليه ما فكرتش تشتغل دكتور فالجامعة...ثم اردفت قائلة بميوعة: تعرف ان شرحك حلو اوي
زفر بضيق ثم قال حانقا: ياترى فيه حاجة تانية عايزة تسألي فيها ?
امتدت يدها لتمسك الملف وهي تقول بمكر: لو فيه حاجة تانية حارجعلك تاني...حتروح مني فين يعني ?
خرجت نادية وأغلقت الباب خلفها فزفر علي قائلا بنفاذ صبر: وبعدين بقى...
مرت عدة أيام على عملها بالشركة...وكل يوم تنتهز نادية أي فرصة لتتوجه نحو مكتب علي متحججة بأعذار واهية لا تخفى بالطبع على علي ...ومع إشراقة شمس يوم جديد هو الأول في العام الدراسي الجديد ...كانت أميرة متوجهة إلى المدرسة حين فوجئت بجمال يعترض طريقها قائلا بإبتسامة: صباح الخير يا أميرة... كل سنة وانتي طيبة
بادلته أميرة الإبتسامة قائلة: صباح النور يا جمال وكل سنة وانت طيب ...انت بتعمل إيه هنا ?
جمال:أنا واقف من شوية كده مستنييكي عشان ندخل المدرسة مع بعض فأول يوم زي ما احنا متعودين كل سنة ... وكمان أنا جبتلك هدية بمناسبة السنة الجديدة بس يارب تعجبك ...وضع يده في جيبه وأخرج علبة صغيرة من القطيفة حمراء اللون ثم فتحها ليظهر خاتما ذهبيا رقيقا ومن ثم قال : إيه رأيك ?
أميرة بحرج: جميل اوي... بس ماكانش فيه داعي تتعب نفسك ...وبعدين احنا حنعيد أيام الخطوبة من جديد ولا إيه?
ابتسم قائلا: لو دي حاجة تسعدك أنا ماعنديش مانع اعملها عشان خاطرك
خفضت بصرها وهي تجيبه قائلة بخجل: طب يلا بينا بقى عشان ما نتأخرش على المدرسة
جمال: ماشي يلا بينا
كانت لمياء تقوم بتحضير حقيبتها إستعدادا للتوجه إلى الجامعة في أول يوم دراسي وتضع هاتفها على أذنها وتسنده بكتفها وهي تحادث إبراهيم الذي كان يهنئها بعامها الجامعي الجديد ...أتاها صوته عبر الهاتف قائلا: كل سنة وانتي طيبة يا حبيبتي
لمياء بصرامة: إبراهيم ...احنا اتفقنا علي إيه ?
إبراهيم: ما احنا برضه اتفقنا انك حتفكيها شوية يا لميا
اصطنعت التفكير قبل ان تجيبه قائلة: خلاص ...يبقى وانت طيب
إبراهيم ساخرا: يا سلام ...ده كده بعد مافكيتيها! لا ده انتي كده جيتي على نفسك اوي... ليه بس التبذير ده يا لميا... بعدين أخد على الدلع ده وانحرف وأخلاقي تبوظ
ابتسمت قائلة : لاحظ ان انت كده مأخرني على فكرة
إبراهيم: تحبي آجي أوصلك
لمياء بجدية: موافقة بس بشرط
أسرع يجيبها قائلا: موافق من غير ما أعرفه
لمياء بتصميم: لأ لازم تعرفه الأول ...بشرط انك تكلم علي أخويا وتستأذن منه وكمان هو ييجي معانا عشان ماينفعش نركب لوحدنا أنا وانت
إبراهيم شاعرا بخيبة الأمل: لمياء... تروحي وترجعي بالسلامة يا حبيبتي... مش عايزة حاجة قبل ما أقفل
لمياء : لا متشكرة اوي
اغلقت لمياء الهاتف مع إبراهيم وهي تبتسم قائلة: ناس مابتجيش غير بالعين الحمرا صحيح
كانت تقف أمام المرأة لتلقي نظرة أخيرة على شكلهاقبل أن تذهب إلى الجامعة فاقترب منها علي وطبع قبلة رقيقة على وجنتها قائلا بحب: كل سنة وانتي طيبة يا حبيبتي
استدارت إليه وقالت بإبتسامة: وانت طيب يا علي .
حمل حقيبته ونظر إليها قائلا: يلا بينا بقى عشان أوصلك قبل ما اطلع على الشركة
نورا بسعادة: بجد حتوصلني النهاردة?
علي مؤكدا: إن شاءالله... بس ماتتعوديش على الدلع ده ...النهاردة بس عشان أول يوم حاوديكي وارجعك كمان...يلا بينا بقى احسن كده اتأخرنا على الفطار
هبط على ونورا الدرج معا ليجدا نادية وحدهاعلى مائدة الإفطار ... سألها علي عن سر غياب عمه فقالت : بابا سبقنا على الشركة وقالي نحصله انا وانت... أصل انا اتأخرت وأنا بالبس هدومي وجيت بعد هو مافطر ... باقولك إيه يا علي... هو أنا ممكن أغلس عليك النهاردة واطلب منك انك تاخدني معاك فعربيتك لحد الشركة ?
أجاب قائلا بتأفف: وانتي عربيتك فين يا نادية ?
نادية: اصل عربيتي عطلانة مش عارفة من إيه ... وصيت حد من الأتنين الأمن اللي على البوابة ياخدها يوديها للميكانيكي يشوف مالها ...معلش حتضطر توصلني الشركة النهاردة
أراد علي تفويت تلك الفرصة عليها فقال ببرود: أسف يا نادية ... أنا مش رايح الشركة دلوقتي...أنا لسه حاوصل نورا الكلية الأول وبعدين اروح الشركة
بدا على ملامحها الضيق وهي تجيبه قائلة: وهيا نورا ماتعرفش سكة الكلية لوحدها ?
لم يستطع ضبط أعصابه هذه المرة فاجابها بحدة: ده على أساس انك انتي اللي ماتعرفيش طريق الشركة يعني
نظرت نورا إلى ساعة يدها وقالت بضيق: علي انا كده حتأخر مش يلابينا
نظرت إليها نادية وقالت بإستنكار: ده على أساس ان الكلية بيروحوها بمواعيد مثلا من اول يوم كده
كادت براكين غضبه أن تشتعل مطلقة حممها في وجه نادية التي نطقت قائلة ببرود: خلاص ...أنا حآجي معاكوا توصل نورا الكلية وبعدين نكمل احنا طريقنا على الشركة
نقل علي بصره بينها وبين نورا التي بدا ان صبرها يكاد ينفد وقال بجمود: لأ... انا حاوصلك الشركة الأول وبعدين أوصل نورا الجامعة وارجع الشركة تاني
زفرت بشدة ثم قالت بحنق: ولزومها إيه اللفة دي كلها ?
علي ببرود محاولا إستفزازها: مزاجي كده وإذا كان عاجبك ... اصل بصراحة فيه موضوع مهم عايز اتكلم مع مراتي حبيبتي فيه واحنا فالطريق ... عندك مانع ?
أدارت نورا وجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا يلاحظ أي منهما تلك الإبتسامة التي ارتسمت على شفتيها جراء كلماته وأسلوبه المستفز ... لم تجد نادية بدا من الإذعان فوافقت على مضض ...تحدثت نورا قائلة: يلا بينا بقى يا علي
همت أن تغادر ولكن علي جذبها من ذراعها ليستوقفها قائلا: انتي حتمشي كده من غير ما اسلم عليكي ...ومن ثم اقترب من شفتيها وطبع عليهما قبلة تعمد أن تطول لبعض الوقت ونورا تحاول دفعه برفق إلا ان ابتعد أخيرا قائلا: معلش أصلي حاقعد كام ساعة من غير ما أشوفك...كانت عيناه مثبتتين على نادية التي كان يعلم جيدا انها لن تجرؤ على الإعتراض هذه المرة ...فهي تسعى بكل جهدها للتقرب من علي ...الأمر الذي بات علي يدركه بشدة ...كان أقصى مافعلته ان أشاحت بوجهها بعيدا عنهما وهي تضرب الأرض بقدمها في حنق وغيظ شديدين... ثم خرج بعدها الجميع معا متجهين إلى سيارة علي
في الشركة لم يختلف يومها كثيرا عن سابقيه ... كانت تدلف هذه المرة إلى داخل مكتبه بعذر جديد لتعيد نفس حركاتها التي باتت تشعره بمزيد من النفور نحوها ... هتف بها هذه المرة صارخا: نادية ...يا إما تقعدي على الكرسي زي الناس ...يا إما ما تجيش هنا تاني ... اظن انا مش حانبه عليكي كل مرة
زمت شفتيها في محاولة منها لإخفاء ضيقها وقال مصطنعة الحرج: أنا أسفة إذا كنت ضايقتك من غير ما اقصد المرة دى كمان
أجابها وهو يمسح حبات العرق المتناثرة على جبينه قائلا بضيق: مش ملاحظة انك بقيتي بتتأسفي كتير ... ممكن تتفضلي على مكتبك دلوقتي لإني بجد مش قادر أشرح حاجة
قامت من مجلسها متجهة نحو مقعده وقالت بلهفة: سلامتك ... فيه حاجة بتوجعك ... أجيبلك دكتور ?
أجابها قائلا بتأفف: الحاجة اللي تعباني دواها مش عندك ولا عند الدكتور ... ثم تركها متجها نحو الحمام الملحق بالغرفة ووضع رأسه تحت صنبور الماء سامحا للماء البارد أن يتخلل وجهه وخصلات شعره وغادر بعد ان قال بجدية: نادية ... ممكن تبلغي عمي إني تعبت شوية ومشيت بدري ?... لم يترك لها فرصة للرد فغادر مسرعا وركب سيارته في طريقه إلى الجامعة
في السيارة كانت نورا تحادث علي قائلة: ممكن بقى تفهمني انت ليه خلتني أسيب المحاضرة وأخرج ...وإيه اللي رجعك من الشغل بدري النهاردة
أجابها قائلا بأسف : معلش يا نورا ... اوعدك انها تكون أخر مرة أعطلك عن دراستك .... وبعدين هو فيه حد بيحضر من اول يوم كده يا نورا ?
ابتسمت قائلة : طب انت مالك ? أنا حاسة ان فيك حاجة متغيرة ... اوعى تكون تعبان ومخبي عليا
نظر إليها ثم عاود النظر أمامه قائلا: نورا ...انا كل اللي أقدر أقوله إني محتاجك جنبي اوي الفترة دي... ممكن ماتبعديش عني لو سمحتي وتخليكي جنبي علطول
رغم جهلها بما يقصده إلا انها وافقته قائلة: ماشي يا حبيبي...اوعدك ان مافيش حاجة ابدا تبعدني عنك ... ده النهاردة لسه اول يوم يا علي ...بس ممكن تقولي احنا رايحين فين لإن ده مش طريق البيت
علي : احنا فعلا مش رايحين البيت ... أحنا حنروح أي فندق نحجز أوضة نقضي فيها الكام ساعة دول لحد بالليل ونبقى نروح على معاد النوم على الفيلا... يعني عايزين نبقى على راحتنا شوية
حدقت فيه للحظات ثم قالت بقلق: طيب لما نروح حنقولهم احنا كنا فينا بالظبط ?
هتف علي صارخا بإنفعال: جرى إيه يا نورا ? انتي مش ماشية مع راجل ولا إيه ? مافيش حد من حقه يسألك كنتي فين ورايحة فين غيري أنا وبس ... وماحدش ليه عندنا حاجة ...انتي فاهمة ولا لأ ?
خفضت رأسها وقالت بأسى: أنا اسفة لو كنت ضايقتك
شعر بالضيق من نفسه فقال معتذرا: أنا اسف لو كنت عليت صوتي...عشان خاطري ما تزعليش ... أنا النهاردة مش مظبوط خالص
نورا بهمس: خلاص ماحصلش حاجة
نظر إليها قائلا بإبتسامة: ربنا مايحرمنيش منك يا نورا... ومايدخلش أي شياطين بينا ابدا
مساء اليوم التالي كان علي يجلس مع نورا بحديقة الفيلا حين طلبت منه أن يصعدا معا إلى الأعلى لتخلد للنوم إستعدادا ليوم دراسي جديد...طلب منها علي ان تصعد بمفردها حتى تستطيع الإستيقاظ باكرا ... على أن يبقى هو قليلا ليفكر في أمر ما يشغل باله...انصاعت نورا لطلبه ...فصعدت إلى غرفتها فيما بقي هو يفكر قائلا لنفسه: وأخرتها معاكي يا نادية... يا ترى عايزة إيه مني بالظبط ?...أنا فاهم كويس اوي كل اللي بتعمليه... وأقدر كويس اوي أوقفك عند حدك لكن... هو الوحيد اللي مانعني عنك ... بس ما وعدكيش اني أصبر كتير بعد كده
كانت تراقبهما من شرفة غرفتها حين رأت نورا وهي تصعد للأعلى فيما بقي علي بمفرده...اسرعت تحث الخطى نحو الحديقة .... وما ان وصلت إلى حيث يجلس علي حتى قالت : علي ...ممكن اتكلم معاك شوية لو سمحت
تنهد قائلا بضيق: نعم يا نادية عايزة إيه? اصل أنا بصراحة كنت طالع عشان أنام
جلست وهي تقول: أنا مش حأخد من وقتك كتير صدقني ...انا بس كنت عايزة اعتذرلك عن حاجات كتير غلطت فحقك فيها ... ارجوك تسامحني وتنسى اي حاجة قولتلهالك قبل كده وزعلتك مني ...اوعى تفتكر إني ماعنديش قلب وإني كنت شمتانة فعلا فموت سامح ... أنا عندي قلب يا علي بس للأسف لسه مالقتش الراجل اللي يستحقه ... او يمكن ماخدتش بالي منه غير متأخر شوية
كان يستمع إليها في صمت وبوجه جامد دون ان يبدو عليه أي رد فعل لكلماتها ...أماهي فكانت تنتظر منه ردا تستشف منه مدى إستجابته لكلماتها ... إلا ان نطق قائلا بحسم : شوفي يا نادية... انا حاقولك كلمتين ياريت تفهميهم كويس... مش دايما الجون اللي بييجي فالوقت الضايع بيكون هدف حاسم وبيجيب المكسب... أحيانا الجون ده مابيكونش ليه أي قيمة إذا الفريق كان مهزوم بنتيجة كبيرة ومافيش أمل فالمباراة ...والهزيمة خلاص بقت أمر واقع
أجابت قائلة بتحدي: بس على الأقل بيحسن الصورة وبيقلل من الهزيمة ...ومين عارف مش يمكن يكونوا اكتر من جون ...وساعتها الفريق ممكن يكسب أو على الأقل الفريقين يتعادلوا
وقف أمامها قائلا بتحدي قبل ان يغادر: الفريقين عمرهم ما حيتعادلوا يا نادية... ده لو عايزة رأي الحكم يعني وبتاخدي بيه
ما إن خطى بضع خطوات نحو الداخل حتى قالت بإصرار: يظهر انك لسه ماتعرفش ان نادية صفوت لما بتدخل مباراة إستحالة تطلع منها خسرانة
لم يكن حالها يختلف كثيرا عن حال علي ...فمنذ صعدت إلى غرفتها لم تذق للنوم طعما وهي تفكر فيما تفعله نادية والذي بات لا يخفى عن الناظرين ... تتوجس خيفة من ذلك الإصرار الذي تراه بعيني نادية ثم ماتلبث أن تطمئن ولو قليلا حين تتذكر ردة فعل علي تجاه تصرفات شقيقتها ... كانت تحدث نفسها قائلة: أنا مابقتش عارفة اعمل إيه بالظبط ... مش عارفة اتدخل ولا اقعد بعيد اتفرج وأسيب علي هو اللي يقرر ويتصرف... ولو متأكد من حبه ليا يبقى اكيد حيختارني أنا ويتصرف معاها أما لو ....لم يستطع لسانها أن ينطق بها... قررت أن تتصل بلبنى صديقتها الصدوق لتستشيرها بالأمر...وما إن حادثتها وأخبرتها بالأمر حتى أتاها صوتها الغاضب وهي تهتف بها قائلة: وحضرتك بقى قاعدة تتفرجي عليها وهيا بتعمل كده .?
تنهدت نورا وهي تجيبها قائلة: طول عمرها متعودة تبص للي فايديا وتاخد مني كل حاجة... حتى وأنا صغيرة كانت دايما تاخد مني لعبي وحاجاتي لحد ما اتعودت على كده
صرخت بها لبنى قائلة: ده على أساس ان أخويا لعبة من لعب سيادتك نادية طمعت فيها فققررتي تسيبيها لها
نورا بدهشة: انتي بتكلميني كده ليه يا لبنى ?
لبنى بإنفعال: اسمعيني كويس يا نورا... قسما بالله لو ماكنتي تدافعي عن حبك وتتمسكي بأخويا لأخر لحظة وتبطلي السلبية اللي انتي فيها دي لا حتبقي بنت عمي ولا عايزة اعرفك تاني ...
ظلت نادية ساهرة طيلة ليلتها تفكر في طريقة تستطيع بها التقرب من علي وإستعادة حبه الضائع... لم تذق طعما للنوم إلا بعد أن توصلت إلى فكرة ستمكنها من أن تكون بقربه طيلة اليوم ...وفي الصباح ذهبت إلى غرفة والدها عازمة على تنفيذها ... طرقت الباب ودلفت إلى الداخل بعد أن جاءها الإذن بالدخول ... اقتربت من والدها وطبعت قبلة على وجنته قائلة: صباح الخير يا بابا يا حبيبي.
نظر إليها وإبتسامة تعلو ثغره قبل ان يقول: انا شايفك النهاردة ماشاء الله عليكي... نفسيتك أحسن من إمبارح بكتير
جلست إلي جواره وقالت : فعلا حضرتك معاك حق ...انا فعلا النهاردة احسن من إمبارح... وحاكون احسن كمان لو وافقت على الطلب اللي حاطلبه منك دلوقتي
نظر إليها بإهتمام وقال بجدية: اعتبريني يا ستي وافقت من قبل ما اسمعه... طلب إيه ده بقى ?
أجابت بجدية: أصل انا بصراحة زهقت من قعدة البيت ...حضرتك وعلي بتروحوا الشركة ونورا كلها أيام والدراسة حتبتدي ... يعني هيا كمان حتنشغل وأنا حافضل فالفيلا لوحدي...فأنا بقى فكرت وقولت ليه أنا كمان ماروحش اشتغل مع حضرتك فالشركة ? وبكده اتعلم وفنفس الوقت مابقاش حاسة بالملل فغيابكوا
صفوت بدهشة: وانتي يا بنتي تفهمي إيه بس فشغلنا ?
نادية بإصرار: ياحبيبي انت ناسي ان أنا اصلا خريجة تجارة قسم إدارة أعمال ...وبعدين ما البركة فيك انت يا بابا يا حبيبي عشان تعلمني وتعرفني كل حاجة فشغلكوا
اجابها قائلا بإمتعاض: يا نادية يا حبيبتي أنا دلوقتي كبرت ومابقاش فيا دماغ اعلم حد وماعنديش صبر زي زمان
ربما لو كان يحاول مساعدتها في مخططها لما قال أفضل من ذلك ...وجدتها نادية فرصة ذهبية لتقول بخبث: خلاص بقي يا بابا ...مافيش غير إن حضرتك تطلب من علي إنه هو اللي يعلمني ويفهمني كل حاجة فالشغل ...طالما حضرتك مش حتقدر
استحسن صفوت الفكرة فقال مؤيدا: معاكي حق ...علي هو احسن واحد يعلمك لإنه عارف كل كبيرة وصغيرة فالشغل ... يمكن كمان اكتر مني ... أنا حابلغه النهاردة بالموضوع ده واطلب منه يتولى المهمة دي...وانتي من بكرة تعملي حسابك تروحي معانا الشركة...وأنا واثق انك حتتعلمي بسرعة
نظرت إلى الفراغ أمامها وقالت بتحدي: ماتقلقش يا بابا ...أنا حاثبت لحضرتك وللكل...ان بنتك مش جميلة وبس ...لأ وكمان ذكية
ما إن علم علي من عمه بنبأ قدوم نادية للعمل بالشركة حتى أعتراه ضيق وتوتر شديدين ... كان يود أن يخبر عمه برفضه لهذا الأمر ...ولكنه بالتأكيد لا يملك خيارا كذلك...فالشركة بالطبع تخص عمه وهو وحده صاحب الحق في التصرف بشأنها... أما ضيقه الأكبر فكان بسبب رغبة عمه أن يتولى هو مسئولية تعليم نادية وتدريبها ...ولكن كعادة الأمر تنتصر رغبة صفوت فالنهاية...وبينما كان يزاول عمله في مكتبه بالشركة إذ سمع طرقا على باب غرفته فسمح للطارق بالدخول ...لتدخل نادية وهي تحمل بيدها أحد الملفات وتقول في حيرة مصطنعة:لوسمحت يا علي...ممكن تفهمني الحاجات اللي فالملف ده لإني فيه كذا نقطة مش فهماهم والبركة فيك انت بقى تفهمني
تنهد علي قائلا في ضيق وهو يمد يده ليأخذ الملف: وريني يا نادية لما أشوف إيه اللي انتي مش فاهماه بالظبط
تجاهلت يده الممدودة وتوجهت نحو مقعده خلف المكتب لتضع الملف أمامه على المكتب ثم مالت بجسدها نحو المكتب وهي تنظر داخل الملف قائلة: تعالى بص كده وأنا حاوريك النقط اللي وقفت معايا فيه بالظبط
تراجع علي بمقعده قليلا إلى الخلف حتى لا تصبح قريبة منه إلى هذا الحد وقال بجدية صارمة: نادية... ممكن تقعدي على الكرسي هناك وأنا برضه حاعرف أشرحلك اللي انتي عايزاه
اصطنعت الحرج قائلة وهي تعتدل في وقفتها : هو أنا كده مضيقاك ? آسفة اوي ماخدتش بالي
توجهت نحو المقعد أمام المكتب وجلست عليه قائلة: أنا قعدت آهوه ...اتفضل بقى أشرح
أمسك علي بالملف وأخذ يشرح لنادية محتواه وبصره مركز على الأوراق أمامه بينما كانت نظراتها مسلطة عليه وإبتسامة مرتسمة على ثغرها ... ربما هو ليس في وسامة سامح ...ولكنه به رجولة تفوق سامح بمراحل...انتهى علي من الشرح الذي لم تستمع منه نادية إلى حرف واحد فرفع رأسه قائلا بجدية: ها فهمتي المطلوب منك تعمليه بالظبط ?
اتسعت إبتسامتها وهي تجيبه قائلة: انت ليه ما فكرتش تشتغل دكتور فالجامعة...ثم اردفت قائلة بميوعة: تعرف ان شرحك حلو اوي
زفر بضيق ثم قال حانقا: ياترى فيه حاجة تانية عايزة تسألي فيها ?
امتدت يدها لتمسك الملف وهي تقول بمكر: لو فيه حاجة تانية حارجعلك تاني...حتروح مني فين يعني ?
خرجت نادية وأغلقت الباب خلفها فزفر علي قائلا بنفاذ صبر: وبعدين بقى...
مرت عدة أيام على عملها بالشركة...وكل يوم تنتهز نادية أي فرصة لتتوجه نحو مكتب علي متحججة بأعذار واهية لا تخفى بالطبع على علي ...ومع إشراقة شمس يوم جديد هو الأول في العام الدراسي الجديد ...كانت أميرة متوجهة إلى المدرسة حين فوجئت بجمال يعترض طريقها قائلا بإبتسامة: صباح الخير يا أميرة... كل سنة وانتي طيبة
بادلته أميرة الإبتسامة قائلة: صباح النور يا جمال وكل سنة وانت طيب ...انت بتعمل إيه هنا ?
جمال:أنا واقف من شوية كده مستنييكي عشان ندخل المدرسة مع بعض فأول يوم زي ما احنا متعودين كل سنة ... وكمان أنا جبتلك هدية بمناسبة السنة الجديدة بس يارب تعجبك ...وضع يده في جيبه وأخرج علبة صغيرة من القطيفة حمراء اللون ثم فتحها ليظهر خاتما ذهبيا رقيقا ومن ثم قال : إيه رأيك ?
أميرة بحرج: جميل اوي... بس ماكانش فيه داعي تتعب نفسك ...وبعدين احنا حنعيد أيام الخطوبة من جديد ولا إيه?
ابتسم قائلا: لو دي حاجة تسعدك أنا ماعنديش مانع اعملها عشان خاطرك
خفضت بصرها وهي تجيبه قائلة بخجل: طب يلا بينا بقى عشان ما نتأخرش على المدرسة
جمال: ماشي يلا بينا
كانت لمياء تقوم بتحضير حقيبتها إستعدادا للتوجه إلى الجامعة في أول يوم دراسي وتضع هاتفها على أذنها وتسنده بكتفها وهي تحادث إبراهيم الذي كان يهنئها بعامها الجامعي الجديد ...أتاها صوته عبر الهاتف قائلا: كل سنة وانتي طيبة يا حبيبتي
لمياء بصرامة: إبراهيم ...احنا اتفقنا علي إيه ?
إبراهيم: ما احنا برضه اتفقنا انك حتفكيها شوية يا لميا
اصطنعت التفكير قبل ان تجيبه قائلة: خلاص ...يبقى وانت طيب
إبراهيم ساخرا: يا سلام ...ده كده بعد مافكيتيها! لا ده انتي كده جيتي على نفسك اوي... ليه بس التبذير ده يا لميا... بعدين أخد على الدلع ده وانحرف وأخلاقي تبوظ
ابتسمت قائلة : لاحظ ان انت كده مأخرني على فكرة
إبراهيم: تحبي آجي أوصلك
لمياء بجدية: موافقة بس بشرط
أسرع يجيبها قائلا: موافق من غير ما أعرفه
لمياء بتصميم: لأ لازم تعرفه الأول ...بشرط انك تكلم علي أخويا وتستأذن منه وكمان هو ييجي معانا عشان ماينفعش نركب لوحدنا أنا وانت
إبراهيم شاعرا بخيبة الأمل: لمياء... تروحي وترجعي بالسلامة يا حبيبتي... مش عايزة حاجة قبل ما أقفل
لمياء : لا متشكرة اوي
اغلقت لمياء الهاتف مع إبراهيم وهي تبتسم قائلة: ناس مابتجيش غير بالعين الحمرا صحيح
كانت تقف أمام المرأة لتلقي نظرة أخيرة على شكلهاقبل أن تذهب إلى الجامعة فاقترب منها علي وطبع قبلة رقيقة على وجنتها قائلا بحب: كل سنة وانتي طيبة يا حبيبتي
استدارت إليه وقالت بإبتسامة: وانت طيب يا علي .
حمل حقيبته ونظر إليها قائلا: يلا بينا بقى عشان أوصلك قبل ما اطلع على الشركة
نورا بسعادة: بجد حتوصلني النهاردة?
علي مؤكدا: إن شاءالله... بس ماتتعوديش على الدلع ده ...النهاردة بس عشان أول يوم حاوديكي وارجعك كمان...يلا بينا بقى احسن كده اتأخرنا على الفطار
هبط على ونورا الدرج معا ليجدا نادية وحدهاعلى مائدة الإفطار ... سألها علي عن سر غياب عمه فقالت : بابا سبقنا على الشركة وقالي نحصله انا وانت... أصل انا اتأخرت وأنا بالبس هدومي وجيت بعد هو مافطر ... باقولك إيه يا علي... هو أنا ممكن أغلس عليك النهاردة واطلب منك انك تاخدني معاك فعربيتك لحد الشركة ?
أجاب قائلا بتأفف: وانتي عربيتك فين يا نادية ?
نادية: اصل عربيتي عطلانة مش عارفة من إيه ... وصيت حد من الأتنين الأمن اللي على البوابة ياخدها يوديها للميكانيكي يشوف مالها ...معلش حتضطر توصلني الشركة النهاردة
أراد علي تفويت تلك الفرصة عليها فقال ببرود: أسف يا نادية ... أنا مش رايح الشركة دلوقتي...أنا لسه حاوصل نورا الكلية الأول وبعدين اروح الشركة
بدا على ملامحها الضيق وهي تجيبه قائلة: وهيا نورا ماتعرفش سكة الكلية لوحدها ?
لم يستطع ضبط أعصابه هذه المرة فاجابها بحدة: ده على أساس انك انتي اللي ماتعرفيش طريق الشركة يعني
نظرت نورا إلى ساعة يدها وقالت بضيق: علي انا كده حتأخر مش يلابينا
نظرت إليها نادية وقالت بإستنكار: ده على أساس ان الكلية بيروحوها بمواعيد مثلا من اول يوم كده
كادت براكين غضبه أن تشتعل مطلقة حممها في وجه نادية التي نطقت قائلة ببرود: خلاص ...أنا حآجي معاكوا توصل نورا الكلية وبعدين نكمل احنا طريقنا على الشركة
نقل علي بصره بينها وبين نورا التي بدا ان صبرها يكاد ينفد وقال بجمود: لأ... انا حاوصلك الشركة الأول وبعدين أوصل نورا الجامعة وارجع الشركة تاني
زفرت بشدة ثم قالت بحنق: ولزومها إيه اللفة دي كلها ?
علي ببرود محاولا إستفزازها: مزاجي كده وإذا كان عاجبك ... اصل بصراحة فيه موضوع مهم عايز اتكلم مع مراتي حبيبتي فيه واحنا فالطريق ... عندك مانع ?
أدارت نورا وجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا يلاحظ أي منهما تلك الإبتسامة التي ارتسمت على شفتيها جراء كلماته وأسلوبه المستفز ... لم تجد نادية بدا من الإذعان فوافقت على مضض ...تحدثت نورا قائلة: يلا بينا بقى يا علي
همت أن تغادر ولكن علي جذبها من ذراعها ليستوقفها قائلا: انتي حتمشي كده من غير ما اسلم عليكي ...ومن ثم اقترب من شفتيها وطبع عليهما قبلة تعمد أن تطول لبعض الوقت ونورا تحاول دفعه برفق إلا ان ابتعد أخيرا قائلا: معلش أصلي حاقعد كام ساعة من غير ما أشوفك...كانت عيناه مثبتتين على نادية التي كان يعلم جيدا انها لن تجرؤ على الإعتراض هذه المرة ...فهي تسعى بكل جهدها للتقرب من علي ...الأمر الذي بات علي يدركه بشدة ...كان أقصى مافعلته ان أشاحت بوجهها بعيدا عنهما وهي تضرب الأرض بقدمها في حنق وغيظ شديدين... ثم خرج بعدها الجميع معا متجهين إلى سيارة علي
في الشركة لم يختلف يومها كثيرا عن سابقيه ... كانت تدلف هذه المرة إلى داخل مكتبه بعذر جديد لتعيد نفس حركاتها التي باتت تشعره بمزيد من النفور نحوها ... هتف بها هذه المرة صارخا: نادية ...يا إما تقعدي على الكرسي زي الناس ...يا إما ما تجيش هنا تاني ... اظن انا مش حانبه عليكي كل مرة
زمت شفتيها في محاولة منها لإخفاء ضيقها وقال مصطنعة الحرج: أنا أسفة إذا كنت ضايقتك من غير ما اقصد المرة دى كمان
أجابها وهو يمسح حبات العرق المتناثرة على جبينه قائلا بضيق: مش ملاحظة انك بقيتي بتتأسفي كتير ... ممكن تتفضلي على مكتبك دلوقتي لإني بجد مش قادر أشرح حاجة
قامت من مجلسها متجهة نحو مقعده وقالت بلهفة: سلامتك ... فيه حاجة بتوجعك ... أجيبلك دكتور ?
أجابها قائلا بتأفف: الحاجة اللي تعباني دواها مش عندك ولا عند الدكتور ... ثم تركها متجها نحو الحمام الملحق بالغرفة ووضع رأسه تحت صنبور الماء سامحا للماء البارد أن يتخلل وجهه وخصلات شعره وغادر بعد ان قال بجدية: نادية ... ممكن تبلغي عمي إني تعبت شوية ومشيت بدري ?... لم يترك لها فرصة للرد فغادر مسرعا وركب سيارته في طريقه إلى الجامعة
في السيارة كانت نورا تحادث علي قائلة: ممكن بقى تفهمني انت ليه خلتني أسيب المحاضرة وأخرج ...وإيه اللي رجعك من الشغل بدري النهاردة
أجابها قائلا بأسف : معلش يا نورا ... اوعدك انها تكون أخر مرة أعطلك عن دراستك .... وبعدين هو فيه حد بيحضر من اول يوم كده يا نورا ?
ابتسمت قائلة : طب انت مالك ? أنا حاسة ان فيك حاجة متغيرة ... اوعى تكون تعبان ومخبي عليا
نظر إليها ثم عاود النظر أمامه قائلا: نورا ...انا كل اللي أقدر أقوله إني محتاجك جنبي اوي الفترة دي... ممكن ماتبعديش عني لو سمحتي وتخليكي جنبي علطول
رغم جهلها بما يقصده إلا انها وافقته قائلة: ماشي يا حبيبي...اوعدك ان مافيش حاجة ابدا تبعدني عنك ... ده النهاردة لسه اول يوم يا علي ...بس ممكن تقولي احنا رايحين فين لإن ده مش طريق البيت
علي : احنا فعلا مش رايحين البيت ... أحنا حنروح أي فندق نحجز أوضة نقضي فيها الكام ساعة دول لحد بالليل ونبقى نروح على معاد النوم على الفيلا... يعني عايزين نبقى على راحتنا شوية
حدقت فيه للحظات ثم قالت بقلق: طيب لما نروح حنقولهم احنا كنا فينا بالظبط ?
هتف علي صارخا بإنفعال: جرى إيه يا نورا ? انتي مش ماشية مع راجل ولا إيه ? مافيش حد من حقه يسألك كنتي فين ورايحة فين غيري أنا وبس ... وماحدش ليه عندنا حاجة ...انتي فاهمة ولا لأ ?
خفضت رأسها وقالت بأسى: أنا اسفة لو كنت ضايقتك
شعر بالضيق من نفسه فقال معتذرا: أنا اسف لو كنت عليت صوتي...عشان خاطري ما تزعليش ... أنا النهاردة مش مظبوط خالص
نورا بهمس: خلاص ماحصلش حاجة
نظر إليها قائلا بإبتسامة: ربنا مايحرمنيش منك يا نورا... ومايدخلش أي شياطين بينا ابدا
مساء اليوم التالي كان علي يجلس مع نورا بحديقة الفيلا حين طلبت منه أن يصعدا معا إلى الأعلى لتخلد للنوم إستعدادا ليوم دراسي جديد...طلب منها علي ان تصعد بمفردها حتى تستطيع الإستيقاظ باكرا ... على أن يبقى هو قليلا ليفكر في أمر ما يشغل باله...انصاعت نورا لطلبه ...فصعدت إلى غرفتها فيما بقي هو يفكر قائلا لنفسه: وأخرتها معاكي يا نادية... يا ترى عايزة إيه مني بالظبط ?...أنا فاهم كويس اوي كل اللي بتعمليه... وأقدر كويس اوي أوقفك عند حدك لكن... هو الوحيد اللي مانعني عنك ... بس ما وعدكيش اني أصبر كتير بعد كده
كانت تراقبهما من شرفة غرفتها حين رأت نورا وهي تصعد للأعلى فيما بقي علي بمفرده...اسرعت تحث الخطى نحو الحديقة .... وما ان وصلت إلى حيث يجلس علي حتى قالت : علي ...ممكن اتكلم معاك شوية لو سمحت
تنهد قائلا بضيق: نعم يا نادية عايزة إيه? اصل أنا بصراحة كنت طالع عشان أنام
جلست وهي تقول: أنا مش حأخد من وقتك كتير صدقني ...انا بس كنت عايزة اعتذرلك عن حاجات كتير غلطت فحقك فيها ... ارجوك تسامحني وتنسى اي حاجة قولتلهالك قبل كده وزعلتك مني ...اوعى تفتكر إني ماعنديش قلب وإني كنت شمتانة فعلا فموت سامح ... أنا عندي قلب يا علي بس للأسف لسه مالقتش الراجل اللي يستحقه ... او يمكن ماخدتش بالي منه غير متأخر شوية
كان يستمع إليها في صمت وبوجه جامد دون ان يبدو عليه أي رد فعل لكلماتها ...أماهي فكانت تنتظر منه ردا تستشف منه مدى إستجابته لكلماتها ... إلا ان نطق قائلا بحسم : شوفي يا نادية... انا حاقولك كلمتين ياريت تفهميهم كويس... مش دايما الجون اللي بييجي فالوقت الضايع بيكون هدف حاسم وبيجيب المكسب... أحيانا الجون ده مابيكونش ليه أي قيمة إذا الفريق كان مهزوم بنتيجة كبيرة ومافيش أمل فالمباراة ...والهزيمة خلاص بقت أمر واقع
أجابت قائلة بتحدي: بس على الأقل بيحسن الصورة وبيقلل من الهزيمة ...ومين عارف مش يمكن يكونوا اكتر من جون ...وساعتها الفريق ممكن يكسب أو على الأقل الفريقين يتعادلوا
وقف أمامها قائلا بتحدي قبل ان يغادر: الفريقين عمرهم ما حيتعادلوا يا نادية... ده لو عايزة رأي الحكم يعني وبتاخدي بيه
ما إن خطى بضع خطوات نحو الداخل حتى قالت بإصرار: يظهر انك لسه ماتعرفش ان نادية صفوت لما بتدخل مباراة إستحالة تطلع منها خسرانة
لم يكن حالها يختلف كثيرا عن حال علي ...فمنذ صعدت إلى غرفتها لم تذق للنوم طعما وهي تفكر فيما تفعله نادية والذي بات لا يخفى عن الناظرين ... تتوجس خيفة من ذلك الإصرار الذي تراه بعيني نادية ثم ماتلبث أن تطمئن ولو قليلا حين تتذكر ردة فعل علي تجاه تصرفات شقيقتها ... كانت تحدث نفسها قائلة: أنا مابقتش عارفة اعمل إيه بالظبط ... مش عارفة اتدخل ولا اقعد بعيد اتفرج وأسيب علي هو اللي يقرر ويتصرف... ولو متأكد من حبه ليا يبقى اكيد حيختارني أنا ويتصرف معاها أما لو ....لم يستطع لسانها أن ينطق بها... قررت أن تتصل بلبنى صديقتها الصدوق لتستشيرها بالأمر...وما إن حادثتها وأخبرتها بالأمر حتى أتاها صوتها الغاضب وهي تهتف بها قائلة: وحضرتك بقى قاعدة تتفرجي عليها وهيا بتعمل كده .?
تنهدت نورا وهي تجيبها قائلة: طول عمرها متعودة تبص للي فايديا وتاخد مني كل حاجة... حتى وأنا صغيرة كانت دايما تاخد مني لعبي وحاجاتي لحد ما اتعودت على كده
صرخت بها لبنى قائلة: ده على أساس ان أخويا لعبة من لعب سيادتك نادية طمعت فيها فققررتي تسيبيها لها
نورا بدهشة: انتي بتكلميني كده ليه يا لبنى ?
لبنى بإنفعال: اسمعيني كويس يا نورا... قسما بالله لو ماكنتي تدافعي عن حبك وتتمسكي بأخويا لأخر لحظة وتبطلي السلبية اللي انتي فيها دي لا حتبقي بنت عمي ولا عايزة اعرفك تاني ...
