رواية جمر الجليد الجزء الثاني الفصل الثاني 2 بقلم شروق مصطفي
نهضت سيلا من فراشها بتكاسلٍ، تتثاقل في حركاتها كمن يحمل على عاتقه أثقالًا خفية. توجهت نحو الدولاب، ويدها تعبث بخصلات شعرها المتناثرة. قررت أن تبدل ملابسها وتخرج قليلاً علّها تجد في الهواء البارد متنفسًا لصداع الأفكار الذي يثقل رأسها. شعرت أن الجدران تضيق عليها، وكأنها قفص يكتم أنفاسها.
ارتدت كنزة ثقيلة أخرجتها من حقيبةٍ كانت قد أعدّتها على عجل قبل مغادرتها المنزل. ألقت نظرةً عابرة على نفسها في المرآة، ثم عقدت شعرها دون اهتمام. وبينما كانت تستعد للخروج، باغتها صوت دقٍّ على الباب، فتوقفت للحظة تملأها الدهشة والتساؤل.
اقتربت بحذر، وتمتمت بتوتر عن هوية الطارق حتى جاءها صوت رجلٍ بدا متحرجًا:
أسف على الإزعاج... أنا جارك في الشاليه اللي جانبك. الحقيقة النور قطع عندي وأنا كنت بغيّر لمبة، لكن حصلت قفلة. والأسوأ أن موبايلي فصل شحن. ممكن أستعير كشاف أو شمعة، ولو تسمحي أشحن الموبايل عندك؟ نص ساعة وأرجع آخده. آسف جدًا على الإزعاج.
أجابت سيلا بنبرة هادئة خالية من الاكتراث:
لا، ولا يهمك. هات الموبايل والشاحن، وهشوف إذا عندي كشاف أو شمعة. بس لحظة أقفل الباب.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، توجهت إلى الغرفة، ووضعت هاتفه على الشاحن. بحثت سريعًا بين أغراضها حتى وجدت كشافًا صغيرًا. عادت وفتحت الباب وهي تمد يدها بالكشاف، قائلة:
أتفضل.
ارتسمت على وجهه ابتسامة امتنان وقال:
ألف شكر! نص ساعة بالكثير وأرجع آخد الموبايل.
أومأت سيلا برأسها وأجابته بلا اهتمام:
مفيش مشكلة.
تراجع خطواته مبتعدًا، بينما ظلت هي تراقبه حتى اختفى عن ناظريها. أغلقت الباب خلفها، لكنها شعرت بحاجة ملحّة للخروج. دفعت باب الشاليه بخفة، استنشقت الهواء العليل، رغم لسعة البرد التي سرت في جسدها. الشتاء كان قاسياً، لكن البرد في الخارج بدا أكثر رحمة من برودة الفراغ داخلها.
جلست سيلا على مقعد صغير أخرجته من الشاليه، ووضعته على الرمال، مواجِهة البحر بأمواجه المتلاطمة التي تصطدم بالشاطئ بقوة، وكأنها تعكس ما يدور بداخلها من صراعات. ظلت تحدّق فيه بشرود، متأملةً قسوته التي رغم شدتها تحمل شيئًا من السكينة. تنهدت بعمق وهمست لنفسها بصوت خافت:
– أد اية الدنيا ما تسواش... كله بيجري ورا مال وشهوات أو أولاد، ونسى وجود ربنا، وأن ممكن في لحظة ننكسر، وما نقدرش نقوم تاني.
جالت بخاطرها ذكريات مؤلمة، وتذكرت ذلك الطمع الذي دفع عمّها لاقتسام ميراث أخيه مرتين، وكأن الموت لم يكن كافيًا لردعه. هزّت رأسها بأسى، وقالت داخليًا
"سبحانك يا رب، قادر على كل شيء... اللهم لا شماتة، لكن الحق أبدًا ما بيضيع".
تسللت إلى ذاكرتها يوم نزع السوار وركبت سيارتها بلا هدف، تقودها مشاعر متخبطة إلى طريق مجهول. لم تدرك أنها تجاوزت مدخل الإسكندرية إلا بعد أن أنهكها التعب، ولم يساعدها أنها ظلت دون طعام منذ الليلة السابقة. أضف إلى ذلك أنها قادت سيارتها لساعات طويلة دون راحة. أثناء القيادة، شعرت بصداع حاد وبدأت تبحث عن دوائها في حقيبتها، تاركة عجلة القيادة دون انتباه. وفي لحظة فقدت السيطرة على السيارة، فانحرفت يمينًا، واصطدمت برصيف الطريق.
كانت الضربة عنيفة لدرجة أن رأسها اصطدم بالمقود، وصوت بوق السيارة ظل عالقًا حتى توقّف أخيرًا عند وصول شرطي المرور الذي أسرع إليها. بعد أن قدّم لها الإسعافات الأولية، طالبًا من زميله مساعدته في نقلها إلى أقرب مستشفى.
قضت سيلا تلك الليلة في غرفة المشفى، معلق لها محاليل تغذية، بينما كان الأطباء يشكّون في حالتها. هاتفها كان مغلقًا بكلمة سر، ولم يتمكن أحد من الوصول إلى أهلها. نامت سيلا، مثقلة بالإرهاق والوجع.
في صباح اليوم التالي، دخل الطبيب إلى غرفتها للاطمئنان عليها، مبتسمًا بلطف:
– حمد لله على السلامة يا آنسة. عاملة أية دلوقتي؟
تحسست سيلا جبينها الملفوف بضماد، حيث ترك الاصطدام خدشًا بسيطًا. ردّت بصوت خافت:
– الحمد لله يا دكتور، ممكن تكتب لي على الخروج؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مائلة للقلق وقال:
– ممكن، لكن الأفضل تفضلي يومين كمان. عندي شكوك لازم أتأكد منها بتحاليل وأشعة. وممكن نتواصل مع أهلك ليطمنوا عليك.
أجابت سيلا كاذبة وهي تحاول إنهاء الحديث:
– شكوكك في محلها، أنا متابعة حالتي مع طبيبي الخاص.
ظهرت علامات الاطمئنان على وجه الطبيب، لكنه استفسر بحذر:
– تمام، كده وفّرتِ علي كتير. لكن إنتِ في أي مرحلة؟ لازم التدخل الجراحي بأسرع وقت.
ابتلعت سيلا ريقها، تحاول إخفاء ارتباكها، وقالت:
– أكيد طبعا، أنا ماشية مع طبيبي، وعلى علم بكل شيء. بس أرجوك، اكتب لي على الخروج.
هزّ الطبيب رأسه، وقال بصوت يشوبه عدم الاقتناع:
– زي ما تحبي. هكتبلك على الخروج، وبعد نص ساعة تقدري تمشي.
خرج الطبيب، فنهضت سيلا من على الفراش بإرهاق. التقطت حقيبتها ومفاتيح سيارتها، وخرجت من الغرفة متجهة نحو قسم الحسابات لإنهاء باقي الإجراءات. لكن قبل أن تصل، لفت انتباهها صوت بكاء مألوف قادم من الغرفة المجاورة. توقفت، وتسللت نظراتها نحو الباب الموارب.
رأت عمّها طريح الفراش، إلى جواره زوجته تنتحب بحرقة. اقتربت أكثر، حتى انتبهت زوجة عمها لوجودها. رفعت رأسها، وقالت بوجع ممزوج بالدموع:
– سيلا... إنتِ هنا عشان تشوفي اللي حصل لعمك؟
لم تتفوّه سيلا بكلمة، بل اكتفت بهزّ رأسها إيجابًا.
تابعت زوجة عمها حديثها، وكأنها تتحدث إلى نفسها:
– شوفتي اللي وصلنا له؟ ابني... آه يا قلبي على ابني. مات وهو لسه في عز شبابه! وعمك، زي ما شايفة، من يومها اتشل ومش بينطق. ربنا يعاقبنا على اللي عملناه.
وضعت يدها على رأسها وهي تواصل بكاءها:
– ظلمناكم، ظلمنا أبوكِ... ومات وهو مش مسامحنا. كل حاجة ضاعت. ابني مات بسبب اللي كان بيشربه... وكل اللي أخدناه راح.
ربتت سيلا على كتفها بحنان، وقالت بهدوء:
– ربنا بيغفر وبيسامح لما نرجع له بتوبة صادقة. وأنا وبابا مسامحينكم من زمان. ربنا يعينكم ويخفف عنكم.
تركت سيلا عمها واقتربت منه بحنو، تحاول تهدئته بينما يحاول هو جاهدًا النطق بكلمات تتعثر في حلقه. شفتيه المرتجفتان حاولتا صياغة جملة لكنها خرجت بصوت متقطع:
"أم... أممم..."
ربتت سيلا على كتفه بحنان وهمست بصوت دافئ:
"ما تتعبش نفسك... أنا مسمحاك، وبابا كمان مسامحك. ربنا يقومك بالسلامة قريب."
ثم انحنت لتطبع قبلة على جبينه، ونهضت لتحتضن زوجة عمها برفق:
"ربنا يشفيه ويخفف عنكم... ويرحم محمود."
غادرت المكان بخطوات ثقيلة، مشغولة بشرودها وأفكارها التي حملتها بعيدًا. فجأة، شعرت بقشعريرة باردة سرت في جسدها، وكأنها نذير خطر غير مرئي. التفتت لتغادر، لكن صوت خطوات خلفها جعلها تنتفض. استدارت لتجد ظل شخص يقترب منها.
شهقت سيلا وارتدت للخلف بدهشة، تحاول التقاط أنفاسها:
"هاه! هو... هو أنت؟ جيت إمتى؟"
ابتسم الشاب بحرج ورفع يديه كإشارة للاعتذار:
"آسف... آسف جدًا! مش قصدي أخوفك. أنا جيت وخبطت على الباب، بس محدش رد. شفتك قاعدة قدام البحر... فقلت ممكن أجي أتكلم معاكي. آسف مرة تانية."
تنهدت سيلا بارتياح وحاولت أن تهدأ:
"ولا يهمك."
ابتسم الشاب بلطف ومد يده معرفًا بنفسه:
"أنا مازن."
ردت سيلا بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها:
"وأنا سيلا."
تأملها مازن بنظرات متفحصة، وكأنه يحاول أن يفك لغزًا ما:
"تشرفت بمعرفتك... بس حاسس إني شفتك قبل كده. شكلك مش غريب عليا."
حاولت سيلا التهرب منه بنظرات مضطربة:
"ما أعتقدش. مع السلامة."
لكن إصرار مازن ازداد وهو يلاحق أفكاره:
"لا، متأكد إنك مش غريبة عليا... يمكن كنتي مع حد أو في مكان. هحاول أفتكر."
لم تستطع سيلا احتمال المزيد. تقدمت بخطوات سريعة، محاولة الهروب من نظراته المتسائلة. عندما ابتعدت، لاحظت ظلًا أسود يتحرك بجانب الشاليه الخاص بها. ارتعشت أوصالها من الخوف، وخفق قلبها بشدة. بدأت تركض كأنها في سباق مع الرعب، حتى وصلت إلى الشاليه ودخلته بسرعة.
أغلقت الباب بإحكام، وألقت هاتفها على الطاولة دون أن تمنحه فرصة لقول كلمة. ثم سارعت بإغلاق النوافذ كلها، وكأنها تحاول أن تبني حصنًا يحميها من العالم الخارجي تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة ومسحت جبينها المبلل بالعرق، رغم برودة الجو.
بعد أن هدأت قليلًا، توجهت إلى المطبخ لإعداد وجبة خفيفة. قامت بتسخين القليل من الشوربة وأضفت إليها قطعتي لحم، ثم تناولتها بصمت. بعد ذلك، أخذت دواءها وحاولت أن تنام. وكعادتها، احتضنت نفسها كما يفعل الجنين في رحم أمه، حتى غلبها النعاس ببطء.
…
أُغلق الباب في وجه مازن قبل أن يتمكن حتى من شكرها. وقف للحظة مذهولًا من تصرفها، يحمل هاتفه الذي أعادته إليه دون كلمة. كان في نيته شكرها، لكنّ تعبيرات وجهها وتوترها جعلاه يتراجع. تأمل باب الشاليه المغلق للحظة، ثم ابتسم بخفة، وكأنّ تصرفها حمل في طياته سرًا ما. بدا عليه أنها مرتعبة أو تهرب من شيء ما، خاصة مع هيئتها الحزينة التي لم تفارقه. قرر في نفسه أن يسألها صباحًا عن ذلك.
..
في مشهد آخر، كانت سيلا وعاصم يلهوان داخل مياه البحر. ضحكاتهما العالية امتزجت بصوت الأمواج، وملأت أرجاء المكان بالمرح. بعثرت سيلا الماء بيديها على وجهه بسعادة طفولية، وهو يرد عليها بضحكات مفعمة بالحياة:
"والله ما أنا سايبك!"
استمر في رش الماء عليها، بينما هي تبتعد للوراء محاولًة تفاديه، وضحكاتها تملأ الأجواء:
"كفاية! حرمت خلاص، خلاص!"
هدآ قليلًا، والضحكات بدأت تخفت. اقترب عاصم منها وأمسك يدها، ونظر إلى عينيها بشوق وسعادة لا توصف. كل كلمة نطقها خرجت من أعماق قلبه:
"أنا بحبك أوي."
نظرت إليه سيلا، ثم فجأة رفعت صوتها عاليًا، كأنها تصرخ للعالم أجمع:
"وأنا... مش بحبك!"
تفاجأ عاصم من ردها، حدق بها بدهشة:
"بتقولي إيه؟!"
لكنها بسطت ذراعيها للأعلى، وابتسامتها أضاءت وجهها كما لم تفعل من قبل. قفزت عاليًا على سطح المياه وهي تصرخ:
"أنا بعشقك!"
ثم خفضت صوتها بهدوء، واقتربت منه وأمسكت يده. أخذت كفه وأشارت به نحو قلبها، وابتسمت برقة:
"أنت بقيت هنا... وأنا معاك بحس بالأمان اللي كنت بدور عليه. أوعدني... ما تسبنيش يا عاصم، أوعدني!"
رد عليها بنفس الشوق واللهفة، وعينيه تشعان حبًا:
"مش هسيبك. أنت حياتي، أنت النفس اللي بتنفسه. عرفت طعم حياتي معاكي، وعمري ما هسيبك."
صاحت سيلا بصوت مرتفع، وكأنها تطلب تأكيدًا:
"أوعدني!"
رد عليها عاصم، وهو يشدد بيده على يدها في وسط البحر الذي كانت أمواجه ترفعهم وتخفضهم:
"أوعدك. هتفضلي معايا وجانبي دايمًا."
شعرت سيلا بطفولة غامرة تجتاحها. فجأة سحبت يدها منه، ورجعت للخلف وسط موجة من الضحك. قهقهت بصوت عالٍ، ثم بعثرت الماء بوجهه مجددًا:
"طب خد دي بقى!"
ابتعدت عنه بسرعة، وهو يقترب منها بتوعد، مهددًا بابتسامة ماكرة:
"تعالي هنا! رايحة فين؟! أنت فصيلة كده على طول!"
وسط ضحكاتها وسعادتها، لم تلاحظ سيلا ارتفاع مستوى المياه وسحبها نحو الداخل. ظلت تلهو وتزيد من حماسها:
"مش هتقدر تمسكني!"
لكن فجأة قطعت حديثها عندما شعرت بدوار البحر. شهقت، وحاولت الصراخ:
"الحقني! أنا بغرق! الحقني!"
في البداية، ظنها عاصم تمزح كالعادة. لكنها كانت تبتعد عنه بسرعة. أدرك أن الأمر حقيقي عندما سمع صراخها المتوسل:
"عاااااصم! ما تسبنيش! أنت وعدتني!"
رآها تغرق، تصعد وتختفي، تستنشق أنفاسًا متقطعة قبل أن تسقط مجددًا إلى الماء. ظل يصرخ بجنون:
"مش هسيبك يا سيلا! سيلا! لآاااه!"
غطس في الماء، يبحث عنها بجنون، يقفز إلى السطح لالتقاط أنفاسه ثم يغوص مجددًا. صوتها يستغيث به في رأسه:
"ما تسبنيش، عاصم! أنت وعدتني!"
لكنه لم يجدها.
...
ارتدت كنزة ثقيلة أخرجتها من حقيبةٍ كانت قد أعدّتها على عجل قبل مغادرتها المنزل. ألقت نظرةً عابرة على نفسها في المرآة، ثم عقدت شعرها دون اهتمام. وبينما كانت تستعد للخروج، باغتها صوت دقٍّ على الباب، فتوقفت للحظة تملأها الدهشة والتساؤل.
اقتربت بحذر، وتمتمت بتوتر عن هوية الطارق حتى جاءها صوت رجلٍ بدا متحرجًا:
أسف على الإزعاج... أنا جارك في الشاليه اللي جانبك. الحقيقة النور قطع عندي وأنا كنت بغيّر لمبة، لكن حصلت قفلة. والأسوأ أن موبايلي فصل شحن. ممكن أستعير كشاف أو شمعة، ولو تسمحي أشحن الموبايل عندك؟ نص ساعة وأرجع آخده. آسف جدًا على الإزعاج.
أجابت سيلا بنبرة هادئة خالية من الاكتراث:
لا، ولا يهمك. هات الموبايل والشاحن، وهشوف إذا عندي كشاف أو شمعة. بس لحظة أقفل الباب.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، توجهت إلى الغرفة، ووضعت هاتفه على الشاحن. بحثت سريعًا بين أغراضها حتى وجدت كشافًا صغيرًا. عادت وفتحت الباب وهي تمد يدها بالكشاف، قائلة:
أتفضل.
ارتسمت على وجهه ابتسامة امتنان وقال:
ألف شكر! نص ساعة بالكثير وأرجع آخد الموبايل.
أومأت سيلا برأسها وأجابته بلا اهتمام:
مفيش مشكلة.
تراجع خطواته مبتعدًا، بينما ظلت هي تراقبه حتى اختفى عن ناظريها. أغلقت الباب خلفها، لكنها شعرت بحاجة ملحّة للخروج. دفعت باب الشاليه بخفة، استنشقت الهواء العليل، رغم لسعة البرد التي سرت في جسدها. الشتاء كان قاسياً، لكن البرد في الخارج بدا أكثر رحمة من برودة الفراغ داخلها.
جلست سيلا على مقعد صغير أخرجته من الشاليه، ووضعته على الرمال، مواجِهة البحر بأمواجه المتلاطمة التي تصطدم بالشاطئ بقوة، وكأنها تعكس ما يدور بداخلها من صراعات. ظلت تحدّق فيه بشرود، متأملةً قسوته التي رغم شدتها تحمل شيئًا من السكينة. تنهدت بعمق وهمست لنفسها بصوت خافت:
– أد اية الدنيا ما تسواش... كله بيجري ورا مال وشهوات أو أولاد، ونسى وجود ربنا، وأن ممكن في لحظة ننكسر، وما نقدرش نقوم تاني.
جالت بخاطرها ذكريات مؤلمة، وتذكرت ذلك الطمع الذي دفع عمّها لاقتسام ميراث أخيه مرتين، وكأن الموت لم يكن كافيًا لردعه. هزّت رأسها بأسى، وقالت داخليًا
"سبحانك يا رب، قادر على كل شيء... اللهم لا شماتة، لكن الحق أبدًا ما بيضيع".
تسللت إلى ذاكرتها يوم نزع السوار وركبت سيارتها بلا هدف، تقودها مشاعر متخبطة إلى طريق مجهول. لم تدرك أنها تجاوزت مدخل الإسكندرية إلا بعد أن أنهكها التعب، ولم يساعدها أنها ظلت دون طعام منذ الليلة السابقة. أضف إلى ذلك أنها قادت سيارتها لساعات طويلة دون راحة. أثناء القيادة، شعرت بصداع حاد وبدأت تبحث عن دوائها في حقيبتها، تاركة عجلة القيادة دون انتباه. وفي لحظة فقدت السيطرة على السيارة، فانحرفت يمينًا، واصطدمت برصيف الطريق.
كانت الضربة عنيفة لدرجة أن رأسها اصطدم بالمقود، وصوت بوق السيارة ظل عالقًا حتى توقّف أخيرًا عند وصول شرطي المرور الذي أسرع إليها. بعد أن قدّم لها الإسعافات الأولية، طالبًا من زميله مساعدته في نقلها إلى أقرب مستشفى.
قضت سيلا تلك الليلة في غرفة المشفى، معلق لها محاليل تغذية، بينما كان الأطباء يشكّون في حالتها. هاتفها كان مغلقًا بكلمة سر، ولم يتمكن أحد من الوصول إلى أهلها. نامت سيلا، مثقلة بالإرهاق والوجع.
في صباح اليوم التالي، دخل الطبيب إلى غرفتها للاطمئنان عليها، مبتسمًا بلطف:
– حمد لله على السلامة يا آنسة. عاملة أية دلوقتي؟
تحسست سيلا جبينها الملفوف بضماد، حيث ترك الاصطدام خدشًا بسيطًا. ردّت بصوت خافت:
– الحمد لله يا دكتور، ممكن تكتب لي على الخروج؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مائلة للقلق وقال:
– ممكن، لكن الأفضل تفضلي يومين كمان. عندي شكوك لازم أتأكد منها بتحاليل وأشعة. وممكن نتواصل مع أهلك ليطمنوا عليك.
أجابت سيلا كاذبة وهي تحاول إنهاء الحديث:
– شكوكك في محلها، أنا متابعة حالتي مع طبيبي الخاص.
ظهرت علامات الاطمئنان على وجه الطبيب، لكنه استفسر بحذر:
– تمام، كده وفّرتِ علي كتير. لكن إنتِ في أي مرحلة؟ لازم التدخل الجراحي بأسرع وقت.
ابتلعت سيلا ريقها، تحاول إخفاء ارتباكها، وقالت:
– أكيد طبعا، أنا ماشية مع طبيبي، وعلى علم بكل شيء. بس أرجوك، اكتب لي على الخروج.
هزّ الطبيب رأسه، وقال بصوت يشوبه عدم الاقتناع:
– زي ما تحبي. هكتبلك على الخروج، وبعد نص ساعة تقدري تمشي.
خرج الطبيب، فنهضت سيلا من على الفراش بإرهاق. التقطت حقيبتها ومفاتيح سيارتها، وخرجت من الغرفة متجهة نحو قسم الحسابات لإنهاء باقي الإجراءات. لكن قبل أن تصل، لفت انتباهها صوت بكاء مألوف قادم من الغرفة المجاورة. توقفت، وتسللت نظراتها نحو الباب الموارب.
رأت عمّها طريح الفراش، إلى جواره زوجته تنتحب بحرقة. اقتربت أكثر، حتى انتبهت زوجة عمها لوجودها. رفعت رأسها، وقالت بوجع ممزوج بالدموع:
– سيلا... إنتِ هنا عشان تشوفي اللي حصل لعمك؟
لم تتفوّه سيلا بكلمة، بل اكتفت بهزّ رأسها إيجابًا.
تابعت زوجة عمها حديثها، وكأنها تتحدث إلى نفسها:
– شوفتي اللي وصلنا له؟ ابني... آه يا قلبي على ابني. مات وهو لسه في عز شبابه! وعمك، زي ما شايفة، من يومها اتشل ومش بينطق. ربنا يعاقبنا على اللي عملناه.
وضعت يدها على رأسها وهي تواصل بكاءها:
– ظلمناكم، ظلمنا أبوكِ... ومات وهو مش مسامحنا. كل حاجة ضاعت. ابني مات بسبب اللي كان بيشربه... وكل اللي أخدناه راح.
ربتت سيلا على كتفها بحنان، وقالت بهدوء:
– ربنا بيغفر وبيسامح لما نرجع له بتوبة صادقة. وأنا وبابا مسامحينكم من زمان. ربنا يعينكم ويخفف عنكم.
تركت سيلا عمها واقتربت منه بحنو، تحاول تهدئته بينما يحاول هو جاهدًا النطق بكلمات تتعثر في حلقه. شفتيه المرتجفتان حاولتا صياغة جملة لكنها خرجت بصوت متقطع:
"أم... أممم..."
ربتت سيلا على كتفه بحنان وهمست بصوت دافئ:
"ما تتعبش نفسك... أنا مسمحاك، وبابا كمان مسامحك. ربنا يقومك بالسلامة قريب."
ثم انحنت لتطبع قبلة على جبينه، ونهضت لتحتضن زوجة عمها برفق:
"ربنا يشفيه ويخفف عنكم... ويرحم محمود."
غادرت المكان بخطوات ثقيلة، مشغولة بشرودها وأفكارها التي حملتها بعيدًا. فجأة، شعرت بقشعريرة باردة سرت في جسدها، وكأنها نذير خطر غير مرئي. التفتت لتغادر، لكن صوت خطوات خلفها جعلها تنتفض. استدارت لتجد ظل شخص يقترب منها.
شهقت سيلا وارتدت للخلف بدهشة، تحاول التقاط أنفاسها:
"هاه! هو... هو أنت؟ جيت إمتى؟"
ابتسم الشاب بحرج ورفع يديه كإشارة للاعتذار:
"آسف... آسف جدًا! مش قصدي أخوفك. أنا جيت وخبطت على الباب، بس محدش رد. شفتك قاعدة قدام البحر... فقلت ممكن أجي أتكلم معاكي. آسف مرة تانية."
تنهدت سيلا بارتياح وحاولت أن تهدأ:
"ولا يهمك."
ابتسم الشاب بلطف ومد يده معرفًا بنفسه:
"أنا مازن."
ردت سيلا بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها:
"وأنا سيلا."
تأملها مازن بنظرات متفحصة، وكأنه يحاول أن يفك لغزًا ما:
"تشرفت بمعرفتك... بس حاسس إني شفتك قبل كده. شكلك مش غريب عليا."
حاولت سيلا التهرب منه بنظرات مضطربة:
"ما أعتقدش. مع السلامة."
لكن إصرار مازن ازداد وهو يلاحق أفكاره:
"لا، متأكد إنك مش غريبة عليا... يمكن كنتي مع حد أو في مكان. هحاول أفتكر."
لم تستطع سيلا احتمال المزيد. تقدمت بخطوات سريعة، محاولة الهروب من نظراته المتسائلة. عندما ابتعدت، لاحظت ظلًا أسود يتحرك بجانب الشاليه الخاص بها. ارتعشت أوصالها من الخوف، وخفق قلبها بشدة. بدأت تركض كأنها في سباق مع الرعب، حتى وصلت إلى الشاليه ودخلته بسرعة.
أغلقت الباب بإحكام، وألقت هاتفها على الطاولة دون أن تمنحه فرصة لقول كلمة. ثم سارعت بإغلاق النوافذ كلها، وكأنها تحاول أن تبني حصنًا يحميها من العالم الخارجي تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة ومسحت جبينها المبلل بالعرق، رغم برودة الجو.
بعد أن هدأت قليلًا، توجهت إلى المطبخ لإعداد وجبة خفيفة. قامت بتسخين القليل من الشوربة وأضفت إليها قطعتي لحم، ثم تناولتها بصمت. بعد ذلك، أخذت دواءها وحاولت أن تنام. وكعادتها، احتضنت نفسها كما يفعل الجنين في رحم أمه، حتى غلبها النعاس ببطء.
…
أُغلق الباب في وجه مازن قبل أن يتمكن حتى من شكرها. وقف للحظة مذهولًا من تصرفها، يحمل هاتفه الذي أعادته إليه دون كلمة. كان في نيته شكرها، لكنّ تعبيرات وجهها وتوترها جعلاه يتراجع. تأمل باب الشاليه المغلق للحظة، ثم ابتسم بخفة، وكأنّ تصرفها حمل في طياته سرًا ما. بدا عليه أنها مرتعبة أو تهرب من شيء ما، خاصة مع هيئتها الحزينة التي لم تفارقه. قرر في نفسه أن يسألها صباحًا عن ذلك.
..
في مشهد آخر، كانت سيلا وعاصم يلهوان داخل مياه البحر. ضحكاتهما العالية امتزجت بصوت الأمواج، وملأت أرجاء المكان بالمرح. بعثرت سيلا الماء بيديها على وجهه بسعادة طفولية، وهو يرد عليها بضحكات مفعمة بالحياة:
"والله ما أنا سايبك!"
استمر في رش الماء عليها، بينما هي تبتعد للوراء محاولًة تفاديه، وضحكاتها تملأ الأجواء:
"كفاية! حرمت خلاص، خلاص!"
هدآ قليلًا، والضحكات بدأت تخفت. اقترب عاصم منها وأمسك يدها، ونظر إلى عينيها بشوق وسعادة لا توصف. كل كلمة نطقها خرجت من أعماق قلبه:
"أنا بحبك أوي."
نظرت إليه سيلا، ثم فجأة رفعت صوتها عاليًا، كأنها تصرخ للعالم أجمع:
"وأنا... مش بحبك!"
تفاجأ عاصم من ردها، حدق بها بدهشة:
"بتقولي إيه؟!"
لكنها بسطت ذراعيها للأعلى، وابتسامتها أضاءت وجهها كما لم تفعل من قبل. قفزت عاليًا على سطح المياه وهي تصرخ:
"أنا بعشقك!"
ثم خفضت صوتها بهدوء، واقتربت منه وأمسكت يده. أخذت كفه وأشارت به نحو قلبها، وابتسمت برقة:
"أنت بقيت هنا... وأنا معاك بحس بالأمان اللي كنت بدور عليه. أوعدني... ما تسبنيش يا عاصم، أوعدني!"
رد عليها بنفس الشوق واللهفة، وعينيه تشعان حبًا:
"مش هسيبك. أنت حياتي، أنت النفس اللي بتنفسه. عرفت طعم حياتي معاكي، وعمري ما هسيبك."
صاحت سيلا بصوت مرتفع، وكأنها تطلب تأكيدًا:
"أوعدني!"
رد عليها عاصم، وهو يشدد بيده على يدها في وسط البحر الذي كانت أمواجه ترفعهم وتخفضهم:
"أوعدك. هتفضلي معايا وجانبي دايمًا."
شعرت سيلا بطفولة غامرة تجتاحها. فجأة سحبت يدها منه، ورجعت للخلف وسط موجة من الضحك. قهقهت بصوت عالٍ، ثم بعثرت الماء بوجهه مجددًا:
"طب خد دي بقى!"
ابتعدت عنه بسرعة، وهو يقترب منها بتوعد، مهددًا بابتسامة ماكرة:
"تعالي هنا! رايحة فين؟! أنت فصيلة كده على طول!"
وسط ضحكاتها وسعادتها، لم تلاحظ سيلا ارتفاع مستوى المياه وسحبها نحو الداخل. ظلت تلهو وتزيد من حماسها:
"مش هتقدر تمسكني!"
لكن فجأة قطعت حديثها عندما شعرت بدوار البحر. شهقت، وحاولت الصراخ:
"الحقني! أنا بغرق! الحقني!"
في البداية، ظنها عاصم تمزح كالعادة. لكنها كانت تبتعد عنه بسرعة. أدرك أن الأمر حقيقي عندما سمع صراخها المتوسل:
"عاااااصم! ما تسبنيش! أنت وعدتني!"
رآها تغرق، تصعد وتختفي، تستنشق أنفاسًا متقطعة قبل أن تسقط مجددًا إلى الماء. ظل يصرخ بجنون:
"مش هسيبك يا سيلا! سيلا! لآاااه!"
غطس في الماء، يبحث عنها بجنون، يقفز إلى السطح لالتقاط أنفاسه ثم يغوص مجددًا. صوتها يستغيث به في رأسه:
"ما تسبنيش، عاصم! أنت وعدتني!"
لكنه لم يجدها.
...
