اخر الروايات

رواية حصنك الغائب الفصل الثالث عشر 13 بقلم دفنا عمر

رواية حصنك الغائب الفصل الثالث عشر 13 بقلم دفنا عمر


رواية حصنك الغائب 
بقلم دفنا عمر
الفصل الثالث عشر
************

+


بعد صعودهما للغرف طمعًا بنيل قسطًا من الراحة، استعدادًا لسهرة عائلية جائعة نفوسهم إليها بعد سنوات غربتهم.. تمتمت عبير وهي تعلق بعض ملابسهما بالخزانة: 

+


استقبال عيلتك حاجة تفرح وتشرف يامحمد.. ماتتصورش ازاي مبسوطة بيهم.. وولادنا باين عليهم الراحة هما كمان.. محمود اندمج جدا مع عابد، وزمزم مع جوري وعطر بنت خالتها، وانا حبيت كريمة جدا.. ومع إني كنت مضايقة إن لسه تشطيبات فيلتنا مش خلصت وإننا هنضطر نقضي وقت عند أخوك أدهم.. بس دلوقت مش عايزة بيتنا يخلص أصلا.. عشان نفضل معاهم شوية! 

+


ربت على ظهرها ومازالت ترتب أشيائهما بالخزانة، وتمتم وهو يتجه لفراشه: أنا كنت عارف إنكم هترتاحوا هنا.. أحنا محتاجين لمتهم دي وهما كمان فرحانين بينا اوي..! وأستطرد بتساؤل شابه القلق: 
بس تعرفي ياعبير.. في حاجة مش مريحاني في نظرات أدهم وعاصم اما سألت عن بلقيس ويزيد.. عاصم بالذات كأن في حاجة مش مظبوطة وبيداري، ومراته "دُرة" المفروض تكون متواجدة في التجمع ده

+


أردفت وهي تستدير لتجلس جواره: أحتمال يكون في مشكلة وهما طبيعي مش هيقولوا عليها كده اول ماتوصل.. بس بلاش قلق يامحمد اما تجتمع بيهم اسألهم واطمن. وبإذن الله خير ماتقلقش..ربنا يجيب العواقب سليمة!

+


أومأ برأسه وبدأت أجفانه تثقُل رويدًا وتتراخى، حتى غفى دون أن ييمدد بجسده بشكل مريح، فحركته زوجته برفق لتصبح نومته مريحة، واستلقت على ظهرها تشتاق نومة عميقة هي الأخرى.. فالنوم جافاها لأيام قُبيل سفرهما من أوكرانيا.. انشغالا بشراء الهدايا وترتيب الحقائب وإنجاز الكثير من الأشياء الأخرى! 
____________________________

+


غفى صغيرها، وحاولت النوم هي الأخرى فعاندها سلطانه، نهضت بحذر من جانب مهند وولجت شرفة غرفتها لتلفحها نسمات باردة معبئة بروائح طيبة.. فتشربت حدقتيها جمال الحديقة الخضراء وما أروعها من منظر، وتسائلت بانبهار من يشرف عليها يا تُرى؟! 

+


وأثناء تأملها الهاديء من شرفتها لمحها عابد الذي كان ينقل بعض حاملات النباتات الخضراء، متوجهًا لزاوية جلوسهم المعدة مسبقًا لسهرتهم الليلة گجلسة تليق بتجمع العائلة بعد غياب.. أشار لها بكفه إن كان هناك ما يزعجها.. فهزت رأسها بالنفي.. فأشار لها مرة أخرى بطريقة أخبرتها أنه يقترح عليها أن تأتي وتشاركهم ما يفعلون.. فراقها الأقتراح كثيرا، وأشارت له بأبهام كفها بحماس لفركته أنها ستأتي لتنضم إليهم وتشارك مايفعلون..! 

+


بعد دقائق.. أتت فقابلها عابد بدعابة: 
إيه رأيك في لغة الإشارة اللي اتكلمنا بيها من شوية؟

+


ضحكت ضحكة قصيرة: ودي حاجة اكتشفتها في نفسي.. طلع لغة الأشارة مش صعبة.. وأصلا أنا مقدرش اتكلم مهند كان هيصحى ويعيط! 

+



                
_ لأ كله إلا قلق نوم البرنس مهند اللي هيبقي لعبتنا كلنا.. وواصل: ربنا يحفظه ليكي! 

+


أردفت بود: شكرا ياعابد.. ها؟ قولي بقى أساعدكم إزاي عشان مش اعطلكم؟

+


_ بصي أنا هطلع فوق الشجرة وانتي ناوليني اللي اطلبه! 
وافقته وبالفعل تسلق الشجرة الفارعة وراح يمرر فرع الإضاءة الملون من بين جزوعها.. ثم نزل وتسلق أخرى وهكذا.. فتسائلت زمزم: 

+


هو فين جوري وعطر مش بيساعدوكم ليه؟
أجاب: عطر هتيجي بالليل عشان باباها هيوصل انهارة من القاهرة، كان بقاله فترة هناك وواحشها وهو كمان جاي بالليل.. جوري هناك أهي مع ياسين بتوزع الورد على الطاولات، أصل احنا ناويين نقلب الجنينة كافيه وهندفع الكل بالليل حق المشاريب.

+


ضحكت برقة: واضح انكم بتنظموا سهرة تحفة..وأنا مستعدة للفاتورة بتاعتي، بس اعملوا حساب ابني في زبادي..فأكمل عابد مازحًا: لا انا عازمك انتي وعمي ومرات عمي ومهند.. بس اخوكي محمود بس اللي هيدفع لنفسه

+


قهقهت مرة أخرى وواصلت وهي تتابع بعيناها مشاكسات جوري مع الأخر: أختك وابن خالتك شكلهم بيتخانقوا ولا إيه..! 

+


التفت ليبصرهم، فوجد ياسين يمسك زجاجة و ينثر المياة على جوري التي تصرخ ليكف عن ما يفعل! فهتف عابد ساخرًا: متحطيش في بالك يازمزم، هو كل عيلة كده لازم يبقى فيها أتنين معاتيه! ( ضحكت بخفوت لتعقيبه الساخر) فاستأنف: 

+


على فكرة " ياسين " يبقى أخو عطر.. هو لسه جاي هيقضي معانا لحد بكرة وراجع القاهرة.. أصله شغال دلوقت مع اخويا يزيد في القاهرة! 

+


هزت رأسها بتفهم متمنية التوفيق للجميع، فتسائل: بس انتي ليه معرفتيش تنامي زي الباقيين؟! في حاجة مش مريحة في "أوضتك"؟

+


نفت على الفور: لأ طبعا بالعكس دي جميلة ومريحة.. بس انا فيا عيب رخم شوية.. لو غيرت مكاني مش بنام بسهولة.. لازم اتعود على المكان! 

+


وافقها قائلا: أنا توقعت كده.. كتير بيحتاجوا ياخدوا على المكان لو جديد عليهم.. عموما أكيد بالليل بعد سهرتنا هتحسي بإرهاق وهتنامي نوم عميق! 

+


_ أيوة بس المهم الأستاذ مهند يسبني وقتها.. أصله بيحب يسهر بالليل! 

+


كان قد انتهي من تعليق أخر فرع إضاءة، فقفز بخفة وانتصب على قدميه وهتف: 
لا ماتقلقيش خالص.. لو صحي ابقي هاتيه هتلاقي هنا ميت واحد ياخدوا منك ويلاعبوا.. وأنا أولهم! 

+


ابتسمت بامتنان: شكرا ياعابد..!

+


صدح صوت جوري عاليًا بتلك اللحظة: 
_ ياسين ماتعصبنيش.. بطل رش مية علية بقولك، ثم راحت تستغيث بشقيقها ( ياعابد حوش ابن خالتك المجنون ده غرقني وهاخد برد بسببه)

+


توجه عابد وزمزم إليهما وقال الأول : أنت مش هتعقل يا ياسين؟! بترشها بالمية ليه؟

+


ياسين بحنق: عشان الزئردة اختك صورتني وانا باكل سندوتش والصورة عار بقولها امسحيها مش راضية وقالت هتبعتها ليزيد اخوك.. وطبعا اخوك هيوريها لأحمد، ويستلموني تريقة بقي الاتنين أما ارجع بكرة، يبقي تستاهل ولا لأ؟ وواصل بتحذير مضحك: وخليك حقاني وانسى أنها اختك! 

+



        

          

                
جوري بتهكم وهي تضع كفيها بوسط خصرها: ينسى إني إيه؟! يعني يتبرى مني عشان ترتاح؟
تراقب زمزم باستمتاع وصمت ما يحدث، فتمتم عابد بهدوء مريب غير معهود به: وانت عارفني حقاني يا ابو السيد..والتفت لشقيقته يؤنبها: عيب ياجوري كده، ابن خالتك وأكبر منك ومايصحش كده! هاتي الفون وأنا اللي هلغي الصورة.. رمقته بذهول، فصرخ عليها: بقولك هاتي الفون! 

+


حدجته بغضب ثم تأففت وناولته الهاتف: أتفضل بس مش هتكلم معاك أسبوع كامل ومش هنسالك انك خدت صف ياسين! 

+


اقترب منها ووجه عابس ملتقطًا الهاتف، ثم غمز لها بالخفاء، فأدركت أن أخيها يحيك مكيدة لابن الخالة، فتظاهرت بالحنق وسلمته إياه! 

+


أما ياسين فارتاب أكثر.. ليس من عادة عابد أن يتصرف بعقل، ثم. انتبه لزمزم وأومأ متمتما داخله بخبث: فهمت سبب الرزانة المفاجئة دي.. عاملي عاقل قصاد بنت عمك.. وماله المهم الصورة العرة دي تتلغي.

+


وقف عابد جواره وقال وهو يضع ذراعه على كتفه بود مُقلق: شوفت أخوك اشتراك ازاي.. وهحذف الصورة قدامك كمان.. وبالفعل حذفها أمام عين ياسين الذي اطمئن وارتخت عضلاته التي تحفزت تحسبًا لأي غدر من عابد، لكن لم يدم اطمئنانه والأخير يقيد جسده بغتة من الخلف صائحًا بجوري: هاتي الحبل بسرعة قبل ما ديك البرابر ده يفلت مني ويتغابى! 
ركضت جوري وهي تضحك بتشفي منتصر وأتت بحبل غليظ، وياسين يعافر بشدة للتحرر من ذراعين عابد الحديدية وهو يبرطم بسباب خافت حرجًا من أن تسمعه الفتاتين، وبصعوبة شديدة قيده بجزع بشجرة تحت أنطار زمزم المذبهلة وهي تتابع ذاك المزاح الذي لم تعهده مع شقيقها محمود.. أما جوري فصفقت بيديها وقالت بحماس: 
يعيش عبودي البطل.. بهدله وصوره وهو كده وابعتها ليزيد اخويا.. 

+


عابد: يزيد بس؟! ده انا هبعت الصور لأصحابه وهشيرها فيس كمان..

+


زمزم وهي تقاوم الضحك: عابد مايصحش كده ابن خالتك هيزعل منك! 
ياسين بانهيار: قوليله يا اخت زمزم انتي العاقلة اللي في الجونينة دي! 

+


عابد: أخرس خالص.. انت هتعمل فيها كيوت؟.. نسيت المقلب بتاع المرة اللي فاتت والصورة اياها؟ اما قولتلك مش هسيب حقي وهردهالك! 

+


زمزم بفضول محبب وقد تناست رصانتها المعهودة وسط تلك الأجواء المرحة: صورة إيه يا عابد احكيلي! 

+


عابد: لا ماتاخديش في بالك يازمزم دي حاجة بنا

+


ياسين وهو يهدد بثأر: أنا هقولها،. البيه كنا في المول مع اصحابنا وبنتصور وكان معاه ساندوتش شاورمة، تخيلي المعتوه ده يحطه في جيبه وهو بيتصور؟ وواصل بابتسامة بلهاء: وانا بصراحة ركزت عليها وبعتها لكل اصحابه واولهم يزيد واحمد اللي نشرها ع الفيس وبقيت فضيحته بجلاجل.

+


انفجرت جوري وزمزم ضحكًا في آنٍ واحد.. 
فرمقه عابد بحنق وتمتم (ماشي انا هعمل فيك الأسوأ..) فتسائلت زمزم من وسط ضحكها: ازاي ياعابد تحط سندوتش في جيبك؟ هو موبايل؟!

+



        
          

                
أجابها: يعني ارمي نعمة ربُنا ع الأرص؟ كنت جعان اوي ولو سبته كان واحد صاحبي مفجوع أكله، فقلت احطه علي أساس البني آدم الغبي ده مايظهروش في الصورة، بس هو طلع ندل

+


عادت ببصرها تنظر لياسين فوجدته يبتسم ببلاهة مضحكة وكأنه يعلن عن معجون أسنان

+


لم تستطع مقاومة كل هذا الكم من مزاحهم مع مظهر ياسين، فأطلقت ضحكتها مستمتعة بدرجة لم تكن تتخيلها بينهم، خاصتًا أن جوري عادت تشاكس ياسين، وعابد يقوم بتصويره وابن الخالة يصرخ مطلقا الوعود بأنه سيأخذ ثأره، وهي تتابع كل هذا بمتعة جمة! 

+


لم تكن تدري أن هناك من يراقبها من علياء شرفته وعيناه تضوي بسعادة: 

+


_ مش قولتلك ياعبير! زمزم حالتها النفسية هتتحسن هنا بسرعة.. بذمتك من قد أيه ماسمعناش صوت ضحكتها اللي من القلب ؟

+


أشرق وجه زوجته وحدقتاها لا تفارق محيا ابنتها: عندك حق يا محمد.. أفضل قرار أخدناه إننا نزلنا في التوقيت ده.. وتسائلت: بس محمود مش معاهم ليه؟
كان زمانه اتبسط وهزر هو كمان.. ولادنا ماعاشوش الأجواء الدافية دي قبل كده! 

+


_ هتلاقيه لسه نايم لأنه مطبق سهر من امبارح.. إيه. رأيك ننزل معاهم وانتي تساعدي كريمة لو بتعمل حاجة، وانا هتكلم شوية مع أدهم.. ( وافقته، وهبطا سويًا ليشاركا الجميع جلستهم)..!
__________________________

+


عطر وهي تعانق أباها بقوة فور وصوله: 
_ حبيبي يا بابا وحشتني أوي.. المرة الجاية هروح معاك عند جدو وتيتة وعمتو! 

+


ضمها بحنان وشوق: وانتي أكتر ياروح بابا.. بإذن الله المرة الجاية تكوني معايا..!..وواصل: أمال فين. ياسين أخوكي؟

+


_ عند خالتو، بيساعد عابد في تحضير سهرة لينا كلنا على شرف وصول عمو محمد أخو عمو أدهم! 

+


ضوت عيناه بحنين: يااااه.. أخير نزل مصر.. ده واحشني أوي.. ثم حدثها وهو يجلس على مقعد قريب: ده صديق عمري يا عطر.. عمرنا ما افترقنا إلا أما هو سافر أوكرانيا يكمل دراسته واشتغل واستقر واتجوز هناك.. بس دايما كنا متواصلين بمكالمات ورسايل! 

+


فدوة: خلاص " كُل " لقمة معانا ونام شوية وارتاح من السفر، وبعدها كلنا هنروح نسهر معاهم.. كريمة وأدهم منتظرين ومأكدين عليا..! 

+


عطر وهي تقبض ذراع أبيها: انا هنام في حضن بابا واصحى معاه..! 

+


فدوة بامتعاض: هنبتدي بقى الدلع.. ثم نظرت لزوجها تشتكي له: تخيل المحروسة بنتك طول الوقت زعلانة واقولها مالك، تقولي بابا واحشني وعايزة انام في حضنه.. عجبك دلعك المريء فيها يا سي ناجي! 

+


رمق ابنته بحنان، وأخذها تحت ذراعه، وهو يحدث زوجته بمشاكسة: بطلي غيرة يا فدوة.. أنا أصلا ماكنتش هنام إلا اما اخد بنتي في حضني..! ثم تشمم شعرها متمتما: وحشتني حتى ريحتها الحلوة زي اسمها..! 

+



        
          

                
استنار وجه عطر بزهو وغرور محبب وهتفت: حبيبي ياناجي.. يارب اتجوز واحد يعاملني زيك كده.. انت بتحسسني إني أميرة يا بابا.. أنا بحبك أوي أوي! 

+


راقبتهم فدوة وهما يبتعدوا متعانقين، وفاضت عيناها بحنان لتعلق عطر بأبيها بشكل كبير.. وكذلك هو يعشق حتى رائحتها دون مبالغة.. تذكرت قُبيل ولادتها وكيف نذر لله نذرًا إن أعطاه فتاة بعد ياسين.. سيقوم بأداء " عمرة" گهدية لصغيرته! وكيف كانت عطر لا يهدأ صراخها إلا حين يهدهدها هو حتى تغفو گ العصفورة الصغيرة بين كفيه.. ابتسمت وگأنها تراها.. حجمها عند ولادتها ربما لم يتجاوز كف يد أبيها، وتذكرت بكائها هي المضحك حينها كلما بصرت هزلانها تقول ( البنت صغيرة أوي ياناجي.. أنا خايفة عليها.. ده ياسين كان قدها مرتين)..كان يطمئنها أنها ستكبر ويشتد عودها.. وبالفعل أصبحت صغيرتها الآن فارعة الطول.. شابة جميلة تشتهي العين رؤيتها.. وبقدر انطفائها الأيام الماضية وحزنها وانطوائها الغريب، وكأن الصغيرة أصبح لديها أسرار تخفيها وتؤرقها.. بقدر ما تورد وجهها الآن بحضور ابيها..!

+


نفضت عنها أفكارها، وتمتمت: كفاية سرحان بقى اما اروح اشوف الغدا بتاع ناجي.. وأكملت بحقد زائف: اللي جري ياخد المفعوصة بنته في حضنه وطنشني على الأخر..وواصلت بتوعد: ماشي ياناجي.. هعرف ازاي اخد حقي منك...... ياواحشني
_____________________________

+


في منزل عاصم! 
_ أنت مش هتروح تسهر مع أخواتك وولادهم؟ دول عاملين سهرة مخصوص، روح ياعاصم وغير جو.. وانا هنا مع بلقيس ماتقلقش! 
_ لا يا دُرة، مش هنبسط من غيركم. هبقي اعدي عليهم الصبح، خليني معاكم يمكن تحتاجوا حاجة! 
حاولت إثناؤه عن عزوفه بمشاركة أشقائه تجمعهم: 
ياعاصم روح انت حتى ساعة وارجع، محمد لسه مش عارف حاجة وممكن يزعل منك! لولا إن مش حابة حد يضايق عشان بلقيس كنا روحنا..انا عايزاهم يكونوا براحتهم يضحكوا ويهزروا..! 

+


_مافيش مشكلة خليهم براحتهم، ماتقلقيش أدهم فاهم وهيحل الموضوع خلاص . روحي هاتي طبق فاكهة عشان أأكل بلقيس بأيدي ونتفرج سوا على فيلم.. الدكتور نصحنا نخليها تمارس كل حاجة كانت متعودة عليها وإن ده هيحفز رغبتها عشان تقاوم عزلتها ..واستأنف حديثه: وعلى فكرة يا دُرة الدكتور نصحني اغير مكان بلقيس خالص، وأنا بفكر ننزل بيها القاهرة، يمكن تغير الجو يفرق معاها..وفي دكتور تاني ممكن يتابعها معاه في القاهرة، إيه رأيك؟

+


_ يعني عايزنا نسيب المنصورة؟

+


_ وفيها إيه، فترة. لحد ما ربنا يفرجها وتخف بنتنا وبعدها نرجع، واهو لينا بيت هناك الحمد لله! 

+


ماشي ياعاصم، أي حاجة هتفيد بلقيس نعملها..! 
_ تمام، هخلي حد ينضف البيت هناك وهنتنقل القاهرة فورا..! 
________________________

+


في المساء! 

+


محمد وهو يوزع أنظاره على زاوية جلوسهم المقام به سهرتهم بانبهار حقيقي: مش معقول! إيه الجمال ده كله! بجد قاعدة ملوكي.. تسلم ايديكم يا ولاد، المكان بقي شكله يجنن ومبهج فعلا! 

+



        
          

                
محمود: ده انا شكل باكورة اختراعاتي في البرمجة هتتولد في المكان التحفة ده.. بجد يفتح النفس! 
زمزم بإيماءة: والله عندك حق.. المكان مبهر! 

+


عبير متفحصة كل الأركان المزينة بذات الانبهار: ماشاء الله! جمال المكان مش طبيعي.. أنا متهيئلي هفضل صاحية الليل كله مش هنام واحرم عيني من السحر ده! حقيقي شكرا لتعبكم! 

+


ربتت كريمة على كتفها: البيت كله تحت أمرك اسهري وخليكي براحتك.. ثم واصلت بزهو: المهندسة عطر بنت اختي اللي صممت الزاوية دي وأدهم وفرلها كل طلباتها عشان يطلع المكان كده، وقال ده هيكون مكان مميز نقضي فيه سهراتنا لما تيجو ،وكل تجمعاتنا الحلوة، وخصوصا رمضان ومافيش أحلى من تشريفكم اللي نور البيت كله! 

+


ابتسمت عبير وعيناها تنهل من سحر المكان براحة: ربنا مايحرمنا من لميتكم حوالينا! 
وواصلت تحدث زوجها: محمد انا عايزة ركن زي ده في حديقتنا وإلا مش همشي من بيت أخوك! 

+


ضحكوا جميعهم، ثم هتف زوجها: من غير ماتقولي.. كنت ناوي على كده، وهخلي عطر اللي تصممه، بصراحة البنت دي موهوبة جدا جدا..! 
زمزم التي شاركتهم الرأي: بصراحة انا حقيقي معجبة بشغلها، ليها حق تختار مجال الهندسة وتتخصص في التصميم! 

+


عابد باعتراض وغيرة مضحكة: هو كل الشكر ده لست عطر؟ لعلمكم أنا مفاجأتي هتكون أحلى من القردة دي! 
زمزم: طب إيه هي المفاجأة يا ابن عمي؟! 

+


تمتم وهو يضم ياقة قميصه بغرور مضحك: 
مابحبش اتكلم عن نفسي كتير، بس هتنبهري! 

+


قهقهة محمد: والله أنا مبهور من غير حاجة يا حبيب عمك.. بس لعلمك انتو لعبتوا في الملعب لوحدكم لو يزيد هنا كان بدع هو كمان ومحدش فيكم كان فرد عضلاته.. دي لعبته! 

+


أتى أدهم حاملًا الصغير " مهند" وهو يداعبه: لا سيبك من كل ده يامحمد، أحلى ما في الليلة دي كلها ومخلي المكان والقعدة ليها طعم هو " هوندة" حبيب جدو أدهم!

+


ما أن أبصروا الصغير حتى تقاذفته الايادي متسابقين بحمله لتدليله ومداعبته.. وبعد قليل توافد عليهم أسرة " ناجي" الذي عانق رفيقه بلهفة: 
_ أخيرًا شوفتك يامحمد.. واحشني ياغالي..!

+


عانقه الأخير بمشاعر مماثلة: أنت اكتر ياناجي والله ..ثم شمله بنظرة متفحصة: بس عجزت بدري كده ليه. وبعدين إيه الكرش ده كله انا كنت سايبك مفتول العضلات ورشيق ياصاحبي! 

+


قهقهة أدهم على حديث شقيقه، معلقًا: 
مش ناجي بس يا محمد.. بص على كرش اخوك الأول وبلاش إحراج ياعم.. أنت كنت في دولة أوربية والحياة فيها مختلفة! 

+


أردف ناجي مشاغبًا وهو يمازح رفيقه: سيبه يتريق علينا براحته يا أدهم.. هو شهر واحد، هياكل الرز المعمر والمحاشي واللذي منه.. ويبقى يكلمنا عن رشاقته بعد كده! 
ضحك محمد ثم نظر لعطر وتمتم: تعالي ياحبيبتي اما اشكرك على لوحة الإبداع اللي صممتيها.. وواصل وهو يحدث ناجي: : 
والله وعرفت تجيب بنت فنانة ومرهفة يا صاحبي! 

+



        
          

                
رد الأخير بمزاح: طالعة لأبوها طبعا 

+


فدوة باستنكار: نعم؟ لا طبعا دي نسخة مني.. انت أخرك تبيع محصول القطن بسعر كويس، صح ولا لأ

+


غمغم ناجي بصوت مسموع أضحك الجميع: 
هو الواحد مايعرفش يفشر شوية من نفسه! 

+


ضحكت عطر وردت بتهذيب: شكرا يا عمو.. دي اقل حاجة نعملها فرحة وصولكم بالسلامة! 

+


ثم تبادلت التحية مع الجميع! وجاءت لحظة هدية عابد المميزة.. بعد أن طلب من الجميع الصمت وأطفأ الإضاءة.. وبث من خلال شاشة عرض صخمة، فيديو خاص جمع فيه كل صور الطفولة القديمة التي تخص الأشقاء ( عاصم وأدهم ومحمد مع والديهم) يصاحبها أغنية تناسب أجواء الذكريات القديمة.. ومع كل صورة ضوئية تعرض، تزحف دموع محمد وأدهم وهما يستعيدان لحظات طفولتهما البعيدة.. ثم. أختتم. أخر دقائق بصور الجميع بكل مراحل أعمارهم.. طفولة جوري وعابد ويزيد وبلقيس وعطر وياسين وايضا زمزم ومحمود.. ولم ينسى خالته فدوة والعم ناجي، ثم صورهما الحديثة التي ختمها دعاء رائع بدوام تلك الأواصر الدافئة بينهم طوال العمر..! 

+


بمجرد انتهاء الفيديو.. صدع تصفيقهم مع صافرات ياسين الحماسية لهدية عابد التي أسعدت الجميع بحق وجعلت أحداقهم تزرف دموع الحنين لأيام مضت! 

+


نهض محمد ليحتضنه: انت رجعتني 20 سنة الفيديو ده عابد.. ربنا يفرح قلبك يا أبني..!

+


بادل العم عناقه: الحمد لله إن عجبك هديتي ياعمي، وعلى فكرة حطيته على سي دي وعملت نسخ للكل، عشان نحتفظ بيه.. التليفون مش مضمون! 

+


أدهم وهو بجفف دموعه: طلعت حسيس يا واد ياعابد، أمال سايق علينا جنان ليه على طول؟

+


مازح أبيه: أهي لحظات وبتروح لحالها يا حاج

+


عبر الجميع عن إعجابه بصنيع عابد، وظلوا جميعهم يتبادلون المزاح وحديث الذكرايات، كما أحضر عابد ألعاب( الشطرنج والطاولة والدومينو)، ليلعب كل فريق منهم على حدا .. إلى أن تسائلت زمزم: أمال فين عمو عاصم وطنط دُرة، وبلقيس.. أتأخروا أوي، مش هايجوا يسهروا معانا لا إيه. ؟ 

+


تبادل أدهم وكريمة النظرات، فأسرع عابد يجيبها: بلقيس تعبانة شوية يا زمزم.. وطبعا هما معاها.. انتي عارفة بقى، بنتهم الحيلة وبيخافوا عليها زيادة.. بس أكيد هنعوضها..السهرات الحلوة في بيوتنا مش هتخلص إن شاء الله! 

+


هتفت بجدية: طب أنا عايزة ازورهم واطمن على بلقيس.. ممكن توصلني؟

+


تبادل مع والديه نظرة قَلِقة، لم تغيب عن أنظار " محمد المتابع بصمت، فأردف عابد: بصي هي أكيد هتكون نايمة دلوقت.. خليها بعدين وانا واوعدك أخدك هناك تشوفيها"

+


رضخت لنصيحته، وأكملوا سهرتهم متبادلين أحاديث هم الدافئة وذكريات الأصدقاء إلى أن مضى الوقت سريعًا..وبدأ النعاس يداعب أحداق الجميع..!

+



        
          

                
فنهض ناجي مستئذنًا: شكرا ياجماعة على السهرة الحلوة دي.. وخدوا بالكم التجمع الجاي هيكون عندي..!

+


تمتمت فدوة بترحيب: أكيد عشان نتبارك بيكم ونتشرف بحضوركم..! 

+


عبير بامتنان: كلك ذوق يافدوة.. بلاش تعب ياجماعة احنا مش غرب! 
أردفت بصدق: وهو الأحتفال بيكون للغريب وبس.. بالعكس أحنا مشتاقين للتجمعات الحلوة دي.. قبل ما الدنيا تلهي كل واحد فينا..!

+


هتفت كريمة: خليكي انتي الأسبوع الجاي يافدوة
يكونوا ارتاحوا يومين من سفرهم.. ويكون يزيد جه وسلم عليهم..واحنا كده كده مع بعض! 

+


واصلوا الحديث عن تجمعات مرتقبة احتفالا بمحمد وعبير وأولادهما والذين وشكروا لهم مشاعرهم الطيبة وحفاوة استقبالهم! 

+


أما عطر.. فعصفت عيناها بشوق هاج داخلها بذكره، وقد مضت أشهر طويلة ولم تراه، أو تحادثه.. حتى عندما عَلِم بحادث بلقيس، لم يتثنى لها فرصة لتبادله كلمة واحدة رغم وجودها بمحيطه.. وبالأدق هي من تجنبت أي لقاء أو حديث بينهما.. لقد عاهدت نفسه ألا تسعى إليه بعد الآن، حتى وإن ظل قلبها اللعين يشتاقه ويناديه.. لكن هذا أفضل من عذابها كلما رأت توهج عشقه لأبنة العم يضوي بعيناه گشعاع شمس تحرقها وحدها، يكفيها عذابًا إلى هذا الحد.. ولتصب كل تفكيرها وجهدها بدراستها وإثبات نفسها.. يجب أن تتميز ليرى عطر جديدة غير التي يعرفها.. لن تعود صغيرته بعد الآن.. ستصبح أنثى تبصرها عينه يومًا ما كما تستحق أن يراها.. وحينها.. حينها فقط.. ستتجلى أمامه بكل ثقة.. بكل كبرياء.. ومن يدري.. ربما يموت داخلها تلك النبتة الهائمة تجاهه.. ويُشفى قلبها العليل من عشق مبتور إحدي طرفيه! 
_____________________

+


في صباح اليوم التالي

+


استنشق محمد رائحة القهوة باستمتاع متمتما: الله على القهوة وريحتها..ثم قضم واحدة من بسكويت طيب المذاق وهتف بإعجاب: طعمه حلو أوي البسكوت ده أدهم! 

+


ربت على كتفه بحنان: بالهنا والشفا ياحبيبي.. أم السعد مظبطاكم.. وكمان كريمة عملت أصناف ليكم بأيدها من فرحتها بوجودكم! 
محمد: يسلم إيديهم كلهم.. وبعد صمت قصير: 
أدهم.. هو في حاجة حاصلة معاك انت وعاصم ومعرفهاش؟! وأرجوك تصارحني لأن متأكد إن في حاجة مش طببعية ومن حقي اعرفها..! 

+


تنهد أدهم وشعر بثقل همومه وحزنه.. وأيقن أن لا مفر من إخبار محمد بكل شيء، بعد أن أصبح بينهما بشكلٍ دائم.. وربما الآن أفضل توقيت لقص كل ما يخفى عن دائرة علمه! 

+


أسترسل يقص عليه كل ما حدث بداية من إنهاء خطبة يزيد وبلقيس، ثم الحادث البشع الذي مرت به للأخيرة.. والذي نتجت عنه حالتها النفسية المعقدة، وعزوفها عن الحديث أو التفاعل مع أي شيء أو أحد.. وهذا سبب معاناة عاصم وزوجته.. وأيضًا سبب طلبه أن يستقر بينهما.. ليحمل معهما كل العبء.. وطاقة عاصم العملية خبت حماسها وذهنه بأكمله أصبح منشغلا بابنته المريضة..!

+



        
          

                
أطرق محمد رأسه بألم وحزن كبير: كل ده يحصل لاخويا وبنته وانا معرفش.. ويزيد اللي روحه في بلقيس.. أكيد نفسيته تعبانة سواء بعد اللي حصل معاها..ثم رفع عيناه الدامعة لشقيقه: كان لازم تعرفني من بدري يا أدهم عشان اكون في معاكم..!

+


ربت علي ركبته متمتما: كان كفاية عليك غربتك يامحمد.. هقولك إيه بس.. أنا كل اللي قدرت اعمله أني قولتلك انزل..والحمد لله أديك مخزلتنيش ونزلت بعيلتك.. وانا واثق إن كل حاجة هتبقي بخير مادام بقينا سوا.. ولادنا هيسندوا بعض، وزمزم هي كمان هتكون أحسن وسط ولاد عمامها وهتعيش حياتها.. طول ما كلنا سوا هنخرج من أي محنة..!

+


أومأ بحزن: عندك حق.. وانا اوعدك مش هسيبكم تاني يا أدهم، وتعالى معايا نروح لبلقيس أشوفها واطمن عليها..! 
أدهم: ماشي يامحمد ، يلا بينا..! 
_______________________

+


لا تصدق رودي أنها تلقت عرض زواج من والدة رائد التي تحدثت مع أبيها بعد أن حاولت استنباض موافقتها أولًا .. وبالفعل أوحت لها رودي بشكل غير مباشر أنها لن تمانع تلك الزيجة.. رغم رفض والدتها حين علمت واستشاطت منها غيطًا وغضبًا .. متهمة إياها بالغباء لتقبلها فكرة الزواج بشخص في نظرها فاقد للعقل وليس الذاكرة.. عازفة عن عروض زواج تأتيها من أرقى وافضل العائلات.. لكنها رفضت الجميع، ولم تقبل بسواه.. " رائد" رفيق طفولتها وحبيبها ومحور أحلامها ومالك مشاعرها الأولي و الخفية! ودائمًا ما كان ينبأها قلبها أنها ستحظى به وحدها في يومٍ ما.. كان حلمًا أضحى الآن بطور التحقيق.. حتى وإن لم يتذكر تاريخهما معًا.. ستصنع معه تاريخًا جديدًا..بتفاصيل أكثر دفئًا..سيحيا أيامه القادمة تحت سماء عشقها له.. سيتعلم على يدها ابجدية الحب ويبصر بهجة ألوان الحياة حين تكون زوجته.. وحين يعود لماضية.. ستكون جزءً من حاضره..ومستقبله الآتي! 
______________________

+


لا تعرف لما يجول بقلبها شعور غريب خفي داخلها.. أن رحلتها بتلك الحياة شارفت على الإنتهاء..الإعياء يشتد عليها دون أن يلاحظها أحد. ومن ييعلم أنها تعاني مرضًا بالقلب منذ أعوام قليلة؟! لم تخبر أحدًا.. ومن سيهتم.. لديها ولدان أولهم يستقر بحياته بعيدًا بين أسرته.. والأخر تائهه طول الوقت، مشتت.. يحارب عقله ليستعيد ذاكرته دون أدنى تحسن.. ليستسلم لنوبة نوم طويل ليعود بعدها لحالة التيه والتشتت والوحدة التي تقتحمها خطيبته رودي دائمًا فارضة وجودها حوله.. لا تستسلم ابدا لعزوفه.. تحاول مشاركته كل شيء.. وواثقة أنها يومًا ما ستكسب قلب ولدها وتأسر تفكيره.. ولن يكون له ملجأ بعد الله سواها.. هي حاضره ومستقبله وأنيسته بعد أن ترحل هي عن عالمه إلى الأبد.. رحيل تشم رائحته الآن.. ولن تضيع لحظة واحدة.. فلتفعل ما يجب فعله دون تباطؤ! 
_______________________

+


أيهم بدهشة: انزل فورًا؟! مش احنا اتفقنا يا أمي في أجازة الصيف نازل عشان نتمم جواز رائد؟
_ لأ.. مش هستني.. أنزل فورا يا أيهم.. وهات ولادك معاك عايزة اشوفهم واشبع منهم شوية.. وكفاية أوي فترة الخطوبة لحد كده.. رائد لازم يتجوز في أقرب وقت! 

+



        
          

                
_ هو في حاجة جديدة طيب معرفهاش؟!

+


هدرت بغضب: وبعدين معاك يا أيهم، لو مش عايز تنزل يابني خليك.. وانا هعمل كل حاجة لوحدي! 

+


هدأ من غضبها وأجابها بلين: طب اهدي ياماما بس انا بحاول افهم.. لاحظي انا هنا مرتبط بشغل ومدارس لولادي.. وده سبب إني بحاول أجل وقت بسيط.. بس ولا تزعلي نفسك.. هنزل انا.. وهسيب الولاد ع والدتهم.. تمام كده ياست الكل؟

+


كانت تتمنى أن ترى أحفادها، ربما لن تكفي أيامها القادمة لأنتظارهم.. حسنًا إن قدر لها خالقها رؤيتهم حتمًا ستنعم برؤيتهم.. تمتمت بصوت أهدأ من سابقه: 

+


_ ماشي يا أيهم.. ومعلش يابني اعذرني في عصبيتي حزني على حالة اخوك هي السبب..انا عايزة اطمن عليه في اقرب وقت بدال ما يغير رأيه ويرفض الجواز بعد كده.. إن كنت دلوقتي بضغط عليه.. ياعالم بكره هيحصل أيه! 

+


_ هيحصل كل خير بإذن الله ..خلاص أنا 3 أيام بالكتير وهكون عندك.. واللي انتي عايزاه هعمله! 

+


اغلقت الهاتف وقد أرتاح قلبها بعض شيء، وتمتمت داخلها بتضرع: يارب ماتاخدش روحي قبل ما اطمن على رائد مع مراته.. مش عايزة اسيبه في الدنيا لوحده.. يارب حققلي امنيتي يا كريم ياعالم بحالي وحال ابني.. واحفظه هو واخوه وولاده ومراته! 

+


وذهبت لتتوضأ وتصلي وتدعو ليستجيب رب العالمين وتسير الأمور كما تتمناها..! 
_______________

+


_ صباح الخير ياعابد..! 

+


ابتسم لها وهو يتناول منها " مهند" ببشاشة: صباح الخير يازمزم ..يارب تكوني نمتي كويس.. ثم نظر إلى الصغير: وصباح الحلويات علي البرنس هوندا..

+


ضحك الصغير بقهقهة محببة لمداعبة عابد له أسفل رقبته.. وتمتمت زمزم: الحمد لله نمت كويس.. صحيح مهند صحصح شوية بالليل ، بس رجع نام تاني..! واستطردت بحماس: على فكرة أنا جاهزة عشان نروح لبلقيس زي ما وعدتني ياعابد.. مشتاقة اشوف بنت عمي واطمن عليها.. وكمان طنط دُرة.. أنا كنت بكلمها كتير واحنا في أوكرانيا .. بس بقالها فترة ماكنتش بتدخل نت معرفش ليه..!

+


شرد عابد قليلا ولما طال صمته هتفت بتوجس: في إيه ياعابد؟! لو مش فاضي وهعطلك هروح أنا عادي! 

+


أجابها هادئًا: إنتي فطرتي الأول ؟

+


_ لسه.. أصل مش متعودة افطر أول ما اصحى! بس فطرت مهند الحمد لله! 

+


تمتم مهتمًا: غلط تأخري وجبة الفطار، تعالي ندخل نفطر مع الكل.. وبعدين هنتمشى واتكلم معاكي شوية!
تصاعد القلق داخلها فقالت: هو للدرجة دي محتاج تستعد للي عايز تقوله.. انت كده زودت قلقي.. لو سمحت فهمني في إيه؟! بنت عمي ومامتها فيهم حاجة؟!

+


تلقى إلحاحها، بمزيد من الهدوء: زمزم أنا هقولك كل حاجة.. بس تعالي نفطر لأن جعان جدا.. وانا هاخدك لبيت عمي عاصم وفي الطريق هجاوبك! 

+



        
          

                
كتفت ذراعيها: شكرًا ياعابد منا قولتلك مش باكل دلوقت اتفضل انت روح افطر وانا هستناك! 

+


صمت برهة، وأردف بعدها: طب خليكي هنا وانا دقايق وجاي! 

+


تركها وراحت تتأمل المكان حولها سائرة ببطء، تجول عيناها بمتعة على تلك الورد الجميلة النابتة وسط فروع قصيرة منبثقة من الأرض!..وبعد دقائق سمعت صوت عابد خلفها يقول: 

+


_ يلا يازمزم تعالي هنفطر سوا..! 

+


التفت له مندهشة وهي تراه يضع " صينية" كبيرة تحوي فطيرة متوسطة الحجم يحوطها أطباق صغيرة من الجبن والقشطة والبيض المسلوق والعسل! 

+


فتمتمت: إيه ده كله؟! وبعدين انا مش جعانة والله اتفضل انت بالهنا والشفا..! 

+


أشار لها أن تجلس بمقعد مجاور: تعالي بس دوقي الفطير ده خطير لو دوقتي لقمة منه مش هتعرفي توقفي أكل أصلا.. يلا بقى وإلا مش هفطر وهيكون ذنبي في رقبتك يابنت عمي! 

+


شعرت بالحرج من إصراره، فجلست جواره، وتناولت لقيمات قليلة وابدت إعجابها بالفعل بما تذوقت، واكتفت رغم محاولته ان تتناول المزيد"

+


_ كده تمام.. اجهزي وانا هستناكي وبعدها نروح لعمي " عاصم"

+


هتفت سريعا: أنا جاهزة اصلا، وحتى مهند كمان عملت حسابي ولبسته طقم حلو! 

+


_ تمام.. وأنا استأدنت عمي إننا رايحين وهو هيحصلنا بعدين! 

+


أومأت برأسها وسارت جواره منتظرة ما سيقوله.. فحاول ترتيب أفكاره ليعرف ما يجب أن يخبرها به، وما سيحجبه عنها..! مراعيًا ذكائها الذي يجب احترامه وهو يحدثها..! 

+


_أحيانا يا زمزم بنتعرض لمواقف صعبة في حياتنا.. مابتقدرش نتحمل تأثيرها ولا بنقدر نتخطاها.. وهنا بيكون الحل الوحيد هو الهروب! 

+


أوجسها غموض كلماته وتمهيده المريب، فهتفت: 
مش فاهمة حاجة.. هروب إيه.. وضحلي أكتر! 

+


ملأ رئتيه ببعض الهواء، وبدأ استرساله الحذر دون الإسهاب بتفاصيل كثيرة! 

+


وبعد انتهاؤه كان رد فعلها بعد شهقة ذاهلة: 
أختطاف؟؟؟؟ ازاي فهمني ياعابد قلبي هيقف! 

+


_ أهدي يازمزم.. هي دلوقت في أمان وسطينا وواصل سرده للتفاصيل وحالة بلقيس المستسلمة بإرادتها لعزلتها.. وبعد أن أنهى استرساله، وجدها تبكي بصمت، فأشفق عليها مردفًا: زمزم.. بلاش عياط ارجوكي، بلقيس مسيرها تخف، دي مسألة وقت.. وكمان لو هتروحي وانتي بالانهيار ده، يبقي انصحك بلاش نروح انهاردة لحد ماتهدي! هي محتاجة نبثها قوة وتفائل.. مش حزن وشفقة..! 

+


جففت دموعها وقالت: غصب عني.. اللي حصلها صعب أوي على أي واحدة.. وتلعثمت قليلا: طيب.. يعني! هي! 
فطن لمغزى ما تريد قوله، فأسرع يجيبها: اطمني محدش طالها.. ماتنسيش بلقيس كانت بتلعب جودو
وقدرت تدافع عن نفسها وتحمي شرفها الحمد لله..!
واستأنف: وزي ما قولتلك هما غاروا في داهية واتحرقوا وماتوا..! 
تمتمت بتشفي: أخدوا جزائهم اللي يستحقوه من ربنا الأندال..! 
_ عندك حق!.. المهم، عندك استعداد تزوريها وانتي متماسكة.. ولا نخليها بكرة؟

+



        
          

                
هزت رأسها بنفي: بكرة إيه! لا طبعا هزورها دلوقت وربنا يقدرني أقدر أواسيها..!
.................. 

+


وصلا وتبادلا التحية مع العم عاصم و العمة دُرة.. ثم تركها عابد ومعه مهند ليعطيها مجالا أكثر حرية بالحديث! 
......... ..

+


تأملتها زمزم برهة وهي تراها بهذا الصمت والعزلة، وراحت تغمغم وكأنها تحاكي ذاتها: تعرفي يابلقيس إن في بنا تشابه!..أنا كنت في محنة كبيرة أوي، أنعزلت زيك بالظبط وماكنتش بكلم حد رغم اني كنت شايفة الكل بيحاول يخرجني من عزلتي بس انا كان في حاجة جوايا رافضة ترجع، فقدت الأمل في الدنيا، لما راح مني حبيبي وزوجي " زياد" قصاد عيني في موقف بشع، وكان قبلها بثواني بنضحك ونتواعد هنعمل إيه بعد سنين لما نكبر ونمشي متعكزين على بعض..كان بيتحداني لما شعري يملاه الشيب هيفضل يشوفني جميلة..اتحديته وقتها وقلت عمرك ما هتشوف شيبه أبدا.. كنت اقصد اني دايما هغير لونه عشان افضل شابة وحلوة في عنيه.. بس ماكنتش اعرف إن جملتي العفوية هتتحقق في لحظتها زي نبوءة اتحرقت بلعنتها، وانا بشوف جسمه بيطير من صدمة سيارة ظهرت في طريقنا فجأة، وفي ثواني كان واقع على الأرض غرقان في دمه، و لفظ أنفاسه الأخيرة بين إيدي وهو بيقولي

+


( كسبتي التحدي يازمزم.. شكلي عمري ما هشوف شعرك الأبيض.. بس هشوفك في الجنة بشباب ابدي)..

+


صدمتي وقتها خلتني افقد النطق بس روحي كانت بتصرخ.. عقلي رفض إنه مات.. وإنه خلاص مش هيشوف شيبتي ويسندني زي ما وعدني..أنعزلت واستخبيت في عالم بعيد بشوف فيه " زياد" وبس!..كان بابا وماما واخويا يكلموني وانا مابردش عليهم، واستأنفت وهي تجفف دموعها: 

+


بس عارفة إيه خرجني من عزلتي يا بلقيس وخلاني اقاومها؟ بعد شهر عرفوا إني حامل لما دوخت ووقعت فجأة.. حسيت وقتها إن زياد رجعلي تاني وما سابنيش لوحدي.. صحيح فضلت ملتزمة الصمت فترة، لكن أول ما حسيت ابني اتحرك في بطني فضلت ابكي، وروحت صحيتهم كلهم من نومهم وانا بتكلم لأول مرة وبقول( ابني اتحرك) شاركوني البكى والفرحة.. ولما مهند خرج للدنيا وشوفته ازاي شبه والده حسيت إن زياد هي اللي في حضني، وسميت الأسم اللي هو أختاره في حلمي واللي كان هو بيحبه!

+


صمتت برهة ثم أمسكت كفها برفق: 
_ واثقة إن انتي كمان في شيء هيرجعك تاني
يابلقيس..شيء هيخليكي تقاومي وترجعي تضحكي وتعيشي حياتك، شيء مخدش يعرفه غيرك انتي..!

+


وأخر حاجة عايزة اقولهالك إني فخورة بيكي أوي.. إنتي مش بس جميلة.. لأ.. إنتي طلعتي بنت قوية.. قوية فوق ماحد يتصور..اللي حاول يأذيكي أفتكرك وردة ضعيفة، ماشافش شوكك اللي هزمهم كلهم، وعزلتك دي مش ضعف قد ما هي حماية لنفسك وإعادة حسابات، أنا فاهمة كويس بتفكري ازاي دلوقت.. أحيانًا العزلة بنعيد فيها تهذيبنا لنفسنا، الهدنة دي هتنتهي قريب أوي، ووقتها هنتكلم سوا في حاجات كتير وهنكون أصحاب جدا..! وانا منتظراكي! 
............ .
لم يحدث يومًا أن تلصص على أحدهم! 
لكن تعبيرات زمزم الحزينة جعلته يقترب ويتابعها من زاوية غير مرئية، ليصل لسمعه أخيرا سر حزن إبنة العم وقصتها مع زوجها الراحل، وهاهي قارورة أخرى عانت وقاومت عزلتها وعادت للحياة مع صوت صغيرها الذي يتشبث به الآن بأصابعه الصغيرة! فلثمه عابد وتمتم: 
شكرا إنك رجعت ماما تاني.. تستحق مني مكافأة كبيرة يابطلي وصاحبي الصغير! 
____________________________

+



        
          

                
_كان لازم تقولي يا اخويا عشان اقف جمبك! 

+


عاصم: كنت هقولك إيه بس يامحمد.. أنا كنت في عالم تاني خالص، وبعدين إنت كمان كنت في محنة زمزم اللي بردو معرفتهاش غير دلوقت! كل واحد فينا خاف يشيل همه للتاني، بس ربك خير معين، والحمد لله ان زمزم أحسن دلوقت! 
محمد: الحمد لله ياعاصم، ومتأكد إن بلقيس قريب أوي هترجع أحسن. من الأول! 
ربت أدهم على كليهما: 
_عندك حق يامحمد. وطول ما احنا مع بعض هنعدي أي أزمة..!
عاصم بامتنان: أنا عمري ما هنسى وقفة ولادك ومراتك معايا يا أدهم..كنتم سندي بعد ربنا..! 

+


فاضت عين الأخير بتأثر: كام مرة هقولك إنهم ولادك، ومراتي أصيلة وبتحب دُرة وبلقيس، مهما حصل هنفضل عيلة واحدة ومترابطة! 
تمتم الأشقاء دعواتهم الصادقة، وذهب محمد ليحضر باقي أسرته ليطمنوا على بلقيس.. خاصتًا بعد إعلامهم عاصم أنه ينوي الأستقرار بعض الوقت في القاهرة كما نصحه طبيب ابنته، فلعل تغير الأجواء يفيدها وتعود لعهدها الأول.! 

+


_____________________

+


بإحدي المولات التجارية! 

+


_ مسافر بكرة المنصورة؟

+


_ أيوة يا احمد عمي محمد نزل من أوكرانيا ولازم أشوفه واسلم عليه.. ثم أشار أمامه وواصل: 
إيه رأيك في الحزام ده لعابد، بيحب الأستايل ده! 
_ جميل يا يزيد بس هات الأسود منه.. هو انت لازم كل اما تروح تزورهم تشتري هدايا.. ؟

+


_ مش دايما، بس احيانا بغيب زي المرة دي، فبحب افرحهم بحاجات رمزية..تعالي نروح الأتجاة التاني عشان اجيب حاجة لجوري.. وبالفعل انتقلا لمحل اكسسوارات تعشقها شقيقته فتمتم: بقولك إيه يا صاحبي ساعدني اشوف حاجة حلوة احسن البت جوري دي بتحب حاجات غريبة في الأكسسوار! 

+


ساعده أحمد بانتقاء ما يظنه مناسب، ثم لفت نظر يزيد شيء، فوقف أمامه وهتف: 
الكوتش ده هيعجب عطر أوي..!
_ مش دي اللي في هندسة؟ أجابه يزيد بأيماءة، فواصل الأول: هي لسه مش بتكلمك؟

+


_ لأ.. ومش عارف اشوفها، الهانم زعلانة على الأغلب
_ دي طولت أوي شكلك عكيت معاها
_ ابدا منا حكيتلك، بسبب تطاولها علي بلقيس وقتها رديت عليها بعنف شوية لأنها فعلا غلطت.. بس روحت اصالحها وجبت هدية وهي اتعاملت بسوء أدب شديد معايا.. بس تعرف يا أحمد.. وحشتني أوي، عطر ليها مكانة مختلفة عندي، بفتكر دايما خفة دمها اللي بتضحكني في ضيقتي، عفويتها، براءتها.. عطر كوكتيل ممتع بس ياخسارة، عنيدة أوي..ورغم كده مابحبهاش تزعل، ونفسي اطمن عليها زي الأول! ومش فاهم ليه واخدة موقف مني كده! 

+


احمد بغموض: يمكن ده لفت نظر ليك مش موقف منك زي ما انت فاكر! 
يزيد بحيرة: لفت نظر لإيه مش فاهم! 

+


احمد : هقولك تفسيري بس خد كلامي على محمل الجد وبدون سخرية! 

+


واسترسل ملقيا ما بجعبته: 

+


الموقف كله غريب من الأول، إيه يزعل عطر من بلقيس؟ المفروض ماتاخدش منها موقف اصلا، دي كانت خطيبتك وانتم أحرار تتكملوا تفترقوا، يخصها أيه؟ وزعلها بعدها مبالغ فيه، لو انت بالنسبة ليها مجرد ابن خالة واخ.. مش المفروض تاخد الموقف ده، تزعل اه بس مش كده! 

+


_ هو انا ليه حاسك بتلف وتدور يا احمد؟ قول قصدك ايه لأنك توهتني أكتر معاك..! 

+


قال أحمد بحذر: على البلاطة كده.. تحليلي للموقف كله بيوصل لحاجة واحدة.. إنت بالنسبة للبنت دي أكتر من أخ وابن خالة...انت حبيب! 

+


ظلت ملامحه ساكنه وحاجبيه معقودان والكلمة يتردد صداها لعقله وگأنها ذبذبات متكررة لحروف تضافرت لتنتج جملة أحمد الذي أعاد على مسامعه جملة أكثر وضوحًا.... عطر بتحبك!! 
______________________

+




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-