رواية ساهر الفصل السادس عشر 16 بقلم داليا السيد
الفصل السادس عشر
انهيار
تحرك الطبيب له بمجرد خروجه من غرفتها فنهض وهو يشعر بأن أقدامه لا تتحمله، توقف الطبيب أمامه وقال "من الجيد أنك أحضرتها سيد ساهر، هي تعاني من انهيار عصبي شديد نتيجة صدمة لا أعرف هل صدمة عاطفية أم ماذا؟ هل سبق ومرت بشيء مماثل؟"
رفع شعره بيده للخلف وهو يشعر بألم بصدره وهو يبتلع ريقه الجاف كي يمكنه أن ينطق بأي كلمات ليجيب "نعم، منذ عدة سنوات تعرضت لواحد وظلت بالمشفى اسبوعين"
هز الطبيب رأسه وقال "تمام هذا يعني أنها لا تتحمل الضغوط النفسية"
هز الطبيب رأسه وقال "هذا إذن نوع من التراكمات الداخلية تفاقمت داخل عقلها الباطن ومع الصدمة الأخيرة انفجر كل شيء داخلها فلم تتحمل"
كان يعلم أن هذا هو التفسير المنطقي لما حدث، هي حقا تحملت الكثير منذ قتل عزت وحتى اليوم لذا قال بعصبية "وماذا؟ هل ستكون بخير أم لا؟"
تراجع الطبيب من حدة ساهر وقال "ليس بيوم وليلة يا سيد، هي بحاجة لطبيب نفسي لو شئت تولينا الأمر أو افعل أنت"
نفخ وهو يعلم أن جنونه لا يقدم له أي شيء فقال "افعل ما تراه صواب أنا لا يهمني سوى عودتها سالمة"
هز الطبيب رأسه وقال "تمام سأتواصل مع طبيب معروف ليأتي لرؤيتها ومتابعة حالتها"
هز رأسه وقال "هل يمكنني رؤيتها؟"
قال الطبيب بلا تفكير "ليس هناك ما يمنع ذلك فقط لا تطيل البقاء فهي مجهدة جدا"
لم يرد وكل الكلمات ضاعت منه، لم يعد يسمع أو يرى شيء، لا هو يرى، يرى انهيار يحل به لو لن تصدقه، يرى حلمه بالبيت والزوجة والأولاد يضيع وينساب من بين أصابعه وهو يشاهده ولا قدرة له على إنقاذه
ارتد للحائط وضغط ظهره عليه وأغمض عيونه وهو يكاد يفقد الشعور بكل ما يدور حوله وفقط لا يرى سوى نظرات الألم بعيونها بتلك اللحظة وباللحظة التالية كانت تسقط متهاوية على الأرض بلا حركة
صوت عامر أعاده للحياة "ساهر ماذا حدث؟"
فتح عيونه وتلألأت دموع بهم مسحها وهو يخفض وجهه ويقول "آسيا انهارت وبحاجة لطبيب نفسي"
لف عامر وجهه بعيدا لحظة ثم عاد له وقال "ما الذي حدث؟" ظل ينظر بعيون عامر وهو يذكر تلك الليلة القاتلة بحياته
ظلت صامتة لم تتحدث مع أحد، متعبة جدا، ألم بجسدها لا يتركها ولكن الألم الأكبر بقلبها، هي بالأساس كانت تتوقع ذلك الألم، لا، هي وثقت به وصدقته ولم تفكر أبدا بالخيانة فهل سقطت بها؟
صوت عامر كان هادئا وهو يقول "آسيا كيف حالك؟"
هي لا تريد رؤية أحد ولا الحديث مع أحد، لم لا يتركوها وحدها؟ الحياة أفضل بلا أشخاص حولها لا يفعلون شيء سوى زرع الشوك بطريقها وهي لم تعد تستطيع التحمل، لم يعد هناك مكان داخلها ولا خارجها لم يصاب بالأشواك
لم تلتفت لرؤية عامر ولكنه تحرك حتى وقف أمامها وقال "آسيا هل تسمعيني؟"
وماذا لو كانت تسمعه؟ لماذا عليها أن تسمع للمبررات وبالنهاية لابد إن تغفر وتسامح، لن ترد ولن تسمع، ظلت كما هي لا تتحرك ولا ترمش حتى فانحنى ليقترب منها وقال "آسيا لابد أن تسمعيني"
لا أريد أن أسمع، فقط اتركوني وابتعدوا عني، تجمد ملامحها جعل عامر يرتد واقفا وهو لا يعرف ماذا يفعل عندما انفتح الباب ودخل رجل يقول "مساء الخير، دكتور محمد عيسى، طبيب نفسي"
ابتعد عامر للرجل وقال "عامر دويدار أخو زوج المدام، متى سنعرف حالتها؟"
قال الرجل بهدوء "أرى المريضة أولا ثم نتحدث سيد عامر"
استأذن عامر بالخروج وسمعت الطبيب يجذب مقعد ليضعه أمامها، مرة أخرى، الشريط يعيد نفسه مرة أخرى، طبيب نفسي، جلسات طبية، كلمات لا معنى لها تحاول رفعها من القاع ولكن من قال أنها تريد العودة؟ ربما البقاء بالقاع أفضل من القمة مع بشر لا تعرف سوى الألم
الطبيب لم ييأس، صمتها لم يردعه والجلسات استمرت، الزيارة لم يعد لها أي داعي، كل من زارها لم تنظر له ولم تسمع لأحد، تسمع ماذا؟ هي بالأساس نست ما أتت بسببه كل ما تريده هو أن تترك ذلك العالم ولا تعود له
"هي ترفض العلاج سيد ساهر وهذا يزيد الأمر تعقيدا"
كان يقف أمام غرفتها، اسبوع تقريبا لم تتقدم حالتها خطوة واحدة وكل من رآها أدرك أنها لا تشعر بأحد ابتلع غضبه وقال "وماذا؟ هل سنتركها هكذا؟"
قال الطبيب بهدوء يقتل ساهر "لا سيد ساهر، المريض بتلك الحالة يحتاج فترة أطول ليستجيب للعلاج، أنا افهم جيدا القلق الذي تعيش به لكن عليك بالصبر لأن هذا هو بداية العلاج"
أبعد وجهه وقال "أنا لا أفهم شيء، زوجتي لها اسبوع هنا وهي حتى اليوم لا تستجيب لأي شيء"
هز الطبيب رأسه وقال "هذا بحد ذاته أمر جيد سيد ساهر فهي طوال الاسبوع لم تحاول إنهاء حياتها"
تراجع بذهول وصدمة فأكمل الطبيب "الأمر ليس مجرد انهيار يا فندم، هو اكتئاب تطور معها لمرحلة متقدمة جعلها ترفض المجتمع من حولها وتختار العزلة وبناء مجتمع خاص بها مع من يصوره لها عقلها وأحيانا يرغب الشخص بإنهاء حياته لينهي تلك المشاعر السلبية التي تتحكم به، سيد ساهر المرض العقلي أمر معقد ويصعب شرحه كما يصعب علاجه"
الخوف زاد داخله هل يمكن حقا أن تنهي حياتها بلحظة وتتركه؟ نطق بصعوبة "والحل؟"
ابتسم الطبيب وقال "الصبر، أعلم أنك قلق من أجلها ولكن صدقني ستعود ولكن لنمنحها الوقت الكافي لتتغلب على حزنها وألمها ونحن معها ونساندها"
لم يرد وهو لا ينظر للرجل الذي ارتد له مرة أخرى وقال "أنت لم تراها حتى الآن أليس كذلك؟"
رفع وجهه للطبيب وهز رأسه فقال الطبيب "لماذا؟ أقصد أنها قد تستجيب لرؤيتك وتخرج من حالة الصمت لكن لا تفعل وأنا لست موجود كي يمكنني متابعة رد فعلها"
جف حلقه وهو يسأله "ظننت أن بعدي أفضل"
اقترب منه الطبيب وقال "بالنهاية ستتواجهان سيد ساهر وهي ستدرك كل شيء وربما بعدك بالفترة الماضية كان تجربة وفشلت دعنا نهاجم العقل وننتظر النتيجة"
الخوف عليها كان يؤلمه فقال "متى تريد ذلك؟"
ظل الطبيب صامتا يفكر ثم قال "لم لا نفعلها الآن؟ ادخل وأنا سأتبعك بهدوء كي لا تشعر بي"
وكأنه تمثال من حجر لا يتحرك، ثقل غريب كان يلف ساقيه ويثبه بالأرض، محاولاته كانت فاشلة حتى لمس الطبيب ذراعه وقال "أعلم مدى قلقك وأخبرك أن النتيجة لن تكون بصالحك ولكن عليك التحكم بنفسك من أجلها هل نفعل؟"
وأخيرا نطق "حسنا"
وجذب ساقه بكل ما امتلك من قوة وتحرك للباب وظل يقبض على المقبض لحظة حتى تنفس بقوة وفتحه وبتردد تقدم للداخل تاركا الباب للطبيب الذي دخل خلفه مغلقا الباب وابتعد بمكان خفي بالغرفة وساهر ثبت نظراته على جسدها الراقد على الفراش، كانت تنام على جانبها الأيمن ولم يعرف هل مستيقظة أم نائمة فتحرك حتى وصل لنهاية الفراش، جسدها كان ضئيل جدا، هل فقدت كل ذلك الوزن؟
رأى عيونها مفتوحة وتحدق بالنافذة التي أمامها، ضوء النهار كان ممتع، أخيرا تخلصت من الطبيب لم تعد كلماته تمنحها أي راحة الصمت رائع جعلها تتخلص منهم جميعا وتبقى مع نفسها، راشيل تأتي لرؤيتها والتحدث معها أحيانا وجورج، جورج حبيبي عملك يوقفك عني كم أحبك حقا، عزت لا يأتي كثيرا ولو فعل يظل بعيدا ينظر لها بلا كلمات وهي لا تريد الحديث معه
ضوء النهار اختفى رغم وجود نافذة أخرى بعيدة قليلا، جسد أخفاه عنها، مرة أخرى؟ تلك الأشخاص لا تتوقف و..، صوت "آسيا"
تعرفه، لا، لا تعرفه، بل تعرفه، لا، لا تعرفه، بل تعرفيه، أيتها الحمقاء ألا تعرفيه؟
"آسيا أنا ساهر"
لا، أخرجيه، لا نريده هل تسمعين؟ سيأخذنا من عالمنا الجديد، ابعديه من هنا، سيدمر عالمنا هذا كما دمر عالمك من قبل، أخرجيه من هنا
"آسيا أنا.."
التفتت عيونها له فتوقف ولم يكمل وكاد يقترب عندما هتفت فجأة "ابتعد عني"
تجمد مكانه من نبرتها وشحب وجهه وهو يحاول أن ينطق "آسيا اسمعيني"
هتفت بقوة أكثر والصوت يعلو داخلها كي تخرجه "ابتعد عني، اخرج من هنا"
لكنه لم يفعل وهو يبعد صدمته ويتذكر كلمات الطبيب فاقترب من الفراش لكنها كانت تسمع للصوت الداخلي "إن لم يخرج سيدمرك فلا تنتظري أن يفعل، انهي حياتك قبل أن ينهيها هو وينتصر"
خطوته قابلتها بأنها نهضت من الفراش للخلف مبتعدة وبدت غريبة أمامه ووجها نحف جدا وعيونها تحولت لبقعة خضراء تحيطها هالات سوداء، شعرها لا معالم له، كانت تنظر له بكره وهو يهتف "اهدي آسيا وأنا سأخرج"
هتفت "كاذب، أنت كاذب أنت لن تتركني، أنت تريد تدميري"
تألم من كلماتها وقال بحزن "لا آسيا صدقيني أنا.."
لم تكن تسمعه وعيونها ترحل للنافذة البعيدة وبلحظة كانت تسرع بكل قوتها للنافذة الأخرى وترفع قدمها برغبة منها في أن تلقي نفسها منها لولا أنه لحق بها بالطبع وأحاطها بذراعيه من الخلف وهي تتلوى بين يديه وتصرخ به ليتركها بل وتضرب يداها وقدماها بالهواء وهو يحيطها من الخلف ويصرخ بها "آسيا اهدئي، آسيا توقفي"
الطبيب هتف به "ضعها بالفراش ولا تتركها حتى أعود"
لم تعد ترى شيء فقط أرادت القفز من تلك النافذة والبعد عن كل ما حولها، ها هي تعود للواقع الذي رفضته والآن كل ما حدث لها يضربها بقوة فصرخت "لا أريدك، اتركني، أنت خائن، خائن، ابتعد عني"
كان يتألم من أجلها ودمعت عيونه للحالة التي وصلت لها ولم يجد كلمات والطبيب يعود ويدفع بحقنة بذراعها والممرضة تتبعه وما زالت آسيا تدفعه وتقاومه وتهزي بنفس الكلمات حتى ثقلت عيونها وشعرت بالنعاس ففضلت النوم عن الألم الذي كانت تعيش به منذ قليل
خرج من الغرفة وهو يمسح دموعه وواجه الحائط كي لا يلتقي بأحد، نيران كانت تتأجج داخل صدره، نيران تحرق كل جميل عاشه معها والسبب ماضيه الذي تسرب لحاضره كالحامض المحرق وأكل كل شيء
الطبيب قال "هذا جيد"
مسح دموعه مرة أخرى والتفت للطبيب الذي ابتسم فهتف ساهر بقوة "أي جيد الذي تتحدث عنه؟ لقد كادت تلقي نفسها من النافذة"
هز رأسه وقال "كنت أتوقع ذلك وأعلم أنك لن تتركها، أنا أتحدث أننا بذلك أعدناها للواقع سيد ساهر، أنت الوحيد الذي استجابت له ونطق لسانها معه، اسبوع كامل صامتة لا تنظر لأحد ولا تتحدث حتى معي لكن الأمر اختلف عندك، العقل تفاجأ بك ومنحها أوامر عشوائية جعلتها تتخبط بين الحياة والموت حتى انتزعناها من العالم الذي رسمه لها عقلها واستعدناها"
أشاح بيده وقال "استعدناها وهي بالداخل فاقدة للوعي ولا تشعر بشيء حولها؟ ما الذي تتحدث عنه دكتور محمد؟ زوجتي تضيع مني ولا أعرف ماذا أفعل لها"
أبعد الطبيب وجهه لحظة ثم عاد له وقال "هل تهدأ، لن نحكم عليها الآن، عندما تستيقظ سنعرف نتيجة ما فعلناه"
نفخ بقوة وقال "وهل سأكون معها كي لا تعيد الكرة وتلقي نفسها وتنفذ ما أرادت؟"
هز الطبيب رأسه وقال "لا، من الأفضل ألا تراك اليوم مرة أخرى، الممرضة فقط هي من ستبقى معها وهي تعرف ما عليها فعله لو شئت ابقى هنا ولكن لا تدخل لها اليوم"
لم يجادل فقد شعر بالتعب مما عاناه بالأسبوع الماضي واليوم وهو تقريبا لا ينام ولا يأكل ولا يعرف ما يدور خارج المشفى، إخوته لم يتركوه لكن لا أحد يخفف عنه ما يحمله داخله
تناول القهوة بالكافيتريا وكانت المغرب تقريبا عندما نهض عائدا لغرفتها ليرى هدى تتحرك تجاهه، هي أتت من قبل ولكنها لم تراها فقد كانت نائمة واليوم ها هي هنا، توقف ولكنها لم تتوقف إلا عندما وصلت له وقالت
"تبدو متعب"
قال بهدوء "أنا بخير، لماذا أتيت متأخرا هكذا؟"
قالت بهدوء "رفيق كان لديه عمل، تركني هنا وسيعود ليأخذني عندما ينتهي، كيف حالها؟"
أبعد وجهه وقال "ليست بخير، كادت تلقي نفسها من النافذة بالصباح"
رفعت هدى يدها على فمها وهي تقول "يا الله! والطبيب"
عاد لها وقال "أنا لا أفهمه هو يرى أن ذلك تقدم بحالتها ولكني أراها تضيع مني"
رفعت يدها لوجهه ولكنه أبعد وجهه، هو أبعد ما يكون بحاجة للشفقة الآن، هو بحاجة لها هي، لابتسامتها، ضحكتها، لمستها وحتى صوتها، هو يريدها هي، هدى تفهمت ابنها فقالت "اهدأ حبيبي، ستكون بخير إن شاء الله هي فقط مرت بالكثير مؤخرا وما رأته كان فوق طاقتها"
عاد بوجهه لأمه عندما انفتح الباب ورأى الممرضة تنظر لهما فقال بلهفة "ماذا حدث؟ هل أصابها شيء؟"
أجابت الفتاة "لا يا فندم هي بخير، هو موعد الدواء وأنا سأحضره"
قالت هدى "سأراها حتى تعودي"
وأخيرا الظلام يرحل ويدفعها للنور، النوم كان هادئ تلك المرة، فتحت عيونها لحظة ونور الغرفة الخافت يضيء لقد رحل النهار، فتحت عيونها كلها لترى ابتسامة تعرفها ووجه أيضا تعرفه، هدى
اقتربت المرأة منها وهي لا تتحرك بالفراش وهدى تقول "تبدين أفضل حال اليوم يا ابنتي"
استعادت نفسها وما يدور حولها ولكنها لا تجيب، جلست هدى على المقعد المواجه للفراش وقالت "أعلم أنك تسمعيني"
أبعدت وجهها ولكن هدى لم تتوقف وقالت "ساهر لم يخونك آسيا"
لم ترد والآن هي تستعيد ما كان، تذكر كل شيء، غرفتها، الباب الذي فتحته لتفاجئ زوجها وتضحك معه ولكنها بدلا من ذلك تلقت صفعة جعلتها ترتد للانهاية، أغمضت عيونها بألم وهدى تكمل "تلك المرأة انتهت علاقتها به منذ سنوات آسيا وهي من تلاحقه الآن"
لفت وجهها لهدى وقالت "كفى"
توقفت هدى بالفعل وهي تعلم انها لن تسمعها، هي أمه وبديهي ستدافع عنه، مدت يدها وأمسكت يد آسيا وقالت "حاضر سأتوقف الآن ولكن لابد من أن تسمعيه من أجلكم حبيبتي، لن يتركك أحد منا كلنا نحبك آسيا وأولنا ساهر هو لا يحبك فقط هو مجنون بك"
أبعدت وجهها، كانت تصدق ذلك بالفعل بل وكانت تطير به بلا أجنحة من شدة سعادتها بحبه لكن الآن لم تعد تصدق أي شيء
عادت هدى تقول "لم تكوني ضعيفة بأي وقت ولن تكوني الآن، كل ما عليك فعله أن تنهضي وتشفي وتواجهيه وتطالبي بالقرار الذي تريديه"
ونهضت لتتحرك ولكن آسيا قالت "الطلاق"
التفتت هدى لها ورأتها تواجها بوجه شاحب ظهرت عظامه تقريبا فأكملت "هذا هو قراري "
الصمت لف هدى وهي تتحرك للخارج لتراه ينتظرها وتحرك لها وقال بلهفة "كيف حالها؟"
ابتسمت بهدوء وقالت "بخير حبيبي لقد تحدثت معي وتعرفت علي"
سأل وهو يعلم الرد "هل سمعتك؟"
ذهبت ابتسامتها فهز رأسه وقال "حتى لو فهي لن تصدق إلا ما رأت"
ربتت على ذراعه وقالت "دع جاسم يخبرها"
قال والألم يمزقه بلا رحمة "وما الفارق ماما هي لن تصدق أحد"
لم تجد المرأة كلمات لتواسيه وبالطبع لم تخبره عن أمر الطلاق وظلت معه حتى هاتفها زوجها فرحلت له وهو تحرك خارجا لا مكان يذهب له، الشقة باردة وميتة لا حياة بها، الشركة ليست أفضل
ركب سيارته وظل يقود بلا هدى حتى توقف أمام النيل ولكنه لم ينزل وأطفأ الموتور وظل ينظر للفراغ بالخارج ثم ارتد بالمقعد وأسند رأسه على المقعد وهتف "ماذا أفعل لتصدقيني آسيا؟ أنا لا أعرف كيف أعيش حياتي وأنت لست معي، آسيا آه آسيا أقسم أني أحبك ولم أحب سواك أنا لم أعرف للحب معنى إلا منذ عرفتك ولكن كيف ستصدقينني الآن؟ أشعر بفراغ وبرودة ببعدك حبيبتي ليتك تعودين لي، ليت كل ذلك يصبح حلم وأستيقظ منه لنعود لحياتنا سويا فأنا تعبت آسيا أقسم أني تعبت من بعدك والخوف من ضياعك وضياع حبنا وحياتنا، تعبت آسيا من الوحدة بغيابك، أرجوك عودي لي، عودي لي، أرجوك آسيا، أرجوك"
وعندما انهارت الدموع من عيونه رفع يداه لوجهه ولم يوقف الدموع ولم يرفض البكاء وكأنه يبكي نفسه الضائعة قديما والآن، هو يستحق فهو من فعل ذلك بنفسه باتخاذ تلك الحياة سبيل كان عليه أن يدفع الثمن وها هو يفعل
الجلسات لم تعد مزعجة لها بعد ذلك اليوم بل على العكس أرادت أن تستعيد نفسها وقوتها والخروج من هنا ورؤية راشيل وجورج، بانتهاء الاسبوع الثاني كانت أفضل كثيرا والطبيب يقول "لا أظن أنكِ بحاجة للبقاء هنا بعد اليوم لقد تحسنت حالتك كثيرا"
كانت تجلس على المقعد المواجه للنافذة والطبيب بجوارها فلفت وجهها له وقالت "هل تظن أن لدي القوة الكافية لمواجهة.."
أبعدت وجهها فانحنى تجاهها وقال "آسيا أعلم أن كلماتي لن تغير شيء بالنسبة لكِ ولكن لابد أن أنطق بها، ساهر لا يبدو لي كزوج خائن كما حدث"
الغضب تحرك لعيونها فأكمل "اسمعيني للنهاية، أنا سمعت القصة واقتنعت ببراءته فلماذا لا تفعلين المثل؟ فقط اسمعيه أو حتى اسمعيني، من حقه أن ينال فرصة للدفاع عن نفسه"
نهضت والغضب لا يتركها وهي تهتف "ومن أخبرك أني سأصدقه؟ لقد صدقته مرة وخان ثقتي وسامحته ثم عاد وخانني ورأيته بنفسي فكيف تريدني أن أصدقه؟ فقط يتركني لأعود لبلدي، لم أعد أريد البقاء هنا، أريد رؤية أمي وزوج أمي"
اعتدل الطبيب ورأى الإصرار بعيونها فتأنى قبل أن يقول "هذا يجب أن يكون قراركم معا آسيا لا تنسي أنه زوجك"
أشاحت بيدها وهي تبتعد وقالت "لم يعد الأمر يهمني"
نهض وتحرك لها وقال "مرة أخيرة آسيا، تصرفات ساهر طوال وجودك هنا لم تعني أبدا أنه رجل خائن ولا يهتم بزوجته، هو تقريبا لم يكن يترك المشفى وكان يثور بوجهي لعدم تحسن حالتك، هو حقا يحبك"
التفتت له وما زال الغضب هو المسيطر عليها وهي تهتف "من فضلك لا تتحدث عن الحب فهو لم يعرفه بأي يوم"
لم يمكنه أن يجادلها أكثر ربما لأنها لن تقبل وربما لأنه يخشى عليها، تركها وخرج ليجد ساهر يتحرك تجاهه وقد استبدل ملابسه التي منذ يومين لم يبدلها، توقف الطبيب لرؤيته حتى وصل ساهر له وهو يقول "كيف حالها اليوم؟"
أجاب الطبيب "هي بخير وربما يمكنها الخروج ومتابعة الدواء بالخارج والعودة للحياة"
تراقص قلبه من الفرحة وقال بحماس "حقا؟ هل يمكن أن تخرج معي اليوم؟"
ظل الطبيب صامتا لحظة فتجهم وجه ساهر وهو يشعر باقتراب العاصفة فقال ببطء "ماذا؟ ماذا حدث؟"
كان على الطبيب أن يتحدث لذا قال "هي لا تريد الخروج معك"
جمد مكانه وجف حلقه وظل يحدق بالرجل لحظة ليستوعب ما كان يتوقعه حتى أبعد وجهه ورفع يده لشعره فقال الطبيب "هذا أمر متوقع بالطبع لكن هناك ما هو أهم"
لف وجهه للطبيب الذي أكمل "هي تريد العودة لوالدتها، تحدثت عن العودة لبلدها وعدم رغبتها بالبقاء هنا"
أخفض يده وهو يشعر بلا شيء، كأنه يتهاوى من ناطحة سحاب وما زال يرى العالم يتهاوى معه قبل أن يرتطم بالأسفلت ولا يشعر أيضا بأي شيء
الطبيب أدرك ما يشعر به ساهر فعاد وقال "أنا أرى أنه حل جيد ربما فترة من النقاهة كما نقول تهدأ بها وتستعيد نفسها وربما وجودها مع والدتها يعيد لها ثقتها بمن حولها"
كان لابد أن يتحدث لذا قال "قبل أن تسمعني؟"
الطبيب كان يعلم بما يقول فقال "من حقك أن تفعل حالتها الصحية تسمح لكم بالتحدث لكن كطبيب لها أخبرك أنها قد لا تصدقك ولكنك لابد أن تفعل"
وتركه وابتعد دون انتظار أي كلمات أخرى وهو رفع وجه لباب غرفتها ويحاول إيقاف نفسه عن الدخول فهو يعلم أنها لن تصدقه ولكن عليها أن تسمعه لذا تحرك ودق الباب وفتحه ودخل ليراها ما زالت واقفة أمام النافذة بنفس الجسد النحيل وشعرها المربوط للخلف
أغلق الباب وتحرك حتى توقف خلفها ونطق أخيرا "آسيا"
اسمها دائما ما يكون مختلف عندما ينطق هو به، رقيق، ناعم مما جعلها تحبه أن يناديها به لكن اليوم لم ترد أن تسمعه ينطق به لذا لم ترد وظلت تنظر للخارج فعاد يقول "آسيا لابد أن نتحدث"
لكن هي لم تكن تريد أي حديث فقالت بهدوء "وأنا لا أريد أي حديث"
تحرك حتى وقف بجوارها، قامته الطويلة تذكرها بالكثير؛ جمال جسده، وسامته وجاذبيته، ثقته بنفسه وغروره سمعته يرد "الأمر لا يخصك وحدك"
التفتت له أخيرا ورأته، متعب؟ لا، عيونه تعني عدم النوم؟ وماذا يعنيها بذلك؟ هي عليها إنهاء الأمر والآن لم يعد هناك مجال للهروب والتأجيل لذا قالت "وهل تظن أن أي كلمات ستنطق بها سأصدقها؟ نحن وصلنا للنهاية ساهر، النهاية التي كنت أخبرك بها دائما أننا لن نلتقي أبدا لأننا مختلفان لذا دعنا لا نضيع وقت بالحديث الذي لن يقود لشيء"
لم يهتم بما قالت وهو يقول "عليك بسماع الحقيقة أولا قبل اتخاذ قرارك"
ابتعدت من أمامه وقالت "وما أدراني أن ما تخبرني به سيكون الحقيقة؟"
ظل ثابتا لحظة قبل أن يقول "لأنها الحقيقة آسيا، أنا لم أخونك أبدا، أخبرتك مرارا أني تركت النساء وتلك الحياة منذ رأيتك بلندن فهل سأعود لها بعد أن أحببتك وتزوجتك؟"
التفتت له بغضب وقاطعته "لا تنطق بتلك الكلمة مرة أخرى فأنت حتى لا تعرف معناها، أنا لن أصدق كلمة واحدة مما ستقول، أنا وثقت بك مرة وخنت ثقتي وسامحتك ولكن لن يمكنني مسامحتك تلك المرة ساهر، أنت خائن، ارجع لها فهي تحبك وربما بقرارة نفسك تجد أنك تحبها أيضا، عد لها لأنني لم أعد أريدك بحياتي لم أعد أريدك، فقط طلقني واتركني أعود بلدي وافعل ما شئت بحياتك فلم يعد الأمر يهمني"
كانت الدموع قد وصلت لتشاركها كلماتها وتألم هو مما قالت وهي تبعده عن حياتها هكذا بلا تفكير لحظة بما كان بينهم، تحرك لها وأمسكها من ذراعها ليعيدها له وهو يقول "آسيا اسمعيني"
نفضت يده بقوة وهتفت "أنا لا أريد أن أسمعك أنا أريدك أن تخرج من حياتي، أنا أريد أن أستعيد نفسي التي ضاعت منذ عرفتك، أريد حياتي الهادئة بلا ألم ولا دموع ولا أحزان، أنا تعبت، وجودك بحياتي دمرني فماذا تريد مني أكثر من ذلك؟ ابتعد عني أنا أكرهك، أكرهك"
والتفتت تمنحه ظهرها والبكاء يسيطر عليها وهو يحدق بها ولا يعرف ماذا يفعل أو يقول ومحاولاته لا تفيد وهي لا تسمعه حتى ومع ذلك قال "ولكني أحبك وحبي لك صادق وليس كذب"
التفتت له والدموع تغرق وجهها وهي تهتف "بل كذب، أنت كاذب، كاذب، خائن وغشاش وأنا لن أعود لغشاش وخائن مثلك ولن أصدق كلمة واحدة تنطق بها، لن أصدقك فارحمني وابتعد عني ودعني ربما أستعيد نفسي التي ضاعت بسببك"
كان يعلم كما قال الطبيب أنها لن تصدقه بل هي لا تريد أن تسمعه من الأساس فشعر بألم قلبه يزداد وهو يراها تدمر كل حياته لأنها كل حياته ورحيلها يعني أنه سيضيع فعاد وقال "لنخرج من هنا أولا ثم نتحدث فيما بعد"
رفعت وجهها الباكي له وقالت "أنا لن أذهب معك لأي مكان، أنا أريد العودة لبلدي لم أعد أريد البقاء هنا هل تسمعني؟ لا أريد أنا بالأساس لا أريد رؤيتك، اخرج من هنا، اخرج ودعني أعود لحياتي أرجوك اخرج، اخرج"
لم يمكنه تحمل كلماتها أكثر من ذلك ولا الألم الذي كانت تسببه له لذا تحرك خارجا وهو لا يعرف ماذا يفعل أو يقول وهي لم تجد سوى البكاء ليكون رفيقها
يتبع..