اخر الروايات

رواية رسالة من زوجي الميت الفصل الخامس 5 السيد عبدالكريم

رواية رسالة من زوجي الميت الفصل الخامس 5 السيد عبدالكريم


الفصل الخامس
يرويه نادر التاجي
شخص بلا ماضي هو بلا حاضر ، جملة تمثلني تمام ، أخر حاجة فاكرها إنّي لقيت نفسي على محفة يجرها مجموعة من الممرضات ، لحظات وفقدتُ الوعي مرة أخرى ، حينما أفقتُ مرة أخرى قيل لي إنّي مصاب بحروق من الدرجة الثالثة وبعض الكدمات ، كانتْ إحداهن تُطلي ظهري وقدمي بمراهم كريهة الرائحة بعدها أغيب عن الوعي ، بعد أيام لا أعرف عددها كنتُ بدأتُ أسترد شيئا من صحتي ، أخبرني أحد الأطباء إن أحد الضباط سيحقق معي كما حقق مع بقية المصابين ، غير أنّ الطبيب قام بتأجيل التحقيق لأنّي لا أتذكر شيئا ، عمرى اللى فات مش فاكر منّه أي حاجة ، وفترة إقامتي في المستشفي كانتْ عبارة عن مراهم ومسكنات ومضادات حيوية قوية المفعول ودستة من الحبوب التى تنشط الذاكرة وخراطيم تدخل وتخرج من جسمي لرسم القلب ، وفي إحدى الليالي تسللتُ إلى الحمام ونظرتُ إلى المرآة المعلقة على الحائط لأجد شخصا لا أعرفه ، أنا مش فاكر أنا مين ولا إيه اللى جابني هنا ، والمفروض إن أهلي يسألوا عنّي لكن ده محصلش ، طيب فين بطاقة هويتي وفين تليفون وفين بياناتي اللى المفروض تم تسجيلها عن دخولي المستشفي ؟ لا توجد بطاقة هوية ولا تليفون ولا بيانات ، في الحمام عدّلتُ من ملابسي وتسللتُ عبر السلم الخلفي وغادرتُ المستشفي ، لكن إلى أين سأذهب ؟ لا أعرف .
قادتني قدماي إلى طريق المترو وظللت صامتا ساكنا كجثة ، أحد الرجال سألني أين سأنزل لم أرد ، بعدها قال :
ـ المحطة اللى جاية محطة رمسيس .
نزلت محطة رمسيس ودخلت محطة القطار ، مشيت لحد ما وصلت إلى مخزن القطارات ، مش عارف الساعة كانت كام بالتحديد بس كانتْ الدنيا ظلام ، ركبت احد القطارات الفارغة من الركاب وقررت إنّي أنام لحد الصبح ، مكنتش عارف إنْ القطار هيتحرك بعد ساعة ، لمّا صحيت لقيت نفسي في محطة ( ملوي ) وهي مركز تابع لمحافظة المنيا ، بائع الفول والطعمية والسميط كان بيمر قدّامي فتذكرت إني لم أتناول أي طعام من أخر ساعة كنت في المستشفي ، ناديت على البائع ورائحة الطعام جعلت لعابي يسيل ، بدأت أفتش في جيبوبي عن فلوس فلم أجد ، أشرتُ للبائع بالمغادرة ، البائع سبني ولعنني وغادر ، ساعتها الراجل اللى كان قاعد جمبي نادي على البائع وأمره بإعطائي سندوتشات فول وطعمية وسميطة ودفع الفلوس ، مكنتش عارف أتصرف ازاي بس الراجل همس في أذني قائلا :
ـ باين عليك ابن حلال ... عامة كلنا معرضين للموقف ده ... تناول طعامك .
تناولتُ طعامي في شراهة ولذة ، الراجل سألني :
ـ رايح فين ؟
لم أرد ، فسألني :
ـ طيب اسمك إيه ؟
لم أرد ، ساعتها الراجل حط أيده على كتفي وفضل يواسيني بعبارات زي ( معلهش ـ حصل خير ).
بعد 3 ساعات لقيت الراجل بيحمل حقيبته استعدادا للنزل ووضع في يدي فلوس واستعد للانصراف ، القطار ساعتها كان توقف وبدأ الكثير من الركاب ينزلوا ، قلتُ للراجل :
ـ ممكن أجي معاك ؟
أجاب بسرعة :
ـ تشرفني .
الراجل كان أسمر الوجه وتقريبا جاوز الخمسين من عمره ويتردي جلباب صعيدي وعلى رأسه شال أبيض ملفوف بعناية وفى يده حقيبة كبيرة ، نزلت معاه المحطة وقرأت :
( طهطا )
الراجل أخبرني أننا في طهطا وأننا هناخد عربية لحد ما نوصل القرية اللى هو عايش فيها ، وبعد 40 دقيقة كنا على مشارف القرية ، ولمّا وصلنا بيت الرجل رأيت فتاة في الثانية والعشرين تقريبا بتجري علشان تحمل الحقيبة عن والدها ، ثم قالتْ وهى تنظر نحوي :
ـ ضيف ؟!!!
الرجل أجاب قائلا :
ـ ابن حلال ..مش فاكر اسمه ولا عنوانه ... جهزي له الأوضة القبلية ، ابتسمتْ الفتاة لي ابتسامة صافية وقالتْ :
ـ شرفتنا .
في بيت الرجل تعرفت على زوجته مديحة وعرفت إن بنته الوحيدة اسمها رحمة ، وفي جو اسري تملأه المودة والرحمة تناولتُ الغداء اللى كان بتفوح منه رائحة السمن البلدي والعيش الصعيدي ، أكلت كأنّي مأكلتش قبل كده ، وبعد الأكل قامتْ رحمة بإحضار الشاي الثقيل وقالتْ في رقة :
ـ تفضل .
الراجل قال :
ـ أنا عمك حسن ... وأنتَ هتعيش معانا هنا لحد ما تفتكر أنت مين ... وبعدها اللى فيه الخير يقدمه ربنا .
شكرته على قبل أن يصحبني معه إلى أوضة منفصلة عن الدار بس تقع في الجهة الخلفية من البيت ، الاوضة كانتْ ملحقة بحمام ومطبخ وتطل على الحقول والمزارع ، نمت لحد الليل ، وبالليل سمعت طرقات على باب الحجرة ، ولمّا فتحت لقيت رحمة ، ابتسمتْ فلمعتْ عيونها الواسعة وقالتْ :
ـ ابويا بيقولك تعالى علشان تتعشي .
وتكرر مشهد النهار ، جو أسري ، كلام ، طعام ، شاي ثقيل ، ابتسامة رحمة ، وكل الكلام كان عن المزرعة والمحصول والتجار والأرض الزراعية ، استأذنتُ منهم وغادرت لحجرتي ونمت .
تاني يوم صباحا استقيظت وخرجت أتجول بين الحقول والأشجار والزروع ، وشفت عربيات الشاحنات العملاقة وعربات النقل وهي خارجة من طريق المزرعة وعليها أطنان من أقفاص الفواكه والخضروات ، كنت حاسس إنّي في جنة ، منظر مريح للعين ، هواء نظيف ، سماء صافية ، وشفت أبراج الحمام الزاجل تنتشر في أركان القرية والمزرعة ، ساعتها رأيت رحمة ، ابتسمتْ وقالتْ :
ـ صباح الخير يا ...
صمتتْ قليلا ثم أكملتْ :
ـ أقولك يا إيه ؟
أجبتُ :
ـ بصراحة مش فاكر ... بس اى حاجة ؟
قالتْ :
ـ طيب أنتَ كنت عايش فين وقابلت أبويا ازاي ؟
قلتُ :
ـ اخر حاجة فاكرها لمّا كنت في المستشفي ، وبعدها نمت في قطر ... كنت بحسبه قطر في الجراش ... ولما صحيت لقيت نفسي هنا .
قالتْ في رقة وعيناها تشعان ذكاء :
ـ معلهش ... هتفتكر .
سألتها :
ـ هو عم حسن فين ؟
أجابتْ :
ـ في المزرعة .
قلتُ :
ـ فى مزرعته ؟
أجابتْ ضاحكة :
ـ لا ... بس هو شغال فيها .
قلتُ :
ـ طيب ممكن تعرفيني أوصلّه ازاي ؟
سألتني :
ـ ليه ؟
أجبتُ :
ـ هساعده .
قالتْ معترضة :
ـ لا ميصحش ... أنتَ ضيف عندنا .
قلتُ :
ـ ضيف لو هقعد يومين ولا تلاتة ... بس أنا هقعد على طول ... ولا زهقتوا منّي .
قالتْ بسرعة :
ـ يا خبر ... دا أنتَ نورت البلد .
كانت رقيقة جذابة ترتدي جلبابا سماويا وعلى رأسها غطاء فشل أن يُخفي ضفائر شعرها الذهبي ، وجه أبيض مستدير تعلوه عينان ساحرتان ، أشارتْ لى ناحية طريق المزرعة بجوار الترعة وقالتْ :
ـ أخر الطريق شمال هتلاقي الأنفار وأبويا معاهم .
تفاجأ عم حسن بقدومي وقدّمني للرجال قائلا :
ـ دا غريب قريب المعلم صابر بتاع سوق العبور .
ومنذ هذه اللحظة وبدأ الناس ينادوني باسم ( غريب ) ، عن حسن كان معترض إنّي أساعده بس تفاجىء إنّي بعرف أقرأ واكتب وانبهر أوي وقال :
ـ طيب هنروج لـ شاهين وهو هيشغلك .
سألته :
ـ شاهين دا صاحب المزرعة .
ضحك عم حسن وقال :
ـ لا دا اللي بيقوم بإدارة المزرعة ... لكن البيه الكبير مش فاضي من شغله وسفره .
عم حسن قدّمني لشاهين على إنّي ( غريب صابر ) ، شاهين كان شاب تقريبا جاوز الخامسة والأربعين ، بس مش عارف ليه لمّا شفته مكنتش مرتاح خالص ، جايز علشان تقاسيم وجهه الصارمة وجايز علشان كان بيكلمنا بطريقة فيها تكبر ، المهم شاهين قال :
ـ طيب دلوقتي يشتغل العمّال وطالما يعرف يقرأ ويكتب هشوف له فرصة في الحسابات قريب .
وبدأت أجني الثمار وأحمل الأقفاص على كتفي لحد العربيات والشاحنات العملاقة ، الشغل رغم إنّه يبدو للبعض سهل لكن كان بالنسبة لي صعب وشاق ، وبعد الظهر أمرنا شاهين باستراحة لمدة ساعة لتناول الطعام ، والطعام كان مجانا لكل العمال ، جلستُ تحت شجرة برتقال أتناول طعامي بعيد عن العمال ، وشاهين كان بالقرب منّي يعبث في تليفونه المحمول ، وفجأة سمعت شاهين ينادي عليا قائلا :
ـ غريب ... بص كده علي الكاميرا .
لمّا بصيت على الكاميرا قال :
ـ ابتسم .. ابتسم يا غريب .
مكنتش عارف هو بيعمل كده ليه بس لمّا ابتسمت ألتقط لي صورة ثم انصرف وهو يعبث في تليفونه المحمول .
يتبع
رواية رسالة من زوجي الميت
بالعامية المصرية
تأليف السيد عبد الكريم
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close