رواية ارواح هائمة الفصل التاسع عشر 19 بقلم آثر توفيق
الحلقة 19
دق الهاتف فرفع السماعة واتاه صوت محدثه
ثائر :: شريف يخرب عقلك انتوا فين يابنى ؟
شريف :: كنا فى القاهره والدتى تعيش انت
ثائر :: لا اله الا الله البقاء لله يا شريف البركه فيك
شريف :: البركه فى دين محمد احنا سافرنا فجاه وبعد العزا امانى تعبت ودخلت مستشفى هناك كام يوم لكن الحمد لله كله تمام اسمع احنا لسه راجعين من السفر وعاوزين نشوفك
ثائر :: مسافة السكه انا حاجى جرى
شريف :: لا على مهلك اصل .. اصل امانى لسه تعبانه وانت عارف ان معلوماتى فى الطبخ اقل شويه من اليابانى وكنت عاوزك تجيب اكل جاهز معاك
ثائر :: من عينيا حاضر حاحاول برضه اجى بسرعه ما اتاخرش
اتصل بالمطعم الذى يتعامل معه ليكون الطعام جاهزا عند وصوله وابدل ملابسه سريعا ووصل عندهم فى ظرف ساعة
ثائر :: حمد الله على السلامه كنت باتصل بيكم على طول وقلقت جدا
شريف :: الحمد لله الحمل كان حيسقط لولا ستر ربنا والدكتور قال تفضل نايمه اتفضل انت مش غريب
اصطحبه الى غرفة النوم حيث ترقد امانى التى استقبلته بود زائد كعادتها وبمنتهى الادب . نسمة لطيفة هى امانى
امانى :: انت جيت يا معدل ؟ جبتلى طفح ايه ؟
ثائر :: سلام قولا من رب رحيم انتى لسه برضه مافيش حاجه بتاثر فيكى ؟ اتفضلى يا ستى هباب وكفته على الله يطمر
امانى :: هات انا جعانه انا باكل لنفرين انا حامل انتوا نسيتوا
تقدم اليها وقبل يدها وقال باسما
ثائر :: حمد الله على السلامه اسكندريه كانت ضلمه من غيرك
امانى :: تعالى اقعد انا عاوزاك
سحب كرسيا وجلس بجوارها بينما جلس شريف على حافة الفراش بجوارها
امانى :: انا رحت لهاله قبل السفر حاولت اشوفها لكن رفضت تخرج من اوضتها خالص وتقابلنى وامها يا عينى تعبانه قوى المهم انا اعرف بنت فى شارعهم البنت دى رغايه ولتاته هى وامها يسمعوا الكلمه نشره تلاقى كل الناس عرفتها زرتها وقلتلها ان هاله اتخانقت مع بنت خطيبها ظابط واخدها القسم وبهدلها ظلم وانا واثقه انها حتنشر الكلام ده فى الشارع كله احسن برضه من كلمة اداب دى اصلها مرة قوى
ثائر :: كتر خيرك يا امانى البنت ابوها متوفى وما عندهاش غير اختين بنات
امانى :: اه شفتهم بنات حلوين وصغيرين والبنات اصلهم سمعه انما دلوقت انا مش عارفه اعمل ايه علشان البنت دى تخرج من عزلتها انا رحت تانى يوم واستاذنت من امها ودخلت اوضتها اكلمها البنت قعدت فى الارض بين السرير والحيطه وغطت نفسها بالبطانيه وقالتلى اطلعى بره مش عاوزه اشوف حد وتصرخ وتعيط واقول لها اسمعينى انا امانى حبيبتك صاحبتك ابدا مش عاوزه تسمع ولا تورى وشها لحد ودلوقت الدكتور مانعنى اقوم ومش هاين عليا اسيبها
ثائر :: معلش ليها رب ومها برضه حتروح لها هى ورحاب بس ام مها تطلع من المستشفى
امانى :: تطلع بالسلامه بلغها انى مش قادره اروح لها وانت بقى قوللى بتروح الجامعه واللا لا ؟
ثائر :: والله باروح بس زى قلتى لو حضرت ولا بافهم كلمه ولا باكتب حرف
امانى :: لا باقول ايه ما تطلعش زرابينى خلص اسمع من اختك وخلص السنه دى علشان تفوق وبعدين انت دلوقت ليك تار عندهم واللا ناوى تسيبه
ثائر :: هو انا قدهم يا امانى ؟
امانى :: اه يا حبيبى انت قدهم ولو مش انت قدهم يبقى ما فيش امل
شريف :: خلص السنه دى يا ثائر علشان انا محتاجلك فى شغل
ثائر :: خير شغل ايه ؟
شريف :: خير والدتى الله يرحمها سابت لنا بيت فى دايرة الرمل وانا عاوز اشاركك نهده ونبنيه انت عندك فكره وانا مهندس ديكور ومع بعض حنقدر نقومه ايدى فى ايدك ويبقى مجال جديد ممكن تبقى فيه بعيد عن العين
__________________
اسبوع بعد خروج الحاج كامل وجاء عبد الحميد راجيا بصحبة الرائد عادل الظابط فى جهة امنية وكان ثائر حاضرا وقد نبه عليه الحاج كامل بعدم التدخل فى الحديث مطلقا
عبد الحميد :: ابوس ايدك يا حاج فى عرضك انا غلطان وحقى برقبتى
كامل :: كنت فين يا عبد الحميد
عبد الحميد :: والله كان عندى حالة وفاه وسافرت الصعيد
كامل :: كداب لكن مش شغلنا احنا دلوقت عاوزين الشقق
عبد الحميد :: فاضل اربع شقق فيه اتنين اتباعوا يا حاج
كامل :: ماشى حناخد الاربعه والاتنين دول الواحده باربعين
عبد الحميد :: يا حاج كامل انا بايع بخمسه وتلاتين
كامل :: انت تبيع زى ما تبيع مش بتاعتنا انت بتحرق الواحده باربعين قلت ايه ؟
عبد الحميد :: امرك يا حاج طيب كان باقى تلاتين الف خمسه على كل شقه
كامل :: لا دول غرامة تاخير وادب ليك علشان تعرف انك ما تلعبش معايا
عبد الحميد :: يا حاج والله ....
كامل :: انت حر انا قلت اللى عندى ومش حارجع فيه قوللى مافيش شقق والباب مفتوح
عبد الحميد :: لالا حاضر يا حاج حاضر اللى تؤمر بيه طيب انا كنت متفق عضم ومحرت وركبت نجارة باب وشباك واسست صحى
كامل :: متشكرين على واجبك يا سيدى واكتر من متشكرين ما عنديش ولا جنيه
عبد الحميد :: يا حاج كده يبقى خراب بيوت
كامل :: احمد ربنا لو بيتك خرب وانت لسه عايش وبعدين بيتك مش حيخرب انت مش حتغلب انما خسارتك بجد انك كنت بتلاقينا فى ضهرك وكنا بنسندك دلوقت خلاص اى تاجر شقق او مون حيسالنى حاقول له لا بلاش
عبد الحميد :: اللى تشوفه يا حاج انا تحت امرك
كامل :: بكره الساعه اتناشر الضهر حيجيلك الاستاذ ثائر وعادل بيه تكون مجهز مفاتيح الاربع شقق وتمانين الف جنيه ما ينقصوش مليم
عبد الحميد :: طيب يا حاج ادينى يومين ادبر الفلوس
كامل :: بيع عفش بيتك ما يخصنيش بكره الساعه اتناشر الضهر تجهز نفسك اتناشر وخمسه لا عاوز فلوس ولا شقق
عبد الحميد :: لالا حاضر حاضر يا حاج تحت امرك
انصرف عبد الحميد واخيرا نطق ثائر
ثائر :: طيب يا حاج كنت سبتله الباقى اللى على الشقق ؟
كامل :: يابنى الطيب فى الزمان ده مالوش مكان وبعدين الفلوس دى حتروح لعادل علشان يراضى الناس اللى معاه ده مش لوحده وانت يا عادل انا عاوزك تسند ثائر وتخليك فى ضهره وتعتبره اخوك
تململ عادل فى مقعده ونظر لثائر مترددا وقال
عادل :: بس يا باشا الاستاذ ثائر العين عليه وحواليه دوشه كتير وانت عارف انه ماشى عكس وعامل قلق ويمكن هو ما يعرفش ان لولا حضرتك موصينا كان زمانه اختفى خالص
كامل :: حيبطل قلق ويدور على مصلحته بس حيتعاكس وانا عاوزك تسنده
عادل :: بصراحه والكلام ده انا واثق يا باشا انه مش حيطلع بره انا موافق الاستاذ ثائر على اراؤه وشايف ان اغلبها صح لكن طبعا حضرتك عارف ان تضامنى معاه فى الامور دى سرى طبعا وانا بصراحه مختلف معاه فى اسلوبه
ثائر :: انا خلاص بطلت كلام فى الممنوع خالص وزى ما قال الحاج كامل مش حافكر غير فى البزنس والمصلحه وبس
عادل :: خساره بجد عموما انا حاكون دايما فى ضهرك
انقطعت نرمين عن الجامعة شهرا كاملا لمرض كوثر ودخولها المستشفى بعد خروج الشيح حليم من الحبس مباشرة واصرت نرمين على مرافقتها ولم تنتظم داليا فى المحاضرات وانما القوا على عاتق باسنت كل الحمل اقنعوها ان تنتظم فى الجامعة لاجلها ولاجل الجميع فكانت تذهب للمحاضرات وتكتب كل كلمة ثم تذهب الى المستشفى لتذاكر مع البنات واخيرا خرجت كوثر وعادت نرمين للجامعة من جديد .
ذهبت بصحبة باسنت فى اول يوم لعودتها وتاخرت داليا عنهم وهناك استقبلها مخرج الجماعة المسرحية بفرحة وخبر سعيد
اشرف :: نرمين احنا السنه دى حنعرض فى المسابقه مسرحية وا اسلاماه عارفاها ؟
نرمين :: على احمد باكثير ؟ طبعا عارفاها
اشرف :: طبعا انا رشحتك لدور البطوله دور جهاد
نرمين :: ياااه انا مش مصدقه انا حابقى بطلة العرض يا استاذ اشرف ؟
اشرف :: اكيد طبعا انتى بشهادة كل زمايلك احسن واحده فى الفرقة ودور جهاد مرسوم عليكى وانا واثق اننا حننافس على المركز الاول
نرمين :: طيب حنبدا البروفات امتى ؟
اشرف :: احنا فعلا بدانا البروفات من اسبوع ولو عاوزه تعملى بروفه النهارده ماشى انما كنا عاوزين النهارده نحتفل برجوعك ونبدا البروفات من بكره
نرمين :: بكره ايه الاحتفال الحقيقى بالنسبه لى انى اقف على المسرح واقول سلامه انا هنا يا سلامه انا جلنار يا سلامه سلامه
اشرف :: بالراحه يا نرمين احنا فى وسط الطلبه ياللا على المسرح
انطلقوا جميعا باتجاه المسرح الخاص بالكليه لاداء البروفة ولكنها توقفت حين راته . لم يكن كما الفته سابقا هالها رؤية لحيته الكثيفة وشعره الذى يحتاج الى تهذيب وثيابه التى تفتقد الى الانسجام والشحوب !!! شحوب شديد يعلو سحنته وحزن بادى فى قسماته كان يجلس فى مكانه المعتاد حيث اعتاد ان يجلس قريبا منها يغنى ولكنه الان لم يكن يغنى ربما كان يبكى ولكن بلا دموع
استجمعت شجاعتها واستانفت المسير وهى تتحاشى النظر اليه وبعد ان تجاوزوه مالت الى باسنت تسالها
نرمين :: هو ايه اللى حصل له ؟
باسنت :: واحنا مالنا انتى مش قلتى خلاص ما بقاش ليه اهميه بالنسبه لك ؟
نرمين :: ايوه بس ده شكله اتغير خالص شكله حزين عايش ماساه
باسنت :: مالناش دعوه
ومضوا الى المسرح ولمحهم واحس بفرحة طاغية تغمر قلبه فانتفض واقفا يسارع الخطى عساه يلحق بهم ثم توقف ونكص على عقبيه عائدا
( رحماك يا الله هل تعود ام انها ابدا لن تعود ؟ )
وفى البروفة تالقت نرمين ونالت استحسان كل زملائها الذين صفقوا لها بحماسة واصبح لديهم ثقة كبيرة انها سينافسون ويفوزون ايضا فى المسابقة
اشرف :: انا كنت واثق ان وجودك معانا حيخلينا ننافس على المركز الاول
رد بطل العرض الذى يقوم بدور محمود او قطز
طارق :: احنا مش حننافس يا استاذ اشرف احنا حناخد المركز الاول ومش حنلاقى حد ينافسنا
واضافت فتاة كانت تحلم سابقا بالدور
سماح :: وانا اللى كان نفسى اعمل الدور وزعلانه انا قطعت ايديا من التصقيف انتى يا نرمين فنانه بجد وانا فرحانه بيكى اكتر من زعلى على الدور بجد بجد نرمين لازم تاخد مركز اول
نظرت الى الارض بخجل وشكرت الجميع قائلة
نرمين :: متشكره يا جماعه دلوقت عن اذنكم علشان المحاضره حتبدا
انصرفت مع باسنت باتجاه المدرج وفى الطريق سالتها
نرمين :: طيب هو ما سالش عنى ؟
باسنت :: هو مين ؟
نظرت نحوها ولم ترد الا بدمعة مسحتها سريعا مما حدا بباسنت للصراخ بحدة
باسنت :: لا يا ستى ما سالش خلاص انسى بقى
ثم هزت راسها باسى وقالت بصوت مبحوح
باسنت :: انتى صاحبتى وانا مش حاكدب عليكى هو سال واكتر من مره بس انا صديته وكل مره باصده مافيش فايده انسى بقى
_________________
فى اليوم التالى حضرت مع داليا باكرا لاداء البروفة وكانت داليا شديدة الحماس لنرمين
داليا :: نفسى اشوفك وانتى بتعملى دور جهاد نفسى اشوفك وانتى بتمثلى
نرمين :: ادينا رايحين المسرح اهه وحتشوفى البروفه مش انتى امبارح اللى قلتى حاخلص طبيخ واروح على المحاضره
داليا :: انا قلت اريحهم شويه وااكلكم من ايدى بالذمه كان طبيخى وحش ؟ لا بس انا نفسى اشوفك بتمثلى بجد مش بروفه
نرمين :: هانت العرض فاضل عليه شهر واكيد لازم تبقى جنبى
فوجئتا به يخطو نحوهما بنفس هيئة الامس نفس اللحية الكثيفة والشعر المنكوش والاكتاف المتهدلة نفس الشحوب والحزن والانطفاء
داليا :: ده عاوز ايه تانى ده ؟ باقول ايه اوعى تحنى
حاولت الاستمرار فى طريقها ولكن قدماها توقفتا رغما عنها كانما التصقتا بالارض
ثائر :: صباح الخير يا انسه نرمين صباح الخير يا انسه داليا
زفرت داليا واشاحت بوجهها بينما ردت هى بصوت مبحوح
نرمين :: صباح الخير اى خدمه ؟
ثائر :: بقالك مده ما بتجيش ان شاء الله يكون خير
اطرق براسه ثم رفعها ووضع يده فى جيبه الداخلى ليخرج اوراقا كأنها مذكرة او شئ من هذا القبيل
ثائر :: اصلى جايبلك مذكره ملخص انا عامله لادارة الافراد اصلها ماده صعبه والدكتور بتاعها رخم
تذكرت ما قاله عنها رغم حبها له اول حب يغزو قلبها البكر فرفعت راسها بشموخ يليق بها وبها فقط وهو يمد يده بالاوراق
نرمين :: مش عاوزاها انا باعرف اذاكر لوحدى كويس ومش عاوزه مساعده من حد. اى حد
ثائر :: معلش خديها اقريها يمكن تنفعك
قررت ان ترد له الاهانة وتقطع امامه كل السبل فمدت يدها تلتقط الاوراق ومدت داليا يدها لتمنعها فحذرتها بنظرة حازمة من عينها جعلتها تتراجع ففردت الاوراق وشقتها نصفين والقتها ارضا وامسكت بيد داليا المذهولة تسحبها خلفها وهى تدوس على الاوراق فى طريقها والتفتت اليه تلقى عليه نظرة متعالية .
بعد ان مرت من امامه قاوم دموعه وحاول منعها فلم يفلح انحنى يلتقط ارواقه الممزقة ورفعها الى شفتيه يقبلها ودموعه تنساب فى غزارة وشعر بيد حانية تربت على ذراعه وصوت مبحوح يقول كانه يبكى
معلش
التفت بدهشة ليجد امامه هالة لقد عادت الان لتواسيه هى التى سبب لها جراحا لا تندمل تربت على جرحه لتواسيه اغمض عينيه وخفض راسه وجفف دموعه ثم عاود النظر ولكنها لم تكن هناك
لم يدرك ثائر يومها كما لم يعرف قبلا ولم يعرف الا متاخرا جدا انها منذ البداية تحبه فى صمت
___________________
دخلت نرمين الى المسرح واتجهت مباشرة لمخرج العرض
نرمين :: انا اسفه على التاخير يا استاذ اشرف
اشرف :: بالعكس انتى فى ميعادك بالثانيه
نرمين :: استاذ اشرف انا مش عاوزه اعمل دور جهاد
بهت اشرف فقد كانت سعيدة وكان اداؤها مبهرا
اشرف :: يعنى ايه يا نرمين انتى عاوزه تسيبى العرض ؟
نرمين :: لا الحقيقه انا عاوزه اعمل دور شجرة الدر
اشرف :: شجرة الدر بس جهاد هى بطلة الروايه وانتى البطله
نرمين :: بس انا عاوزه دور شجرة الدر الانسانه القويه اللى قدرت تدوس على قلبها وتحافظ على البلد
كانت تدوس على قلبها حفاظا على كرامتها كانت امراة قوية كانت نرمين بالفعل ملكة وكان لها ما ارادت وفى المسابقة السنوية على المسرح الجامعى بالقاهرة تالقت نرمين فى دور شجرة الدر حتى خطفت الاضواء ونالت تصفيقا حارا من الحضور وحققت لفريقها المركز الاول باجماع الاصوات وتم عرض المسرحية للمرة الثانية بحضور وزير الثقافة وعدد من الفنانين والجمهور وللمرة الثانية تتالق نرمين وتلفت الانظار وتنال استحسان كل الحضور حتى التهبت لها اكف الحاضرين بالتصفيق
فى ركن مظلم من المسرح كان ثائر يقف متابعا وهو يصفق بحرارة ويبكى فى صمت