رواية عودة بدران المر الفصل الثاني 2 بقلم هدي زايد
الفصل الثاني
¤¤¤¤¤¤¤
هو فين عم بدران يا خالتي ؟!
قالها " سليمان" وهو يقف في مقدمة أصدقائه كانت تُلقي عليهم نظرة تفقدية لتعرف من خلالها من هم ابتسمت له وقالت بفضول:
- جوا أنت مين يا حبيبي ؟!
رد بإبتسامة واسعة وقال:
- أنا سليمان مش فاكراني اللي جبت لك الطلبات من يومين لما كنتي قاعدة في الشارع أنتِ وعم رضوان
- اه ايوة ازيك يا سليمان تعال
- شكرًا أنا بس كنت عاوز عم بدران في حاجة
خرج " بدران" بعد أن ناداته، كان يجفف خصلات شعره بالمنشفة وقف خلفها وقال باسمًا
- أهلًا يا سليمان تعال
ولج هو وباقية الأطفال بينما جلس " بدران" على الأريكة نظر لهم ثم عاد ببصره لكبيرهم من وجهة نظر الصغير وقال:
- خير يا أبوالرجال في حاجة ؟!
- بص احنا جمعنا حق الزينة كلها للشارع بتاعنا وباقي الفانوس
تابع بحزنٍ شديد وقال :
- ابويا بيقولي حلو وعلقها رمضان بدأ بقاله يومين واحنا مش عاوزين نعلق الزينة ومحدش راضي يدفع فلوس زيادة
استطرد بجدية وقال:
- بس والله أول يوم العيد هنجمع العيدية وهنيي نديهالك وعد والله
رد "بدران" بجدية وقال :
- ما أنت عارف يا سليمان إن آخر حاجة بعملها يوم السحور مش بشتغل بعدها تاني
اقتربت ابنة عم سليمان منه وهي تتوسله بصوتها الرقيق التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها وقالت:
- عشان خاطري يا عمو معلش وحياة أغلى حاجة عندك تعمله
تابعت بدعوة قلبية قائلة:
- يارب يحقق لك اللي بتحملي بي ياعمو بدران يارب توافق
ابتسم لها وقال وهو يرقص حاجيبه بمرح
- و بعدين بقى في العسل دا، دا عشان خاطرك ابني عمارة مش اعملك فانوس يا جميل
تدخل "سليمان" وقال بعصبية
- رمضان كريم يا عمو بدران هتوافق ولالا ؟!
رد " بدران" بخوفٍ مصطنع وهو يقول:
- وهو أنا قلت حاجة غير موافق طبعًا .
ردت الصغيرة وهي تعانقه بسعادة
- ربنا يخليك لينا يا عمو بدران
نظرت لـ تولين وقالت
- عارفة يا خالتو عمو بدران دا عسل اوي وطيبة اوي زي الأمير اللي كان مع سندريلا
ابتسمت لها وقالت بنبرة ساخرة
- طبعًا يا حبيتي ما أنا جربت عسله يومين في جامع الحارة هو أنتِ لسه شوفتي حاجة من عسله
تعالت الأصوات مهللين بسعادة بالغة عن مدى سعادتهم بموافق "بدران" بعد محاولاتٍ عدة
تكلمت " تولين" طالبة منهم بهدوء
- معلش يا ولاد نوطي صوتنا شوية عشان بابا واخد علاجه ونايم
رد " سليمان" وقال بعتذار
- معلش يا خالتي مش هنعمل صوت تاني وهننزل دلوقتي خلاص
ابتسمت له وقالت بنبرة حانية:
- اقعد براحتك يا حبيبي بس بلاش صوت عالي معلش عشان جدو تعبان ماشي
- ماشي
******
كانت تبحث عن غسالة الملابس ولم تجدها، دخلت كل مكان في الشقة بحثت أكثر من مرة ولم تجدها خرجت حيث الردهة وجدته جالسًا ينظم الأدوات المستخدمة لصنع الفانوس، سألته بنبرة هادئة
- هو أنت ماعندكش غسالة يا بدران ؟!!
-لا عندين بس بروحين
نظرت بدهشة وهي تجلس على المقعد المجاور لمقعده وقالت:
-إيه دا الغسالة ملبوسة ؟!!
- لا ملبوسة ايه هي اسمها كدا نص بيغسل ونص بيجفف الهدوم
-الله بجد دا اختراع هايلة
- ليه هو أنتِ ماعندكيش منها ؟!
- لالا الاختراع دا أول مرة اسمع عنه دا غير إن أنا مكنتش بغسل هدومي كنت بخلي الدادة تغسلهم وتجيبهم لحد عندي
-ما هي كانت بتيجي لها لحد عندها بردو
-هي مين ؟!
-أمي الله يرحمها كانت تبقى قعدة مكانك كدا وأنا قاعد زي ما أنا والغسل تيجي من الحمام لحد الصالة وتقول أنا خصلت ياحجة
- الله وهي فين دلوقت
- ماتت زي ما أنا همـ ـوت مجلوط كدا منك
يا ابني ركز معايا أنا اقصد الغسالة مش مامتك
- اها الغسالة لا ماهي لما طلع الاختراع الجديد بتاع الغستلة أم روحين دي قلنا شكرًا كفاية عليكي لخد
- ياخسارة كان نفسي اشوفها مش مشكلة طب التلاجة بتاعتك فين ؟! أنا عاوزة اشرب مياة ساقعة أنا مش لاقيها بردو
- لا دا انا عندي اختراع أحلى منها بمراحل
- اللي هو إيه ؟!
- القُلة تعرفيها ؟!
- لا
- دي بقى زي ازازة كدا صغننة وتفضل محافظة على المياه ساقعة طول اليوم ومن غير كهربا
- بجد الله
وقف عن المثعد وهو يلملم متعلقاته بينما سألته بداهشة :
- أنت رايح فين ؟!
اخد حباية الضغط قبل الذبحة الصدرية ما تيجي ومتلاقنيش
عصر اليوم التالي
كان مُستلقيًا على ظهره ويده أسفل مؤخرة رأسه يتابع ثاني حلقات المسلسل بهدوءٍ تام، وهو عارِ الصدر نظرًا لحرارة الجو التي تجاوزت الأربعون تقريبًا بينما خرجت هي لتبدأ أولى حلقات التنظيف
هدرت بصوتها وهي مغمضة العينين وقالت بعصبية
- أنت ازاي تقعد بالشكل دا كدا وأنت عارف إن في ناس معاك مش مكسوف من نفسك طب غلى الأقل احترم الشهر الفضيل يا أخي !!
بصي عشان أنا جبت أخري منك خلاص الصالة دي بتاعتي من ضمن القسمة يعني اقعد فيها بهدومي من غير هدومي أنا حر هو حد شريكي يا ست ؟!
أردف " بدران" عبارته وهو يغلق آخر أزرار قميصه الابيض الذي القته للتو في وجهه تنهدت بعمق وهي مغمضة العينين وقالت :
- خلصت لبس ولا لسه ؟!
رد " بدران" بنبرة مغتاظة وقال:
- ايوة خلصت
فتحت عيناها وقالت بنبرة تحذيرية:
- لو شفتك كدا تاني اعتبر نفسك مطرود من الشقة
- مطرود منين يا عنيا ؟!
- من شقتي
ضحك بصخب ثم عاد ببصره لها وقال مصححًا:
- شقتنا حطي النون في أي حاجة بعد كدا مطبخنا حمامنا واي حاجة في الشقة دي مقسومة على اتنين يا استاذة بنزين قصدي تولين
كاد أن يغادر الردهة وهو يتمتم بنبرة متعجبة
- معرفش أنا إيه الاسامي اللي لازم لها كتالوج دي
جذبته من ذراعه وقالت بتساؤل
- رايح فين ؟!
- رايح اطبخ الفطار المغرب قرب يأذن عندك مانع ؟!
ردت بجدية وهي تشير بيدها تجاه الردهة وصولًا لغرفته
- الزريبة اللي أنت عايش فيها تنضفها والمطبخ اللي أنت بتقول عليه مطبخ دا محتاج سنة عشان يتنضف
رد برضا تام عن الجلبة التي تحدث حوله وقال:
- أنا والزريبة دي متعايشين مع بعض عادي مش عجبك سيبي الشقة عادي جدًا
ردت بعناد وقالت:
- هتنضف معايا البيت عشان يبقى بيت نضيف والمطبخ دا هنعمله إزالة لكل القر ف اللي في
- نضفي أنتِ أنا مبنضفش
هزت رأسها علامة الإيجاب وقالت:
- تمام مافيش مشكلة لو حصل ونضفته لوحدي هيبقى بتاعي أنا لوحدي
- وأنا اطبخ فين إن شاء الله في الشارع ؟!
- شئ مايخصنيش طالما مشاركتش في وتعب زي ما هتعب يبقى ملكش في شبر واحد مش عجبك سيب الشقة عادي جدًا يعني
ابتسم لها بخفة وقال:
- هاتي لي المقاشة والجروف واسبقيني على المطبخ
كادت أن تذهب لكنها عادت وقالت بأدبٍ كأنها أنثى غير التي كانت تملي عليه أوامرها للتو
- أستاذ بدران ممكن اطلب منك طلب
نظر لها ولم يعقب بل التفت حول نفسه ثم عاد ببصره لها وقال
- هو أنتِ بتتكلمي معايا أنا ؟!
- ايوة طبعًا حضرتك
-سترك يارب من طقم الحنية والنبرة الهادية دي خير ؟!
-معلش أصل بابا حابب يغير جو إيه رأيك بعد ما نخلص المطبخ تاخدوا تخرجه شوية
- موافق
- شكرًا
- بس ليا شرط
- خير ؟!
- تنضفي الزريبة اللي أنا عايش فيها دي يعني أوضتي صالتي مطبخي وتخليهم مرايا وبعدها اخده واخرجه
ردت بنبرتها التي اعتاد عليها وقالت:
- أنت بتحلم لو مشاركتش في التنضيف يبقى مش هتشارك في أي مكان نضفته
- أنا قلت كدا بردو مافيش ست تعرفني لوجه الله ابدًا لازم يكون لها مصلحة عندي تاخدها مني وترميني
- أنت بتقول إيه ياقليل الأدب ؟!
- قلت خلي الحج زهقان زي ماهو وأنا هنضف حاجتي بنفسي
تنهدت بعمق وهي تطالعه وافقت بمضضًا وهي تقول :
- موافقة، هنضف الشقة كلها ماعدا أوضتك
- دا أوضتي هي الأساس وأول حاجة هتتنضف قلت إيه ؟!
- موافقة
- ايوة كدا خليكي شاطرة واسمعي الكلام نادي لي بقى عم رضوان عشان اخده وانزل بي على ماتخلصي
ردت بنبرتها الهادئة وقالت:
- هو أنا ممكن اطلب منك طلب
ابتسم لها وقال بجدية:
- متتعبيش نفسك وتغيري نبرة صوتك ادخلي بالطلب على طول
- بابا لما عمل العلاج الطبيعي امبارح تعب شوية ينفع بس تشيله معايا على الكرسي
- دخليني طب الأوضة وأنا هتصرف والحقي خلصي الشقة احنا هنفطر برا أنا وعم رضوان
ردت "تولين" بإعتراض وقالت:
-لا بابا ممكن يتعب من أكل الشارع أنت متعود انما هو لا
تنهد بغيظٍ وهو يشيح بوجهه تجاه الشرفة ثم عاد ببصره لها وقال:
- وليه طولة اللسان دي على الصبح ؟!
- مش قصدي بس بابا معدته هتتعبني صدقني
اكملت حديثها وهي تقول بحزنٍ دفين
- وبعدين هو مبيعرفش يأكل لوحده لازم حد يأكله براحة فـ عشان كدا بقلك بلاش يأكل برا أنت تعال بعد ساعتين تلاتة كدا أكون خلصت الشقة وعملت الأكل كمان
نظر لها ثم نظر للشقة وقال :
- دي مش عاوز تلات ساعات دي عاوزة تلات سنين أنتِ مش واخدة بالك من شكل الشقة ؟!
- دي مهمتي أنا خد بابا وانزل وسبني اخلصها براحتي كدا كدا لسه فاضل أربع ساعات على المغرب .
*****
كان يقوده حيث المقهى المقابلة لمنزل عمه يتابع شرفة ابنة عمه التي لم تظهر حتى هذه اللحظة
أما العم رضوان كان ينظر لهذا وذاك وكأنه يستعيد
ذكريات الطفولة شهر رمضان في المناطق الشعبية لم يفشل نهائيًا في حصول على المركز الاولى وبجدارة فهو له سحرًا خاص، نظر له بدران وقال بتساؤل:
- اجيب لك حاجة تشربها يا عم رضوان ؟!
أشار العم رضوان بيده لكن إصرار "بدران" وهو ينتقل بمقعده بجواره كان أكبر، أتى النادل بعد دقائق معدودة وضع كوبًا من الأعشاب الدافئة وقال باسمًا:
- وعندك أحلى كوبية ينسون لعم رضوان وصلحه
ابتسم له العم رضوان لمجاملته، تناولها "بدران" تحسسها ثم نظر له وقال باسمًا:
- دي دافية متقلقش هتعرف تشربها بأمر الله
اقترب منه محاولًا مساعدته في تناولها، فشل تارة ونجح تارة لكن بالنهاية استطاع احتسائها، ابتسم له وقال :
- الف هنا
تابع بتساؤل
- اجيب لك عصير ؟!
رفع العم رضوان كفه المرتعش إثر الشلل الذي اصابه علامة النفي، مسح له فاه برفق ثم عدل له ياقة قميصه وهو يقول بتذكر
- اوعى تقول لبنتك احسن دي منبهة عليا مأكلكش ولا اشربك برا حكم دي لسانها متبري منها و مبتسكتش لحد
أومأ له برأسه علامة الإيجاب، كانت أعين "بدران"
تتابع ابنة عمه وهي تسير بخطواتها الواسعة والسريعة وثب عن مقعده ما أن وقعت عينه عليها
ولج خلفها البناية وقبل أن تغلق باب الشقة نجح في الدخول تراجعت وهي تتسأل من بين أنفاسها
المسموعة
- مالك يا بدران في إيه ؟!
- فين ابوكي يا شيرين
وضعت الحقائب على سطح المائدة وقالت بكذب
- معرفش بقالي يومين معرفش عنه حاجة
- يعني إيه متعرفيش حاجة إيه الأرض اتشقت وبلعته
قلت لك معرفش عنه ولـ...
قالتها "شيرين" وهي تلوح بيدها قاطعها وهو يقبض على رسغها بغضبٍ وقال بدهشة وذهول شديدان ما أن رَ خاتم الخطبة يزين يدها اليسرى
- إيه دا يا شيرين ؟! دبلة مين دي ؟!
ردت "شيرين" بجدية وهي تنزع يدها من قبضته قائلة:
- أنا اتكتب كتابي من يومين يا بدران وفرحي أول يوم العيد يعني وجودك هنا ملوش لازمة
رد "بدران" بغضبٍ جم وقال:
- طب وأنا ؟! كنت فين لما تتخطبي ويتكتب كتابك على غيري !!
هدر بصوتٍ مرتفع قائلًا:
- واللي كان بنا يا شيرين راح فين ؟!!!
- اديك قلت كان يعني فعل ماضي وأنا مابصش للماضي
تابعت بنبرة تملؤها الغيرة والغيظ
- وبعدين مزعل نفسك ليه ما هو في بيتك واحدة تنسيك الهم ولا هي مش ملية عينك ؟!
اقترب منها وقال بوعيد
- اقسم بالله ما هعدي اللي حصل دا على خير يا شيرين واستلمي من هنا ورايح فضا يح في كل حتة
تابع بضيق رغم الجمود الذي ظهر على ملامحه وقال:
- مبروك للمأطف اللي خد فضلتي
دفعته بعيدًا عنها وقالت بغرورٍ
-أنا مش فضلت حد يا بدران فوق واعرف أنت بتقول إيه ؟!
وقف مقابلتها وقال بإبتسامة جانبية
- لا فضلتي وسريري يشهد بكدا
نظرت له بدهشة غير متوقعة كلماته الواقحة التي قالها دفعته بعيدًا عنها وقالت بضيق
- أنت كداب والدنيا كلها تشهد إني مدخلتش شقتك ولو لمرة واحدة يا بدران
- اثبتي إني كداب
تابع وهو يستدار بجسده تجاه باب المنزل وقال:
- متنسيش إن ابوكي كان بيسافر على طول وأنا كنت بطلع واقعد عندكم بالساعتين تلاتة
ختم حديثه قبل أن يوصد باب الشقة وقال
- ابقي كملي جوزاتك وأنتِ تشوفي الوش التاني لبدران المُر يا شيرين