رواية جارية في ثياب ملكية الفصل العاشر 10 بقلم نرمين نحمد الله
********
+
الفصل العاشر:
+
وقفت رقية توضب أغراضهما ليستعدا للرحيل...
تنهدت في حرارة وهي تتمني لو يظلا هنا ولا يرحلا...
سمع ياسين تنهدها فابتسم قائلاًبإشفاق:
_غاليتي رقية لا تريد الرحيل؟!
نظرت إليه وهي تقول بأسف:
_ينبغي علينا ذلك...زفاف عمار وجوري اقترب ويجب أن نكون مع العائلة.
أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بصدق:
_أنا أيضاً أتمني لو نبقي هنا للأبد...
ثم أردف بابتسامته الحنون:
_أعدكِ عندما تسمح ظروف عملي أن آتي بكِ إلي هنا في أقرب وقت.
تلفتت حولها تتفحص المكان وهي تقول بشرود:
_أتمني ذلك يا ياسين...لقد أحببت هذا المكان جداً....
نظر إليها طويلاً ثم قال بعاطفة:
_أنا أحببته أكثر ...فأنا أدين له بالكثير...لقد جعلني أستكشف الكثير عن رقية الهاشمي...
ابتسمت في خجل وهي تهمس:
_لقد أتعبتك في مرضي وحتي عندما تعافيت...هل تذكر تلك الليلة التي ظللت أثرثر فيها حتي الفجر؟!
اقترب منها وهو يحيط وجهها بكفيه هامساً:
_لن أنسي تلك الليلة بالذات أبداً....لقد سمحتِ لي أخيراً أن أدخل لعالمك لأعرف عنكِ أكثر...
همست في شرود:
_لم أكن يوماً ثرثارة ...لكنني كنت جائعة للكلام إلي أقصي حد...
هز رأسه قائلاً بتقرير:
_لأنكِ تكتمين الكثير يا رقية...لم أسمعك تشتكين من شئ منذ تزوجنا رغم أن الوضع كله كان يفوق تحملك...
+
أشاحت بوجهها عنه وهي تتحاشي التطرق لهذا الأمر...
لقد تناست -بالكاد-مشاعرها السلبية القديمة...
ورضيت منه مؤقتاً بهذه المشاعر التي يغدقها عليها...
والتي لم يحاول أي منهما البحث لها عن مسمي...
ولا تريد العودة للخلف...
+
أدار وجهها إليه وهو يقول بحزمه الحنون الذي لا تعرف كيف يجيده إلي هذا الحد:
_دعينا نبدأ عهداً جديداً يا رقية ...لا تخفي عني شيئاً بعد الآن....
هزت رأسها نافية وهي تهمس في يأس:
_لا أعدك بهذا يا ياسين...ليس كل الكلام يقال!
ضم رأسها لصدره وهو يقول بحنان يمتزج بالمرح:
_سيكون هذا إذن رهاني القادم معكِ...أن أكسب صداقتك ...
رفعت رأسها إليه وهي تبتسم قائلة:
_وماذا لو خسرت رهانك؟!
التمعت عيناه وهو يقول بتصميم:
_لن أخسره يا رقية.
اتسعت ابتسامتها وهي تريح رأسها علي صدره لتهمس في ترقب:
_وماذا ستطلب مني لو كسبته؟!
قبل رأسها وهو يهمس في حنان:
_يكفيني أن أكسبه فقط يا رقية....هو ليس هيناً لو تعلمين!
+
أغمضت عينيها وهي تشعر بقدميها تحملانها بعيداً لعالم وردي...
لم تدخله قبلاً...
عالم تطير فيه كفراشة بلا قيود...
سعيدة...سعيدة...
سعادة من نوع خاص....
محلّاة بنكهة وجوده الساحرة...
مطعمة بحنانه الآسر...
مزخرفة بنقوش رجولته النادرة...
سعادة تحمل اسمه هو فقط...
ياسين النجدي!!!
==========================================================================
_لا أريد يا سمية ....أخشي أن يراني أحد!
هتفت بها آسيا في قلق...
فقالت سمية بحنان:
_لا تخشي شيئاً يا آسيا...المدينة صغيرة ونحن نذهب دوماً لمتجر معين للتسوق...ونعود سريعا....
ثم التفتت لبدر قائلة بابتسامة:
_ثم إن بدر سيكون معك...لن يسمح أن يحدث لكِ مكروه....أليس كذلك يا بدر؟!
+
أشاح بدر بوجهه في ضيق...
هو لا يمانع في اصطحاب آسيا أينما شاءت...
لكنه ضاق ذرعاً بمحاولات سمية المستميتة للتقريب بينهما...
هو يفهم سمية جيداً...
لقد كانت تخطط لهذا الدور مع نغم...
لكن نغم عادت لوالدتها...
ويبدو أن الدور انتقل لآسيا....
+
شعر بالعجز وهو لا يستطيع محادثتها في الأمر بوضوح...
رغم أنه يكاد يقسم أن هذا ما يدور،برأسها...
لكنه سيتصنع الجهل...
التغابي هو الحل الأفضل في هذه الحالة!!!!
أومأ برأسه إيجاباً وهو يسألها باستسلام:
_لازلتِ لا تريدين المجئ معنا؟!
هزت رأسها نفياً وهي تقول :
_أنا أشعر بالتعب اليوم...سأبقي مع ياسين...
+
نظرت إليهما آسيا بقلق يمتزج بالحرج...
هي لا تريد مغادرة المزرعة ...
حصنها الذي تشعر فيه بالأمان بعيداً عن العيون...
كما أنها تتحرج من السفر مع بدر وحدهما...
صحيح أن السيد بدر رجل مهذب خلوق...
لكنه يبقي رجلاً غريباً لا يليق أن تخرج معه بمفردها....
+
قطعت سمية ترددها وهي تقول بحماسة:
_هناك محلات للملابس رائعة ستجدين فيها كل ما تريدينه...ليس الملابس فقط كل شئ يا آسيا...اخرجي يا حبيبتي وتنزهي واسعدي....
ثم تهدج صوتها وهي تردف:
_عيشي حياتك كما ينبغي ...
+
أغمض بدر عينيه بقوة وهو يشعر بألمها الحارق يكويهما معاً في هذه اللحظة...
ليس هو فقط من يري في آسيا صورة سمية...
سمية نفسها تري هذا كما يبدو...!!!!
سمية تريد آسيا امتداداً لها...
تريدها أن تحيا الحياة التي حرمت هي منها...
أن تستكمل بها العمر الذي أوشك علي النفاد...
أن تستخلفها علي مملكتها الصغيرة بعدها...
+
نقلت آسيا بصرها بينهما بحيرة...
ثم قالت برجاء:
_لا أريد...
+
التقط بدر عبارتها ليقول بسرعة:
_حسناً...لا داعي لهذه النزهة مادمتِ خائفة....
هتفت سمية بلهفة:
_لأجل خاطري يا بدر...آسيا حبيسة هنا منذ جاءت...ليس من العدل أن نحتجزها هنا كالرهينة....
نظر إليها بدر بنفاد صبر...
ثم قال لآسيا:
_هيا يا آسيا لن نتأخر...
+
ترددت آسيا لحظة لكن سمية منحتها نظرة مشجعة فابتسمت لها...
ثم سارت خلف بدر في استسلام...
حتي ركبت جواره في السيارة التي انطلقت بهما مبتعدة...
راقبتهما سمية ببصرها في رضا حتي اختفيا عن ناظريها....
ثم جلست علي الأريكة تحتضن ياسين هامسة:
_هل تحب آسيا يا ياسين؟!
قال الصغير ببراءة:
_جداً يا أمي...
+
ربتت علي رأسه في حنان...
وهي تفكر...
لن تحمل هم بدر وياسين بعد الآن...
مرحباً بالموت في أي وقت...
لقد اطمأن قلبها عليهما أخيراً...
================================
+
سارت آسيا جواره في هذا المتجر الكبير نوعاً وهي تشعر بالحرج...
رغم أنها تعتبر السيد بدر كأخيها الأكبر...
لكنها تشعر ببعض الذنب في خروجها معه هكذا...
لو كان ياسين معها لنهرها علي فعلتها وربما كان خاصمها ليوم كامل....!!!!
+
ابتسمت في شرود وهي تتذكر...
ياسين الحبيب لم يكن يقوي علي خصامها لأكثر من يوم...!!
يعود لها بعدها وبمجرد ما تنظر إليه في اشتياق كان يبتسم لها وكأن شيئاً لم يكن...
دمعت عيناها وهي تعود لواقعها المؤلم...
حيث لا حب ولا خصام ولا اشتياق...
لا ياسين!!!
فقط آسيا الشريدة الهاربة المختبئة كالمجرمين....!!!!
+
بينما كان بدر يشعر بالضيق....
نظرات الناس حوله تتمركز حول آسيا بشكل ملحوظ...
الفتاة فاتنة حقاً...
ويبدو أن هذا ليس رأيه وحده...!!!
+
لاحظ أحد الشباب الذي اقترب ليتصنع الاصطدام بها وكأنها صدفة...
فجذبها بدر بعيداً عنه في اللحظة الأخيرة وهو،يرمقه بنظرة زاجرة....
همست آسيا بحرج:
_المكان أكثر ازدحاماً مما توقعت...
+
أومأ بدر برأسه إيجاباً وهو يقول:
_إنه أكثر ازدحاماً هذه الأيام....لبدء موسم الدراسة....
همست آسيا في شرود:
_كان من المفترض أن أتسلم عملي في هذه الأيام...
+
رمقها بإشفاق وهو يشعر بمرارتها...
آسيا لازالت تعيش مسلسل خسارة مستمر....
وهو يخشي عليها عاقبة هذا....
للأسف...لا يري لها غداً مشرقاً...
إلا لو تركت المزرعة...
يمكنها ساعتها البدء من جديد في مكان آخر...
لكن من يضمن له ألا يستغلها أحدهم....
فتاة بفتنتها وظروفها المعقدة ستكون مطمعاً للكثيرين !!!
+
للأسف هذه الفتاة في ورطة...
وجودها معهم في المزرعة يقطع عنها فرص الحياة...
ورحيلها عنهم يهدد أمانها...
وهو لا يدري كيف يساعدها؟!!!
+
نفض أفكاره البائسة وهو يلاحظ أنها ليست أفضل منه حالاً...
فقال محاولاً التسرية عنها:
_لماذا لم تشترِ شيئاً من هنا؟! يمكنك الحصول علي ما تريدين ...أنا أدخر لكِ راتبك منذ قدمتِ إلينا...
هتفت في اعتراض:
_أي راتب سيد بدر؟!!!أنتم تتحملون إقامتي كاملة...لا طبعاً لا أريد راتباً....
+
لوح بسبابته هاتفاً بصوته الذي يخيفها أحياناً:
_لا جدال في هذا الأمر يا آسيا...راتبك أدخره كاملاً وستحصلين عليه متي تريدين...أو عندما تغادرين المزرعة...
اتسعت عيناها بجزع وهي تهمس:
_أغادر؟!!
تنهد في يأس وهو يري الضياع في نظراتها بمجرد نطقه للكلمة فقال بتعقل:
_لن يطلب منك أحد الرحيل يا آسيا...نحن نحتاجك أكثر مما تحتاجيننا أنت...لكن لو أردتِ أنت الرحيل فلن يمنعك أحد....
دمعت عيناها وهي تهمس بصدق:
_لا أريد ترككم سيد بدر...لقد عوضني الله بكم عن أهلي...العم كساب أبي...سمية أختي وأنت أخي...وياسين ابني الذي لم أنجبه...فلماذا أترككم؟!
هز رأسه وهو،يفكر...
هذه الغافلة لا تدرك أن الحياة أكبر من هذا....
لا تدرك أن عمرها سيتسرب منها دون أن تكون عائلة حقيقية....
+
قطعت أفكاره عندما همست :
_دعنا نعد سيد بدر...لم أعد أريد البقاء هنا بعد اذنك....
لوح بكفه هاتفاً:
_لكنكِ لم تشتري أي شئ....
قالت بابتسامة صغيرة:
_لم أكن أريد شيئاً...أنا فقط هادنت سمية الحبيبة كي لا تغضب....
+
ابتسم لاهتمامها بسمية فقال باستسلام:
_حسناً....كما تريدين...
+
عاد بها لسيارته التي استقلتها جواره...
وفي مصادفة قدرية نادرة...
التفتت للسيارة التي تجاور سيارتهما علي الطريق...
لتلمحه...
نعم...ياسين...!!!!!!
+
الذي كان عائداً لمدينتهم مع رقية التي كانت تضاحكه الآن بمرح....
تسمرت عيناها عليه وهي تكذبهما....
نعم...عيناها تكذبان...
وقلبها صادق...
ياسين لن ينساها بسرعة هكذا....
لكنه...حقاً فعل!!!!
+
ياسين نسيها؟!!!!
مضي في حياته مع زوجته يسافر معها ويضاحكها ونسي آسيا حب عمره؟!!!!
+
الآن فقط صدقت أنها ماتت...!!!
ليس وهماً كما حاولت أن تقنع أهلها...
لكنها الحقيقة الآن...
طالما أعلنها ياسين ميتة في قلبه فكأنما أعلنها العالم أجمع....!!!!
+
انتحبت بقوة وهي تراقب سيارته تختفي عن ناظريها دون حتي أن يلاحظها...
وكيف يفعل؟!!!
وعيناه كانتا غافلتين حتي عن الطريق معلقتين بزوجته...
الآن صدّقي يا آسيا...
أنتِ ميتة...
ميتة!!!!
+
دفنت وجهها بين كفيها وهي منهارة ودموعها تنعي حباً ظنته أقوي من أن يموت...
أوقف بدر السيارة علي جانب الطريق وهو،يسألها بقلق:
_ماذا حدث يا آسيا؟!لماذا تبكين هكذا؟!!!!
3
لم تستطع الرد عليه فقد كانت غارقة في صدمتها بما رأت...
أحس بدر بالعجز وهو لا يفهم ما الذي أصابها فجأة...
وهي غير قادرة علي الكلام كما يبدو....
+
أعاد تشغيل السيارة عائداً للمزرعة آملاً أن تتمكن سمية من معرفة ما الذي جري لها....
وصلا إلي المزرعة بعد دقائق...
لتترجل آسيا من السيارة بسرعة هاربة إلي غرفتها الخارجية وهي تبكي في غزارة....
رأتها سمية فانتفضت بقلق من جلستها وهي تتوجه نحو،بدر لتسأله:
_ما الذي حدث لآسيا يا بدر؟!
+
هتف بقلق :
_لا أدري يا سمية...كانت تجلس جواري في السيارة وفجأة وجدتها تبكي،هكذا دون سبب...سألتها فلم ترد علي...اذهبي إليها واسأليها ما خطبها....
+
اندفعت سمية نحو غرفة آسيا الخارجية والتي تقع خارج المنزل كما اختارتها لها منذ قدمت...
طرقت الباب برفق...
ثم دخلت ليروعها منظر آسيا الباكية في انهيار...
توجهت إليها لتحتضنها بقوة فصرخت آسيا في انهيار:
_لقد مت يا سمية ...مت...ياسين نسيني...
1
ربتت سمية علي ظهرها وهي تقول بقلق:
_اهدئي يا آسيا وأخبريني ماذا حدث....
+
ظلت آسيا تبكي في حضنها للحظات عاجزة عن الكلام...
ثم حكت لها باقتضاب...
+
تنهدت سمية وهي تقول بتعقل:
_لابد أن تفرحي لأجله يا آسيا وليس العكس...
رفعت آسيا رأسها لتهتف في استنكار:
_أفرح؟!
ابتسمت سمية وهي تقول بشرود:
_هل كنتِ تفضلين لو يقضي عمره بعد رحيلك في حزنه ووحدته؟!!
هزت آسيا رأسها نفياً وهي تهمس بألم:
_لا طبعي...عمري كله فداء لحزنه...لكنك لا تدركين شعوري عندما رأيته معها...نار يا سمية...ناااار...
دمعت عينا سمية وهي تأخذ نفساً عميقاً لتهمس في غموض:
_أدركه يا آسيا...أدركه بأكثر مما تتصورين...
+
أطرقت آسيا برأسها غافلة عما تقصده سمية...
فربتت سمية علي،رأسها وهي تقول بحنان:
_ياسين فعل الصواب...مضي في طريقه ولم يعاند قدره...افعلي مثله يا آسيا...امضي في طريقك وتصالحي مع قدرك...
هزت آسيا رأسها وهي تهمس في ألم:
_ياسين كان طريقي...وكان قدري...
تنهدت سمية هامسة :
_كان يا آسيا...كان...
+
نظرت إليها آسيا بصدمة...
كيف تتقبل أن يخرج ياسين من حياتها هكذا...
هل يسلخ المرء من جلده بهذه البساطة؟!!!
ياسين ليس مجرد حب قديم اختلط بسنوات طفولتها وشبابها...
ياسين هو الهواء الذي كانت تتنفسه...
هو الحلم الذي كانت تحيا لأجله...
ياسين كان الحياة...كل الحياة....!!!
1
تفهمت سمية صدمتها وهي تربت علي ظهرها هامسة:
_لا تفكري في الماضي يا آسيا...من يدري...ربما كان القدر يدخر لك غداً فاتحاً ذراعيه بالوعود...
+
أطرقت آسيا برأسها وهي تفكر في كلماتها بشرود...
سمية تمثل صوت العقل الذي لا ينكره أحد...
لكن ما حيلتها في قلبها الذي يكاد ينفطر الآن حزناً وحسرة...؟!!
قلبها الذي تربي بين يديه يوماً بيوم...
وكبر بحبه ساعة بعد ساعة...
كيف ستستعيد دقاته التي تبعثرت بعده...
كيف ستكون آسيا لو لم يكن هناك ياسين؟!!!
==========================================================================
ركبت ساري سيارتها لتغادر القرية التي كانت تحمل لها المساعدات...
نظرت لساعتها في توتر ...
لقد تأخر الوقت وهي لم تنتبه...
تناولت هاتفها من حقيبتها لتجده قد فرغ شحنه...!
+
مطت شفتيها في استياء ...
فريدة العزيزة ستقلق عليها جداً...
كان من المفترض أن تكون في البيت منذ ثلاث ساعات...
لكن الطريق كان معطلاً في رحلة ذهابها..
وهي كانت مضطرة لتسليم هذه الأدوية لأصحابها اليوم....!
+
بلال العزيز كان مفيداً لهم جداً في هذه المواقف...
لقد كان هو من يقوم بهذه المهام المتضمنة لسفر طويل....
+
تذكرت بلال فابتسمت في مودة...
لقد اشتاقته حقاً...
عسي الله أن يحفظه في غربته ويرده سالماً...
تذكرت رسائله التي يرسلها لها يومياً عبر الايميل...
رقيقة مهذبة مثله...
لكنها تشعرها بقيمتها عنده...
بلال يحترمها ويقدرها كامرأة...
يهتم بها ولأمرها...
وهو شعور تفتقده تماماً مع حذيفة...!!
+
حذيفة الوقح الذي كان يحدثها عن تقشيرها للسمك له بعد زواجهما وهو يحتفظ بمنديل متسخ بأحمر شفاه بالتأكيد لا يخص والدته!!!!!
حذيفة الذي يعاملها وكأنها ملكية خاصة بلا نقاش...
في الوقت الذي عجز فيه عن التخلي عن رفيقاته العابثات وحياته الماجنة...!!
+
شهقت في عنف وهي تفيق من شرودها لتري رجلين يعترضان طريق السيارة بهراوتين غليظتين في يديهما....
توقفت بالسيارة تلقائياً لتركنها علي جانب الطريق...
تقدم أحدهما نحوها هاتفاً:
_انزلي.
+
نظرت للرجلين في تردد وهي تستغيث الله في سرها...
لا تعرف ماذا تفعل في هذه الورطة....
دمعت عيناها وقلبها يرتجف بعنف...
ما الحل الآن؟!
+
سمعت صوت رصاصة خلفها فالتفتت...
لم تصدق عينيها وهي تري حذيفة يترجل من سيارته ليواجه الرجلين بمسدس يحمله....
هرب الرجلان بسرعة...
فيما تقدم نحوها هو ليهتف بغضب:
_هل هناك فتاة محترمة تقود سيارتها ليلاًّ وحدها في طريق كهذا وبظروف البلد الآن؟!
كان جسدها يرتعش من هول الموقف فلم تقوَ علي الرد...
فيما زفر هو بقوة وهو،يفتح بابها هاتفاً:
_انزلي واركبي معي....اتركي السيارة هنا سآتي لآخذها لاحقاً...
+
أطاعته وهي ترتجف حرفياً ...
لم تتعرض لموقف مثل هذا في حياتها...
ماذا كان يمكن أن يحدث لها لو لم يأتِ حذيفة الآن؟!
+
ركبت جواره في،سيارته وهي صامتة...
لينطلق هو بالسيارة بسرعة...
احترم صمتها للحظات ثم سألها أخيراً بإشفاق لا يخلو من خشونة:
_أنتِ بخير؟!
أومأت برأسها إيجاباً دون أن تتكلم...
فزفر بقوة وهو يقول بضيق:
_كدت أجن عندما أخبرتني العمة فريدة أنكِ تأخرت اليوم وهاتفك مغلق...اتصلت أمامي بصديقتك التي أخبرتها أنكِ سافرتِ لتلك القرية وحدك...لم أكد أصل للقرية حيث العنوان الذي منحته لي صديقتك حتي أخبروني أنك رحلتِ لتوك...لم أصدق عيني عندما رأيت سيارتك من بعيد تتوقف أمام هذا الفخ البشري...حمداً لله أنني تمكنت من ترخيص سلاحي قبل فترة بعدما جد في ظروف البلد مؤخراً...
+
همست بصعوبة:
_آسفة لأني أتعبتك.
خبط علي مقود السيارة وهو،يهتف بغضب:
_آسفة؟! وماذا كنت سأجنيه من أسفك هذا لو كان حدث لكِ مكروه؟!
+
أطرقت برأسها وهي تهمس في اقتضاب:
_كنت ستتخلص من فرض جدك الكريه الذي أجبرت عليه.
التفت نحوها بحدة وهو يقول بسخط:
_هل تظنين أنني لازلت أراكِ كذلك.؟!
رفعت رأسها وهي تنظر للطريق قائلة:
_انظر أمامك ...انتبه للطريق...
+
توقف بالسيارة بعنف فاندفع جسدها للأمام بقوة وهي تشهق في عنف...
التفتت إليه بحدة وهي تهتف:
_ماذا تفعل؟!
+
نظر لعينيها بقوة وهو يقول بانفعال:
_يجب أن نتحدث في هذا الأمر يا ساري...
أشاحت بوجهها وهي تقول بمرارة:
_وبمَ سيفيد الحديث؟! لن يلتقي طريقانا يوماً يا حذيفة...
ثم التفتت إليه لتقول بحزن واضح:
_تلومني لأنني سافرت وحدي اليوم وأنا كنت أوزع أدوية علي محتاجين لا يجدون ثمنها...بينما لا تعرف أنت السفر إلا مع رفيقاتك للهو والمرح...كيف ستفهمني اذا كان حذيفة النجدي لا يري سوي نفسه فقط؟!!!
+
صدمه منطقها فتنهد في ضيق...
فيما أردفت بحزن مرير:
_لا أتصور أن أكون يوماً زوجتك...أري نظرات الناس حولي تتأرجح بين السخرية والإشفاق علي تلك الزوجة التي يعرف الجميع أن زوجها يخونها كل يوم...أن أقضي يومي في،سماع إشاعات الناس حول آخر علاقاتك العاطفية...أن أستيقظ ليلاً علي صوت هاتفك باتصال من امرأة تريدك...أن أفتح عيني نهاراً علي جانبك الخالي من الفراش...أن أكون مجرد ظل لرجل لا يراني أكثر من دمية ربحها في مقامرة ...فرض ثقيل أداه مجبوراً...
+
دمعت عيناه حقيقة وهو،يسمعها تتحدث بكل هذه المرارة...
لا يعرف بم يرد عليها...
هي محقة في كل ما قالته عنه...
لكنه ....
+
قطعت أفكاره وهي تهتف في عجز:
_ها قد تحدثت فهل أفاد حديثي شيئاً؟! دعنا نعد للبيت ...أمي قلقة لأجلي...
+
قالتها وهي تشيح بوجهها...
نظر إلي جانب وجهها طويلاً لا يعرف ماذا يقول...
هو يعرف أنه ليس علي الطريق القويم لكنه لا يريد أن يتغير...
حياته الحالية تعجبه...
يعيش شبابه بكل الفرص التي منحتها له الحياة...
ولا يختلف في هذا عن رفقائه الذين حوله...
كلهم مثله يجدون سعادتهم في طريقهم هذا...
فلماذا يشق علي نفسه بالتغيير؟!!!
+
ساري ستكون له في النهاية..
حتي لو رغماً عنها...!!!
وربما...
ربما...عندما يتزوجها يزهد في بقية النساء...
هذا يعتمد علي مهارتها في استبقائه جوارها...!!!!
عليها هي أن تبذل جهدها للحفاظ عليه...
لكنه هو لن يتغير !!!
1
هذا ما حدث به نفسه وهو يعيد تشغيل السيارة ليعود بها للمنزل...
لم يتحدث أحدهما بكلمة طوال الطريق...
لم يعد هناك ما يقال!!!
+
وصلا إلي المنزل ليجدا ياسين ورقية أيضاً علي وشك الدخول...
وبعد طقوس الترحيب المعهودة صعد الجميع لشقة الجد قاسم...
حيث كان السيد عاصم الهاشمي ينتظر رقية هناك...
+
ارتمت رقية في حضنه وهي تقول بعاطفة:
_افتقدتك يا والدي جدا...
ضمها عاصم إليه وهو ينظر إلي ياسين المبتسم ليقول برضا:
_سعادتك تبدو علي وجهك كخيوط النور يا رقية...
رفعت رأسها إليه وهي تقول بصدق لم يخلُ من خجل:
_جداً يا أبي...جداً...
اقترب ياسين منها ليمسك كفها هاتفاً بمرح:
_أدام الله علينا رضا السلطانة رقية...
ضحك الجميع بمرح فقال عاصم لابنته:
_يمكنكما الصعود للراحة بعد تعب الطريق...سأبقي مع الحاج قاسم قليلاً....
+
صعدت رقية مع ياسين متشابكي الأيدي...
فالتفت قاسم لساري التي كانت تراقبهما بحسرة...
رغم إعجابها الشديد برقية لكنها لا تملك إلا أن تتذكر آسيا التي كان حلم عمرها أن تكون مكانها.....
..لكن لا مكان للأحلام في قلوب الجواري!!!!
لقد ضاع حلم آسيا...
وضاعت آسيا نفسها!!!!
+
تأمل قاسم شرودها للحظة ثم قال بهدوء:
_اصعدي لوالدتك يا ساري...هي قلقة من أجلك...
همت بالصعود لكن السيد عاصم استوقفها بقوله في حنو:
_ابقي قليلاً يابنتي...أريد التحدث مع الحاج قاسم بشأنك...
+
تشنج حذيفة الذي كان واقفاً مراقباً في صمت يمتزج بلامبالاة....
حتي قال السيد عاصم هذه العبارة لتنتبه حواسه كلها...
ما الذي يريد السيد عاصم التحدث بشأنه عن ساري...؟!!!
هل من الممكن أن...؟!!!
+
قطع قاسم أفكاره الهائجة وهو يخاطب السيد عاصم قائلاً:
_لا تُخجلها يا سيد عاصم...سأسألها أنا علي انفراد...
قام السيد عاصم واقفاً وهو،يقول ببشاشة:
_أنا أستبشر خيراً يا حاج قاسم...
+
صافحه قاسم بحرارة ثم ودعه حتي باب البيت...
ليعود لساري وحذيفة الذي أدرك تقريباً فحوي الحديث...
جلس قاسم علي كرسيه مسنداً رأسه علي عصاه ...
شرد للحظات يفكر ثم قال لساري ببطء:
_السيد عاصم يريدك لابنه بلال...
+
اتسعت عينا ساري في دهشة...
بلال يريد الزواج منها هي؟!!!!
وحذيفة؟!!!
هل سيخلف قاسم النجدي كلمته؟!!!
+
قاطع حذيفة أفكارها وهو،يهتف بنزق:
_كيف هذا يا جدي؟! أنت قلت أنها لي أنا!
هتف قاسم بصوته المهيب:
_اخرس يا ولد.
احمر وجه حذيفة بغضب عندما أردف قاسم بحدة:
_أنا أردت تزويج بنات سعد من أولاد عمومتهن لحمايتهن...لكنني لا أئتمنك عليها كلية...أنت خيبت ظني...كل المدينة تحكي عن فسادك وطيشك...ومع هذا كنت آمل أن تتغير بعد الزواج ...وهذا لازال وارداً...
عقد حذيفة حاجبيه وهو،يغمغم بتوتر:
_لا زال وارداً؟! ماذا تعني يا جدي؟!
التفت قاسم نحو ساري ليقول بلين غريب علي طبعه الجاف:
_أنتِ أقرب حفيداتي لقلبي يا ساري...ربما لأنك لم تتنعمي بحنان أبيكِ بالقدر الكافي كأختيكِ كما أنني أثق في رجاحة عقلك...لهذا سأمنحك ما لم أمنحه لأختيكِ طالما شاء لكِ القدر هذا أنتِ بالذات...
+
همست في ترقب:
_ما الذي ستمنحني إياه يا جدي؟!
دق قاسم بعصاه علي الأرض وهو يقول بحزم:
_الاختيار!
ثم أردف في شرود:
_عاصم الهاشمي نسب لا يرفض ...سعيت إليه سعياً مع ياسين...لكن حذيفة يبقي ابن عمك الذي هو أولي بكِ من الغريب...فانظري ماذا ترين...
+
تحاشت ساري النظر لحذيفة الذي كاد يحترق الآن غضباً وهو يقول :
_سأنصرف بعد إذنك يا جدي.
+
لوح له قاسم بكفه في امتعاض فخرج مسرعاً...
فيما وقفت ساري لتقول لجدها بارتباك:
_امنحني بعض الوقت للتفكير يا جدي.
+
نظر إليها قاسم بعمق وكأنه يدرس ملامحها ثم قال بغموض:
_حذيفة معدنه أصيل لكن يعلوه بعض الصدأ...سيتعبكِ كثيراً قبل أن تتمكني من إجلائه ليعود براقاً كما كان...لكن لو أردتِ الربح السريع فبلال الهاشمي صفقة رابحة لن تخيب رجاءك....
أطرقت برأسها وهي تقول بتوتر:
_سأعقل كلامك كله يا جدي قبل أن أعطيك كلمتي...
1
أومأ برأسه في إيجاب...
فغادرت شقته مسرعة لتصعد الدرج نحو شقتها عندما رأته واقفاً ينتظرها في الردهة بين شقتيهما...
نظرت إليه بترقب ليفاجئها بأن جذبها من ذراعها بقوة ليقول بغضب:
_طبعاً ستختارين ابن الهاشمي...أليس كذلك؟!
+
ازدردت ريقها بتوتر وهي تشعر بالاضطراب...
لم تتصور أن تتغير الأمور هكذا بين عشية وضحاها...
+
لقد كانت تتعامل مع زواجها منه وكأنه أمر مسلم به!!!
لكن عرض بلال الهاشمي في هذا التوقيت أقرب للمعجزة!!!
+
قطع أفكارها وهو يهمس غاضباً حتي لا يسمعه أحد:
_لهذا كنتِ دوماً تقولين لي ألا أتعجل ما يحمله الغد؟!!! كنتِ تدبرين هذا الأمر مع ابن الهاشمي؟!!
عقدت حاجبيها بشدة وهي تهمس بدورها :
_احترم نفسك...ساري النجدي لن تعطي وعداً لرجل وهي في حكم المخطوبة لرجل آخر...حتي لو كان مثلك!
قالت عبارتها الأخيرة باحتقار واضح فكز علي أسنانه هامساً بتصميم:
_أنتِ لي يا ساري...حتي لو اضطررت للوقوف في وجه قاسم النجدي نفسه!
اتسعت عيناها في ارتياع وهو يردف بغموض:
_لكنني لن أفعل حتي أستنفذ معكِ أنتِ كل الطرق...
نزعت ذراعها منه وهي تقول باضطراب:
_لن أعطي كلمتي قبل زفاف جوري وعمار...
+
ابتسم بسخرية وهو يقول بقسوة:
_كلمتك الوحيدة ستكون لي أنا...أنا سأكون اختيارك يا ساري...
==========================================================================
دخل ياسين شقتهما ليقول لها بحنانه الموشوم باسمه :
_فلتتفضل السلطانة بالدخول.
دخلت وهي تبتسم هامسة في خجل:
_أنت تدللني كثيراً يا ياسين.
ابتسم قائلاً في تقدير:
_تستحقين كل التدليل يا رقية...
اتسعت ابتسامتها وهي تتجه نحو غرفتها الصغيرة قائلة:
_سأبدل ملابسي...
استوقفها بندائه ليلحق بها ويمسك كتفيها هامساً بما يشبه الرجاء:
_ابقي معي في غرفتنا يا رقية...لقد اعتدت علي وجودك جواري...اعتدت أن يكون وجهك آخر ما أراه قبل نومي وأول ما أفتح عليه عيني...
+
أطرقت برأسها وهي تتمني لو تخبره أنها مثله وربما أكثر...
لقد تغلغل بين خلايا روحها كلها حتي أدمنت وجوده جوارها....
كل يوم...
بل كل دقيقة تمر له معها تخبرها أن قلبها كان صادقاً في حدسه....
ياسين النجدي...يستحق كل دقات الفرح التي اختصه بها قلب رقية الهاشمي...
ربما من أول لقاء...
أدرك قلبها أنه هو الرجل الذي ادخر له حب العمر كله....!!!
+
أساء فهم إطراقها فرفع ذقنها إليه لينظر لعينيها هامساً:
_لا تقلقي...أنا علي وعدي لكِ...رغم أنه صار يشق علي كثيراً...
+
أشاحت بوجهها في خجل وهي تدرك ما يتحدث عنه...
فأمسك كفها ليتوجه بها نحو غرفتهما...
تأملت رقية الغرفة بدهشة...
كم تشعر بالغربة بين جدرانها...
إنها تشعر بالحنين لمنزلهما المنعزل...
حيث لا أحد سواهما...
تستمتع بقربه الذي يمنحها سعادة لا توصف....
وكأنه كل عالمها...
وكأنها كل عالمه!!!
+
قرأ ما بعينيها فهمس بحنان:
_سنعود إليه قريباً يا رقية...أنا أيضاً افتقدته مثلك....
+
ابتسمت بعاطفة صادقة وهي تراه يفهمها دون كلمات فقالت بمرح:
_صرتَ تفهمني يا صديقي...يبدو أنك علي الطريق الصحيح لكسب رهانك....
شعر بابتسامتها وكلماتها وكأنها تدغدغ روحه ...
تشق طريقها لقلبه بخجل لكن...بثقة...
ثقة امرأة تعرف قدرها جيداً...
وقدر ما يمكنها منحه إذا شاءت!!
+
اقترب منها ليمسك كتفيها هامساً بحزمه الممتزج بحنانه:
_سأكسبه يا رقية...أنا أحتاج لذلك...
نظرت إليه بعاطفة وهي تهمس :
_أنا أيضاً أحتاج لذلك يا ياسين...خاصة بعد سفر بلال وانشغال والديّ بالاضطرابات التي يمر بها البلد...أنا أحتاج لصداقتك....
ضم رأسها لصدره وهو،يهمس:
_لن أخذلك يا رقية...ولن أخذل نفسي قبلك...
+
رن جرس الباب في هذه اللحظة ....
فتوجه ياسين ليفتحه ليجدها والدته التي احتضنته بحرارة هاتفة:
_حمداً لله علي سلامتك يابني...
توجهت رقية نحوهما وهي تبتسم برقة فاحتضنتها راجية بقوة وهي تهتف:
_حمداً لله علي سلامتك يابنتي....لماذا تبدين شاحبة هكذا؟!
ضم ياسين رقية بأحد ذراعيه وهو،يقول:
_لقد مرضت هناك يا أمي...
شهقت راجية بعنف وهي تضع كفها علي صدرها لتقول :
_يا حبيبتي...سلمك الله يا غالية...لماذا لم تعد بها عندما مرضت يا ياسين؟!
رفعت رقية رأسها إليه لتنظر في عينيه قائلة في امتنان:
_ياسين لم يقصر يا عمتي...لقد أشبعني عناية وتدليلاً....
قبل رأسها وهو يقول:
_أبقاكِ الله لي يا رقية...
+
نظرت راجية إليهما بسعادة وهي تري معاملتهما الجديدة...
قلبها يخبرها أن ابنها سيجد سعادته مع هذه الفتاة الرائعة بعدما هيأت لهما الظروف كل السبل...
رقية الهاشمي فتاة رائعة...
يستحقها ابنها البكر بعد طول عذابه السابق....
=========================================================================
+
جلست ساري علي سريرها شاردة تفكر في وضعها الجديد...
حذيفة يظنها كانت علي علاقة ببلال..
بلال الذي يشهد الله أنها لم تعتبره أكثر من أخ عزيز...
لكن هذا الأحمق حذيفة يتوعدها...
ماذا كان يعني بقوله أنه سيستنفذ طرقه معها؟!!!
هل يظن أنه يمكنه إجبارها علي القبول به؟!!!
+
تنهدت في حرارة وهي تفكر...
لست في حاجة للإرهاب كي تجبرني علي اختيارك يا حذيفة...
قلبي الأحمق لن يختار غيرك ولو عانده عقلي وكبريائي وطموحي...
ولو عاندته الدنيا كلها!!!!
وأنا لن أتزوج رجلاً وقلبي معلق بغيره!!!
+
قطع أفكارها دخول جوري وفريدة لغرفتها....
فابتسمت في شحوب وهي تقول بمرح مصطنع:
_تعاليا وانظرا لهناءتي وسعدي....عريسان ينتظران تفضلي بقبول أحدهما وأنا أتدلل.
+
رمقتها فريدة بإشفاق...
ساري كعادتها تخفي ألمها ...
تكابر كي لا تبدي حزنها وحيرتها...
لكنها تشعر بها وبقلبها الذي تعلم علم اليقين أنه ملك حصري لحذيفة منذ الأزل...
+
ضمتها فريدة إلي حضنها وهي تجلس جوارها قائلة:
_لكِ الحق في حيرتكِ يا ساري...بلال الهاشمي لا يرفض...لكن حذيفة...
قطعت عبارتها وهي تهز رأسها في حيرة وكأنها تشارك ابنتها ارتباكها...
+
دفنت ساري وجهها في صدرها وكأنها تحتمي به من همومها...
ثم لم تعد قادرة علي التظاهر أكثر فهمست في ألم:
_انصحيني يا أمي...أختار من أحبه أم من يحبني؟!
+
هتفت جوري بحدة:
_لا تختاري هذا ولا ذاك....اختاري من تحبينه ويحبك...أنت تستحقين هذا...لن تعيشي سعيدة مع بلال وأنت تحبين حذيفة ولن تسعدي مع حذيفة وقلبه ليس لكِ...اسمعي نصيحتي وارفضي كليهما....
+
هزت ساري رأسها بحيرة وهي تقول:
_وهل سيمكنني قاسم النجدي من ذلك...؟! إنه -بالكاد-منحني حق الاختيار في سابقة لم تحدث من قبل...
أطرقت جويرية برأسها في ألم وهي تهمس:
_لعنة الجواري التي أصابتنا لن تتركنا حتي لو منحونا حق الاختيار...هو يخيرك بين جحيمين لا يقل أحدهما في لظاه عن الآخر...
+
تنهدت ساري في حرارة...
لا تدري هل جاء عرض بلال الهاشمي في هذا التوقيت كهدية من القدر حتي تقتلع جذور حذيفة السامة من تربتها لتورق أشجار حب جديدة ...
أم أن حذيفة النجدي هو لعنتها الأبدية التي لن يمكنها الفرار منها مهما حدث...؟!!!!
+
وأمامها كانت جوري تراقبها بإشفاق...
كم تتمني لساري رجلاً كزياد يحبها وتحبه....
خفق قلبها بعنف وهي تتذكر ما اتفقت عليه معه في مكالمتهما الأخيرة...
ستهرب معه في الليلة السابقة لليلة الزفاف مباشرة...
ليلة الحناء كما يدعونها...
سيكون البيت كله مشغولاً بالاعدادات...
يمكنها التسلل دون أن يشعر بها أحد....
+
نظرت لفريدة في إشفاق يحمل آلاف الاعتذارات...
هي تعلم أنها ستتألم لما سيحدث...
لكنها ستترك لها رسالة تخبرها فيها أنها ستكون سعيدة...
1
ومن يدري؟!
ربما عندما تمر الأيام وتعود إلي هنا مع زوجها تكون الأحوال قد تغيرت ...
رحل من رحل...!
ونسي من نسي...!
هذا هو أملها الذي يهون عليها مشقة ما هي مقدمة علي فعله...
وليس أهون علي الإنسان من خداع نفسه!!!!
==========================================================================
رن جرس الباب في شقة فريدة فتوجهت جوري لتفتحه...
+
صعقت عندما رأت عمار في وجهها فهتف بضيق:
_ألن تكفي عن هذا التعبير المزعج الذي ترسمينه علي وجهك كلما رأيتني؟! سأكون زوجك بعد أيام يجب أن تعتادي هذا....
أشاحت بوجهها في ضيق وهي تسأله بنفاد صبر:
_ماذا تريد يا عمار؟!
هتف بخشونة:
_بدلي ملابسك وتعالي معي لنشتري ثوب الزفاف....أنا استأذنت عمتي فريدة...
أطرقت برأسها وهي تشعر بالاختناق...
لا تريد صحبة هذا الغليظ ولا حتي للتسوق الذي تعشقه كباقي النساء...
لكنه مع عمار يصبح هماً ثقيلاً....
مثله تماماً!!!!
+
هتفت بضيق:
_انتظرني حتي آتيك...
وبعد نصف ساعة خرجت معه لأكبر محلات المدينة وأفخمها...
إنه زفاف جويرية وعمار النجدي...
ليس أقل من أفخم ثوب زفاف يليق بالأساطير كي يناسب لقب العائلة ومكانتها...
من يراها في ثيابها الفخمة الملكية لا يتصور أبداً أنها في نهاية الأمر ليست أكثر من جارية...
فهل تغير الثياب مهما فخمت حقيقة الجواري؟!!!!
+
اختارت أحد الفساتين بعشوائية دون أن تسأله عن رأيه بالطبع!!!!
هذا ثوب لن ترتديه أبداً...
لكنها ستكمل هذه المسرحية كي لا تثير الشكوك!!!
دخلت إلي "البروفة" الداخلية لترتدي الفستان...
ثم خرجت إليه لتسأله عن رأيه مجبورة!!!
+
تأملها عمار بانبهار...
هذه هي الصورة التي حملها لها طوال عمره...
جوري الحبيبة بفستان زفافها الأبيض...
عروس له وحده....
ظل يتأملها طويلاً في وله...
لا يدري هل يضئ هذا الثوب حقاً؟!
أم أنها هي من تضئ!!!
وكيف لا تفعل
وهي الشمس والقمر معاً...؟!!!
بل وكل النجوم...
نعم...جوري هي النور الذي تغلغل في روحه رويدا رويداً حتي تملكها...!!!!
3
فيما راقبت نظراته بدهشة بالغة...
هذه أول مرة تري،في عينيه هذه النظرات...
نظرات عاشقة مسحورة تلتمع كنجوم صغيرة في صفحة الليل السوداء!!!
نظرات تحوطها...تطوقها...تغلفها...تربت عليها...
تضمها...وترفعها...
ترفعها لأعلي جبال العاطفة...!!!
هل يحبها عمار حقاً كما يقولون؟!
لماذا إذن يعاملها بهذه الفظاظة؟!
هل يعرف قلباً خشناً كقلبه حباً كالذي تراه الآن نابضاً في عينيه؟!!!
1
ظل الحديث يدور بين عينيهما طويلاً...
حديث لا توفيه الكلمات حقه فوقفت مكانها عاجزة...
لم يقطعه سوي صوت صاحب المحل الذي جاء ليقول في مجاملة:
_تبدين فاتنة في هذا الثوب يا آنسة...
+
التفت إليه عمار بحدة وهو،يهتف:
_ماذا قلت؟!
ارتبك صاحب المحل وتنهدت جوري في استياء وهي تعلم مصير هذه المحادثة....
عادت إلي "البروفة" لتخلع الثوب ....
رفعته لتهم بخلعه لكن شيئاً ما جعلها تستبقيه علي جسدها للحظات...
تتأمله بشعور غريب...
ابتسمت ولم تعرف السبب!!!!
+
لكن ابتسامتها اختفت وهي تسمع عمار يصرخ في الرجل بالخارج:
_وما شأنك أنت إن كانت تبدو فاتنة أم لا؟! رجل وقح...
زفرت بقوة وهي تخلع الثوب بعصبية...
لتخرج لعمار الذي ظل يصرخ في الرجل...والرجل يحاول الاعتذار دون جدوي....
منحت الرجل الثوب لتقول ببرود:
_سنأخذ هذا...
أخذ منها الرجل الثوب وهو،يهرول لمكانه بعيداً لا يصدق أنه نجا من هذا الشجار!!!!
فيما التفتت نحو عمار لتقول بنفس البرود:
_إذا كنت أنهيت شجارك فهيا بنا...
+
عاد بها إلي المنزل يغلفهما الصمت طوال الطريق...
حتي وصلا فتوجهت لشقتها في عصبية...
لكنه استوقفها قائلاً:
_خذي ثوبك يا جوري.
تناولته منه بعنف فنظر لعينيها وهو يقول بلهجة غريبة وبصوت متهدج:
_لقد تشاجرت معه لأنه سبقني وقال ما كنت أريد قوله....
+
اتسعت عيناها في صدمة وهي تسمع منه هذا...
يبدو أنه بذل مجهوداً خرافياً ليتفوه بهذه الكلمات...
لا تصدق أن عمار يقول لها هذا...!!!
وبهذه اللهجة...وبهذا الانفعال....
شقت ابتسامة شاحبة طريقها لشفتيها ببطء....
وهي تنظر لعينيه العسليتين اللتين تكاد تقسم أنها أول مرة تركز في لونهما...
لتري فيهما شيئاً مختلفاً...
+
وعود؟؟!!!!
نعم...رأت آلاف الوعود بأشياء طالما حلمت بها خلف ستائرها الوردية...
أسف...واشتياق...وحب....
حب؟!!!
نفضت رأسها بقوة وهي تبتعد بعينيها عن عينيه لتقول في ارتباك:
_شكراً يا عمار.
عادت له غلظته رغماً عنه وهو،يقول بخشونة:
_احرصي علي ارتداء وشاح ساتر لأن الثوب ضيق...وإياكِ أن تقومي للرقص ليلة الزفاف حتي لو معي أنا.
+
قالها وهو يغادرها سريعاً خوفاً من أن تغلبه مشاعره نحوها...
فيما نظرت هي إلي الثوب بما يشبه الحسرة...
ليتها كانت عروساً عادية...
تفرح بعريسها وثوبها في ليلة العمر وسط أهلها....
لكنها مجبرة علي الاختيار...
وهي اختارت قلبها وسعادتها...
ولن تتراجع عن اختيارها....
+
من هذا الذي يريدونها أن تكمل عمرها معه؟!!!
عمار؟!
عمار الذي تشاجر لتوه وهو،يشتري ثوب الزفاف...؟!!
بل ربما لن يتورع عن الشجار ليلة زفافه نفسها!!!!!
لا لا لا لا ....
لن تتراجع...
هو زياد وعالمه الجديد ولا خيار آخر!
==========================================================================
وقف بدر خارج الغرفة التي تحتجز فيها الآن سمية في المشفي وهو يكاد يموت...
أسبوع كامل مر عليها هنا غارقة في غيبوبتها لا تكاد تفيق منها إلا بضع دقائق...
كل الأطباء يشفقون علي حاله ويخفون عنه وضعها لكنه يشعر أن النهاية اقتربت...
اقتربت جداً....
+
أخذ نفساً عميقاً يحاول تهدئة قلبه الذي يرتعد بين ضلوعه...
هل سترحل سمية للأبد حقاً كما يقولون؟!
لن تبقي معه دوماً كما تعاهدا منذ زمن بعيد...؟!
لن يشرق صباحه بشمسها التي دونها الكون كله جليد؟!!!
لن ينام علي حكاياتها التي تداعب أذنيه بصوتها العذب؟!!!
+
سمية سترحل؟!!!
ستتركه وحيداً في عالم صنعه خصيصاً من أجلها...
هو الذي هرب بها بعيداً عن كل الناس لتكون وحدها كل أهله وكل دنياه!!!
+
اقتربت منه آسيا وهي تقول بإشفاق وسط دموعها الغزيرة:
_دعنا ندخل سيد بدر ربما تكون قد أفاقت من غيبوبتها...
+
نظر إليها بشرود وهو،يفكر...
هو يتحرق شوقاً للدخول إليها ...
لاحتضان كفها لعله يبعث الدفء في أوصاله...
للتفحص في ملامحها لعله يتزود منها قبل صيامه الطويل عنها...
لكنه يخاف...
أنامله ترتعد علي مقبض الباب...
يخشي أن يدخل فيجد الموت سبقه إليها ...
يخشي أن يشهد بعينيه آخر نفس تلفظه روحها معه...
يخشي ألا يحتمل هذه اللحظة وهو الذي يعد نفسه لها منذ عهد طويل لكن دون جدوي!!!
+
أحست به آسيا فقالت بحزن:
_دعنا ندخل...إنها حتما ستشعر بوجودنا معها حتي لو لم تستفق من غيبوبتها...يكفي أن نبقي جوارها...
قالتها وهي تمسك المقبض لتلفه برفق...
ثم دلفت إلي الداخل...
جلست علي طرف السرير وهي تمسك بيد سمية هامسة في حب وكأنها تسمعها:
_سمية...حبيبتي وصديقتي وشقيقتي...أفيقي لأجلي...لأجل بدر وياسين...قاومي يا حبيبتي لأننا كلنا نحتاجك...لقد حُرِمت من أهلي يا سمية...ولا أريد أن أُحرم منكِ أنتِ أيضاً....
+
غلبتها دموعها في عبارتها الأخيرة...
فقال بدر بمواساة:
_كلنا أهلك يا آسيا...هوني عليك...
+
وكأنما شعرت سمية بهما ففتحت عينيها ببطء وهي تتلفت حولها لتهمس بابتسامتها ذات السكينة:
_بدر...آسيا...حمداً لله أنكما هنا..
توجه بدر نحوها بلهفة وهو،يقبل كفها قائلاً:
_الحمد لله يا حبيبتي ...افتقدت صوتك يا سمية...افتقدتك بجنون...
+
ابتسمت له سمية بصعوبة وهي تنقل بصرها بين كفها الذي يمسكه بدر...
وكفها الآخر الذي تمسكه آسيا....
لتهمس بخفوت:
_الحمد لله...
قامت آسيا لتهتف بلهفة:
_حمداً لله علي سلامتكِ يا حبيبتي...سأنادي الطبيب حالاً...
+
غادرتهما بلهفة لتنادي الطبيب...
فهمست سمية بصعوبة:
_وصيتي لك هي آسيا...لا تتركها ...
ضغط علي شفتيه بقوة وهو يقاوم دموعه هامساً:
_لن نتركها يا سمية...أنا وأنتِ سنرعاها كما كنا....
تلفتت حولها وهي تهمس بضعف:
_كنت أريد رؤية ياسين...لكن من الأفضل ألا يراني هنا...اعتنِ به يا بدر علمه ركوب الخيل ليكون مثلك...أخبره عني دوماً واجعله يدعو لي...أخبره أني أنتظره في الجنة....
+
أغمض عينيه في ألم وهو يتمني لو يكون كل هذا مجرد كابوس.....
سيصحو منه ليجدها جواره تربت علي كتفه وتخفيه في حضنها حتي ينام من جديد.....
+
ابتسمت سمية في شحوب وهي تهمس:
_اشتقت لاسمك الحقيقي يا حبيبي...
قبل كفها وهو يهمس:
_وأنا اشتقت لسماعه منكِ...لكننا اتفقنا ألا نعود إليه كي لا نهدم كل ما بنيناه...
همست وهي تشعر بأن روحها تتسرب منها...:
_آخر مرة...آخر مرة سأقولها...أحبك يا...جسار...!!!
1
ضم كفها لصدره ولم يعد قادراً علي منع دموعه ليقول بحرارة:
_وأنا أحببتك وسأحبك طوال عمري يا سمية...
2
اتسعت ابتسامتها وأضاءت ملامحها بنور عجيب..
ثم همست بالشهادتين في خفوت...
ليرتخي كفها الذي يحتضنه علي صدره....
+
لقد رحلت سمية...
رحلت للأبد....
#######انتهى الفصل
+

