رواية جنون المطر الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 بقلم برد المشاعر
لم تكن تتوقع أن الطريق للمدينة التي تسكنها عمتها ستكون
بطول المسافة التي يسلكونها من حوران لمنزل والدتها فقد
شعرت بأن ذاك الطريق لا نهاية له والجالس بجانبها لم يتوقف
هاتفه عن الرنين ولا عن استقبال المكالمات وأغلبهم تحدث
معهم بلغة ليست عربية ولا انجليزية ولا حتى فرنسية ولم
تسمعها يوما وخمنت فورا بأنها ستكون لغة الثنانين وهذا
هو المتوقع مع الأحداث الأخيرة فما فهمته من حديثه مع
بعض رجاله أنه ثمة فتاة منهم مختفية في أراضي البلاد وتبدوا
ليست أي فتاة ومؤكد ستكون التي أخبرها عنها رعد فهي ابنة
زعيمهم أو شقيقته لم تفهم جيدا لكن الوضع يبدوا سيئا جدا ،
نظرت جهة النافذة وتنهدت بعمق .. تلك الفتاة شجاعة حقا
واتخذت قرارا صعبا كانت تعلم تبعاته جيدا وإلى ما قد يجر
البلاد ! لا تتخيل أن تقدم هي على فعل مثله من أجل رجل تحبه ،
هي تخشى حتى مخالفة أوامر والدها فكيف بقبائلها أجمع فقد
تصل لرعد ويعيدها لهم بنفسه ، انقبضت أصابعها لا إراديا
فقط لتفكيرها في ذلك ... ترى أيفعلها ؟ هل يكسر قلبها
ومستقبلها أيضا بسبب البلاد ؟
لا تستبعد أن يفعلها فالرجال يحكمون عقولهم قبل عواطفهم
ولا يرون إلا ما فيه مصلحة المرأة مهما كان ذلك مدمرا لمشاعرها
ومستقبلها المرتبط وبشكل مباشر بعواطفها ، لكن رعد يحبها حقا
وعزف عن الزواج كل تلك الأعوام من أجل وعده لها ينتظر أمرا
قد لا يحدث أبدا فيفني عمره وحيدا حتى يموت يعيش على أطياف
ذكرها فهل كان حقا سيفعلها ويعيدها لقبائلها وهل يفعلها بالفعل
إن وصلت إليه ؟
اتكأت على مسند الكرسي متنهدة بعمق تشعر بالضياع بسبب تعقد
حياة المحيطين بها جميعهم .. كم تمنت سابقا أن تراهم أن تقترب
منهم وأن تكون جزء من عالمهم ولم تكن تتخيل بأنه مليء
بالتعقيدات وبالحزن والمرارة والفقد الذي يعاني منه كل واحد
منهم ، حتى والداها ومن تأملت بأن يشفي القرب جراحهما
لا ترى وضعهما يزداد إلا سوءا .
" الطريق طويل وأعلم بأنه مع رجل مثلي ممل جدا "
نظرت سريعا لصاحب تلك العبارة والنبرة المبحوحة الهادئة
وابتسمت بحزن تنظر لجانب وجهه وملامحه المسترخية وقد
قالت فورا
" أبدا ليس كذلك فأنا أعلم جيدا أي رجل تكون بالنسبة لهذه البلاد
وما تمر به من تعقيدات كبيرة ولن أتوقع أن تغلق هاتفك فقط
لتتحدث معي كي لا أشعر بالملل ، ثم أنا منذ عرفتك أعرفك
وهاتفك لا تفترقان أبدا "
نظر جهتها وابتسم لها ومد يده لوجهها ومسح بكفه جانب
وجهها قبل أن يعود لقيادته لكن نظراتها الحزينة لم تفارق جانب
وجهه وقد همست بما لم يعد يمكنها كتمانه أكثر
" ليتني فقط سمعت يوما اتصال لك مع امرأة غير عمتي غيسانة
لكنت استطعت استيعاب ما قلته "
وما أن نظر ناحيتها حتى انزلقت أول دمعة من رموشها فمد يده
لوجهها مجددا ولامس خدها ومسح ابهامه تلك الدمعة وقال
ما أن عاد بنظره للطريق وبيده للمقود مجددا
" ابقي هكذا يا تيما تنظرين لوالدك بعقلك ليس بعواطفك
وستجدين الأجوبة دائما "
خنقت صوتها عبرتها وهي تهمس ونظراتها الدامعة معلقة
بنصف وجهه
" عقلي وقلبي كليهما يرفضان تصديق غير ما عرفته لأعوام
لكن لما قلت ذلك أبي أجبني أرجوك ؟ "
اشتدت أصابعه على المقود وشعرت بها تعتصر قلبها معه
حين اختار الصمت جوابا وما أن أبعدت شفتيها ببطء لتتحدث
سبقها صوته الجاد قائلا
" ما الذي تريدينه في علاقتنا تحديدا يا تيما ؟ "
نظرت له بصدمة وما أن نظر ناحيتها قالت هامسة ودموعها
عادت لملئ مقلتيها الواسعة
" أن تعيشا معا وللأبد "
عاد بنظره للطريق وقال بذات جديته
" إذا عليك أن تعلمي بأن ما فعلته وسأفعله ليس سوى ليتحقق
ذلك فلست وحدك من يسعى له "
ابتسمت من بين حزنها ويأسها ودموعها هامسة
" حقا ستكونان معنا ؟ "
قال من فوره
" أجل وأخبرتك مرارا يا تيما أن تتوقفي عن تعذيب نفسك
بسببنا فأنتي لست لكلينا أنتي امرأة ستكون لها حياة مستقلة
بعيدا عنا مهما طال الوقت "
انفرجت شفتاها وتصلبتا مكانهما .. كانت تريد سؤاله عن ذلك
تحديدا عن مسألة تزويجها وبحثه عن زوج لها لكنها لم تستطع
فإن سألها عن هوية الشخص الذي أخبرها فلن تستطيع أن تكذب
ولا يمكنها قول الحقيقة ففضلت الحديث عما عليها اخباره به
أيضا فليست تضمن اجتماعها به قريبا هكذا ، رطبت شفتيها
بطرف لسانها وقالت
" أبي لكنك قسوت عليها في مكالمتك تلك .. "
ملأت الدموع عينيها وتابعت بأسى
" لما قلت بأنها لا تستحق الأبناء ؟ أنت جرحت أمومتها "
نظر لها نظرة تعلم مايتبعها جيدا وهو حديث غاضب قد يؤلمها
هي أيضا فأمسكت بذراعه وسبقته قائلة بعبرة مكتومة
" اللوم لا يقع على عاتقها وحدها أبي بل أنا أيضا "
تبدلت نظرته للإستهجان سريعا وقد توقفت سيارتهم حينها
ولم تهتم أين ولا لما فنظراتها كانت معلقة بعينيه السوداء
المحدقة بها وقالت بحزن
" كنت أتوق دائما لأن أراها وإن من بعيد أن أسمع صوتها وإن
عبر الهاتف .. كنت أحتاجها وأشتاق لها في كل حين ووقت وساعة
وحين اجتمعت بها وأصبحت قربها اكتشفت أن الأمر أصعب من
أن أفهمه أو أن أتوقعه وأن ذاك الفراغ سيكون ملئه صعبا للغاية ... "
تكدست الدموع في مقلتيها الزرقاء وهي تتابع
" أحببتها أجل نمت في حضنتها عشقت قبلاتها لجبيني كل ليلة
وهي تتفقدني قبل أن تنام وتغطي جسدي جيدا وكأني طفلة ..
كانت تراقب حتى طبقي بعد كل وجبة طعام إن أكلت جيدا أم لا ..
اشترت لي كل ما طلبته وما لم أطلبه ورغم كل ذلك كانت
علاقتها بالكاسر مختلفة عني ، كانت تفهمه وإن لم يتحدث
تعلم حتى إن كان يكذب في حديثه أم لا وتنسجم معه في الأحاديث
أكثر مني لأنه تربى على يديها وعاشت مراحل حياته جميعها
تعلم حتى ما يحب ويكره في الشخص الجالس أمامه ، ولست
ألومها فأنا مثلها تماما كنت اغوص في عالم الكاسر أكثر من
عالمها هي .. حتى رماح ورعد أتحدث معهما عن أمور
لا أستطيع التحدث معها فيها ، وحتى عمتي جويرية كنت أنسجم
معها بسهولة أكبر لأنها في عمر مربيتي السابقة ، فاكتشفت
أنه ثمة مسافة طويلة بيننا لم تستطع أي طائرة أن تقطعها
لتوصلني لها ، حتى طلب كل واحد منكما أن لا أتحدث فيما
يخصكما جعل تلك الفجوة تتسع أكثر .. لقد أبعدتماني عن
عالمكما أبي وكأني شخص غريب عنكما تماما ثم كل واحد
منكما أصبح يلقي باللوم على الآخر وبسببي طبعا ..
أنا أشعر حقا بأني عقبة بينكما "
أنهت حديثها تمسح دمعتها بظهر سبابتها المثنية فأغمض
عينيه وتنفس بعمق قبل أن ينظر لها مجددا وأمسك وجهها
بيديه وقال محدقا بعينيها تزين شفتيه ابتسامة خفيفة
" تكبرين قبل أوانك يا تيما بالفعل ولن أستغرب ذلك من ابنة
من صلبي ووالدتها تكون ابنة دجى الحالك تلك ورغم ذلك
لن تفهمي تلك المرأة مثلي ولا أي شخص ممن عاشوا معها
هناك لأعوام فثمة شخص واحد فقط في الحياة يفهم المرأة
وهو من شاركها أمورا لا يعرفها الغير وستفهمين ما أعني
يوما ما "
وتابع بجدية وقد أبعد يديه
" سبق ونبهت والدتك بأنك خارج ما يحدث بيننا ومهما كان
لكنها ترفض تطبيق ذلك وليس فهمه فهي تفهمه جيدا فما أن
تغضب بسببي تنفس عن ذاك الغضب بك ليس بأي أحد
من أبناء شراع ولا عمتها رغم أنك مثلهم تماما لا علاقة لك بشيء
لأنها لم تستطع أن تجتاز حتى الآن مسألة أخذي إياك منها
وحياتك معي بعيدا عنها ورضاك أنتي بذلك فلومها لي توجه
نحوك فورا فأول ما صوره لها عقلها حين التقتك أول مرة
بأنك تختارينني عليها لأنك عشت معي وإن كان العكس
لاخترتها هي بينما أنا أكثر من يعلم وهي مثلي أيضا بأنك
لم تشعري يوما بالسعادة ونحن في انجلترا ولم أستطع
منحك إياها أبدا لأنك تبحثين عنها في اجتماعنا معا فحتى
إن تركتك معها وابتعدت كنت ستعيشين تعيسة يا تيما وحالك
كما هو الآن وكما كان سابقا .. والدتك تفهم كل هذا لكنها
ترفض فقط الاعتراف به بل وترفض أفكارك تلك وأنك لا تري
سعادتك معها فقط فعليها أن تقتنع بأن أفكارك ملك لك وحدك
ليس يحق لأحد أن يتحكم فيها فلا يبني شخصيتك أحد غير
نفسك .. تفهمين هذا يا تيما ؟"
بلعت غصتها مع ريقها وكانت ستتحدث فقاطعها صوت رنين
هاتفه فأغمضت عينيها متنهدة باستسلام تستغرب أساسا كيف
تركوه لها قليلا ، بينما أجاب هو من فوره وما أن رأى اسم
المتصل قائلا بضيق
" جيد تذكرت أن تنتبه أنه لديك هاتف ... أين أنت يا رعد ؟ "
نظرت له بتوجس وقد قال بحدة
" رعد لا تجبرني على اتخاد اجراءات ضدك لن تعجبك أبدا
فدخولك تلك المدن ليس حلا "
أمسكت قلبها لا شعوريا حين قال بحدة أكبر
" أعلم أنها ستكون هناك لكنك لن تستطيع إخراجها بدخولك
ولنأمل فقط بأنها لم تسقط في أيدي أولئك الشرذمة ، لقد حركنا
جهاز المخابرات والقوات الخاصة وسنجدها فابتعد أنت عن تلك
الجهة من البلاد "
وما لبث قليلا حتى صرخ فيه غاضبا
" قسما يا رعد إن لم ترجع للعمران ولمنزل شقيقتك الآن أنا
من سيرسل من يلقي القبض عليك وأسجنك حتى ننتهي من تلك
المشكلة ولا تجرب أن تختبر صدق يميني "
قال بعد صمت لحظة وبحزم
" لن اسلمها لشقيقها حال وجدناها كن مطمئنا وارجع أنت لتكون
تحت الحراسة وسأتصرف أنا في الأمر "
تنهدت المحدقة به بارتياح ما أن قال ذلك فعلى الأقل هو لم
يخن توقعاتها ولا ينوي أن يعيدها لأهلها ما أن يجدوها وظهر
أنه فعلا يقدم عاطفته نحوها على كل شيء وستكون مطمئنة
بأنه بخير ولن يصله أولئك الثنانيين حتى يجد والدها حلا للأمر .
فتحت بابها ونزلت ما أن قال الجالس بجانبها وهو ينزل قبلها
" هيا انزلي يا تيما فعمتك تنتظرنا منذ وقت "
نزلت ونظرت بصدمة للمنزل أمامها ليس بسبب جماله الخارجي
الذي فاق جمال منزل والدتها بل من دخولهم حتى وصلوا له
وهي لم تنتبه لكل هذا ! تعلم بأن زوج عمتها رجل أعمال كبير
ومعروف في البلاد بل وعائلته جميعهم لكن هذا الثراء الفاحش
لم يكن باديا أبدا على سلوك وحديث عمتها التي التقتها سابقا ،
كانت ثيابها وابنها من أجمل ما رأت خاصة ابنها ذاك الذي تراه
أخذ من ملامحها وسمات الحالك الكثير لكنهما كانا من البساطة
وبطيبتها تلك وكأنهم من بسطاء الناس مما بث فيها الفضول لأن
تتعرف ببقية عائلتها وكم تمنت ذلك لكن في ظروف أفضل من هذه
فمنذ صباح أمس وذاك الحفل وهي تفضل الجلوس في أحد الكواكب
وحيدة ولعام كامل ففوق ما حدث بالأمس كان عليها اليوم مواجهة
متقلب المزاج ذاك الذي يرفض أن ينسى أمرا هو من اقترح بأن
ينسياه فتارة يشعرها باهتمامه بها وتارة بأنه يكرهها ويتضايق
من كل ما تقوله أو تفكر به !! .
ما أن دخلوا المنزل الذي لم تعرف أرضيته من سقفه بسبب الأرضية
الرخامية التي تشبه الزجاج تعكس كل تلك الأضواء المتدلية من ثريا
السقف العملاقة كانت عمتها ورجل يبدوا زوجها وطفلة صغيرة في
استقبالهما ومن استقباله الحار له علمت فورا بأنه سيكون زوجها
ومن تتوقع مثلا ! فهو ليس بعمر ابن لها كما أن شخصيته تدل على
ذلك فهو ليس أي رجل بالتأكيد ، كان دورها بعد والدها فصافحته
بحياء فقرص خدها بيده الأخرى قائلا بضحكة صغيرة
" ها قد أصبحت عجوزا يا مطر "
ضحكوا جميعهم ومسحت هي خدها مبتسمة وابتسم مطر قائلا
" ابنك البكر أكبر منها بثلاثة عشر عاما فمن منا العجوز ؟ "
ضحكت جوزاء قائلة
" كما أنه قد يصبح جدا قبلك يا أيوب وأنت تنتظر أبنائك أن
يتزوجوا "
ضحكوا جميعهم عدا التي تنقلت بنظراتها بينهم بصدمة ..
إذا حقيقة ما قاله وها هي عمتها تعلم كما قال .. لكن لما سيقول
ذلك ويفعله !! هي تثق في والدها وتعلم بأنه لا يفعل أو يقول
شيئا عبثا ولا ليضرها به لكن لما !!
تقدمت عمتها منها وسلمت عليهما وأهدتها حضنا لا يختلف عن
لقائهما الأول فكم تشعر بدفء وحنان هذه المرأة .. تشعر به
ما أن تراها وكأنها خلقت لتحب الجميع .. شيء التمسته فيها
رغم الحزم في نظرتها ولن تستغرب هذا أيضا وهي شقيقة مطر
شاهين .
رفع الواقف بجانبها الطفلة الواقفة قربه وقبل خدها وسألها عن
اسمها فقالت من فورها مبتسمة
" صبح "
ضحك والداها وقالت جوزاء
" اسمها صباح لكنها تصر على اختصاره "
نظرت لها تلك العينان السوداء الواسعة وقالت صاحبتها بعبوس
" صبح "
ضحك وأنزلها للأرض وقال
" غيهم في المطار بالتأكيد فأين أبان أم لا يعلم بقدومنا ؟ "
قال أيوب مبتسما
" لأن غيهم هذه رحلته الأولى خارجيا أصر أبان على أن يكون
معه حتى تقلع الطائرة "
قالت جوزاء ناظرة له بامتنان
" شكرا لك يا مطر أنت لا تعلم أي هدية هذه التي قدمتها لي
فغيهم ستتغير نظرته للأمر ما أن يقود الطائرة اليوم في رحلة
دولية فقد خشيت أن يحبط من كثرة القوانين الإلزامية فخمسة
ألآف ساعة طيران فقط ليكون مساعد طيار ستحتاج منه عاما آخر
من التدريب "
قال الواقف بجانبها ضاحكا
" هذا وسيكون مساعد طيار فقط فما ستفعلينه حين سيقود
الطائرة بنفسه ؟ "
كانت ستتحدث لولا قاطعتها التي نزلت السلم البعيد راكضة ومنادية
" هيييه لا أحد ذكر اسمي هنا "
فانتقلت الأنظار جميعها جهة النازلة من هناك مسرعة تقفز
العتبات تلبس تنورة قصيرة واسعة يصل طولها لتحت الركبتين
بقليل وقميص حريري أنيق وجميل ، ملابسها تظهر سنها فعلا
وأناقتها وثرائها .
وصلت عندهم وقفزت فورا لحضن الذي تعلقت به قائلة
" خالي مطر ... كم كنت متشوقة لرؤيتك من سنوات "
ابتعدت بعدها عنه ونظرت له وقالت مبتسمة بحماس ترفع قبضتيها
" أنت أجمل من التلفاز بكثير "
نظر لها بصدمة بينما تابعت هي بضحكة
" حمدا لله أن غسق شراع ليست أجمل منك "
ضحكوا جميعهم حتى الواقف أمامها وقد لعبت أصابعه بغرتها
المقصوصة عدى الواقفة بجانبه تنظر لها بصدمة فهي أصغر
منها بعام كما أخبرتها عمتها سابقا بل هي من تبدوا أكبر منها
بثلاث أو أربعة أعوام كما أنها أجرأ منها بكثير فما استطاعت
يوما أن تمزح مع والدها هكذا ولا أن تتحدث عن شكله !
بل إنه حتى التنورات القصيرة كان يكره أن تلبسها وإن كانت
هكذا طولها حتى ما تحت ركبتيها ولا حتى لنصف الساق !
كان دورها بعد والدها حين التفتت ناحيتها فنظرت لها مبتسمة
بينما أمسكت هي خصرها بيديها ونظرت لوالدتها قائلة بضيق
" لما ليست عيناي زرقاء مثلها ؟ أليست ابنة شقيقك ؟ "
ضحكت جوزاء وقالت
" انتظري النسل القادم "
ضحكت وحضنت الواقفة أمامها قائلة بضحكة
" يا إلهي كم أنتي جميلة ورقيقة أيضا ولن أكون في مكان أنتي فيه "
نظرت جوزاء لمطر ما أن رن هاتفه وقد أخرجه من جيب
سترته وأوقف الاتصال وقالت مبتسمة
" عليك إبعاده اليوم لأنك لنا فما صدقنا أن أتيتما أخيرا "
قال وهو يدسه في جيبه مجددا
" فرصة أخرى يا جوزاء فلن أستطيع غير تناول الغداء معكم "
وتابع وقد وضع يده على كتف الواقفة بجانبه
" تيما ستأخذ مكاني هذه المرة ثم سيأخذها عمي صقر بالطائرة
لحوران صباح الغد فالرحلة من هنا حتى هناك طويلة وأنا
طريق رحلتي مختلف "
*
*
*
تنقلت نظراتها المذعورة التائهة بينهم وكأنها لا تفهم حقا
ما يقولون ! صنوان !! كيف وصلت من الحالك هنا !
آه أجل كيف نسيت بأنهم في غرب الحالك وثمة حدود مشتركة
بين القطرين فهل ركض بها ذاك الجواد شمالا حتى كانت هنا ؟
هذه المسافة تقطعها السيارة المسرعة في أكثر من خمس ساعات !
يبدوا أنه ركض بها لوقت أطول من ذلك بكثير ؟
صنوان .... ! هل وصلت لرعد فعلا يا ترى ؟
لم تكن تعي تماما فيما يتناقشون ويختلفون في مصيرها لكن
ما هي موقنة منه أن رأي كل واحد منهم أسوء من الآخر
ويبدوا أن أسوأهم سيطبق عليها وهو أخذها لما سموه بسجن
المقر وسرا أيضا ، أي أنه ....
ما أن امتدت يد أحدهم لذراعها وسحبها موقفا لها قالت تحاول
إبعاد يده
" اتركوني أنا هنا من أجل رعد شراع "
نظروا لبعضهم قبل أن تتعالى ضحكاتهم الصاخبة ولكل واحد
منهم تعليق مختلف
" حقا يا جميلة ؟ "
" رعد شراع دفعة واحدة ! "
) هههه حقا أخفتنا(
نقلت نظراتها الضائعة الدامعة بينهم وهمست برجاء
" اقسم أنها الحقيقة فقط أخبروه أني آستريا شقيقة الزعيم
سنمار وإن رفض رؤيتي وقتها افعلوا بي ما شئتم فلا شيء
سيعنيني بعدها "
راقبت وجلة النظرات التي تبادلوها واستقر نظرها على الشخص
الوحيد الذي لم يشاركهم لا الضحك ولا السخرية منها ولا حتى رأيه
في تحديد مصيرها وشعرت بأنه بالفعل مختلف عنهم ووجهت جميع
آمالها عليه ، ارتجف جسدها بقوة حين صرخ الممسك بذراعها
ضاحكا وكأنهم تحصلوا على غنيمة لكن نظراتها الراجية لم تفارق
تلك العينان المحدقة بها وأغمضتهم فور أن رفع سلاحه الرشاش
في وجهها راضية بحكمه وإن قرر قتلها فذاك أسلم لها مما ينوون
فعله بها ، كانت تنتظر وتتوقع كل شيء وأولهم الموت فضمت
نفسها بيديها لا شعوريا وانسابت دمعتها على وجنتها المغطاة
بالدماء والأتربة في أكبر جزء منها حين صرخ ذاك بهم
" توقفوا لن تأخذوها لأي مكان "
فتحت عينيها فجأة وفي غمرة انصدام الواقفين حولها بإشهاره
السلاح في وجوههم ابتسمت هي له من بين دموعها وذعرها
تهمس شاكرة له ليس يعنيها يسمعها ويفهمها أم لا ، صرخ الذي
أصابعه تشتد على ذراعها أكثر حتى لم يعد يمكنها تحمل الألم بسببها
" ما الذي أصاب عقلك يا رجل ؟ "
صوب رشاشه جهته تحديدا وقال بحزم
" سنسلمها لابن الزعيم شراع ... "
ابتسمت من فورها تشعر بالأمل يتسرب في داخلها دفعات متتالية
قبل أن تموت تلك لابتسامة ناحرة ذاك الأمل معها وقد تابع
" جبران هو من سيقرر مصيرها "
قال أحد الواقفين معهم وبضيق
" أنت تعلم بأن رعد في صف ابن شاهين وتعلم جيدا ما سيكون
قرار ورأي شقيقه جبران "
شعرت بجسدها يتقلص من ألم لم تعرفه ولا بسبب تلك الرضوض
والجروح وهي تدرك حقيقة المكان الذي وصلت له ... مدن أقصى
غرب صنوان المتمردة ! أجل سمعت عن هذا وسط قبائلها وأنه ثمة
قبائل رفضت الإنصياع لحكم ابن شاهين بل واتهمت الحالك في موت
الزعيم شراع والجميع يستغرب صمت مطر شاهين عنهم حتى الآن
خاصة بعدما أعاد منهم مقر ومعسكر اليرموك وفقدوا الجناح
العسكري لهم وعزا الجميع ذلك بأنه فعلها حقنا للدماء وتجنبا
لزرع الفرقة والأحقاد بين أبناء شعبه من جديد فلم يصمت عنهم
حتى الآن متحليا بالصبر والحكمة إلا تجنبا لما قد يجر البلاد
لحرب أهلية جديدة .
قال الواقف أمامهم
" اقتلوني إذا قبل أن تأخذوها لأي مكان غيره وليكن واضحا
لديكم بأني قاتلكم أيضا حينها "
شهقت بصمت وصدمة تنظر لجميع تلك الوجوه فهل سيتقاتلون
فعلا وأمامها ! هي لا تثق بأنهم لن يفعلوها به كما أنها تثق بأنه
لم يقرر تسليمها لابن شراع الأكبر إلا وهو موقن تماما من أنه
لن يمسها بأذى مهما بلغ تفكيره من سواد ، أغمضت عينيها بقوة
حين صوب سلاحه لوجهها وهو يتابع
" وسأقتلها معي عند أول رصاصة توجه لصدري "
انسابت دموعها مجددا ودون توقف هذه المرة فلم تستسلم للموت
كتلك اللحظة ولم تسلم مصيرها لشخص يضع موتها خيارا أقوى
من غيره إلا ذاك الوقت فلم تتخيل يوما أن يكون الموت أيسر
خياراتها ! بلى هو كان كذلك منذ قرروا تزويجها لذاك الرجل ...
أجل منذ صباح أمس حين اكتشفت ما يخططون له خفية عنها
من أسابيع ، صرخ الذي هزها من ذراعها بقوة
" ترفع السلاح في وجوهنا من أجل ثنانية ؟ "
وقال آخر بنبرة أقل حدة منه
" صحيح أنك كنت صديقا مقربا من الكاسر شراع في الماضي
لكن رعد باع قبائله ودم والده مقابلا لطمعه في السلطة "
قال ذاك من فوره
" تعلمون جيدا أن رعد لا يفكر في ذلك وما انضم للبرلمان الحاكم
إلا بعد ضغط كبير من قبائل صنوان وهو على اتصال حاليا بجميع
قبائلها وشارك في الصلح بين الكثير منها مع الحالك فهو رجل
شريف كوالده تماما ، ثم الفتاة أخبرتكم بأنها شقيقة زعيم ثنان
واختفائها سيكشف سريعا ومكانها سيحدد بسهولة ولن اخبركم
أي عقاب ذاك الذي ستتلقونه حال علمهم بما ستفعلون وذاك
ما سيحدث بالفعل "
أخرست كلماته الجميع كما حولتهم لتماثيل جامدة محدقة به عدا
تلك الأحداق العسلية الواسعة التي كانت تتنقل بينهم بتوجس قبل
أن تستقر عليه وقد مد يده لأحدهم قائلا
" أعطني الهاتف "
نقل ذاك نظره بينهم قبل أن يخرج من جيب سترته العسكرية
هاتفا خلويا يعمل بالأقمار الإصطناعية ومده له فأخذه منه فورا
وضغط عدة أرقام قبل أن يضعه على اذنه قائلا
" صلني بالمقر أريد التحدث مع ابن الزعيم شراع "
وقفت أمام باب غرفة الضيوف وتنفست بعمق تشعر بتردد
وتوتر كبيرين .. لا بل برهبة شديدة من مقابلة ذاك الرجل الذي
لم تراه يوما ولم تسمع سوى عبارات تيم الحاقدة والكارهة له
صغيرا ونهي والدته له عن قول ذلك والنتيجة كانت دائما أن
يخرج غاضبا وكل ما كانت تقوله لها والدته بعدها وحين تنظر
لها بحزن طفولي لأنه خرج
( سيرجع قريبا بنيتي فتيم لا يعرف الغضب أبدا )
تنهدت بحزن ومسحت تحت جفنيها بقوة وكأنها تمنع دموعا لم
تفكر أساسا في النزول ثم مدت أصابعها التي تظهر وحدها من
كم قميصها القطني الطويل وأمسكت مقبض الباب وأدارته ببطء
وفتح ليكشف عن الواقف عند الواجهة الزجاجية للغرفة والمطلة
على الجزء الخلفي للحديقة والبركة الإصطناعية الجميلة تتلألأ
مياهها تحت أضواء الحديقة وضوء القمر ، كان موليا ظهره لها
لكن قلبها انفعل لا شعوريا لطوله وأكتافه ووقفته فإن كان ابنه ذاك
لا يشبهه في الملامح التي لم تراها بعد فهو يشبهه في هذا وبشكل
واضح جداً غير أن تيم يبدوا لها أطول أو أنه أنحف قليلا أو لا تعلم
قد يكون فارق السن فقط ! .
التفت لها الواقف هناك ما أن خطت للداخل بضع خطوات فوقفت
مكانها تنظر له وكما توقعت فهذه الملامح لا تتشابه وتلك أبدا فتيم
بالفعل أخذ من والدته الكثير .. تذكر كم كانت جميلة رغم المرض
والإعياء ، لن تنكر جاذبية هذا الرجل ووسامته رغم الشيب الخفيف
في شعر صدغيه وبعض الشعيرات من لحيته الخفيفة جدا والمحددة
بعناية وبعض الخطوط البارزة جهة فكيه لكن تلك المرأة كانت أجمل
نساء عائلتها ولا تراها بخلت بذاك الحسن أبدا على ابنها فتراه جمع
محاسنهما فأخذ جسد وثقة وطول الواقف أمامها الآن يديه في جيبي
بنطلون بدلته السوداء الأنيقة وجمال والدته الحاد المميز .
شعرت بالإحراج من طول وقوفها هناك وتحديقها به وإن كان هو
نفسه مثلها تماما فقد التزم الصمت أيضا محدقا بتلك الملامح
الجميلة الحزينة البريئة وكأنها ملاك بجناحين صغيرين يسعى لنشر
السلام بين البشرية تشعرك من أول وهلة تراها فيها بأنها فراشة
تلون عالم من يحتويها فعلا بالألوان الجميلة فبمجرد النظر لقسمات
وجهها تشعر فورا بأن ما تحمله في داخلك من هموم ومهما عظم
يتلاشى بسهولة فهي تملك هالة من السكينة والسلام والهدوء تضخ
الناظر لها بدفعات هائلة من الإيجابية ، تلك العينان الذهبيتان المشعتان
والغرة البنية المدرجة والوجه الدائري تشعرك بالراحة ما أن تنظر
إليها .
بادر هو واقترب منها فهو يقدر ترددها لرؤيته لأول مرة في حياتها ،
وصل عندها بخطوات واسعة أنيقة وما أن رفعت يدها لتصافحه
فاجأها بأن شدها لحضنه وطوق جسدها الغض بذراعيه فهذه زوجة
ابنه وإن نبذه .. إنها الماضي .. أجل شيء من رائحة الماضي البعيد ..
من تلك البلدة التي احتضنته حين نبذته قبائله ومن رائحة تلك المرأة
التي عاش معها سنينا قليلة تساوي حياته بأكملها منذ ولد فهذه الفتاة
جزء من عائلة تلك المرأة ومن حياتها فابنه لم يمنحه أي فرصة ليشعر
بأنه الشيء الذي تركته له بعد رحيلها .
بينما كانت هي متصلبة في حضنه تماما وليست تفهم هل لأنها لم
تعتد هذا النوع من العواطف من المحيطين بها ! لكن شعورها لم
يكن هكذا حين حضنها عم والدها في المطار ولا حتى تيم ! ليست
تعلم لما تشعر بأنه ليس من النوع العاطفي جدا من الرجال وهذا
الأمر تلحظه فيه ما أن تراه .. هو ليس بتعقيد وصلابة وبرود
شخصية ابنه بالتأكيد لكنها تجزم بأنه يشبهه في الكثير من ذلك
وتستغرب هذا الموقف منه رغم أنه لم يراها يوما ! أبعدها عنه
وأمسك كتفيها وقال ناظرا لعينيها المحدقتان به
" كيف أنتي ماريه ؟ "
همست بعد برهة
" بخير ... شكرا لك "
أبعد نظره عن عينيها لبرهة قبل أن ينظر لهما مجددا وقال بحزن
" أتمنى أن لا يكون موقفك مني سلبيا كزوجك "
لم تستطع أبدا التحكم في الدموع التي ملأت عيناها الواسعة ولا
إخفاء المرارة في صوتها وهي تهمس بحزن
" إن ألقيت باللوم عليكم مثله فلن يكون لي مكان سوى الشارع "
نظر لها باستغراب بادئ الأمر ثم قال وهو يبعد يديه عن ذراعيها
" هل أوضاعك معه سيئة هكذا ؟ "
أبعدت نظرها عنه وقالت بسخرية
" تيم ظروفه وعمله وحتى حياته لا مكان لزوجة فيها حاليا "
وتابعت ببعض التردد وقد رفعت نظرها به مجددا
" وأكذب عليك إن قلت أني لست أعذره في موقفه منك "
حرك رأسه برفض قائلا
" أنا لم أتعمد أن أتخلى عنهما صدقيني "
أخفضت رأسها ونظرت ليديها اللتان كانت تشبك أصابعهما ببعض
وقالت بأسى
" تيم لا يمكنه تفهم ذلك أنت لم ترى ما قاساه ووالدته وكنت أنا
شاهده عليه "
أمسك ذراعيها مجددا وقال
" والدته من رفضت أن آخذهما حين استقرت أموري هنا وأن
أفعل لهما أي أمر يكشف أني لازلت على قيد الحياة وقالت بأنها
تريد أن يبقى له أحدنا فاختارت أن تموت هي لأعيش أنا ، كنت
حينها بدأت في عملي الجديد هنا وأصررت على مطر شاهين أن
أدفع أنا لهما المال وليس هو فكان يرسل راتبها مضاعفا بمرتين
ولم يكن أحد منا يعلم بأنه لا يصلهما وبأنهما يعانيان ما يعانيانه
خلف جدران ذاك المنزل "
رفعت نظراتها الدامعة به وقالت بغصة
" من سيعلم إذا ؟ من سيعلم بأنه كان يسرق الرمان من الحقول
ويطعمها البذور بينما يأكل هو قشوره كي تضن بأنه يأكل وكل
اعتقادها بأن عائلة عمي قيس من يعطونهم إياه ؟ وكنت أعلم
بذلك وأخفي الأمر عنه لأنه لا يعلم بأني راقبتهم من خلف الباب "
تدحرجت دمعة من رموشها وهمست ببحة
" حتى أنه عمل في مستشفى مقر الحدود كي يوفر لها الدواء
رافضا أن يتصدق به ذاك الطبيب عليه ، كان يتلقى الضرب
والسب والإهانات من عمي والتهميش والسخرية من الجميع
ولا يتحدث أو يشتكي .. كل ذلك من أجلها فقط "
أخفضت رأسها حياءا مما ستقوله وتابعت دموعها تتقاطر على
الأرض
" حتى أنه اتهم في شرفه ونزاهته وهو فتى صغير واعترف
بذلك فقط ليحميني منهم ، يوم توفيت والدته أرسلته للطبيب
كي لا يحضرها وقت وفاتها وكان سيبات تلك الليلة في الشارع
وفي البرد لأنه يرى أنه لا حق له في ذاك المنزل وأجبرته على
الدخول مكرها وبات ليلته تلك في غرفتهما مع ذكراها ومكانها
الفارغ وحيدا بدونها لأول ليلة في حياته ، ماذا تتوقعون منه إذا ...
ماذا ؟ "
أنهت عبارتها تلك تمسح دموعها المتقاطرة من عينيها تباعا
فبالرغم من جرحها منه وغضبها عليه إلا أنها لا تستحمل التفكير
أو الحديث عن ماضيه وعن ألمه الذي يرفض هو الاعتراف به
منذ كان طفلا فكيف بالآن ؟ رفعت رأسها ونظرها للذي لاحظت
صمته المبهم بعد حديثها فصعقت به يمسك عيناه بأصابعه بقوة
منزلا رأسه للأسفل و ... يبكي !! وسرعان ما أولاها ظهره وسار
جهة الواجهة الزجاجية تمسح أصابعه تلك الدموع التي يرفض
أن تفضحه أكثر وكأنها لم تنزل سابقا ولا أمام نفسه ، مسحت
دموعها التي عادت للنزول مجددا وساد الصمت طويلا بينهما
وكأن كل واحد منهما يرفض إشراك الآخر فيه قبل أن تكسره
قائلة بصوت منخفض ونظرها على قفاه
" تيم ليس غاضبا من أجل نفسه .. أنا متأكدة من ذلك رغم أنه
لم يتحدث أمامي عن الأمر "
التفت لها وقال
" هل يأتي لزيارتك ؟ "
نظرت للأسفل فورا وقالت
" أحيانا "
وصلها صوته فورا
" لا أعلم لما أشعر بأنك لا تقولين الحقيقة ماريه فأنتي من النوع
الذي لا يعرف الكذب وما في قلبك تظهره ملامحك ، أنتي وحدك من
قبلها تيم من ماضيه لم يحملها إثم ما حدث مع والدته ولم يتخلص
منك في حاضره ولم ينبذك فظننت أنك تستطيعين مساعدتي لأنك
ستكونين الأقرب له من بين جميع المقربين منه لكن يبدوا أن
أموركما أيضا ليست على ما يرام "
لم تستطع رفع نظرها به ولا التعليق على ما قال وهي تسمع
خطواته مجتازا لها ثم فتح باب الغرفة وقال
" إن احتجت أي شيء أخبريني فقط ماريه وإن انزعجت يوما من
البقاء هنا فمنزلي مفتوح لك في أي وقت تريدين "
استدارت منادية ما أن غادر
" عمي "
وعضت طرف شفتها منزلة رأسها ما أن التفت لها ، تريد أن تعلم
أن تفهم على الأقل ، لن تفضح سره أبدا لشخص آخر غير ساندرين
التي لولا أنها أخبرتها قبل أن تعلم منه لما فعلتها أبدا لكنه ذكر اسم
مطر شاهين قبل قليل وصلته به وعليها أن تتحقق من شكوكها ،
رطبت شفتيها بطرف لسانها ورفعت نظرها له وقالت بتردد
" هل يعمل تيم في مكان آخر غير تلك المنظمة ؟
أ .... أنا أعني عملا سريا آخر ؟ "
نظر لها عاقدا حاجبيه باستغراب لبرهة قبل أن يقول
" لما تسألين ماريه ؟ "
شعرت بضربات قلبها تتصاعد بسرعة فها هو لم ينكر وإن علمه
بذلك بل سألها لما سألته أي أنه .... قالت برجاء حزين
" أرجوك عمي جوابك سيشكل أهمية كبيرة بالنسبة لي ، أريد
فقط جوابا وإن بكلمة واحدة "
كانت تنظر له بأمل كسير ضعيف استشفه ذكائه بسهولة فقلبها
العاشق كأي أنثى كان يتأمل في أن يكون ثمة تبرير ... ثمة سبب
وإن كان يصعب عليها استيعابه والتعايش معه المهم أن يكون
صادقا حقا فيما قال ولم يكن يكذب ، راقبت حركة شفتاه بأمل
يحتضر وهو يحركهما ببطء وقد قال
" نعم "
ثم استدار وغادرا تاركا إياها واقفة مكانها تتنفس الهواء وكأنه
ينعدم من المكان حولها وقد مررت أصابع كلتا يديها في شعرها
للخلف تشعر بضربات قلبها وصلت أقصاها ... إذاً ما قاله صحيح
والمهمة موجودة بالفعل ، لكن ... نزلت دموعها رغما عنها فليس
يمكنها تصور ذلك أبدا وتحت أي مسمى كان وامرأة انجليزية ... !
أي لا ضوابط في حياتها ولا في علاقتهما .
مسحت دموعها بقوة وخرجت من هناك وعادت جهة غرفتها
وتوجهت لسريرها مباشرة جلست عليه ورفعت هاتفها واتصلت
به فورا قبل أن يتغلب عليها ترددها فعليها أن تفهم منه وأن يشرح
لها أكثر عن طبيعة عمله ذاك وحدود صلته بتلك الفتاة ، مسحت
دموعها التي انسابت فقط لمجرد التفكير في الأمر وعاودت الاتصال
مجددا حين لم يجب وضربات قلبها تتصاعد مع رنينه .. تعلم بأنه
غاضب منها أيضا وقد لا يجيب عليها لكنها لن تتوقف عن المحاولة
فما كان ليوضح لها بالقدر الذي سيقنعها هي لكنها الآن تعلم
وستحاصره بمعرفتها لطبيعة عمله الآخر ، مررت أصابعها في
غرتها الناعمة ورطبت شفتيها الجافتان ما أن انفتح الخط تشعر
بضربات قلبها ترتفع حد الجنون حين انفتح الخط ولم يتحدث
فقالت فورا
" تيم أ..... "
" من أنتي ؟ "
تصلبت يدها كما لسانها وجميع أطرافها بل وتجمد كل شيء حولها
وانسابت دموعها دون استئذان وهي تسمع ذاك الصوت الأنثوي
الغاضب والذي قالت صاحبته مجددا
" من أنتي أجيبي "
*
*
*
أطلقت شتيمة بذيئة حين انغلق الخط في وجهها وأبعدت الهاتف
ونظرت له هامسة بغيظ " الوقحة سترى حسابها مني "
التفتت لباب الحمام الذي فتح فجأة ونظرت للواقف أمامه ببنطلون
جينز فقط يمسك منشفة يجفف بها بشعره وقد توقف تماما عما
كان يفعل ينظر لها بصدمة سرعان ما تبدلت للاستهجان فأمسكت
خصرها بيديها وهاتفه لازال في إحداها قائلة بضيق
" من هذه ماري ديفسينت تيموثي والتي تتصل بك مقربة
منتصف الليل ؟ "
رمى المنشفة من يده بعنف وتوجه جهة قميصه القطني المرمي
على السرير ولبسه في حركة غاضبة عنيفة ثم توجه نحوها سحب
الهاتف من يدها وقال بضيق " ما الذي أدخلك هنا لوسي ؟ ومن
أين تحصلين على نسخ مفاتيح منزلي ؟ ... سحقا للحثالة "
ثم لوح بيده بغضب والهاتف فيها متابعا ومن قبل أن تتحدث
" بل وتفتشين هاتفي دون استئذان أيضا ؟ كم مرة نبهتك عن
التصرفات الصبيانية هذه ؟ ثم ما تفعلين أنتي أيضا في منزلي
مقربة منتصف الليل ؟ "
قالت باستياء وصوت باكي وقد ضربت الأرض بحذائها العالي
" والدي في انتظارك فلم يحصل على وقت فراغ غير هذا الوقت
ثم أنا من حقي أن أعلم من تكون هذه التي تتصل بك الآن وأنت
بنفسك قلت لا حبيبة ولا صديقة لديك "
" لم أقل ذلك .... سحقا "
صرخته تلك لم تزد الأمر إلا سوءا فقد صرخت فيه بالمثل
" أجل فأنت سبق وأخبرتني أنه ثمة امرأة وأنا لم اصدق ذلك لأنك
لم تخرج مع إحداهن سابقا وها قد علمت من تكون "
وما أن أنهت عبارتها تلك خرجت من الغرفة ضاربة الباب خلفها
فشتم بحنق وانتظر قليلا وكما توقع لم يسمع صوت باب الشقة فنظر
لهاتفه في يده واتصل بماريه أولا فتلك المدللة الخرقاء لم تفسد
هذا الأمر فقط بل إن ضلت على شكها بأنها حبيبته فستفعل أي
شيء للتخلص منها ، توجه جهة باب الشرفة الزجاجي أصابع
تشد شعره للخلف بقوة وأصابع اليد الأخرى تثبت الهاتف على
أذنه وكلما قطعت عليه الاتصال حاول مجددا حتى وجده مغلقا
فرماه على السرير بطول يده شاتما بغضب وسحب سترته بعنف
وغادر الغرفة فوقع نظره فورا على الجالسة على الكرسي تحرك
قدمها بغضب مشيحة بنظرها عنه فقال ببرود مستندا بالجدار
خلفه ومكتفا ذراعيه لصدره
" لو ركزت على اسم عائلتها لاكتشفت أنها قريبة لي من جهة
الأم ومؤكد تعرفين اسم عائلة والدتي وهي فتاة يتيمة الأبوين
أنا المسئول الوحيد عنها وقد قمت بنقلها من إيطاليا من مدة
قصيرة من أجل الدراسة وتعيش مع قريبة لنا كلينا ، هل يكفي
هذا أم أشرح أكثر ؟ "
لم تتحدث ولازالت على حالتها تلك فشد على فكيه بقوة وغضب
وكره تلك اللحظة مهمته ومطر شاهين بل والنساء اللواتي لا
يفهمن معنى التبرير أبدا ، فك ذراعيه وقال بنفاذ صبر
" تعلمين جيدا بأنه لا علاقة بيني وبينها فتحركي لنغادر لوالدك
أو سأنام "
وقفت على طولها واستدارت بجسدها ناحيته وقالت بسخط
" لن تخجلني مع والدي مجددا تيموثي أتفهم ؟ ثم ما هذه الطريقة
التي تراضي بها امرأة غاضبة ؟ "
كاد يضحك في وجهها ولا رغبة له أساسا في الضحك ، يراضي
امرأة غاضبة ! قد أثبت عجزه عن ذلك من قبل أن يراها الآن ،
بل تهذي هذه المرأة بالتأكيد فسيقطع يده قبل أن تلمس طوعا
جسد امرأة غير تلك وهذا ما يراه حقا لها وحدها ، قال بذات بروده
" لا طرق أخرى لدي وأنا لم اغضبك "
سارت جهة باب الشقة قائلة بتذمر
" يالك من بارد وأحمق لكن لا بأس سنهدم حاجزك هذا قريبا "
وغادرت تاركة الباب مفتوحا خلفها فتأفف بنفاذ صبر وتبعها
فسيقتلها بالتأكيد إن لم تنتهي تلك المهمة قريبا .
*
*
*
مسح وجهه بكفيه مستغفرا الله بهمس وأبعد تلك الأوراق عنه
مجددا ، هو يؤمن بشيء واحد فقط أن زيزفون لم تفعلها ...
من وكيف ولما هذا ما عليه اكتشافه أو اعتزل المحاماة
لباقي حياته .
سحبها نحوه مجددا ككل مرة أبعدها فيها وعاد لدراسة كل بند
وكل سطر كتب في تلك الأوراق لا يغفل عقل المحامي في رأسه
عن كل صغيرة وكبيرة رغم تشابك وتعقد الأحداث فالأدلة جميعها
ضدها .. كانت في العاشرة ! عمر لا يصلح للقتل إلا إن كان الدافع
قويا فهذا يحدث أحيانا ويدفع من في عمرها لارتكاب جرائم
مشابهة ، لكن لما كانت هيئة المحلفين من دافعت عنها ! لما
لم يستلم قضيتها أي محام ليظهر الحقيقة ؟ أين الشخص الذي
كان يحميها وأخرجها من البلاد وأنقدها من القضية وقتها لم
يسعى لإظهار الحقيقة ؟ ما السر الذي يخشون أن ينفضح
بظهور مجريات الأحداث الفعلي ؟ وهذا الموقف كان مشابها
لموقفها تماما وهو ما جاء في ملف القضية .. الصمت التام
من جانبها رغم جميع التهم الموجهة لها ! فلما لم تدافع عن
نفسها ولا حتى بعد إرسال مبعوث المحكمة لها في المصحة
قبل ثلاث سنوات وحين كانت في الخامسة عشرة حينها ؟
إن لم تكن هي من فعل كل ذلك فلما الصمت عن قول الحقيقة ؟
هي خرجت من القضية بحكم حالتها المرضية والنفسية وقتها
فلم يستطيعوا ولا استجوابها بشكل جيد وقانوني لأنها كانت شبه
فاقدة للعقل بسبب ما حدث تلك الليلة لكن القضية لازالت معلقة
في بلادها كما أنها لازالت مسجلة كنزيلة في ذاك المصح وهذا
جدار حماية جديد لها فلا تصلهم أي معلومات بأنها شفيت فعائلة
المقتول لم يسقطوا حقهم بعد وهي تجاوزت الآن السن القانوني
والسجن سيكون مصيرها حال فتحت القضية من جديد ، تقرير
طبيبها الخاص عن حالتها مشابه تماما لما شهده هو نفسه تلك
الليلة فهي في حالة ألا وعي تذكر حادث احتراق والدتها فقط
حين كانت تقول صارخة
( إنها تحترق تعالوا أرجوكم ... أوقفوه بسرعة فسيحرق كل شيء )
إذا هذه هي الجريمة الأولى وهذا دليل براءتها منها وإن كان
القضاء لا يعترف بمثل هذه الأدلة لكنها بالنسبة لمحام هو دليل
قاطع لكن ماذا عن الجريمة الأخرى ! هل قتلته فعلا لأنه أحرقها ؟
أم ثمة من قتلهما كليهما ؟ لكن لما ستصمت عنه إن كان قاتلا !
هل ستحمي قاتل والدتها ؟
ضم رأسه بين يديه ونظره على تلك الأوراق المبعثرة أمامه
فلا جديد فيها رغم السنوات الخمس التي كانت تفتح فيها القضية
في كل مرة قبل أن تغلق منذ ثلاث سنوات ، إن كان زوج
والدتها هو من قتلها ثم هي قتلته فمن هو الذئب في رسوماتها ؟
أهو زوج والدتها أم أنه القاتل الحقيقي ؟ إن كان زوج والدتها
فكيف ظهر الآن ذاك الأسد بينما كان طوال الوقت فريسته أرنب
ضعيف ! إن كان ميتا فكيف سينقض عليه ذاك الأسد !!
إلا إن كان الأمر نفسيا .. أي حرب داخلها فقط !
فتش مجددا وأخرج ورقة معينة اشتدت أصابعه عليها لا شعوريا
وهو يقرأ أسطرها وشعر بقلبه ينقبض وكأنه توقف عن ضخ
الدماء لجسده وعن استقبالها منه فلما طلبت لجنة المحلفين هنا
تقريرا طبيا بتعرضها للاغتصاب ؟ لماذا وأين التقرير الطبي
ولما لم يتم ذكر هذه النقطة في القضية لاحقا ؟ اتكأ بجبينه
على راحة يده وشد صدغيه بأصابعها بقوة لا يريد أن يفكر في
هذا أبدا فحينها لن يسامح ولا نفسه فيما مرت به ولن يلومها
أبدا إن لم تسامحه هو أيضا وليس جده فقط بل وجميع من يمت
لعائلة ضرار سلطان بصلة .
عاد للبحث مجددا بين شهادات الشهود فبحكم أن الجريمتان
حدثتا في مزرعة فشهادة الجيران كانت ضعيفة وشحيحة أيضا
والجميع أقروا بحالتها المرضية سابقا بسبب الأكياس المائية
في دماغها وانطوائها عن الجميع فبالكاد كانوا يرونها بينما
شهد الجميع بعلاقتها العميقة بوالدتها وبأنها كانت تخشى
عليها حتى من احتكاكها بالأطفال كي لا تتعرض للسخرية
بسبب تأخرها في إدراك ونطق الكلمات أما زوجها فكان
الحاضر الغائب في شهاداتهم فلم يكن لديه أي احتكاك بهم
وليس له أي أصدقاء منهم وكان يقضي أغلب وقته في
المنزل لم يكن لديه عمل محدد يستقر فيه ولا يملك شهادة
أو مؤهلات وحتى في عائلته لم يتم ذكر أصدقاء أو أعداء له .
ثمة شخص واحد كان له احتكاك مباشر بتلك العائلة الصغيرة
وهو ( بشير ) شقيق الزوجة من الأم أي خال زيزفون لكنه
لم يدلي بأي شهادة وقد أثبتت المحكمة أنه كان بعيدا عن ساحة
الجريمة تلك الليلة بطولها لكن ثمة أمر مريب ذكر عنه وهو بأنه
( الشخص الوحيد المقرب من تلك العائلة والوحيد الذي شك
في قدراتها العقلية وفي ذات الوقت استبعد أن تكون مؤذية)
ثمة أمر مريب في أقواله لكنه لم يكن في مكان الجريمة
وبشهادة أكثر من شخص ! جمع الأوراق معا وأعادها لذاك
المغلف ورفع دفترها من الأرض وفتح على تلك الرسمة تحديدا
محدقا بذاك الأسد المنقض على فريسته بقوة وثقة وبدأت
التساؤلات تدور في رأسه فهل تيقن عقلها الباطن من أنه ثمة
من سيقتص من الجاني حيا كان أو ميتا ؟ وإن عنت بذاك الأسد
العدالة وبالذئب قضيتها ليس إلا لكن ماذا إن كانت ترمز
لأشخاص حقيقيين ! حينها سيكون ثمة مذنب حي طليق وثمة
من باتت تثق بأنه سيهزم تخفيه خلف جرائمه طوال تلك الأعوام .
وقف وترك الدفتر من يده وتوجه لباب الشرفة الزجاجي ووقف
أمامه يراقب الليل والسكون وتذكر فورا حديثهما الأخير
وعبارتها تلك
( لكنك لن تجد حل لغز الجريمة فيها وستعتمد على ذكائك
هذه المرة يا وقاص )
وهذا أكبر دليل على براءتها .. دليل واضح جدا على أنها تنتظر
شخصا يستطيع فك خيوطها بذكائه وحده دون أن يعتمد على أي
شهادة منها ، لكن عبارتها الأخرى !!
( وهذه قد تلعب فيها العلاقات الشخصية دورا مشابها ... فهي
إذا ليست من اختصاصاتك )
فلما قالت أن العلاقات الشخصية ستلعب فيها دورا إن كانت هي بريئة !
من هذا المذنب الذي قد يقف عاجزا أمام تقديمه للعدالة ؟
شد قبضته على زجاج باب الشرفة وقد ظهرت أمامه صورتها
وذاك البريق في عينيها الواسعة حين قالت بحزن
( ذاك لن يأخذ له أحد بحقه ومهما حاول )
ضرب بقبضته على الزجاج أمامه هامسا من بين أسنانه
" أنا من سيأخذ بحقك ... قسما يا زيزفون أن أفعلها "
*
*
*
شدت الحبل جهتها بقوة بينما كان يشد طرفه الآخر الواقف في
الجهة المقابلة لها من البئر الواسع العميق حتى ظهر لهما الدلو
الكبير المليء بالماء فهذا هو حالهم كلما أصاب مضخة المياه
الكهربائية عطل ما فسيحتاجون لوقت لإصلاحه وعليهم حينها
إخراج الماء بالطريقة البدائية الشاقة ، فعلى تلك الآبار كان
يعتمد أهالي تلك القرى فشبكات المياه الحكومية قديمة وبسبب
المشاريع الزراعية والري الجائر لم يعد يصلهم من تلك المياه
شيء فأصبح اعتمادهم على أبار المياه الجوفية وسحبها
بمضخات المياه بشكل مستمر مما يؤدي لتعطلها شبه شهريا
فحتى مياه الأمطار التي تنزل على مدنهم طوال موسم الشتاء
لا يتم الاستفادة منها بشكل منظم وسليم فتتضرر بعض الأراضي
بينما يستفاد البعض الآخر وجميع الحلول التي كانت تسعى
الحكومة لتوفيرها سابقا كانت تنتهي بالفشل إما بسبب عدم
تعاون أهالي تلك الأرياف أو بسبب شجارهم المستمر على
سبل الاستفادة منها فيتحول الحل لمشكلة معقدة ، وحتى الشركات
الزراعية التي تتبنى المشاريع في هذه الأراضي الخصبة تجني
الفائدة دون أن تفيدهم ومشاكلهم بشيء .
ابتسمت للذي تلقى هو الدلو وسكب المياه منه في الحوض
الحديدي ثم عادا لإنزاله مجددا تراقبه مبتسمة بحزن فكم تشفق
على حال هذا الفتى فعمره نصف عمرها تقريبا ويقوم بخدمتهم
جميعا وحتى أشقائها من هم في عمر والده فلا تسمع في ذاك
المنزل سوى
( إسحاق تعال هنا ... إسحاق خذ هذه هناك ... إسحاق إرفع
هذا للأعلى )
وأيسرها كان دائما
( إسحاق ساعدني في ذلك )
فعلى الأقل يتشاطر معه العمل .
تحار أحيانا في قصته المدفونة خلف الماضي والغموض وسر
إحضار أشقائها له رضيعا وقد قالوا بأنهم وجدوه مرميا على
طريق حدود الهازان مع الحالك وتشعر دائما أنه ثمة ما يخفونه !
صحيح أن لون عيناه الزرقاء وبشرته لا يشابه قبائل الحالك
وخاصة الجنوب أبدا لكنها لا تصدق أن يكون الأمر مجرد
مصادفة ورقة قلب منهم ليحضروا طفلا لقيطا لمنزلهم !
ثم ذاك الرجل الذي أخذه قبل أعوام وقال بأنه ابنهم ثم عودته
بعد عامين في حال مزرية وتغيره بعدها وكأنه ليس من كانوا
يعرفونه سابقا حتى أنه فقد صوته نهائيا بل وتراه منذ ذاك
الوقت منطوي أكثر على نفسه شارد الذهن وثمة حزن عميق
يسكن تلك العينان الجميلتان بل ورأته عدة مرات يجلس عند
احدى الأشجار ويبكي بالخفية .. تشعر بأنه ثمة سر عظيم
ورائه وليست تعلم ما يكون ! كم مرة انتابها الشك في أن
يكون من سلالة دجى الحالك فوالدة ذاك الرجل خماصية من
الهازان طلقها والده تحت ضغط كبير من جدهم شاهين بعد
ولادتها لدجى مباشرة ثم لم يعد يعلم أحد عن مصيرها !!
لكن إن كان كذلك فمن الذين احتالوا عليهم وأخذوه منهم
سابقا وأين ولما ! بل وكيف أعادوه منهم وبأي صفة !!
هل يكون ابن آخر لتلك الإيرلندية زوجة شقيقهم يحيى أيضا
ومن أحد إخوتها ؟
استغفرت الله بهمس وأخذت منه الدلو وسكبت هي ما فيه
هذه المرة قبل أن ترفع نظرها بالتي كانت متوجهة نحوهما
مسرعة تمسك جريدة في يدها يتلاعب الهواء بفستانها الطويل
المطرز تتحرك ضفائرها الطويلة المثنية ضاربة لخصرها وذراعيها ،
تشبهها في كل شيء تقريبا حتى في سنوات عمرها وملامحها
وسواد ذاك الشعر الطويل المضفور غير أنها تحب ثني ضفائرها
الطويلة تلك عكسها كما تختلفان في طباعهما فبقدر هدوء هذه
وطبعها المسالم فتلك تحاول دائما ابداء أراء عقيمة في عائلة
لا تعير لرأي المرأة بالا وتدافع عن حق لن تحصل عليه منهم
أبدا ، ما أن وصلت عندهما قالت بضيق تلوح بالجريدة في يدها
" حوراء تعالي وانظري ما يوجد هنا "
قالت وهي تضع الدلو جانبا
" أنتي التي تعالي لننقل حوض المياه للمنزل واتركي عنك ما لا
ينفعك في شيء "
تأففت واقتربت منها قائلة
" قلت انظري لهذه "
ووقفت بجانبها وأرتها إياها قائلة بسخرية
" انظري لهذه الحسناء في الصورة هل تتوقعين من تكون
هذه بدر البدور ؟ "
ضحكت حوراء رغما عنها على ابتسامة الواقف أمامهما على
مسافة قليلة فقالت جيداء بحنق
" وما قلته يضحك ؟ هي بدر بالفعل فكيف إن وضعتها بجانب
شقيقك شعيب ؟ "
أرتها عنوان المقال وقالت تتبع حروفه بإصبعها
" غسق شراع صنوان "
ضربت بعدها بيدها على الصورة قائلة
" هل علمت الآن لما يبحث شقيقك المصون عن نسبها بجميع
الطرق زائغ العينين ذاك ؟ "
استلت منها الجريدة قائلة
" دعيني أرى هذا ! "
نظرت عاقدة حاجباها الرقيقان الطويلان للمقال تحتها ثم أشارت
لصورة الواقف فوق المنصة قائلة تمسك ضحكتها
" وهذا مطر شاهين ؟ يا حسرة قلبي عليك يا شعيب "
ضحكت جيداء من فورها وقالت
" هو وتلك المرأة وجهان لعملة واحدة ، قسما لا رجل أغبى
منه في التاريخ يبحث عن شيء في امرأة غيرها "
طوت حوراء الجريدة ومدتها لها قائلة
" حسنا شكرا لإيصال الخبر بسرعة وهيا ساعدينا في حمل هذا "
رمت الجريدة من يدها دون اهتمام أين سيستقر بها الأمر في
تلك لأرض الواسعة بأشجارها المصفوفة على مد النظر
وقالت بضيق
" أيعجبك أن يسعى أشقائك لإيجاد زوجات لهن من نسل ذاك
الرجل الذي قد يكون تحلل تحت التراب من أعوام طويلة
ويتركوننا نحن نظفر الشيب في حبائل طويلة ؟ "
تنهدت الواقفة أمامها بضيق وقالت
" لا نفع مما تقولينه يا جيداء وإن سمعتك والدتك لقطعت لسانك "
ضربت يديها في وسطها فرنت أساورها الذهبية في نغم خفيف
وقالت بضيق
" هذا ما يوقف حالنا هكذا عبارات الاستسلام هذه ، قارب عمرك
للسابعة والثلاثين إن لم تكوني تعلمين ذلك ولولا جذور قبيلتك لخط
الشيب في جدائلك يندب حظك معك فلما يطبقون حدادهم علينا بينما
يتزوجون هم من نسل دجى الحالك ؟ "
ثم أشارت بإصبعها للجريدة التي يتلاعب الهواء بأوراقها تحتها قائلة
" هذه ... ! هذه يتزوجها شعيب ! قسما إن نام معها في غرفة
واحدة ما خرج لنا بعدها أبدا "
لم تستطع حوراء إمساك الضحكة التي شاركها فيها الواقف صامتا
كعادته وإن كان يحاول كتمها بجهد فنظرت لهما بحنق قائلة
" وما الذي قلت يضحك ؟ هذا بدل أن تبكيا على مستقبلكما الرائع "
قالت حوراء ما أن توقفت عن الضحك
" سمعت أيضا أن ابنتها من ابن شاهين تنافسها في الحسن أي
أننا لن نتخلص من شعيب فقط بل ونوح معه أيضا "
زمت شفتيها بحنق قبل أن تقول
" يا سعادتك يا ابنة غيلوان ، ستبقي وحدك دون زواج ولا أولاد
وشقيقتك معك أيضا "
قالت مبتسمة
" بلى هناك مايرين وأويس أيضا "
لوت شفتيها بسخرية قائلة
" مايرين ستتزوج كما تزوج شقيقها فهم انشقوا عن العائلة من
أعوام طويلة حين أراحهم هازار منا .. ليته شقيقي فقط ، أما
أويس إن قرر أن يتزوج فلن يقف في طريقه أحد وهم يعلمون
ذلك جيدا ، ثم هو أحق من غيره فعلى الأقل يجد من تخدم والدته
الضريرة "
انحنت حوراء جهة الحوض قائلة
" ويحي كيف نسيت ؟ عليا الذهاب لرؤية ما تحتاجه فأويس لن يرجع
قبل الغد وأنا لم أذهب لها اليوم ، بسرعة ساعداني لحمل هذا "
وضع كأس الشاي ووقف فوقف الجميع لوقوفه وقالت جوزاء
" لم تبقى معنا سوى ساعتين يا مطر ، أي زيارة هذه يا شقيقي ! "
رفع سترته وهواتفه قائلا
" اتركينا ننتهي من مشاكل هذه البلاد أولا ثم لك عليا أن تملي
من وجودنا "
قالت مبتسمة بحب
" أمل من وجودك ! قسما لن تكفيني ولا أربعة عشر عاما مماثلة "
وتابعت بعينان دامعة تجمع كفاها عند شفتيها
" ليت عمتي نصيرة معنا الآن كم كانت تفتقدك وذكرك على لسانها
كان يعادل ذكرها لابنها المفقود ، لو أنها فقط رأته وإن لمرة واحدة
قبل أن تموت "
خيم الحزن على ملامح الجميع وهمس المقابل لها متنهدا
" رحمة الله عليها كل زاوية في ذاك المنزل تذكرني بها "
قالت التي بدأت بمسح دموعها المتقاطرة من رموشها
" وقاسم ما وضعه الآن يا مطر ؟ لما لا يتزوج بدلا من البقاء
وحيدا كما يخطط حال مغادرته منزلك "
اشتدت قبضتا الواقفة بجانبه لا شعوريا وأرخت نظرها للأرض
خشية أن تفضحها نظرة الصدمة في عينها حين علق قائل
ا " سيحدث بالتأكيد فأنا لن أسمح بغير ذلك "
وتابع وقد أراح يده وذراعه على كتفي الواقفة بجانبه والتي
تنفست بقوة تشعر وكأن مشاعرها وصلت له
" خاصة أنه رفض إلحاح عائلة والده جميعهم للعيش معهم
حتى في منزل مستقل ، هو يحتاج لزوجة فعلا يكفيه ما
عاشه وحيدا "
كانت تشعر بكفيها يتعرقان بشدة وبكل شيء حولها يبتعد
عنها وليست تفهم حقا لما يضايقها ذلك ؟ هو يراها فتاة
ضعيفة شخصية سلبية المشاعر ومذنبة فعليها أن لا تهتم
به أيضا ، تنفست ببعض الارتياح حين تحرك مبعدا ذراعه
عنها منهيا الحديث عن الأمر مودعا زوج شقيقته وابنتها
بينما رافقته جوزاء حتى باب المنزل والذي منعته أساسا
من الاقتراب منه كثيرا حين أمسكت بيده موقفة له وقالت
محدقة بعينيه ما أن نظر لها
" مطر أود التحدث معك قليلا "
علمت من نظرته بأنه لن يوافق خاصة ليقينها بأنه يعلم جيدا
عما تريد التحدث عنه وذاك ما حدث فعلا وقد حرك رأسه
برفض قائلا
" ليس وقته يا جوزاء ولا داعي لذلك أساسا "
شدت أصابعها على يده أكثر وقالت بإصرار
" بلى علينا التحدث والآن أيضا لأني أعلم بأن زيارتك هذه
لن تتكرر قريبا ولا يمكنني السفر لحوران قبل فترة قد تكون
بعيدة ، ثم أنا لن أؤخرك "
أغمض عينيه لبرهة متنهدا بضيق فقالت بحزن
" لما فعلتها يا مطر ؟ اقسم لو أنك قتلتها لكان أرحم ألف مرة
مما قلت "
استدار بكامل جسده ناحيتها وقال بجدية
" لا أحد يمكنه فهم ما قد أقوله يا جوزاء وليس بإمكاني
شرح ذلك فوفري على نفسك طرح السؤال"
قربت حاجبيها قائلة بأسى
" حين كنت في رحلة سفرك الأخيرة تلك سألتني أيهما افضل أن
يتزوج زوجي أم أن يخونني مع امرأة أخرى .. لم أفهم سبب
سؤالها حينها وظننتها شكوكا لا وجود لها لكني الآن فهمت "
أبعد نظره عن عينيها ولم يعلق فقالت بحزن ونظرها لازال
معلقا به
" كانت تحبك وبشغف ... الأعمى فقط من لا يمكنه رؤية ذلك ،
لما أخسرت نفسك كل شيء جميل كان بينكما يا مطر ... لماذا ؟ "
بقي متمسكا بصمته وكما تعرفه جيدا لا يشارك أحدا أفكاره
ومهما كان لكن ذلك لم يجعلها تستسلم أبدا فتابعت من فورها
وبضيق
" ما أن علمت بحقيقة نسبها قطعت علاقتها بي ودون أن
تعطيني فرصة ولا للتبرير ، أنت لم تجعلها تخسرك فقط بل
وأخسرتنا إياها جميعا "
تحرك من مكانه ليغادر فأمسكت يده بقوة ودارت حوله حتى
وقفت بينه وبين الباب وقالت بجدية محدقة بوجهه
" مطر لا يكون جوابك الصمت ، أنا لا يمكنني تصديق أنك قد
تفعلها وإن رأيت ذلك بعيني ، ولن أصدق أن من انتظرها
منذ كانت ابنة العشرة أعوام ولم يتزوج أن يفعلها بعد أن
أصبحت لديه فلما قلت ما قلت ... لماذا ؟ "
نظر لعينيها وقال بحزم
" لأنه كان عليا قوله "
" لماذا !! "
قالتها مباشرة وبنبرة قوية لا تحتمل أي تبرير غير الجواب
الواضح الحقيقي فرفع يده جانبا وقال بضيق من إصرارها
" لأنها ليست أقسى من حقائق أخرى يا جوزاء فارحميني
من استجوابك العقيم هذا "
قالت بإصرار
" أخبرها تلك الحقيقة إذا ... هي ستكون أرحم لها مما قلت
ومهما كانت قاسية "
لوح بيده قائلا برفض
" ذلك لن يجدي .. لن يجدي أبدا بل وستكون نتائجه أسوأ "
قالت بضيق
" لست أفهمك يا مطر لما لا تكن واضحا ؟ ما هذا الأسوأ
مما فعلت ؟ "
خرجت أعصابه عن السيطرة هذه المرة بسبب إلحاحها
فقال بحدة
" لأنها ستدفع نفسها للهلاك من أجل أن تحمي شخصا آخر ،
إن علمت فلن تتوانى عن رمي نفسها للمجهول من أجل
إنقاذ حياته بل وستجر ابنتها معها وسأخسرهما كليهما
يا جوزاء وهذا ما لن أسمح بحدوثه أبدا "
حركت رأسها برفض قائلة بحدة مماثلة
" أنت تخسرها الآن أيضا يا مطر ... تخسرها وبأقسى الطرق "
ثم رفعت يدها لصدره واشتدت أناملها على قميصه جهة قلبه
وقالت بجدية محدقة بعينيه
" وتأكد من أنها إن قتلت حبك في قلبها فليس لأي قوة
على وجه الأرض أن تحييه مجددا ولا ركوعك عند قدميها
طالبا الصفح "
أنهت عبارتها تلك ثم ابتعدت عن الباب وسارت عائدة حيث
كانت دون أن تلتفت لمن تركته خلفها
رغم شعورها بما يخفيه خلف جموده وصمته القاتل ذاك ،
لكنه من يختار دائما أن لا يستمع لأحد غير نفسه
وهي فعلت ما عليها وأوصلت له ما تريد قوله
وتعرفه جيدا أذكى من أن لا يفهمه أو أن يستهين به .
ما أن دخلت الغرفة كانتا بثينة وتيما هناك فقط فاقتربت
من التي كانت تنظر لها بحزن نظرة استطاعت قراءتها
فورا وفهم سببها خاصة مع دخولها عليهم بذاك الوجه
المتجهم والملامح الحانقة ، وقفت أمامها وأمسكت
بوجهها وقالت بحنان محدقة بمقلتيها الزرقاء الواسعة
" تيما لا تجعلي مشاكلهما تؤثر عليك صغيرتي ، صحيح
أن والدتك أكبر عنيدة عرفها التاريخ ووالدك أكثر رجل
ينساق خلف عقله في الوجود لكنهما يحبان بعضهما
أضعاف عنادهما الغبي ذاك فلا تحزني لأنه ليس ثمة
قوة على وجه الأرض قد تفرقهما أبدا "
أومأت برأسها وعيناها تمتلئان بالدموع هامسة ببحة
" وذاك عزائي الوحيد عمتي "
*
*
*
فتحت باب الغرفة ودخلت ونظرت بصدمة للهاتف المحطم
المرمي على الأرض ثم للجالسة فوق السرير تخط في الورقة
تحت يدها بعنف ثم جعدتها ورمتها مع كومة الأوراق تحتها
أسفل السرير فتوجهت نحوها ووقفت أمامها تمسك خصرها
بيديها قائلة باستغراب
" ماريه ما بك ؟ "
نظرت لها بجمود نظرة جثة خالية من أي حياة قبل أن تعود
لما كانت تفعل وكأنها لا تراها أمامها فانحنت جهتها واستلت
الأوراق من يدها وجلست أمامها قائلة
" ماذا حدث ؟ "
" لا شيء "
نظرت لها باستغراب من نبرة صوتها وملامحها وقالت
" ماذا كان يريد والده ؟ "
أنزلت نظرها وابتسمت بمرارة هامسة
" جاء يأمل بأن أعالج شرخا بينهما ما استطعت معالجة أصغر منه
بيني وبين ابنه "
نظرت للخلف حيث الهاتف المحطم على الأرض قائلة باستغراب
" واتصلت به من أجل ذلك ؟ "
وعادت بنظرها لها ما أن همست ببرود
" لا "
تنهدت بنفاذ صبر قائلة
" ماريه بربك لا تتعبي لي رأسي أكثر "
نزلت من السرير وبدأت بجمع أوراقها ومذكراتها بعنف قائلة
" أنتي من تجلب لنفسها وجع الرأس "
وقفت أيضا وقالت بضيق
" ماريه هل أفهم مما يشتكي عقلك ؟ "
توقفت عما تفعل ونظرت لها وقد امتلأت تلك المقلتان بالدموع
وهمست ببحة بكاء
" بل قلبي هو ما يؤلمني وبشدة ساندي "
تأوهت من فورها وأخذت منها الكتب ووضعتهم ..جانبا
ثم أمسكتها من ذراعيها وأجلستها على طرف السرير وجلست
أمامها قائلة
" ماذا حدث ماريه ؟ ماذا قال حين اتصلت به ؟ "
انسابت أول دمعة على وجنتها وكأنها جمرة من نار من كثرة
ما سجنتها خلف تلك الأجفان المحتقنة بشدة وهمست بضياع
محدقة بعينيها
" هو يعمل مع رجال مطر شاهين هنا "
نظرت لها ببلاهة لبرهة قبل أن تهمس
" يعمل معه ؟ "
أومأت برأسها بنعم وقطعت عبرتها كلماتها حين قالت
" اتصلت به ... لأفهم منه ... لكنه لم يجب بل تلك المرأة ... "
فصرخت الجالسة أمامها من فورها
" التافه السافل الكريه القد..... سحقا له من بين الرجال "
وغادرت السرير بل والغرفة بأكملها لا يتوقف لسانها عن سبه
وشتمه حتى وصلت غرفتها وضربت بابها بقوة خلفها وتوجهت
لهاتفها رفعته واتصلت بالتي أجابت بعد وقت قائلة بنعاس
" أجل ساندي ماذا هناك ؟ "
قالت من فورها وباستهزاء
" لا شيء سمو الأميرة النائمة ... ما الذي غير طباعك فجأة ؟ "
وصلها صوت تثاؤبها الواضح قبل أن تقول بكسل
" لا شيء سوى أني أعمل إن نسيت ذلك وسأكون في المطار باكرا "
قالت ساخرة
" طوال حياتك تعملين هناك ولم تكوني دجاجة هكذا ؟ "
وصلها ذات ذاك الصوت الخدر
" انظري للساعة قبل أن تتحدثي ثم عليا أن أكون نشيطة غدا
وفي أفضل حال لا أريد أن أذهب بعينان منتفختان من قلة النوم "
قالت باستغراب
" ولما ؟ "
تبدل صوت التي في الطرف الآخر للحماس فجأة وقالت
" أجل لم أخبرك من سيكون الكابتن المساعد على الطائرة التي
ستهبط أرض المطار الساعة السابعة "
جحضت عيناها باستغراب وهمست
" من ؟ "
وصلها صوتها فورا
" غيهم أيوب الشعاب "
أدارت حدقتيها بتفكير قبل أن تقول
" ومن يكون هذا ؟ "
وصلها صوت تأففها قائلة
" ما أسرع ما تنسين ساندي إنه ابن جوزاء شاهين الحالك "
ضحكت من فورها قائلة
" قولي هذا من البداية ... هو الخطيب الصوري إذا "
وصلها صوتها المتضايق فورا
" ليس صوريا ووالدته تحدثت مع والدتي مجددا فقالت لها بأنه
يمكن أن نتعرف ببعضنا في الحفل في منزل عمتي وقد أبلغته
هو بذلك "
علقت ساخرة
" قالت الحفل إذا وليس المطار فحاذري أن تذهبي صباحا
بفستان الزفاف "
وصلها صوتها الحانق سريعا
" ساندي يكفيك سخرية مني فهو لا يعلم بأني أعمل هناك ولن
أترك له الفرصة ليتعرف عليا بل سأراه أنا أولا فقد لا يعجبني
ولا أحضر الحفل أساسا "
لوحت بيدها قائلة ببرود " حضا موفقا إذا يا بلهاء واتركينا
من هذا الآن أريد رقم هاتف ابن عمك "
" تيم ؟! "
قالت من فورها
" أجل تيم هل لديك ابن عم غيره ؟ "
" لماذا تريدين رقم هاتفه "
أمسكت خصرها بيدها الحرة قائلة
" لا علاقة لك آنسة كنانة فأعطه لي قبل أن تخمد النار في داخلي "
وصلها صوتها فورا
" لكني لا أملكه "
قالت بضيق
" الآن تقولين هذا بعد سيل من التحقيقات ؟ أعطني رقم زير
النساء ذاك إذا فقد يخدمنا أكثر منه "
تنهدت تلك باستسلام قائلة
" حسنا ولا تزعجيني مجدداً فما استطعت النوم بسهولة "
لوت شفتيها وقالت متشدقة
" لا تقلقي فاسترخي لتختفي تجاعيدك ولا تنسي قطعتي الخيار
لعينيك "
" بلهاء "
ضحكت فور أن أغلقت الخط في وجهها وما هي إلا لحظات
وأرسلت لها رقم هاتفه في رسالة ، كانت ستتمنى الموت
وسماع صوت المدعو تيم على أن تسمع صوت ذاك الوقح
لكنه الوحيد الذي سيوصلها للحقيقة وهذا ما لم تفكر فيه سابقا ،
اتصلت به من فورها وهمست باشمئزاز تستمع لصوت رنينه
في الطرف الآخر
" من أجل ماريه سأتحملك هذه المرة "
لوت شفتيها بامتعاض ما انفتح الخط ووصلها صوته الساخر فورا
" ما هذه المفاجأة السارة ؟ الأميرة ساندرين بجلالة قدرها تتصل ! "
شدت فكيها قائلة
" توقف عن السخرية لم أتصل من أجلك ولا شوقا لسماع صوتك "
وصلها صوته فورا
" حقا !! وأنا ما كنت لأجزم بأن تفعليها لكن ظنوني لم تكن
بمحلها وها قد اشتقت لسماع صوتي "
شعرت بالأدخنة تتصاعد من رأسها وقالت من بين أسنانها
" متعجرف "
ضحك من فوره وقال
" يحق لي أليس كذلك ؟ "
مررت يدها في شعرها ورمته على كتفها قائلة بسخرية
" هه لا تصدق قول عشيقاتك لك فكل ذلك من أجل مالك فقط "
كاد يقتلها غيضا بضحكته التي قال بعدها مباشرة
" سبق وأقسمت أني لم اقبل غيرك "
صرخت بضيق
" اصمت يا وقح ولا تكرر هذا أمامي مجددا ... ما به حظي
التعيس اليوم مع مغفلي الهازان ؟ "
قال وكأنه لم يسمع ما قالت
" ستأتين للحفل يا شقراء الحالك أليس كذلك ؟ "
ابتسمت بمكر من فورها فكما توقعت هو من كان وراء إصرار
والدها لكنها لن تترك له الفرصة هذه المرة ليسخر منها وسيرى
المفاجأة التي تخبئها له ولشقراواته ، قالت ببرود
" أريد رقم ابن خالك وخلصني بسرعة من سماع صوتك الجميل "
وصلها صوته مباشرة
" وماذا تريدين برقم تيم وزوجته بقربك ورقمه لديها ! أم
ستتحدثين معه من وراء ظهرها ؟ "
قالت بضيق
" لن أستغرب هذا فالخائن يرى الجميع مثله ، بل أريد معرفة
ما يخفيه قريبك وشبيهك من مغامرات مع الانجليزيات "
وصلها صوته المصدوم فورا
" من قال لك ؟ "
صرخت فيه بغضب
" تعترف إذا بأنك تعلم عنها "
" هييه لا تتهميني بما لم أقله ولا تلصقي بي أخطائه "
أمسكت خصرها بيدها الأخرى قائلة
" من تكون تلك الفتاة ؟ "
قال بعد صمت لحظة
" من أخبركم أو لن أقول "
صرت على أسنانها بغيظ فهو أمكر منها كما توقعت ولا سبيل
غيره لتعلم ومن الجيد أنه لم يضع لها شرطا من شروطه السخيفة
تلك ، قالت ببرود
" هو طبعا "
وصلها صوته المصدوم فورا
" تيم !! "
قالت بذات برودها
" أجل ولا تخبره أو قطعت عنقك فهو من اعترف بذلك ولزوجته
أيضا وأريد أن أعرف من تكون تلك المرأة "
ساد الصمت من ناحيته حتى ضنت بأنه أغلق الخط فأبعدت
الهاتف ونظرت له قبل أن تعيده لأذنها قائلة
" رواح ؟ "
تأوه من فوره قائلا
" نعم يا قلب رواح ... وأخيرا نطقت اسمي "
قالت بضيق
" اصمت يا وقح وأخبرني من تكون "
ضحك وقال
" حسنا فقط لأني لاحظت بأن أمورهما اليوم ليست على ما يرام
وقد يكون بسبب تلك التي لم أراها سوى مرة واحدة وهي من
قطعت الطريق علينا وأخذته معها وعلى فكرة لم يبدوا لي
بأنه مسرورا برؤيتها أبدا ، وهي ابنة الجينرال غامسون قائد
القوات البحرية لا أحد يراها ولا يعرفها فصورها كانت في
جميع المجلات "
أغلقت الخط في وجهه ما أن أنهى كلامه فوظيفته انتهت بالنسبة لها ،
جيد إذا هو صادق ووالده أكد ذلك ثم هذا الدبور ، ما أن تحركت
جهة الباب حتى رن هاتفها برسالة فخرجت من الغرفة ونظرها
عليه تقرأ أحرفها
( ستري حسابك مني ليلة غد يا استغلالية )
ضحكت من فورها قائلة تلعب بالهاتف بين أصابعها وهي تسلك
الممر الغربي للمنزل
" بل سترى أنت أي مفاجأة أخبئها لك يا زير النساء "
فتحت باب الغرفة بهدوء فتسلل نور الممر القوي وسط الظلام
ونظرت مبتسمة بحزن للنائمة في سريرها عيناها مفتوحتان
تجمع كفاها تحت خدها وتنظر للفراغ فكم تعجب لحال هذه الفتاة ...
بكت نحبت صرخت وفعلت كل ما عبرت به عن جرحها وألمها
وصدمتها في الرجل الذي أحبته بل وعشقته بجنون حتى وهي
لا تراه أمامها لكنها سرعان ما عادت للوقوف على قدميها مجددا
مسحت دموعها أمسكت كتبها ومذكراتها ، بل وفاجأتها حين
اكتشفت بأنها سمعت صوت تلك الفتاة تجيب على هاتفه ولم
تجدها تبكي وتنحب وها هي الآن أيضا تختار الموت في صمت ،
من يراها برقتها وهدوئها وعذوبتها تلك لا يتخيل أن في داخلها
امرأة قوية تستطيع اجتياز صدمتها خلال يوم واحد وإن كانت موقنة
من أنها تشتعل في داخلها فما مرت وتمر به ليس بالسهل أبدا خاصة
وأنها ترى في ذاك الشاب عائلتها وماضيها وأمانها بل ومستقبلها
وفجأة دمر كل ذلك وتركها تواجه تلك الحقيقة القاسية وحيدة ...
لم يكن بجانبها وهي تجتازها .. احتواها وتركها تلكمه وتصرخ
به وتضربه أيضا ثم حضنها ودسها وسط أضلعه وأخبرها بأنه
يحبها ولن يتخلى عنها أبدا لكن الرجال حمقى دائما مجرد آلات
ويريدون المرأة مثلهم تماما وهم يعجزون حتى عن احتواء
غضبها وحزنها وألمها .. ما الذي كانت تنتظره مثلا من شاب
مثله لم تراه يبتسم يوما ؟ بل ولم يرق قلبه لوالده وأقربائه لأعوام .
كانت قد قررت سابقا إخبارها بما علمته من ابن عمته ذاك لكنها
الآن تراجعت فلن ترجعها لنقطة البداية مجددا وتعلقها بآمال قد
تكون كاذبة فليبرر لها هو ويشرح موقفه أكثر ومن تكون تلك
الفتاة بدلا من أن تجمع المعلومات من رجال عائلته لتخلق له
أعذارا لم يهتم هو بتقديمها .
سحبت الباب مغلقة له مجددا تاركة خلفها التي أغمضت عينيها
مع انحسار ذاك النور معه وكأنها قرأت أفكارها تماما فكل ما
كانت تحتاجه وقتها أن تقطع جميع حبال آمالها فيه تتمنى فقط
أن تشفى منه يوما ما فكل ما تحاول الآن فقط تجاوزه هو التفكير
بأنهما معا الآن ... معا ... وهي وحيدة وبعيدة تحترق من مجرد
التفكير في أنه ثمة امرأة تنام في حضن رجل هي الأحق به .
تمسكت بخصره بقوة تلف ذراعيها حوله تتكئ على كتفه
العريض وقالت ضاحكة لمن يقف مقابلا لهما مبتسما
" أجل أبي فتيموثي بطل حقيقي "
حول الواقف أمامهما نظره لطريقة تمسكها به وجال بنظره
بطريقة جعلت الواقف أمامه يدرك سريعا ما يفكر فيه عقل
ذاك الرجل الحذق ففوق شخصيته القيادية العسكرية القوية
ونظرته الحذقة الذكية هو عقل لا يغفل شيئا أبدا وهذا ما لاحظه
عليه ما أن رآه ، قبض أصابع يده بجانب جسده بقوة ... يعلم
بأن دخوله لهذا العالم معناه أن يُكره نفسه على أمور كثيرة
لا يحبها ، رفع يده ببطء وأراحها على خصرها النحيل دون أن
يجعله ينتبه بأن حركته تلك كانت مقصودة لانتباهه لنظرته
فسرعان ما ارتخت ملامحه وابتسم وقال رافعا نظره لعينيه
وموجها حديثه للمتعلقة به
" لوسي كنت دائما تنهين علاقاتك بأبناء عائلات معروفة
أغلبهم أصدقاء لي وكنت لا أعترض ، هذه المرة أنا من لن
يسمح لك بإنهاء علاقتك بهذا الشاب لأسباب تافهة كتلك "
اشتدت أصابعه لا شعوريا على خصرها في حركة فهمتها
التي ضحكت برقة أنه إثبات لما يقوله والدها وقالت وقد رفعت
نظرها له
" ليس تيموثي أبي فجميعهم ليسوا مثله ... ألست معي في هذا ؟ "
ضحك من فوره وقال ناظرا له
" بالتأكيد "
وتابع موجها حديثه له
" وكلت لكم مهمة في ميناء ليفربول قبل عامين تذكرها بالتأكيد ؟ "
أومأ برأسه إيجابا وقال بجدية
" بلى في الرابع من ابريل "
ضحك وأمسك كتفه بيده قائلا
" ولم أنسى أنا اسم الشاب الذي قفز من المروحية بدون مضلة
حماية لتلك البارجة البحرية رغم أني لم ألتقي بك حينها لكن
اسمك حفر في ذاكرتي وحديث الجنرال جايروا عنك لم يتوقف
أبدا حين التقينا قبل عام في حفل تسليم الرتب لخرجي الكلية
البحرية ولن أستغرب ذلك ممن اختلطت دمائه بالأسلاف اليونانيين "
مرت الخادمة بصينية القهوة فأشار بيده حيث وضعتها قائلا
" هيا لنجلس وحدثني عن مهمتكم الأخيرة في جنوب إفريقيا
فتلك البلاد تحمل مفاجاءات غريبة دائما "
جلس هناك وتبعاه من فورهما ولم تبتعد عنه تلك حتى جلس
وجلست ملتصقة به وقالت بضيق حاضنة لذراعه
" أبي هل ستقضيا السهرة تتحدثان عن السفر والمهام ؟ "
ضحك من فوره تراقب عيناه صاحب الابتسامة المغصوبة وقال
" سنقيم حفلا مهما هنا مساء الغد وأريد تقديمك وبشكل رسمي
لمجتمعنا يا تيم ... رفاقك ينادونك هكذا أليس كذلك ؟ "
تنفس بعمق شادا قبضتيه فلم يكن مكرها حياته على القبول أو
الرفض في قرارات تخصه كما الآن ويشعر بأنه على استعداد
لإنهاء هذه المهزلة السخيفة في أي وقت وإخراج هذه العاهرة
من حياته وللأبد لكن النتائج لن تضر البلاد وحدها بل ووضعه
هنا وحتى ماريه أيضا ولن يستفيد من التراجع الآن في شيء
خاصة أنه كما يبدوا سيدخل حياة وعالم بل وأسرار هذا الرجل
بقوة وسهولة خصوصا إن تحقق توقع مطر وفكر في توجيه
بعض مهامهم السرية تلك له فسيقفز بمصير بلاده قفزة واسعة
وقوية للأمام .. لكن ليس هكذا ليس أن يحددوا مصيره أمامه دون
أن يتحدث أو يعترض فهذه المرأة لا تختلف عن والدها أبدا
ويبدوا أنها تراجعت عن كلامها السابق واعتذرت عنه لأنها
واثقة من أن والدها سيستلم المهمة عنها ويحاصره بل يبدوا
بأنها فكرته منذ البداية وهو من اختاره لابنته وعليه التنفيذ فقط
وهذا ما يتوقعونه من أي شخص في مكانه الآن فأي انجليزي
كانت ستسر أساريره ويوافق على هذا العرض مباشرة لأنهم
سيقفزون به قفزة واسعة في عالم السلطة والشهرة .. لكن هو
ليس يعنيه كل ذلك وهذا ما لا يمكنه قوله أو التعبير عنه .
رفعت الجالسة بجانبه بضع خصلات من شعرها الأحمر المسترسل
على كتفها وجمعتها خلف أذنها قبل أن تنتقل أصابعها ماسحة بنعومة
أسفل دقنه وأدارت وجهه ناحيتها قائلة بابتسامة
" بالتأكيد سيكون هنا أبي وستتكفل أنت بالكلونيل جايروا ليعفيه
من أي مهمة مستعجلة "
" ما رأيك أنت تيم ؟ "
نظر فورا لصاحب تلك العبارة محررا ذقنه وفكه من ملمس تلك
الأصابع وتنفس بعمق وليس يفهم هل ثمة من يرمي بنفسه
لأسباب دماره ؟ لشخصين أحدهما يدمر بلاده والآخر يدمر زواجه ؟
لطالما امتاز ببروده وتحكمه الفريد من نوعه في انفعلاته وأعصابه
لكنه لم يعد يجزم بأن ذاك قد يستمر للأبد .
همس مستغفرا الله بينه وبين نفسه قبل أن يقول بجمود
" بالتأكيد سأكون هنا ويشرفني حضور حفلكم "
*
*
*
فتح باب المنزل ودخل ضاربا له خلفه فكان رماح أول من استقبل
ذاك الوجه العابس فقال فورا
" ماذا حدث ؟ "
ارتمى على الأريكة وحضن رأسه بين يديه وقال بصوت متعب
ونبرة جوفاء
" دخلت جهة توز واختفت هناك .... لا أحد يعلم أين تكون وما حل
بها وزوج شقيقتك منعني من دخول تلك المدن "
تنهد بضيق يراقب حاله المزرية فهو لا ينادي ابن شاهين
بغير اسمه أو لقبه إلا إن كان مستاء منه بالفعل وإن سمعته
الغاضبة الأخرى تلك ينسبه لها فلن تكون النتائج مرضية أبدا ،
قال بعد برهة وبهدوء حذر
" اعذرني يا رعد لكن تلك الفتاة متهورة ولم تفكر في مصير
غيرها وهي ترتكب هكذا حماقة وتز....... "
ارتد للخلف لا شعوريا حين حدقت به تلك العينان المتعبة
الغاضبة وقد صرخ صاحبها به
" الحماقة كانت أن تبقى لهم ليزوجوها بذاك الرجل ولن تكون
آستيريا التي أعرفها حينها والتي أفنيت عمري أنتظر أن
تجمعنا وإن معجزة ما "
أشار بعدها لنفسه متابعا بجدية
" فقط ..... فقط لو أستطيع أن أصل لمكانها قسما أن أخرج
بها من البلاد ولتحترق الأرض هنا ومن فيها فيكفي ما ضاع
منا نراعي هذا وذاك "
حرك الجالس هناك رأسه بيأس منه وقال
" مجنون .... ما الذي ستجنيه إن أعلنت قبائل ثنان الحرب
ضد صنوان ؟ سيتصيدون لبعضهم في كل مكان وجميع الضحايا
سيكونون في عنقك يوم تقف أمام خالقك "
تجاهله وأشاح بوجهه للجانب الآخر ولم يعلق على ما قال
فتنهد بضيق قائلا
" لست أفهم لما تعقدت أمور عائلتنا بعودة ذاك المدعو
ابن شاهين وكأنه خرج من العدم فقط ليحرك مصائر أفراد
عائلة شراع وكأننا قطع شطرنج بين يديه والمثال الأقوي
موجود في الأعلي الآن "
نظر له الجالس على مبعدة منه وقال بجمود
" ماذا حدث أيضا ؟ "
حرك كتفيه وقال ببرود
" من وقت خروجك وهي ترفض التحدث معي أو حتى سماع
ما أقول ولعلمك فقط أنت أيضا تشملك العقوبات الجديدة وقد
أقسمت أمامي أن لسانها لن يخاطب أيا منا حتى نجد حلا
لتعقيدات حياتنا وبما تراه هي مناسبا طبعا ، حتى وقت الغداء
جلست وأكلت في صمت تجيب فقط الكاسر إن سألها عن شيء
أما أنا فلم تنظر ناحيتي ولا مجرد النظر فثلاثتنا بالنسبة لها
مجرمي حرب وعلينا الاثنين دفع ثمن ما يفعله ابن عمها بها طبعا "
وقف على طوله وتحرك من هناك نظرات رماح المستغربة تتبعه
وهو يجتازه متوجها جهة السلالم فقال مدركا له وهو يصعد
عتباته بسرعة
" لا تتعب نفسك يا رعد فلن تستمع لك ولا تزد أمورها سوءاً "
لكنه واصل صعوده ولم يهتم بما قال حتى كان عند باب غرفتها
وما أن رفع يده ليطرقه وقف مكانه وهو يسمعها تحدث أحدهم
في الهاتف قائلة بضيق
" ولما الرفض وكل ما أريده شراء تلك المطاعم عند الشلالات
وبشكل قانوني وسليم ومن مالي ؟ "
" لا ليست خارج استطاعتك سيد عقيل فلست أعتقد أنه ثمة
ما يجبرك على الرفض لكني أعلم جيدا من وراء ذلك ويرفضه
فلا شيء في هذه المملكة يحدث بدون أوامر منه وأنا لم يعد
يعنيني منها شيء وحتى المنزل سأسلمه لكم فمؤكد هو ليس
من حقي أيضا "
سكتت لوقت قبل أن تقول بضيق أكبر
" لا لست أفترض أمورا من رأسي وهذا ما عليه الحدوث فعلا
فاعذرني على إهدار وقتك .... وداعا "
رفع قبضته يشد أصابعه بقوة وتنهد بعمق فها هو خلف
هذا الباب قلب يتحطم أكثر منه .... هنا من يغفل الجميع عن
النيران المشتعلة بداخلها فقط لأنهم يرونها صامدة مكابرة
عنيدة ترفض حتى الاعتراف بألمها فيتناسون الآمها بل ويلقون
باللوم عليها في كل ما يحدث معها ويتركونها تنهار شيئاً
فشيئاً أمام أعينهم دون أن يتحرك لهم ساكناً .
انفتح الباب في وجهه فجأة فأنزل قبضته ينظر للتي وقفت
مكانها تنظر له باستغراب ترتدي ملابس الخروج وتلف
حجابها وتمسك حقيبة في يدها ملامحها الجامدة الصامدة
والفاتنة لا تخفي أبدا نظرة الحزن في عينيها ... وما سيتوقعه
من امرأة اعترف زوجها وعلى العلن بعشقه لأخرى وهجرانه
لها من أجلها بل وتجريدها من كل ما امتلكته لأعوام طويلة
وبنته بتعبها وسهرها وها هي كما فهم من مكالمتها تلك تخسر
حتى فرص النهوض بنفسها من جديد وإن جزئيا ... لو يفهم
فقط ما يطمح ذاك الرجل للوصول له من تدميرها بهذا الشكل ؟
كان موقنا من أنه يعشق هذه الفاتنة لحد التملك لكنه بات
الآن لا يفهم شيئا ولا أحدا ولا حتى نفسه ! نظر لها بصمت
وهي تجتازه مشيحة بوجهها عنه وها هو ما تحدث عنه
رماح حدث بالفعل ، مد يده وأمسك برسغها قبل أن تبتعد
موقفا لها وقال
" أين تنوين الذهاب يا غسق ؟ "
لكنها لم تجبه تحاول سحب يدها من قبضته والمغادرة
فشدها بقوة وأدارها ناحيته وقال بضيق
" مستاءة من الجميع لا بأس .. ستطردينني من منزلك أيضا
لا مانع لدي أيضاً لكن أن تتصرفي وكأنه ليس ثمة مسئول عنك
فلا يا ابنة والدي "
حدقت فيه بصمت فقال وأصابعه تشتد على رسغها
" سمعت مكالمتك تلك مصادفة ولن أسمح لك بالخروج ما لم
أعلم أين تنوين الذهاب "
همست بجمود
" للشلالات أم ممنوع عني زيارتها أيضا بعدما خرجت من
ملكيتي لها "
نظر لها بصمت واستغراب لبرهة قبل أن يفلت رسغها فغادرت
من فورها جهة السلم الذي جاء منه ....
الشلالات !! مشروعها الذي صممته بنفسها وكان من فكرتها
وقد حولت تلك الجداول العذبة التي كانت تصب في بحيرة
الرقراق سابقا لشلالات اصطناعية وظاهرة ضاهت الظواهر
الطبيعية المشابهة لها .... المكان الذي لم تزه سابقا أبدا وطيلة
الأعوام الماضية وكان متأكدا من أن ماضيها مع ذاك الرجل
السبب في رفضها الذهاب لتلك الأماكن ... جبل غضنفر الذي
تحول اسمه لجبل الرياحين حديثا والينابيع التي تحولت لذاك
المشهد المبهر فما سر زيارتها لها الآن تحديدا ... ؟
أجل يفهم السبب ولن يسمح لنفسه أن يغفل عنها أكثر فهي
وصية والدهم الأولى وقبل حتى حفيده الوحيد ، أخرج هاتفه
من جيبه واتصل فورا بالذي أجاب عليه بعد برهة قائلا
" أجل يا رعد "
سند كف يده الحرة على الجدار وقال
" أين أنت الآن يا مطر ؟ هل غادرت الحميراء ؟ "
*
*
*
ضمت ركبتيها لحضنها أكثر ودفنت وجهها فيهم وانسابت
دموعها رغما عنها ، لم يؤثر بها يوما ما كان يقال عنها ولم
تهتم لكل تلك التساؤلات حول زواجها الصوري بابن شراع
ولا بتركها معلقة لأعوام وكل تلك التهم والشكوك حول سبب
ذلك ، ولا حتى طلاقها الآن منه وكل تلك الأقوايل الجديدة بأنها
هي من تخلت عنه حين أصبح مقعدا وعليلا ... ولا حتى سماعها
لحديث لجنة إدارة الجمعية اليوم مصادفة عن أنه لا يمكن ترشيحها
لرآستها وتلك الأقاويل تدور حول سبب طلاقها الذي لم تقدم تبريرا
عنه وبأنها لا تصلح لحمل ذاك المنصب لأنها من وجهة نظر الرأي
العام امرأة مذنبة ... كل ذلك لم يؤثر بها أبدا وكانت تتوقعه لكن
ما حطمها تماما وبكل قسوة هو حديث والدتها مع شقيقاتها ،
كانت ستستحمل الأحاديث أو الأذى من أي شخص ومن جميع
البشر إلا والدتها .... وإلا عائلتها .
اشتدت أناملها تقبض على اللحاف المغطي لساقيها بقوة واشتد
بكائها وعبراتها وهي تتذكر حديثهم وقت دخولها عائدة من
الجمعية ووالدتها تحدث شقيقتيها قائلة بضيق
" ومن هذا الذي قد يتقدم لها وهي في الثالثة والثلاثين الآن
ومطلقة أيضا ؟ حتى العجوز لن يطرق بابها بعدما قيل ويقال عنها
بنات شقيقاتها الأكبر منها تزوجن قبلها وهذا حالها سيتزوج
أحفاد العائلة جميعهم ... فضحتنا بين خلق الله جميعهم "
ما ذنبها هي فيما حدث معها ؟
هل اختارت مصيرها مثلا ؟
ومن قال أنها تريد الزواج أو تفكر فيه ؟
منذ ولدت في هذه العائلة لم تعرف معنى الحنان ومعنى الدفء
الأسري فقد أنجبت والدتها شقيقها وثاب وسط سبع فتيات
جعلت بهن والدهم يكرههن دون سبب وكان في كل حمل لها
يناديها بأم النعاج فحضي شقيقهن بكل ما حرمن هن منه
فكان يزوجهن من قبل بلوغهن العشرين ، حتى والدتها كانت
تشعر بأنها تبتعد عنهم شيئا فشيئا وكأنهن من اخترن أن يولدن
إناث ، وبعد حادث دخول غسق أراضي الحالك وتحميلها هي
الذنب في ذلك وتلقيها كل ذاك الضرب من شقيقها حتى اعترفت
بكل شيء تم معاملتها كمنبوذة لأعوام ولم تتغير معاملة
والديها لها إلا بعد زواج رماح منها ... معاملة سرعان ما عادت
لسابق عهدها ما أن تتابعت الأشهر والسنوات وهي زوجة له
وعذراء في منزل والدها وقد بدأت الأسئلة تنهال عليهم من الجميع
حول السبب ورميت علكة في أفواه الجميع لأعوام صامدة مكابرة
تعيش على الوعد الكاذب ولم تكن تتخيل بأن الرجال لا يعرفون
معنى الحب ومعنى الوفاء وأنهم جميعهم متشابهون ، فها هي
ابنة خالتها أيضا دمر حياتها عشق رجل استبدلها بأخرى وجرح
أنوثتها وعلى العلن تاركا إياها جسدا بلا روح ، وها هي حبيبة
رماح أيضا فعلت كل شيء من أجله حتى إجبار عائلتها على
العودة للوطن وغفرانها لكل ما فعله معها في الماضي وفي
النهاية رفض وجودها في حياته ! شقيقتها التي تكبرها بعامين
فقط تزوج عليها زوجها من أقرب صديقاتها وحجته بأنهما
ستتحابان وتتعاشران معا لتتلقى ضربتان كل واحدة أقسى من
الأخرى فما ستتوقع من الرجال مثلا ؟ لكنها لا تهتم ... قسما
لم تعد تهتم لذلك وليست تنتظر أن يطرق بابها أحد لا أرمل ولا
مطلق كمثال لفارس الأحلام الذي ينتظرونه لها ولا يتوقعونه ،
ولا العجوز الذي سيعافها ويترجونه ليوافق على تحريرها
من لقبها الجديد .. هي فقط تمنت مساندتهم لها وأن لا يكونوا
مع الجميع عليها ، أن يعلموا بأن هذا هو الوقت الذي تحتاجهم
فيه بالفعل ليقفوا في صفها فلا تشعر بأنها وحيدة في مواجهة
كل شيء .
رفعت رأسها ومسحت دموعها بقوة لحظة أن رن هاتفها معلنا
وصول رسالة فرفعته تنظر باستغراب للرقم الغير مسجل وفتحتها
سريعا فكان فيها
( أنتي الأحق برئاسة جمعية الغسق فقولي فقط بأنك تريدين
ذلك وسيحدث وإن أوصلت الأمر للزعيم مطر )
رمت الهاتف من يدها تشعر بضربات قلبها ترتفع بشكل مرعب
وقد ظهرت فوراً صورة ذاك الرجل الطويل عريض المنكبين
أمام عينيها وليست تفهم لما ! أجل هم وحدهم ينادونه بالزعيم
ولا أحد غيره يعرفها ...
لكن كيف علم برقم هاتفها ؟
بل وبأنه سيتم ترشيح غيرها !
لا تعلم كيف !
تشعر بأن هذا الرجل يعلم عنها أكثر مما قد تتخيل ، وجل
ما تخشاه أن يكون أخبره رماح عن قصتها وقت طلب منه
توثيق أوراق الطلاق ... لكن لا مستحيل رماح لن يفعلها أبدا
تعرفه جيدا كما تعرف ابنة خالتها التي تربت معهم فهم يحملون
ذات الطباع التي رباهم عليها والدهم وكم كانت تخبرها عنهم
وعن شخصية كل واحد منهم وها هو حمل سرها لأعوام دون
أن يخبر عنه أحد فهل سيفعلها الآن ؟ لا هذا مستحيل .
مررت أصابعها في شعرها وكررت ذلك عدة مرات تجمع غرتها
خلف أذنيها ونظرها على هاتفها المرمي قربها على السرير ،
لا تستطيع أن تجيب على رسالته فهذا سيؤكد له بأنها علمت
من يكون ولا يمكنها تجاهلها أيضا فالنتيجة ستكون واحدة وإن
أرسلت له تسأله عن هويته فسيقول لها من يكون بكل تأكيد ،
مدت أصابعها له بتردد ورفعته ببطء وكأنه قنبلة موقوتة
ستنفجر فيها في أي وقت ، وبأصابع مرتجفة كتبت ردها فورا
( شكرا لك يا راوية فأنا كما سبق وأخبرتك لا أريد أن يتم ترشيحي
لهذه المهمة فلست على استعداد لتحملها )
أرسلتها سريعا قبل أن تغير رأيها ولم تكذب فيما كتبت في شيء
سوى في اسم المرسل إليه فهي بالفعل كانت سترفض حال تم
اختيارها وبعد أن سمعت ما قيل بأذنها فلن تقبل وإن كان المقابل
طردها من الجمعية ونهائيا .
ارتجف جسدها لا شعوريا حين وصلت رسالة أخرى للهاتف الذي
لازال في يدها لم يعطها مرسلها وقتا ولا لتقرر أين ستضعه ،
فتحتها بتوتر يزداد لا شعوريا واتسعت عيناها ما أن قرأت حروفها
( اسمي ليس راوية ولم أكن أعلم بأن سكرتيرة مديرة الجمعية
تستطيع الوصول لمطر شاهين بأي طريقة كانت أو أنك لا تملكين
رقم هاتفها ؟ ... وعموما الخيار كان لك رغم أني أراك الأحق
بذلك من غيرك .... آسف لإزعاجي لك )
اشتدت أناملها على الهاتف وتنفست بقوة مغمضة عينيها
وليست تفهم لما لا يراها ذاك الرجل كما الجميع ؟
قد يكون رماح أخبره فقط بأنه هو من يريد الطلاق ويصر عليه ؟
حركت رأسها وكأنها تنفض منه كل تلك الأفكار وفتشت عن
رقم غسق ... تشعر بأنها تحتاج لأن تتحدث مع أحدهم وعن
أي شيئ فوحدها من تشعر بما تمر هي به ... وحيدة مخذولة
وأنثى مشوهة أمام الجميع مثلها تماما .
اتصلت بها مرارا ولم تجب فرمت الهاتف من يدها وغادرت
السرير جهة الحمام تستحم للمرة الثالثة اليوم علها تطفئ
شيئا من النيران المشتعلة في قلبها
مررت أطراف أصابعها تحت جفنها الواسع تمسح الدمعة
اليتيمة قبل أن تفكر في مفارقة رموشها الكثيفة وتقدمت من تلك
الصخرة ببطء تتلاعب النسائم بخصلات شعرها المفتوح تحضن
ذراعيها بقوة ، لم تستطع يوما دخول هذا المكان ولا زيارته
وكان شرخا عميقا في روحها صعب عليها اجتيازه بسهولة ...
فكرتها تم تطبيقها كما تمنتها وحلمت بها بسحب مياه بحيرة
الرقراق بمضخات ضخمة قوية وإعادة ضخها بقوة من فوق
المنحدر الصخري المرتفع .. أي تغيير مسار الجداول الثلاث في
المدينة والتي كانت تقسمها لثلاث أقسام وتوجيهها في مسارات
جديدة متقاربة جهة ذاك المنحدر لتنزل بقوة كشلال طبيعي
وقد صممت المنطقة حوله لتكون ظاهرة طبيعية مميزة
واختارت هذا الجدول الذي زاراه سابقا تحديدا ليكون مسارا
لتلك المياه فتعود لمكانها الطبيعي وهو البحيرة ، وكان هذا
المشروع يفتح سنويا وقت موسمي الربيع والصيف
ويبدأ في كل عام كما هذا الوقت بعد حفل الجمعية السنوي
ويتم تشغيله بشكل تدريجي والافتتاح بعد ثلاثة أيام أي في
الغد ليصبح هذا المكان بمطاعمه ومنتزهاته وجسره المعلق
مزارا للكثيرين من داخل البلاد وخارجها لتشكل القلب النابض
لعائدات تلك المدينة ، وقد حولت قمة جبل ما يسمى الغضنفر
في الماضي أيضا لثلاث مطاعم متجاوره بشكل دائري بواجهات
زجاجية كاملة تطل على جميع تفاصيل تلك المدينة البيضاء كما
كان ذاك الجبل سابقا .. وهو الشيء الوحيد الذي كانت تريد
الاحتفاظ به من تلك المدينة وكانت تريد شرائها بمالها ليكون
بداية غسق من جديد لكنه حطم حلمها هذا أيضا كما دمر أحلامها
سابقا وكما حول كل مكان عرفهما في الماضي هنا لجراح تؤلم
قلبها كل حين وإن لم تزرها أوتراها بعد ذاك اليوم لتمثل فشلها
الأكبر في نسيانه وليكون الدليل القاسي والفاضح لمشاعرها
المكبوتة داخلها ، واليوم ... فقط اليوم اعترفت لنفسها بأنها
كانت أجبن من أن تواجه جراحها وأنها مجرد صورة للمرأة
القوية التي أثبتت للجميع بأنها دفنت الماضي خلفها وسافرت
للمستقبل قوتها في وحدتها لكانت استطاعت دخول هذا الجزء
من مدينتها دون أن تخشى سيطرة عواطفها عليها .
نزعت حذائها الأرضي المسطح واقتربت من تلك الصخرة التي
اختارتها من ضمن التفاصيل التي لم يتم تغييرها في المكان
والمدينة التي كانت ولازالت الأجمل بين مدن البلاد جميعها ،
وقفت فوقها حافية القدمين لازالت تحضن نفسها بقوة وتقدمت
لحافتها تنظر للبعيد بحزن وكأن الزمن عاد بها أربعة عشر عاما
للوراء حين جلسا على هذه الصخرة وفوق ذاك الجبل وتبادلا
الأحاديث كما الشغف والقبلات .. كيف كانت حمقاء بذاك الشكل
المخزي ولم تفهم ما عناه بكلماته تلك ؟ ألم يخبرها بأنها ستكون
في المؤخرة دائما وبأنه تربى على أن يسلب من غيره كل شيء
وأن لا يعطي إلا لنفسه وأن يصعد على جراح الغير ؟
ابتسمت بألم وحسرة دموعها الحارة تملأ تلك الأحداق الواسعة
وهي تتذكر كل تلك الأدلة التي داست عليها بعاطفتها الحمقاء
وغبائها ألا محدود
( مطر هل خرجت من الحمام ؟ اتصال لك وصاحبه لا يجيب)
( آه يا رجل أنت لا تعرف طرق الأبواب أبدا)
اشتدت أصابعها على ذراعيها بقوة وذكرى ذاك الصوت
الرجولي العميق الغاضب تطرق رأسها أكثر
( امرأة داس على كرامته وتنازل من أجلها ... عشقها سمعتي ؟
عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره .. أنها باعته بأرخص منه .. )
( لي أنا ليست له حتى دمائها التي تجري في عروقها ملكي )
انسابت دمعتها على وجنتها ببطء وذكرى ذاك الصوت الرجولي
الهادئ المبحوح تصيب قلبها هذه المرة ودون رحمة
( بسبب عبث رجولي و... نزوة سخيفة ... عبث رجولي
ونزوة سخيفة )
مسحت دموعها بباطن كفها بقوة ... هي لم تسمح لهذه
المياه المالحة الحمقاء بالنزول سابقا ولأعوام طويلة ، لم
تبكه أبدا ... لم تبكي جراحها النازفة منه .. لم تبكي الفقد
والحرمان وجميع ما خسرته بخسارتها له .. تكرهه ...
تكره جميع ذكرياتها تلك لأنها لم تستطع أن تنساها يوما ..
لأنها كانت أضعف من أن تدفنها مع من دفنتهم وللأبد .
أغمضت عينيها وابتسمت بسخرية بل وبمرارة وهي تتذكر
كلمات رسالة رعد التي وصلتها قبل أن تنزل من سيارتها
وبعد أن رفضت الاجابة على جميع اتصالاته
( غسق فكري في أمر واحد فقط .. رجل كمطر شاهين لما
سيقول ما قاله وأمام وسائل الإعلام ليهز صورته بذاك الشكل
أمام الرأي العام وهو يحتاج لتلك الصورة أكثر من أي وقت مضى ؟
غسق شقيقتي ليس ابن شاهين من يكشف عن عيوبه وأخطائه
وللعلن وأنتي من يعرفه أكثر من الجميع بالتأكيد )
تدحرجت دمعتها من بين رموشها الكثيفة المطبقة وتلك
العبرة والمرارة تخرج في قهقهة مكتومة حارقة تشعر بها
تفتت قلبها قبل أضلعها ... تعرفه !! أجل تعرفه جيدا درجة
أنها كانت تملك كل تلك الأدلة عما قال الآن وكانت على استعداد
لمسامحته .. رغم أنها سمعت صوت تلك المرأة بأذنها ورغم أنه
اعترف أمامها بلسانه وكانت ... ستسامحه !! ستحكم عقلها على
عواطفها وتستمع لتبريراته ! لو كانت غسق الماضي لاستطاعوا
خداعها بكل ذلك كما فعلت عمته قبل أربعة عشر عاما لكن
غسق الماضي بقيت هناك في حوران وفي منزل عائلة الشاهين ..
دفنت في تلك الغرفة التي انتظرته فيها ليلة كاملة تسقي غراس
أملها فيه بكرامتها المهدورة وكبريائها المجروح والنتيجة .....
أرسل عمه ليخرجها منها لخارج حدوده بأكملها .
رفعت يدها ومسحت عيناها بقوة وبسرعة ونظرت تحتها
أنفاسها تخرج مندفعة بحدة وضربات قلبها تشعر بأنها طعنات
سكين في صدرها ما أن شعرت بأنها لم تعد وحدها في ذاك المكان .
أغمضت عيناها بقوة تشتم نفسها وغبائها ورعد معها ما أن
شعرت بتلك اليدين على كتفيها قبل أن تلتف حولها تلك
الذراعان القويتان مرفوعتا الأكمام حتى المرفقين تشدانها
لذاك الجسد القوي الصلب وأصبحت تلك الأنفاس المتلاحقة
أنينا خافتا وقبلاته تعبث بخصلات شعرها وبشرة عنقها الناعمة
تحاول فك ذراعيه عنها ودون جدوى وهمساته الدافئة تكاد
توصلها للجنون
" لازلت تذكرين يا غسق ؟ "
شدت أصابع يدها على ذراعه بقوة حتى كانت تشعر بأظافرها
القصيرة ستخترق جلده تكاد تفقد توازنها وتنزلق من بين
ذراعيه فهمست ببحة منحنية الرأس قليلا
" اتركني لا أريد أن تلمسني ... ابتعد "
فك ذراعيه عنها لكن ذلك لم يكن خلاصها الأخير وهذا ما توقعته
وهو يمسك ذراعها ويديرها ناحيته بقوة كادت توقعها من فوق
تلك الصخرة الكبيرة وكانت ذراعه مجددا ما ثبتها عن السقوط
لتصبح في حضنه هذه المرة أنفاسها القوية المتلاحقة تداعب
بشرة صدره المكشوفة من زري قميصه الأبيض المفتوحان
يشدها لجسده وقد عاد للهمس المتعب للحواس مجددا يده
الأخرى تتسلل لخدها من بين خصلات شعرها الكثيف
" طردتني من منزلك لكن هنا لا حق ولا سلطة لك "
ودفن وجهها في صدره يشد رأسها بيده يضمها أكثر محبطا
أي مقاومة لها فمنذ أن اتصل به رعد لم يترك له أرضا من
سماء ليكون فيها مرسلا إياه للجنون ، هو على علم مسبق
بأنها لم تزر هذه الأمكنة سابقا وقدومها اليوم لها وبعد كل
ما حدث بالأمس معناه أمر واحد فقط أنها ستدفنه فيه وللأبد
ما أن تخرج منه وهذا ما لن يسمح بحدوثه أبدا .
شدها لحضنه أكثر وكأنه سيدخلها وسط أضلعه متجاهلا
جميع محاولاتها الواهنة للإبتعاد يستنشق بخدر خصلات
ذاك الشعر الحريري الذي أضناه الشوق لرائحته ليال طويلة
ينام يبحث عن ذكراه في صدره .. عن المرأة الوحيدة التي
داست أرض تلك الأضلع وعبثت أصابع يدها وحدها بقسمات
وجهه وخصلات ذاك الشعر الكثيف وعرفت شفتاها فقط طريق
الوصول لشفتيه ... حاربت حتى شكوكها من أجله وعلمته
معنى أن يحارب الرجل بشراسة من أجل أنثاه وإن بحرمان
نفسه منها كي لا يخسرها وللأبد .
شد أصابعه وسط تلك الخصلات الناعمة يدفنها في صدره
أكثر وهمس عند أذنها
" هذا مكانك يا غسق .. خلق لك تفهمين هذا ؟ "
قبضت أصابعها على قميصه بقوة تحاول تحريكها في حصاره
لها وهمست بصعوبة
" كاذب ... ابتعد عني "
كانت تريد فقط أن يفلتها أن تستعيد قوتها بعيدا عن حضنه
وعن سلاحه الذي يستخدمه بدهاء في كل مرة فلن تستمع
لأكاذيبه مجددا ولن تصدقها فليس ما قتلها جرحه لأنوثتها
و كرامتها أمام الجميع بل اعترافه وأمامها بما كسرها به
قبل أعوام وأعوام عمرها بعمر معاناتها وألمها وفقدها .
تمسكت بقميصه أكثر تشعر به سيتمزق بين أصابعها
ما أن شعرت بجسدها يرتفع وقدماها تبتعدان عن الأرض
وشهقت بقوة وبلا شعور حين قفز بها في مياه الجدول
تحت تلك الصخرة وأفلتها حينها من حضنه فكادت تسقط
في المياه تحتها لولا يده التي أمسكت ذراعها بقوة فاستوت
واقفة تبعد شعرها الذي غطى وجهها ونفضت يده عنها
مبتعدة عنه ونظرت له بعينان فوق بريق الدموع الحبيسة
وسطهما كان الغضب أعلى من أي شيء .. من الألم ..
من الخدلان.. ومن الانكسار ..، رفعت رأسها في مواجهة
عينيه وأشارت لصدره بسبابتها وقالت بقوة وثبات تنظر لعينيه
" هذا خلق للنساء .. للعبث وللنزوات وليس لي "
شد قبضتيه ونظراته لم تفارق عينيها ولم يعلق بشيء فرمت
يدها في الهواء وصرخت فيه بعنف حين لم يبدي أي ردة فعل
" لماذا أتيت ؟ لما لم تبقى معها هناك ؟ "
كان جوابه الصمت مجددا والذي لم يزدها إلا اشتعالا أخمدته
سريعا بنبرتها الساخرة
" خانتك مجددا ومع رجل آخر ؟ "
ارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتيه وقال ونظره لم يفارق
تلك الأحداق السوداء الغاضبة
" هي لم تخني يوما "
قالها بهدوء وكأنها لا تشتعل أمامه بل وأضاف يفقدها آخر
حصون ثباتها الذي لم يخذلها يوما ولم يرفض تمسكها به
" بل هي لا تعرف الخيانة ووحدي من كنت أجرحها بذلك "
انسابت دمعة وحيدة يتيمة من رموشها للمياه تحتها فورا
ولم تستطع لا منعها ولا التحكم بها وهمست ونظرها معلق
في عينيه
" أجل فأنت خنتها معي مرة "
مد يده نحوها وشدها من يدها وتحرك من مكانه وسار بها
في المياه وعكس التيار ساحبا إياها خلفه وقال يشيع جثمانها
في كل مرة
" بل لم أخنها مع أي امرأة ... ولن تستحق امرأة في الوجود
أن تأخذ مكانها "
سار بها متجاهلا شدها ليدها منه ومحاولة إيقافه تضرب
بيدها الأخرى رسغ يده الممسكة ليدها ودون جدوى فلم
يترك لها خيارا سوى أن تتبعه مكرهة وخطواتهما السريعة
في المياه تجعلها تتناثر حولهما في كل اتجاه ، وبينما حسب
هو حساب كل ما سيفعله وقد رفع بنطلونه مسبقا لنصف ساقيه
هي لم تخطط لهذا ولم تفكر فيه فتشبع بنطلونها الكحلي بالمياه
درجة أن أشعرها بالتجمد في ساقيها حتى كانت ستفقد توازنها
عدة مرات بسبب فقدها الشعور بهما وليست تفهم فيما يفكر
هذا الرجل وما ينوي فعله تحديدا ولما لحقها إلى هنا أساسا
إن كان أمرها لا يعنيه ؟
ولم يتأخر عنها الجواب كثيرا وقد ظهر لها أسفل المنحدر
الذي تصب منه تلك المياه كرذاذ مطر تساقطت قطراته متباعدة
متتالية تصطدم بالصخور والمياه تحتها فضخ تلك المياه يكون
تدريجيا قبل أن يتم دفعه بالقوة القصوى ليكون كشلال حقيقي
ينزل على ثلاث أقسام منفصلة وكأن كل واحد منهم شلال لوحده .
شهقت بقوة ما أن سحبها وأدارها أمامه لتصبح واقفة تحت
تلك المياه تحديدا تتساقط فوقها كالأمطار متجاهلا شهقتها
وارتجاف جسدها تحتها بل أمسكها من كتفيها ولم يهتم ولا
لما يبلله أيضا منه ونظر لها من بين خصلات شعرها وغرتها
المبلله تنزل رأسها للأسفل وشد على ذراعيها قائلا بحزم
" كم مرة نبهتك على أن ما بيننا تيما خارجه ؟
هل تنتقمين مني فيها يا غسق ؟ "
لم تتحدث ولم ترفع رأسها له بل ولم تقاومه يداها مرميتان
جانبا وكأن كل ما قاله سابقا حولها لجثة ميتة ، هزها بقوة
وقال بحدة
" أيعنيك أن تعلمي بأنها ألقت اللوم على نفسها فيما حدث
ودافعت عنك ؟ هل سألت نفسك يوما أكانت هي السبب أم
اختارت ابتعادها عنك ؟ تيما لم تكن يوما سعيدة معي ولن تكون
كذلك معك لأن حلمها ومنذ كانت طفلة أن تعيش مع كلينا ،
ابنتك لم تكن يوما ضعيفة ولا كثيرة بكاء واجهت وحدتها
وغربتها لوحدها بل وفعلت أمرا أنا لم أكن أتخيل أن تفعليه
أنتي والدتها وليس مراهقة صغيرة ومن أجل ماذا ... ؟
من أجلك أنتي ، تبكي الآن من أجلك ليس من أجل نفسها
ولا عليها لكنك ترفضين رؤية أي شيء غير حقدك وغضبك
من واقعك ورميتها هي بهم وقبل الجميع وخلقت فجوة
بينكما لن تجتازاها أبدا "
هزها مجددا وصرخ فيها بعنف
" هي ابنتك قبل حتى أن تكون ابنتي لا تحاسبيها على أفكارها
وإن كرهتها نفسك ، لا تدمري شخصيتها بسبب ما حدث بيننا
فهذا ما حرصت أنا لأعوام أن لا يحدث "
خرج له حينها صوتها فقط من خلف ذاك الشعر المبلل لازالت
المياه تنساب من بين خصلاته قائلة بهمس مرتجف
" بل أنت سبب كل ما حدث ويحدث "
أمسك رأسها بيديه ورفع وجهها له للأعلى فأغمضت عينيها
برفق بسبب قطرات المياه التي تنزل عليها بقوة رغم تباعدها
وقال بحزم
" إذا أنا من يحاسب وليس هي .. حسابك معي فقط يا غسق "
فتحت تلك الأحداق السوداء الواسعة تسدل رموشها عليها
جزئيا لتحميها بل ولتهدم بها حصونه الحامية وقطرات الماء
تنساب بنعومة فوق تلك البشرة الثلجية والشعر الأسود الكثيف
ازداد فتنة عندما ابتل بها وتلك الشفاه الناعمة المغرية رغم
ارتجافها لونها الدمي لايزداد إلا قتامة ، لبست الأسود حدادا
على فقداها ولم تزدد به إلا فتنة بات يرفض أن يراها أي رجل
في الوجود غيره .
أسدلت جفناها الواسعان مطبقة شفتيها تنساب المياه فوقهما
تتنفس كالغريق قبل أن تهمس بصوت مرتجف
" أكرهك ...... أكرهك مطر شاهين "
شد أصابعه على وجهها أكثر وانحنى بجبينه على جبينها
أنفه يلامس أنفها الصغير ينظر لجفناها الواسعان المطبقان
ورموشها الكثيفة المبللة بالمياه ولم يقاوم أبدا إنحدار أنفه
عن مساره فوق تلك البشرة الناعمة المبللة متمردا على طاعته
وأسدل جفنيه ببطء وقد همس بخفوت يشعر بملمس شفتيها
على شفتيه
" ومطر شاهين يحبك ... يحبك يا ابنة دجى الحالك "
رمت يديها عنه فورا مبتعدة تحت رذاذ تلك المياه وقد نظرت
له صارخة
" كاااااذب "
*
*
*
خرجت من باب المنزل الخلفي راكضة ووقفت في الخارج
تمسك رأسها بيديها تنظر بذهول للنيران المشتعلة في غرفة
الأعلاف قبل أن تلحق بها التي شهقت من فورها قائلة
" يا إلهي ما هذا الذي يحدث هنا ؟ "
همست الواقفة بجانبها بعينان دامعة مصدومة
" احترق كل شيء ... الثياب والحلي والحقائب وكل شيء جميل
في هذا العالم "
اقتربت منهما الواقفة قرب تلك الغرفة المحترقة تنفض فستانها
بغضب تنظر للتي قالت تمسك كتفي الباكية والواقفة بجانبها
" لا تقلقي يمامة السيد أبان سيشتري لك أكثر من هذا بأضعاف "
قالت التي وقفت أمامهما تمسك خصرها بيديها
" تحركا بسرعة وحاولا إخماد النار "
كان جواب التي لا حيلة لها في شيء الصمت بينما قالت الأخرى
" نحن لم نشعلها فليطفئها الذي فعل ذلك "
وصلت يدها لشعرها المجموع للخلف سريعا وأمسكتها منه
بقوة متجاهلة صرختها المتألمة وصرخت فيها تهزها منه بقوة
" خادمة سليطة لسان كسيدتك تماما ، قسما إن لم تبلعي لسانك
رميتك في تلك الغرفة لتحترقي مع الخرق التي أحضروها معك "
أمسكت يمامة برسغها فورا قائلة برجاء باكي
" اتركيها خالتي أرجوك ولن تعيدها مجددا وسنخمد النار حالا "
تركت شعرها بعنف وقالت
" أي كلمة غير التي سأقولها ستتهم صاحبتها بحرق الغرفة
والأعلاف وستتلقى الضرب عقابا لها حينها بالطبع "
وتابعت مغادرة من هناك
" هذا كي لا تتلهيا عن أعمالكما مجددا بسبب تلك التفاهات ،
وعلى عنقي تخرج إحداكما من هذا المنزل "
راقبتاها حتى اختفت خلف الباب وقالت يمامة بحزن متوجة
للصنبور القريب
" هيا نحاول إخمادها فقد ننقذ أي شيء "
تبعتها فورا التي فكت شعرها تعيد شده مجددا قائلة بضيق
" لما تستحملين كل هذا ؟ صمتك يقتلني يا فتاة ! لست أعلم
متى ستتذكر السيدة جوزاء أنها نسيتني هنا وغادرت "
رفعت دلو الماء دون أن تعلق وتوجهت به نحو الغرفة المشتعلة
وحاولت الاقتراب منها لكن الدخان وحرارة النيران بداخلها منعتها
من ذلك رغم أن كمية الأعلاف فيها كانت قليلة والنيران بداخلها فقط ،
حاولت سكبه فيها من بعيد والنتيجة كانت أن انسكبت المياه قرب
الباب دون أن تدخلها فقالت التي أخذت منها الدلو
" لا تتعبي نفسك بهذا وستخمد من نفسها بعدما تلتهم كل شيء "
نظرت للمكان بحزن فبعدما أصبح يشكل عالم النجوم بالنسبة لها
ها قد تحول لهباء كباقي أحلامها التي فقدتها بالتتابع منذ كانت طفلة ،
تحركت من هناك تنظر للأرض بحزن ودخلت المنزل وتوجهت
لغرفتها فورا تشعر بأنها فقدت كل ما هو جميل في حياتها اليوم ،
أغلقت باب الغرفة وتوجهت للخزانة وأخرجت الهاتف الذي كان
صوت اهتزازه بسبب اتصال أحدهم يمكنها تمييزه ما أن تدخل
فيمان من اقترح عليها ذلك فقد يضطر للاتصال بها عليه إن
واجهته مشكلة ما وهو خارج المنزل ، ولأن زوجة والدها لا
تدخل غرفتها مطلقا وجد أن هذا أنسب حل كي لا يجتاز صوت
رنينه الباب المغلق .
نظرت لشاشته المضاءة وعضت شفتها لا شعوريا وهي ترى
الاسم فيه فهو يتصل به منذ وقت ولم تستطع أن تجيب عليه
لكنه لن يتوقف عن الاتصال إن لم تجب وتخشى أن يتصل
بوالدها نهاية الأمر ويمان غادر من قبل وقت الفجر ومؤكد
للجنوب ولن يرجع قبل آخر الليل ، فتحت الخط بعد صراع
طويل مع نفسها ووضعت الهاتف على أذنها وقالت فورا
وبصوت منخفض
" يمان ليس هنا "
وصلها ذاك الصوت الرجولي المستغرب فورا
" وأين هو ! ولما يترك هاتفه في المنزل دائما ؟ "
ليست تفهم لما تشعر بجسدها يرتجف بمجرد سماع صوته
فهي لم تعتد التحدث مع أحد فكيف إن كان رجلا ! قالت بذات
الصوت الشبه هامس
" لا أعلم "
وصلها صوته الحانق فورا
" وسكرتيرته لما إن لم تكوني تعلمين أين هو ؟ "
زمت شفتيها فورا وملأت الدموع مقلتيها الرمادية الواسعة
قبل أن تهمس بصوت مرتجف من اختناقها بعبرتها
" لم يخبرني .. "
قال من فوره
" آوه بربك يمامة ما الذي قلته يبكيك يا طفلة ؟ ما أن يرجع
أخبريه يتصل بي .. وآسف فهيا توقفي عن البكاء "
مسحت عيناها بقوة هامسة
" حسنا سأخبره "
وصلها صوته قائلا
" شكرا لك ... وداعا "
أعادت الهاتف مكانه تحت ملابسها ومسحت عيناها بقوة
وغادرت الغرفة مجددا فعليها تنظيف غرفة الأعلاف ما أن
تخمد النار كي تخفف من غضب والدها وإن قليلا حين يعلم
دس هاتفه في جيبه ونظر للذي خرج من غرفة عمليات المطار
مع مجموعة المضيفين وكابتن الرحلة حيث كانوا يتناقشون حول
رحلتهم مع فريق الملاحة الجوية قبل إقلاع طائرتهم ، اقترب منه
يمسك أوراق معلومات رحلته في يد بينما يمسك قبعة بذلة الطيران
في اليد الأخرى فعلم بأن وقت رحلته قد حان ، وما أن وصل عنده
سحب أبان القبعة منه ووضعها له على رأسه وضرب له التحية بيده
قائلا بابتسامة
" رحلة موفقة يا شقيقي "
ابتسم له وتعانقا ثم ابتعد عنه قائلا بضحكة
" استمع لنصيحتي إن لم تعجبك العروس فلا ترجع أبدا "
أزال الواقف أمامه القبعة عن رأسه وقال بضيق
" هل هذا وقت الحديث عن ذلك ؟ ما أسخفك يا رجل "
كشر في وجهه قائلا
" أحسدك يا رجل ليس ذنبي وأخشى أن تنقذ أنت نفسك من المأزق
وأبقى فيه لوحدي "
قال ببرود
" تحمل نتائج أفكارك "
حرك يده قائلا بضيق
" كانت فكرة ناجحة والدتك هي التي لا يقدر عليها ولا زعيم
الشياطين وخطئي كان أني استهنت بقدراتها "
وتابع بلا مبالاة قبل أن يعلق الواقف أمامه
" حسنا لا مشكلة فهي قررت أن تضيف فردا جديدا لفريق فتياتها
وتخزينها لوقت من الزمن أي أني الكاسب فهي ستكون ابنتها
وليست زوجتي حسب قانونها الرائع "
حرك الواقف أمامه رأسه قائلا
" لا تستهن بالأمر فقد تندم قريبا على موافقتها ذلك "
أمال طرف شفته بلا مبالاة ولم يعلق فقال غيهم
" أنت سلمتها مصيرك وتحمل النتائج "
قال بضيق
" أجل تشدق فأنت لم تتورط مثلي "
رفع كتفيه قائلا
" لست أرى أي اختلاف فكلانا سيتزوج حسب ذوقها ومزاجها "
دس يديه في جيبي بنطلونه قائلا
" بلى فثمة فرق شاسع بين أن تتزوج من فتاة في الثانية والعشرين
من عمرها وفتاة في الثالثة عشرة ، على الأقل هي لن تبكي ما أن
يرتفع صوتك قليلا "
حرك رأسه مبتسما وقال
" وما سبب غضبها منك هذه المرة ؟ "
مرر أصابعه في شعره وتأففا قائلا
" أخبرتها أن تعجل في الزواج وتلغي فكرة الحفل السخيفة تلك
لكنها طبعا لا تستمع سوى لرأي عقلها وكأنها هي من سيتزوج "
لم يستطع الواقف أمامه أن يمسك ضحكته القصيرة المنخفضة
وقال مغادرا من عنده
" تناقض نفسك يا رجل ! "
نظر له بضيق وهو يبتعد جهة الممر المؤدي لبوابة المسافرين
الخاصة والتي بدأ أفراد الطاقم بالتوجه نحوها فلن يفهم أحمق
مثله أسبابه فالأمر يتعلق بيمان وليس بنفسه ، يشفق عليه حقا
من كثرة ما يضطر للذهاب للجنوب خفية يذهب ويرجع في ذات
اليوم كل تلك المسافة كي لا يفقد عمله وكل ما يمسكه عن أن
يقيم هناك هو خروج شقيقته من ذاك المنزل وإن ترك الأمر لوالدته
فلن يتحقق مراده أبدا فمخططها أطول من عمر تلك الفتاة وشقيقها
معها وليس يفهم ما الداعي لكل تلك السخافات التي تتمسك بها النساء .
غادر من هناك ومن المطار بأكمله وما أن وصل سيارته رفع نظره
للطائرة التي علا ضجيجها في الأجواء وابتسم يراقبها ترتفع عاليا
معانقة السماء ، فها هي والدته أجبرت حتى شقيقها على السماح
له بالتحليق في رحلة دولية خشية أن تنفره الرحلات التدريبية
والتجارية ويموت حلمها في مهده لأنها تعرف ابنها جيدا قد يقدم
طاعتها على كل شيء لكنه إن قرر فعل ما في رأسه وتجاهلها فلن
تقدر عليه أبدا .
فتح باب سيارته وركبها ورمى المغلف الموضوع على مقدمتها
في الخلف فعليه الآن أن ينتظر حتى يوم الغد ليرجع ابن الجنوب
الجديد ذاك .
*
*
*
وقف أمام باب الشرفة وكما توقع هي هنا ومنذ الصباح الباكر
أيضا فيبدوا أن هذا المكان أصبح عالمها الخاص فحتى من دون
دفتر الرسم تجلس في ذات الزاوية تضم ساعديها وتتكئ بهما
على حافة الشرفة مرخية ذقنها عليهما وتهيم بنظرها للبعيد
لا يظهر من ملامحها سوى القليل تتطاير خصلات شعرها الذهبية
حوله دون أن تهتم ولا لإبعادها وكأنها منفصلة عما حولها تماما ...
لا يمكنه تصور أن هذه الفتاة قد تقتل فعلا ... الآن وهي في سن
الثامنة عشرة لا يصدق أن تفعلها فكيف وهي ابنة العشرة أعوام ؟
على الرغم من جميع عقدها النفسية والكره الأسود الذي يغذي
قلبها ضدهم إلا أنه يستبعد أن تؤذي أحدا بذاك الشكل فهو اكتسب
خبرة طويلة في معرفة أنواع المجرمين وطرق تفكيرهم ، كان يراها
في السابق لغزا غامضا من قبل أن يكتشف عنها أي شيء والآن
بات يرى ذاك اللغز يتجسد فعلا في جسد امرأة تتحرك أمامهم
لم يعر أحدهم بالا لأن يفهم لما هي هكذا بل ومن هي تحديدا ؟
لم ينم ليلة البارحة ولم يغمض له جفن يتنقل بين سريره
وأوراق قضيتها تلك ... وكيف له أن ينام وهو يعجز ولأول مرة
أمام قضية ما ، لكن الأمر طبيعي جدا فثمة ثغرات كثيرة في
القضية ولن يستطيع فهم خباياها وهو هنا وساحة الجريمة
والشهود جميعهم هناك وإن كانت ثمان سنين ما يفصلهم عن
الحادثة .
" هل جئت لتقنعني أيضا بحضور حفلكم ذاك ؟ "
ابتسم ولم يعلق ولازال يراقبها وهي على ذات حالها لم تزح
ولا نظرها عن مكانه السابق ، يحار في هذه الفتاة كيف تشعر
بوحوده رغم أنه يدخل دون أن يصدر أي صوت ! حتى أن رائحة
عطره ذاتها التي يستخدمها جده ورواح فهم يتشاركون في هذا
أيضا رغم التناقض الرهيب في شخصياتهم إلا أن ذوقهم في
العطور الفرنسية متشابه فهل تتوقع دائما أنه هو ؟ لما لا تحاول
التأكد في أي مرة فقد يخونها ذكائها إلا إن كان ثمة أمر غيره
تعرفه به ؟ تنفس بعمق وتقدم نحو الخارج خطوتين قائلا
" والدة رواح تحدثت معك عن الحفل إذا ؟ "
ابتسم رغما عنه حين همست ببرد
" بل وأراها أفضل منك في أسلوب الإقناع "
قال ونظره لم يفارقها كما ابتسامته
" أعرفها جيدا حين تصر على أمر ما تتحول لمزعجة فلا تفكر في
شيء سوى الخلاص منها لكنها تفعل ما تفعله رغبة منها فعلا "
أبعدت هذه المرة تلك الخصلات القصيرة المتطايرة من أمام عينيها
وقالت بعد صمت لحظة وببرود
" أتريد إقناعي بأنك لست من طلب منها ذلك ؟ "
قال من فوره
" إن قلت لا ؟ "
" كاذب "
قالتها مباشرة ودون تردد فابتسم قائلا
" أنا سألت فقط ولم يكن ذاك جواباً "
استوت في جلستها مبعدة ذقنها عن ساعديها ولازالت شبه توليه
ظهرها وقالت
" وأنا أجبت عن الشطر الذي تريد إيصاله لي من سؤالك "
حرك رأسه مبتسما وقال
" أفهم من كلامك أنك ستكونين في حفل الليلة ؟ "
وقفت على طولها والتفتت له محدقة في عينيه بتلك الأحداق
المشعة بلون السماء الصافية فوقها وقالت بجمود
" تكون مرافقا لي ؟ "
نظر لها باستغراب ظهر على ملامحه واضحا فقالت بابتسامة ساخرة
" لست أعرف أحدا غيرك بالطبع "
حرك رأسه وابتسم وقال
" موافق "
قالت من فورها
" ولن تهتم برأي زوجتك أو زوجة والدك المهذبة تلك ؟ "
ضحك وقال
" لا "
أهدته أول ابتسامة يراها تزين تلك الشفتين لأول مرة غير
ابتساماتها الساخرة القاتلة تلك وإن كانت متكلفة وغامضة
أيضا ككل شيء يصدر عنها بل ولم تنظر لعينيه وقتها وهي تنزل
بنظرها لدفترها في يده وقالت ونظرها عليه
" هلا أعدته إلي؟ "
نظر له في يده ثم مده لها من فوره قائلا
" بالتأكيد فأنا جئت لأعطيك إياه "
اقتربت منه وأخذته منه وأمسكته بكلتا يديها وحدقت بعينيه
حين قال بهدوء حذر
" هل ثمة من تثقين فعلا بأنه سيأخذ لذاك الأرنب بحقه ؟ "
كان جوابها المبدئي الصمت وهذا ما توقعه منها وواثق تماما
من أنها فهمت بأنه يتحدث عن ذاك الأسد ، كان ينتظر بفضول
جوابها ويعلم ذات الوقت بأنه لن يستطيع توقعه وأول ما تبادر
لذهنه بأنه سيكون سؤالا مقابل سؤال كعادتها وذاك ما حدث
فعلا حين قالت ولازالت محدقة بعينيه
" هل تم تبرئة صاحب قضية حبيبتك الانجليزية تلك ؟ "
أدار حدقتيه جانبا وتنهد مبتسما .. شخص غيره كانت لتغضبه
عبارتها تلك لكن هو وفي مواجهتها هي تحديدا فالعكس تماما
وقد قال مبتسما ما أن عاد بنظره لها
" إيلينا ليست حبيبتي والمتهم في قضية شقيقها ظهرت براءته
بالفعل "
قالت من فورها
" من ترافع عنه ؟ "
نظر لها باستغراب عاقدا حاجبيه قبل أن يقول
" أنا "
ظهر شبح ابتسامة مائلة على طرف شفتيها ونزلت بنظرها
لدفترها هامسة بجمود
" إذا ثمة من سيقتص لذاك الأرنب "
نظر لها باستغراب لبرهة قبل أن يقول بذهول
" إن كان أي شخص آخر غيرك لظننت بأنه يثق بي فعلا لفعلها "
رفعت نظرها له مجددا وفهم فورا من نظرتها تلك بأنها رافضة
لكل ما قال بل وعلى استعداد لقتله بسببه فورا لكنها خانت
توقعاته مجددا وقد قالت بجمود
" وهل وثق بك ذاك الرجل أكثر من محاميه السابق لذلك
كسبت القضية ؟ "
حرك رأسه بالنفي قائلا
" الثقة أمر ضروري لكن من جانب المحامي يا زيزفون وليس
المتهم فعليه أن يثق فعلا بأن موكله بريء أو لن يربح القضية أبدا "
أبعدت نظرها مشيحة بوجهها عنه وقالت ساخرة
" ذاك حين يكون القانون في صفه "
استشف المرارة بسهولة في نبرتها تلك وإن كانت تحاول
إخفائها بحرفية ، لا يستطيع خوض حديث معها في أمر
القضية وتلك الجريمة فهذا ما حذر منه طبيبها في التقرير
الذي كتبه عن حالتها فهي في تلك الحالة أقل ما قد تفعله
أن تصبح عدائية جداً ناحيته ولن تثق به أبدا وهذا ما لا يريده
خاصة أن طباعها ناحيته تغيرت كثيرا وإن لم يكن بشكل كامل ،
قال بهدوء حذر
" القانون في صف الضعفاء دائما "
" واهم "
قالتها بحدة وكأنها تتهمه هو بذلك .. بلى ستفعلها فهو في
نظرها رجل قانون أيضا ، قال بجدية
" بلى وليس ثمة مجرم ينفذ بجلده طويلا ولا حقيقة تبقى مدفونة
طوال العمر "
قالت ساخرة
" تريد أن تقنعني بأنه ليس ثمة أبرياء في السجون ؟ "
قال مباشرة
" بلى يوجد لكن العدل سيقام وسيقتصون من ظالميهم يوما ما
بالتأكيد "
قالت بجمود
" حديثك هذا لا يجب أن يصدر عن نائب مدعي عام يعرف أكثر
مما يجهل غيره عن الموجودين خلف زنزانات السجون إلا إن
كنت تعني بذاك القصاص يوم الحساب "
حرك رأسه بالنفي قائلا بالكثير من الصبر
" ليس يوم الحساب أعني .. الحمقى فقط من يعتقدون أن القانون
من يأخذ لهم بحقهم مباشرة .. جميعنا تحركنا قدرة الله يا زيزفون
لا أحد يقتص للمظلوم بذكائه فقط صدقيني ومن يؤمن بذلك سيعلم
بأن الله لا ينساه "
أشاحت بوجهها عنه وهمست
" حديثك ليس حديث محام أبدا "
تنهد بقوة وقال
" حسنا برأيك ظهرت براءة المتهم في مقتل شقيق إيلينا لأنه
لم يكن يثق في محاميه السابق ؟ "
نظرت له مجدداً وقالت بسخرية
" أنت من وضع نظرية الثقة تلك وليس أنا ورغم ذلك فبرأيي
أنه لم يكن أغبى من عائلة حبيبتك تلك سوى محاميه "
رفع يديه وتنفس بضيق قائلا
" زيزفون بربك أنا رجل متزوج أي حبيبة تلك التي
تتحدثين عنها ؟ "
رفعت حاجبها قائلة
" متزوج !! ألا تخبرني أين هي زوجتك تلك ؟ "
دس يدسه في جيبيه وقال ببرود محدقا بعينيها
" وإن يكن فمن حقها أن لا أعبث مع غيرها أبداً "
قالت وهي تجتازه مغادرة
" أتعلم بأنها لا تستحقك "
راقبها بنظرات مصدومة عجز معها عن التعليق وهي تدخل
الغرفة الواسعة لكنها وككل مرة لم تتركه يستمتع بلذة انتصاره
الجديد على رأيها السلبي فيه فقد تابعت وهي تبتعد جهة الباب
وقد رمت شعرها المربوط برباط مطاطي عن كتفها للخلف منسابا
بنعومة على ظهرها
" لذلك أنصحك بأن تعيد النظر بشأن تلك الانجليزية فتبدوا
متيمة بك "
وغادرت تاركة الباب مفتوحا خلفها فحرك رأسه بعجز ممررا
أصابعه في شعره الأسود الكثيف هامسا
" أحيانا تشعرينني بأنك قادرة على القتل فعلا يا حفيدة ضرار
الحقيقية ! "
أدار بعدها للباب ظهره وتقدم بخطواته نحو الشرفة وتحديدا
عند الجهة التي تقف فيها دائما وأخرج هاتفه واتكئ بساعده
على حافتها ورفعه لأذنه تراقب عيناه منظر النافورة الحجرية
من بين الشجيرات المنسقة ، عليه أن يبحث في المكان السليم
وهو أرض تلك الجريمة فلن ينكشف له شيء وهو هنا والحقائق
المخفية هناك .
ما أن انفتح الخط في الطرف الآخر حتى قال من فوره
" مرحبا أويس "
*
*
*
داس على فرامل دراجته النارية بقوة أكبر يتحرك بها بين
السيارات بمهارته المعتادة وبسرعة ضعف التي اعتاد عليها
سابقا ولا يرى هدفا أمامه سوى الطريق الرئيسي فما أن
وصلته تلك الرسالة حتى خرج من المنزل راكضا كالمجنون
( تعالى لمستشفى المدينة ولا تخبر أحدا ... مطر شاهين )
والدته خرجت لوحدها قبل ساعتين تقريبا ولن يكون أحدا
غيرها ولا يستطيع تخمين السبب لأنه سيجن حينها فطلب مطر
شاهين قدومه تحديدا جعل عقله يقفز من مكانه فهو غادر من
هنا صباحا مع ابنته فما سيرجعه الآن وما جمعه بها ؟
وصل المستشفى أخيرا وكاد يسجد لله شكرا لتوقف تلك
الأفكار عن العبث بأعصابه وإتلافها فأحيانا معرفة الحقيقة
أفضل مئة مرة من انتظارها ، ترك دراجته في المواقف
الخاصة بها هناك وركض فورا جهة مدخل المستشفى يجتاز
المارة لا يعلم من صدمه ومن اصطدم به منهم وجل ما يخشاه
أن تكون تعرضت لحادث سير .
وصل ممر غرفتها الذي بالكاد استطاع نطق اسمها في الاستعلامات
ليخبروه عنه من شدة ما كان نفسه متقطعا من الركض والخوف ،
وقف مكانه لبرهة عند أول الممر يتلقف أنفاسه ونظره على الحرس
المنتشرين في المكان والذين لحظ وجودهم منذ دخوله المستشفى
يمنعون أي شخص من الصعود لهذا الطابق بأكمله غير الأطباء
وأشخاصا معينين كما يبدوا وبدأت تبحث نظراته عن شخص واحد
لم يجده بينهم حتى الآن .
ركض فورا ما أن انفتح باب إحدى الغرف في الممر وخرج منها
الذي كان يبحث عنه تحديدا مغلقا الباب خلفه ، وقف أمامه وقد نظر
له يتلقف أنفاسه نظراته المستغربة الوجلة تنتقل من شعره المبلل
لقميصه المشبع جزئيا بالماء أيضا وقال بصعوبة
" أمي ... ما بها ؟ أ....أهو حادث ؟ "
وملأت الدموع عيناه فورا وهو يقول
" إن ماتت فاقتلني قبل أن تخبرني "
رفع الواقف أمامه يده وأمسك بها جانب وجهه قائلا بجدية
" هي بخير يا كاسر لا تكن ضعيفا هكذا ، من سأعتمد عليه في
أن يحميهما بعدي غيرك أنت ؟ "
مسح عيناه فورا لا يصدق ما قال وسمعه ! كان ذلك أعظم على
قلبه من معرفته بأنها بخير ، قال مبتسما بتفاؤل
" حقا هي بخير ؟ "
ربت على كتفه قائلا
" ألا تثق في صدق كلامي ؟ الطبيب قال أنها بخير لا أحد يعلم
بعد الله أكثر منه وأنا اخترتك أنت لأنك خياري الوحيد فأنت تعلم
بحالة رماح وظروف رعد ، أريدك أن تكون قربها حتى تغادرا
من هنا "
وتابع يخرج له شيئا من جيب بنطلونه
" سيارتها في الأسفل وهذا مفتاحها ، أنا مضطر للذهاب لمدن
ثنان الآن ولولا الضرورة ما كنت سأغادر ... سأعتمد عليك "
نطر له في يده بصمت وكان يريد سؤاله عن الكثير وأوله
لما هي هنا وهو معها ؟ لكن لا الزمان ولا المكان مناسبان كما يرى ،
أخذه منه وقال ناظرا لعينيه
" كن مطمئنا "
ثم مرر أصابعه في شعره وتردد قليلا قبل أن يقول
" في الحقيقة أنا اتصلت بجليلة قبل مجيئي ، لم اخبرها أنك
من طلب مني ذلك لكني أعلم عن قوة علاقتها بها وأ.... "
قاطعه ناظرا لهاتفه الذي بدأ بالرنين
" لا بأس يا كاسر أعلم أني أخطأت في عدم إخبارك بأنها بخير "
أوقف الاتصال ثم عاد بنظره له قائلا
" لا تخبر أعمامك حتى ترجعا للمنزل اتفقنا ؟ "
أومأ برأسه موافقا وقال
" بالتأكيد سيدي "
ابتسم له من فوره قائلا
" سيدك ! "
حك شعره وقال بإحراج
" حسنا ... يا زعيم "
وضحك ما أن رأى نظرته المستهجنة وقال
" بما أناديك إذا ؟ "
ابتسم له قائلا
" أنا زوج التي أرضعتك ومن قبل أن تولد أنت يا كاسر وحملتك
بين يداي رضيعا فنادني كما تناديني شقيقتك "
ابتسم بدهشة ولم يستطع امساك الدموع التي ملأت عينيه وشد
قبضتيه قائلا ببحة
" أتسمح لي بمعانقتك ؟ "
فرد له الواقف أمامه ذراعيه مبتسما من فوره وتبادلا عناقا قويا
حقيقيا ثم أبعده عنه وشد ذراعيه ونظر لعينيه قائلا بجدية
" أنا والدك يا كاسر وستناديني كذلك من الآن وصاعدا ومتأكد من
أني سأكون فخورا بك دائما "
مسح دمعة غلبته وقال
" بل أنا الفخور بك وبأن أكون ابنك "
" مطر علينا المغادرة فالوقت يسرقنا "
نظرا كليهما للذي وقف قربهما وقال مطر مغادرا من هناك
" أجل يا عمير فعلينا إخماد ذاك البركان هناك سريعا "
راقبه يبتعد ورئيس المخابرات الجديد يسير بجانبه ليطوقهم الحراس
من كل جانب يسيرون بخطوات واسعة تشبه خطواتهم وابتسم بحب
فلم يستطع يوما أن يكره ذاك الرجل مهما فعل ولا يفهم لما !
أجل يعلم بسبب حديث جده شراع الأخير معه قبل موته .
ما أن اختفوا خلف الممر نظر للحارسان اللذان بقيا هنا ومؤكد
بأوامر من ذاك الرجل ، توجه جهة باب الغرفة فتحه ببطء ودخل
ووقع نظره فورا على النائمة على السرير مغمضة العينين
يدها فوق اللحاف ناصع البياض الذي يغطي جسدها والمغذي
محقون فيها فغضن جبينه مستغربا ينظر للقميص الأبيض الذي
ترتديه واقترب منها حتى جلس على حافة السرير قربها ، مسح
بيده على شعرها الرطب ونظر بحزن لملامحها الجميلة المتعبة ،
كانت تئن بخفوت ووجنتاها تكادا تشتعلان احمرارا وشفتاها
المرتجفة تهمس دون توقف من بين تلك الأنفاس المتقطعة
وبكلمة واحدة
" كاذب ...... كاذب ...... كاذب "
وليس يفهم ما حدث ولما تقول ذلك ! لكن ما هو موقن منه
أن ذاك الرجل هو المعني بذلك بالتأكيد ، قبل جبينها واتكأ عليه
بجانب وجهه هامسا بحزن
" ليحفظك الله لي أمي "
دخلت من باب المستشفى مسرعة وهي التي كانت عازمة
على أن لا تغادر غرفتها اليوم أبدا ولا أن ترى أحدا ووجدت
نفسها فجأة تجلس في كرسي سيارتها وتغادر منزلهم مسرعة ،
ليته أخبرها ما الذي يجري لكان أرحم لها ألف مرة من تركها
هكذا تتلاعب بها الظنون فأول من سافر له خيالها هي ابنة خالتها
لأنها كانت تتصل بها ولا تجيب من أكثر من ساعة وأن يستعين
الكاسر بها هي فمعناه أن المكروه بغسق بالتأكيد لكان اتصل بها
هي فورا لو كان أي شخص غيرها ، وقفت في صالة المستشفى
الواسعة وفتحت حقيبتها لكي تخرج هاتفها منها لتتصل به فهو
اشترط أن لا يخبرها حتى تكون هنا ، أخرجته بحركة غاضبة
متمتمة
" حركات مراهقين مدمرة للأعصاب "
وما أن رفعته لتفتش عن رقمه أبعدت نظرها عن شاشته وحدقت
باستغراب في الواقف بين مجموعة حراس شخصيين والبعض
من القوات الخاصة ، اقتربت قليلا حتى ظهر لها بوضوح الواقف
مع مدير المستشفى يتحدثان قبل أن يومئ له ذاك باحترام ويغادر
فهمست وخوفها يتصاعد بشدة
" يا إلهي إنها هي بالتأكيد "
أعادت الهاتف لحقيبتها وتحركت جهته وما أن منعها أحد الحراس
من الاقتراب منه أوقفتهم إشارة يده ودون حتى أن يتحدث فاجتازتهم
واقتربت منه حتى وقفت أمامه وحدقت في عينيه هامسة بتوجس
" ما بها ؟ لا تقل أنها هي فعلا ؟ "
كانت أنفاسها المتلاحقة والمتوترة تخرج من صدرها بقوة أنهكته
درجة أن اعترفت لنفسها بأنها لن تعيش ذعرا كهذا في حياتها ..
لكن سرعان ما خانتها توقعاتها وهي تفقد ذاك الشعور في لحظة
وقد تجمد كل شيء فيها حتى ذاك الشعور بالخوف ما أن تحرك
الذي كان يختفي خلفه يبدوا يحدث أحدا ما وظهر لها ما أن وقف
بجانبه فشعرت بجسدها قد تصلب وكأنه قطعة خشب تحاول أن
لا تنظر جهته وتمنت حينها بالفعل أن قتلت الكاسر،أولت انتباهها
للذي قال من فوره
" هي بخير لا تقلقي وستغادر اليوم على الأرجح "
زمت شفتيها تمنع نفسها من قول ما تريد قوله لكنها لا تستطيع
فذاك فوق قدرتها على كتمانه فهي اليوم تحديدا غاضبة من كل
شيء ومن الجميع والرجال أولهم ، حررت شفتيها المتساويتان
ونظراتها الشبه دامعة معلقة بعينيه وقالت بأسى
" كنت أعلم أن ما حدث بالأمس ستكون هذه نتيجته ، ليتك فقط
مهدت لها في طريقة قتلك لقلبها "
لم تبالي لما قالت ولا لتبدل ملامح الواقف أمامها من الجمود
للضيق ولا حتى لمكانته ومركزه وأن احترامها له يعد قانونا
اختراقه جريمة يحاسب الشخص عليها ولم تتراجع عن موقفها
ولا حتى حين قال بضيق
" جليلة لا تكوني حمقاء كابنة خالتك "
نظرت له بحنق قائلة
" اعذرني لكني فقدت حقا الثقة في جميع الرجال "
رفع حاجبه مبتسما بينما لم يستطع الواقف بجانبه إمساك ضحكته
المكتومة المنخفضة وجاء التعليق منه قائلا ونظره على عينيها
المحدقة به بضيق تظنه يسخر مما قالت
" يبدوا أن تلك الجمعية تخرج عدوات رجال عن جدارة "
زمت شفتيها في حركتها المعتادة كتعبير أولي دائم عن أغلب
انفعلاتها في حركة لا تزيد ملامحها سوى جاذبية تميزها عن
غيرها تنظر له بحنق فتراجع للخلف مبتعدا ورافعا يديه وقال
بابتسامة ونظره لم يفارق حدقتاها البنية الواسعة
" حسنا أنا أمزح فقط وها أنا سأبتعد فيبدوا أن قريبة زوجتك
لا تطيقني فعلا
" أبعدت نظرها الحانق عنه للواقف أمامها والذي كان يتبعه بنظره
قبل أن ينظر لها حين قالت ببرود
" هل رجالك جميعهم هكذا لا يقبلون أن يعارض أحدا أوامركم
واقتراحاتكم ؟ "
نظر لها باستغراب رافعا حاجبه الطويل قبل أن ينقل نظره جهة
الواقف بعيدا ينظر لهما ثم عاد بنظره لها وقال
" ما قصتك معه ؟ "
توترت فورا وزمت شفتيها لبرهة قبل أن تقول
" لا شيء "
ابتسم وأومأ برأسه قائلا
" حسنا كوني هنا بقرب الكاسر وابنة خالتك وغطي عن غيابها
عن منزلها كي لا يعلما شقيقيها بالأمر "
ثم غادر مجتازا لها وقائلا بجدية
" وسأتجاهل فضاضتك معي فقط لأن لك دينا في عنقي عمره خمسة
عشر عاما "
راقبته بنظرات مستغربة وهو يغادر وبلعت ريقها بصعوبة حين
فهمت مغزى كلماته فها هي تلك الحادثة وإدخالها لغسق لحدوده
لازالت تطاردها ، غادرت من هناك فورا متنهدة بضيق ، على الأقل
هو أول شخص لم يلقي باللوم عليها فيما حدث سابقا فحتى
زوجته تلك صرخت فيها في إحدى ثوراتها قائلة
( ليتك قتلتني وما تركتني دخلت حدوده وعرفته )
*
*
*
رفعت الهاتف أمام وجهها تنظر بانتصار للرقم الذي يضيئ على
شاشته وصوت رنينه يملأ صمت تلك الغرفة التي تتحرك فيها
بعشوائية وما أن انقطع الاتصال حتى قفزت في مكانها لتقابل
الجالسة على السرير تحضن ساقيها المغطاة بلحاف ربيعي
خفيف بنفسجي اللون ترتدي بجامة زهرية بدون أكمام ترفع
شعرها البني بعشوائية وتمسكه بمشبك شعر تراقبها بصمت
ونظرة عدم رضى وقد أشارت تلك ضاحكة بأصابعها الأربعة
تضم الإبهام لكفها وقالت
" المكالمة التاسعة وليس من مجيب "
أسدلت جفناها الواسعان تخفي الحزن في تلك الأحداق الذهبية
وهمست ببرود
" لست أفهم ما ستستفيدين من كل هذا ساندي ؟ "
ضحكت تلك من فورها وقالت تلعب بهاتفها في يدها وقد وضعت
شريحتها فيه عمدا لتشغلها
" أن يحترق ذاك الكنعاني البارد طبعا "
وتابعت وقد تحولت نبرتها للسخرية
" هه ... لست أفهم يتصل بك ليقول ماذا ؟ كانت تلك الحمراء
مريضة وأقوم بفحصها مقربة منتصف الليل ! "
شدت أناملها على اللحاف بقوة تكابد عيناها دموعها ترفض كل
واحدة منهما الانصياع للأخرى فلا هي نزلت وأراحت احتراق
جفنيها وقلبها ولا عادت لمحجرها وانصاعت لها فبقيت معلقة
هكذا بين ماء تلك الأحداق العسلية الواسعة ولسعات الهواء الخارجي
حولها تحكي قصصا حزينة عن الخذلان والألم .. عن الاحتياج في
أشد حالات الرفض والحرمان فلا تشبع أرواحنا الفقيدة ولا تقنع
بعبارات ألا موجود .
مسحت بظهر كفها عيناها بقوة لحظة أن شعرت بالسرير
ينخفض قربها ثم تلك اليد الناعمة تلامس ساعدها ووصلها ذاك
الصوت الحزين رغم نبرة الضيق فيه
" ماريه أنتي تخيفينني من الحب فعلا ... اقسم أن يندم ذاك
الأحمق على أن استبدلك وإن بعمله السري ذاك وستضجر
منه تلك الانجليزية سريعا وترميه كالسابقين وسيعيش بعد ذلك
وحيدا منبوذا حتى يموت "
لم تعلق على ما قالت ولم ترفع نظرها لها وأناملها تشد ذاك
اللحاف أكثر وأكثر فهي من عاشت منبوذة طوال حياتها وليس
هو والجميع يرتجي فقط أن يرضى عنهم وهو من يرفض
ذلك فأي حياة نبذ تلك التي سيعيشها ؟ هو اعتاد أن يرفض
من حوله وأن يعيش بدونهم فلن يصعب عليه فعلها معها
بالتأكيد ، هذه هي الحقيقة التي عليها أن تقتنع بها مهما رفض
عقلها ذلك .
وقفت ساندرين وسحبتها خارج السرير قائلة
" هيا إذا نخرج لشراء ما سنلبسه الليلة ولنستمتع بيوم الإجازة
وسحقا للحب وللرجال "
سحبت يدها منها وقالت برفض
" ساندي إنها التاسعة هل سنشتري السوق بأكمله ! "
دفعتها جهة الحمام قائلة
" وإن يكن سنزور ميدان بيكاديللي ونلف المتاحف ودور العرض
جميعها ونستمتع بيومنا "
انصاعت لها وإن مكرهة فهي تعرف عنادها جيدا رأسها يكسر
الصخر دون أن يتصدع مطلقا ، ما أن وصلت باب الحمام وقفت
والتفتت جهة السرير الذي تركته خلفها والهاتف الذي عاد للرنين
مجددا قبل أن تنظر للتي ضحكت وقالت تفرد أصابعها
" المكالمة العاشرة "
وتوجهت جهة باب الغرفة وخرجت منه تدندن لحنا فرنسيا
فتنهدت وعادت بنظرها لذاك الهاتف الزهري الذي أخذ
اليوم مكان هاتفها المحطم منذ ليلة البارحة وكم تمنت أن
حطمته سابقا والشريحة معه فهما سبب حرمانها من النوم
ليلة كاملة تحترق فيها بصمت وكأن ما يوجد وسط أضلعها
جمرة مشتعلة وليس قلبا يتألم من مجرد تخيلها فقط بأن تلك
الفتاة نائمة في حضنه ، ابستسمت بمرارة تبعد ببطء نظراتها
المليئة بالدموع عنه ودخلت الحمام مغلقة الباب خلفها حاجبا
ذاك الرنين الملح عنها فلن تستغرب حتى أن تكون تلك المرأة
هي التي تتصل بها .
*
*
*
ضغط بقوة زر الخروج من قائمة الإتصال ورمى الهاتف على
الكرسي ونظر للنافذة المفتوحة أمامه ومرر أصابع يديه في شعره
للخلف متأففا بقوة نفسا طويلا أفرغ هواء رئتيه بأكمله ونظره على
السحب البيضاء المتفرقة في السماء البعيدة وقد ظهرت أمامه فورا
صورة تلك العينان العسليتان الدامعة والشفاه الزهرية الهامسة بذاك
الصوت الأنثوي الرقيق الحزين
( لم أقتلها بل هي من رحلت معك ... مع والدتك ومع كل الأشياء
التي تشاركنا فيها في تلك البلدة وابتعدنا عنها بعد رحيلنا )
تركت أصابعه ذاك الشعر الناعم الكثيف ليتحرر عائدا كما كان
ومد يده لجيب بنطلونه وأخرج علبة السجائر ودس سيجارة منها
بين شفتيه وأشعلها ثم رمى العلبة والقداحة أيضا على ذاك الكرسي
وبدأ بسحب النفس تلو الآخر يخرج ذاك الدخان الأبيض من بين
شفتيه بقوة وبطء في كل مرة ونظره على الشارع وحركة المارة
فيه دون توقف فلا شيء أقل مللا يفعله اليوم غيره بعدما أعفاه
الكولونيل من أي مهام وبطلب من ذاك الجنرال طبعا وكأنه دمية
بين أيديهما ، لم يعتد على أن يكون مقيدا وأن يحدد غيره مصيره
وقراراته ولا يحب ذلك وذاك أكثر ما ينفره من كل تلك المهمة
المدمرة للأعصاب ولا يمكنه الرفض ليس بسبب مصير بلاده فقط
فتلك البلاد لم تقدم له شيئا طوال حياته ومنذ كان طفلا وكل ما
يربطه بها شعور الانتماء الذي غرسه الخالق في قلوب جميع
الشرفاء ، بل ومن أجل الرجل الذي قدم له الكثير منذ ذاك اليوم
الذي زاره فيه في منزل عمة عمير قبل أربعة عشر عاما وحقق
له كل ما طلبه وقرره بل وأقسم بأنه لن يحاسبه حينها على موت
ذاك الرجل إن كان ميتا بسببه ، هو من انتشله من ذاك المنزل
والعائلة التي كان سيبقى خادما لها حتى اليوم لو لم يخرجه من
هناك بل وتكفل به منذ أصبح هنا وصنع منه الرجل الذي ما كان
ليصنعه أحد ولا حتى نفسه فهل سينسى له كل ذلك من أجل
تمثلية ودور كريه مزيف ؟ .
سرق هاتفه نظره وانتباهه منتشلا إياه من تلك الأفكار حين
علا صوت رنينه فجأة فأطفأ السيجارة في المطفأة الكريستالية
الممتلئة بأعقاب السجائر التي لم ينهي أيا منها ثم رفع الهاتف
وأجاب متوجها لسترته ورافعا إياها
" نعم يا رواح "
وصله صوته فورا
" أين ستكون اليوم ؟ "
خرج من الغرفة وهمس ببرود يلبس سترته
" لماذا تسأل ؟ "
لم يتأخر عنه ذاك الصوت الحانق أبدا
" سحقا لك يا رجل .. حمدا لله أني لست زوجتك وأنك لست زوجتي "
تصرف كالعادة بلامبالاة وهو يقول خارجا من باب شقته
" قل ما لديك أو أغلقت الخط "
قال ذاك بسخط
" تفعلها طبعا ... كنت أود إخبارك مجددا عن الحفل الليلة ،
هو من أجلي يا تيم لا أحد آخر ففكر في الأمر "
نزل عتبات السلالم قائلا ببرود
" هل قابلت ريتشارد اليوم ؟ قال بأنه سيتحدث معك "
تنهد ذاك قائلا
" تبا لعقلك العنيد يا رجل ، أجل تحدث معي وأرى كلامه أسخف
من أن يؤخذ بعين الاعتبار "
*
*
*
دخلت تحمل مجموعة ملفات في يديها دافعة باب المكتب بمقدمة
حذائها وتوجهت فورا جهة طاولة الذي كان يجلس على كرسي
المكتب الجلدي موليا ظهره للمكان ويتحدث بالهاتف ، كانت سترمي
تلك الملفات الكريهة التي قضت ساعتين تبحث عنها بين كل تلك
الأكوام وتغادر لولا أوقفها حديثه قائلا لمن في الطرف الآخر
" بالتأكيد سأحضر ما كنت أحتاج لدعوتك أيضا يكفي رواح ،
وهو يستحق بالفعل الاحتفال به فأن يمسك شركة طيران خاصة
وجديدة ويثبت كفاءته فيها في غضون أشهر بسيطة يعد انجازا
في حد ذاته ! لقد أصبح اسمها يتكرر في عدة أماكن "
سكت قليلا قبل أن يقول
" لا ليس الآن "
تنهد بضيق قائلا
" خديجة أخبرتك سابقا بأنه ما أن يحين الوقت لأعرفك عليها
فسأفعل بنفسي ، ثم هي مجرد خطبة من يسمعك يضن أني
تزوجت وسيولد لي طفل قريبا "
رفعت حاجبيها ليس بصدمة بل باستهجان وليس من تهربه
من إشراكها في حياته الخاصة وحياة شخص يبدوا جزءا من
عائلته فهي لا تهتم بذلك مطلقا بل من أن يذهب للحفل بدونها ...
تعمل تعمل طوال النهار كالرجل الآلي ووقت الحفلات والترويح
عن النفس يرفض أخذها ! أين بنود عقده السخيف ذاك بأن
تكون مرافقته الدائمة ؟
ابتسمت بسخرية حين وصلها صوته قائلا ببعض التردد
" هل سيكون تيم موجودا ؟ هل اتصل به رواح ؟ "
جميل يبدوا أنها ستعرف أسماء أفراد عائلته على الأقل ، سكت
قليلا قبل أن يقول بامتعاض
" كان دائما جوابه الصمت ثم في النهاية لا يذهب حتى إن لم
أكن أنا موجودا ، زوجته ستكون هناك ظننته قد يذهب أيضا "
اتسعت ابتسامتها فورا ... جميييل هذا يبدوا ابنه الذي لم تراه
يوما منذ أصبحت تسكن ملاصقة له .. لا يزوره ولا يتصل به
ولا يتحدث هذا الرجل عنه أبدا ويبدوا أنه ثمة ما يحدث في تلك
العائلة وفي وضع هذا البائس فيها ، لاحظت اليوم بأنه ليس على
طبيعته السابقة وخمنت أن مشواره البارحة السبب وظنت أن في
الموضوع امرأة ما لكن الأمر يبدوا مختلفا كليا .
ابتسمت بمكر تعود بخطواتها للوراء ببطء لتغادر دون أن يشعر
بها ، تريد إبعادي عن حياتك الحقيقية يا شاهر كنعان ؟
ها قد جاءتني الفرصة لأنتقم منك في جزء مما فعلته بي .
رفعت يدها عاليا بالكوب الخزفي الذي تتصاعد منه أبخرة القهوة
الساخنة حين كادت تصطدم بأحد المارة ووقفت أمام الذي كان
يفصله عنها حاجز زجاجي يصل لذقنها ومتجاهلة الفتحة النصف
دائرية الموجودة أسفله مدت يدها بالكوب من فوقه تنظر مبتسمة
للشاب الأشقر الذي أخذه منها قائلا بابتسامة
" هل أخبرتك سابقا أنك أروع فتاة في انجلترا ؟ "
أتكأت بساعدها على حافة الحاجز الزجاجي وأراحت ذقنها عليه
وقالت مبتسمة
" بلى وكل صباح وفي المرة القادمة سأوثق هذا بالصوت
والصورة لأريه لزوجتك "
تأوه ضاحكا وقال
" أنتي لن تفعليها يا جميلة بالتأكيد ف( شيري ) تحبك بجنون "
أبعدت ساعدها وجمعت شعرها للخلف بعيدا عن كتفيها وتركته
مسترسلا على ظهرها وقالت تشير له بسبابتها غامزة بعينها اليسرى "
تذكر فقط بأن وظيفتي هنا أرقى من وظيفتك وأجلب لك هذا
الكوب كل صباح يا كسول "
حرك رأسه ضاحكا ورشف من قهوته فرفعت نظرها حينها
لإحدى شاشات عرض الرحلات ثم نظرت للساعة في معصمها
وكأنها ليست واثقة تماما من أنها صحيحة ، نظرت لباقي
الشاشات الأخرى ومررت أصابعها في غرتها الطويلة نسبيا
بتوتر ، الرحلة تأخرت عن الإقلاع ثلاث ساعات كاملة فبدلا
من أن تهبط طائرته عند السابعة ستهبط عند العاشرة أي بعد
أقل من نصف ساعة وتشعر بتوترها يتصاعد تدريجيا كلما تقدم
الوقت وكأنه سيتعرف عليها وليس لا يعلم حتى أنها تعمل هنا !
تبا له لم يكلف نفسه ولا عناء أن يسأل عنها أو يفكر في
رؤيتها فحتى لقائهما في حفل الليلة والدته من رتبته مع
والدتها وتشك أساسا أن يهتم لكنها لن تتخذ أي قرار متهور
حتى تلتقيه أولا ... حسنا لكن لما التوتر هكذا كالبلهاء !
مررت أصابعها في شعرها مجددا ونظرت عاليا لتلك الشاشة
من جديد متأففة فوصلها صوت الجالس خلف ذاك المكتب يرمقها
بنظرة ماكرة
" هل لي أن أعلم من يوجد على متن تلك الرحلة التي تستعلمين
عنها منذ وقت ؟ "
وتابع يكتم ضحكته متجاهلا نظرتها الحانقة
" لما لا تتأكدي إن كانت تلك الطائرة تطير في الجو فعلا أم
عادت أدراجها ؟ "
نظرت له بضيق وقالت تمسك خصرها النحيل بيديها
" لا شأن لك أنت واهتم بعملك "
ضحك غامزا لها دون أن يعلق وكانت ستتحدث لولا أن التفت
الجالس أمامها يمينا وقال
" ماذا يجري هناك ؟ "
نظرت بريبة حيث كان ينظر ولفت انتباهها تلك الحركة المريبة
خلف أحد الأبواب الذي تعرف جيدا أين يؤدي وتبعت نظراتها
صاحب الزي الأزرق الذي توجه بخطوات شبه راكضة مجتازا
زوار المطار ودخل غرفة معينة قبل أن يخرج منها بذات سرعته
واثنان من هناك خلفه ، نظرت في جميع الاتجهات ولاحظت أن
الجو بات مشحونا أكثر وبعض الموظفين تحركوا من أمكنتهم
فتوجهت نحوهم مسرعة تشعر بضربات قلبها تتعالى بشكل
مرعب فهي تعرف ما يكون معنى ذاك جيدا ... إحدى الطائرات
تواجه مشكلة ما في الهبوط ولن تستبعد أن تكون الرحلة 104
المقصودة فهذا وقت هبوطها التدريجي على الأرجح .
ما أن اقتربت من هناك حتى أصبحت في مجال سماع بعض تلك
العبارات المتناقلة بين الجالسين يراقبون شاشة حاسوب أمام
طاولة أحدهم تشعر بعباراتهم تلك تضرب قلبها قبل أذنيها
( الهيدروليك الرئيسي يختفي من الطائرة )
( الهبوط سيكون كارثيا إن لم يجدوا حلا )
( أوه يا إلهي ستتحطم ما أن تصل الأرض إن لم يتم انزال
جميع العجلات )
ركضت مغادرة ذاك المكان بأكمله واجتازت رجال الأمن
عند أحد الممرات ومن لم يقم أيا منهم بمنعها لانتمائها
لموظفي ذاك المكان وتلك الأقسام منه تحديدا ، كانت
وجهتها غرفة المراقبة الجوية رأسا والتي دخلتها فورا
تتلقف أنفاسها تنظر لتلك الشاشات الضخمة المعلقة
يجلس تحتها ما لا يقل عن عشر مراقبين جويين
وضابط العمليات الجوية أمام طاولة مقوسة وأجهزة
حاسوب خاصة والذي كان على اتصال مباشر بتلك الطائرة
يراقب كل ما يفعله المهندسون حوله .
انفرجت شفتاها بذهول حين ضرب أحدهم على الطاولة
براحة يده صارخا
" سحقا ... فقد الطيار وعيه بسبب انخفاض الضغط ، وكأنه
تنقص تلك الرحلة مشكلات "
ووقف مغادرا الغرفة مسرعا ومجتازا الواقفة هناك كتمثال حجري
تراقب عيناها الدامعة الذي حمل سماعة الأذنين ووضعها حول
رأسه وقال ونظره معلق بالأعلى حيث الشاشات المليئة بالمعلومات
والأرقام
" أخلوا مدرجات الهبوط بسرعة نحن نواجه كارثة "
وضغط زرا آخر قبل أن يقول
" مساعد طيار ( غيهم أيوب ) أنت على اتصال مباشر بنا ...
تلقى التعليمات فورا فلا يمكنك الهبوط آليا وسنلجأ لأجهزة الرادار
فستعتمد الطائرة في هبوطها عليك ... تذكر أن جميع تلك الأرواح
بين يديك "
*
*
*
اشتدت قبضتاه على المقود لا شعوريا ورغم أن نظره كان
على الطريق المظلم الذي شقته أنوار سيارته القوية والسيارات
السائرة معها إلا أن عقله ابتعد مجددا عن واقعه سامحا لتلك
الأفكار بجذبه لها من جديد ، مرر أصابع يده اليسرى خلال
خصلات شعره التي استمرت في الحركة من بينها بسبب الهواء
القوي المندفع من نافذته وصورتها لا تفارق عقله أبدا ...
عيناها الغاضبة وجفناها المحمران بشدة وشعرها المبلل وقد
التصقت خصلات كثيرة منه بوجهها بسبب حركتها العنيفة
الغاضبة حين ضربت بيدها ذاك الماء المنساب في قطرات كثيفة
وكأنها ترميه به في وجهه صارخة بكل ما دفنته في جوفها لأعوام
( أنت لست سوى رجل أناني لم يكتشف شعبك حقيقتك بعد ... ظالم ..
لم تستطع أن تكون عادلا مع من هم أقرب لك من ذاك الشعب وهذه
البلاد ونهايتك ستموت وحيدا ومنبوذا ) .
شد قبضته تحت ذقنه يرخي مرفقها على إطار النافذة المفتوحة
وذكرى ما حدث تهاجمه بقسوة أكبر وقبضتها تضرب صدره جهة
قلبه تحديدا وصرخت محدقة في عينيه وتلك الأحداق الواسعة
بدأت الدموع بتدمير حصونها المنيعة
" ماذا يوجد في هذا ؟
حجر .. ! صوان ... ؟
ألا تشعر ؟ ألست بشرا ؟ "
قبضت بعدها على قميصه تلك الجهة وصرخت تهزه بقوة
" أكرهك ... أكرهك بشدة أتسمع هذا ؟ "
أغمض عينيه ما أن تابعت بحدة وغضب باكي تضرب براحتها
جهة قلبه
" كيف تخبر امرأة أنك تحبها وقبلها بلحظات تصف ما جمعك
بها سابقا بأنه أقل من أن يكون خيانة لغيرها ...
كيف تفعلها كيف ؟ "
وتفجر الألم القوي في أعماقها عند حدود تلك الفكرة وهو
حبها التملكي اتجاهه فتركها تمارس عقابها عليه دون أن
يحرك ساكنا أو يمنعها .. ضرباتها لقلبه يشعر بها تخرج
من أعماق جرحها المدفون كما تصيب عمق جراح تركه لها
مكرها ، تضربه عليه وتضرب وتضرب وتفرغ كل غضبها
بإيذائه بقسوة حيث لم تتركه الآلآم أساسا لأعوام وحيث توجد
وحدها وحيث احتفظ بذكراها..بصورة وجهها..بابتسامتها وصوتها
فترك لها حرية إيذائه والبحث عنها فيه مجددا حتى تعبت وانهارت
جالسة وسط تلك المياه تستند بيديها داخلها منحنية للأسفل بعض
خصلات شعرها المبلل غطست معها فيه وعبراتها خرجت عن
حدود سيطرتها كاسرة حواجز الصبر والصمود فنزل على ركبتيه
أمامها وسحبها لحضنه يدفن تلك العبرات فيه كما يدفنها داخله بقوة
حيث تنتمي وحيث يجب أن تكون ، يقسم بمن خلقها وخلق كل
شيء أنه لم يتعمد كل ذلك ... أن يحرم هذا الحضن لأعوام طويلة
كانت تسرق روحه وتستنزف مشاعره لآخر رمق ... كانت أربعة
أعوام فقط ما ضن كل واحد منهم أنها ستفصله عمن تركوهم خلفهم
ورحلوا بذكراهم العميقة في قلوبهم .. من كان ليتوقع أن تتضاعف
تلك السنين وتتضاعف وتتضاعف الواحدة تسحب معها الأخرى ؟
كيف كان له أن يبقى حينها ويقاتل صنوان جميعهم في حرب
الموتى فيها أكثر من الأحياء وستنتهي بخسارة الطرفين
وبخسارتها هي ضمن ما سيخسره ؟ كيف يأخذها معه ويفقدها
بعدها وللأبد ؟ لما لا يشعر أحد بحجم تضحيته ؟ لقد ترك كل شيء
ليكسبها هي فكيف سيسمح بأن يخسرها الآن ؟
شد أصابعه على شعرها يدفن وجهها في صدره مغمضا عينيه
بقوة وكأنه يريد أن تشعر بأنه بالفعل ثمة شيء ينبض هناك
وسط أضلعه ... قلبا يستمد الحياة من الموجود وسط أضلعها فقط ،
ما كان ليسمح لها بأن تقتله داخلها .. لن يحدث ذلك أبدا ، يعلم
بأن مشواره لاستعادتها طويل وهو على استعداد للمضي فيه وإن
كلفه عمرا آخر كالذي خسراه مفترقان فقسما لن تمنعه أي قوة
على وجه الأرض عنها مجددا ولا احتراق البلاد ومن فيها ، شدها
له أكثر يدفن وجهه في خصلات شعرها المبلل يشعر بعبراتها
تخرج من صدره ومن قلبه قبلها فها هي تعلن انهزامها مجددا
وفي سابقة فريدة من نوعها فلم يشهد انهيارها هذا سوى ثلاث
مرات منذ عرفها .. موت شقيقها ، معرفتها بأن والدها على قيد
الحياة وحربها الآن مع مشاعرها اتجاهه ... قسما كانت ستدفنه
اليوم هنا مع ذكرياتهم تلك وذاك ما كان سيرضى بأن تفنى
البشرية ولا يحدث أبدا .
حضنها بقوة أكبر حتى لم يعد ثمة قوى أخرى يملكها لفعلها
هامسا بأسى من بين تلك الخصلات المبللة والعبرات الموجعة
وكأنه يقتلع أشواكا غرزت في لحمه
" سامحيني يا غسق "
أخرجه رنين هاتفه من كل ما كان فيه فمرر أصابعه في شعره
وتنفس بعمق مستغفرا الله بهمس ثم رفعه ونظر للرقم على شاشته
باستغراب .. أرقام هواتفه تخضع لمراقبة مشددة وليس أي أرقام
أو أشخاص يمررون له وليس قبل استجواب مطول وكشف هوية
صاحب الرقم أيضا سوى أرقام وأشخاص معينين فمن سيكون هذا
الذي سمحوا له بالوصول لهاتفه من دون أن يأخذوا له الإذن أولا
على الأقل !
فتح الخط ورفعه لأذنه فوصله فورا ذاك الصوت الرجولي
الخشن المتهكم
" مطر شاهين ... ؟ "
عقد حاجبيه باستغراب .. يعرف هذا الصوت ! سمعه سابقا ...
" من أنت ؟ "
لم يكن سؤاله أقل كلفة وتهكما منه وكأنه استشعر نفورا متبادلا
لم تستطع تقنيات الإتصالات منعه وأتاه الجواب سريعا وبنبرة
تقطر سخرية هذه المرة
" جبران شراع صنوان ... وكابوسك القادم "
*
*
*
فتح باب الغرفة ودخل مغلقا إياه خلفه ليصبح حيث ذاك
السرير الحديدي والخزانة الصغيرة والنافذة الحديدية المغلقة بإحكام ..
عالم كان يعني له سابقا الرفاهية والوجود والانتماء لا يعرف ولا
يريد غيره .. مكان بات الآن سببا لدماره .. يحطمه ويقتل روحه
ببطء فكم تمنى أن لم يغادره يوما ، أن بقي فيه حتى مات وأن
حمل لقب اللقيط لباقي حياته وما عرف حقيقته القاتلة تلك .
حمل الشمعة المضاءة مصدر إنارته الوحيد ليلا وجلس خلف
السرير في ذاك الحيز الضيق بينه وبين الجدار يحضن ساقيه
بقوة يخفي أغلب وجهه في ركبتيه ينظر للهبها المتراقص أمامه
وهذا حاله منذ سبعة أعوام بل منذ عاد هنا مجددا ينام أغلب
الليالي في تلك الزاوية بعد أن يتغلب النعاس على عينيه الباكية
حينما تهاجمه تلك الذكريات كوحش قاتل وطوفان مدمر يسلبه
كل شيء حتى روحه المعلقة بين الحاضر القاسي والماضي الأليم .
وقع نظره على الجريدة التي عاد لجمع أوراقها المتطايرة من تلك
المزرعة الواسعة صباحا وتمنى أنه لم يفعل ذلك ويرى ذاك
المقال تحديدا بل العبارة التي كتبت بالخط الأسود العريض
( مطر شاهين يزلزل المحاكم بقوانينه الجديدة ليخرج القضايا
العالقة للسطح مجددا باعثا الأمل في قلوب أصحاب الحقوق
المهدورة )
بدأ ساعداه في الارتجاف يتمسك بساقيه بقوة وذاك اللون الأحمر
القاني يلون جفناه والغضب المكبوت يشع كذاك اللهب من تلك
الأحداق الزرقاء الواسعة وعادت أشباح الماضي وتلك الذكريات
القاتلة لمهاجمته مجددا وذاك الصوت الطفولي الصارخ المنادي
باستجداء من خلف الباب الخشبي المغلق يشعر به يضرب في
قلبه وكأنه يسمعه الآن
( لااااااا أمييي .... لاااا ابتعد .... تعالوا أرجوكم ... أميييي ..
إسحااااااق )
نزلت دموعه محرقة كل ما تمر به وهو يرى أمامه ذاك الفتى
العاجز عن فعل أي شيء أمام صرخاتها المستجدية سوى أن
يطرق ذاك الباب الأصم صارخا بالقلب الميت داخله يعجز عن
فعل أي شيء سوى البكاء مثلها والصراخ معها والنحيب كنحيبها
وهو يشعر بمعنى العجز الحقيقي عن منعهم من قتل روحه وعن
تمزيقها معها بالداخل وعن إنقاذها وإن كان الثمن حياته لإيقاف
معاناتها قبل معاناته وللأبد ، لكنه لم يكن يملك شيئا سوى أن
يموت وأن يتمزق يبكي ملتصقا بذاك الباب الذي يحجبها عنه
لا يخرج سوى صوت بكائها وصراخها المستجدي وهو يتحول
لأنين متقطع تدريجيا حتى يختفي تماما خلف السكون المميت
والموت البطيء والصمت القاتل فلا يبقى سوى أنينه الباكي
منكمشا أمام ذاك الباب البارد الأصم .
أبعد يده المرتجفة عن ساقيه دموعه تنزل دون توقف من تلك
الأحداق الزرقاء التي تراقبها تمتد ببطء نحو ذاك اللهب المشتعل
فيسدل جفناه بألم مع ارتجاف تلك الأصابع بقوة من حرارة النار
على بشرة ساعده الذي تركت علاماتها عليه في كل مكان .
*
*
*
حملت الصينية التي تحوي كوب عصير وخبز محمص وجبن
وبعض الزبدة وغادرت المطبخ مسرعة فما أن رأتها عادت
لغرفتها جلبتهم فورا لتتناول وإن القليل فهي إن لم تضع الطعام
أمامها لا تسأل عنه أبدا بل وتضطر أحيانا لإجبارها على تناوله .
ما أن دخلت الغرفة شهقت بصدمة ووضعت الصينية على الأرض
شبه موقعة لها عليها وركضت نحو التي كانت تجلس منحنية
على الأرض تمسك قلبها بقوة يخفي ذاك الشعر الحريري ملامحها
عنها فلا يخرج سوى صوت أنينها المتقطع ، وصلت عندها
وارتمت على الأرض أمامها وأمسكت بكتفيها وقالت بخوف
تحاول رفع جسدها ورأسها
" زيزفون مابك بنيتي ؟ زيزفون أرجوك أخبريني ما بك ؟ "
لكن المنحنية للأسفل تئن كالضبي الجريح لم تكن تسمع شيئا
مما تقول تلك ولا تشعر بوجودها أساسا فليست تسمع سوى
ذاك الطنين المرتفع في أذنيها ولا تشعر سوى بالألم يفتك
أوردة الموجود بين أضلعها تشد عليه بقوة وكأنها ستخرجه
من مكانه لتتخلص من آلامه .
انحنت للأرض أكثر أنينها المرتجف يتحول لشهقات متقطعة
مختلطا ببكاء التي كانت تحضنها منحنية فوقها لا تملك أن تفعل
لها شيئا ككل مرة وليست تعلم ما بها ولا تفهم ولا همسها من بين
تلك الشهقات المتثالية
" إسحااااق ... إسحاااق توقف أرجوك "
