رواية عيون الريان الفصل الثاني 2 بقلم نيللي العطار
أمشي بروحٍ حالم مُتَوَهِّجٍ
+
في ظُلمة الآلامِ والأدواءِ ...
+
النّور في قلبِي وبينَ جوانحي
+
فَعَلامَ أخشى السَّيرَ في الظلماءِ
+
إنّي أنا النّايُ الذي لا تنتهي
+
أنغامُهُ ما دامَ في الأحياءِ ...
+
لأذوبَ في فجر الجمال السرمديِّ
+
وأَرتوي منْ مَنْهَلِ الأضواء
+
(أبو القاسم الشابي)
+
**************
البشر يصفون الحياة وكأنها جنة عندما يتحدثون عنها وبمجرد إختبار بسيط لتقلبات القدر تتحول إلى كابوس مرعب والقليل منهم يصبر ويحتسب عند الله محسنين الظن بأن الأدب في البلاء عبادة راقية والرضا يعقبه فرح جميل .. هكذا كانت هي راضية.. متقبلة لظروفها..ممتنة لمن حولها..شاكرة لكل من حاول تخفيف ألمها ..مبتسمة رغم مابها..تحاول إقناع الجميع بأنها قوية.. صامدة.. منتصبة كجذع شجرة مر عليها سبعون خريفاً ولم تسقط .. عالمها صغير جداً ومحدود لايتواجد في محيطها الكثير ، فمن سيرغب في التقرب من تلك اليتيمة الضريرة التي تستند علي كف مربيتها وتصطحبها صديقتها الوحيدة للذهاب إلى دروس البيانو التي تعطيها للأطفال داخل دار الرعاية المقيمة بها وبالرغم من قلة حيلتها وظروفها القاسية إلا انها تعتبر نفسها محظوظة للغاية فهي تمتلك مكان يأويها ومربية تحبها كثيراً وترعاها ولديها صديقة وفية لاتستطيع الاستغناء عنها .... إنها " مريم إبنة ال 21 ربيعاً .. الطفلة المدللة لدار وسيلة علوي لرعاية الأيتام .. أكثر الناس محبة لمن حولها.. تؤمن بمبدأ واحد ألا وهو ( من دون الحب.. كل الموسيقى ضجيج.. وكل الرقص جنون.. وكل العبادات عبأ) .. لم تكن على علم بما حدث لها في طفولتها وأفقدها بصرها لكنها تشعر دوماً بعدم حاجتها للرؤية .. تعيش بقلب لم يجزع يوماً من عجزها ولاتدري أن هذا سر تسلل النور لباطنها.. تضحك عندما تخبرها مربيتها عن جمالها وتصفها ب "الأوڤر " والحقيقة أن المربية لم تكذب عليها أبداً فوجهها لوحة فنية بارعة الجمال سبحان من أبدع في تصويرها .. ملامحها ملائكية تفسر آية الرحمن (سيماهم في وجوههم) ..وعينيها المكفوفتين جرم صغير فيهما ينطوي العالم الأكبر.. يتجسد حُسنها في القول السائد (عيونها جنة وباقي تفاصيلها نعيم).. خصلاتها الكستنائية اللامعة الطويلة تنسدل خلفها وتنحدر كالندى المبلل بماء الورد وحينما تجمعه بملاقطها الوردية تصبح كزهرة أوركيد تفتحت تحت قطرات طَلّ كاريبي النسائم .. والمليحة عطرها يفوح من هدوء طباعها وأخلاقها .. يتيمة الأبوين أنبتها الله نباتاً حسناً رغم قسوة عالمها.. قام عمها بتسليمها للدار في الثالثة من عمرها بعد وفاة والديها ثم إنقطعت أخباره تماماً عنها.. هذا كل ماقصته عليها مربيتها صباح التي تولت رعايتها منذ نعومة أظافرها حتى تعلقت بها كثيراً وإعتبرتها كأمها التي حُرِمَت منها .. مرت السنة تلو الأخرى و أصبحت مريم فتاة بالغة حرة التصرف بحياتها وإختارت الإستمرار في الدار مقابل تعليم بعض الأطفال من النزلاء دروساً موسيقية خاصةً أنها تمتلك صوتاً عذباً أَهّلَها لإتمام دراستها بالمعهد العالي للموسيقى بمساعدة "ريهام "صديقتها وتوأم روحها ورفيقة اليتم وشريكتها في الغرفة والتي تعمل مدربة لياقة داخل الدار وأحيانا بالخارج لكنها فضلت البقاء بجوارها بدلاً عن الأستقلال بحياتها الخاصة ، اليوم كانت التجهيزات للحفل السنوي تسير علي قدمٍ وساق .. الجميع منهمكون في آداء مهامهم تحت إشراف السيدة "وسيلة علوي " تلك السيدة الأربعينية الوقورة التي كرست حياتها لخدمة الأيتام خاصةً أنها لم تنعم بالأمومة ودائماً ترى عوض الله الغالي في أبناءها من النزلاء والنزيلات وأثناء مكوثها داخل مكتبها منشغلة في متابعة بعض الأوراق المتعلقة بالعمل قاطعها صوت طرقات خفيفة علي الباب ...أجابت وسيلة بنبرة مرتفعة قليلاً (إدخل )
+
دلفت مريم إلى المكتب تستند بيديها على الحوائط وألقت التحية بصوتها الهادئ (السلام عليكم ياماما)
+
إبتسمت وسيلة تلقائياً عند رؤيتها قائلة بحنان (وعليكم السلام يامريم .. تعالي ياحبيبتي اقعدي)
+
جلست مريم على الكرسي المقابل لها تنظر للفراغ أمامها يعينيها المنطفئتين قائلة (أستاذ علي بلغني إن حضرتك عايزاني)
+
تأملتها وسيلة بحب ممزوج بإشفاق على جمالها المدفون خلف كف بصرها المؤلم وأردفت (انتِ بجد هتقودي اكورال فالحفلة وهتغني سولو لوحدك؟)
+
أومأت مريم إيجاباً قائلة بتأكيد ( ده حقيقي فعلاً أنا حابة الحفلة المرة دي تكون مميزة)
+
سألتها وسيلة بقلق (وجاهزة للخطوة دي يامريم؟)
+
أجابتها مريم وإبتسامة عذبة تزين ثغرها (حضرتك مش واثقة فيا؟ )
+
ربتت وسيلة على كفها قائلة (لا طبعاً واثقة فيكِ ، بس خايفة عليكِ )
+
وضعت مريم يدها على كف وسيلة تتشبث به للحظات قائلة بإصرار ( ماتخافيش عليا أنا محتاجة أعمل حاجة جديدة )
+
دَعَت لها بقلب صادق (ربنا يوفقك يابنتي .. انا متاكدة إنك هتكونِ عند حسن ظني)
+
ردت عليها مريم بإمتنان ( ربنا يحفظك ياماما ، انا مهما أعمل مش هاقدر أرد جزء من جمايلك)
+
عاتبتها وسيلة على حديثها بلطف (هو فيه بين الأم وبنتها جمايل؟)
+
أسبلت مريم جفنيها تقول بخجل (ربنا مايحرمني منك أبداً )
+
نظرت إليها وسيلة بحنو بالغ .. تشق شفتيها إبتسامة فخر بتلك الصغيرة التي زادت طولاً وجمالاً ومازالت تحتفظ ببرائتها وبشاشة وجهها ثم تابعت حديثها بتشجيع ( أنا عايزاكي تستعدي كويس وتشرفي الدار )
+
حركت مريم رأسها بثقة (انا وريهام بنحضر مع الولاد برنامج هايل)
+
إنتبهت وسيلة لوجود مريم بمفردها فتسائلت بتعجب (إنتِ جاية لوحدك ليه؟ ،فين صباح؟)
+
أرجعت مريم خصلة من شعرها خلف أذنها قائلة بهدوءها المعتاد (واخدة إذن ساعتين عندها مشوار هتخلصه وتيجي )
+
إندهشت وسيلة كثيراً متسائلة بنبرة قلقة ( ازاي جيتِ هنا من غيرها؟ )
+
أجابتها مريم مبتسمة برضا ينبع من داخلها غير متأسية أبداً من ظروفها (انا حافظة الدار شبر شبر ، واقدر أروح أي مكان فيه لوحدي وبعدين اللي زيي ربنا بيديله سمع كويس اوي )
+
تنهدت وسيلة بحزن حاولت إخفائه ( ومالهم اللي زيك ياحبيبتي؟ ، ده إنتِ ست البنات كفاية أخلاقك وجمالك )
+
إبتسمت مريم قائلة (عن إذن حضرتك لازم أروح أتابع تجهيزات الحفلة )
+
أذنت لها وسيلة بالإنصراف (اتفضلي ولو إحتاجتي أي حاجة بلغيني)
+
خرجت مريم من المكتب مستندة بيديها على الجدار حتى تتمكن من الوصول إلي غرفة الموسيقى لتتابع تدريبات الكورال .. رافضة مساعدة أحد المارة الذي كان يسير بالقرب منها في الرواق .. فهي كما اعتادت تفضل السير متتبعة الأصوات التي تصدر من وقع خطواتها .. تميز الأماكن من صوت إرتطام حذائها بالأرض .. تحمل في قلبها إمتناناً لهذا المكان الذي إحتواها وإحتضن عجزها وقلة حيلتها لسنوات طويلة..وإعتبرته منزلها ومأواها ولم تتذوق كلمة أمي سوى بداخله.. وبرغم كل الغصص التي تواريها عن أنظار المقربين منها خلف قناع ابتسامتها الهادئة إلا أنها تشعر بسعادة حقيقية لكونها جزء منه.. فخورة بإنتمائها له كواحدة من أبناء وسيلة علوي...
+
**********
+
في فيلا سعد زين الدين /
+
كان الخدم يعملون على أشدهم لتجهيز عشاء الليلة وكعادة سيدة المنزل الغاضبة دائماً ظلت تصرخ بهم حتي يسرعوا في تحضير المكان لاستقبال الضيوف ..
هتفت رويدا عالياً على نجاة بضجر ( نجاة ، إنتِ يانجاة )
+
خرجت نجاة من المطبخ ركضاً تجيبها بخوف (أفندم يارويدا هانم)
+
رمقتها رويدا من أسفل لأعلى بتعالي مستهزئة بها ( إنتِ نايمة على ودانك؟)
+
أطرقت نجاة رأسها لأسفل ترتعد اوصالها من هدر سيدتها قائلة بخفوت (آسفة والله ياهانم كنت......)
+
قاطعتها رويدا بسخرية متعمدة توبيخها (خلاص ماترغيش كتير ، عايزاكي تجهزي ال roof عشان چيسي هانم ، ونهى هانم علي وصول ، وبلغي الزفت اللي عالبوابة يوصلهم لحد هنا)
+
أجابتها نجاة بوجه لا يحمل أي تعابير رغم ضيقها من المعاملة الجافة التي تتلقاها من هذه السيدة المتعجرفة (أمرك ياهانم )
+
أشاحت رويدا بوجهها تستدير لتصعد الدرج قائلة بتحذير (أول مايوصلوا تطلعيهم على طول)
+
بعد مرور نصف ساعة تقريباً توقفت سيارة فارهة أمام الڤيلا ..أسرع الحارس بفتح البوابة الألكترونية ليسمح لها بالدخول إلى الجراچ مهرولاً بجوارها حتي يوصلها كما أمرت رويدا ، صُفَتْ السيارة ونزلت منها فتاة بارعة الجمال ترتدي نظارة شمسية باهظة الثمن .. جسدها الممشوق يظهر مرسوماً بوضوح سافر داخل فستانها الضيق الذي يبرز منحنياتها بإغراء تتعمده كلما أتت لهذا المكان على أمل أن يلتفت إليها ريان .. خصلاتها المصبوغة بأحدث ألوان صالونات التجميل تصل لمنتصف ظهرها بعناية.. تتهادى في مشيتها بدلال مائع ضاربة الأرض بحذائها ذو الكعب العالي بصلف شديد.. توزع نظراتها المُتَكَبِرة على كل ما تنظر إليه عينيها الملونة بعدسات لاصقة رمادية .. تسير بجانبها سيدة يبدو على معالمها الثراء تشبه رويدا كثيراً في ملامحها وغرورها.. يعتلي وجهها كبرياء يميز تلك العائلة الأرستقراطية بشكل يثير النفور ... إستقبلتهما الخادمة بترحيب شديد وقامت بتوصليهما حيث أمرتها سيدتها التي قابلتهما بإبتسامة منمقة قائلة ( كل ده تأخير؟)
+
إقتربت نهى من أختها تهديها عناقاً متملقاً قائلة بتعالي لايختلف عن التي تتميز به رويدا (سوري يارودي ..ما انتِ عارفة چيسي لبتقف بالساعات قدام المرايا عشان تلبس)
+
بادلتها رويدا تحيتها بمجاملة (طبعاً لازم تلبس وتتشيك إنتِ ناسية هي بنت مين ؟وهتبقى مرات مين؟ )
+
رفعت چيسي حاجبها بتكبر ثم اتجهت نحو المقعد لتجلس واضعة ساق فوق الأخرى قائلة بثقة زائدة (قريب أوي هابقى العروسة المنتظرة)
1
نظرت نهى لإبنتها بإبتسامة فخورة قائلة بمزاح ( شوفي البنت ، مش مكسوفة خالص)
+
ضحكت رويدا مؤكدة على كلام إبنة أختها (وتتكسف ليه؟.. الكل عارف إن چيسي لريان وريان لچيسي)
+
تلفتت نهى حولها بترقب متسائلة ( فين ريان؟ ، هو مش عارف إننا جايين انهاردة عالعشا؟)
+
نظرت رويدا لساعة يدها ثم قالت بإرتباك خوفاً من عدم مجيئه لكنها تظاهرت بالثبات (في الشغل وزمانه على وصول)
+
تحدثت چيسي بإهمال وهي تتفحص مواقع التواصل الاجتماعي عبر هاتفها الأيفون (واحد زيه عنده الملايين دي كلها يروح الشغل ليه أصلاً؟ ، بجد يا آنطي إبنك غاوي وجع دماغ)
+
أرجعت رويدا ظهرها للخلف تقول بحزن مصطنع (أنا نفسي يستمتع بشبابه ويعيش حياته بس مش قادرة عليه ، راسه ناشفة وهمه كله عالشغل ، حتى مالوش أصحاب غير كريم )
+
إستغلت نهى الموقف لتفتح موضوع زواج إبنتها من ريان قائلة بمزاح سخيف ( بكرة لما يتجوز چيسي هيتغير)
+
نظرت رويدا لچيسي مبتسمة (أكيد چيسي هاتعوده على طبعها ، وتعلمه اللي ماعرفتش أعلمه له طول حياتي)
+
جاوبتها چيسي بإبتسامة متعالية (أنا چيسي الصراف ملكة الحفلات والإنبساط كله ، ومش معقول جوزي يبقى مقفل بالشكل ده)
+
نهضت رويدا من مقعدها مستأذنة منهما بأرستقراطية (عن إذنكم هاروح أتصل بسعد وريان عشان العشا)..
+
إنصرفت متجهة داخل الفيلا لتتصل هاتفياً بريان متحدثة بحنق شديد (انت فين ياريان ، اتأخرت كدة ليه؟)
+
تنهد ريان بنفاذ صبر من لهجتها المستفزة (كان عندي إجتماع فالنادي مع عملا مهمين)
+
تسائلت رويدا بغضب (فاضلك كتير؟)
+
تعالت نبرة صوته بعصبية رغماً عنه (مش عارف والله)
+
ردت عليه رويدا بعصبية مماثلة ( يعني إيه؟ ..هو أنا مش مكلماك وقايلة ان خالتك وچيسي معزومين عالعشا انهاردة؟)
+
حاول التحدث بلهجة أخف حدة (حاضر ياماما ، هاحاول آجي بدري ، سيبيني أخلص بقا)
+
لم تفقد رويدا نبرتها المحذرة قائلة (نص ساعة بالكتير وتكون هنا)
+
بعد وقت ليس بقليل وصل سعد إلى الڤيلا و سأل نجاة عن رويدا فأخبرته أنها برفقة ضيفاتها الغير مرغوب بوجودهن.. صعد إليهن يحاول التظاهر بالترحيب حيث أنه لايحب أخت زوجته وإبنتها ويتأفف كثيراً من تكرار زيارتهن لأنه على علم بغضب ريان من تعمد والدته وضع چيسي أمامه طوال الوقت ، مرحباً بهن بمجاملة زائفة (أهلاً وسهلاً بيكم يامدام نهى البيت نور بوجودكم)
+
صافحته نهى بإبتسامة آنفة (ميرسي كتير )
+
وجه سعد حديثه لچيسي محاولاً اخفاء غضبه من جلستها الغير مهذبة وعدم مراعاتها لوجوده ( إزيك ياچيسي؟ )
+
رفعت چيسي عينيها إليه بإهمال قائلة ( I'm fine ، إنت أخبارك ايه؟)
+
نظر لها شزراً من طريقتها الوقحة ثم أجابها بملامح ممتعضة (كويس الحمدلله)
+
وجهت رويدا حديثها لزوجها متسائلة (ريان ماجاش معاك ليه؟)
+
رد عليها بعدم إكتراث (إن شاء الله على وصول .. نخلي نجاة تحضر العشا عشان الضيوف؟)
+
نظرت له چيسي بدلال مصطنع قائلة (لا لما ريان ييجي )
+
إلتوت شفتي سعد بإبتسامة حانقة ( مفيش مشكلة خدوا راحتكم البيت بيتكم)
+
*******************
+
علي صعيد آخر /
+
أنهى ريان مقابلة العمل وأخيراً وصل إلى الڤيلا، زفر بضيق عندما وجد سيارة چيسي مصفوفة في الجراچ لاعناً الحظ الذي أوقع هذه المصيبة على رأسه وإضطر أن يدخل من الباب الخلفي تجنباً للقائها .. تسلل بحذر نحو المطبخ ليرى مربيته ويداعبها كالمعتاد ..سار بخطوات هادئة حتى لا تنتبه لوجوده واقترب منها يهمس خلف أذنها بمرح (الجميل بيعمل ايه؟)
+
شهقت نجاة بفزع واضعة كفها على صدرها (بسم اللّه الرحمن الرحيم)
+
عبس ريان متصنعاً الحزن (إيه ياست إنتِ ، شوفتي عفريت؟)
+
إحتوت نجاة وجهه بين كفيها قائلة بحنان (يقطعني ياحبة عيني والله ما أقصد)
+
سألها غامزاً بعبث (عندكم طبيخ ايه انهاردة؟)
+
مطت شفتيها بضيق ملوحة بحركة من كفيها حول وجهها تعبيراً عن إستيائها (الست رويدا عاملة وليمة على شرف عروسة الهنا)
+
إختفت إبتسامة ريان قائلاً بضيق حقيقي هذه المرة (ليه السيرة اللي تسد النفس دي)
+
إقتربت منه قائلة بخفوت (البت دي ماتنفعكش ياريان ، اوعى تسمع كلام أمك وتتجوزها)
+
احاط كتفها بذراعه (إنتِ مش خايفة تسمعك؟)
+
وضعت يدها على صدره قائلة ببشاشتها التي تهون عليه معاناته داخل هذا المكان (ماتسمع انا بقول الحق و رزقي على الله )
+
داعب وجنتيها بأنامله قائلاً (أنا هاطلع أوضتي ، وانتِ حصليني بالأكل فوق من غير ما حد من الهكسوس ياخد باله)
+
وبالفعل تحرك منصرفاً نحو غرفته وبعد دقائق قليلة لحقت به تحمل صينية الطعام ، وما أن رآها حتى أسرع في تناولها منها ووضعها على المنضدة المقابلة للفراش ،وأصر ان تجلس بجواره ليتجاذب معها أطراف الحديث ،شرع في الأكل قائلاً بتلذذ (تسلم إيدك يانوجا)
+
نظرت له نجاة قائلة بابتسامتها المحببة لديه (ألف هنا على قلبك ياحبيبي)
+
بادلها ابتسامتها بأخرى قائلاً (صحيح جوزك عامل ايه؟)
+
حركت نجاة فمها يميناً ويساراً دليلاً على إستيائها (متلقح فالبيت لاشغلة ولا مشغلة)
+
نفض يده من أثر الطعام قائلاً بصوت يبدو عليه التأثر ( لا حول ولا قوة إلا بالله.. ماتزعليش ياحبيبتي مفيش حد بياخد اكتر من نصيبه)
+
تنهدت نجاة بقلة حيلة (أنا بحمد ربنا إني ماخلفتش منه كان زماني متشحططة ، وهو زي راس الكرنبة مفيش منه فايدة)
+
انفجر ضاحكاً على كلماتها ثم قال (إنتِ بتجيبي الكلام العسل ده منين؟)
+
تبادلت معه الضحكات قائلة بكلمات دائماً ما تدلله بها (والنبي انت اللي عسل)
+
تحولت ضحكته إلى ابتسامة رقيقة قائلاً بامتنان (ربنا يخليكي ليا، أنا بحس معاكِ اللي مابحسوش مع أمي ، والغريبة انها عايزة تبليني بواحدة زيها)
+
خبطت على صدرها شاهقة بفزع (تف من بوقك إن شالله تغور ولا تلاقيلها حد تاني ترمي بلاها عليه) .. اقتربت منه غامزة وأردفت (بس الجميل يعني مفيش في قلبه حاجة كده ولا كده؟ )
+
أجابها مازحاً (والحاجة الكده ولا كده هاتيجي في قلبي منين؟ ، أنا من البيت للشغل ،ومن الشغل للبيت)
+
ربتت نجاة على وجنته داعية بصدق (ربنا يرزقك بواحدة بنت حلال تصون قلبك الطيب)
+
نظر إليها قائلاً بحب (أنا متأكد إني هالاقيها طول ما انتِ بتدعي لي)
+
نهضت نجاة من مكانها مبتسمة (بدعيلك ياحبيبي ف كل صلاة ، المهم دلوقتي خلص أكلك بسرعة قبل ما المفتش كرومبو يطب عليك)
+
حرك ريان رأسه قائلاً وهو يضحك ( حاسس إنها هتقفشك قريب)
+
رفعت كفيها أمام وجهها قائلة بمزاح (ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها )
+
اتجه ريان نحو خزانته يفتحها قائلاً (هاغير هدومي بسرعة وانزل أسلم عليهم.. بس بقولك إيه أنا لسه ماجيتش من الشغل)
+
تحركت نحو الخارج لتنصرف بحذر قائلة (وانا ماطلعتش أكل هنا، تمام؟)
+
راقب خروجها بابتسامة على حركاتها التي تهون عليه الكثير مما يعانيه في هذا المكان الذي يضيق به يوماً تلو الآخر ، ثم خذ منشفته ودلف إلى الحمام ليغتسل ويبدل ملابس العمل بأخرى أكثر راحة وما أن هَمٰ بالخروج من الغرفة حتى تفاجأ بطرقات على الباب ، فتح ليجد والدته تقف أمامه يعتلي وجهها معالم الدهشة والإستياء في آنٍ واحد .. سألته رويدا بنظرات حادة (انت جيت امتى؟)
+
أجاب سؤالها بسؤال متعجباً (وانتِ عرفتِ منين إني هنا؟)
+
ردت عليه بملامح ممتعضة (مش مهم عرفت منين، المهم انك اتسحبت على أوضتك من غير ما تسلم على خالتك وبنتها)
+
تنهد ريان ثم مرر أصابعه بين خصلاته الناعمة قائلاً بنفاذ صبر (كنت بغير هدومي)
+
رمقته بغيظ من طريقته وتحركت نحو الدرج قائلة بلهجة آمرة (العشا جاهز وكلنا مستنيينك)
+
سألها قبل أن يسير خلفها (بابا موجود ولا هتاكلوا من غيره؟)
+
إلتفتت إليه رافعة حاجبها بضيق (آه موجود ويلا بقا مش هنقضي اليوم كله هنا)
+
سار ريان ورائها بجزع شديد .. يشعر بحجر ثقيل يطبق على أنفاسه في كل مرة تجبره على التعامل مع أشخاص لا يرغب في رؤيتهم من الأساس وأكثر مايجرح كرامته أن يُرْغَم على فعل شئ دون إرادته..وصل إلى غرفة الطعام بملامح جامدة وما أن رأته چيسي حتى شهقت راكضة لترتمي بين أحضانه وتقبله من وجنتيه لكنه إبتعد سريعاً يحدجها بنظرات تحذيرية .. شعرت بالإحراج من ردة فعله ثم سألته بميوعة لزجة (انا مش وحشاك ولا ايه ياريونتي)
+
أجابها بتعابير تعكس مايدور بداخله (هاتوحشيني ازاي، وانتِ كل يوم هنا؟ ، وبعدين انا قايلك قبل كده مليون مرة اني مابحبش الطريقة دي)
+
رمقته بتعجب قائلة (بس انت قريب اوي هاتبقى جوزي)
+
صك أسنانه بغضب شديد هامساً (استغفر الله العظيم... )
+
سألته بنظرات متفحصة (مابتردش ليه؟ ، مش ده اللي هيحصل؟)
+
تهرب ريان من أسئلتها متوجهاً بالحديث إلى نهى التي كانت تراقب مايحدث بملامح واجمة من معاملته السيئة لإبنتها ومد يده ليصافحها (إزيك ياخالتي؟)
+
بادلته نهى مصافحته هازئة (كويسة ، هاتبوسني ولا هاتبعد عني أنا كمان؟)
+
شعر بحرج شديد من كلماتها المبطنة بسخرية واضحة واضطر ان يميل عليها ليقبلها من وجنتيها قائلاً بهدوء زائف (لا طبعاً ، إنتِ خالتي وينفع أبوسك وأحضنك)
+
إنفعلت چيسي من تلميحاته قائلة بغضب (فيه إيه ياريان ماتطردني أحسن )
6
تجاهلها وجلس بجوار والده الذي يراقب الموقف بصمت وغير رضا عما يحدث بينما رمقته أمه بحنق شديد قائلة (اتفضلوا ياجماعة العشا جاهز)
+
بدء الجميع بتناول الطعام وسط أجواء مشحونة بالتوتر.. ماعدا ريان الذي بدى عليه الشبع وأنه يجلس معهم كنوع من المجاملة..يتحدث هو وسعد حول أوضاع الشركة وما أنجزه على صعيد العمل ..
+
وجهت رويدا الحديث إلى زوجها باستياء (احنا هنقضي القعدة كلام في الشغل ولا إيه؟)
+
أجابها سعد وهو ينظر لولده بفخر شديد (أصل ريان أنجز صفقة مهمة جداً انهاردة)
+
ردت عليه بعدم إهتمام (whatever خلونا نتكلم فأي حاجة تانية غير الكلام الممل ده)
+
حدجها سعد بغضب (مستقبلنا ومستقبل شركتنا كلام ممل؟)
+
حركت رأسها مستنكرة ثم أردفت ( ماقصدش بس يعني حاولوا تفكوا من جو الشغل شوية)
+
تدخلت چيسي موجهة الحديث لريان (إنت ماجربتش تسافر أي مكان تغير جو؟)
+
جاوبها ريان بثبات إنفعالي زائف (ماعنديش وقت)
+
مطت شفتيها بدلع يثير إشمئزازه (أكيد لما نتجوز هانلف العالم كله مع بعض)
+
أشاح بأنظاره بعيداً عنها طاحناً أسنانه بسبب حديثها المستفز ولم يرد حتى لا يتهور ويمرغ وجهها في طبق الحساء الموضوع أمامها..لاحظت رويدا معاملة إبنها الجافة لها فحاولت تلطيف الأجواء قائلة (سوري يا حبيبتي أصل ريان مالوش في جو السفر والفسح .. حياته كلها شغل في شغل )
+
نقلت چيسي عينيها نحو خالتها ثم قالت بغرور (لازم يغير جو ، مش معقول الخنقة والكبت ده على طول)
+
رمقها ريان بغيظ شديد وقرر أن يخرج عن صمته قائلاً ( أنا مش مكبوت والله ومبسوط جداً في شغلي ، ده بعد إذن روح إبن بطوطة اللي جواكي يعني) .. ثم قال لوالده مُتعمداً عدم اعطائها فرصة للرد (صحيح يا بابا كان فيه دعوة لحفلة بتاعت دار أيتام لاقيتها وسط الجوابات الصبح ، ينفع احضرها بنفسي؟)
1
أجابه سعد بحماس (وماله ياحبيبي ده حاجة عظيمة جداً .. ربنا يجعله في ميزان حسناتك)
+
نظرت رويدا إلى ريان باسترابة (احنا بنقولك تغير جو تقوم تحضر حفلة فدار ايتام؟!)
+
سألها ريان بتعجب (وفيها إيه؟!)
+
ردت عليه بتحذير ( أنا عندي إقتراح أحسن ، ماتاخد چيسي وتتعشوا في مكان رومانسي )
+
تهللت أسارير چيسي هاتفة بفرح (فكرة حلوة أوي ، أنا أعرف مطعم هايل فيه ديسكو تحفة)
+
زفر ريان بحدة (أنا بكرة هاحضر حفلة دار الأيتام)
+
قاطعته نهى قائلة بلؤم (خلاص خد چيسي معاك )
+
نظرت چيسي إلى والدتها بامتعاض شديد (أنا أحضر حفلة في دار أيتام؟! ، مستحيل طبعاً)
+
لم يعقب ريان على حديثها الذي أثبت وجهة نظره فيها موجهاً الحديث إلى والده (بعد إذنك يا بابا هاخد كريم معايا )
+
أجابه سعد بهدوء (مفيش مشكلة)
+
تدخلت رويدا في الحديث قائلة بحماس (خلاص يبقى بعد بكرة نقضي اليوم فالنادي مع بعض)
+
استقام ريان واقفاً وقدرته على التحمل استحالت صفر قائلاً (عن إذنكم )
+
أمسك سعد كفه قائلاً (كمل أكلك)
+
تحدث ريان بضيق لم يفلح في إخفائه (شبعت)
وقف سعد أيضاً يهم بالانصراف معه قائلاً بمجاملة (عن إذنكم ياجماعة خدوا راحتكم البيت بيتكم) ، ثم حث ولده على التحرك مضيفاً (تعالى ياريان نكمل كلامنا فالمكتب)
+
تأكدت نهى من إبتعادهما وانفجرت في اختها بعصبية (إيه يارودي إبنك مش طايق البنت كده ليه؟!)
+
تحدثت رويدا بتوتر ( مين قال كده بالعكس ده كل شوية يكلمني عشان يحدد الفرح)
+
نظرت چيسي إلى خالتها قائلة بشك (مش باين)
+
أمسكتها رويدا من ذراعها برفق تحاول تهدئتها (ماتزعليش ياحبيبتي هو بس راجع من الشغل مرهق)
+
تصنعت چيسي البكاء قائلة بدموع كاذبة (طريقته وحشة أوي يا آنطي)
+
مسحت رويدا على وجنتها لتهدئها قائلة (حقك عليا ياحبيبتي)
+
مدت چيسي اطراف أصابعها لتمسح دموعها الزائفة متحدثة بلؤم (خلاص هاصبر لحد مانتجوز)
+
شجعتها والدتها قائلة (أيوه كده هي دي چيسي حبيبة مامي)
+
قاطعتهما رويدا بمهادنة (سيبوا كل حاجة لوقتها المهم الولاد ياخدوا على بعض في فترة الخطوبة)
+
أرجعت چيسي خصلة من شعرها خلف أذنها قائلة بعدم إكتراث ( مش مهم ناخد علي بعض دلوقتي ، لأنه بعد الجواز هو اللي هيتعود علي نظامي )
+
أومأت رويدا برأسها إيجاباً (أكيد ياحبيبتي طبعاً )
1
وبعد مداولات ومشاورات بين ثلاثتهن لم تستغرق الكثير من الوقت إستأذنت نهى بالإنصراف برفقة إبنتها وودعتهما رويدا علي أمل اللقاء في النادي غداً ..تأكدت من إنصرافهن وإندفعت إلى الداخل وهي في قمة الغضب مما حدث من إبنها تجاههما .. إقتحمت غرفة المكتب تهتف عالياً (إيه اللي هببته ده يازفت إنت؟)
+
أجفل ريان من صدحها به بهذا الشكل ثم سألها (مالك ياماما ؟ سايبة خالتي وجاية تتخانقِ معايا ليه؟)
+
تعالت نبرتها أكثر (خالتك خدت بنتها ومشيت زعلانة من المعاملة القذرة اللي عاملتهم بيها)
+
أجابها ريان بغضب (إنتِ عارفة إني مش طايقها)
+
أمسكته من ذراعه قائلة بعصبية مفرطة (إنت ولد ماتعرفش مصلحتك فين )
+
جذب ريان ذراعه بعنف ورغماً عنه إنفلتت أعصابه هادراً بنبرة عالية (أنا مش عيل صغير عشان تفرضي عليا حاجة مش عايزها)
+
صرخت به والشرر يتطاير من عينيها (لا إنت عيل صغير وهتتجوز چيسي غصب عنك)
+
لم يتمالك نفسه أكثر من ذلك ورد عليها بنبرة يملؤها التحدي (چيسي دي لو آخر بنت فالدنيا مش هاتجوزها)
+
أنهى حديثه وإنصرف سريعاً وسط أنظار والده الذي وقف مذهولاً مما يحدث وما أن تأكد من صعوده إلى غرفته حتى هدر بزوجته عالياً ( حرام عليكِ يا شيخة إنتِ مابتحسيش؟)
+
أشارت رويدا إلى نفسها قائلة بلهجة معاتبة لتستميل عطفه نحوها (أنا برضه بدل ماتقف جنبي وتعقل إبنك؟!)
+
خبط سعد بكفه علي المكتب صارخاً بها (هي كلمة واحدة تشيلِ موضوع چيسي ده من دماغك وإلا مش هايحصل كويس)
+
إختفى الإستعطاف الزائف من على وجهها ليحل محلها غضباً واضحاً و سألته بلهجة متحدية ( هاتعمل إيه يعني؟)
+
حدجها سعد بنظرات نارية مُهدداً (هاطلقك!) ... صمت لثواني يستجمع أعصابه المنفلتة ثم تابع بلهجة خطرة (أنا فاهم سبب إصرارك على جوازة البت دي من ريان ، بس مش هيحصل يارويدا ، ولو سمعتك بتتكلمي فالموضوع ده تاني هارمي عليكِ يمين الطلاق ، فاهمة ولا لا؟ )
1
*************
+