اخر الروايات

رواية رسالة من زوجي الميت الفصل التاسع 9 السيد عبدالكريم

رواية رسالة من زوجي الميت الفصل التاسع 9 السيد عبدالكريم


الفصل التاسع من رواية رسالة من زوجي الميت
يرويه نادر التاجي
مرّتْ 3 أيام منذ رحيل سارة وقبل رحيلها التقطتْ لي صورة ووعدتني أنْ تنشرها بين معارفها خاصة أنّها أخبرتني أنها تعمل في مكتب محاماة مشهور في الإسكندرية ، ومنذ رحيلها لم أري رحمة ، وحينما كنتُ أذهب لبيت عم حسن لم أكن أراها ، كنت أشعر أنّها تتعمد عدم لقائي ، كانتْ والدتها هي مَنْ تقدم لنا الشاي ، وكنتُ حريصا أنْ تكون زياراتي لبيت عم حسن محدودة أوي ولم أكن أزورهم إلاّ إذا طلب منّي ذلك .
ثم جاء عصر يوم كنتُ في المزرعة اخبرني عم حسن أنْ رحمة سوف تأتي المزرعة لتحضر له بعض الأشياء ، والساعة الرابعة عصرا طلب شاهين من عم حسن أنْ يحضر للفيلا ، تركني عم حسن في المزرعة بعدما أمرني بمتابعة الأنفار والعمّال ، وحينما حضرتْ رحمة لم يكن عم حسن موجودا ، وتقابلنا وجها لوجها بعد فترة انقطاع ، قالتْ في لهجة رسمية :
ـ هو أبويا فين ؟
أجبتُ :
ـ عند شاهين في الفيلا لمقابلة بعض تجار القاهرة .
قالتْ :
ـ طيب يا ريت حضرتك توصلّه الحاجة دي .
وأعطتني لفافة قماشية وغادرتْ .
ووقفتُ شاردا أحمل اللفافة بين يدي وبدأتُ أفكر
( هل أسألها عن سبب تغييرها !!!!)
لم تبتعد كثير وبالتحديد كانتْ تحت شجرة البرتقال ، ناديتُ عليها وسألتها :
ـ بعد إذنك يا رحمة .. هو أنا صدر منّي أي شيء مش كويس .
قالتْ :
ـ ما تسأل نفسك .
كانتْ إجابتها لا تخلو من تلميحات واتهام ، فقلتُ :
ـ ما أنا سألتُ نفسي كتير .
وهنا انهار سدها وانفجرتْ قائلة :
ـ اه ما أنتَ ما صدقت شفتها ... بس عندك حق .. هى خريجة جامعة وأنتَ متعلم وخريج جامعة ... هي حلوة وبنت مدينة وأنتَ ابن مدينة ... يبقى هتبص ليه لواحدة زيي ... فعلا لايقيين اوي على بعض .
وهنا بدأتُ أفهم ؛ فقلت :
ـ بس أنا مقعدتش معاها غير مرتين وانتي كنتي معانا في المرتين ومصدرتش منّي اى حاجة تُسيء ليكي أو ليها .
قالتْ :
ـ والله !!!... أنتَ هتبقي تلميذي من انهارده يا أستاذ غريب ... وحاسة إنّك هتبقى تلميذ شاطر ... وطول ما هي بتشرحلك على الزفت ده وأنتَ عمّال تتأمل في وشها من غير ما تراعي ..... ما تراعي ....
وهنا توقفتْ عن الكلام ؛ لأن دموعها هي مَنْ قامتْ بالكلام ، كانتْ تتكلم وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال ، وأناملها ترتعش في انفعال ، وبسرعة مسحتْ دموعها واستدارتْ لتغادر ، فاستوقفتها وقلت :
ـ أنا مقدر كل اللى انتي فيه ... بس مشاعرك الجميلة دي اللى متأكد إنّها أول مرة تطلع لشاب لازم تكون في مكانها الصحيح ... لازم مشاعرك دي تكون لشاب تعرفي ماضيه ومطّمنة على حاضره ومستقبله ، أنا هنا شغّال شيّال يا رحمة ، ومعرفش أنا مين ولا عملت إيه في حياتي الماضية ، أنا واحد لا استاهل المشاعر الجميلة دي ... لو كنت وغد وأناني كنت جاريتك في مشاعرك وانتهزت فرصة إنّي عايش ببلاش وهورث كل حاجة من أرض عم حسن ... بس علشان أنا بحبك وبحب عم حسن ووالدتك فلازم أحافظ عليكم وعليكي انتي بالذات ؛علشان أحس إنّي رديت الجميل لوالدك اللى سمح لشخص غريب ميعرفش أي حاجة عنّه يدخل بيته وسط مراته وبنته .
قالتْ ومازالتْ في انفعالها :
ـ كلام من كلام بتوع الجامعة ...أنا مش بعمل حاجة غلط ... وأنتَ مش بتعمل حاجة غلط .. أكيد المشاعر دي ليها نهاية طبيعية .
قلتُ :
ـ تقبلي تتجوزي واحد متهم في جريمة قتل !
قالتْ :
ـ أنتَ بتتكلم عن إيه ؟
أجبت :
ـ أنا هربان من مستشفي لأنهم كانوا هيحققوا معايا في جريمة قتل مش فاكر عنها أي حاجة بس متهم فيها ... أنا مش فاكر اى حاجة من الماضي .... انتى اللى تعرفيه عنّي إنّي شاكر الشاب اللى شغّال مع والدك في المزرعة ... لكن جايز تكتشفي إنّي مجرم أو متجوز أو مطلق أو هربان من مصيبة ... انا مجرد شخص قابلتيه واعجبتي بيه لاني جايز أكون أول محطة يقف فيها قطار حياتك ... بس مش عايزك تنزلي المحطة الغلط ... انتي لسه صغيرة ولازم تحلمي بشاب له ماضي معروف وتحلموا مع بعض بالمستقبل ..
قالت :
ـ اخلاقك دي استحالة تكون أخلاق واحد من إياهم ... وانا مليش علاقة بماضيك .. أنا يهمني الحاضر .. وأنتَ بقيت لى الحاضر والمستقبل ....أنتَ متعرفش حياتي كان شكلها ازاى قبل ما أشوفك ... جسم عايش وخلاص ... جسم بلا روح ولا قلب ... لكن أول مرة أحس إنّي إنسانة بعد ما شفتك ... أنتَ كنت الضياء الوحيد في حياتي ... فاكر لمّا قلتلك هتعرف مع الأيام ليه سميتك ضياء .. كنت بحسبك هتفهمها لوحدك ... بس يظهر إنْ تعليم الجامعة مش بيعلم كل حاجة .
وهنا رأيتُ من بعيد أحد العمّال يقترب وينادي عليا ، ساعتها رحلتْ رحمة وهي تحاول أنْ تستعيد توازنها ، ذهبتُ مع الرجل إلى الفيلا ،
أعطيتُ عم حسن اللفافة وسمعتُ شاهين يقول :
ـ اسمع يا غريب ... البيه الكبير على وصول ... هيقعد هنا أيام وبعدها هيسافر ... عم حسن أصر تكون معانا في الفيلا فترة إقامة غسان بيه .
قلتُ :
ـ بس دوري هيكون إيه ؟
أجاب :
ـ دى أوامر يا غريب يعني تنفذها وخلاص ... هتكون هنا في الفيلا مع عم حسن والطباخين والخدم ... البيه الكبير طلباته كتير وضيوفه أكتر ... وهو فرحان دلوقتي بعد ما اشتري أصول شركة حسان بيه الله يرحمه ... علشان كده احتمال يكون جاي يحتفل هنا ولازم نكون جمبه ... وأنا هكون جمبه ومش فاضي لمتابعة الخدم والمطبخ ... لكنا بنثق في عم حسن ..وعم حسن بيثق فيك ... انتو الاتنين مسئولين قدّامي عن كل كبيرة وصغيرة في الفيلا لحد ما يسافر غسان بيه .
الساعة السابعة مساء كانتْ المزرعة أشبه بسيرك ، بسبب قدوم غسان بيه ، ولأول مرة أرى الرجل ، متوسط القامة ، ممتلئ الجسم ، شعر أسود لا يخلو من الشيب الذي زاده أناقة ووقار ، وجه أبيض مستطيل تتوسطه عينان ثابتتان حادتان ، باختصار هو كومندا كمّا تصوره الأفلام القديمة ، عامة لو تخيلك الفنان العبقري ( نظيم شعرواي ) هتوفر عليا عناء الوصف ، توقفتْ السيارة أمام الفيلا ، وهبَّ العمّال حول السيارة استعدادا لنقل الحقائب ، وفتح شاهين باب السيارة وانحنى في وقار لسيده ، ثم صافحه واستمرارا في مسح الجوخ قام بتقبيل يده ، الرجل كان مهيبا في نظراته ومشيته .
بعد نصف ساعة كنت أنا وعم حسن في بهو الفيلا ، بينما كان شاهين فى مكتب البيه ، سمعتُ صوت جرس فأمرني عم حسن بالمثول أمام باب مكتب البيه ، طرقتُ الباب في بطء ، ثم سمعتُ شاهين من الداخل يقول :
ـ ادخل .
وبالداخل كان يجلس البيه خلف مكتبه يدخن سيجار كوبي ملون ، لكن وجهه كان محتقنا وهو يتابع بعض الأوراق بعينيه ، وينظر تارة إلى جهاز كمبيوتر أمامه ويقول :
ـ لا كده كتير يا شاهين ... الحسابات دي مش مزبوطة خالص ... مش عارف ألاقيها منّك ولا من المحامين بتوع شركة حسان ... أنا قلتلك لازم قاعدة بيانات كاملة .
قال شاهين :
ـ يافندم أنا راجعت كل حاجة بنفسي .. المناقصة وأوراق الشركة وأصول البيع ومستندات المزرعة والمليكة والحيازة الزراعية وعدد العمال في المزرعة وعدد الموظفين في الشركة وكل حاجة .
كنتُ صامتا في انتظار معرفة سبب استدعائي ، وأخيرا انتبه البيه وقال :
ـ وأنتَ تطلع إيه ؟
قال شاهين :
ـ دا غريب ... غريب هات فنجان قهوة .. ودخله بنفسك .
غبتُ قليلا ثم جلبتُ القهوة وتوجهتُ إلى المكتب مرة أخري ، ثم طرقتُ الباب وسمعتُ شاهين يسمح بالدخول ، حينما وضعت القهوة أمام البيه رأيتُ على شاشة الكمبيوتر بعض القوائم وبرنامج منبثق على سطح الشاشة ، ولاحتْ في مخيلتي صورة قديمة لهذا البرنامج وهو يظهر أمام شاب أنيق بشارب مصفر منمق ، هذا البرنامج استخدمته آلاف المرات ، نعم البرنامج والقوائم ظهرتْ في مخيلتي بوضوح ، ثم انتبهتُ على قول غسان بيه :
ـ إيه أنتَ كمان ... تحب تجرب حظك في تظبيط الحسابات ...ما هو خلاص بقيت شركة تجارب مش شركة محترمة .
قلتُ في انفعال وثقة :
ـ أنا أعرف معادلات وتصميم البرنامج ده كله .
هنا تدخل شاهين قائلا :
ـ امشي انت يا غريب ...واقف بتعمل إيه .
ثم مال على أذن حسان بيه وقال هامسا :
ـ دا ولد غلبان يا بيه .
قاطعه البيه قائلا :
ـ اسكت أنتَ يا زفت .
ثم أكمل وهو يشير نحو بيده التى فيها السيجار :
ـ أنت خريج ايه ؟
أجبت :
ـ أعتقد حصلت على مؤهل عالي .
قال :
ـ أعتقد !!!!! هي بقيت شركة تجارب ...اقعد هنا ومتعملش ولا حاجة إلاَ لمَا تقولي فهمتْ إيه فى البرنامج ؟
نهض البيه وجلستُ مكانه على المقعد الأنيق المريح المتحرك ، وظهرتْ في مخيلتي صورة شاب له شارب أصفر منمق مصفر يجلس أمام جهاز الكمبيوتر وهو يعبث في لوحة المفاتيح بمهارة ، ثم أفقتُ من شرودي على صوت غسان بيه وهو يقول بغلظة وبصوت مخيف :
ـ ها ... ما تنطق .. فهمت إيه ؟
قلت :
ـ برنامج بدائي لمعادلات وحسابات ... النسخة البدائية من برنامج إكسيل المدمج ببرنامج ( دابل كليك ) double click وبرنامج erp ودي كلها برامج تشمل ( المدفوعات ـ المقبوضات ـ المخازن ـ المبيعات ـ المشتريات ) ،
كان شاهين فاغرا فمه وقد تثبتتْ عيناه في وجهي وهو مذهول ، بينما البيه الكبير قدّم لي سيجار وهو يقول :
ـ تقدر تثبت إن شركة ( جرما ) كانتْ بتكسب مكاسب مهولة بسبب إنّها كانتْ بتغش المواد الفعالة بتاعت أدوية المُسكن ...وتعمل مستندات وحسابات محكمة و ...... و.............
المهم أنا مش عايز ادوشكم بمصطلحات تجارية وعمليات حسابية ومعلومات برمجية ، وهحكي ليكم ملخص الموقف باختصار ، بعد ما طلبتُ توصيل الجهاز بالانترنت قمتُ بتصميم بعض الأشياء السريعة اللى تمنح البرنامج ميزات إضافية ، ونفذت كل اللى طلبه غسان بيه بطريقة احترافية استحالة كان هيعرف يعملها ، مكنتش عارف ليه غسان بيه منبهر أوي باللى عملته ، وأنا مكنتش عارف ازاى قدرت أعمل ده كله بنفسي وازاي من نظرة واحدة للكمبيوتر والجلوس أمام االبرنامج عملت كل ده كأنّي اشتغلت على البرنامج دي مليون مرة قبل كده ، عامة وقتها مكنتش عارف إنّي قدّمت أعظم خدمة لغسان بيه ، بس خدمة في تزوير البرنامج والحسابات وجعل الحق باطل والباطل حق ، كنت مغفل أوي ، المهم غسان بيه صفق لي وهو يراجع البرنامج وطريقة تصميمه وتغيير بعض البيانات والمستندات ونسخ وتقليد بعض التوقيعات وقال :
ـ أنتَ بقا لازم تقولي تطلع مين.. وجاى منين.. وجيت هنا ازاى ..وازاى تفهم برمجة وحسابات رغم إنْ الحيوان ده مشغلك قهوجي في الفيلا بتاعتي .
قال جملته الأخيرة وهو يشير إلى شاهين .
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close