رواية عزف السواقي الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم عائشة حسين
♡الثاني والثلاثون ♡
1
لثم رأسها مُطمئنًا بحنو «الحمدلله يا غزالي بسيطة خلع في الكتف» ابتسمت ناظرة إليه بعينين مجروحتين بالألم وهي تهمس بوهن منكسر «بسيطة يا متر عديت بكتير» بأنامله لملم خصلاتها ودفعهم لدفء حجابها وأمان الاختباء وهو يهمس «أنتِ كدها يا غزالي»
همست بضياع وإرهاق سرق حيوية نظراتها ولمعتهم «مبقتش كدها ولا عايزة، أنا عايزة هدنة يا متر»
ابتسم قائلًا بتفهم وهو يمسح على رأسها برقة «طيب مكنتيش لحجتي عبدالله» أخبرته بما حدث «مبفكرش أصلًا بلاقي نفسي بتصرف فجأة»
تأوه وهو يضم وجهها بكفيه مستنكرًا «كيف أنتِ بت مرتضى»
عيناه اللحظة زاخرة بالحب، ممتلئة بنجوم العشق المضيئة لتهتدي بها.
ضم رأسها المتعب بأفكاره لصدره وأحاطها مُعترفًا بشجن «ساعات بحسك بتي أنا ياغزل، كل أحلامي وأمنياتي اتجمعوا فيكِ، لو خلفت كنت هتمناها تبجى بت شبهك من غير زيادة أو نقصان، أربيها زيك وأعلمها زيك، لو لجلبي عيال كنتي هتكوني أولهم،أنتِ أول ما عاش الجلب يا بكرية الجلب »
رفعت إليه نظرات مهزوزة تائهة في كلماته ونظراته، ضمها بابتسامته فهمست بتعويذتها المضادة لسحره «كلامك نبهني لألف جرح وحرمان جوايا مكنتش واخدة بالي منهم غير لما إيدك لمستهم ولقيتني بخف،كلامك بيشفيني يا رؤوف»
لثم موطن هجمات الألم على خدها قائلًا «وأنا على يدك بتولد من تاني يا غزالي»
طُرق الباب فابتعد غير متخلي، محتفظًا بكفها راقدًا في حنو بين أنامل كفه، دخلت هدى على استحياء، لملمت حزنها واقتربت شاكرة «مهما جولت مش هوفيكي حقك والله يا بشمهندسة، الي عملتيه كتير وكبير»
انفجرت هدى في البكاء فنهضت غزل تاركةً كف رؤوف، اقتربت منها بحنو وضمتها مهدئة بابتسامتها التي عافرت الأوجاع؛ لتخرج من قلبها سليمة لا مهزوزة بالحيرة ولا مُلطخة بالندم «يابنتي الحمدلله بتعيطي ليه طيب؟»
من بين شهقاتها أخبرتها وهي تضمها قويًا في شكرٍ «مش عارفة لولاكي كنت هكون كيف دلوك ولاهعمل إيه»
ابتعدت غزل مهوّنةً عليها وهي تمسح لها دموعها بأناملها «ولا حاجة أنا معملتش حاجة ربنا هو الي بعتني له، اهدي وافرحي إنه بخير»
ضمتها هدى مجددًا لا تكتفي من الشكر وإرسال الامتنان بعفوية ولطف، ثم ابتعدت في صمت فقالت غزل «عبدالله خلص الاشاعة بتاعته؟»
هزت هدى رأسها فاستدارت غزل لزوجها الواقف خلفها يراقب ما يحدث بإنبهار يوّلد العشق «يلا بينا يا متر» لاحظ كيف تبدلت ملامحها الحزينة لأخرى مراعاةً لهدى ورفقًا بها، كيف تجاهلت ألمها حتى لا تسبب للأخرى الضيق والحزن، وكيف احتوتها رغم وهنها وضعفها، تمنح دون مقابل وتعطي دون أجر.
سألتها هدى بجزع وهي تنظر لذراعها المرفوع بعدما فاقت من نوبة بكائها واستوعبت «أنتِ بخير دراعك ماله؟»
أجابتها غزل بمرح بعدما حبست الألم خلف قضبان نظراتها «ولا حاجة متقلقيش ولا تشيلي هم حاجة بسيطة وهتعدي»
كررت هدى الشكر بمودة «كتر خيركم»
اقترب رؤوف قائلًا «يلا ناخد عبدالله ونمشي» سارت هدى أمامهما بمسافة تمنحهما الحرية فمال رؤوف يهمس بشقاوة وهو يحتجز كفها الصغير بين جدران كفه وأسوار أنامله الخشنة «الدكتور كتبلك فولتارين يا غزالي»
رفعت نظراتها بعدم فهم فغمز لها بمشاكسة « مرضتيش تدهنيلي بس أنا جلبي أُبيض ومسامح وهساعدك وأدهنلك كتفك»
فغرت فمها ذاهلة من كلماته قبل أن تشيح برأسها رافضة بخجل «لا مستحيل»
عاتبها بخبث «ليه؟ أنا مش زيك، وهعديها »
احمرت وجنتيها وهمست بخفوت «لا عديها وخليك زيي ندل »
قهقه فارتعشت بارتباك، ضغط كفها بأنامله في إشارة لتمنحه نظراتها في عناق وما إن فعلت حتى همس «جنتك مش بالساهل عارف، بس من متى كانت الجنة سهلة! الي مطمني إني أستاهلها وتستاهلني»
هربت نظراتها وكلها يرتجف، عشقه الفريد يصنعها على عينه، يعيد تشكيل روحها من جديد يبني ويعمرّ داخلها، يزيل آثار من سبقوه، احتل ولم يكن معتدي، كان كصاحب حق وهي إرثه الضائع وحقه المسلوب..
جلست جواره في السيارة واضعة رأسها على نافذتها تفكر بينما انشغلت هدى بأفكارها متذكرة رحيل زوجها.
وقف أمام مطعم وابتاع لهم الكثير من الطعام والحلوى منح هدى ما لها فشكرته بأدب بينما تصدقت الأخرى على قلبه بنظرة عشق نالت بها البر أجرًا على ما أنفقت مما تحب.
أوصل هدى واطمئن لدخولها وعاد بزوجته، صف سيارته وترجل، سحب حقائبه وأحاط كتفيها بذراعه وصعد بها للأعلى.
وصل شقتهما فجلست متعبة فوق الأريكة تستفسر بألم رسم بفرشاته ألوانًا قاتمة فوق ملامحها «آيات مكلمتكش؟»
أجابها وهو يُخرج الطعام من الحقائب «لا هتتصل ليه؟»
أجابت ببساطة «تتطمن على أختها وابن أختها»
أجابها بملامح جامدة «لاه»
أجابته بدهشة«غريبة أوي»
صمت بضيق فاقتربت منه مستفسرة «اتضايقت ليه يا متر؟»
وضع ما بيده زافرًا ضيقه، يخبرها باستياء «ينفع متسألنيش عنها ولا تجيبي سيرتها واحنا مع بعض»
صمتت بحزن قبل أن تبرر «مقصدش حاجة» التفت إليها موضحًا بحسرة ملأت نظراته «سيرتها منك إنتِ بالذات بتفكرني بالعمر الي راح هدر من غير أي معنى»
طأطأت مستفسرة بانكسار«اشمعنا أنا»
أحاط وجهها بكفيه ورفعه لنظراته هامسًا بهيام متفاديًا سؤالها«عايز عمري يطول أنا، تبجى الأيام أعمار، كل يوم بعمر جديد طويل يكونلك وحدك ومعاكي أهو أعوض الي فاتني عشان طلع كان فايتني كتير جوي»
همست متوسلة ترجوه بنظراتها الرفق بها لتستوعب هذا الكم من الإعترافات والمشاعر «رؤوف أنا مبقتش فاهمة حاجة خالص والله»
أسقط كفيه قائلًا وهو يشير لموضع قلبها «جولتي إنك مبتفكريش بتعملي من غير ما تحسي ومعايا أنا عايزك تمشي ورا دِه ومتفكريش فحاجة ولا تخافي من حاجة»
تبعثرت دقاتها كما نظراتها التائهة، تنهدت باستسلام فالتفت للطعام قائلًا «عايزك تاكلي زين عشان العلاج يا غزالي»
يعلم ما يمنحه لها كثيرًا ومفاجئًا، يصدمها ويُربك دواخلها، لكن عمر حبها بقلبه أطول بكثيرٍ منها وعطائه ماهو إلا نتاج نضج الحب في قلبه، رعى زرعتها فأثمرت خيرًا كثيرًا يغنيها ويسد به احتياجات قلبها، والفائض منه فليبقى في خزائن قلبها مؤنة لكل مواسم العشق.
مسح كفيه ورفع هاتفه قارئًا اسم المتصل «دِي جارة أم عبدالله»
انتبهت مثله تحسه بقلق «رد يكون في حاجة»
رفع هاتفه مُجيبًا بقلق «الوو أيوة يا أم عبدالله» انتفض واقفًا يستفسر بفزع «خير بتبكي كده ليه؟ عبدالله جراله حاجة؟»
توسلته بانهيار وشهقاتها لا تتوقف بل تنفد من اهترأتها الكلمات «هاتلي التليفون الله يكرمك يا أستاذ من آيات»
هدأها قائلًا «أجبهولك حاضر، طيب في حاجة؟»
أخبرته بنبرة محترقة بالخذلان «مؤمن مشي يا أستاذ سافر من غير ما أشوفه»
انهارات بعدها فاقدة الثبات يتسرب الوجع من كل شقوق روحها، أنهى الاتصال ووضع الهاتف في جيب جلبابه، سألته غزل بقلق تكاثف في نظراتها «في حاجة؟ عبدالله كويس؟»
أجابها بهزة رأس «مش عارف يا غزل بتبكي ومفهمتش حاجة وبتجولي أجيبلها التليفون من آيات»
همست بقلق «خير بإذن الله»
هتف قائلًا وهو يطوي عباءته ويضعها حول عنقه «شوفي جاكيت ولا شال وتعالي معاي»
استفسرت بدهشة «أروح فين؟»
أجابها ببساطة «هتيجي معاي عندها نوديلها التلفون ونفهم منها حصل إيه؟»
همست بإرهاق شديد وتعب فرد أشرعته أسفل عينيها الذابلة «ينفع مروحش ؟»
رفض بصبر «لاه بتجول جوزها سافر»
تجولت نظراتها على ملامحه وهي تقول «خد أختها معاك»
رمقها بحاجب مرفوع غيظًا قبل أن يُسقطه ويُجيب «لاه برضك هتيجي معاي أنتِ مش هسيبك وحدك ولا هروح من غيرك»
مطت شفتيها بإعتراض ففرد كفه جواره في دعوى وهو يهمس لعينيها بالعشق «أنتِ خلاص شريكة بالنص يا بكرية الجلب»
ابتسامة مهزوزة رسمتها فوق ثغرها فشجعها «يلا بينا متخليناش نتأخر عليها»
دخلت حجرتها، سحبت من خزانتها جاكيت جينز طويل ارتدته مُعلنة جاهزيتها للمغادرة، سحبها من كفها جواره بصمت.
وقفا أمام شقة آيات في محاولة بائسة منهما لم تفلح وفشلت فشلًا ذريعًا، فآيات لا تستجيب للنداء ولا الطرق حتى هاتفها مُغلق.. تأفف بعجز لاعنًا لها «حيوانة»
سحب غزل مقررًا المغادرة فلتستخدم هاتفه هو إن احتاجت.
بعد دقائق ترجل من سيارته ممسكًا بكف زوجته ووقف أمام باب المنزل يرن جرس المنزل، خرجت لهما هدى التي كانت في انتظارهما، استقبلتهما بلهفة
دخل المنزل فأغلقت خلفهما «خير يا أم عبد الله جلجتيني»
أشارت له ليدخل ويستريح مستحسنة مجيئه بصحبة غزل تلك الغريبة التي تشع دفئًا وحنانًا وترتاح لها كأن بينهما عمرًا من الصداقة، جلست هدى منتحبة جوار صغيرها النائم فتحركت غزل من جوار زوجها وجلست جوارها رابتةً على ظهرها تسألها بحنوٍ «حصل إيه يا بنتي قلقتينا»
مسحت دموعها وأجابت «كنت عايزة أحكيلك يا أستاذ وتشور عليا بس اترددت كتير وخوفت وكل مرة كنت أجي عشان أجولك أرجع أنا معرفش غيرك ومطمنش لغيرك»
نظرت غزل لزوجها بنظرة لامعة مضيئة بالتقدير، تفاداها رؤوف واستفسر بجدية «خير يا أم عبدالله؟ وليه تترددي أنتِ أخت ومعزتك من معزة أخواتي الصغيرين أنا تحت أمرك»
رفعت نظراتها شاكرةً له بتقدير وهي تمسح دموعها التي تخونها وتهبط متتابعة «دا العشم برضك يا أستاذ»
بكت بحرقة فضمتها غزل في رقةٍ وحنان مشجعة لها «احكي لرؤوف ومتخافيش مش هيخذلك»
أجابت بهزة رأس مؤكدة «عارفة كتر ألف خيره»
التزم أقصى درجات ضبط النفس وهو يراها بكل تلك الفتنة من الرقة والحنان الطاغي المثير لعاطفته، قصت عليهما ما حدث تفصيلًا مع إغفال أمر علاء ومضايقاته لها حرجًا منهما وحين أنهت آخر كلماتها، رفعت غزل نظراتها لرؤوف برسالة قرأها سريعًا فهز رأسه ردًا عليها وتفهمًا لها ، فورًا أخرج هاتفه ونقر فوقه مهاتفًا مؤمن، ضحكت غزل لتوارد خواطرهما وفهمه لما تريد وتبنيهما نفس الفكرة
«ازيك يا مؤمن كده برضك يا راجل تسافر ومتجولش طيب أنت فين؟ لسه واصل المطار؟ تمام وطيارتك متى؟ حلو جوي أنا جايلك»
انتفضت المستمعة له بنبضات متسارعة خوفًا، ضحكت ضحكة خافتة فابتسمت غزل دامعة العينين في تأثر شديد..
أنهى رؤوف الاتصال قائلًا وهو ينهض في عزمٍ «جومي يلا البسي وهاتي بطانية لعبدالله هوديكي المطار تسلمي عليه لسه طيارته»
صرخت مستفسرة بلهفة «صُح يا أستاذ هجدر أشوفه»
ابتسم قائلًا «أيوة ويلا مستنيكم بره »
خرج تاركًا زوجته تساعدها، بعد قليل تركتها وخرجت لتجاوره جوار باب السيارة لم تحتمل بقائها وحدها دونه وهي تحمل له كل تلك المشاعر في صدرها، أرادت رؤيته؛ لتمنحها له في بضع نظرات متألقه، سألته وهي تقف جواره منتظرة مجيء هدى«هنلحق يا رؤوف؟»
أجابها بيقين في الله ومازال متأثرًا بما حدث وأخبرته به هدى «بإذن الله»
استفسرت ببعض القلق وهي تراقب انشغاله وتطارد نظراته الشاردة «مالك؟» تنهد قائلًا بصدق لا يخفي عنها ولا يتهرب كعادته من المصارحة ويحتفظ بسرد التفاصيل والمشاعر داخله «مش عارف يا غزل بس زعلان عشانهم»
شاركته الشجن والحزن قائلة «أنا برضو زعلت من الواضح علاقتهم حلوة ومرتبطين ببعض، ربنا ما يحرم قلب من حبيبه»
أكد دعوتها بعناقه لكفها وضمه لأناملها بصمت يرسل لها ما يريد قوله بلمسته.
خرجت هدى حاملة صغيرها،أغلقت باب منزلها ففتح لها باب السيارة لتجلس هي وصغيرها بالمقعد الخلفي بينما جاورته غزل داعية ببلوغ مرادهما.
هتف قائلًا وهو يستعد للقيادة «الكلام ممنوش دلوك عازة يا أم عبدالله هو خلاص مسافر بس هجولك حاجة واحدة بس التمسيله بمحبتك ليه ألف عذر وادعيله هو أكيد غصب عنه عمل كده»
أمسكت غزل بطرف حديثه مؤكدة على كلماته المواسية «لو مش بيحبك مكانش اهتم ودور كان كمل استسلام، هو دلوقت محتاجك أكتر من الأول كلامك هيفرق فنفسيته جدًا لإنه أكيد خايف وقلقان وزعلكم من بعض مأثر فيه»
هزت هدى رأسها هامسةً لهما بالشكر ليهتف رؤوف «لينا جعدة تاني يا أم عبدالله بس لما ترتاحي»
همست هدى بوهن وهي تمسح جبهة صغيرها النائم «كتر خيرك يا أستاذ»
سرى بعدها بينهما صمت طويل انشغل فيه هو بالذكر المسموع مرة والخافت مرة أخرى و دندنته بالقرآن.
وضعت غزل رأسها على النافذة وأغمضت عينيها فتوقف عن القيادة، سحب عباءته وردها على جسدها، فهمست مغمضة العينين في تعب «مش نايمة يا رؤوف»
أجابها وهو يدثرها جيدًا «نامي لو تجدري عشان كتفك والعلاج»
همست وهي على حالها ما بين النوم واليقظة غارقة «هحاول»
عاد للقيادة ذاكرًا الله مستعينًا بحوله وقوته.
بعد مرور ساعتين وصلوا المطار، هبطت هدى متلهفة لرؤية زوجها فأشار لها رؤوف بتفهم «ادخلي وهشيل أنا عبدالله»
سبقته متطلعة حولها، مفتشة وباحثة بأنفاس لاهثة ودموع لا تستقر في مخدع العينين بل تسقط دون حرج فوق شفتيها الهامسة باسمه «مؤمن»
وقف متعكزًا يتطلع حوله باحثًا عن الذي هاتفه من ساعتين ليخبره بمجيئه، شعر بغيابه فقرر الدخول، حين لمحته هتفت «مؤمن»
استدار لا يصدق ما سمعته أذناه، وقف متسمرًا متسع النظرات عليها بلهفة مُكبلة بالعتب، اندفعت ناحيته راكضة حتى وصلت إليه، تعلقت برقبته معانقة بقوة فضحك من شدة المفاجأة والفرحة، اعتذرت كثيرًا «حقك عليا يا مؤمن متزعلش مني والنبي، اتأخرت غصب عني»
همس برضا «مش زعلان منك دا أنا روحي فيكِ يا هدى ربنا يعلم كل دا عشانك وعشان عيالنا»
وقف رؤوف بعيدًا حاملًا الصغير منتظرًا بصبر انتهائهما.. ابتعدت معانقة ملامحه بنظراتها تهمس«تروح وترجع بالسلامة يارب فأحسن حال»
عادت إليه ابتسامته وحيوية نظراته موصيًا إياها «خلي بالك من نفسك والعيال واعرفي إنه غصب عني والله»
هزت رأسها والدموع تطفر من عينيها في أسف فقال ضاحكًا «ممشورة الأستاذ معاكي ومجرياه ورانا»
ابتعدت متذكرة له قائلة بامتنان «والله دا هو الي صمم يجيبنا نسلم عليك يا مؤمن»
ابتعد مؤمن متعكزًا، استدار رؤوف مبتسمًا على صوت نقرات عكازه، قطع المسافة الفاصلة راحةً له ورفقًا به «مع السلامة يا مؤمن نشوفك بخير وابقا طمني عليك يا طيب ولو احتجت أي حاجة أنا موجود»
شكره مؤمن ممتنًا لصنيعه معه «الله يباركلك يا أستاذ» ربت رؤوف على كتفه قبل أن يستدير مانحًا له وجه صغيره الذي يضع رأسه المرتخي على كتفه «حصل إيه وإيه اللزق الي فوشه دِه»
طمأنته هدى برفقٍ «بسيطة والأستاذ ومرته مجصروش خالص يا مؤمن»
لثم مؤمن جبهة صغيره وأمسك بكفه مُقبلًا له بنظرات مودعة.. رفع مؤمن رأسه مُوصيًا رؤوف «مش هوصيك يا أُستاذ عليهم أنا عارفك»
استدار رؤوف مطمئنًا له بود«متشلش هم حاجة فعنيا أرجعلنا أنت بالسلامة»
شكره مؤمن بحرارة «جزاك الله خير»
نظر مؤمن لزوجته مودعًا حين بلغه نداء بعض المرافقين، أمسكت بكفه فعاد رؤوف للسيارة حاملًا الصغير، خرجت غزل من السيارة مستفسرة بلهفة «شافته؟»
ابتسم متفهمًا لهفتها ورقة مشاعرها «أيوة خلاص بتسلم وجاية»
قفزت مصفقة بحماس وبهجة «الحمدلله كنت خايفة متلحقش كنت هموت من القلق» عاتبها بنظراته على طفوليتها قبل أن يضع الصغير في المقعد الخلفي ويعود إليها..
خرجت هدى فركضت ناحيتها معانقة بعفوية شديدة تشاركها فرحتها بالوصول ووداع زوجها، غمغم ونظراته تتأملها بحنو «ولا كل من يتحب ولا كل من يسكن الجلب يا غزالي يستاهل، جيتي الدنيا عشاني أنا وميلجش بيكي غير جلبي أنا »
صعدت هدى بالخلف جوار صغيرها شاكرةً بينما صعدت غزل جواره في صمت.
أعاد هدى لمنزلها لرفضها العودة معهما متعللة بطلوع الفجر فلا حاجة لها بالمبيت بعيداً عن المنزل وقد أرخى النهار ستائره على الكون.
صلى فرضه وجلس يرتل القرآن كعادته بينما انعزلت غزل بحجرتها للنوم بعد ليلة مُرهقة.
***
الليلة التالية
توسطت التخت جلوسًا، متربعة، مطرقة بصمت مُقلق، لا تتأثر بما حولها ولا تستجيب لأي مؤثرات أو عوامل خارجية، يشعر كأنها انعزلت فجأة عن عالمه، دخلت بلورة شفافة، تنثر نظراتها الفاقدة للحياة حولها حين يأتي وبعدها تعود لإطراقها، إن سألها عن حالها تهز رأسها وتغوص في نوم طويل، يجعله يجلس جوارها حزينًا ببؤس ويأس.. لا يعرف كيف انقلب حالها ولا أسباب ماهي فيه؟ فجأة ودون مقدمات قررت أن تنسلخ منه وتنعزل وحدها، حتى طاهر يهاتفها فلا تُجيب، يثرثر حتى ييأس وتظل هي قابضة على صمتها وحزنها بين ضلوعها ككنز أثري، نظراتها زاهدة تتوهج فقط حين تسقط فوق ملامحه بعدها تنطفيء من جديد.
دخل حاملًا ابتسامته وصبره متمنيًا أن تفيق حوريته وتعود لسابق عهدها، منتظرًا عودتها بكامل عتاد الشغف والمحبة، تسمر مكانه على هتافها الصاخب المدجج بالألم «أنا مخونتكيش ولا أنا خاينة يا لمياء حرام عليكي ارحميني،مكنتش أعرفه والله، وياريتني ما عرفته وياريتني موت وارتحت من كل دا » فقدت النطق بصدمة هتافه «غزل»
استدارت مهزومة القلب والروح، تركت هاتفها وتنهدت، نظرت إليه وداخلها ينهار.
اقترب يسأل «في إيه؟ ومالها لمياء؟» أجابته بتلعثم شديد «لمياء تلميذتك….»
اقترب أكثر أحاطها بنظراته وسأل «عايزة منك إيه؟»
فاجأته بقولها السريع الصادم «عيزاك»
قطب في ضيق، انزعج بشدة من قولها وغضب فتابعت متجاهلة لومها لنفسها على افصاحها «لمياء فكراني أخدتك منها، عيني كانت عليك وإني خدعتها»
سأل بصبر وهو يمد أنامله ماسحًا دموعها بتلقائية «وهي مالها حتى لو كده»
توقفت الكلمات في حلقها وتحجرت، سلمت دفة الإجابة للدموع التي انهمرت، عضت شفتيها والندم يضع سكينه فوق رقبتها مستغلًا ضعفها، أجابت بوهن «عشان... عشان»
غيرتها عليه اشتعلت داخلها فتحركت هاربةً بكلماتها، تبعها حيث تجلس بين ورودها أرضًا، وقف أمامها قائلًا «مش عارف في إيه؟ ومش راضية تتكلمي جوليلي إيه يريحك طيب وهعمله»
صمتت تاركة الثرثرة لدموعها فجلس أمامها متابعًا بحنو «حد زعلك؟ جلجان عليكي أنا يا غزالي مش عارف حتى أشتغل»
أجابت بخفوت وهي تتجنب الاشتباك مع نظراته «أنا كويسة متشغلش بالك»
ابتسم مُعترفًا لها «كيف مشغلش بالي؟ هو بالي فيه مين غيرك؟»
أشاحت تغالب شوقها متنهدة فقال بصبرٍ «جومي بلا لمياء بلا زفت حسابها لما أرجع»
حذرته برفق «رؤوف بليز متجيش جنبها هي برضو معذورة»
ابتسم مؤكدًا قولها بمرح «صُح وبعدين عادي الشرع محلل أربعة»
تنفست بسرعة في غضب قبل أن تنتفض واقفة تخبره بغيظ «حلو مبروك مقدمًا»
غادرت لحجرتها مُغلقة خلفها، جلست أرضًا مستندة على الفراش بذراعيها وانفجرت في بكاء عنيف، طرق الباب مناديًا بعصبية «افتحي يا غزل»
رفعت رأسها مُجيبة بوهن «هنام»
صاح بغضب «لاه هتفتحي ولو هتنامي يبجى جنبي»
نهضت ماسحةً دموعها تخبره بغضب مماثل «لا»
دفع الباب بكتفه علامة تهديدية وتنويه بما سيفعله، هرولت تجاه الباب في خوفٍ، فتحته ووقفت أمامه مستفسرة بعصبية «في إيه؟»
تأملها مستفسرًا «بتبكي ليه؟»
أجابت بغيظ متهربةً من نظراته «مببكيش»
أزاحها بذراعه ودخل قائلًا «ماشي»
سحب وسادة وغطاء ثقيل افترشه أرضًا ووضع فوقه الوسادة ثم تمدد أرضًا إقرارًا وتأكيدًا على رغبته في بقائه جوارها.
تنهدت قائلة «رؤوف ليه كدا؟»
أجابها بزفرة سأم وحيرة «عشان كده ونامي مش جولتي هنام»
عادت لمخدعها بكسل تمددت فوقه متقوقعة أفكارها لا تعكس سوى الألم والخوف.
اعتدل على ظهره واضعًا كفيه تحت رأسه ناظرًا للسقف فوقه،
حالتها سيئة جدًا منذ ما حدث ، أزمنة الألم تتعاقب فوق ملامحها فتنبئه بتيه منفرد وضياع مروّع لذا قرر أن يتلقى تلك المرة انهيارها على صدره،لن يعطيها المساحة لتتعذب وحدها إما سويا أو لا، سيملأ فراغات روحها ويُلقم خوفها صدقًا يُنجيها، لن يتركها مجددًا… طال الصمت وكثُر بكاؤها المكتوم فصبر بغير راحة.
همست تستثني الثرثرة معه من القيود التي فرضتها عليه «رؤوف»
أجابها دون أن يعتدل، يغرق في أفكاره الممزوجة بها «أممم»
ضربته صاعقة سؤالها فتحركت نظراته من على السقف بهلع، جحظت على جسدها المتكور فوق الِفراش «لو أمي عايشة كان هيحصلي كدا؟»
سألته ثم غرقت في تعاسة لا حدود لها، سيطر على انفعاله ورغبته في ضمها حتى لا تنفيه بعيدًا بالكاد استطاع إرضاخها بالمبيت جوارها،حتى لا يتطور الأمر لعذابٍ يسري بينهما. حاورها ببساطة وهدوء «ليه حصلك إيه؟»
أغمض عينيه تاركًا وجعها يتسرب من مسامات الروح وشقوق النفس «هو أنا محصليش إيه؟»
أجابها بتنهيدة حزينة يسير معها فوق أشواكها بتحملٍ وصبر «كل أقدار الله خير، تأكدي إن ربنا حافظك واخترلك الأفضل»
صمتت بأنين مكتوم مزق قلبه وأطبق على أنفاسه ثم سألها بخفوت «ندمانة»
أجابته بكلمة واحدة امتلكت مفاتيح الوجع وجوامع الحزن «خايفة وبس»
همس وهو مغمض العينين يستأذنها برقة «ينفع أجي جنبك يا غزل؟»
لسانها حمل إجابة واحدة فوق عاتقه «خايفة»
فهم مقصدها حوريته تخاف اعتيادها عليه كما تخاف هجرانه، تخاف اقترابه كما بُعده وتخاف أن يُكشف جسدها أمامه، إصراره وحبه جعلها تفكر في توابع مبادلته العشق فقررت ألا تستقبل أو تُعطي وإن أرهقها الحرمان.
كرر سؤاله ولم يقف عند إجابتها بل طرق بابها «ينفع أجي جنبك»
صمتت متحيرة في شأن طلبه، النفس أقامت محاكمة عاجلة للقلب الراغب والعقل الرافض وقدمت المرافعات وزلزل العقل قاعاته بمرافعة كل مافيها خوفًا.
وجدت نفسها تهمس دون إرادة داعية له وهي تمسح دموعها «تعالى»
غمر نبرتها الاحتياج وأحاطها التوسل، بسرعة كان يجاورها نائمًا على جنبه ينظر إليها وهو يمسح على رأسها بحنو هامسًا «إيه واجعك يا غزالي احكيلي كل حاچة»
غطت وجهها بكفيها وهمست «أنا نفسي مش فاهمة يارؤوف»
اقترب أكثر، التصق بجسدها ثم سحبها لتستقر رأسها على صدره،تركت له نفسها مفتشة عن الطمأنينة والراحة بين ذراعيه فضمها بقوة متمنيًا لو تسرب الألم منها إليه، مسح على رأسها بحنو وهو يهمس «فخور بيكِ أنا يا غزالي وبالي بتعمليه، حروقك مبتفكرنيش غير بجمال جلبك وحمايتك لعيالي،ليه تتوهي ويدي ممدودة مستنياكي تمسكيها؟ ليه تبكي وأنا مستني بس تضحكيلي؟ ليه عايزة أمك وأنا هِنا؟ إيه يرضيكي ويريحك وهعمله؟»
رفعت رأسها بعينين زائغتين ودموع متمسكة بأهدابها هامسةً «لو قولتلك امشي وسيبني أعيش حياتي بعيد وأبنيها من جديد هتوافق»
اهتزت نظراته لوهلة قبل أن يبتسم هامسًا «لو يريحك بعدك عني ويخليكي مرتاحة هسيبك يا غزل»
نظرة الألم والحسرة بعينيه أغرقت سفن هربها، أحرقت جناحيها فسقطت من علوٍ شاهق متخبطة، أراحت جبهتها على صدره متنهدة تهمس بقرارها في خجل «ياريتني أقدر»
لملم خصلاتها عن وجهها بكفيه وهمس «ما تجربي تطيري فأرضي يا غزالي ليه مجصجصة ريشك؟»
عادت رأسها تتوسد كتفه محيطة بطنه بذراعها وهي تهمس «عايزة أجرب ابني بيت فحضنك»
لفّ ذراعه حول خصرها هامسًا بابتسامة «مبني وجاهز للسكن ياغزالي»
ابتسمت برقة قبل أن تغمض عينيها منتشية بقربها منه سعيدة بالسكن بين ذراعيه.
******
في الصباح
فتحت عينيها على مكانه، استردت نظراتها وفكرت قليلًا ربما ما عاشته كان حُلمًا دافئًا ليس بحقيقة، أزاحت الغطاء عن جسدها ونهضت تتبع آثاره لتتأكد هل نامت بين ذراعيه أم توهمت ذلك، وجدت المكان خاليًا منه فتأففت هامسةً«ماشاء الله يا واد الحفناوية مبقتش فاهمة أنت واقع ولا خيال»
أدت فرضها وجلست متأففة تحاول الاتصال بطاهر لتصلها رسالته «متنسيش العلاج يا غزل»
«أنت فين؟»
«صباح الورد يا غزالي أنا فمشوار مش هتأخر متنسيش العلاج وسيبي الفولتارين لما أرجع »
«مستحيل»
«دا حلم وهحققه يا أم الغايب»
«مش كل الأحلام تستحق»
عبس بغير رضا من قولها المقصود والذي يعرف ما خلفه، دائرة أفكارها تتوقف عند تشوهاتها، تحتجزها في كهف مظلم لا ترى نور حبه منه.
سألته تماضر حين أنهى الاتصال «مالك يا ضي العين؟»
أجابها بتنهيدة شجن «كل ما أجرب تبعد يا خالة»
نصحته بلطف «متيأسش يا ولدي كمل طريقك، نهاية المشوار للي بيمشيه مش للي وجف واستنى»
مسح وجهه مستعيدًا رباطة جأشه وقال «خير بإذن الله»
سألته تماضر بإمتعاض وقرف ارتسم فوق ملامحها المتغضنة «ناوي على إيه مع أم ريحة عفشة؟»
لمعت عيناه بمكر قائلًا «والله ما هسيبها غير لما أوفق راسها هي وموسى في الحلال»
ضحكت تماضر متسائلة «هتشتغل خاطبة؟»
أجابها بضحكة قصيرة «وماله يستاهلوا أعملها عشانهم»
**"
بعد مرور يومان
هبطت مفتشةً عنه، عينيها تبحث عن زادها من رؤياه وقلبها يختلج في شوقٍ لا تتعافى منه،كل جوارحها تعاتبه على غيابه وفقدانها وجوده، نفخت بسأم وهي تخرج من المندرة خالية الوفاض، فارغة النظرة من صورته، بحثت حيث ونس ولم تجده فعادت منكسرة القلب «أنت فين كل دا؟»
خرجت جدته من حجرتها متباطئة السير تذكر الله بصوتٍ عالٍ، جلست على الأريكة المخصصة لجلستها ممسكةً بمسبحتها العتيقة تنادي بلهفة «بت يا سماسم»
وقفت غزل مراقبة بصمت، فهي تتجنبها قدر استطاعتها وتبتعد عن مرماها ما شاء لها ووفقت في ذلك، لا تريد احتكاكًا يؤذي العجوز ويثير غضبها وحفيظتها فيشتعل المنزل بوقود رؤيتها، كما أنها لا تريد لقلبها أن يتأذى بكلماتها وسبابها الذي يخدش جدران القلب، اكتفت السيدة من النداء غير المسموع فنهضت من جديد مرتدية خفها البيتي الذي تحرك من أسفل قدمها منزلقًا فتأرجحت وقفتها ومالت صارخة «يا أبوي»
بسرعة وصلت إليها ودعمتها بحنو، لم يرق للسيدة فعلها فدفعتها مبتعدة عنها متأففة بإعتراض «غوري إيه جابك»
ابتسمت غزل بحزن مبررة «خوفت تقعي»
أشهرت أرضينا سبابتها في وجهها صارخة «أنتِ متسندنيش أنا أجع أحسن»
ضمت شفتيها وصمتت بصبرٍ وغيابه يفقدها مقاومتها ويرسل أفكارها لغياهب مجهول تخافه وتصارعه في يقظتها وأحلامها، سقطت مسبحة العجوز راكضة تحت الأريكة فنظرت أرضًا مفتشة ولسانها يطلق استغفارًا قاسي النبرة، انحنت في هلاك تفتش بنظر فقد عمله وأرخى ستائره، حركت كفها مفتشة «راحت فين يا أبوي عالفقر»
أشفقت عليها غزل رغم شعورها بأنها تقصدها هي بكلماتها والتشاؤم هي سببه الوحيد، انحنت تبحث عنها معها في تعاطف، اصطدما الجسدان ففردت العجوز قامتها لاعنة موبخة بينما واصلت غزل البحث أسفل الأريكة بطول صبرٍ رحمة بها من عناء البحث ومشقة الانحناء القاسية على من مثلها.
دفعتها بقدمها موبخة «جومي»
أجابت غزل وهي تنظر أسفل الأريكة «هجيبهالك يا جدة»
صرخت السيدة مستاءة غاضبة «متجوليليش جدة»
لولا كفه التي رقدت فوق كتفها في حماية لدفعتها مرة أخرى بقدمها، رآها فدخل راكضًا مستغلًا انشغالهما، حين مدت جدته قدمها ضاربة جسد الأخرى المنحني باحتقار سارع بفرد كفه مستقبلًا قدم جدته التي هتفت باسمه اندهاشًا «رؤوف»
رفع لها نظرات غائمة بالرجاء، وهو يهز رأسه بانكسار حزين رافضًا تكرارها، حزينًا لأجل حوريته«جوم يا واد»
اعتدلت غزل مغمغمة بإسمه في لهفة وشوق رقص فوق ملامحها طربًا «رؤوف»
سألها بحنو «بتعملي إيه؟»
أخفضت رأسها وأجابته «مسبحة الجدة وقعت فكنت بجيبهالها»
لثم جبينها تقديرًا وأسفًا على ما نالته من مهانةً وتوبيخ، ابتعد ينظر إليها معتذرًا عما لاقته نتيجة رقة قلبها، ابتسمت متفهمة فأشار لها «يلا جومي واستنيني على الدرج أنا هجيبها»
نفضت كفيها ونهضت بحماس فانحنى باحثًا عن مسبحة جدته وقلبه يتمزق مما رأى ولا يعرف كيف سيعوض حوريته عن ما حدث وإن كان يعرف تفهمها ورزانتها
التقطها ومنحها لجدته التي جلست غاضبة من فعلته، لثم كفها هامسًا بتوسل حار «مرتي متستاهلش يا جدة ولا تتداس بالرجلين، الضربة وجعت جلبي أنا عليها، لو يرضيكي جلبي أنا مداس راضي بس هي لاه»
وضعت السيدة كفها المتغضن فوق فمها ونظراتها تجحظ على وجهه مستنكرة قوله وانكساره لأجل ابنة عدوه، وذله الذي تراه لأول مره والذي أخرجه توسلًا وخضوعًا لترضى وتترك حبيبته وشأنها.
نعت دامعة «حسرة جلبي عليك يا ولدي»
همس متأسفًا وهو يلثم كفها مرة أخرى «لو حاسة بيا كنتي اتحسرتي على الي فاتني جبلها مش بعدها يا جدة»
رفعت العجوز طرف طرحتها لفمها تكتم شهقتها «واه»
لثم كفها مرة أخرى ونهض تاركًا لها متجهًا ناحية الواقفة في انتظار محموم بالشغف، لم يصلها ما همس به والذي يبدو أنه تعمد ذلك، تبدلت نظرته فور أن رآها، كأنما طوى صفحة لأخرى، أضاءت ملامحه وابتهلت بالشوق، ضمها فور اقترابه ملثمًا جبهتها مستفسرًا «غزالي عامل إيه؟»
أبت التحرك وهي تنظر إليه في جوع معاتبة «كنت فين كل دا يا رؤوف»
شاكسها بابتسامة مضيئة «بجينا نجول رؤوف عادي تتحسدي»
تخطت مزاحه مُكررة بشوق غلب العتب «غبت عني فين؟»
أحاط كتفها بذراعه وقادها للدرج قائلًا «أجولك حاجة»
أجابته برقة وهي تعاود النظر إليه «قول»
وقف هامسًا «مهما غبت عنك اعرفي إني طول ما بتنفس يا غزالي يبجى بفكر فيكي»
فغرت فمها مبهورة بكلماته فضم ذقنها بأنامله وحركه ضاحكًا يخبرها مجددًا بحلو كلماته «أنتِ مع كل نفس يا وليفة الجلب.. غايب ولا حاضر الوليف لوليفه بيحن»
طوق كتفها وصعد للأعلى يسألها عن صحتها وأحوالها عاتبته على غيابه فاعتذر بشدة لإنشغاله ببعض الأمور
بعد مرور مدة
جلست جواره قائلة«ممكن أسألك عن حاجة؟» ترك الأوراق فورًا وانتبه لها قائلًا «أيوة طبعًا»
همست بخجل لإدراكها معنى ما تقصده «حارم قاسم منك ليه؟»
اندهش من سؤالها، قطب وابتسم، لان وقسى ثم سأل «تجصدي إيه مش فاهمك؟»
ضمت شفتيها مترددة في الإفصاح أكثر بخجل ثم أجابت «المفروض قاسم ابن أخوك قبل كل دول»
استفسر بمكر «مش فاهمك برضك»
ابتلعت ريقها بتوتر وأوضحت «يعني يا متر قاسم طفل جميل حرام يتحرم من حد زيك»
خبأ ابتسامته وسألها مُجددًا بصبر متظاهرًا بعدم الفهم «يعني إيه؟»
تأففت بغيظ وهي تترك التخت وتهرب «يوووه ركز»
ظل مكانه يراقبها باهتمام ويتأملها بشغف متابعًا ببرود «طيب حطي اختيارات مبحبش الأسئلة المقالية»
استدارت ترمقه بنظرة معاتبة فتصنع البراءة بنظراته مما جعلها تُفلت ضحكة رقيقة شاركها إياها..
عادت للتخت قافزة، جلست على ركبتيها أمامه موضحة «حرام قاسم يبقى عنده عم زيك ويتحرم منه»
زين استفسار برفعة حاجب «مين جال محروم مني؟ وليه اعتبرتي بعده عني حرمان ليه؟»
أسبلت أهدابها وخجلها يزداد منه ومن التعبير، سؤاله يتلخص في إجابة واحدة هي أن تصفه لنفسه بعينيها، ودهائه اللحظة يوشوش لها بمكيدة منه، أصفادها من نظراته اللامعة الآن.
أجابت على نصف وتركت الآخر «مبتتكلمش عنه هو كمان زي اخواتك ، ومبشوفكش تكلمه»
أجابها بذكاء وهو ينظر لعمق القلب النابض في عينيها «يمكن عشان مبتشوفيش»
تربعت أمامه متحمسة «طيب مش مهم الي فات خلينا فدلوقت وقولي آخر مرة كلمته امتى؟»
ابتسم مُجيبًا عليها مُحبًا لثرثرتها وحماسها «جبل ما نجعد مع بعض»
صفقت مشتعلة بحماسها راضية بإجابته قبل أن تتوهج نظراتها وتقترح عليه
«عايزة تجبلي قاسم يقعد معانا يوم أنا وأنت» نالت اشتعال نظراته بالعاطفة حين أقرنت الفعل بهما سويًا، لكنه راوغ كعادته وهو يحبس عنها مشاعره المتأججة
«الموضوع صعب بس مش مستحيل»
شكرته بلطف زائد «بجد شكرًا كتير»
ثم اعترفت له ببعض الخجل «أنا بحب قاسم أووي» بادلها حب صغيره بمثله في صدق «وهو بيحبك وعايز ييجي برضك»
ضحكت من فرط حماسها ولهفتها لإتمام الأمر وإنجاحه لتنال يومًا مع الصغير
«ياريت يا رؤوف هكون مبسوطة جدا»
هرش ذقنه النابتة وأجابها وهو يتأملها بنظرة شغوفة أربكتها
«مالي بانبساطك المهم الموضوع يجلبلي أنا الانبساط» افترضت حسن نيته وسألته«إزاي»
راوغ بخبث معتاد «هفكر وأشوف هينوبني إيه من جيته»
سحبت الوسادة المجاورة له وضربته به ناعتة «مستغل»
قهقه قائلًا وهو يبعد الوسادة عنه ثم سحبها منها وأعادها مكانها
«أحلى استغلال بإذن الله»
سألته بجدية تلك المرة «هو مش عايش معاكم ليه»
اجابها باختصار شديد «ظروف»
ابتسمت سائلة من جديد برقة
«مسألتنيش عرفتهم منين؟» أجابها سريعًا بحاجبين ملتصقين «طاهر اداني نبذة بس هسمعك لو تحبي تحكيلي أنتِ» ابتسمت لنظرته التي حثتها على الحديث والتي تناقض إجابته وموقفه ثم همست وهي تتحرك لمجاورته«تمام»
أوقفها رافضًا «اتحركتي ليه؟ خليكي جدامي»
أجابته بخجل ووجه متورد في فتنة «لا»
غمغم قائلًا «كله مليح إن مشوفتكيش هاخد من أنفاسك»
لم تقف عند غمغماته فهي كثيرة، حكت له ما حدث معها وضيافة أخيه لها وارتباطها بقاسم ثم صمتت تتبين رد فعله بالنظر إليه، صافح رغبتها بابتسامة لا توضح ما خلفها من مشاعر فتغاضت وسألته«هو قاسم مبسوط مع مراة باباه»
أجابها بحماس شديد «أيوة جدا بيحبها جوي»
ابتسمت لأجله ثم قالت بإحباط «يعني هينساني خلاص»
سحب كفها ورفعه لفمه ملثمًا «ولا عمره»
ابتسمت عاضة شفتيها بخجل من فعلته فتابع مشاكسًا لها بشقاوة
«بعدين عشان حب مرات أبوه هينساكي لاه عادي إحنا الرجالة جلبنا يشيل كتير»
هزت رأسها مؤكدة بابتسامة ماكرة «زيك يعني» قطب مستفسرًا بجدية لذيذة وبساطة مُهلكة «ليه أنا جلبي فيه غير غزالي ولا إيه»
سحبت كفها مشتعلة بخجلها منه ومن اعترافه الصريح متهربة منتقلة «المهم اشكرلي أخوك»
كتم ابتسامته وأكد بجدية «يوصل»
اعترفت له بلطف ورقة«أنا حبيت بساطة المكان هناك أوي بتروح هناك؟ عجبك زيي» ابتسم مؤكدًا لها «مكاني المفضل وبروح لخالتي كتير»
لم تنتهي فقرة أسئلتها بل امتدت وتابعت بحماس «إيه رأيك كلمت طاهر يجبلي قطة أربيها » ضرب جبهته بنفاذ صبر وتأفُف مستغيث فاستفسرت بقلق «إيه؟»
أجابها بغيظ شديد «بجولك إيه أنا ناجص رباية ما تكسبي فيا ثواب وتربيني، عندي نجص مشاعر كتير ومفيش غيرك ينفع، فكري؟»
رفعت حاجبها مستنكرة قوله ومزاحه وحماقة طلبه الذي أخجلها «أنت بتهزر ولا بتتريق؟»
انفجر فيها دون رادع أو حساب زعق بنفاذ صبر وغيظ لم يستطع تلجيمه وهي تتدلل ببرود يذرو صبره «عايزة تجيبي قاسم وعايزة تتبني غزل، نلملك عيال النجع بالمرة ما تخلفي أنتِ يا بني آدمة يا أم مخ تخين أنتِ»
ضمت شفتيها بحنق وأنفاسها تعلو بغضب حارق قبل أن تتحرر من قيودها وتضرب الأرض بقدمها صارخة فيه «متزعقش أنا أعمل الي أحبه»
قلدها بتهكم بعدما زفر بقوة معترضًا بغطرسة «أنا أزعق براحتي وأنتِ تسمعي وتفهمي وتعملي الي أحبه» تأففت وهي تزفر مطيرة غرتها من على جبهتها «أنا عايزة العيال»
تقدم خطوة وزعق فيها «وأنا عايز منك العيال،فهمتي ولا هتوجعي راسي كتير؟»
وضعت أناملها تقيد شهقتها المتفاجئة
قبل أن تسأل «ومخلفتش ليه من آيات؟»
زفر بغيظ من ذكرها لها وقال «من رحمة ربنا بي عشان تكوني أنتِ أمهم ، أنا مش عايز العيال غير منك أرضك بس الي تليج ببذوري»
قبل أن تسأل بخجل وهي لا تقو على فتح عينيها على وجهه «أنت.. أنت بتقول إيه!»
سخر منها بغلظة «أيوة الشريط سفّ دلوك وهتعملي حمارة»
تحركت تنوي الهرب والاختباء تاركة كلماتها تتقافز من فمها بلا معنى «لا لا أنت مش طبيعي أنا.. أنا... أهرب أحسن طالما مفيش طلاق»
ضحك متهكمًا من قرارها مستفزًا بسخرية «اعمليها وأنا أجيبك أربطك في النخلة الي تحت البيت وكلمة طلاق دي متجيش على لسانك»
هددته بحماس ورأسها يرتفع كبرياء «هكلم طاهر يقف معايا»
أجابها بهدوء وابتسامة جذابة «هربطه جنبك»
ضربت قدمها في الأرض زافرة بتفكير في إجابة تخرسه، سرعان ما لمعت عيناها وهتفت بشقاوة « هقول لعمو عدنان»
صمت فظنته انهزم، تبددت بهجته فقفزت بمرح ضاحكة لانتصارها عليه، لم تكتمل فرحتها أجهض أحلامها فور انغماسها في زهوة الانتصار، اقترب بخفة وضمها مانحًا قبلته ردًا على قولها، يُعلن تحديه وسعيه خلف هدفه دون تراجع أو استسلام.
ابتعد هامسًا «والله لو جبتيلي البلد كلها يا غزالي... أنا مدي وعود كتير على حسك متجصريش رجبتي الله يكرمك»
دفعته بعيدًا وصاحت بنبرة مهزوزة «مش ناوي تجبلي غزل»
أجابها بصراحة «لاه مش هينفع أصلًا»
صاحت بغيظ شديد «بقا كدا أمال جبنا أوضة النوم ليه؟»
أوضح بمشاكسة وبراءة لا تمت لنظراته بصلة «أصلي ببرد في الليل يا غزالي يرضيكي»
سألته بغباء «نعم وأنا مالي»
كتم ضحكته وسألها ببراءة كاذبة « سريرك كان صغير هنام فحضنك كيف؟»
شهقت بنعومة والخجل يزحف لملامحها ملونًا زهور خديها «أنت قليل الأدب»
تحركت تجاه الحجرة فشيعها مستفزًا بضحكاته «وناجص رباية اتبنيني بجى وربيني»
*****
هاتفها مثبتًا سماعات أذنه، أجابته فورًا في تردد ثقيل يجثم فوق صدرها ويخنقها
«أيوة يا دكتورة استعدي أنا طالع»
توقفت الكلمات وانحشرت بين الرفض والقبول بين الاستسلام لقدرهما والنجاة بنبتتها... وقف مثبتًا السماعات بأنامله يهتف بقلق «فيروز»
نطقه اسمها لأول مرة وبتلك النغمة العذبة الشاذة عن لحنه القاسي صنع من إجابتها رفضًا التصق به الخوف كتوأمًا «يونس ارجع متروحش أنا خايفة عليك بليز مش هتحمل يحصل حاجة ليك ولا هتحمل خيانة المتر بعد كل الي عمله»
تنفس بقوة وابتسامته تهتز فوق شفتيه بشعور جديد يوقظ كل خلية من مشاعره «متخافيش كل حاجة هتبجى تمام»
همسها بهدوء ولين صاحب نبرته مؤخرًا معها.
توسلته وهي تتخيل أسوأ السيناريوهات والكوارث فتشهق مصعوقة مما تتصوره
ربت على قلبها بكلماته المحتوية لضعفها «أنا بجالي مدة مراقب المكان وعارف مواعيد عمك واشتريت العلاج الي بتاخده عشان لو حصل حاجة أجول إني عامل صيدلية»
تأوهت هامسةً «يونس هما يعرفوك هيفيد بإيه لو قولت إنك دليفري صيدلية»
طمأنها بحنوٍ شديد «جولتلك متخافيش عامل حساب كل حاجة ورجب تحت أي حاجة هيرنلي»
زفرت كثيرًا لتهدأ فهتف ببساطة «خليها على الله»
وقف أمام الشقة قائلًا «استعدي»
ضغط الزر وانتظر أن تفتح له السيدة بثبات شديد، فتحت والدتها فتأملها مدركًا مدى الشبه بينها وبين فتاتها فابتسم بحنوٍ بينما قفزت هي وهتفت داخل أُذنه «ماما»
لعنها في سره قبل أن يواصل الابتسام حتى لا يثير حفيظة السيدة ولا يُقلقها
«أنت مين يا ابني؟»
هتف وهو يمنحها الهاتف بعدما نزع السماعات وفك الربط «أنا جاي من طرف الدكتورة فيروز»
هتفت السيدة بلهفة عظيمة وهي تسحب منه الهاتف دون صبر «بنتي»
ابتسم بلطف وتنحى جانبًا منتظرًا بينما دخلت السيدة بالهاتف «فيروز يا بنتي يا حبيبتي»
-«ازيك يا ماما عاملة إيه وحشتيني»
*«طمنيني عليكي يا حبيبتي أنتِ كويسة»
-«بخير يا حبيبتي طمنيني حد عملك حاجة؟»
*«لا يا بنتي أنا بخير والحمدلله اطمنت عليكي»
-«أنا كويسة اطمني أنتِ بس وحشتيني، سامحيني يا ماما لو زعلتك فيوم»
*«أجهشت السيدة في البكاء قائلة «أنت الي سامحيني يا بنتي قصرت فحقك واتنازلت كتير بس كله كان عشانك كنت خايفة عليكي دا أنا عايشة فالدنيا عشانك يا بنتي ولا ليا أخ ولا أخت ولا حد غيرك»
أجابتها فيروز من بين شهقاتها المتأثرة «ادعيلي يا ماما»
أجابتها السيدة بحنان «بدعيلك ينجيكي ويكرمك يا بنتي ومتعشيش الي عيشته»
أوصتها فيروز «خلي بالك من نفسك وعلاجك بإذن الله نتقابل على خير»
سألتها والدتها بقلق «مين الي بره يا فيروز؟»
أجابتها بتردد بعدما حسمت أمر الكتمان«حد معرفة بيساعدني»
أوصتها والدتها «خلي بالك من نفسك يا بنتي ربنا ينصرك»
«هقفل يا ماما دلوقت وبإذن الله ألاقي طريقة أكلمك بيها سلام»
أعادت السيدة الهاتف ليونس الواقف بالخارج قائلة «ربنا يكرمك يا ابني و ميوجعكش على غالي»
ابتسم ممتنًا لدعوتها فنظرت إليه بإمعان أربكه ثم أمسكت بكفه الممسكة للهاتف وأوصته «خلي بالك منها يا ابني وأحميها دي طيبة وملهاش حد»
ابتلع ريقه وأجاب بإرتباك «أنا مرسال يا حاجة»
ابتسمت قائلة باستسلام «ماشي يا ابني كتر خيرك ربنا يحفظك»
رحل يونس كما جاء، صعد سيارته وانطلق بها محذرًا رجب الجالس جواره «طبعًا أنت مش هتبجى فتان يا رجب»
هرش رجب فروة رأسه من تحت طاقية الصوف وأجابه «والله يا بشمهندز هفكر»
مال يونس ناحيته قائلًا «طيب ولو عشيتك كباب؟»
داعب رجب ذقنه مُفكرًا بجدية في عرضه، لاحظ يونس فأغراه مُضيفًا
بعض الخيارات «لو جبتلك طبق بسبوسة؟»
هتف رجب مُقررًا «سرك هيبجى فبير يا بشمهندز»
ضحك يونس بمرح غير معتاد ثم توقف متنهدًا يخبره ببهجة «شوف أنا أصلًا مبسوط وهدلعك»
فرك رجب كفيه متحمسًا وهو يرمي كلماته بخبث «بركاتك يا داكتورة فيروز»
هتف يونس بغيظ «مش هتبطل مكر الفلاحين ده يا رجب؟»
أجابه رجب بوداعة كاذبة «هو أنا جولت حاجة مش هي برضو السبب»
هز يونس رأسه قائلًا «هعديهالك»
ثم توقف عن الثرثرة يدندن برضا سعيدًا بما حققه.
****
مكتب «رؤوف الحفناوي»
استفسرت بحنق شديد «رامز هو الأستاذ هيتأخر؟»
أجابها كاتمًا ابتسامته المستمتعة بعذابها وحيرتها، شامتًا فيها «مش عارف والله من ساعة الجواز مواعيده اختلفت وبيجي بالعافية وأحيانا بيعمل الاجتماع زوم»
كتمت حنقها وغيرتها وعادت لمكتبها مُفكرة، لا تصدق ارتباطه بصديقتها ولا حبه الشديد لها ولا كيف خانتها غزل وأخذته منها، راسلته اللحظة فلم يُجيبها.. صمتت مُفكرة لا تستطيع نزعه من أفكارها ولا تجاهله، تريده بكل ذرة من كيانها ولا ترى غيره في الوجود..
أجاب على سلامها فكتبت «فينك يا بوص غيبت كتير »
أجابها بجدية «مشغول والله»
سألته بلهفة «هتيجي امتى؟ هتتأخر»
تعمد الآخر غيظها فكتب «هاجي لما أقدر أسيب صاحبتك ادعيلي أقدر»
أبعدت عينيها عن الهاتف كاتمةً صرخة غيظها من كلماته، ثم عادت للمحادثة ملتقطة أنفاسها «ربنا يهنيك يا بوص»
قهقه رؤوف باستمتاع وهو يعيد الهاتف لجيبه بينما نهضت لمياء ساحبة حقيبتها ومغادرة غير مهتمة بالنداءات ولا الهمهمات والابتسامات المتشفية.
دخلت المصعد زافرة بقنوط انتبه له الواقف باسترخاء يقلّب في هاتفه، ابتسم حين أبصرها قائلًا «ازيك يا لمياء»
التفتت تستوضح المُرحب الذي جعلها تستدير مُرحبة بالمثل «ازيك يا بشمهندس عبد الرحمن؟»
أجابها بترحاب شديد مانحًا لها كل انتباهه «ازيك أنتِ أخبارك جاية هنا ليه؟»
أجابته برقة «بشتغل هنا فمكتب الأستاذ رؤوف الحفناوي»
ابتسم لها قائلًا«آه سمعت عنه بيقولوا محامي شاطر»تنهدت بهيام مؤكدة قوله «أيوة شاطر جدًا»
ضحك غامزًا لها «إيه الصنارة غمزت؟»
أجابته بإحباطٍ ويأس «غمزت بس خدته سمكة تانية»
أجابها وبسمته تتلاشى ليحل محلها الشجن «خيرها فغيرها المهم أخبار غزل إيه؟»
لوت فمها قبل أن تضحك موضحة «ما غزل هي السمكة»
قطب بإنزعاج وهو يستفسر منها «مش فاهم؟»
أجابته بحقد شديد وغيظ حارق «غزل يا سيدي شقطت مني رؤوف الحفناوي واتجوزته»
فغر فمه بذهول قبل أن يُعلن صدمته «نعم!»
أكملت بارتياح لرد فعله فما أجمل أن تجد من يقاسمها الغضب والحقد ويجاريها فيما تشعر به من غيظ تجاه غزل
«عملت العملية وخفت واتجوزته ياسيدي بعد ما خدعتك أنت وأنا، يلا بقا »
اعتدل مستفسرًا بغضب شديد «أنتِ بتتكلمي جد..؟»
فُتح باب المصعد فتحركت قائلة «للأسف يا بشمهندس»
خرج معها من باب المصعد بعدما التقت نظراتهما بنظرات آخر كان يدخل المصعد ممتلئًا بالحماس وهو يثبت سماعات أذنه متغزلًا «لاه وحشتيني مش هطوّل هنزل كل أسبوع »
صرخ رؤوف في أذنه مُحذرًا بغلظة «تعالى يا طاهر وشوف هعمل فيك إيه؟»
دفعته غزل بعيدًا رافضة قراره«سيبه ينزل بيوحشني»
تهكم رؤوف بغيظ شديد «متشوفيش وحش يا أختي، ما أنتِ ليل نهار تكلميه»
ابتعدت عنه متأففة تؤكد على أخيها الذي يقهقه باستمتاع «طاهر متنساش تجبلي مرطب الشفايف بليز»عاد إليها صارخًا بغيرة حمقاء «بتطلبي منه ليه يجبلك ها؟ ومستأذنتنيش ليه جبل ما تطلبي من الأساس»
صرخت فيه مستنفذة هالكة بالعصبية من قوله وتحكمه فيها«يعني إيه استأذنك لما أطلب مرطب؟»
قال ببرود وهو ينظر إليها بتلك النظرة الجديدة عليها «هو مرطب عادي ده مرطب شفاة»
استنكرت قوله بغيظ شديد وحاجبها يرتفع سخطًا «تفرق إيه يعني مش فاهمة؟»
سحبها تجاهه من خصرها وقيد جسدها ليصبح أسيرًا لذراعيه ثم همس بالقرب من ثغرها«لازم أتأكد محتاجاه فعلا ولا بتدلعي يا هندسة، أنا راجل على باب الله»
بللت شفتيها وقالت بتوتر شديد واضطراب وهي تحاول الابتعاد عن مرمى أنفاسه الثائرة وتفك ذراعيه من حول خصرها «ودي هتعرفها إزاي مش فاهمة يا متر؟»
ابتسم هامسًا بخبث «كلك مفهومية يا هندسة وبعدين أنا شايف مش محتاجة بس التجربة خير دليل.»
شهقت متفاجئة بجرأته، تملصت ساخطة عليه تدفعه بعيدًا هاتفة بحنق «أنت قليل الأدب على فكرة»
تركها تهرب من حصاره قائلًا بضحكة «ماشي يابت الأصول» أغلقت الباب عليها فهتف يستفزها أكثر ويوترها «برضو هتأكد بنفسي ما أنا مش هدفع عمياني»
صاحت غاضبة منه بعدما قبضت على قلبها مشتاقًا إليه «أخويا الي هيجيب ويدفع» اقترب من باب حجرتها قائلًا بغيظ«أبو أخوكي»
*****
إصرار الزائر وضغطه المستمر على جرس الباب جعلها تسارع بفتحه
ففي هذا الوقت ينعزل الجميع بحجراتهم
دخل قائلًا «السلام عليكم آيات موجودة»
أجابته بعفوية «آه حضرتك مين؟»
أجاب وهو يتأملها بنظرة طويلة «أنا ابن عمتها وزي أخوها»
هزت رأسها مُرحبة به تشير للداخل «أهلًا بحضرتك هي موجودة اتفضل»
دخل المنزل متأملًا كل ركن فيه، يرمي نظراته في أرجائه بجرأة.. أدخلته غزل فوقف متسائلًا «هي فين؟»
أجابته ببساطة وهي تسير أمامه «هي فوق فشقتها» تأمل جسدها بوقاحة قبل أن يخبرها «طيب أنا هطلعلها»
عبست من نظراته المنفرة وأشارت له لتتخلص منه «اتفضل حضرتك»
صعد للأعلى، بينما غادرت هي صعدت خلفه لحجرة سماسم لتبقى معها قليلًا وتثرثر براحة.
بعد مرور ساعة.
صعدت الدرج تدندن بمزاج رائق، تتمايل قافزة مع نغمات فمها، نظر علاء للأسفل وهو يهبط، فابتسم حين رآها تلك المشوهة تمتلك جاذبية لا يعرف سببها لكنها مُهلكة، قطع مواصلة صعودها بجسده، سد طريقها فتوقفت ممتعضة تستفسر بغلظة «أبعد يا أخ في إيه؟»
تأملها بوقاحة قبل أن يسألها ببرود «أنتِ غزل مرات رؤوف»
هتفت بعصبية قاتمة وهي تحرقه بنظراتها الحادة «وأنت بتسأل ليه؟»
مرر نظراته الوقحة على وجهها قائلًا «بنتعرف يا بشمهندسة»
عقدت ذراعيها وتهكمت بنظرة مستحقرة مُهينة «ما أنت عندك علم من الحربؤة الي فوق بتسأل ليه بقا وفارد عضلاتك»
ضحك مستمتعًا بغضبها فصاحت بغضب «أبعد عايزة أطلع إيه القرف دا»
حاول إطالة الحديث معها فقاطعته بحدة «أمشي من قدامي علشان مش هيحصل كويس والله»
استفزها ببروده ونظراته الوقحة «هتعملي إيه؟»
صرخت مستغيثة «يا عمو يا طنط نجاة الحقيني» أفسح لها المجال وهو يضحك بتهكم قائلًا «خلاص يا هندسة مبحبش الخربشة»
انشغل بالنظر إليها بوقاحته المعتادة فنظرت إليه بتحدي وهي تمد قدمها أمامه بتلقائية وبساطة دون أن تجعله يحس أو ينتبه.. تعثرت خطواته، اهتز ثباته فسقط على ركبتيه متمسكًا بالجدار، ضحكت قائلة «خد بالك يا شاطر لتقع مش كل السلالم زي بعض»
نظر إليها بحدة وهو يعتدل فهزت كتفها باستهانة واحتقار ثم صعدت للأعلى غاضبة.
#انتهى
#عزف_السواقي
#عائشة_حسين
#كاتبة_صعيدية
3

