اخر الروايات

رواية جنون المطر الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 بقلم برد المشاعر

رواية جنون المطر الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 بقلم برد المشاعر 



اشتدت أصابعه على الهاتف فيها حتى كان سيحطمه بينها فهو

الرجل الوحيد في هذه البلاد من يحمل له ثأرا لن يرتاح إن لم

يوفيه ووحده من لن يضمن أن يكون عادلا فيما يخصه ويفهم

تقريبا لماذا اتصل به بل وهذا جل ما كان يخشاه ، قال بجمود

" أين الفتاة الثنانية ؟ "

وصله صوته المستفز فورا

" عندي طبعا "

يعلم بأنه لا يكذب فأمر اختفائها لم يشع بعد ولازال في حدود

قبائل ومدن الثنانيين وهذا سبب ذهابه لهم شخصيا وفي أسرع

وقت قبل أن يخرج الأمر عن السيطرة تماما ، لن يتعب نفسه

بإسماعه سيلا من المواعظ وبأنه يجر البلاد وقبائل صنوان

تحديدا للحرب فلن يجدي ذلك مع شخص أناني حاقد مثله وليس

هو ممن يحبذون إلقاء تلك الخطابات السخيفة لذلك قال وفورا

" والمقابل ؟ "

هو واثق من أنه يعلم بأنه سيتبع معه هذا الأسلوب وأنه لن

يهدده بمحاربتهم فهو يعرفه جيدا لم يصمت عن تلك الأفعال حتى

الآن إلا لأنه يرفض إراقة الدماء وهذا أكثر ما يراه يشجعه على

ما يفعل هو وأمثاله ويحاول الآن إمساكه من يده التي تؤلمه وهي

الحروب ودمار البلاد فحرب الثنانيين للعرب معناها دماء ستسفك

لأعوام طويلة خاصة أن الدول المجاورة ذات الحدود المشتركة

معهم تلك الجهة يسكنها قبائل ثنانية أيضا وسيدخلون في متاهات

ليس لها آخر والحالك والهازان ستنقسمان أيضا ومنهم من

سيشارك في الحرب حينها بسبب الأنساب وبسبب الحمية لأن

عدوهم ليس منهم كما يرونه ، ومنهم من سيقاتل صنوان أيضا

لأن الأمر لن يقف عند ذاك الحد بما أن بعضا منهم يتهمون

الحالك بالطمع في السلطة وبمقتل الزعيم شراع وهذا ما يستغله

ابنه وأتباعه أفضل استغلال وها قد حصلوا على سلاح قوي

لإضعافه .

أتاه جوابه سريعا

" غسق ... وامرأة بامرأة "

جوابا كان كافيا لإشعال من كان سمته البرود والجمود منذ قليل

بل وفي أغلب حالاته لكنه أخمد تلك النيران وإن كانت أنفاسه

الغاضبة لا تخفي اشتعال جوفه وأول ما ظهر أمامه صورتها وهو

يحملها بين ذراعيه ويخرج بها من المياه مبللة كليا يضمها له

بقوة ، قال من بين أسنانه

" تحترق البلاد ومن فيها وما سلمتك ظفرها ولا أي رجل في

الوجود ... غسق لي زوجتي ستعيش وتموت هكذا "

وتابع بسخرية يعلم بأنها ستصيبه في مقتل

" ثم لو كنت تعني لها شيئا لكانت هي من ذهبت إليك ومن أعوام

ولكنت استطعت جعلها تقبل بك "


تحولت نبرته للحدة وكما توقع وقد قال

" ولن تكون لك مثلما لن تكون لي لأنك من خسرها بكل غباء

وأنا من يعرف غسق جيدا وتربى معها "


قال بذات نبرته الساخرة القاتلة

" وأنا أعرف أفكار أمثالك جيدا وأنت تعلم بأنها لن تكون لك

وإن سلمتك إياها فجسدها لن يرضيك لأن قلبها لن تأخذه معك

فاختصر علينا الحديث "


شد قبضته ما أن سمع تلك الضحكة الواثقة وكما توقع قال

صاحبها فورا

" اليرموك ... معسكرها مطارها العسكري ومخازن الذخيرة فيها ...

أي باختصار اليرموك كاملة مقابل تلك الثنانية أو انسى أمرها تماما "

رمى الهاتف على الكرسي بجانبه بعدما قطع عليه الاتصال وأوقف

السيارة على جانب الطريق واتكأ برأسه للخلف على مسند الكرسي

مغمضا عينيه وضغط عليهما بأصابعه بقوة ... توقع ذلك وتوقعه

كان صائبا فهم بخسارتهم لها سابقا لم يعد يهتم لأمرهم وتركهم

لقبائلهم تتخلص منهم ما أن يكتشفوا حقيقتهم ويتعبوا من انفصالهم

عن البلاد بسببهم لكن دخول تلك الفتاة ووقوعها في قبضتهم دمر

كل شيء ولا يمكنه ترك الأمر للمصادفات على أمل أن يكون تهديده

ليس حقيقيا أو حتى تهديد الثنانيين فهو رجل حرب لا يعترف بشيء

اسمه ( قد يحدث عكس ما أظن ) وها قد حاصروه بمكر ولعبت

الظروف لصالحهم .

" مطر هل من مشكلة ؟ "


استقام في جلوسه بعدما وصله صوت الواقف في الخارج أمام

نافذته وشغل سيارته مجددا قائلا بجمود

" لا يا عمير وسنتابع سيرنا فكدنا نصل "

فقد أصر على أن يكون فيها لوحده بدون مرافقة لأنه ثمة من كان

عليه الاطمئنان عليها كل حين بل والانفراد بأفكاره كعادته دائما

يجد الحلول لمشاكله بانزوائه مع أفكاره فمنذ حكم الحالك قبل أكثر

من خمس وعشرون عاما وهو لا يجد حلولا لتعقيدات الأمور أفضل

من وقت قيادته لسيارته وحيدا مهما طالت المسافات لذلك لم يكن

يشعر بطولها ولا يتعب منها بسهولة وهذه المرة يحتاج فعلا لأن

يدور حول الأرض دورة كاملة ليجد لهذه المشكلة حلا ينقذ به

الجميع من الانزلاق في حرب أهلية أسوأ من سابقتها .


*
*
*

نقلت نظرها بين الواقف في الطرف الآخر للسرير والذي

حدق بها بدوره للجالسة عليه مكتفة ذراعيها لصدرها تنظر

للفراغ ملامحها جامدة خالية من أي تعبير وكأنها تسبح في

بعد آخر لا وجود فيه لأحد غيرها وهذا حالها منذ أفاقت

فقد خرجوا بها من المستشفى تحت إصرار كبير منها وبثيابها

التي دخلته بها فأول ما طالبت به كان تلك الثياب فالذي أخذها

إلى هناك طلب غسلها وكيها وكأنه يتوقع تماما بأنها ما أن

تفيق ستطلبها وهذا هو المتوقع فهي لن ترضى بلون آخر

فكيف إن كان أبيض ؟


تنهدت بعجز ونظرها لازال عليها ، لو تفهم فقط ما حدث

بينهما جعلها هكذا ! وما الذي تفكر فيه أيضا ؟

تحركت من مكانها ودارت حول السرير وسحبت الواقف هناك

معها خارج الغرفة وما أن أصبحا في الممر سألته بصوت منخفض

" ماذا حدث ؟ لما هي هكذا ! "


حرك رأسه نفيا وهمس أيضا

" لا أعلم "

قالت بضيق

" ومن سيعلم يا كاسر ؟ أنت من كنت هناك قبلي "


فرد كفيه قائلا بعجز

" أنا أيضا وصلت هناك بعد رسالة منه ولم يخبرني شيئا

سوى أنه عليا أن أكون بجانبها لأنه لا يستطيع إخبار رماح

ولا رعد ، كان مثلها شعره مبللا وقميصه أيضا ولست أفهم

فلا أمطار هنا ولا بحر أيضا ليكونا غطسا فيه "

حركت رأسها بعجز ونظرت للفراغ بتفكير قبل أن تنظر له قائلة فجأة

" الشلالات ... هي المكان الوحيد الذي توجد فيه المياه ....

هل كانت فيها ؟ "

قال بتفكير

" هذا محتمل فهي خرجت وحدها وبالفعل هناك فقط توجد مياه ...

لكن كيف علم ولما عاد وهو غادر بابنته صباحا وتيما حين اتصلت

بها قالت أنهما متوجهان للمدينة التي تسكنها عمتها ! "

كانت الواقفة أمامه ستتحدث لولا أوقفها الباب شبه مغلق قربهما

حين انفتح وخرجت منه التي كانت تلف حجابها ومرت من بينهما

في صمت وتوجهت جهة السلالم فتبادلا نظرة مستغربة قبل أن

يتبعاها كليهما فالمطمئن في الأمر أنها ببجامة حريرية ولن تفكر

في الخروج بها بالتأكيد ، نزلا خلفها للأسفل وحيث كان رماح

وعمته هناك فجلست معهما متجاهلة تماما نظراتهما المستغربة

والتي نقلوها فورا جهة النازلان خلفها ما أن كانا في الأسفل

ولن يستغربا ذلك فحالتها تلك تلفت أي انتباه فما بالك بمن

عاشوا معها !

حدقت الأعين جميعها بها حين نظرت ليديها في حجرها وهمست

ببحة تعب ظهرت بوضوح في صوتها

" كاسر نادي على رعد فورا ثمة ما عليا إخباركم به "

نقل الواقف خلفها نظراته بين الجميع قبل أن يغادر من هناك في

صمت فتحركت التي كانت تقف بجانبه ووضعت يدها على كتف

الجالسة أمامها وانحنت لها وقبلت خدها قائلة

" سأراك غدا ... عمتم مساء "

وغادرت ما أن أنهت جملتها تلك ووجهتها باب المنزل فحتى

إن تم التعامل معها بأدب كفرد منهم تعلم بأنه عليها أن تغادر فلا

شيء يخولها للاطلاع على خصوصياتهم .

خرجت مغلقة الباب خلفها لحظة خروج الكاسر من جهة الممر

الغربي ورعد يتبعه ولم تكن نظرته لها تختلف عنهم رغم علمه

المسبق بلحاق ذاك الرجل بها فتوقع حتى أن تضربه بأي شيء

في يدها على رأسه ما أن تراه بسبب إخباره .. أن تصرخ فيه

بغضب أن تلقي باللوم عليه .. أن تفعل أي شيء لكن أن يكون

رد فعلها هذا الهدوء الغريب فهذا ما لم يتوقعه أبدا ! وليس

يمكنه تسمية حالتها هذه بالهدوء مطلقا وكأن عقلها يعيش

حالة صدمة لم يفق منها بعد !!

جلسا كليهما معهم والصمت سلوك الجميع محدقين بالتي تملك

وحدها دفة الحديث والتي شدت أنامل يديها المقبوضة في حجرها

بقوة ونظرها عليهم قبل أن تقول بصوت منخفض

" سنغادر هذا المنزل "

تبادلوا نظرات صامتة مستغربة ورغم علم رعد المسبق بمكالمتها

تلك إلا أنه كان أول من علق قائلا

" غسق هذا منزلك لا أحد له الحق في إخراجك منه "

نظرت له وقالت بحزم

" لا ليس منزلي هو جزء من مبنى الجمعية ومتصل بها ، حتى

الأرض التي بني عليها تابعة لها وأنا لم أعد أريد شيئا من هذه

المدينة بعدما سلمت الدولة ملكية أراضيها جميعها فهذا المنزل

أيضا من ضمنها "

كان رعد أيضا من علق هذه المرة فوحده من اجتاز صدمته سريعا

قائلا بضيق " لا ابن شاهين ولا أي أحد غيره أجبرك على ترك

الجمعية ولا حتى تسليم العمران ، لم أعرفك انهزامية هكذا سابقا ! "

وقفت على طولها ونظرت له قائلة

" ها قد علمت بأني كذلك وفاشلة أيضا ، إن كنت ترفض أنت أو

رماح استقبالي في منزل أحدكما فسأعيش في منزلنا القديم وحدي "

أنهت عبارتها تلك وصعدت من فورها عائدة من حيث جاءت

ونظراتهم تتبعها فهمس رعد من بين أسنانه

" جنت هذه المرأة بالتأكيد "

قال رماح بهدوء

" هي امرأة راشدة وتعرف ما تريد فعله ولا تنسى وصية والدي

يا رعد "

وقف على طوله وقال بضيق

" وما أوصلها لكل هذا سوى كلمة راشدة وعاقلة ؟ لو كنا أشقائها

حقا لكانت تأخذ برأينا وليست تعلمنا بقراراتها فقط هكذا "

قال رماح فورا وباستنكار

" رعد ما هذا الذي تقوله ؟ غسق لم تعصي لنا يوما أمرا ولا

والدي أما ما يحدث الآن فأنت تعلم سببه جيدا ولا أحد يمكنه

لومها فيما تفعل ، يكفيكم وقوفا في صف ذاك الرجل "

تحرك من هناك دون أن يعلق وتوجه لغرفته ودخلها ضاربا الباب

خلفه ورفع هاتفه واتصل بمن ضن أنه سيجد حلا للأمر وليس

يعقده أكثر والذي أجاب عليه بعد وقت قائلا

" هل هي بخير ؟ "

قال بضيق

" تسأل إن كانت بخير ؟ إن كان يعنيك أن تكون بخير لكنت

أخبرتني من البداية "

وصله صوته الجاد فورا

" أنت تعلم عن وضعك وما كان الحراس ليتركوك تخرج ، الكاسر

لم يجب على اتصالاتي ولا ابنة خالته ولولا أنهم في المستشفى

أخبروني أنها غادرت لكنت عدت أدراجي "

قال بذات ضيقه

" أنا من أخذ هاتفيهما وإن كنت أعلم أنك ستستعين بالمستشفى

لكنت أخبرتهم بأنها ماتت ليزفوا الخبر لك "

تحولت نبرة من في الطرف الآخر للضيق أيضا وقد قال

" لا تكن طفلا يا ابن شراع وتوقف عن المزاح السخيف "

قال بحدة

" معك حق .. طفل لما كنت أخبرتك لتذهب لها والنتيجة عقدت

الأمور بدلا من أن تحلها "

وصله صوته فورا

" ماذا حدث ؟ "

قال بذات نبرته الحادة

" ماذا برأيك ؟ تريد تسليم منزلها أيضا ومغادرة العمران "

وصله صوته فورا

" لا بأس وما المشكلة في هذا ؟ "

شد شعره للخلف بقوة من لا مبالاته بجميع هذه الأمور قائلا بضيق

" لا مشكلة طبعا غير أنها تضيع أمامنا وجميعنا نتفرج عليها وها قد

انضممت أنت أيضا للموكب ، وحين ترفع عليك قضية طلاق وافق

هكذا بالله عليك "

خرج ذاك عن جموده مجددا قائلا بحدة

" رعد لما تحملون بشرا فوق طاقته ؟ لو كان الأمر بيدي

ما تركت حياتي وصلت لهذا المنحى أبدا ، الأمر أكثر تعقيدا

من أن أشرحه وأن يكون حله بين ليلة وضحاها ، وغسق لي

مرجعها لي رضي من رضي وكره من كره وإن كان المقابل

أن تتناحر القبائل "

نظر لهاتفه في يده بصدمة ما أن أغلق الخط بعد آخر عبارة له

وليس يفهم ما مناسبة ما قال وما سببه ومما غاضب هكذا !!

رمى هاتفه حيث كان وخرج مجددا ووجد أي منهم لم يتحرك

من مكانه محدقين به وكأنهم يتوقعون ما كان ينوي فعله ،

أمسك خصره بيديه وقال ناظرا لهم

" ستنتقلون جميعكم لمنزلي في حوران "
وقفت سياراتهم أمام أحد بوابات أسوار تلك المدن والتي فتحت

أمامه لعلمهم المسبق بقدومه ونزل أولا وقد أشار لباقي مرافقيه

بيده فلحق به عمير فقط ودخلا من دون حراسة ولا حتى أسلحة

ومن دون أن يجتاز بسيارته تلك البوابة المفتوحة وسارا وسط تلك

الأعين المحدقة بهما بفضول من كل مكان وجهة وكما توقع حتى

دباباتهم وراجمات الصواريخ مجهزة فمن ضمن مطالب استقلالهم

كان عتاد حربي كامل لا يستخدمونه إلا في الحالات القصوى ولن

يلومهم في طلبهم هذا فهم كانوا بحاجة لما يدافعون به عن أنفسهم

حال أعاد الماضي نفسه واقتحم العرب مدنهم ليجبروهم على

الخضوع لهم مكرهين .

سارا في خطوات موحدة وكأنهما رجل واحد ووجهتهما الواقفين

على مسافة منهما وقد أغلقت الأبواب بعد دخولهما على الفور وها

هو يسلمهم نفسه بنفسه فإن أرادوا المقايضة به فلن يمنعهم شيء

عن أسره لديهم وهم لا يعلمون أن شقيقة زعيمهم ليست عند

رعد شراع وأنه لا يعلم عن مصيرها شيئا وأنها رهينة عند ألد

أعدائه ودخل لهم بدون حماية تاركا حرسه الشخصي وقوات الحماية

الخاصة خارج تلك الأسوار لأنه يعرف جيدا كيف يفكر هؤلاء الناس

ويعرفهم أكثر من أي عربي لأنه سبق وتعامل معهم لأعوام حين كان

زعيما لذاك القطر من البلاد ووحده من فتحت الأبواب أمامه بعد

عودته وهم من رفضوا الاندماج مع العرب أو استقبال أي منهم

بسبب ما عانوه في الماضي وقبل استلامه هو لزعامة الحالك

وابرام الاتفاقيات معهم والتي حقنت دمائهم وأعادت لهم حقوقهم

المهدورة كما ضمنت لهم حقهم كأفراد من ذاك الشعب وحتى بنود

الاتفاق التي تركها بعده ضمنت لهم تلك الحقوق حال قبولهم بالاندماج

مع تلك البلاد أو رفضهم فبقي مطر شاهين رمزا للعدالة والثقة لديهم

رغم اختفائه ومرور كل تلك الأعوام .

وصلا عند تجمع العشر رجال الواقفين في استقبالهم برفقة زعيمهم

وأشقائه الإثنين وتبادلوا السلام بالأيدي ولم تفته أبدا نظرات ساجي

وهو عقبته الأعظم إن تخطاها حدث ما يريد .

بعد أن تبادلوا السلام والعبارات الرسمية المختصرة قال مطر ناقلا

نظره بينهم

" هل أنفرد بزعيمكم وشقيقيه قليلا ؟ "

لم يبدوا على نظرات أولئك الرجال الرضا أبدا فقال

" الأمر يخص امرأة وهي شقيقتهم ولهم هم الحرية فيما يريدون

إخراجه فيما بعد "

بدا الاقتناع واضحا على أشقائها فتفكيره كان سليما تماما لكن

من حولهم لم يبدوا له أن جميعهم اقتنعوا بما قال وقد قال أحدهم

مشيرا برأسه للواقف بجانبه

" وماذا عن الذي دخل معك ؟ "

نظر مطر لعمير قبل أن يعود بنظره لهم قائلا

" هذا يكون رئيس مخابرات البلاد بأكملها ووجوده أمر طبيعي

بل وقانون لا نقاش فيه في هذا الوضع والحال وأثق فيه كما أثق

في نفسي فاستمعوا لي أولا ثم لكم ما تريدون "

تحدث سنمار حينها قائلا وقد أمسك بذراعه

" لك ما تريد فدعونا نقم بواجبكما أولا فالطريق كان طويلا

بالتأكيد والعشاء ينتظركم "

قال مطر من فوره

" دعونا نتحدث أولا ونصل لحل يرضي الجميع ثم نتناول عشائكم

فلن أزور مدنكم ولا أتناول طعامكم اللذيذ بالتأكيد "

ربت سنمار على ظهره وهو يحثه على السير معه وغادروا خمستهم
المكان رغم أنه موقن من أن ما يحمله سنمار في داخله لا يشبه

دواخل شقيقيه أبدا ولا حتى من تركوهم خلفهم فسنمار يشبه والدهم

تماما وكم سعد بأن تم اختياره الزعيم بعده فله ذكاء وحنكة وصبر

والده .


وصلوا لإحدى أبنيتهم التي تشبه الخيام في شكلها وألوانها والتي

يتفننون وحدهم في بنائها بتلك الطريقة وما أن تدخل لها تكتشف

بأنها تشبه صالة استقبال متكاملة وهذا ما يميزهم عن باقي البلاد

أنهم لا ينساقون أبدا خلف التطور المعماري بل يتمسكون بجذورهم

بقوة مهما استعانوا بالتقنيات الحديثة .

جلسوا جميعهم حول طاولة بيضاوية الشكل صنعت من خشب

الزان الثقيل وبدأ مطر حديثه أولا قائلا

" أود فعلا أن لا ينفض اجتماعنا هذا إلا وقد وصلنا لاتفاق يرضيكم

قبلي "

علق ساجي فورا وكما توقع

" لن يرضينا سوى دمها ودم ذاك الرجل معها أو كانت حربا لا آخر

لها "

" ساااجي "


كانت لهجة سنمار التحذيرية تلك ما طمأن مطر لكنها لم تؤثر بالذي

حاولت التحدث مجددا

" أنت .... "


فصرخ فيه هذه المرة

" اصمت ودعنا نستمع له أولا أو أخرجتك من هنا "


لاذ بالصمت وإن مكرها وقال مطر

" شقيقتكم ليست عند رعد شراع "

شخر ساجي بسخرية بينما كان جواب شقيقيه الصمت وهذا ما توقعه

فقال بجدية

" والدكم كان يثق بي وتعلمون ذلك جيدا "


قال اوسو هذه المرة

" كان يقول بأنك العربي الوحيد الذي يثق في يمينه وبأنك من إذا

قال فعل "

قال بجدية

" وأنا اقسم لكم بمن عرشه فوق السماء أنها ليست معه ولم تصل

له ولم يكن يعلم بهروبها إلا مني "

قال سنمار

" وماذا عمن قالوا بأنهم رأوه وكيف ستخرج وحدها ؟ "

نظر لعينيه وقال بجدية

" ذاك جوابه عند من قال هذا ويمكنكم معرفته بسهولة ، فكروا

في الأمر جيدا فحتى رعد شراع ما كان ليفتح لها الأبواب لتخرج

وحراسها رجالكم وأنا سبق وأقسمت لكم بأنه لم يراها "

تبادلوا نظرات صامتة علم فورا ما ورائها فهم يعلمون بالتأكيد من

مصدر ذاك الخبر وإن جهله هو ، قال ساجي وبجمود

" أين هي إذا ؟ "

قال ناقلا نظره بينهم

" سنتحدث في هذا لكن قبل ذلك ثمة ما علينا التفاهم فيه "

نظروا له ثلاثتهم باستغراب فتابع بجدية ملقيا طعمه الذي يعلم بأن

أيا منهم لن يرفض التقاطه

" حددوا مهر شقيقتكم ولكم ما تطلبون وأيا كان غير الحرب

والدماء وستنسون أمرها تماما "


*
*
*


لم تكن تتوقع يوما أن تعيش رعبا وتوترا كالذي عاشته اليوم

واللحظة ، كانت تشعر بجسدها يتعرق بأكمله ولم تعد تفكر فقط

في ذاك الذي يقود الطائرة ولأول مرة كما أخبرت والدته والدتها

بل وفي جميع تلك الأرواح من بلادها فأن لا تنزل عجلات الطائرة

جميعها تعد كارثة خاصة أنهم لجأوا لجميع الحلول في الحالات

المشابهة ولم تنجح فلم يستطع مهندس الطائرة فكها يدويا لأن

مفصلها كان عالقا بسبب فقدان الهيدروليك الرئيسي من الطائرة

وتبدد زيته بالكامل ولا حتى بنفضها في الهواء عن طريق جذبها

بطريقة معينة ضد الجاذبية علها تنفك بذلك فجهودهم جميعها

ذهبت أدراج الرياح ومما زاد ذعرها ذاك المهندس الذي نزع أيضا

سماعته من رأسه قائلا

" سلمت تلك الأرواح للرب "


مما جعلها تمسك قلبها لا شعوريا فأن يقول ذلك أحد المهندسين

الجويين فمعناه أن الحلول لديهم قد نفذت وسيعتمدون على مهارة

مساعد الطيار في الهبوط بها بشكل سليم موازنا بين عجلتي الطائرة
والجناحين فإغماءة كابتن الطائرة كان كارثة في حد ذاته فغالبا

ما تحدث هذه الحالات لأسباب عرضية أكثر منها مرضية وليست

تفهم حقا إن كان حقيقة أم أن ذاك الطيار يتهرب من مسؤلية

ما يجري أو بسبب سوء حظ مساعده فأن تفقد الطائرة الاتصال

الآلي بغرفة المراقبة ومدرج الهبوط يعد في حد ذاته مصيبة

فالهبوط الآلي يوجه الطائرة ذاتيا لمكان هبوطها وبدقة أما أن

يستعينوا برادار الهبوط فمعناه أن يكون هبوطهم يدويا بشكل

مطلق لا تدخل لأي أجهزة الكترونية حديثة فيه وهذا وحده يحتاج

لخبير في الهبوط وفوقها بثلاث عجلات فقط وليس أربعة أي إن

نجت الطائرة من الهبوط المدمر واستقرت على الأرض بشكل سليم

فلن تنجوا من خطورة السير على المدرج بشكل مائل واحتكاك

جناحها بالأرض ومن ثم تعرضها لخطر الانفجار بنسبة أكبر من

نجاتها .


نقلت نظراتها بينهم بتوتر وكان صوت المرحل الجوي وحده

ما يملأ صمت ذاك المكان يعطيه تعليمات الهبوط وبشكل متكرر

حتى كانت ستحفظها وليست تعلم كيف تكون الأجواء لدى من

يتلقى كل تلك المعلومات في الطرف الآخر فمن تكرار المهندس

الجوي لكلامه يبدوا أن الجالس خلف مقود الطائرة هناك يلوذ

بالصمت .

نظرت لموظفي ذاك القسم الذين دخلوا أيضا يراقبون الوضع

وهمساتهم المستجدية لله لا تتوقف والأعين جميعها محدقة

بتلك الشاشات التي ظهر فيها جسم الطائرة في السماء كنقطة

بعيدة لدخولها المجال الجوي للمطار فتوجهت جهة السماعات

في المقعد الشاغر ورفعتها ووضعتها على أذنيها تمسكها بكلتا

يديها وكما توقعت لا صوت لقائد تلك الطائرة الحالي ولولا إشارات

أزرار الأجهزة أمامها لاتصاله بهم لضنت أنه لا يسمعهم ولم يتلقى

أي معلومات منهم ، وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على أنه لم

يعد بحاجة لتلك المعلومات التي يكررها على مسمعه كالببغاء

وينقصه فقط أن يصرخ فيه ليصمت بل ما يحتاجه الآن فعلا هو

أن يشعر بأنهم يثقون في قدرته على فعل ذلك فهم يهملون هذه

النقطة لأنهم يرونه مجرد مساعد طيار لم يقد رحلة سابقا ويعولون

على الحظ أكثر من ثقتهم في مهارته وهذا ما عليها هي فعله فهو

بالتأكيد وكما يبدوا حفظ جيدا تلك الاحداثيات التي يكررها له منذ

وقت .

امتدت أصابعها ودون تردد لذاك الزر الأخضر أمام الكرسي الذي

تقف بجانبه وفتحت مجال الاتصال بتلك الطائرة وتحدثت هي هذه

المرة وبالعربية قائلة

" نحن هنا نثق بك كما الجميع في الطائرة وستنجح بالتأكيد "

كانت تعلم بأنه يسمعها ويفهمها عكس الموجودين حولها محدقين

بها باستغراب وكما توقعت لم يمنعها المرحل أو يطردها ليس لأنها

موظفة في قسمهم بل ولأنها تحدثه بذات لغته الأم وإن لم يكن يفهم

ما تقول فهوا يعلم بالتأكيد أنها تحاول فعل ما لم يفعلوه هم حتى

الآن وأثبت لها ذلك إيماءته لها مبتسما فبادلته الابتسامة فورا

ورفعت نظرها مجددا بتلك الشاشة المقابلة لها والطائرة التي

أصبحت تقترب من مجال الرؤية أكثر وتحركت شفتاها من جديد

أمام ذاك الميكرفون الأسود الرقيق الموصول بالسماعات على

أذنيها قائلة

" أنت ستفعلها اقسم بذلك ... أنا أثق بك "

انحسبت أنفاسها وتوقف قلبها عن الخفقان حين خرج ذاك الصوت

الرجولي العميق ضاربا أذنيها بنبرة باردة

" أستطيع حتى أن أقف بها على رأسك لو تصمتي قليلا "

ضربت براحة يدها على الطاولة تحتها تزم شفتيها الرقيقتان

بحنق من هذا البارد المتعجرف الذي باتت شبه موقنة من أنه

لم يكن يلوذ بالصمت كما توقعت .

قالت مجددا وبضيق هذه المرة

" أرني كيف ستقف بها على أرض المطار وليس رأسي وأريد أن

أراك واقفا على قدميك في مبناه وليس على حمالة لسيارة الإسعاف
جثة هامدة طبعا "

ونزعت بعدها فورا السماعات كي لا تسمع تعليقه رغم أنها تستبعد

ذلك واكتفت كالواقفين خلفها بمراقبتها تقترب على الشاشة تجمع

كفيها أمام شفتيها تدعوا الله هامسة وضربات قلبها تتصاعد تدريجيا

مع اقترابها أكثر حتى أصبح بإمكانهم رؤيتها كاملة في وضع الاستعداد

للهبوط التام وهمست وقلبها يكاد يتوقف

" يا رب لا تجعل ساندرين تسخر مني بتحطم طائرته وموته فيها "

مسحت دموعا تسربت من عينيها لا شعوريا مبتسمة بحمق على

أفكارها الغبية وقاومت بشدة كي لا تغمض عينيها مستجيبة لرأي

عقلها بالهرب من مشاهدة هبوط قد يكون كارثيا وانسابت دموعها

دون توقف ما أن أزال المرحل الجوي سماعاته وقال محدقا

بالشاشة في الأعلى

" فعلنا كل ما بوسعنا وسنترك الباقي لمهارة ذاك الطيار الصامت "


كانت الطيارة تقترب من المهبط تشعر بها وكأنها ستسقط على

جسدها وتسحقها معهم ، كان شعورا لم يضاهيه أي شعور وكأن

جميع من في تلك الطائرة يقربون لها ... وأليسوا هم كذلك ؟

من دمها من وطنها البعيد الغالي فكيف لا تشعر بكل ذلك اتجاههم ؟

كانت تعصر قبضتاها بقوة لم تعد تشعر ولا بألم اختراق أظافرها

للحم كفيها ونظراتها الدامعة تراقب عجلات الطائرة وهي تقترب

من أرض المهبط وتعالت تأوهات الفرحة ما أن حطت عليه

باتزان تام وقد وازن بالفعل في هبوطه بها بين وزنها وجناحيها

والثلاث عجلات التي ارتكزت عليهم بقوة اثنتان يسارا وواحدة فقط

يمينا لكن الخطر لم ينتهي عند ذاك الحد وجميعهم يعلمون ذلك وقد

هبطت الطائرة على جناحها الأيمن الذي انحرف جهة الأرض ولازالت

تسير على المدرج مصدرا صريرا عاليا واحتكاكا كبيرا بالأرض

أفقدها إياه وقد انحرفت عن مسارها فأغمضت عينيها وغطت وجهها

بيديها فلا يمكنها رؤية ذلك أبدا فإن انفجرت الطائرة سينفجر قلبها

معها بالتأكيد .

بقيت على ذاك الحال حتى سمعت صوت الصرخات والتصفيق الحار

من الموجودين قربها فأبعدت يديها ونظرت بعينين باكية وابتسامة

واسعة للطائرة المتوقفة بشكل مائل تحيط بها سيارات الإطفاء

والإسعاف من كل جانب وتم فتح أبواب الطوارئ لينزل الركاب

فالتفتت للواقفة خلفها وتبادلتا حضنا قويا تبكي وتضحك في آن

واحد فليست تصدق أبدا أن تلك الطائرة وصلت الأرض فعلا وأنها

توقفت بنجاح ودون أي أضرار ، بدأ الموظفين جميعهم بتهنئتها

وكأنهم يعلمون بأنها بالفعل في استقبال أحد الموجودين ضمن

تلك الرحلة لعلمهم فقط بأنها رحلة من دولة عربية .

بدأ المهندسون بالخروج من هناك فنظرت لشاشات العرض

وكانت الطائرة قد تم إخلاؤها تماما فخرجت أيضا راكضة من

هناك وتوجهت فورا حيث صالة الإستقبال الخاصة بطواقم الطائرات

وما أن دخلت وقفت مكانها تنظر للمضيفات والمضيفين يدخلون مع

طقم المهندسين الفنيين ووجدوا استقبالا رائعا في انتظارهم يهنئهم

الجميع بوصولهم بسلام في حادثة لم يكن لها سابقة أبدا وفرصة

نجاتهم منها كادت تكون صفرا .

كانت نظراتها تبحث من بعيد عن شخص لم تراه بعد وكانت

ستستطيع التعرف عليه من زيه المميز لكن لا أثر له على ما يبدوا

ولا حتى الطيار الآخر فهل أغمي عليه أيضا ونقلوهما معا بالإسعاف ؟!

هل يبدي كل تلك الشجاعة والثبات ثم يغمى عليه ... !مستحيل .

تقدمت بضع خطوات قبل أن تقف مكانها وعضت طرف شفتها

بقوة ترفع شعرها خلف أذنيها ما أن دخل ذاك الشاب المفقود من

البوابة والذي التفتت الأنظار جميعها له وقد بدأوا بمصافحته وحتى

طقم مضيفين الطائرة وقد تبادل الأحضان مع الرجال منهم فقط

وحتى موظفات المطار الثلاث صافحهن بيده فقط عكس من دخلوا

قبله لم يمانعوا استقبال تلك الأحضان بالترحاب وهذا أول

ما أعجبها فيه .

كانت تضع يدها على قلبها لا شعوريا تشعر به سيخرج من مكانه

ونظراتها تتنقل في تفاصيله ، كان بشعر بني ناعم ومصفف للخلف

بعناية لحية خفيفة بنية أيضا أبرزت بياض بشرته وعينان تبدوان
واسعتان كثيفتا الرموش لم تتبين لونهمابعد يعلوهما حاجبان

طويلان ... كان يلبس سترة الطيران الزرقاء بخطوطها الذهبية

المميزة وربطة عنق من ذات اللون تلتف حول ياقة قميص ناصع

البياض تحتها وكان يمسك بالقبعة تحت ذراعه ،كان رائعا وفوق

ما تخيلته ويبدوا شخصا واثقا من نفسه قوي عزيمة بالفعل ورجل

للمهمات الصعبة ولن تستغرب أن تكون له تلك الشخصية والثقة

فهو حسب ما قالت والدتها عائلة والده ذات نفوذ في بلاده ووالده

رجل أعمال كبير ومعروف زد عليه أن خاله يكون الأسطورة مطر

شاهين فما كان عليها أن تتوقع شابا أقل من هذا .


كاد يغمى عليها وتتوقف جميع أجهزة جسدها الحسية ما أن وقع

نظره عليها وتبادلا نظرة طويلة تشعر بأنفاسها توقفت بسببها

فلابد وأنه خمن أنها من تحدثت معه .. نظرته أثبتت ذلك جيدا

وزاد عليها تلك الابتسامة الجانبية التي زينت شفتيه وأمسك

قبعته ووضعها على رأسه لتكتمل تلك الصورة الرائعة وكأنه

يقول لها

( ها قد وقفت في مبنى المطار على قدمي )

فضحكت فورا وبصمت ورفعت إبهامها مبتسمة له ، وماتت

ابتسامتها ما أن وقف ذاك الانجليزي الطويل بينهما وأخفى رأسه

وجهه عنها فمدت شفتها بعبوس وسرعان ما عادت وعضت على
طرفها ما أن أحنى الواقف هناك رأسه ناظرا لها من خلفه وكادت

تقفز حينها صارخة بسعادة لولا أمسكت نفسها بصعوبة وليست

تعلم هل النساء جميعهن حمقاوات مندفعات هكذا أم هي التي سلب

عقلها ذاك الشاب ومن أول لقاء لهما ؟ لم تهتم أبدا بأن تبحث عن

إجابة لسؤالها هذا وقد وجدت قدماها تقودانها لا إراديا حيث ذاك

التجمع هناك ووقفت مباشرة أمام من لم يزح نظره عنها فأبعدت

نظرها عنه وكما توقعت قد نزل بنظره لجيب سترة بذلتها الخاصة

بعملها يبحث عن القطعة المعدنية التي تحمل اسمها كموظفة هناك

وكما باقي الموظفين لكنها كانت أذكى منه ونزعتها من قبل أن تصل

الطائرة لما كانت تذكرتها وقت انتظارهم المأساوي لهبوط طائرته ،
عادت بنظرها له ما أن ارتفعت نظراته لعينيها مجددا وابتسم من

فوره ابتسامة كادت تحولها لرماد فمدت يدها له قائلة بابتسامة

" كان هبوطا رائعا ... هنيئا لك "

صافحها مدمرا باقي مشاعرها المشتعلة وقال بابتسامة ونظره لم

يفارق عيناها البنيتان

" المهم أن المهبط بخير "

تغلبت ضحكتها عليها ودون شعور منها وقد فهمت مقصده فورا

وهذا ما توقعته فهو استطاع معرفتها سريعا وهذا طبيعي فثلاث

نساء فقط هنا واحدة منهن في الخمسين من عمرها واثنتان

شقراوتان ملامحهما انجليزية بحتة فلم يتبقى غيرها رغم أنها

تشك بأن يكون هذا هو السبب ولولا بحثه عن اسمها لكانت شكت

بأنه يعلم من تكون .


سحبت يدها من كفه ورفعت كتفيها قائلة بابتسامة

" بلى وطائرتك وقفت فوق رأسي بسلام ... نحن فخورين حقا بك "


نظر لعينيها مبتسما بصمت نظرة وابتسامه أنيقة أوصلتا قلبها

للجنون وقد علقت نظراتهما ولم يعد بإمكانها إبعادها عن عينيه

ولم تعد تعي شيئا حولهما ولا أحاديث وضحكات الموظفين والمضيفين

ليقطع كل ذاك الاتصال الصامت الذي رغم قصر مدته شعرت به

طويلا جدا بقدر روعته ،وقوف ذاك الجسد قربهما والذي سرق

انتباه الجميع ولم يكن سوى مدير المطار والذي صافحه فورا قائلا

" كنت رائعا يا بطل ... منذ قليل كنت على اتصال مع السفارة وسيتم

إرسال لجنة لإغلاق الملف من الناحية القانونية ما أن يتم فحص

الطائرة وأخذ شهادة الطيار "


ابتعدت حينها وقت انشغالهما بالحديث معا وقد أولاه كامل انتباهه

وأعطاها جانب وجهه وجسده فاكتفت بالمراقبة من خلف الزجاج

المعتم الفاصل تريح راحة يدها عليه تنظر مبتسمة لصاحب تلك

الابتسامة والوقفة الواثقة يده في جيب بنطلون بذلته والأخرى

يمسك بها القبعة التي نزعها مجددا فستكتفي بهذا القدر ولن تتركه

يكتشف من تكون خاصة أنه نال خمس نجوم بالنسبة لها وقلبها

يكاد يجن كلما تذكرت الطريقة التي نظر لها بها . اقتربت من الزجاج

الفاصل ملتصقة به تنظر مبتسمة بشغف للذي ما أن ابتعد عنه مدير

المطار جال بنظراته في المكان والموجودين حوله يبحث عنها ،

أولت الزجاج ظهرها واتكأت به عليه ترفع رأسها للأعلى مغمضة

عينيها بقوة وهمست بسعادة

" يا إلهي أهكذا يكون الحب ؟ أهو رائع بهذا الشكل ويحدث

أسرع من أي شيء ؟ "

كتمت ضحكتها تغرس أسنانها في طرف شفتها وغادرت من

هناك فعليها أن تبتعد عن أي مكان سيكون فيه .


*
*
*

أشاحت بوجهها جانبا وقالت بضيق

" لا أريد ... قلت أنني بخير لما تصرين دائما على معاملتي

كطفلة بل وجلبت ولي أمري معك هذه المرة "

تنهدت الواقفة فوقها بعجز والتفتت للواقف خلفها والذي بادلها

نظرة صامتة قبل أن ينظر للجالسة على السرير مكتفة ذراعيها

لصدرها ومشيحة بوجهها بعيدا عنهما وقال بهدوء

" زيزفون إن كنت متعبة نستدعي الطبيب لا تكوني عنيدة على

حساب صحتك ، ومربيتك ما كانت لتقلق لو كان هذا أمرا معتادا "

نظرت لها فورا نظرة فهمتها تلك سريعا فهذه ليست أول مرة تمر

بمثل تلك الحالة وهي تعلم ذلك جيدا لكنها الأولى التي تستعين

فيها به وهذا أكثر ما بات يزعجها فهي تراه يتقرب منها كثير

وهي مرحبة تماما بالفكرة رغم أنها شرحت لها مرارا بأنها لا

تريد مساعدة منه ولا من أي أحد ، كسر وقاص ذاك الجو

المشحون مجددا ونظره على التي لازلت تحدق في مربيتها بضيق

" حسنا لا بأس إن كنت تري أنك بخير فلا داعي لإحضار الطبيب "

أبعدت نظرها ليديها في حجرها ولاذت بالصمت فقال مجددا

" ماذا بشأن خروجكما من أجل حفل الليلة ؟ "

التفتت له التي خشيت أن تصطادها نظرات الجالسة أمامها قبل

أن تتحدث ولن تستطيع قول شيء حينها فقالت سريعا

" سائق المنزل قال بأنه مشغول ولن يرجع قبل أول المساء وأنا

لن أحتاج من السوق لشيء كنت أود فقط أن يأخذ ز... "

" خالتي ... "

أسكتتها تلك النبرة الآمرة المهددة فورا فأغمضت عينيها وسحبت

نفسا عميقا قبل أن تفتحهما مجددا محدقة بالواقف أمامها ومن

فهم سريعا نظرتها تلك فأومأ لها برأسه بهزة خفيفة فابتسمت

له وغادرت نظره يتبعها حتى خرجت مغلقة الباب خلفها فعاد

بنظره للجالسة على السرير أمامه وقال

" هي تحبك وتقلق عليك وهذا ما يدفعها لمساعدتك وأ.... "

قاطعته بضيق

" لا أريدأهتماما من أحد .... "

" اتركيني انهي حديثي يا زيزفون "

صرخته الآمرة تلك جعلتها تصمت تماما بل ونظرت له وإن كانت

نظرة تهديد لا مكان للرقة فيها فتابع بحدة متجاهلا نظرتها تلك

أو حتى رأيها هذه المرة

" هل أخطأت لأنها تحبك ؟ إن كانت تكرهك لوجدنا لك عذرا ،

هي تقلق عليك حقا وتلجأ لمن سيساعدك كان من يكن وإن

كان ألد أعدائك "

وتابع مشيرا للباب بسبابته

" حتى أني أجدها مرارا تقف عند باب غرفتك تستمع حتى

لأنفاسك وأنتي نائمة من خلف الباب وفي المقابل تعاملينها

كخادمة لديك "

قالت بامتعاض

" وما الذي تفعله أنت خلفه ؟ "

صرخ فيها فورا

" لا شيء سوى أني مغفل مثلها "

حدقت في عينيه بصمت لبرهة قبل أن تبتسم بسخرية قائلة

" جيد هذا يعني أنه بدأ صبرك ينفذ وسأرتاح من زياراتك قريبا "

همس من بين أسنانه

" أبدا "

حدقت في عينيه بضيق دون أن تعلق فتابع ببرود

" ليكن معلوما لديك يا زيزفون بأن صبري أطول من صبرها هي

عليك كل هذه الأعوام "

كانت ستتحدث فسبقها قائلا بأمر

" هيا سآخذك لتشتري ثوبا وكل ما يلزمك "

قالت بضيق

" لا أريد ولن أحضر حفلكم السخيف ذاك "

قال بضيق مماثل

" سخيفا كان أو رائعا ستحضرينه ولست أظن أنك ممن

يخلفون وعودهم للناس أبدا "

شدت على أسنانها بقوة تنظر له بغيظ فهو أمسكها من يدها

التي تؤلمها ونسيت أنها وعدت تلك المرأة اللحوحة المزعجة

بالفعل أن تحضر الحفل فهي لم تتركها أساسا حتى أخذت منها

ذاك الوعد أحبت ذلك أم كرهته ويبدوا أنها أخبرت هذا المزعج

الآخر أيضا ، رمت اللحاف عنها بقوة وغادرت السرير متمتمة

بكلمات غاضبة لم يفهمها فأمسك برسغها ما أن مرت بجانبه

ونظر لنصف وجهها المقابل له وقال بهدوئه المعتاد

" إن لم يكن حديثي من أجلها وليس نفسي لكنت اعتذرت

أتفهمين هذا يا زيزفون ؟ "

نظرت لوجهه القريب منها ولعيناه ومقلتاه التي باتت تحار

فعلا في لونهما فتراهما أحيانا بلون عسلي غامق وفي ضوء

الشمس خضراء وفي حالات غضبه النادرة سوداء مدمرة كما

تحار في لون شعره الذي يتغير للبني إن واجه ضوء أشعة

الشمس فتراه في كل مكان بملامح مختلفة ! حدقت في تلك

الأحداق بصمت شاركها فيه كما في النظر لحدقتيها السمائية

اللون الواسعة المستديرة قبل أن تشيح بوجهها عنه وقد

همست ببرود

" أنا إذا لم أعد أحدا بالخروج لشراء أي ثوب "

قال ونظره لازال على ملامحها

" تعني أنه يوجد لديك واحدا على الأقل ؟ "

تجنبت النظر له أيضا ولم تعلق ، تعلم من نبرة صوته وسؤاله

بأنه يتوقع العكس بل وواثق منه أيضا فهي لم تحضر حفلا يوما

ولم تخرج للسهر في أي مكان فلما كانت ستحتاج لها ؟ تحرك

تاركا رسغها حين لم تعلق وقال متوجها جهة خزانة غرفتها

الضخمة

" دعينا نرى إذا "

ركضت خلفه مسرعة ووقفت أمامه رافعة ذراعيه جانبا

وقالت بضيق

" لن تفتحها "

حدق فيها باستغراب رافعا حاجبه فتلقفت أنفاسها قبل أن تقول

" هذا أمر شخصي لن أسمح لك بأن تفتش أغراضي "

قال بجمود

" أنا لن أفتشها بل سألقي نظرة على الفساتين التي يفترض

أن تكون معلقة فيها "

شدت على أسنانها بغيظ فلا تستبعد أبدا أن تكون أخبرته

حليفته الجديدة تلك بأنها كانت تعيش في فيلا ريفية معزولة

فثقته تبدوا واضحة من نظرته ونبرة صوته ، قالت بإصرار

" وإن يكن لا تفتح خزانتي "

قال من فوره

" أخرجيها أنتي لأرى "

صرخت فيه بضيق

" وقااااص .... لما أنت مزعج هكذا ؟ "

ابتسم مميلا طرف شفتيه وقال

" ثوب واحد إذا لأتأكد "

تأففت بضيق قائلة

" ليس لدي ... هل سيخلصني هذا منك ؟ "

قال بذات ابتسامته

" لا بالطبع وستغادرين معي لتشتري ثوبا يا زيزفون إن بالطيب

أو الإكراه وتعلمين جيدا بأنك تحتاجين ذلك فتوقفي عن العناد "

أشاحت بوجهها عنه فترك رسغها وقال مكتفا ذراعيه لصدره

" هيا غيري ملابسك سنغادر الآن "

قالت ببرود ولازالت تتجنب النظر له

" اخرج أم سأغيرها وأنت هنا ؟ "

تحرك من مكانه حينها ووجهته الباب قائلا

" سأنتظرك قرب الباب لا تتأخري "

وخرج مغلقا إياه خلفه ووقف بجانبه مسندا كفه بالجدار ينظر

للأرض فليس يضمن أن لا تتهرب منه أبدا ، خزانتها تحوي

سرا ما تخفيه هو متأكد من ذلك ورد فعلها كان أكبر دليل لكنه

لن يستعجل وسيأخذ بنصائح طبيبها جيدا فعليه البحث بعيدا عنها

أولا وحين تحين فرصة مواتية سيرى ما تخفيه هناك .

غير وقفته واستند بالجدار ينظر لساعته كل حين يخشى أن

يصيب توقعه وتكون نائمة في سريرها وهو ينتظرها هنا !

وقف مبتعدا عن الجدار وما أن فكر في أن يطرق الباب ليفتحه

بعدها انفتح من تلقاء نفسه ووقفت أمامه التي خانت توقعاته

بالفعل وغيرت ملابسها استعدادا للخروج فقد ارتدت بنطلون

جينز أسود وسترة طويل مفتوحة بلون عيناها لها نقوش سوداء

عند ياقته الدائرية وأكمامها وقميص أسود ضيق مظهرا جسدها
النحيل المتناسق ولأول مرة تلبس غير القمصان القطنية

والبيجامات الحريرية فهي لا تخرج أساسا من غرفتها سوى

لغرفة الشاي تلك مؤخرا ووحيدة ، أما شعرها فتركته مفتوحا

واكتفت فقط بقوس شعر أسود رقيق رفعت به غرتها للأعلى

والتي كانت أساسا بقصة خفيفة ولم تكن كثيفة أبدا فنزلت

خصلات من ذاك الشعر على كتفها وصولا لخصرها النحيل

كما بعض الشعرات الحريرية على جبينها ... يحار هذه الرائعة

لما تكون عدوة للرجال ويمكنها أن تكسب قلب من تختاره من

نفسها ودون عناء وليس بسبب جمالها الخارجي فقط بل وقوتها

وذكائها .

ابتسم من سذاجة أفكاره التي لو علمت عنها لقطعت عنقه

باتأكيد وأشار لها بيده قائلا

" نغادر ؟ "

تحركت وقد سار بجانبها قائلة ببرود

" هل أعلم ما المضحك ؟ أنا أم أنت أم كلينا ؟ "

أطلق العنان لضحكته هذه المرة وإن كانت قصيرة ومنخفضة

وقال يجتازان الممر المؤدي لبهو المنزل

" بلى كلينا ولن أقول السبب كي لا ترجعي أدراجك "

حركت حدقتيها بملل ولم تعلق وما أن اقتربا من باب المنزل

توقفا بسبب اللذان دخلا منه وكانا رواح وضرار الجد الذي

نظر لكل واحد منهما في صمت وكان التعليق من الذي لا يمكنه

ترك أحد ولا شيء في شأنه قائلا بابتسامة ماكرة

" أرأيت يا ضرار سلطان ؟ لم ترحمني اليوم أبدا بينما حفيدك

الأكبر يخرج للتنزه مع ابنة عمه ! "

أشاحت الواقفة أمامهما بنظرها الذي لم تدع له المجال أساسا

للنظر لأي منهما بينما تنهد وقاص بضيق وكانت نظرات جده

مسلطة عليه تحديدا وقد قال بجدية

" أين ذاهبان ؟ "

نظر له وقال مباشرة

" لديا موعد في اكسفورد وسآخذ زيزفون في طريقي للتسوق

هناك من أجل حفل الليلة "

نقل نظره منه للواقفة بجانبه لازالت ترفض النظر ولا للجهة

الموجود فيها أصابعها تكاد تتمزق من شدها لقبضتيها قبل أن

يعود بنظره للذي قال له بجمود ومحدقا بعينيه

" لما لا تتصل بزوجتك ؟ "

كان الضيق من نصيبه هو هذه المرة فها هو يضغط عليه

مساوما بزيزفون مجددا ولن يسمح لهذا أن يستمر ويتكرر دائما ،

قال ببرود وإن كان الغضب بات يشتعل كالجحيم داخله

" أظننا تحدثنا عن هذا سابقا جدي "

قال ضرار بملامح مشدودة

" تعرف أنت أيضا ما تحدثنا فيه جيدا يا وقاص "

تنهد بحدة مغمضا عينيه وها هو كما توقع بل ويستمر بالضغط عليه ،

لم يكن يريد التحدث عن الأمر لا أمام رواح ولا زيزفون خاصة لكنه

من دفعه لذلك وعلى هذه المهزلة أن تنتهي ، قال بأحرف مشدودة

هذه المرة

" جدي قسما ترجع زيزفون لغرفتها وسأحضر لها أنا ما تحتاجه

ولن تلعب بي تلك اللعبة مجددا "

نظر له بتحد فبادله ذات النظرة يعلم كل واحد منهما عن عناد الآخر

جيدا وما الذي قد يصلان له بسبب هذا ، وما أن تحركت الواقفة

بجانبه لتغادر من هناك شد يدها بقوة مانعا إياها من تنفيذ ما تفكر

فيه بينما نظراته لم تفارق الواقف أمامه والذي ما أن كان سيتحدث

حتى سبقه رواح قائلا بابتسامة وحدها المخالفة لكل ذاك الجو

المشحون

" اوه حسنا لا تتشاجرا بسببي كنت أمزح فقط وزيزفون أنا

أيضا مستعد لأخذها حيث تريد وأينما تريد "

وتابع بضحكة وكعادته متجاهلا مزاج من حوله

" إنها الحفيدة الأنثى الوحيدة هنا ويفترض أن تكون مدللة من

قبل الجميع "

شدها وقاص من يدها وسار بها بينهما خارجان من الباب دون أن

يعلق أي منهما بشيء ولا أن يهتم برأي الذي رافقته نظراته

الغاضبة وهو يجتازه غير مبال بتهديده الصريح فلن يرضى بالتدخل

في شئونه مجددا يكفي أن تركه لعب في مصيره سابقا حين ربط

طلاقها من نجيب باستمرار زواجه من جمانة وللأبد فلا يتخلص هو

من تلك المرأة أو لا تتخلص هي من حفيده المنحرف ذاك .

سار بها حتى وصلا السيارة البنتلي السوداء المركونة قرب الباب

وفتح لها بابها فجلست في كرسيها الجلدي المريح بصمت فأغلقه

ودار حولها وركب كرسيه وغادر من هناك فورا وبدأت تلك السيارة

الحديثة في ابتلاع الطريق كقرش عملاق ليس بسبب سرعتها المميزة

فقط بل وغضب الجالس خلف مقودها والذي استشعرته الجالسة

بجانبه بسهولة فهذا الشاب يصعب تعكير مزاجه والعبث بأعصابه

كما لاحظت عليه مرارا لذلك فاستيائه يمكنك أن تشعر به وإن كان

يخفيه خلف صمته .

كتفت ذراعيها لصدرها ونظرت جهة نافذتها فهذه هي نتائج عناده

وإلحاحه فليتحملها ... لكن لما قال ما قاله لجده ! هو حاول الضغط

عليه ليتصل بزوجته ويبدوا أنها هي ذاك السلاح لكن ما كانت السابقة

التي تحدث عنها ؟ ولما يضغط عليه بسببها ! بل ولما يرضخ هو له

من أجلها ؟

نظرت له ولنصف وجهه المقابل لها تحاول تفسير وفهم ما حدث ؟

إذا هذا هو سبب تحريرها من سجنها في الأعلى وكأنها سجين

سياسي خطير حتى النوافذ مؤمنة بالكامل وكاتمة للصوت والباب

لا يمكن فتحه إلا بكلمة معينة ؟ لكن ما كان المقابل ! أيخص

زوجته تلك ؟ بالتأكيد سيكون كذلك والدليل أنه قال تلك اللعبة

مجددا أي أن السابقة تشبهها .

" لا تحاولي تفسير ما حدث كثيرا فهو ليس مهما ولك خاصة "

زمت شفتيها بحنق واستوت في جلستها مكتفة ذراعيها

لصدرها وقالت ببرود ناظرة للطريق أمامها

" أتعلم بأنك أكبر مغفل في التاريخ "

شقت ابتسامته تلك الملامح العابسة المتجهمة وسرق نظره

لها قبل أن يعود به للطريق مجددا فهذه الفتاة لا يهنئ لها بال

إن لم تقلب مزاجه وكيفما كان ، يعلم بأنها استطاعت فك وفهم

خبايا حديثهما بسهولة بينما عجز رواح عن فعلها لذلك لم يكن

ينوي قول ما قال لولا استفزاز جده له وليس لسبب يخصه

بل لأنه يرفض أن تجمع سلبيات أكثر عن جدهما ناحيتها لكنه

لا يراه إلا يصر على إتساع الفجوة بينهما وكأنه يتعمد أن

يزيد من معدل كرهها المرتفع له .

رن هاتفه فأخرجه من جيبه ووضعه على الوضع الصامت

ما أن نظر لاسم المتصل وأعاده لجيبه وتجاهل بعدها جميع

اتصالاته حتى بات رنينه مزعجا بالفعل فأجاب عليه هذه

المرة قائلا باختصار

" مرحبا "

ولم يستطع ذكر اسمه احتياطا بسبب الجالسة بجانبه فقال من

في الطرف الآخر وبضيق

" تكلفني بالبحث عن قضية عمرها ثمان سنوات أكثر تعقيدا

من حياتي ثم أتصل ولا تجيب ؟ "

نظر بطرف عينه للجالسة بجانبه قبل أن يعود به للطريق قائلا

" يمكن للقضية أن تنتظر قليلا سأتصل بك أنا حين يكون لدي وقت "

وصله صوته فورا

" حسنا يبدوا الوضع غير مناسب لديك نتحدث لاحقا ... وداعا "

ابتسم ممتنا لذكائه وأعاد هاتفه لجيبه وما هي إلا لحظات

وتحدثت الجالسة بجانبه مجددا وببرود ساخر هذه المرة

" لست أفهم لما يعتمدون في قضاياهم عليك "

كتم ضحكته غارسا أسنانه في شفته السفلى وحرك رأسه

مبتسما فهذه الفتاة تصر على الانتقام منه اليوم ولا يفهم

لما فغضبها غامض كمزاجها تماما ! مرر أصابعه على قفا

عنقه قائلا

" لو كانوا لا يثقون بقدراتي ما لجئوا لي أساسا "

لم يتأخر تعليقها اللاذع المستفز أبدا وقد نظرت له قائلة

" كان عليهم أن لا يعتمدوا على محام مهمل مثلك يركن القضايا

على الرف حتى وقت لاحق "

نظر ناحيتها سريعا فأشاحت بنظرها عنه جهة نافذتها ، فهم الآن

سبب استيائها منه !آآخ منك يا حفيدة ضرار ، عاد بنظره للطريق

وقال

" المحامي الناجح يعمل بصمت بعيدا حتى عن موكله أحيانا وعليه

أن يثق دائما به يا زيزفون "

نظرت له فورا وكما توقع وقد قالت بحدة

" ما تعني بكلامك هذا ؟ "

قال بلامبالاة ولم يبعد نظره عن الطريق

" لم أعني شيئا فما الذي فهمته أنتي أغضبك هكذا ؟ "

نظرت جهة نافذتها مجددا هامسة بحنق وصله بوضوح

" مغرور "

فابتسم واستمر في القيادة في الصمت فالنتيجة حصل عليها وأوصل

لها ما يريد إيصاله وردود أفعالها الغاضبة لا تعنيه بل اعتاد عليها

وألفها فإن لم تستقبله وتودعه بها في يوم ما سيكون عليه عرضها

على الطبيب حينها .

دخلت سيارته شوارع لندن بعد ساعة ونصف تقريبا من خروجهما

ولم يتبادلا فيها غير ذاك الحديث ولم تبعد الجالسة بجانبه نظرها عن

نافذتها ولا بسبب شوارع لندن المزدحمة ، بما أن موعده سيكون في
ذاك الشارع فسيكون وصل بها للمكان المناسب فهو أشهر شارع
أوروبي للتسوق وستجد الخيارات أمامها مفتوحة .

ركن سيارته عند مركز تجاري خاص بمتاجر جون لويس المشهورة

ثم فتح باب السيارة ونزل في صمت ففتحت بابها ونزلت أيضا وتبعته

حتى كانا في الداخل ونظرت حولها بملل .. ليست ترغب فعلا في

التواجد هنا لكنها ما كانت لتتخلص من هذا المزعج إن لم تأتي

معه ثم هي بحاجة لثوب فعلا ولن تخرج لهم ببجامة نوم بالتأكيد .

وقف والتفت لها فوقفت لوقوفه ما أن كانا حيث محلات الملابس

والماركات المشهورة وقال ناظرا حولهما

" هنا ستجدين أفضل وأنسب ما ستبحثين عنه "

وتابع وقد عاد بنظره لها

" وبعض الأسعار خيالية أيضا فكم بحوزتك من مال ؟ "

أدارت مقلتيها الزرقاء بعيدا عنه وقالت ببرود

" ومن أين لي بالمال وأنا والجدار في منزلكم سواء ؟ "

ابتسم وأخرج لها بطاقته قائلا

" في نظر نفسك فقط يا زيزفون "

وتابع من قبل أن تعلق مادا لها إياها

" هذه بطاقتي يمكنك شراء ما تريدينه ومهما كان ثمنه "

نظرت لها في يده ثم لعينيه فأمسك يدها ووضعها فيها قائلا

" اقسم أنه مالي ولا علاقة لجدي به فأنا لا علاقة لي بأعماله سوى

في استشارات قانونية ولست آخذ أتعابا عليها أيضا "

تنهدت بضيق وقبضت أصابعها عليها وأبعدت يدها وقالت ناظرة

يمينا حيث حركة الناس والمحال التجارية مصطفة بواجهات زجاجية

وكأنها محل واحد مشترك

" أتعني أنك ستتركني هنا ؟ "

نظرللساعة في معصمه وقال

" عليا زيارة صديق لي هنا وأعدك أن لا تأخر "

وتابع وقد عاد بنظره لها

" ثم أنا لن ازعجك بوجودي في اختيارك لما ستشترين وأريدك حقا

أن تأخذي كل ما ترغبين به ويمكنك الخروج والتجول في باقي الشارع

إن لم يعجبك شيء هنا "

نظرت له وقالت ببرود

" وكيف ستعرف أين سأكون في هذا المكان ؟ "

مرر أصابع في شعره ناظرا للبعيد ولم يعلق .. أجل كيف نسي هذا

الأمر فهي لا تملك هاتفا والبحث عنها في مبنى بسبع طوابق أمر خيالي

فكيف في شارع طوله يقارب الكيلو مترين وبين نصف مليون شخص !

إنه أمر أصعب من المستحيل عينه حتى أن سيارته لا يمكنها أن تكون

علامة لها فلا يمكنه تركها هنا فركن السيارات ممنوع حتى أن دخول

السيارات الخاصة مخالفة يحاسب عليها القانون لولا صلاحيات مركزه

التي تخوله لذلك ، نظر حوله ممررا أصابعه في شعره يريد حلا سريعا

للأمر .

" الأفضل أن تعود بي للمنزل "


نظر لها وأمسكها من يدها وتحرك بها قائلا

" لن تخرجي من هنا إلا بما جئنا من أجله ، سأركن السيارة في

الموقف ثم نرجع هنا معا "

ولم يترك لها مجالا لا للرفض ولا للنقاش تتبعه منصاعة وإن

مكرهة تحاول فقط تجنب الاصطدام بأحد المارة بسبب إسراعهما تكاد

لا تستطيع مجاراة خطواته ، وقف بها فجأة حتى كادت تصطدم به

ونظر جهة أحد المتاجر بعيدا عنهم قليلا قرب المخرج وابتسم فورا

وهو ينظر للموجودة داخله فها هو وجد الحل المناسب .
نظرت لها ما أن أعادته للبائع وقالت بضيق تمسك خصرها بيدها

" ماريه لن ندخل متاجر اكسفورد جميعها حتى يغمى عليا من السير

فقط لتجدي هاتفا يعجبك "

رفعت تلك حزام حقيبتها لكتفها وقالت ببرود

" لن أشتري شيئا لم يعجبني ، ثم لنغادر أنا لا مانع لدي "

قالت بذات ضيقها

" قولي هذا منذ البداية فأنتي تتهربين من شراء هاتف جديد وليس

لأنه لم يعجبك شيء يا جبانة "

نظرت لها بضيق فتابعت دون اكتراث

" أنتي أجبن من أن تتركيه يتصل ولا تجيبي أليس كذلك ماري ؟ "

قالت بحنق

" ماريه "

قالت بعناد

" بل ماري "

خرجت حينها بخطوات غاضبة وهي تتبعها قائلة بحنق

" سيكون علينا العودة للمنزل وقت العصر كي لا تفوتنا الصلاة ونتلقى

عقابا لن يعجبك أبدا من أمي وها قد أضعنا النهار بطوله هنا ولم

نزر مما خططنا له شيئا لا ميدان بيكادلي ولا متاحف ولا أي شيء ...

فستان لففنا بسببه نصف هذا الشارع الطويل لنرضي دوقك كونتيسة

ماريه "

تجاهلتها وخرجت من المحل فتبعتها حتى سارت بجانبها لا تتوقف

عن التذمر وتذكيرها بما أضاعاه من وقت .

" مرحبا ساندرين "

وقفتا مكانهما والتفتتا فورا لصاحب ذاك الصوت الرجولي المتزن

العميق بينما نظرت ماريه له باستغراب لجهلها لهويته وتحدثه

بالعربية وقالت الواقفة بجانبها بصدمة

" وقاص... ! "
قبل أن تنقل نظرها للواقفة بجانبه تتفحصها نظراتها المندهشة

وقالت ما أن عادت بنظرها له

" تزوجت من أخرى !! "

وتابعت بحماس من قبل أن يعلق وقد قالت بضحكة ملوحة بقبضتها

في الهواء

" فعلت الصواب أخيرا يالك من رائع "

نظر لها ضاحكا بينما اكتفت الواقفة بجانبه بالتحديق بها بصدمة

وقال هو

" لا لم أتزوج هذه زيزفون ابنة عمي "

لوحت بيدها متمتمة بضيق

" سحقا لك ظننتك تخلصت من تلك الباردة ال.... "

قطعت حديثها وقد فغرت فاها قائلة بصدمة

" قلت ابنة عمك !! "

نظر للواقفة بجانبه وقال

" أجل وسبق والتقيتها في منزلنا أم نسيت ذلك ؟ "

أشارت لها بسبابتها وقالت بصدمة ونظرها لازال عليه

" رباه الخرساء تكون هذه ! لم أراها يومها جيدا بسبب حالتها تلك "

وتابعت تنظر لها بدهشة

" يا قلبي ليتني أصاب بالخرس أنا أيضا "

لم يستطع امساك ضحكته فنظرت له ولم تنتبه للتي ابتسمت من

كلامها وقالت ناظرة له بضيق

" تضحك يا غبي ؟ أهذه تكون زوجة شقيقك النذل ذاك وتلك زوجتك

أنت ! متى بالله عليكم ستضعون كل شخص في مكانه المناسب ؟ "

حرك رأسه مبتسما وقال ناظرا للواقفة بجانبه

" زيزفون هذه تكون ابنة قريب لنا من جهة والدة رواح وأسمها

ساندرين "

نظرت له قبل أن تنظر لها وقالت بابتسامة خفيفة مجاملة

" سررت بمعرفتك "

ولم تستطع امساك ابتسامتها أمام تلك النظرات المصدومة قبل

أن تتحول لضحكة صغيرة مكتومة ما أن اقتربت منها تنظر لشفتيها

وقربت أذنها منها وكأنها تتأكد من أن الصوت خرج منها فعلا !

بينما نظرات الواقف بجانبها التصقت بضحكتها تلك وبملامحها

التي تغيرت جذريا بسببها وإن كانت تعد شبه ضحكة فهذه أول

مرة يراها تضحك فيها ، من قال أنها جميلة سابقا ورآها الآن

فسيشك بمقدرته على تقدير الجمال بالتأكيد !

بينما نظرات ساندرين لازالت تراقبها باندهاش ثم نظرت للذي كان

ينظر لها ضاحكا وقالت

" هي تتحدث !! "

أومأ برأسه بنعم مبتسما وقال

" وتسمعك أيضا "

شهقت بصدمة قائلة بعدها بضيق

" وتتركني أتحدث هكذا عنها وعن زوجتك تلك ! "

قال بذات ابتسامته

" مر على ذاك الموقف عامان ولازلت تكرهين جمانة بسببه

حتى الآن ؟ "

قالت باشمئزار

" أنا لم أحبها يوما "

نظرت بعدها للواقفة بجانبها وقالت

" آه أجل نسيت أن اعرفكما بهذه المزعجة "

وتابعت باشمئزاز

" هذه ماريه زوجة ابن خال شقيقك الأحمق زير النساء ذاك "

ضحك ولم يعلق على كلامها بل مد يده للواقفة بجانبها

قائلا بابتسامة

" أنتي هي زوجة تيم إذا ؟ سررت بمعرفتك ماريه "

مدت يدها لها وصافحته هامسة

" شكرا لك ... وأنا سررت بلقائك "

وتولت ساندرين باقي مهمة تعريفهما ببعض

" وقاص يكون شقيق ابن عمة زوجك من والدته ولا تحاولي فهم قرابة

العائلتين لأنك ستصابين بالجنون حينها فزوجك ذاك سبب مشكلة كبيرة

في تشابكها حين ولد بين العائلتين "

نظر الواقف أمامهما للساعة في معصمه ثم لها وقال

" عليا المغادرة لأمر مهم فهل تساعدا زيزفون لاختيار ما تحتاجه

من هنا ثم أصل لها عن طريقك فلا هاتف لديها "

قالت ساندرين باستغراب

" من هنا ؟ "

حرك كتفيه وقال

" من حيث تحبان "

قالت بحماس

" رائع إذا لشارع بوند ستريت فورا ماذا تفعل ابنة عائلة ثرية

مثلكم هنا ؟ "

قال مبتسما

" جيد فأنا كنت أنوي أخذها له فعلا لكن خشيت أن ترفض بسبب

أسعاره ولتشتري منه ما تريد ولا تهتموا للسعر أبدا ، هو قريب من

هنا يمكنكم الوصول له سيرا أو أوصلكم له بنفسي "

أمسكتها من يدها وسحبتها معها قائلة

" لا شكرا فقط خذ معك هذه المملة للمنزل وحقق لها امنيتها "

وغادرت بها خارج المبنى ونظره يتبعهما قبل أن ينقله للتي بقيت

واقفة أمامه تنظر لمكان اختفائهما وقال مبتسما

" يمكنني إيصالك حيث تريدين "

حركت رأسها بالرفض وقالت ناظرة للأكياس في يدها

" سيارتي هنا شكرا لك ، عليك فقط إيصال تلك المجنونة للمنزل

فيما بعد "

وتابعت مجتازة له

" أنا اشفق على ابنة عمك منها حقا "

وغادرت جهة المخرج أيضا نظراته تتبعها مبتسما ثم غادر من

هناك فقد تأخر عن موعده وتلك ليست عادته .


*
*
*

دخل غرفته في الفندق ووضع حقيبته على السرير وفتحها

وأخرج منها ملابسه ليستحم ويصلي فاليوم كان مرهقا بالفعل

ففوق أنها رحلته الأولى اضطر فيها ليكون الطيار الأساسي ..

لا وهبوط كارثي كاد يذهب ضحيته أكثر من مئة شخص ، أي

اختبار قدرات متلف للأعصاب هذا ؟ ومن الجيد أن خاله مطر

على علم مسبق بأخذه لمهمة مساعد الطيار وساعات خبرته

أقل منه بكثير لكان أصبح في مشكلة كبيرة قد لا يجد ولا هو

حلا لها إن تأخر خاصة في هذه البلاد ، وها هو لم يخن توقعاته

فلم يسمح ولا بالتحقيق معه والنظر لملفه السابق وتلك هي النقطة

التي إن تأخر عنه فيها لكان تعرض لمسائلة قانونية وما كانوا

ليهتموا بما فعل وأنجز .

أخرج بنطلونا مريحا واستقام في وقفته ونظر جهة باب الشرفة

الزجاجية المطلة على أهم معالم تلك العاصمة ففندق هيلتون من أحد

أهم وأفخم الفنادق القريبة من مطار هيثرو حيث هبطت طائرته وقد

تم اختياره حسب جدول رحلتهم ، تحرك نظره مع الطائرة التي

حلقت في السماء بعيدا وزينت ابتسامة غامضة شفتيه ما أن تذكر

ذاك الوجه والابتسامة ، لم تجذبه فتاة سابقا وليس يفهم ما السر

في تلك ! عفويتها وابتسامتها و جمالها الرقيق تسحرك بسهولة

وبساطة لا بل هو من انشد لها ما رآها من بعيد فما أن دخل مبنى

المطار كان لديه فضول غريب لرؤية تلك العربية التي كل ما فكرت

فيه هو دعمه معنويا وإشعاره بأنها تثق بقدرته على إنجار ذلك رغم

أنها لا تعرفه ورغم أنه مساعد طيار مبتدئ في مواجهة كارثة قد يعجز

حتى الطيارين عن اجتيازها ، لا وبل تحدته أيضا ليقف على الأرض

سالما وكأنها ليست تلك !

حرك رأسه مبتسما وتحرك جهة الحمام فاستوقفه صوت رنين هاتفه

وكان سيتجاهله فهو بحاجة لأن يستحم فعلا لكنه تراجع عن ذلك وعاد

ناحيته ورفعه ناظرا للاسم فيه ثم جلس على طرف السرير وفتح الخط

مجيبا فوصله صوتها الباكي فورا

" غيهم بني أنت بخير ؟ قل أنك بخير يا قلب والدتك "

ابتسم وقال

" بخير أمي لما البكاء هكذا ؟ لو أنك تعلمين أني لست بخير

ما كنت اتصلت بي "

" ما كان ليطمئن قلبي إن لم أسمع صوتك ، اقسم إن حدث لك

مكروه أو خسرتك ما كنت لأسامح نفسي أبدا "

مرر أصابعه في شعره قائلا

" أمي ما هذا الذي تقولينه ! من هذا الذي يمسك قدر الله أو

يحركه غيره ؟ "

وصله صوتها المختنق بعبرتها

" ونعم بالله لكن ثمة فرق بين أن يموت شخص بسببك أو من دون

سبب ، هذه آخر رحلة لك ولن تركب طائرة مجددا "

قال بضيق

" أمي بالله عليك ألست من أصر على هذه الرحلة وعلى أن أكون

طيارا ؟ هل هي لعبة تشتريها لي ثم تأخذينها مني لتعطيني غيرها ؟

هذه أعوام ودراسة وتدريب ولن أبدأ من الصفر مجددا وأنا سأبلغ

السابعة والعشرين بعد أيام "

وصله صوتها فورا قائلة بسعادة وحماس وكأنها ليست من قررت

أنها آخر رحلة له منذ قليل

" خالك مطر قال بأنه سيقام احتفال لك وقت استقبالك وسيتم منحك

شهادة طيار للانجاز الذي قمت به ، اقسم أني يوم رأيتك ببذلة الطيران
كان يوما لم يضاهيه يوم في حياتي ولا حين ولدت لأن هذا ما كنت
أريدك أن تكون عليه "

وتابعت قبل أن يعلق

" اعتني بنفسك جيدا بني فسيتم منحكم فترة راحة قبل رحلة عودتكم ،

أنافخورة بك وليس ثمة أم أسعد مني في الوجود ... رزقك الله كل ما

يحبه قلبك لطاعتك لي ووالدك منذ كنت صغيرا "

ابتسم ونسي همومه وتعبه مما مر به حينها فرضاها عنه هو ما كان

منغرسا في قلبه دائما ولا يستطيع النوم ليلا إن كانت مستاءة منه ،

لن ينسى أبدا ما قاسته حين أخذوهما منها طفلين أحدهما حديث

ولادة والآخر عمره عام واحد فقط بل ورفضت الزواج وهي شقيقة

زعيم الحالك وقتها وتطلقت صغيرة في السن وطالبيها كثر كي لا

يغضبا منها وعلى أمل أن يبحثا عنها يوما ما فقط ليس ولا حتى أملا

في رجوع والدهم لها ، ورغم حزمها وشدتها معهم غالبا إلا أنها أكثر

النساء حنانا وكل ذلك كان من أجل مصلحتهم فقط .. كانت ترفض أن

تربيهم على الدلال وعدم تحمل المسؤلية وحين كبر علم معنى ذلك وهو

يرى نماذج حقيقية أمامه لمن تحدثت عنهم فشعر بالفخر لأنها والدته

وربتهم على التمسك بدينهم وأخلاقهم فحتى أبان ورغم عناده المتوارث

منها وعدم اهتمامه لما يلقيه لسانه إلا أنه كان ناجحا متفوقا دائما وها

هو طموحه لم يتوقف عند شهادة محاماة بامتياز ولم يكن له علاقة بأي

فتاة من قبل والفضل بعد الله لها فوالدهم أكثر لينا منها ورغم ذلك لم

يعارض أسلوب تربيتها لهم يوما فقد كان أشبه بزائر ليل بسبب أعماله
ومنذ صغرهم وهذا أكبر ما يواجه من هم في مكانه تأخذهم أعمالهم من

شيء وليس يلومه فهو ما فعل كل ذلك إلا من أجلهم ولم يحرمهم أي

شيء في حياتهم ومهما كان مكلفا .

تنهد بعمق وقال بهدوء

" وليحفظك لي أمي حياتنا من دون وجودك لا معنا لها وأنا من يفخر

بأنه ابنك "

وصله صوتها الحنون فورا

" شكرا بني .. سأتركك لتنام وترتاح ولا تنسى حفل الليلة في منزل

السيد ضرار فهم يصرون على حضورك وسيرسلون لك سيارة لتقلك

لمنزلهم في بريستول وعليك أن تلتقي بكنانة هناك يا غيهم فقد اتفقت
ووالدتها .. لا تضعني في موقف محرج معهم "

اتكأ بجبينه على راحة يده ناصبا مرفقه على ركبته ينظر للأسفل ومرر

أصابعه في شعره وتنهد هامسا

" حاضر امي "

قالت من فورها " لا حرمني الله من سماع هذه الكلمة من شفتيك يا

عينا والدتك ... وداعا بني "

رمى الهاتف جانبا ما أن قطعت الاتصال ووقف ليدخل الحمام فأوقفه

هذه المرة صوت الطرق على باب الغرفة فتوجه نحوه وفتحه فكانت

إحدى الموظفات تجر معها عربة خشبية أنيقة من طابقين مليئة

بالأطعمة فابتعد فاتحا لها الباب أكثر وأدخلتها وقال ما أن بدأت برفع
أول طبقين لتضعهم على الطاولة الزجاجية
" يمكنك تركها سأهتم بالأمر بنفسي "

أعادت الطبقين مكانهما وقالت مغادرة من فورها

" كما تريد سيدي وأعلمنا وقت تريد أن نخرجها من هنا "

أغلق الباب خلفها ودخل ونظر لكل تلك الأطعمة التي سيحتاج ليوم كامل

ليأكلها ثم تحرك جهة الحمام ليوقفه صوت رنين هاتفه مجددا فرفع

رأسه وتنهد مستغفرا الله ثم عاد ناحيته ونظر لرقم المتصل فكان والده

وهذا شخص آخر لا يمكنه تجاهل اتصاله ، رمى ملابسه على السرير

ورفعه مجيبا

" مرحبا أبي "


*
*
*


ابتعدت عن حضنه دافعه إياه من صدره وقالت بحدة

" توقف عن هذا فأمثالك لا يعتذرون إلا من أجل المستقبل وليس

الماضي "

كانت تنظر له تتلقف أنفاسها وكأنها تفقدها ببطء تنظر لعيناه السوداء

المحدقة فيها بصمت .. تعلم جيدا بأن كلمة آسف لديه معناها جرح آخر

وصدمة جديدة فأمثاله لا يعتذرون عبثا ، لم تستطع التحكم في دموعها

التي عادت لملئ حدقتيها السوداء الواسعة تنظر لعينيه المحدقة بها

بهدوء ... لملامحه المسترخية ... لشعره ولحيته المبللتان بالماء

ليعكس ضوء النهار سوادهما الشديد .. بل لتقاسيم وجهه التي عشقتها

يوما وبجنون وتملك وبشغف ولم تكن تتخيل أن عواطفها تلك ستواجه

بتلك القسوة منه بأن يقتلها ويطعنها حيث دفنته وحيث احتفظت به ،

همست بأسى ودمعتها تتدلى من بين رموشها

" ليتك قتلتني بطريقة أخرى يا مطر .. ليتك فقط اخترت سلاحا آخر

تخرجني به من حياتك "

أمسك وجهها ورفعه له أكثر وقال بجدية ناظرا لحدقتيها السوداء

الواسعة

" أنصفيني يا غسق واجعلي مكانا لي في عقلك مرة واحدة فعواطفك

لن تنصفني أبدا "

تلاحقت أنفاسها وقد همست بسخرية أقرب للألم

" أعتقد بأن أربعة عشرة عاما كافيه ليتخذ عقلي جميع قراراته

أما عواطفي فقد قتلتها وقت رحيلك "

غرس أصابعه أكثر في خصلات شعرها المبلل وقال بتصميم

" اتركي عقلك يخبرك يا غسق .. استمعي لحديثه مرة واحدة فقط "


شدت ذراعيه على ركبتيها أكثر تدفن وجهها فيهما وانسابت تلك

الغرة الحريرية متدرجة على بشرة ساعديها الثلجية تشد ذراعيه

بأناملها بقوة درجة أنها تركت علامة حولهم وكل تلك الكلمات تنهال

على قلبها بحجم الوجع الذي عاشته لأعوام


(هذا مكانك يا غسق .. خلق لك أتفهمين هذا ؟(

)بل لم أخنها مع أي امرأة ... ولن تستحق امرأة في الوجود أن تأخذ

مكانها(


(ومطر شاهين يحبك ... يحبك يا ابنة دجى الحالك ... يحبك يا ابنة

دجى الحالك)


أشتدت أناملها على ذراعيها أكثر وسقطت الدمعة اليتيمة في حجرها

وسيل ذكريات الماضي البعيد يختار له مكانا في ألمها أيضا


(امرأة داس على كرامته وتنازل من أجلها ... عشقها تسمعين ؟

عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره .. أنها باعته بأرخص منه ..)


(لي أنا ليست له حتى دمائها التي تجري في عروقها ملكي)


(غسق فكري في أمر واحد فقط .. رجل كمطر شاهين لما سيقول ما

قاله وأمام وسائل الإعلام ليهز صورته بذاك الشكل أمام الرأي العام

وهو يحتاج لتلك الصورة أكثر من أي وقت مضى ؟ غسق شقيقتي ليس

ابن شاهين من يكشف عن عيوبه وأخطائه وللعلن وأنتي من يعرفه

أكثر من الجميع بالتأكيد)


)أنصفيني يا غسق واجعلي مكانا لي في عقلك مرة واحدة فعواطفك لن

تنصفني أبدا(




رفعت رأسها ومررت أصابعها في غرتها للأعلى تنظر للفراغ وهمست

وأنفاسها تتقطع في حلقها وجفناها متوهجان بشدة من حبسها لدموع

ترفضها بتاتا

" لن أسمح له بأن يغفر لك يا مطر .. لن أبحث لك عن أعذار وإن

توضحت أمامي ... لن اسامحك على ما فعلته بي أبدا "

مسحت عيناها بظهر كفها بقوة حين طرق أحدهم باب غرفتها ولم يترك

لها المجال ولا لأن توافق أو ترفض دخوله وقد انفتح سريعا وظهر لها

رأس الكاسر الممدود منه ونظر لها مبتسما وقال

" أمي أنتي لم تنامي بعد ؟ "

أبعدت غرتها للأعلى مجددا وجمعت شعرها على كتفها الأيمن قائلة

بصوت منخفض تتجنب النطر له

" سأنام الآن "


دخل وأغلق الباب خلفه متجاهلا ما قالت واقترب من سريرها قائلا

" المهم أنك لم تنامي بعد "

قالت بجمود تنظر له وهو يجلس أمامها

" إن كنت تريد التحدث عن مغادرتنا المنزل والمدينة فلا تتعب نفسك "

قال مبتسما

" لا فأنا حقا سأكون سعيدا بانتقالنا لحوران لأن تيما حينها لن تحتاج

لقطع كل هذه المسافة لتكون معنا وسأراها كل يوم وأزورها إن لم تأتي

هي لزيارتنا بل وسأدرس في مدرستها ذاتها ولن أرحمها مني أبدا "


ابتسمت بحزن على حماسه وتعلقه بشقيقته التي لم يعرفها سوى من

وقت قريب حتى أنه لم يهتم لمغادرته المدينة التي عاش فيها صغيرا

ودرس وله أصدقاء كثيرين يعيشون فيها وباتت تيما بالفعل عالمه

الجديد ! تفهمه جيدا فهو حرم الأشقاء كما الوالدان وعاش وتربى

ولعب وحيدا بينهم كتيما تماما كانت طفولتها وحيدة ولن تعرف هي

معنى هذا لأنها عاشت مع أربعة أشقاء عاملوها كالأميرة المدللة ولم

يشعروها يوما بأنها تختلف عنهم لأنها فتاة ولم يجعلوها نسخة ذكورية

عنهم أيضا فحتى وقت لعبهم وركضهم تكون على عنق أحدهم يركض

بها كفريق ولم يعلموها خشونة أن تواجههم وحدها مطلقا حتى أنهم

كانوا يقولون بأنها الفائزة في أي لعبة يلعبونها كي لا تبكي فلم تكن

ترضى بأقل من الفوز .

مسحت بكفها على طرف وجهه وقالت بحنان

" وتيما لن يزعجها ذلك بل وستكون أسعد منك به "

أمسك يدها وقبل باطن كفها وقال ما أن سحبتها منه

" لقد التقيت اليوم بمطر شاهين في المستشفى "


عبست ملامحه ما أن أشاحت بنظرها عنه وقد ارتسم الضيق على

ملامحها فقال بهدوء حذر

" هو من طلب مني أن أكون قربك هناك و.... "

غصت الحروف في حلقه فهمسها بصعوبة

" وأن أناديه أبي "


نظرت له فورا نظرة لم يفهم كانت نتيجة لصدمتها مما قال أم بسبب

رفضها له فتابع بحزن متجاهلا ما ستكون عليه رد فعلها

" كنت أتمنى دائما أن أنطق هذه الكلمة ، أنتي لم تتركيني أحتاج

لحنان أمي ولم أشعر بفقداني لها قط لكني تمنيت والدا لي ومنذ

كنت طفلا كنت أشعر بأني يتيم الأب فقط "

لم تستطع مقاومة الدموع التي ملأت مقلتيها ومدت يدها له

هامسة ببحة

" تعالى بني "

اقترب منها فورا ونام في حضنها فقبلت رأسه ومسحت على

شعره ودموعها وجدت سبيلها للنزول متقاطرة من رموشها

الطويلة ، إن كانت هي تفقد والده وشقيقها الوحيد ولازالت

عيناها تبكيه حتى اليوم فكيف به هو من حرم حتى من رؤيته

ومن أن يعيش مع والديه وإن لأعوام قليلة فقط ، تنسى دائما

بأنه لازال في الخامسة عشرة وتريده رجلا قبل أوانه ولا

تساعده حتى ليكون كذلك ، كيف فكر ذاك الرجل في هذا ؟

لن تعدها حسنة له لكنها حقا تعترف بأنه أصاب فيما فعل

وهذا هو حاله دائما لا ينسى أحدا من عدله وإنصافه إلا هي

وابنتها من بعدها وكأنهما تدفعان ثمن بطولات مطر شاهين

وثمن عدله وإنصافه للجميع .

مسحت دموعها ما أن ابتعد عن حضنها ونظر لعينيها قائلا

" أمي إن أنتي ذهبت للعيش معه فلن أكون إلا معكما "

نظرت له باستهجان فقال سريعا قبل أن يسمع منها تعليقا

يعرفه جيدا

" لن أكون سعيدا إلا بوجود عائلة لي أمي ... والدان وأشقاء

لن يمنحهم لي أحد ولا أعمامي أو عمتي جويرية "

قالت بضيق ما أن أنهى كلامه

" كاسر أنا لن أغادر لأي مكان وسنبقى معا ولا تتحدث عن

هذا أمامي مجددا "

قال باستياء

" أمي أ... "

قاطعته بأمر

" كاااسر "

تأفف قائلا

" إن فرضنا مثلا ... وها أنا قلت إن فرضنا فسأكون معك "

وتابع بنظرة حزينة

" أنتي لن تتركيني أمي أليس كذلك ؟ "

حضنته مجددا وقبلت رأسه هامسة بحزن

" لن أفعلها يا كاسر لن يأخذني منك ولا أي رجل في الوجود

أنت ذكرى شقيقي الوحيد ومن دونك لا يمكنني العيش بني ولن

أبتعد عنكم كن مطمئنا "

ابتعد عنها وقبل رأسها وقال مبتسما ومغادرا السرير

" الآن يمكنني النوم ... تصبحين على خير "

وغادر الغرفة نظراتها الحزينة تتبعه حتى أغلق الباب خلفه

ثم نظرت لهاتفها على الطاولة بجانب السرير ورفعته واتصلت

بمن هي لن تستطيع النوم الليلة إن لم تتحدث معها فما أن

تغادر منزلها تشعر بأنها أخذت روحها معها وتعترف بأنها

تخطئ حين تلقي باللوم عليها في أمور لا يد لها فيها ، أجابت

سريعا وقد وصلها صوتها المتلهف قائلة

" أمي ؟ "

ابتسمت بحزن قائلة

" هل أزعجت نومك صغيرتي "

وصلها صوتها فورا

" أبدا أمي فأنا لم أنم بعد "

همست باستغراب

" ألم تنامي حتى الآن ؟ "

وصلها صوتها الحزين

" لم أستطع النوم ولا الاتصال بك خشية أن تكوني نائمة ، أمي

سامحيني لم أكن أعلم أنه سيغضب وسيلقي ... "

قاطعتها بهدوء

" لا بأس حبيبتي أنا من عليه الاعتذار كنت مستاءة وما كان

عليا قول ما قلت "

وصلها صوتها فورا

" لا بأس أمي أنا لم أغضب منك أساسا ولن يحدث ذلك يوما ...

أنتي ووالدي أثمن ما أملك في هذه الحياة ولن افكر يوما في

أن أغضب من أحدكما أبدا "

تنهدت بعمق ممررة أصابعها في شعرها فهي فعلا كما قال

تضعهما في كفتا ميزان واحد لا تغضب من كليهما ولا تحب

أحدهما أكثر من الآخر وبالتالي لن تكون سعيدة بوجودها مع

أحدهما دون الآخر .

قالت مقاطعة لأفكارها تلك

" والدي أخذني فقط من أجل زيارة عمتي جوزاء وأنا في منزلها

الآن بينما غادر هو لمدن الثنانيين "

قبضت أناملها دون شعور ما أن تذكرت رعد وما حدث معه ، لم

تكن تتصور يوما بأن هذا سبب رفضه للزواج وكان عليها أن

تتوقع ذلك فأبناء هذه العائلة لا يختارون سوى النساء

الممنوعات عنهم ولا تفهم لما تتعقد حياتهم هكذا ! .

قالت بشبه همس

" هل سيقضي الليلة هناك ؟"

لا تعلم كيف خرج منها ذاك السؤال ولا كيف قالتها لكن عقلها

ودون شعور منها فكر في تلك الثنانية التي دفعته للرقص معها

في الماضي وشعرت بذات تلك الجمرة تتقد في داخلها ، غطت

عيناها بكفها تتنفس بعمق ... سحقا له هو السبب لم يترك لها

مجالا ولا لتتخلص منه داخلها ... جعلها تعيد اختبار ملمس

شفتيه وحضنه وكلماته الهادئة الرزينة حين يعنيه حقا أن

يشرح أمرا ما لمن يحدثه وكأنه اختار قتلها قبل أن تقتله فيها

لكنها لن تستسلم لعواطفها مجددا ولن تسمح له ولا لها بهزيمتها

فمطر شاهين عليه أن يموت داخلها وإن قتلت نفسها معه .

قاطعتها قبل أن تجيب على سؤالها

" هل سيطول بقائك هناك ؟ "

وصلها صوتها فورا

" لا أمي سأغادر صباحا لحوران "


تنفست بعمق قبل أن تقول

" ونحن سننتقل هناك للعاصمة قريبا "

وكما توقعت وصلها صوت شهقتها المختلطة بضحكة سعادة

قبل أن تقول

" حقا أمي !! يا له من خبر رائع ، بل هو أجمل خبر سمعته

وسيكون بإمكاني زيارتك كل يوم ... "

سكتت قليلا قبل أن تقول باستغراب وكأنها تذكرت لحظتها فقط

أن تفكر في ذاك الأمر

" لكن لماذا أمي ! هل من مشكلة ؟"

تنفست بعمق قائلة

" لا شيء من ذلك أنا فقط عليا تسليم المنزل أيضا فرئيسة

الجمعية الجديدة ستكون الأحق به ولأن منزلا رعد ورماح في

حوران سيكون علينا الانتقال هناك فلن يرضى أيا منهما بأن

أشتري منزلا بعيدا عن هناك خاصة رعد فهو كان يريدنا

دائما معه خصوصا بعد حادث رماح ووضعه الحالي فهو

يضطر لزيارتنا دائما من أجله "

وصلها صوتها الهادئ فور أن أنهت حديثها

" لم أكن سعيدة أبدا بقرار تركك الجمعية والعمران ، لقد كنت

الجزء المكمل لها فعلا لكني أحترم قرارك أيضا أمي وأريد أن

أكون مثلك تماما امرأة تقرر بنفسها وتعلم أين تضع قراراتها

السليمة "

ابتسمت بحزن ولم تعلق على ماقالت فها هي التي تفهمها فعلا

ورغم كل شيء رأت بأنها تتخذ قرارات سليمة وأرادت أن تكون

مثلها رغم تناقض أرائهما خاصة فيما يخص والدها وعودتها له !

قالت بهدوء مماثل " تصبحين على خير إذا صغيرتي ونامي جيدا

فرحلتك ستكون طويلة غدا "

وصلها صوتها فورا

" رحلتي ستكون بالطائرة وما كنت لأشبع من التحدث معك

أبدا لكن أنتي من عليها أن تنام وترتاح ... أحبك أمي وأشتاق

لك من الآن "

همست بحزن وحنان

" وأنا أحبك بنيتي اعتني بنفسك جيدا "

" حسنا أمي .... تصبحين على خير "

وما أن فصلت الخط ضمت الهاتف لحظنها بقوة مغمضة

عينيها وقد تقاطرت منها الدموع التي حاربتها لساعات ،

ليته فقط لم يحرمها منها ... من احتضانها طفلة ومن

مراقبتها تكبر شيئا فشيئا أمامها .. تحبوا ثم تقف فتمشي ...

ضحكاتها الصغيرة كلماتها الطفولية المتقطعة وزيها المدرسي

الصغير بل وجميع ثيابها التي كانت تكبر معها رويدا رويدا ...

ليته قتلها به فقط وما اختار طعنها مرتين متتاليتين ليرجعها

لها فتاة ناضجة تكاد تساويها في الطول ستحتاجان لعمر آخر

لسد الهوة الواسعة بينهما ولتفهم كل واحدة منهما الأخرى

وتعتاد وجودها في حياتها فبأي قلب وعقل ستسامح ذاك الرجل ؟

أجل هي غبية ولن تفهم أبدا معنى ما قال وحاول شرحه لها

عند الشلالات ولن تسمح لعقلها بالتفكير فيه مجددا فلا مسوغات

أبدا لذبحه لها مرارا وتكرارا وأمام الجميع .

وصل المنزل مقربة الفجر وركن سيارته أمام بابه ونزل فالمسافة

من مدن ثنان غرب الحالك حتى حوران أخذت منهم مقربة الأربع

ساعات هذا غير الوقت الذي قضوه هناك وإصرار زعيمهم على

أن يتناولوا العشاء معهم .

لا يصدق أن مطر قدم لهم كل ذلك ! كل تلك التنازلات من

أجل امرأة ! رغم أنها كانت ستسبب حربا بينهم وبين العرب

بل وقدمها مهرا لها ! والمفاجأة الأعظم كانت ما قاله وأمامهم

بعدما عقدوا اتفاقهم ذاك بأنه كان سيمنحهم كل ذلك في جميع

الأحوال ( العربي والثناني سواء في جميع حقوقهم في البلاد كما

تمنح الجنسية لهم بالإجماع ، تبنى لهم مدن جديدة في أماكن

أخرى من البلاد ولا تكون الحدود مكانهم الأساسي والوحيد

وكأنهم جزء خارج بلادهم ، لغتهم تصبح أساسية في البلاد

وتضاف لجميع اللافتات وتدرس في المدارس لمن رغب من

العرب وشرط أساسي للثنانيين ، شرط زواجهم من العرب

الإسلام كما أنه يمنع اعتناق ديانتهم على العرب وهذا أكثر

ما نوقش وكانو يرفضونه حيث أن الثناني سيسمح له بدخول

الإسلام بينما العربي لا يرتد عن دينه وكان شرطا إلزاميا رفض

مطر التراجع عنه أو تغييره وكان على استعداد لأن يلغي

اتفاقهم بأكمله من أجله )

يعلم بلقاء مطر السابق بهم وطرحهم لمجموعة مطالب

لانضمامهم لباقي أطياف البلاد لكنه لم يكن يتوقع أن يقدم

لهم أكثر مما أرادوا ! وليس يعلم ما ستكون ردود الأفعال

عليه داخليا وخارجيا أيضا ؟ يعلم بأنها ستكون الإيجاب خارجيا

لكن داخليا ... ؟ هنا ستكون المعضلة وليس يفهم كيف سيدمج

ثقافتين وشعبين مختلفين تماما ! يثق جيدا في قدرات وأفكار

مطر شاهين ويقف في صفه من حيث أن تلك القبائل ظلمت

بالفعل وفي كل بلاد تكون فيها فيكفي أنه لا وطن لهم ينتمون

له .. لا هوية .. لا جنسية ومطرودين للحدود في بلدانهم جميعها .

أغلق باب المنزل خلفه بهدوء ودخل بخطوات سريعة فبالكاد

سيجد وقتا ليستحم ويلحق الصلاة في المسجد ويبدأ بعدها

يومه الشاق المعتاد .

" عمير "

وقف مكانه عند أول السلالم والتفت لصاحبة ذاك الصوت

والتي خرجت فجأة من ناحية المطبخ أو أنها كانت هناك

ولم ينتبه لها ! نظر لها باستغراب وقال

" بثينة لما أنتي مستيقظة حتى الآن ؟ "

نظرت للأسفل ولم تستطع قول الحقيقة فقالت بصوت منخفض

بالكاد سمعه

" اشتقت لطفلاي ولم أستطع النوم "

أنزل رأسه مبعدا نظره عنها ما أن نزل شعرها على وجهها

بسبب حجابها الموضوع على رأسها بإهمال وقال

" ذاك حقه يا بثينة لا يمكنني نقض الاتفاق معه "

رفعت رأسها ونظرت له قائلة

" وأنا لست أطالبك بنقضه يا عمير "

قال بهدوء ولازال على وضعه السابق

" تريدين العودة له ؟ "


انفتحت عيناها من الصدمة وقالت فورا

" لا بالطبع "

قال ولازال يتجنب النظر لها

" بما يمكنني مساعدتك إذا ؟ "


عبست ملامحها وقالت
" ليس هذا ما أردت التحدث معك فيه "

قال ونظره على مفاتيحه في يده

" فيما إذا ؟ إن أردت أي شيء أخبريني "

نظرت له بحزن وقالت

" عن صدودك عني هكذا أتحدث يا عمير ، أنت تتجنب حتى

النظر لي وتشعرني بالذنب مضاعفا على ما حدث في الماضي "


دس مفاتيحه في جيبه وقال ونظره على عتبات السلالم أمامه

" ليس الأمر كما تتخيلين يا ابنة عمتي فأنتي في عدة الآن وأنا

رجل لا أحل لك في جميع الأحوال "

قالت بأسى ونظرها معلق بوجهه الذي يوليها جانبه

" لكنك لم تكن هكذا في الماضي وكنت وقتها مجرد خطيبة

لك بل وقبل خطبتك لي لم ... "

قاطعها قبل أن تنهي حديثها قائلا بجمود

" ذاك حين كنت في بداية العشرين من عمري وأغلب

تصرفاتي خاطئة "

شعرت بسكين غرس في قلبها وآلمها بشدة وأول ما حاول

عقلها فعله أن حارب فكرة أنه يعني مشاعره السابقة نحوها

أيضا فقالت بأمل كسير

" أعلم بأنك غاضب مما حدث ولست ألومك فأنا أيضا كنت

أتصرف وأفكر بطيش حينها "

قال مباشرة

" لا لم تكوني كذلك "

شقت ابتسامة أمل ملامحها الحزينة المحبطة لكن ذلك لم

يدم طويلا وهو يحطمها متابعا وقد نظر لها هذه المرة

" كان قرارك بعدم انتظاري صائبا يا بثينة فأنا ما كنت

أتوقع أن تطول سنوات غيابي عن البلاد لكل هذا الحد فلو

أنك انتظرتني ما كان ابنك في العاشرة من عمره الآن ،

علاقتنا كانت خاطئة من أساسها ولم نكن متوافقين أبدا

وكنت أتغاضى عن اختلافاتنا بسبب مشاعر كانت ستوقعنا

في حياة بائسة وللأبد "

وتابع متجاهلا نظرتها المصدومة له

" أنتي تستحقين رجلا أفضل مني يا بثينة وعليك أن تشكري

الله أننا لم نخض تجربة الزواج لأنها كانت ستكون

فاشلة بالتأكيد "

وصعد السلالم ما أن أنهى كلامه ولم يسمع ردها أو تعليقها

ولم يهتم لذلك فهو لن يتركها تعلق آمالها عليه بسبب ماض

لم يعد يعنيه في شيء ، ليس لأنها تزوجت ولا أنجبت أبناء

فكان سيقبل بها الآن ولن يهتم لكنه استفاق لما كان سيقحم

نفسه فيه فكم تجاهل سابقا عيوبها حين كانت تطالبه بمنزل

أحلامها ومهرا يكفي لإعالة عائلة كاملة في ذاك الوقت

ولأعوام ولم تفكر في وضع البلاد وتدني الوضع المعيشي

وقتها ووضعه في عائلته فلم يعتمد على والده قط لكنها

أنانية ولم تفكر سوى في نفسها وكل ما كان يعنيها وقتها

أهوائها ورغباتها ، إن كانت تحبه لنفسه لكانت ضحت بكل

شيء ليكونا معا وإن ناما على بساط بالي في غرفة واحدة

ولكانت انتظرته على الوعد بينهما مثلما فعلت تلك الثنانية

التي لم تعرف ابن شراع سوى فترة شهرين فقط وليس

أعواما مثلهما ، ومثلما أنكرت زوجها ونفرت منه ما أن

مر بانتكاسة مالية ستفعل ذلك معه أيضا حين تزول مملكته

الحالية ولأي سبب كان وإن بانقلاب ضد مطر شاهين

وإزاحتهم من الحكم جميعهم .

دخل غرفته وتوجه لغرفة الملابس فورا ليخرج ثيابا له

ويستحم سريعا مبعدا تلك الأفكار من رأسه فهو يستقبلها

هنا احتراما لعمته فقط ولأنها قريبته وتحتاج إليه أما أكثر

من ذلك فليست تعنيه في شيء فهو أيضا قرر الخيار السليم

المناسب لحياته ولن يترك عواطفه تتحكم في قراراته مجددا ،

صحيح أنه انجذب لتلك الفتاة حين التقيا أول مرة وما أن

وقع نظره عليها لكنه ترك لعقله مهمة القرار فيما بعد فإن
رفضها ما كان ليتبع عاطفته ناحيتها أبدا .

رمى عنه السترة والقميص وأخذ ثيابه من هناك ودخل الحمام

هامسا بابتسامة

" ولن أجعل طريقي للوصول لك طويلا أبدا يا ابنة صنوان "


*
*
*


توقعت أن تكون مرافقتها هذه المرة أسوأ من ماريه وستجوبان

شارع بوند ستريت كاملا لتجد ما يعجبها رغم أنه الشارع الأفخم

في انجلترا .. شارع الأناقة والجمال وآخر صيحات الموضة

العالمية والأفكار المبتكرة ولا يرتاده سوى الأثرياء وتلك الحمقاء

ماريه رفضت أن تزوراه لتشتري منه وتعرف لما فعلت ذلك لأنه

ما يربط شارع اكسفورد بميدان بيكدلي وهي لا تريد أن تذهبا

هناك بل أن تعودا للمنزل لذلك رفضت لكن هذه الشقراء الجميلة

خانت توقعاتها ولم تجتازا أكثر من محلات ريس وباروني ولم

تصلا ولا لمحلات بازلر الأرقى في ذاك الشارع كما كانت تريد ،

حتى أنها لم تأخذ رأيها أو رأي أي من العاملات اللواتي لا يتم

قبولهن في تلك المتاجر إلا ولهن خبرة في الموضة وعالم

الأزياء بل تصرفت باستقلالية تامة وكأنها زائر دائم لتلك

الأمكنة فنظرت للمعروضات أمامها بصمت واختارت واحدا
ولم تلتفت ولا لحديث العاملة التي كانت تنصحها بواحد أقصر

منه بسبب طول شعرها وقوامها النحيل بل ورفضت حتى أن

تختار مجموعة ليقمن عارضات الأزياء بعرضها أمامها لتختار

من بينها كما يفعلون هناك لجذب الزبائن ، ورغم أنه ترك

بطاقته لها وحسابه مفتوحا إلا أنها لم تشتري سوى الفستان

وملحقاته ! لو كانت مكانها لخرجت من هنا يداها مليئتان

بالأكياس وما استطاعت مقاومة اغراء كل تلك الثياب والماركات

العالمية لكنها تبدوا كماريه تماما لا تقدر قيمة المال الذي تملكه .

رفعت غرتها في مواجهة النسيم ونظرت عبر نهاية الشارع

تقفان على الرصيف وقالت مبتسمة

" ها هي سيارة نائب المدعي العام الوسيم قادمة من هناك "

نظرت الواقفة جانبها حيث كانت تنظر وللسيارة البنتلي السوداء

التي تشق الشارع نحوهما ولم تعلق وتابعت ساندرين وكعادتها

لا تهتم إن بادلها الطرف الآخر الحديث أم لا قائلة باشمئزاز

" لست أفهم متى سيتخلص من تلك البلهاء ... بل لست أفهم أين

وجدت ساحرة ساندريلا التي زوجتها به بل وجعلته يتزوجها "

قالت الواقفة بجانبها وقد ابتعدت بنظرها لمحلات الشارع المقابل

" لو لم تكن تعجبه ما تزوجها "

قالت من فورها

" لا أنتي لا تعلمين عن القصة كاملة فهو حتى لم يراها بل جده

اقترح عليه تلك العائلة وهو وافق دون أن يهتم "

نظرت لها وقد وقفت سيارته مقابلة لهما جهة الرصيف الآخر

قائلة ببرود

" لا أراه يهتم بمظهرها الخارجي ونظرته للنساء تبدوا مختلفة

عنك ولست أرى هذا عذرا لتكرهيها "

مطت شفتيها باشمئزاز وقالت بضيق

" مغفلة وعقلها كجسدها مليء بالشحوم فقط ، لن أنسى ما فعلته

بي سابقا تلك البلهاء ... هو أكبر مني بإثنى عشرة عاما وكنت

حينها في الخامسة عشرة ولست أراه سوى كشقيق أكبر لي

لكن كرشها المنتفخ طبعا وليس عقلها من أوحى لها بأنني

معجبة به ! هل تضن بأني كنت سأتركه لها لو أنه اهتم

لأمري حقا ؟ ما كنت لأتركه لها لتتزوجه حينها فهو الجزء

الحي الوحيد في تلك العائلة والذي يملك قلبا وعقلا ..

طبعا إن استثنينا والدة زير النساء ذاك "

نظرت له وهو يسلك الشارع نحوهما نظره على حركة السيارات

والحافلات فيه وقالت بابتسامة جانبية

" إن كنت تتحديثن عنه هكذا أمامها فمن الطبيعي أن تضعك

في خانة أعدائها ؟"

لوحت الواقفة بجانبها بيدها قائلة بلامبالاة

" أنا لست أمدحه بل أذمهم وأنا لا يعنيني رأي أحد لأني أقول

ما لديا وأمام الجميع فهم بالفعل عائلة غريبة أطوار وأغلبهم

كريهين إن كان نجيب ووالدته أو ضرار ووالدته أيضا وذاك

الوقح المدعو رواح بل ووالدهم معهم طبعا "

وصل حينها عندهم الذي مرر أصابعه في شعره حتى قفى

عنقه قائلا بابتسامة

" هل تأخرت عليكما ؟ حاولت أن أخرج من عنده سريعا "

لم تعلق الواقفة أمامه بينما قالت الأخرى

" لا لم تتأخر ابنة عمك الجميلة هي التي لم تتعبنا في البحث "

قال مبتسما

" وأنتي أيضا يا جميلة شكرا لك وسأوصلك حيث تريدين"

لوحت بكفها وقالت مغادرة

" شكرا لك أريد زيارة معرض الفنون لأشتري غرضا من هناك "

ووقفت بعد مسافة قليلة والتفتت له وقالت رافعة كيسا صغيرا

في يدها

" وشكرا على الهدية التي اشترتها لي من مالك ... أراكما الليلة "

وتابعت طريقها حتى اختفت خلف شارع فرعي فأمسك حينها

بيد الواقفة أمامه وسار بها عابرا الشارع المزدحم حتى وصلا

السيارة وفي صمت ، أخذ الكيس منها وفتح لها الباب وما أن

جلست أغلقه خلفها ثم وضعه في المقعد الخلفي وركب أيضا

وغادرا من هناك .

ظنت أن رحلتهما انتهت عند ذاك الحد فكلاهما فعل ما جاء

من أجله لكنه خان توقعها وقد ركن سيارته في مكان قريب بدلا

من أن يغادرا تلك الشوارع بل والمدينة بأكملها ، خمنت بأنه

يريد النزول من أجل أحدهم أو شراء غرض ما إلا أنه مد يده

لصندوق السيارة جهتها وقال وهو يضع فيه مجموعة أوراق

" هيا انزلي "

نظرت له باستغراب ففتح بابه ونظر لها وقال

" ثمة مطعم رائع هنا فخم ومميز "

قالت ببرود

" ومن قال أني أريد أن آكل ؟ "

قال من فوره

" أنتي لم تأكلي شيئا اليوم وأنا لم أسألك إن كنت موافقة "

قالت بضيق

" لا أعلم أهي الثرثارة أم أنت الذي تتدخل فيما لا يعنيك فعلا ؟ "

قال بحزم

" بل كلانا نهتم لأمرك يا زيزفون "

قالت بضيق أشد

" هذا ليس اهتماما وأكره معاملتي كطفلة .. أنا أعلم جيدا

ما يصلح لي وأكثر من أي شخص آخر "

تنفس بعمق مغمضاعينينه ثم نظر لها وقال بهدوء

" أنتي ابنة عمي يا زيزفون وتعنيني مصلحتك حقا فقد أرى

أي امرأة في الوجود تتصرف كطفلة لكن أنتي لا ، وأن

تتناولي كل تلك الأدوية من دون طعام جيد فمعناه أن تقتلي

نفسك بالبطيء وهذا ما لن أسمح لك به أبدا "

حدقت في عينيه بصمت قبل أن تشيح بوجهها عنه فتنهد ببطء

وفتح بابه ونزل فعلى الأقل لم ترمه بتعليق من تعليقاتها الرائعة

تلك ، أغلق بابه ودار حول السيارة وفتح لها الباب فتنهدت

بضيق ونزلت لأنها تعلم جيدا ما نتائج العناد مع هذا الرجل .

كان المطعم في الطابق الأربعين من برج هيرون والمطعم

الأعلى في المملكة المتحدة فهو بذلك يوفر إطلالة زجاجية

على جميع أنحاء المدينة وكان بأثاث عصري مميز وأرآئك

جلدية بالإضافة للمقاعد والطاولات الخشبية البيضاء المميزة

والحركة فيه كانت تدل على أنه يفتح أبوابه على مدار الساعة .

ما أن جلسا حتى تقدم منهما النادل متجتازا باقي الطاولات يقصد

طاولتهما تحديدا وما أن وقف عندهما قال للجالس مقابلا له ومبتسما

" مرحبا سيد وقاص "

أومأ له مبتسما فقال ذاك من فوره

" الأطباق البحرية كالعادة ؟"

قال من فوره

" أجل ولا تنسى التعليمات المعتادة "

قال مبتسما

" بالتأكيد سيدي فالشيف مارتن ما أن يذكر اسمك يختار أطباقك

بنفسه ويعدها أولا "

وتابع ينقل نظره بينهما

" هل سيكون الطبق الرئيسي من اختياره كالعادة أم لديكما

طلبات محددة من القائمة ؟"

نظر للجالسة أمامه ملتهية بتغيير ترتيب مجموعة السكاكين

والملاعق الفضية اللآمعة والموضوعة فوق منديل مطرز فخم

ومميز وبطريقة أنيقة وملفتة للنظر ، هو يعلم أن هذه الأجواء

لن تستهويها أبدا وهي من عاشت حياتها منزوية ومعزولة

عن الناس وعن مظاهر الحياة ورغم ذلك لم يستغرب أن لا

تتصرف كشخص يدخل لعالم غريب عنه فخم ومميز لأول مرة

في حياته بل كانت وكأنها تزوره كل يوم ليس لأنها اعتادت هذا

بل لأنها بالفعل مختلفة في كل شيء تعلم كيف تتصرف كامرأة

نبيلة ثرية متى أرادت وهذا ما توقعه أيضا وأصاب فيه بالنسبة

لشرائها لما تحتاجه من ذاك الشارع الذي لا يرتاده سوى الأثرياء

فلم تأخذ وقتا طويلا لتبحث عما يناسب ذوقها وما عاشت وتربت

عليه ولم تشتري أكثر مما تحتاجه للحفل رغم تركه لحسابه مفتوحا

لها ، عاد بنظره للواقف قربهما وقال

" فليكن طبق سمك فالبعض لا يفضل جميع المأكولات البحرية "

أومأ برأسه مبتسما وغادر فورا وعاد هو بنظره للتي قالت

ونظرها لازال على طبقها الفارغ وملحقاته

" بشأن الميدالية الذهبية التي اشتريتها لساندرين فأ...."

قاطعها قبل أن تنهي حديثها

" أنا لم ولن أسألك عن هذا يا زيزفون وحين تركت بطاقتي لديك

أخبرتك أنك تستطيعين التصرف فيها كيف تشائين "

نقلت نظرها جهة الإطلالة الزجاجية للمطعم تراقب معالم المدينة

ولم تعلق ، لو أنها من طلبها أو لمح لذلك ما اشتريتها لها ،

لقد كان واضحا ذلك على نظراتها وسألت البائع عن ثمنها

وكانت تحصي ما لديها دون أن ينتبه أحد ومن ملامحها المحبطة

كان واضحا أنها كالحلم بعيد المنال بالنسبة لها لذلك أرادت

تحقيقه لها وإن لم يكن من مالها فالذنب ذنبه وليس ذنبها هي ،

تابع مبتسما حين لم تعلق

" ثم هي تستحق ذلك فهي صديقة طفولة بالنسبة لعائلتنا ، لابد

وأنك استمتعت برفقتها فهي فتاة مرحلة بمزاج جيد طوال

الوقت تقريبا "

نظرت له وقالت

" بل صريحة وواضحة لا تعرف منافقة أحد وليست تهتم لرأي

الناس بأرائها فيهم "

وتابعت وقد عادت بنظرها للأسفل

" حتى أنها تدم شقيقك المفضل أمامك دون أن تهتم "

قال مبتسما يراقب ملامحها وجفناها المسدلان للأسفل وذاك الشعر

الحريري المتدلي بانثنائة مميزة على كتفيها كستائر فاخرة

" هي ورواح كالزيت والماء دائما ومنذ طفولتهما ولست ألومها

فذاك المزعج السبب رغم أن مشاعره نحوها لا تشبه مشاعرها

أبدا فبعض الرجال قد يتخذ أساليب غريبة بل ورهيبة ليعبر عن

مشاعره للطرف الآخر "

رفعت نظرها له وقالت

" تعني أنه يحبها ؟ "

حرك كتفيه وقال ونظره يراقب النادل الذي بدأ بوضع أطباق

المقبلات والسلطة أمامهما

" اجزم بذلك رغم أننا لم نتطرق للحديث عن الأمر سابقا فهو

من ورائها لا يتوقف عن ترديد أنها رائعة ومدهشة وشهية "

نقلت نظرها منه للطبق تحتها وتمتمت بضيق

" يبدوا أنك بت تخلط بين الطعام وشقيقك "

اكتفى بضحكة صغيرة ولم يعلق وتجنب إحراجها أكثر فاللوم يقع

على عاتقه وليس يعلم كيف خرجت منه تلك الكلمة ! قال وهو يملأ

طبقه من الأرز الموزع حول سمكة الكافيار المشوية وزينه بقطعة

كبيرة منها

" هذا مطعمي الانجليزي المفضل وستفهمين ذلك ما أن

تتناولي هذا "

ورفع طبقها واضعا طبقه مكانه وبدأ بملئه لنفسه فرفعت

الملعقة وقالت ببرود تحرك الأرز بها

" أتقيد نفسك بالطعام البحري فقط لتكون في مطعم انجليزي

مشهور ؟"

حرك رأسه مبتسما فهذه المرأة تغذي نفسها بإهاناتها له

بالتأكيد لكنها لم تعرفه جيدا على ما يبدوا رغم كل ما علمته

عنه ، قال بليونته المعتادة وهو يضيف لطبقه بعض السلطة

" بل أرتاده وقت اجتماعات العمل وبرفقة أصدقائي في مكتب

المدعي العام أو أحد المحامين فقط وغير ذلك فالمطاعم العربية

هي وجهتي يوميا فأنا لا أغادر لندن وقت الغداء أغلب الأحيان "

وتابع مبتسما وقد رفع نظره لها ومن قبل أن تعلق

" وطبعا جلبتك له وأنتي لست انجليزية لأني أحب هدوئه

وإطلالته الرائعة "

لم تعلق وغرفت بملعقتها وأكلت وما أن بدأت بمضغ ذاك الأرز

مع السمك اكتشفت بأنه مميز بالفعل فلم تتذوق طعاما كهذا من

قبل بكل ذاك النضج والليونة وتناسق المكونات فانسجمت في

الأكل بصمت لا تقاوم الملعقة بعد سابقتها وإن كانت تأكل ببطء

ولباقة وساد الصمت بينهما فكان نظرها ينتقل بين طعامها

وتلك المناظر التي يطل عليها المطعم من كل جانب بينما نظر

الجالس أمامه انحصر عليها لا يستطيع أن يوقف عقله عن

التفكير في خبايا جريمة ماضيها تلك ، حين كانت في العاشرة

كانوا هم هنا لم يسافر أحد منهم لبلادهم أبدا كان عمره حينها

أربعة وعشرون عاما وكان على خط النجاح والشهرة في عمله

كمحام بينما كان جده يعقد أهم صفقة في تاريخ تجارتهم وكانت

مملكتهم في أوج ازدهارها بينما هي أين ؟ في ماض تحول لمأساة

لجرائم متراكمة ولطفلة عانت المرارة حتى أنها دخلت المحاكم

وقضت باقي سنوات حياتها في مصح نفسي .. ماتت جدتها

أمام عينيها ثم والدتها ومحترقة أمامها وما خفي كان أعظم

ويلومونها على حقدها عليهم ؟ ماذا يتوقعون منها وهم عاشوا

متجاهلين وجودها وما عانته وتعانيه بينما من حقها أن تكون

كأي واحد منهم فلم تجد ولا شخصا يوفر لها الحماية والطمأنينة ..

أبسط متطلبات الحياة .

أخرجه رنين هاتفه من بحر أفكاره العميق ذاك فنظر له على

الطاولة أمامه قبل أن يرفعه مجيبا ودخل في حديث مطول مع

أحد وكلاء النيابة العامة في محكمته عن آخر دعوى جزائية

وما أثرت به على سير عملهم وآخر قضية أثارت جدلا واسعا

اليومين الماضيين وشغل نظره بكل شيء عدا الجالسة أمامه

والتي لاحظ أن نظرها واهتمامها بات منصبا عليه وعلى ما يقول

وهذا ما لم تفعله سابقا ولا حتى في مكالماته في طريقهما للندن ،

ما أن أنهى مكالمته تلك أعاد هاتفه مكانه وعاد لتناول الطعام

نصف تركيزه مع التي شغلت نفسها بشرب المشروب ونظرها

قد أصبح شاردا في الفراغ لا يفهم ما تفكر فيه تحديدا لكنه

متيقن من أنه يدور في مربع واحد ( ماضيها وجريمته .. القضاء

والدعاوى الجنائية ) فالقضية التي ناقشاها نهاية المكالمة كانت

تشابه في بعدين منها لقضيتها ( القتل العمد مع توفر الأسباب

وصمت المتهم عن الدفاع عن نفسه ) كانت قضية هزت الرأي

العام كاملا الأسبوع الماضي وليس النيابة العامة فقط خاصة

أن الجاني زوجة رجل سياسي يشغل مقعدا في البرلمان الحاكم

والمجني عليه هو الزوج نفسه .

" أيدافع المحامي عن مذنب فقط من أجل المال والشهرة ؟"

استقام في جلسته ونظر لها فها قد وصل لأعمق نقطة في

بحرها الغامض العميق وحرك سكون عواصفه أخيرا ولن يضيع

هذه الفرصة أبدا لأنها لن تتاح له دائما بل يشك بأن تتاح له

مجددا بسبب تكتمها الشديد عن ذاك الجزء من ماضيها حتى

أمام القضاء ومحامي الدفاع عنها في لجنة المحلفين سابقا فأن

تثق به وإن للحديث حول الأمر من نقاط بعيدة قليلا أمر لن يتكرر

وعليه أن يستغله بذكاء ، قال ونظره لم يفارق عيناها

" تقصدين بوجه عام أم السؤال موجه لي خصيصا يا زيزفون ؟"

غابت بنظرها للشوكة التي حركت بها طبق السلطة بجانبها قائلة

" اعتبره كليهما "

ابتسم وقال فورا

" ثمة محامين وكبار أيضا يترافعون عن مجرمين وهم متأكدين

من إدانتهم ويزجون أبرياء بالمقابل في السجون للدفاع عن رجل

سياسة أو أعمال أو مافيا لكن أنا لا قطعا ولا من أجل أي مبلغ

مهما كان ضخما "

رفعت نظرها له مجددا وقالت

" وإن كان المدان شخص يصعب أن ... ؟ "

غضن جبينه وتصلب ظهره ليس بسبب نظراتها التي ارتفعت

فوق رأسه فور قطعها لحديثها الأهم في حوارهما ذاك بل وبسبب

اليد التي لامست ظهره تلاها ذاك الصوت الأنثوي الرقيق

" وقاص أنت هنا ؟ "


نظر للأعلى حيث تلك العينان الخضراء العشبية والابتسامة

الأنيقة ووقف على طوله مبتسما بتكلف لا يعرف أيضحك أم

يسخر من قدره حين جلب له من قطع طريقه للوصول لماضي

تلك المرأة الدفين !

قال بابتسامة مقتضبة

" مرحبا إيلينا "


ابتسمت تلك من فورها وأراحت يدها على كتفه قبل أن ترفع

جسدها على رؤوس أصابعها وطبعت قبلة صغيرة على خده غير

مبالية بصدوده المعتاد وهو من حذرها سابقا من التمادي في

علاقتهما وتحت أي مسمى كان وبأن ما هو عادي لديهم كقبلة

التحية تلك هو غير ذلك لديه ويرفضه لكنها تجد عذرا في كل

مرة كالصداقة والتعود والنسيان ولم يرى ذلك في غير محله كما

اليوم .


قالت مبتسمة ونظرها معلق في عينيه

" لم أرك من فترة ولا تجيب على اتصالات سوى بتلك المراسلات

المملة بأنك مشغول ... اشتقت لك وقاص "


فرك جبينه بأصابعه خافضا رأسه للأسفل قبل أن ينظر للتي كانت

تنظر لطبقها تحرك الملعقة فيه بعشوائية وتنفس بعمق وقال وقد

عاد بنظره لها

" كنت مشغولا بالفعل الفترة الماضية في مبنى النيابة وبالكاد

أزور المنزل وقت النوم ... ما أخبارك أنتي ؟ "

أمالت رأسها قائلة بابتسامة

" اشتقت لك فقط "

فضل ألا يعلق مجددا لأنه خمن سبب تصرفها ذاك وقال معرفا

إياها بالتي أخذتها أفكارها بعيدا بسبب وجودها معه

" هذه زيزفون ابنة عمي "

نظرت ناحيتها بصدمة هذه المرة عكس الطريقة التي نظرت لها

بها وقت دخولها ورؤيتها معه وقالت وقد عادت بنظرها له

" أهذه ابنة عمك الخرساء ؟! "

تنهد بقوة قائلا

" زيزفون ليست ... "

وقطع حديثه ذاك الصوت الذي رن مرتفعا بسبب ضرب الجالسة
أمامهما لملعقتها على الصحن في إشارة فهمها فورا رغم أنها

كانت لاتزال تشغل نظرها عنه للأسفل ، إن تجاهلها وادعى عدم

الفهم يعلم ما ستكون النتيجة وأي فكرة تلك التي ستأخذها عنه

خاصة بعد حديثها الأخير عن أنها حبيبته ونكرانه لذلك وكأنها

تقول له أثبت ذلك الآن ، قال مشيرا بيده

" تفضلي اجلسي معنا إيلينا "

سحبت الكرسي بجانب كرسيه فورا وجلست فتنهد بقلة حيلة

وجلس أيضا متجنبا النظر للجالسة مقابلة لهما فمهما شرح

وفسر عن حدود علاقته بإيلينا لن يفهمه أحد ، لا ينكر أن ما

تحمله له يعاكس تماما ما يشعر به ناحيتها لكنها فتاة عاشت

طفولة مشتتة ورأت نوعا ما فيه ذاك الشيء الذي سيجمع

شتاتها فأصبحت تحيك حوله أحلاما وردية بالاستقرار والعائلة

والحنان المفقود وكانت صدمتها بزواجه عنيفة اجتازتها بازديادها

تعلقا به ثم وفاة جوش شقيقها المقرب فأصبحت تكتفي وإن بالقليل

كالصداقة الصورية ومشاعر مكبوتة لا تمانع في إخراجها للسطح

غالبا متجاهلة حتى ردود أفعاله الرافضة رغم اقتناعها تماما

بمشاعره نحوها إلا أنها لازالت تردد بأنه ثمة أمل في أن تتغير

نظرته لها .

رفعت يدها معتذرة حين رفع الطبق أمامها ليسكب لها الطعام

فيه ونظراتها كانت مركزة هذه المرة على الجالسة تأكل صلصة

السمك بتأني لا تنظر جهتهما وكأنهما ليسا موجودين تبعد

بيدها الأخرى شعرها الذي انساب متمردا على قوس الشعر

منحن فوقه كي لي يضايقها وهي تأكل أو ينزل على أطباق

الطعام تحتها .

" خرسها دائم أم عرضي وثمة أمل أن تشفى منه ؟ "

نظر لصاحبة السؤال والتي كانت تحدق به قبل أن يعود بنظره

للتي كانت تنظر له أيضا هذه المرة وحركت الملعقة قرب

وجهها تنظر له بتحد فهم مغزاه سريعا فزينت ابتسامة خفيفة

شفتيها وقال ونظره لم يفارقها

" بلى ثمة أمل "

ضربت حينها بقبضتها على الطاولة قائلة بضيق

" لا ليس عربية أخرى يا وقاص "

نظر لها باستهجان فسبقته قائلة بأسى قبل أن يعلق

" أعلم بأن زوجتك في منزل والدها من فترة وكنت متأكدة

من انفصالكما القريب فلن تفعلها وتقتلني مرة أخرى وبعربية

أخرى يا وقاص "

قال بضيق

" إيلينا أنا لم .... "


قاطعته بأسى

" أعلم أنك لم تعدني بشيء لكن قلبي يرفض الاقتناع وأنت

تقتله مرارا وتكرارا من قبيحة غبية لخرساء مريضة وتتجاهلني

وكأني لست موجودة "

قال بضيق من انفلات مشاعرها هذه المرة وعلى غير العادة

" إيلينا تعلمين جيدا بأن زيزفون متزوجة ومن شقيقي أيضا

وأنا متزوج ... "

قاطعته بضيق

" لكنه يضربها ورجل سيء جدا وأعرفك لن تتركها زوجة له

أبدا ، كنت أرى جيدا نظراتك ل...."

" إيليناااا .... "

صرخته بإسمها جعلتها تصمت رغم بحر الدموع الذي طفا فوق

مقلتيها الخضراء بل وجعلت الرؤوس حولهم تلتفت جهتهم

بفضول فدفعت زيزفون كرسيها ووقفت ونظرت لها مباشرة

فمرر الجالس أمامها أصابعه في شعره متنهدا بعجز فهو

يعرف جيدا هذه القطة البرية ويعلم ما تعنيه نظرتها تلك وما

ستكون تبعاتها ولم تخنه توقعاته أبدا وقد أهدتها تلك الابتسامة

الساخرة بل والقاتلة وقالت

" قال لك بأنه متزوج وأنك خارج مخططاته إن كان البديل

أنا أو أي امرأة أخرى فهي ليست أنت بالتأكيد ... ألا كرامة لديك ؟ "

وتابعت دون اكتراث لنظراتها المصدومة

" ثم الخرساء المريضة لا تهتم لأمر حبيبك هذا ولا شقيقه فابحثي

عن غيري تلصقي فشلك العاطفي به "

أنهت عبارتها تلك وغادرت فوقف وقاص فورا وتبعها مسرعا

ينادي باسمها تاركا تلك النظرات الفضولية تنحصر جهة

الجالسة مكانها ودموعها قد وجدت سبيلها فوق وجنتيها

فصرخت تفرغ غضبها في المجهول

" انظروا لأطباقكم "

وأخفت وجهها في يديها مجهشة بالبكاء ولم تشعر ولا بالذي

جلس مكان من غادر منذ قليل حتى أحاطها بذراعيه فنامت في

حضنه باكية .. من نسيت تماما أنها كانت برفقته منذ قليل وأنها

تركته ينتظرها عند تلك الطاولة وحيدا .

قبل رأسها وقال يضمها لحضنه أكثر

" إيلينا عليك إخراج ذاك الرجل من قلبك فها هو أمامك الآن

غادر خلف تلك الفتاة وتركك رغم أنها من أهانتك وأمام الجميع ،

لو كان يحبك لبقي ليعتذر منك على الأقل ولو كان الموقف

معاكسا لبقي معها هي وتركك تغادرين وحدك بالتأكيد "

ابتعدت عن حضنه بعنف صارخة في وجهه

" أنت لا شأن لك في هذا أتفهم ؟"

ثم وقفت وغادرت المكان بخطوات غاضبة بعدما مرت بحقيبتها

عند طاولتهم السابقة .

أشار بإصبعه على الورقة الكبيرة المفرودة على الطاولة

بينهما وقال

" من هنا مد خط الأنابيب سيكون مستحيلا ، ستتعرض للأضرار

المستمرة بسبب حركة السيارت وإن حفر لها عميقا بعض الشيء

فكثر يتجاهلون هذه النقطة خاصة أن الطريق ليس معبدا وهو

زراعي رخو أغلب أيام السنة بسبب الأمطار القوية ومثلما

جرفت المياه الطريق الشمالي سابقا فقد تفعلها هنا أيضا

خاصة مع عبث البعض بخط سيرها الطبيعي وقت نزول الأمطار

ليستفيدوا من ري الأراضي في خط عبورها "

وتابع وقد حرك إصبعه للجهة الأخرى

" هنا خط أنابيب الدولة الرئيسي وقطعه والامداد منه كما يفعل

الكثيرين معناه مخالفة محتجزة لوقت لا أراه سيكون بعيدا ولن

يغفل ابن شاهين عن مشاكل الجنوب طويلا فهو ذاته لن يتغير

فتجنبها سيجنبكم مساءلات قانونية أنتم في غنى عنها مستقبلا

وتعويضات للأهالي وغرامات ومشاكل لا حصر لها ، ولست

أنصحكم باتباع فكرة الآبار وسحب المياه الجوفية لأن فعل ذلك

بدون انتظام وإذن مصرح ورسمي وكميات محددة ستكون

جريمة أسوأ من سابقتها "

كتف الجالس مقابلا له ساعديه على الطاولة مستندا بها وقال

ناظرا له

" وكيف سنوفر المياه للمشروع إذا ؟ لست أنكر أن تفكيرك

منطقي وسليم بل وذكي لكنك سددت جميع السبل أمامنا هكذا "

سحب ورقته وقال وهو يلفها

" ثمة من يلجأون لتنقية مياه الصرف الصحي كبدائل ومن ثم

استخدامها في الري لكنه أمر مكلف إن لم تكن الدولة داعما

له فخسائركم ستكون أكبر من أرباح المشروع خاصة مع الحاجة

الدائمة لصيانة المصافي والمضخات "

وتابع وقد وضعها جانبا

" ومع مشكلة عدم المساواة في مد أنابيب الري وعدم اتفاق

أهالي هذه البلدان بشأن ذلك وتضرر الأراضي من الأمطار

أكثر من استفادتها منها فالحلول محصورة بل شبه مستحيلة

إلا بفكرة جديدة غير تلك جميعها "

قال باهتمام

" أجل هذا ما كنت متأكد منه أنك لم تلحظ كل هذه الثغر القانونية

إلا ولديك حل للمشكلة وأنا واثق من أفكارك وذكائك "

قال فورا

" ثمة حل سينهض بشركتكم ليس هنا فقط بل وفي جميع أنحاء

البلاد لأنه سيكون حلا ليس لكم وحدكم فقط بل ولجميع أهالي

الجنوب ، سيحتاج فقط لصبر وجهد وتعاون وموسم الأمطار

القادم يكون التطبيق الفعلي للمشروع وأنا على استعداد لشرح

فكرتي والاختراع الذي سيتم به التنفيذ وأنت لك أن تقبل أو

ترفض ذلك "

أومأ ذاك برأسه قائلا

" قل ما لديك وأنا متأكد من أني لن أرفضها إلا إن وقفت قبيلة

غيلوان ضد فكرتك فلا شيء يحدث هنا خارج موافقتهم "

أومأ له بحسنا وبدأ بشرح فكرته والاختراع الذي يأمل أن

تتبناه هذه الشركة فهو اضطر للمبيت هنا ليلة البارحة ليلتقي

بمديرها لأنه لم يكن موجودا يوم أمس وقد لا يجد فرصة أخرى

مواتية كهذه لأنه لا يزورها إلا أياما معدودة في الشهر تاركا

إدارتها لنائبه وكان يريد التحدث معه مباشرة ليس أن ينقل

له ذاك الرجل أفكاره فذاك لن يجدي .

وقفا كليهما ما أن انتهى وصافحه شاكرا له وممتنا لله أن رآى

نظرات الرضا في عينيه وهو يخبره بأن يقدم له تقريرا

بفكرته كاملة بعد دراسة للمكان مع المهندس الجيلوجي للشركة ،

وما طمأنه أيضا بأنه قال بأن اسمه سيوثق في كل خطوة

يقومون بها وإن نجح اختراعه يضمن بذلك بأنه سيحمل

اسمه وللأبد .

خرج بعدها من مبنى الشركة ووقف أمام سيارته الحوض التي

اشتراها من هنا ويتركها حيث المنزل الذي استأجره كلما غادر

ونظر لمبنى تلك الشركة الذي يأخذ سقفها شكلا منحنيا مائلا

وهي أشهر شركة زراعية في جنوب البلاد وفرصة عمله فيها

لا تعوض وما كان يستطيع تضييعها فلن يساعده والد أبان في

هذا كل مرة فوحدهم من يمكنهم تبني اختراعه بل وتحقيقه

أو سيبقى حلما منسيا كباقي أحلامه .

رفع نظره عاليا للسماء تتبع نظراته هدير الطائرة المدنية التي

وصله صوتها بعدها وابتسم بألم فكأنها مرت من هنا والآن

تحديدا لتذكره بواقعه الأليم ، ما كان لأمثاله أن يحلموا بما لا

يمكنهم أن ينالوه يوما فحتى إن لم يعترض والده ما كان

ليستطيع تحمل تكاليف كلية الطيران فهذا بالنسبة له كحلم

الدجاجة بالطيران ، لكن من هذا الذي يمكنه التحكم في أحلامه

وطموحاته ... لو تركه والده فقط يحاول تحقيقه كان سيحرث

الأرض ليخرج بالمال وينهي دراسته بدلا من أن يضيع ذكائه

ومستقبله في دراسة الهندسة الزراعية كما اختار هو له أحب

أم كره ذلك وكأنه يملك نصف أراضي البلاد ليجبره على دراستها !
فكل ما فعله حين تخرج أن قال له ( أرضنا تنتظرك إذا )

وهل كانت تلك الأرض تحتاج لدراسة الهندسة الزاعية !!

تنهد مستغفرا الله وفتح باب سيارته وركبها وغادر فلا أحد

يعلم الخير والشر في الأمر إلا الله وعساه يكون خيرا له ،

المهم الآن أن يستقر هنا فلن يسمحوا له بالعمل دائما ليومين

في الأسبوع فالمهلة التي أعطوه إياها تكاد تنقضي ولا يمكنه

ترك يمامة حتى يضمن أنها وصلت لمنزل زوجها فمن يعلم الغيب

وما خفي فيه .

شقت سيارته الطريق الترابي وسط حقول الشعير التي كانت

كبساط أخضر متموج تحت أشعة شمس الصباح الباكر فمن كان

يتوقع أن يعيش يوما في جنوب الحالك وهو من الهازان !

هل درس الهندسة الزراعية فقط ليحمله قدره إلى هنا ؟

ترى ما تخفي له تلك البلدة التي لم يفكر في زيارتها يوما ؟

خفف سرعة سيارته ينظر باستغراب لتجمع بعض العمال والصراخ

المريب عند طرف أحد الحقول فأوقف السيارة ونزل منها وركض

جهتهم وما أن وصل عندهم وقف ينظر بصدمة للشاب الذي كان

يفترش الأرض وساقه تنزف وأحدهم يمسك له الجرح بعمامته

بقوة وهو يصرخ متألما فقال

" ما به ؟"

التفت له الجالس قربه وقال رافعا رأسه له

" جرحته آلة التسطير "

قال بصدمة

" ولما هو هنا ؟ علينا أخذه للمستشفى حالا "

قال أحدهم

" ذهب شانجو لإبلاغ أصحاب الأرض وليجلبوا من يأخذه

لمستشفى القرية "

أشار بيده قائلا بضيق

" وتنتظرونه حتى يذهب ويجلب أحدهم ؟ وأين يكون أصحاب

الأرض هؤلاء ؟"

قال الآخر بامتعاض

" في الطرف الآخر من البلدة حيث مزارعهم المثمرة "

صرخ فيه بصدمة

" وذهب لهم على قدميه ؟"

نظروا لبعضهم ولم يعلق أحد منهم فأشار للمرمي على الأرض وقال

" وتتركوه هنا حتى متى ؟ "

لم يعلق أي منهم أيضا فقال

" هيا علينا نقله للسيارة سآخذه للمستشفى "

وقف الجالس عند رأسه وقال

" لا نستطيع "

نقل نظره بينهم وقال باستغراب

" كيف لا تستطيعون أتتركونه يموت هكذا ؟ "

قال أحدهم بقلة حيلة

" مالكي الأراضي لا يسمحون بذلك وسيأتي أحدهم لأخذه فهم

يمرون هنا من وقت لآخر وإن وصل لهم شانجو قبل ذلك

سيرسلون معه سيارة "

صرخ فيه بحدة

" والتي معي سيارة أيضا فقد لا يصل الذي تتحدثون عنه ،

وإن وصل سيكون بعد أكثر من ساعتين ، أي عبودية واستبداد

هذا الذي ترضون به ؟ بأي حق يهملون حقوقكم هكذا؟"

قال أحدهم بقلة حيلة
" هذه إحدى أراضي شعيب غيلوان وأشقائه وهم لن يعجبهم

أبدا أن نخالف أومرهم ولن يعطوا المال لأي منا هذا الشهر إن ... "

قاطعه بضيق

" من أجل حفنة نقود تسلمونهم أعناقكم بل وتتخلون عن بعضكم !

هيا احملوه للسيارة أنا من سيأخذه بنفسي وليفعلوا ما يحلوا لهم "

حملوه ووضعوه معه في السيارة وغادر به من هناك وحيدا فلن

يرضى أي منهم بزج نفسه في العقاب كما يسمونه ، بأي حق

يعاملوهم هكذا فقط لأنهم عمال لديهم ؟ أمازلنا نفكر ونتصرف

بعنصرية وكأننا لم نجتز عصور الجاهلية والأسود عبد للأبيض

وخادم لديه ! ما ذنبهم إن قادتهم الحاجة لمغادرة بلدانهم وأهلهم

للعمل لدى من هم ليسوا أفضل منهم في شيء فالأرزاق رب العباد

كما يعطيها يأخذها والسيد يجعله عبدا بين ليلة وضحاها .

كان ينظر له كل حين وهو يئن من الألم ممسكا فخذ ساقه

المصابة ويحاول أن يسرع قدر استطاعته فهو لا يعلم منذ

متى اصيب وكم نزف من دماء وقد يغمى عليه في أي وقت

ويبدوا جرحه بليغا وهذا هو المتوقع من تلك الآلآت الزراعية .

وصل مستشفى البلدة الذي لا يقل عن باقي مبانيها المتواضعة

غير أنه وضع أساسات المستشفى الجديد حديثا بعث الأمل في

قلوب ساكنيها بتحسن وضعها الصحي كي لا يضطروا لنقل

مرضاهم دائما لمدن أخرى أقرب لهم وأكثر كثافة وتعداد سكاني

فأصحاب الأراضي هنا لا يمكنهم تركها والعيش في المدن

وكان على الدولة أن لا تهمل حاجياتهم الأساسية هكذا فحتى

المدارس تقتصر على المراحل الابتدائية فقط وهذا ما يتم معالجته

حديثا أيضا ببناء مدرسة كبيرة وحديثة وجلب الأطباء والمعلمين

وهو ما يرى مطر شاهين عازما عليه بل وبدأ بتنفيذه أيضا فقد

أعطى أمرا ببناء مئة مستشفى ومئتي مدرسة في المدن الريفية

في البلاد والمشاريع يجب إتمامها قبل نهاية العام وها هو العمل

عليها على قدم وساق وكان من الرائع أن يلتفت لاحتياجات هذه

المناطق للصحة والتعليم وبسرعة هكذا ، ولازالت الناس تأمل بأن

تحل باقي مشاكلهم العالقة ويراه يبدأ بالأهم فالأهم فكم من نساء

هنا تموت هي أو مولودها أو كلاهما معا بسبب التأخر في

إيصالها لمناطق بعيدة بسبب المسافة أو وعورة الطريق

خاصة في وقت الأمطار الغزيرة وكذلك الأطفال المصابين

بالحمى ولدغات الأفاعي والحوادث الخطرة والجلطات الدماغية

وغيرها الكثير يموت الناس هنا طوال العام بسببها ويصابون

بعاهات مستديمة لأنه لا يتوفر لديهم مستشفى مجهز تجهيزا

كاملا وكوادر طبية مختصة ، وكذلك بالنسبة للمدارس فالجهل

متفشي في هذه المناطق لرفض الكثير من الأباء إرسال أبنائهم

أو الانتقال خارجها لاجتياز مراحل ما بعد الابتدائية وخاصة

الفتيات ، وحسب ما سمعه سيكون التعليم هنا إلزاميا يحاسب

عليه القانون وسيتم مراقبة دراسة الأطفال من خلال ملفاتهم في

الدولة أي لا أحد يستطيع إخفاء أحد أبنائه أو حتى إجباره على

عدم الدراسة ، وبما أن أبان من قال هذا فهو ليس محض

شائعات وكم تمنى لو يلتقي بذاك الرجل مطر شاهين ليقبل

رأسه على صنيعه هذا بل ليته فعلها قبل أعوام لما كانت شقيقته

حرمت من دراستها وبقيت حسرة في قلبه حتى يموت ، ولن

يستغرب هذا منه فحسب ما تحدث عنه أبان في آخر لقاء لهما

بأن والدته توفيت وهي تنجبه ولم يستطيعوا إنقاذها بسبب الأمطار

والصحة المتدنية أيام الحرب الأهلية في البلاد ولم يتركه والده

يذهب للمدرسة رغم مقدرته وقتها على ذلك ووجودها فهو

عانى مما يعاني منه الكثيرين هنا ويعلم معنى احتياجهم لكل

هذا ولم يهمله أبدا حين اعتلى عرش السلطة وترفع عن مشاكل

من هم أقل منه ، وحتى الثنانين المهملين المهمشين في أي بلاد

يكونون فيها رفع حقوقهم لمستوى باقي أبناء البلاد من قبل أن

يغادرها ، وحربه الشرسة الآن ضد القانون ذاته واقفا في صف

من لم تنصفهم القوانين الوضعية السابقة أبدا وأصحاب الحقوق

المهدورة وعلى رأسهم اللقطاء والأيتام وضحايا العنف الأسري

والزواج القسري والتحرش الجنسي فالعظيم يبقى عظيما

والشريف يبقى شريفا لا يغيره جاه ولا مال .

وآخر مفاجأاته كانت قوانينه الجديدة فيما يخص سن زواج الفتيات

وهو يلغي قانون تحديد سن الزواج وضاربا بيد من حديد في ذات

الوقت كل من تسول له نفسه استغلال تلك النقطة فكل من تتزوج

تحت سن السابعة عشرة القانون من يحدد مهرها ويسلم لها

قانونيا وكذلك مؤخرها وحدد لها نفقة خاصة حال طلاقها

أو ترملها وتعويضا ماليا خياليا لمن تطلق منهن إن بطلب منها

أو من الزوج وطلاقها لا يتم إلا بجلسات محاكمة لإتباث حقها

أو إسقاطه ، ونفقتها لا تسقط حال الطلاق وأبنائها نفقتهم تحدد

حسب راتب الزوج وليس بالمتعارف عليه في المحاكم وحضانة

أبنائها من حقها كما أن قضاياهم تتكفل البلاد بنصف أتعابها أي

أنه كل من يفكر في أن يتزوج قاصرا سيكون عليه التفكير ألف

مرة في عواقب فشل زواجه ذاك وتحت أي سبب كان .

وصلا المستشفى ونزل وحده وركض للداخل وما أن اجتاز بابه

الحديدي قال لأول ممرضة قابلته

" ثمة عامل مصاب في سيارتي أريد من يساعدني في نقله "

تحركت من فورها مسرعة وقالت راكضة في الممر

" اركن سيارتك قرب الباب هنا "

فخرج مسرعا وقربها أكثر فهي لم تكن بعيدة أساسا وما أن

نزل منها خرجت ممرضتان بكرسي متحرك وهذا ما توقعه

شح الإمكانيات في هذا المكان فكيف سيستقبلون حالات الحوادث

الخطرة والمميتة ؟ ساعدهما في وضعه على الكرسي وأدخلتاه

وهو يتبعهم ووقف في الممر فعليه إعادته من حيث أحضره بعد

أن يخيطوا له الجرح كي لا يعاقب من أسياده أولئك طبعا ...

قبائل غيلوان والمدعو شعيب عبد المجيد غيلوان تحديدا

وعائلته بات لا يسمع ويعلم عنهم إلا السيء والأسوأ وكم

يخشى من فكرة تأجيره ضمن أراضيهم لكنه يثق في أبان

وفي ثقته في صديقه أويس ذاك وبلسانه قال له

( لا تقارن أي فرد في تلك القبيلة أو العائلة به فهو رجل

شريف تأذى منهم كل الأذى فلن يكون شبيها بهم أبدا )

أخرجه من أفكاره دخول ثلاث ممرضات للغرفة التي أدخلوه

لها وجلس هو في الخارج ينظر لساعته كل حين فهو أيضا

لا يريد التأخر في العودة لمنزلهم وما يطمئنه أن والده في

هذا اليوم من كل أسبوع يخرج من قبل أذان الفجر لسوق

الخضروات الرئيسي في غرير ولا يرجع حتى أذان العصر

وسيكون وصل قبله إن لم يعطلوه هنا كثيرا فلن يلحظ غيابه

لا البارحة ولا اليوم وزوجته ستظنه كان معه .

بعد لحظات من جلوسه بدأت الممرضات بالخروج تباعا من تلك

الغرفة وبدأ البحث عن واحدة اسمها فجر وقد بات اسمها يتردد

على طول ذاك الممر بل وتم استقبالها من باب المستشفى

ونظراته تتبع حركتهم وقد عادوا لتلك الغرفة مجددا فيبدوا بأن

جرح ذاك الرجل بليغ وثمة تمزق في الأوردة وحالته لا يقدر

عليها أحد غير تلك الممرضة .



*
*
*

وقف على طوله ما أن خرجت التي دخلت خصيصا لتخيط جرحه

فهو جالس هنا ينتظر من ساعتين تقريبا ، قال قبل أن تغادر

التي يبدوا لم تنتبه أساسا لوجوده أو لم تهتم

" عذرا يا آنسة "

وقفت والتفتت له وتنقلت نظراتها في ملامحه فورا من عيناه

الرماديتان بلون الفضة النقية وبياض بشرته الذي كان عكس

قبائلهم بياض تشوبه حمرة خفيفة ومميزة وصولا لشعره المائل

للكستنائي ، هذا ليس من الجنوب ! ابتسمت ابتسامة واسعة

جعلته ينظر لها باستغراب وليس يعلم بأنها أدخلته حاليا

لحاسوب عقلها ويتم فحصه والتأكد من باقي بياناته فلم تهتم

بوجوده سابقا وظنت بأنه أحد مالكي الأراضي أحضره إلى هنا ،

قالت سريعا

" أنت جلبته ؟"

أومأ برأسه بنعم وقال

" كيف هي حالته ؟ هل يمكنني إعادته لمكان عمله ؟"

حركت رأسها برفض قائلة

" مستحيل فجرحه بليغ ولولا إحضارك له سريعا لكان سيفقد

ساقه ولا يمكنه الحركة قبل ست ساعات ثم نقله لمكان يرتاح فيه

ولا يتحرك حتى يلتئم الجرح نسبيا "

وتابعت قبل أن يعلق

" أنت لست من هنا أليس كذلك ؟ "

قال مومئا برأسه

" نعم وعليا إعادته من حيث جئت به قبل أن يتسبب له مالك

الحقل بمشكلة "

رفعت كتفيها قائلة

" أنت من قد يصبح في مشكلة فما فهمته منه أنه يعلم في

أراضي عائلة غيلوان "

قال بضيق

" وما الذي كنت لأفعله مثلا أتركه ينزف حتى يموت هناك ؟

فليفعلوا ما يحلوا لهم وإن قتلوني فعلى الأقل أموت مرتاح الضمير ..

ما هذ الاجحاف هل هم عبيد لديهم ؟"

سرت أساريرها وقالت بسعادة

" وجدتك أخيرا "

نظر لها باستغراب فقالت مبتسمة ببلاهة تدس يدها في جيب

معطفها وقد أخرجت منه ذاك الشيء الحديدي اللامع

" وجدت المشرط الذي كنت أبحث عنه منذ وقت وحمدا لله في

الوقت المناسب تماما بل وبدل الضائع "

كانت نظراته المستغربة تزداد حيرة وشعر للحظة بأنها مجنونة

لا محالة ، لوحت بيدها قائلة

" بما أنه وصل هنا فيستحيل إخراجه ثم أنت في مشكلة في

جميع الأحوال إن أعدته أو تركته لذلك سيكون بقائه أفضل له

وواجه أنت قدرك "

قال بضيق مغادرا من هناك

" فليفعلوا ما يحلوا لهم ، ما كل هذا الاضطهاد والجهل ؟"

راقبته نظراتها المتفاجئة وهو يبتعد حتى خرج من باب المشفى

ثم ضمت يديها لصدرها قائلة بسعادة

" هذا هو منقذك يا مايرين سقط علينا من السماء أخيرا "


*
*
*

فتحت باب المنزل ببطء مطمئنة بأن سيارة أويس ليست في

الخارج رغم أنها تخشى قدومه في أي لحظة فهي تدخل هنا

لوالدته من دون علمه كما أنها تأتي من دون علم والدتها

وأشقائها ، فقط شقيقتها فيحاء من تعلم بمجيئها لها كما لم

تخبرها بأن أويس لا يعلم كي لا تمنعها من المجيء .

دفعت باب الغرفة ونظرت داخلها وابتسمت بحزن ما أن وقع

نظرها على النائمة على فراش أرضي بدون حتى غطاء مسبحتها

لازالت في يدها وسجادة الصلاة مفرودة قربها فاقتربت منها وسحبت

اللحاف الملقى تحت قدميها على جسدها وقبلت رأسها وجلست عنده

تنظر لها بحزن ، هذه ليست عمتها فقط بل ووالدتها التي أرضعتها

صغيرة مع ابنها الذي بات ينكر حتى الحليب الذي رضعاه سويا ...

ومن يستطيع لومه في ذلك ؟


في صغرها رفضت حليب والدتها بينما فيحاء قبلته فأرضعتها

عمتها الوحيدة كي لا تموت جوعا ، ابتسمت ما أن تذكرت في

طفولتهم حين كانت تمازحها قائلة

( يالك من شقيقة رجال فما قبلت حليبي إلا لأنه بمشاركة مولود ذكر )

مسحت على شعرها الذي بالكاد ظهرت فيه شعرات بيضاء رغم

أنها في الخامسة والخمسين من عمرها تنظر بعينان دامعة

لملامحها المسترخية وجفناها المحمران من تأثير العلاج أو

ليست تعلم قد يكون البكاء وكأنها لم تبكي كل تلك الأعوام

حتى فقدت بصرها ، كم يتقطع قلبها ألما عليها فإن كان

أشقائها لم يرحموها فمن كان سيرحمها ؟ حمدت الله أن كان

لها ابنا بارا كأويس حتى بقائه هنا وفي منزلهم وأرضهم

من أجلها فقط بل ويحرم نفسه حتى من أن يضع سريرا أو

كرسيا في المنزل كي لا تتأذى أثناء حركتها فيه خاصة إن

كان خارجا ، بل حتى أرضهم حول المنزل هو من يعمل فيها

بيديه نزولا فقط عند رغبتها لأن والده حين كان طفلا كان يقول

لها ويده الصغيرة تمسك بسبابته

( هذا هو الذي سيحمل أرضي بعدي ويزرعها ويحرثها )

من بكت على فراقه حتى فقدت نور عينيها .

مسحت دموعها بقوة ووقفت وتأكدت أولا من أن ابريق الماء

ليس فارغا ثم غادرت الغرفة وتوجهت جهة المطبخ ووجدت

كوب الحليب الذي تركته لها البارحة فارغا وصحن التمر أيضا

أي أنها تناولت فطورها ، خرجت بعدها من المنزل فلا يمكنها

البقاء أكثر من ذلك بما أنها نائمة .
دخلت راكضة ما أن نزلت من السيارة التي توقفت أمام باب

المنزل فهي انتظرت هذا اليوم منذ وصولها لهذه البلاد ولم

تصدق أنه أصبح هنا بالفعل حتى سمعت اتصال عمها صقر به

منذ قليل وبأنه وصل المنزل من دقائق فقط حتى أن والدها لم

يصل بعد فهو لم ينم البارحة في المنزل ومن مدن ثنان انتقل

للمسجد في حوران ثم القصر الرأسي وقال بأنه سيكون هنا

بعد قليل .

دفعت باب المنزل بيدها ودخلت هامسة بعينان دامعة

" جدي ... "

ما أن وقع نظرها على الذي فتح لها ذراعيه فورا مبتسما

فركضت ناحيته وارتمت في حضنه فورا تطوق خصره بذراعيها

تدفن وجهها في صدره العريض هامسة بسعادة شابها الكثير من
الشوق والحنين والحزن

" اشتقت لك جدي ... اشتقت لك بجنون "

فطوقها بذراعيه بقوة يقبل رأسها كل حين .. حفيدته المحببة لقلبه

وأجمل ما أهداه الله وكانت عزائه الوحيد في غربته الطويلة تلك وإن

لم يكن يراها كثيرا فهي قطعة منه من ابنته التي لم يراها يوما

وبقيت حسرة في قلبه بعدد أعوام عمرها ولن يكفيه عمرا آخر

يتحسر فيه عليها .

أبعدها عن حضنه وأمسك وجهها بيديه وقال مبتسما

" كيف حال دميتي الجميلة ؟ "

ابتسمت مومأة له برأسها وقد عجزت الكلمات عن التعبير عما

تشعر به فنامت في حضنه مجددا وطوقها هو بذراعيه قائلا بضحكة

" أراك أجمل من السابق بكثير ! هل هذا من تأثير رؤيتك لوالدتك

أم أنك أحببت شابا ما هنا ؟ "

خبأت وجهها في حضنه هامسة بحياء

" جدييي .... ! "

فضحك مجددا وقبل رأسها لحظة دخول صقر والذي قال

مبتسما وفاردا ذراعيه له

" مرحبا بك في بلادك أخيرا يا شقيقي "

ابتعدت حينها عن حضنه وتعانقا كليهما عناقا أخويا طويلا

تنظر لهما مبتسمة بسعادة فها قد اجتمع بعض أحبائها أخيرا ،

لكن تلك الابتسامة ماتت فجأة ما أن وقع نظرها على الواقف
بعيدا لم تنتبه لوجوده وقت دخولها فلم تكن ترى في المكان

غير الذي ركضت لحضنه وارتمت فيه .. الذي كان الغذاء

لروحها التائهة سنين غربتها في تلك البلاد .

تقطعت أنفاسها في صدرها تنظر له بأسى وهو يشيح بوجهه

عنهم بل عنها تحديدا وهذا ما هي أكيدة منه وليست تفهم

لما هو غاضب منها بينما هي من تلقت إهاناته الموجعة دون

أن يهتم ولا لمشاعرها !

أبعدت نظرها عنه ما أن شعرت بيد عمها صقر على ظهرها

وقد قال ضاحكا

" وهي من سيتنافس الجميع الآن على من يدللها أكثر من الآخر ..
حفيدة العائلة الوحيدة "

اغتصبت ابتسامة صغيرة ولم تعلق فلم تكتشف إلا وقتها بأنه

ثمة حديث بينهما كان يدور عنها واتكأت على كتف عمها

صقر هذه المرة فأحاط كتفيها بذراعه وقال ناظرا للواقف

هناك ومبتسما

" لن تصدق ما تنوي ابنة خالك جوزاء فعله وتخطط له وأخبرتني

به اليوم يا قاسم "

نظر له الواقف بعيدا ملامحه لازالت تحتفظ بجمودها وحدق

بعينيه تحديدا وكأنه يتجنب متعمدا النظر للتي أخفضت نظرها

للأرض فورا تجنبا له أيضا وتابع صقر ضاحكا

" يبدوا أنها ستنتقل من ابنيها لك فقد قررت أنه عليك أن

تتزوج بل وسريعا أيضا "

شدت النائمة في حضنه قبضتاها بقوة ترسم أيضا ملامح لامبالية

على وجهها الجميل ولازالت تتجنب النظر جهته وشعرت بذاك

السكين الذي ضرب قلبها مباشرة حين قال وببرود

" لا مانع لدي فلتبحث هناك عن واحدة تعجبها "

بلعت غصتها مع ريقها وشعرت بإهانة موجة لها تحديدا

وليست تفهم لما لكنها واثقة من أن مقصده هو جرحها وهذا

ما أثبته لها فعلا حين تابع بذات بروده القاتل

" شرط أن تكون بماض نظيف بالطبع "

فرفعت حينها نظرها له ودون شعور منها وكأنها تريد توثيق

إهانته لها بأفعاله وكان بالفعل ينظر لها نظرة تشبه كلماته

باردة قاتلة خالية من أي تعبير أو رحمة فزمت شفتيها وهي

تبعد نظرها عنه للأسفل مجددا تشعر بجسدها يرتجف حنقا

بأكمله وتمنت أن والدها موجودا حينها لكانت أقرت بكل شيء

أمامه وأمام الجميع لتتخلص من تجريحه لها وللأبد .


( تيما عليك بكتمان الأمر فالمتضررون منه كثر ولست وحدي

وأولهم والدك إن كان أمري أنا لا يعنيك )

أغمضت عينيها وتنفست بعمق فكلمات عمتها غيسانة تلك لازالت

تكبلها عن فعل أو قول أي شيء لكنها لن تستسلم وقررت

محاربته بذات أسلحته فهي مشوهة في نظره في جميع الأحوال

ولن يتخطيا ذلك مهما قال ووعد ، رفعت نظرها للفراغ تتعمد

تجاهله أيضا وقالت ببرود يشبهه

" جيد فوالدي وجد لي زوجا مناسبا أيضا فليكن ذلك في يوم واحد "

لم تكن تعلم أن حربتها أصابت الهدف وأن انتصارها كان قويا

فهي حرمت نفسها من لذة مشاهدة ذلك ورؤية ملامحه التي لم

يستطع اخفاء الصدمة فيها وكان التعليق لدجى الذي قال بضيق

" من هذا الذي قال بأنك ستتزوجين وأنك في سن مناسب

للزواج أساسا ؟ "

رفعت نظرها له وقالت بتأني وكأنها تقتلع نصل حربتها تلك من

مكانه ودون رحمة

" والدي قال وأنا موافقة "

وما أن أنهت عبارتها تلك كان مطر قد دخل من الباب فتحركت

من هناك جهة غرفتها تاركة خلفها استقباله لعمه ولم يكن أمامها

طريق آخر تسلكه سوى بالمرور بقرب الواقف مكانه هناك فلن

تسلك طريق ممر غرفته أبدا ، وما أن اجتازته تتجنب النظر له

حتى أوقفتها يده التي أمسكت برسغها بقوة فنظرت له وعلقت

نظراتهما .. النظرة التي حاول كل واحد منهما جاهدا أن يخفي

ما يكمن خلفها .. من ألم وخذلان يدمر قلبها الصغير لغيرة قاتلة

تفتك بحنايا قلب ذاك الرجل الصامت الصامد العنيد ، سحبت

يدها منه بقوة وغادرت راكضة لم تتوقف خطواتها حتى كانت

في حضن أغطية سريرها تدفن وجهها فيها وتشد قبضتاها

على قماشها بقوة تحاول فقط أن لا تبكي فهو لا يستحق أن تذرف

لأجله دمعة واحدة من عينيها ، يكفي بأنه لا يشعر بها ولا يحترم

مشاعرها ولا يتوقف عن جرحها ودون سبب .

شدت أناملها على ذاك القماش الناعم أكثر وأكثر حتى آلمتها

ونزلت نهاية الأمر تلك الدمعة التي لم يعد يمكنها التغلب عليها

أكثر من ذلك فما أقسى هذا النوع من الجراح .. إنه أعظم وأشد

مما كانت تتخيل ! لقد فاق تحملها وتوقعها درجة أن أشعرها

بتفاهة كل ما عانته وآلمها سابقا .

جلست تمسح دموعها ما أن رن هاتفها فأخرجته لحظة أن

رمت حجابها من على رأسها وانسدل شعرها على ظهرها وكتفيها ،

وما أن نظرت لاسم رعد على شاشته فتحت الخط ووضعته على

أذنها فوصلها صوته سريعا قائلا

" مرحبا تيما ... هل والدك في المنزل أم أنه نائم ؟

أتصل به ولا يجيب ؟ "

مسحت عيناها بقوة مجددا وقالت

" بلى هو هنا في المنزل ومعه ضيف يبدوا مهما لذلك لم
يجب بالتأكيد"

وصلها صوته مستغربا

" تيما ما بك ؟ ما به صوتك هكذا ! "

مررت أصابعها في شعرها وهمست

" لا شيء "

" تيما !! "

نبرته التحذيرية تلك جعلتها تستسلم طوعا قائلة

" لا شيء مهم "

وتابعت وقد نظرت ليدها في حجرها تلعب أصابعها بطرف اللحاف

" أ.... اممم ماذا حدث بشأن الفتاة الثنانية "

قال من فوره وبضيق

" الأخبار لدى والدك فأنا محتجز هنا كالسجين وإن لم يتصرف

سريعا فسأجد لنفسي مخرجا من حرسه الأغبياء أولئك ولن

يمنعني شيء عن الدخول لشمال صنوان وإخراجها أو الموت

دون ذلك "

ابتسمت بحزن فها هو الرجل الذي يعرف كيف تعشق النساء

وكيف تعامل المرأة فلم تنسى أبدا كل ما حكاه لها عنها وقضيا

ليلة كاملة يتحدثان ويتسامران وقد أخبرها برحلته تلك لمدن

ثنان وكيف تعرف على تلك الفتاة التي لازال يذكر جميع تفاصيلها

وتفاصيل ما حدث بينهما وكل كلمة قالتها ، حتى الكتب التي

قرأتها له حفظها عن ظهر قلب من كثرة ما قرأها وهي بعيدة

عنه ، إنهما أكبر مثال حي للحب الصادق وللوفاء الأبدي حتى

أنها اختارت أن تلقي بنفسها للمجهول وبقبائلها للحرب على أن

تكون لرجل غيره وإن مكرهة رغم مرور كل تلك السنوات فلم

تفقد الأمل فيه أبدا ولا الثقة في مشاعره نحوها ، قالت بحزن

" كم أتمنى أن يجد والدي لكل ذلك حلا وأن تجتمعا سويا "

شعرت بقلبها يتحطم وهي تسمع تنهيدته الواضحة قبل أن يقول "

وأملي في الله ثم فيه يا تيما وأتمنى أن يحفظها الله وليرجعوها

لي حية فقط لا أريد شيئا غير ذلك "

مسحت دمعة تغلبت عليها وهمست ببحة

" متأكدة من أن والدي لن يتوانى عن فعلها "

قال من فوره

" اتركينا من كل هذا الآن وأخبريني ما بك وما يضايقك هكذا !

هل والداك السبب ؟ هل تشاجرا مجددا ؟ "

عضت طرف شفتها ولم تعلق .. كان وقتا سيئا جدا لاتصاله

فكيف ستهرب منه الآن وليس بإمكانها الكذب عليه ؟ .

" تيما .... تسمعينني ؟!! "

تنهدت باستسلام قائلة

" بلى أسمعك "

قال من فوره
" أجيبي عن سؤالي إذا "

تنهدت مجددا قائلة

" لا لم يتشاجرا وقد اتصلت بي والدتي البارحة أيضا "

قال مباشرة

" إذا ما الذي حدث ؟ ذاك الشاب السبب أليس كذلك ؟ هل التقيته

هناك اليوم ؟ "

رطبت شفتيها بطرف لسانها وهمست بحزن

" أجل "

قال من فوره

" وماذا حدث أزعجك ؟ هل تحدث عن موضوع زواجك مجددا ؟ "

ابتسمت بألم هامسة

" بل عن موضوع زواجه هو "

قال بتذمر

" هيا تيما قولي ما لديك واختصري عنا المقدمات "

نفضت قبضتها مع اللحاف في حجرها وقالت بامتعاض

" ماذا سأقول وأختصر ؟ بأنه لازال يفعلها وينتقم مني كلما

استاء بسببي ولست أفهم أساسا ما الذي أفعله يجعله يستاء هكذا ؟

هو يغضب من نفسه ثم يلقي باللوم علي بل ويشركني استيائه مني

ولم أعد أفهمه أبدا "

قال ما أن أنهت حديثها

" احكي لي هيا ما الذي حدث ؟ "

تنهدت بعمق قبل أن تحكي له ما حدث منذ قليل فلعلها ترتاح إن

أخرجت ما بداخلها فهو على علم واطلاع بكل ما حدث بينهما

سابقا ويهتم دائما بسؤالها عن أي جديد بينهما دون أن يحرجها

ولا بسؤاله عن مشاعرها اتجاهه وتشعر بأنها في منطقة الأمان

بتحدثها الدائم معه لأنه ثمة من يعلم بسرها ومستعد لحمايته

معها أيضا بل والدفاع عنها إن هي أصبحت في مأزق بسببه .

قال ما أن أنهت حديثها

" كاذب .. هل صدقته فعلا يا تيما ؟ "

قالت باستياء

" ولما سيكذب وهو يعلم بأن عمي صقر سيخبر عمتي جوزاء

بالتأكيد لتبحث له عن زوجة "

قال فورا وبسخرية

" ومن دون ماضي سيء ؟ "

وتابع مباشرة

" أخبرتك سابقا أنك لا تفهمين الرجال كما أفهمهم أنا يا تيما ،

هو أراد فقط إزعاجك لأنه منزعج منك وكنت رائعة حين صفعته

بالمثل ، ابقي على موقفك هذا ولن أكون رعد ابن شراع إن لم يفتح

هو الموضوع معك بل وسيعتذر عما قال ، وإن لم يفعلها فوافقي

فورا على عريس والدك المجهول ذاك"

تمتمت ببرود

" أنا موافقة عليه سلفا كائنا من يكون "

قال من فوره

" كاذبة "

قالت بضيق

" لست كاذبة ولن أعارض رأي والدي وأكسر كلمته أبدا "

قال بصوت باسم

" سنرى إذا كيف ستقبلين بزوج غيره "

قالت باستياء

" رععععد "

ضحك قائلا

" تلك هي الحقيقة يا ابنة مطر فلا تراوغي "

نفضت قبضتها مجددا قائلة بعبوس

" وإن يكن فرأي والدي فوق كل شيء "

قال بجدية هذه المرة

" لا أنصحك بتضييع مستقبلك وقتل عواطفك من أجل أي كان يا تيما "

شعرت بأنه أصابها في مقتل فتمتمت ببرود

" لما تقول هذا ؟ أنا لا أحبه كما تتخيل "

اختلط صوته بضحكته قائلا

" كااااذبة "

قالت بضيق

" وداعا "

وقطعت الاتصال على صوت ضحكته من جديد ثم رمت الهاتف

وغادرت السرير والغرفة وسارت في الممر ببطء حتى وصلت

طرفه فسمعت أحاديثهم وضحكات جدها وشقيقه فعادت أدراجها

فورا وأغلقت الباب خلفها بضيق وتوجهت لهاتفها مجددا فلتتصل

بذاك المزعج كاسر وتزعجه أفضل لها من أن تقضي الوقت بين

الجدران تحدث نفسها تنتظر أن يغادر ذاك المغرور .


*
*
*

فتح له باب المكتب فدخل فورا وتبعه هو منصاعا وإن مكرها

وأغلقه خلفهما فلم يتركه ولا ليصعد لغرفته ويستحم فورائه

ما الله وحده يعلم ما يكون وكل ما سيفعله عمه وهو متأكد منه

بأنه سيتلف باقي أعصابه المدمرة أساسا ، وما توقعه حدث

فعلا حين التفت دجى ناحيته وقال بحزم

" أريد أن أفهم الآن يا مطر ما سبب ما حدث وما قلت

أمام الاعلام ؟ "

أمسك خصره بيديه من تحت سترته المفتوحة وأشاح بوجهه

جانبا قائلا ببرود

" فعلت ما فيه مصلحة الجميع وأولهم ابنتك "

لوح بسبابته قائلا بحدة

" كم مرة حذرتك سابقا من جرحها ومن إهانتها أو العبث

بمشاعرها لكني لو كنت أتحدث مع جدار لاستوعب ما قلت "

نظر له نظرة تشبة نظرته السوداء فسبقه قائلا بذات حدته

" هي ابنتي ولن أرضى فيها جرح النسيم يا مطر وقلت مرارا

وتكرارا توقف عن تدميرها والتعامل معها كآلة حرب "

كان سيتحدث وبما يعلمه دجى جيدا وهو نسب الملكيات لنفسه

كتبرير واضح لأفعاله الدائمة فسبقه قائلا بحدة

" قلت ابنتي ... هي ابنتي قبل أن تكون زوجتك "

أشار بيده جانبا قبل أن يشير بها لنفسه وهو يقول بحدة مماثلة

" ابنتك أجل ... لكنها حبيبتي "

نظر له دجى بصمت فتأفف ممررا أصابعه في شعره قبل أن

يتابع بغضب

" هي زوجتي وأم ابنتي يكفي ما ضاع من عمري بعيدا عنها

فلن اسلمها الآن لشعيب غيلوان ولا لغيره كائنا من يكون ولا للموت "

همس عمه بجمود

" استغفر الله يا رجل "

لكنه كان كبركان تغلبت عليه حممه الراكدة وتفجرت في أقوى

لحظات الضعف رغم صراخه الغاضب

" لست أفهم متى سيتركها الرجال وشأنها ومتى سيقتنعون

بأنها لي .. لمطر شاهين فقط ، حتى متى سأدفع حبها لي ثمنا

لإبقائها في حضني ؟ حتى أخسرها نهائيا والجميع معي ؟ "

واجهه بغضب مماثل قائلا يشير له بسبابته

" أنت من يدفع مشاعرها نحوك للهاوية يا مطر فلا تحاول

إلقاء اللوم على الآخرين "

رفع يديه جانبا قائلا بنزق

" أجل معك حق تريد أن اخبرها وبكل بساطة بأن قضية الثأر

لازالت تلاحقك وأن تلك العائلة يبحثون عنها هي تحديدا وابنتها

من بعدها لتقدم نفسها لهم مقابلا لإنقاذك ؟ "

لوح بعدها بسبابته جهته قائلا

" قسما أن تفعلها دون تردد وأنا من يعرفها أكثر منك بل

وتيما ستحذوا حذوها ودون تفكير ونحن لم نعلم حتى الآن

ما ورائهم ولما يبحثون عن نسلك تحديدا ؟ "

وتابع وقد أشار لصدغه الأيمن

" لا يخبرك عقلك أنهما لن تدفعا ثمن قتلاهم الثلاثة وبأبشع

مما تتخيل فآخر ما وصلني عن ذاك البربري أنه يقسم بأن يذيق

سلالتك العذاب إن فقط أثبت وجودها "

صرخ دجى برفض

" ليس بهذه الطريقة يا مطر ليس بأن تقتلها حية "

قال بضيق

" كيف إذا ؟ اشرح لي حلا غيره ، ما الذي كنت سأفعله مثلا

وهم يبحثون عنها عن طريقي في كل مرة ؟ "

قال دجى بضيق مماثل

اتركها لغيرك إذا وسيقتنعون حينها بأنها ليست ابنتي "

صرخ فورا

" مستحيل ... قسما لن يهنأ لي بال حتى ترجع لحضني مجددا "

قال دجى ملوحا بيده بضيق

" سأسلمهم نفسي إذا وليفعلوا بي ما شاءوا "

قال المقابل له برفض قاطع ونبرة حازمة

" ذلك لن يجدي في شيء سوى أن نخسرك معهما وأنت تعلم

جيدا قوانينهم في الثأر ... الرجل بديه لأهله والرجلان بعنق

قاتلهما والثلاثة بعنقه وبسلالته وأنت لم تقصر فيهم أبدا "

قال بذات ضيقه

" وما كنت تتوقع مني وأنا أراهم يحاولون قتل شيخ مسن

وهتك عرض ابنته ؟ أن أقف أتفرج فقط لأن لهم أفكارا مجنونة

في الثأر قد وقع والدك معهم عهودا بها فهو لم يفكر لأبعد من

أنفه يوما "

صرخ فيه فورا

" لا تلقي باللوم على والدي فهو لم يجبرك على قتلهم "

لم يعلق وابتعد عنه يتحرك في الغرفة بعشوائية ممسكا خصره

بيديه وكأنه يصارع أفكاره بالدوران حولها فقال مطر بجمود

ونظره يتبعه

" ذاك الرجل يفكر حتى في سبب عودتها زوجة لي الآن بل

وإن عادت للعيش هنا فلن يتوانى عن التفتيش عن حقيقتها

مجددا وأنت تعلم جيدا بأنك أيضا لن تراها ما لم تكن هنا "

وقف مقابلا له مجددا وقال مشيرا بيده له

" والحل إذا ؟ ها أنت لم تبقي خنجرا لم توجهه لقلبها ولازلت

تردد بأنها مهددة بالخطر "

قال فورا وببرود

" الحل لدي "

لكن ذاك الجواب لم يكن كافيا لمن اشتعل مجددا قائلا

" مطر لو أفهم ما تنوي فعله بنفسك وبها تحديدا يا رجل ؟

تحبها تعشقها وتدمرها ! ثم وتيما ما قصة تزويجها هذه ؟

أنت تعلم بأن زواجها لن يمسكهم عنها حال علموا بأنها حفيدتي "

أشاح بوجهه عنه مجددا ولم يعلق فقال بحزم

" تكلم يا مطر هل بالفعل ستزوجها وهي في هذه السن ؟ "

" أجل "

قالها ببرود ودون أن يواجه عينيه فصرخ فيه دجى من فوره

" جننت يا رجل ؟ ألا تعلم أن عمرها أربعة عشر عاما فقط ؟ "

نظر له وقال بذات بروده

" أنا أعلم الناس بعمر ابنتي "

صرخ فيه مجددا

" لا أنت فقدت عقلك لا محالة ولم يكفيك قتل والدتها فانتقلت

لها هي "

قال بحدة

" وتيما ابنتي قبل أن تكون حفيدتك "

ارتفع صوت دجى أكثر وكأنه يبارزه في الصراخ فقط

" لا تكرر كلامي يا مطر وأخبرني الآن من هذا الذي جعلك

تسلمها له دون أن تفكر في شيء لا سنها ولا عواقب هذا

ولا شيء أبدا ؟ "

قال بجمود

" شخص هو من سيقرر متى يجب أن تكون زوجة له "

قال دجى بصدمة

" هو يقرر ! "

قال من فوره

" أجل وإن قال الآن كانت الليلة زوجته "

قال المقابل له وبضيق

" ما هذا الجنون بحق الله ! هل ابنتك رخيصة درجة أن تعرضها

على الرجال يا مطر ؟ "

قال من فوره وبحزم

" أنا لم أعرضها على أحد ولن أفعلها أبدا وأخبرتك بأنه

من سيقرر متى يريدها وأنا لا أثق في شخص أكثر من ثقتي

به ليحميها من كل شيء حتى من نفسه "

مرر أصابع في شعره متأففا وقال بضيق

" ومن يكون هذا فأنت تعرف نصف رجال البلاد ويعرفوك جميعهم "

كتف ذراعيه لصدره وقال

" حتى يحين الأوان أولا "

دجى من ضرب بأصابعه على صدغه هذه المرة قائلا بضيق

" لو أفهم فقط كيف تفكر ؟ ثم ماذا إن لم يطلبها منك ؟

ماذا إن تزوج بغيرها ؟ "

تنفس بعمق مغمضا عينيه قبل أن ينظر له قائلا

" حينها ستتزوج بغيره وجميعهم سيكونون سواء "

حرك ذاك رأسه بعجز متأففا وإن كان الضيق لازال مرتسما

على ملامحه ويعلم جيدا أي أنواع الرجال يكون ابن شقيقه وأنه

لا أحد يمكنه كسر قراراته أو تغييرها لكنه لن يسمح له

وسيحاربه أيضا فإحداهما ابنته والأخرى حفيدته ، رفع سبابته

في وجهه مهددا وقال بحزم

" احذرك يا مطر من اجبارها إن هي رفضت ذلك أو أنا من

سيكون لي رأي لن يعجبك أبدا "

قال من فوره وبجمود

" لن ترفض "

صرخ فيه بحدة

" أجل واثق طبعا وتعلم بأنها لن تعصي أمرك وإن كان على

حساب نفسها "

تنهد بضيق وقال بذات جموده وكأنه لا يشتعل أمامه

" أخبرتك بأني لن اجبرها ثم هذا الحديث سابق لأوانه "

حرك رأسه بضيق ويئس منه وتحرك جهة باب المكتب قائلا

" قسما لولا أني مكبل بالعيش هنا ودون هوية لكنت أخذتهما

كلتيهما منك وافعل ما شئت حينها "

وخرج ضاربا الباب خلفه بقوة تاركا ورائه الذي لم يخرج

حممه جميعها مثله وبقيت عالقة داخله تدمره ببطء وليس يفهم

حتى متى سينظر له الجميع بسلبية وحتى من يعلمون أسبابه ؟

كان يتوقع هذه المواجهة العنيفة معه ولن تكون الأخيرة

بالتأكيد حتى يدمروا مطر شاهين هذه المرة وليس غسق ،

ضرب بيده علبة الأقلام المذهبة بقوة ناثرا كل ما فيها

على الأرض وتوجه جهة النوافذ الطويلة للمكتب ووقف

أمام إحداها ومرر أصابع كلتا يديه في شعره للخلف وأمسك

رأسه بهما بقوة وظهر أمامه فورا ذاك الوجه الدائري والنظرة
الغاضبة رغم الدموع في تلك الأحداق السوداء الواسعة وهي

تقول بحدة ( أقتلعه من مكانه إن فكر في إيجاد أعذار لك يا مطر ،

لن يغفر لك أي شيء وأي تبرير ما فعلته بي ولا إنقاذي من

الموت فلا تفكر يوما في أن تشرح لي أي أسباب )

تأفف وأخرج هاتفه من جيب سترته وبحركة عنيفة ما أن ارتفع

صوت رنينه مالئا صمت المكان وما أن نظر للرقم على شاشته

شعر بنيرانه تشتعل أكثر من اشتعالها السابق ، فتح الخط

ووضعه على اذنه فوصله ذاك الصوت المستفز فورا

" ماذا قررت ؟ "

تنفس بقوة نفسا كان كفيلا بإحراق كل شيء وقال بجمود

" كيف ستسلمني إياها عند حدود اليرموك ؟ "

وشد على فكيه بقوة حتى كان سيحطمهما حين ضحك من

في الطرف الآخر قائلا

" لا أصدق هذا ... ! مطر شاهين يتنازل عن منطقة عسكرية

كاملة بدلا من تقديم امرأة لم تعد تحمل له في قلبها سوى

الكره والحقد ! "

كتم غضبه واشتعاله هذه المرة أيضا وقال بذات جموده

" تلك لن أسلمها لك وإن أخذتم البلاد بأكملها وليس اليرموك

فقط ولن تحصل عليها ولا بعد موتي "

وفصل عليه الاتصال هامسا بوعيد

" أنا من سيجعلكم تندمون على هذا وسأريك مكانك وحجمك يا طفل "

توجه بعدها جهة مكتبه ورفع سماعة الهاتف وضغط أحد الأزرار

فيه باستمرار حتى انفتح له الخط في الطرف الآخر ووصله

ذاك الصوت قائلا

" أجل سيدي "

قال من فوره

" أبلغ جهاز المخابرات يتولوا الاتصال مع صاحب الرقم الأخير

في هاتفي ، لا أريد سماع صوته مجددا وسأعلمهم بكل ما

عليهم فعله "

" حاضر سيدي "

ضرب بعدها سماعة الهاتف وغادر ذاك المكان أيضا فعليه

الآن إعطاء الأوامر بإخلاء اليرموك تدريجيا



*
*
*

سارت حتى نهاية الممر ثم عادت لباب غرفتها ودخلتها دون

أن تغلق الباب ثم سرعان ما خرجت منها مجددا وسارت حتى

طرف الممر ووقفت تنظر من هناك فلم يعد يمكنها البقاء أكثر

بعدما سمعت صراخهما الذي وصل لجميع أنحاء المنزل تقريبا

تشعر بقلبها يحترق وإن لم تطفئ تلك النيران فيه فستحرق

كل شيء فيها ، مررت أصابعها في شعرها للأعلى حتى نهايته

لتتناثر تلك الغرة الحريرية على أطراف وجهها وتحركت من

هناك مسرعة ومجتازة بهو المنزل الفارغ جهة الممر الشمالي

والذي لا يحوي سوى غرفة جدها ساكن المنزل الجديد فتلك

الجهة لم تكن مستخدمة من قبل وتلك الغرفة فيها تعتبر كملحق

للمنزل تفتح على الخارج أيضا حيث فناء المنزل الخلفي وتم

اختيارها خصيصا من أجله ومن أجل أي حالة طارئة لوجوده

السري هناك .

وصلت باب الغرفة وفتحته دون طرق ودخلت ووقفت متسمرة

مكانها تنظر ليس للذي كان جالسا على السرير ينظر للأرض

متكئا بمرفقيه على ركبتيه والذي جاءت لهذا المكان من أجله

بل للذي ظهر أمامها وكان يقف خلف ذاك الباب قبل أن تفتحه

ويبدوا أنه كان هنا لذات السبب وهي من ظنت أنه في غرفته

البعيدة عن كل ذاك الضجيج خاصة أنهما وصلا من وقت

قريب وخمنت بأنه سيكون نائما أو يستحم فخرجت هكذا دون

حجاب وببنطلون جينز وقميص أحمر ضيق بالكاد يصل طوله

لوركيها ، كان عليها أن تتعلم من أخطائها السابقة ولا تخرج

هكذا فلا ينقصها أن يتهمها بأنها تتعمد فعل ذلك في وجوده .

أبعدت نظرها عنه لحظة أن أشاح هو أيضا بوجهه جهة الجالس

هناك فكتمت وجعها ككل مرة وتخطته ووجهتها الذي لازال

على حالته تلك ويبدوا مستاء بل وغاضبا بشدة من ملامحه

التي لا يمكن وصفها وصمته المخيف ، جلست أمامه على

الأرض ورفعت رأسها ناظرة له لتبتعد تلك الغرة الحريرية

عن ملامحها وقالت هامسة وبحزن

" جدي ما بكما تتشاجران ؟ ماذا حدث ؟ "

أشاح بوجهه جانبا وتمتم ببرود وتجهمه لم يخف أبدا

" لا شيء "

أمسكت يده بأصابع يديها البيضاء ونصف ذاك الكف يخفيه

كمي قميصها الطويلان وقالت ونظرها لازال معلقا بوجهه الذي

يشيحه عنها

" اصواتكما لم ترتفع هكذا من قبل ! ماذا حدث جدي ؟ "


وقف على طوله قائلا بضيق

" قلت لا شيء يا تيما فتوقفوا عن إزعاجي بهذا السؤال "

نظرت له بحزن ولازالت تجلس بركبتيها على الأرض أمامه

فيبدوا أن الموجود هنا سأله أيضا عن السبب ولم يحصل

على أي جواب لكن لا أحد مثلها يعلم عن علاقتهما سابقا فلم

يتشاجرا يوما أو تسمع أصواتهما مرتفعة بذاك الشكل ولم

ترى جدها بهذا المزاج السيء أبدا فما الذي حدث الآن ويخفونه ؟

وقفت على طولها وقالت ناظرة لعينيه

" بل ثمة ما تخفيانه ومتخالفان في أمره ومتأكدة من أنه

يخص والدتي "

لوح بيده قائلا بضيق

" لا شيء سوى أن والدك فقد تعقله وعقله وبات يرى الأذى

حماية والخطأ صوابا ، بل وجنونه تخطى الحدود "

وتابع متوجها لحمام الغرفة

" ولا أستبعد أن يهيم في الطرقات قريبا يهذي كالمجنون "

وما أن وصل باب الحمام التفت لها وقال بضيق

" وأنتي أصحيح توافقين تزويجه لك وأنتي بهذا السن ؟ "

نظرت له بصدمة وقد انفرجت شفتاها وتاهت الحروف منها

بين أنفاسها المتلاحقة وانتقل نظرها لا شعوريا ناحية الواقف

قرب الباب يديه في جيبي بنطلونه والذي كان ينظر لها وقد

أشاح بوجهه عنها فورا فشعرت بتلك الغصة المؤلمة في قلبها

وتنفست بعمق عائدة بنظرها للذي لازال واقفا مكانه ينتظر

جوابها وهمست بصعوبة تشد أناملها حتى كانت ستمزقها

" لا أستطيع مخالفته في شيء جدي "

قال بأحرف مشدودة

" ولا إن قلت أنا بأني لست موافقا يا تيما ؟ "

غصت بريقها وبالكاد وجدت صوتها وقد قالت برجاء

" جدي أرجوك لا تضعني في خيار بينكما فلست أتخيل أن تفكر

في أن والدي قد يفعل أمرا يؤذيني "

دخل حينها الحمام ضاربا بابه خلفه بقوة أرجفت جسدها تنظر

لمكان وقوفه بأسى وتوجهت مسرعة جهة الباب لتخرج قبل

أن تغلبها دموعها في وجود ذاك الرجل لكن يده كانت أسرع

منها وقد أمسك برسغها وأدارها ناحيته بقوة تحرك معها

شعرها الأسود الناعم حولها وأخفت غرتها أغلب ملامحها ،

شد على رسغها من فوق كمها الطويل وقال ناظرا لعينيها

وحدقتيها الزرقاء الواسعة

" من يكون ؟ "

تنقلت نظراتها في عينيه الجامدتين كحجرين أسودين وقالت

بثبات وإن كان قلبها يرتجف وبشدة

" وفيما يعنيك الأمر ؟ "

حركها من رسغها بقوة كادت توقعها أرضا وخرج تأوهها

المتألم خافتا حين اصطدم ظهرها بجدار الغرفة قرب الباب

ووقف أمامها مباشرة بل واقترب منها بطريقة بعثرت

حواسها ومشاعرها وأنفاسها وكل ما يربط جسدها بالحياة

وهي تنظر لعينيه القريبتان منها بصدمة وليست تعلم بأنه

يقاوم وقتها وبشدة رغبته في دفن وجهه في عنقها ليشعر

بدفء بشرتها .. أنوثتها .. رقتها .. نعومتها .. فينسى بها

جميع هموم حياته السابقة لكن كيف وأميالا طويلة تفصله عن

كل ذلك ! رفع يده ورسغ يدها لازال فيها وضغط بها على الجدار

فوق رأسها وقال ناظرا لعينيها بعدائية قاتلة

" أرأيت ما يوصلك له غبائك ؟ حتى علاقة جدك بوالدك باتت

ضحية من ضحايا شخصيتك المهزوزة "

اتسعت عيناها ولم تستطع التحرك وشعرت بأنها عالقة في

مكانها وكانت أنفاسها ستتوقف تماما مع توقف قلبها عن

الخفقان ما أن قرب وجهه منها أكثر حتى كانا أنفيهما سيتلامسان

وهمس من بين أسنانه ناظرا لعينيها

" من يكون ذاك الرجل يا تيما ؟ تكلمي لأجد من أرتكب فيه جرما "

سحبت أنفاسها بصعوبة مختلطة بأنفاسه الدافئة وهمست برجفة

تتجنب النظر لعينيه

" ابتعد عني "

وانتفضت كضبي صغير شعر بالخطر ما أن شعرت بملمس

أنفه فعلا هذه المرة على أنفها وقد همس بتأني

" ليس قبل أن تنطقي بإسمه "

كانت تعلم بأنه يحاول إضعافها وإرباكها وكانت بالفعل ستستسلم

وتقر بالحقيقة فلم يعد بإمكانها السيطرة على مشاعرها أكثر

من ذلك ولا على توترها بسبب قربه هكذا .

أغمضت عينيها وتنفست بعمق حامدة الله في سرها ما أن طرق

أحدهم باب الغرفة مبعدا له عنها وسامحا للهواء بالعبور

لرئتيها مجددا ، وما أن دار مقبض الباب حتى أفلتها مبتعدا

عنها بحركة واحدة سريعة قبل أن يدخل صقر الذي قال

مبتسما ينقل نظره بينهما باستغراب

" شقيقي واسمه دجى هنا أم أني أخطأت في رقم الغرفة ؟ "

تحركت حينها التي كاد يغمي عليها من الاحراج وركضت خارجة

من هناك ونظره يتبعها قبل أن ينتقل للذي بقي واقفا مكانه ينظر

للأرض ممررا أصابعه في شعره وقال

" هل لي أن أفهم ما الذي يحدث هنا ؟ "

نظر جهة الحمام متجنبا النظر له وقال

" خالي دجي في الداخل ويبدوا مستاء للغاية وثمة حوار


عنيف دار بينه وبين مطر "

كان صقر سيتحدث لولا أوقفه باب الحمام وقد انفتح وخرج

منه الذي كان يمسح رسغيه بالمنشفة متمتما بالتشهد ورماها

على الكرسي قائلا ببرود

" ألا غرف لدى أصحاب هذا المنزل ؟ "

قال صقر مبتسما

" بالطبع ثمة غرف لا حصر لها لكن ثمة ما تكون الإثارة فيها أكبر "

حرك دجى رأسه بيأس منه ولم يعلق وقد بدأ بإنزال كمي قميصه

فنظر صقر للواقف أمامه والذي كان قد عاد للنظر للأسفل

تفرك أصابعه شعر قفا عنقه وقال

" هل قررت فعلا مغادرة المنزل ؟ "

وغضن جبينه مستغربا حين لم يجب وقال

" قاسم أنا أتحدث معك ! "

رفع ذاك حينها رأسه ونظر له في صمت فقال بابتسامة جانبية

" كنت أسألك عن قرارك الأخير بالمغادرة من هنا ؟ "

تحرك حينها من مكانه وقال ببرود مغادرا

" لا أعلم "

وخرج فورا فنظر صقر للذي رفع سجادة الصلاة وقال

" ما به هذا الجنوبي في كل يوم بقرار ؟ "

فرد دجى السجادة قائلا ببرود لحظة ارتفاع صوت الأذان عاليا

" لا أعلم سوى أمرا واحدا بأني رميت نفسي هنا في منفى

حتى المسجد لا يمكنني الصلاة فيه "

ربت صقر على كتفه قائلا

" استعن بالله يا شقيقي فوحده بيده الحل لكل هذا ، ثم أليس

مرحبا بمنفى فيه ابنتك وحفيدتك "

وقف على طرف السجادة قائلا بسخرية

" أخشى أن لا يكون فيه ولا واحدة منهما "
فتحت باب الغرفة ودخلت فالتفتت لها الواقفة أمام المرآة تضع

قرطا دائريا صغيراً في أذنها فتوجهت نحوها وأمسكت يدها

وأدارتها حول نفسها قائلة بدهشة

" رائعة ماريه .. !! لم أكن أتخيله جميلا هكذا ! لقد غيرت

رأيي السابق به "

لمست بطرف أصابعها القرط الذي لبسته منذ قليل تتأكد من

مكانه وقالت

" أخبرتك أنه سيكون جميلا "

قالت الواقفة أمامها تبعد غرتها عن طرف عينها

" حسنا علينا الاعتراف بأن تناسق جسدك الرهيب السبب "

وتابعت مبتسمة وملوحة بيدها

" لا يستطيع المرء أن يجد فيه عيبا أبداً "

قالت المقابلة لها بابتسامة صغيرة

" وفستانك جميل أيضا وها قد تغلبت على والدتك "

مطت شفتيها بضيق قائلة

" عليها أن تقتنع بأن هذا ما يناسب عمري فأنا في السابعة

عشرة ولست أفهم لما تريد أن ألبس ملابس مسنات ؟ "

ابتسمت لها ودارت جهة المرآة مجددا تضع القرط الآخر ورفعت

خصلة من شعرها خلف أذنها ونظرت لنفسها بعدما أصبحت جاهزة

تماما ، كان فستانها باللون الأحمر ومن القماش الحريري بكتف

واحد ملتفا على جسدها من الأعلى وينساب بنعومة من خصرها

حتى الأرض ويلتف حول خصره حزام أبيض من القماش وبشكل

أزهار مطرزة وكتفه تتدلى منه قطعة قماش من ذات اللون بذات

طوله قد تم إمساكها ودمجها تقريبا مع تفاصيل الفستان من

الأمام مرورا بالحزام ومن الخلف تنزل من الكتف للأسفل مباشرة

دون أن يمسكها شيء ، كان تفصيله غريبا لكنه رائع وبشكل

مبهر وشعرت بالرضى عن نفسها تماما به حتى أن تركها

لشعرها مفتوحا كما طلبت زوجة عمها بسبب كتفه العاري تناسبت

معه وأبرزت ملامحها وعيناها الذهبية الواسعة كما أن أحمر

الشفاه الدمي اللون انسجم تماما مع لون الفستان ...

العقد المصنوع من اللؤلؤ الطبيعي والسوار المماثل له والقرطين ..

كانت جميعها قطع فنية متناسقة .

نظرت لخاتم الزواج في الدرج المفتوح أمامها وابتسمت بألم فهذا

ما لن تحتاجه أبدا ، أغلقته بقوة وشعرت حينها بذراعي ساندرين

اللتان التفتا حول كتفيها فرفعت نظرها للمرآة ونظرت لعينيها

الزرقاء الغامقة الجميلة وابتسامتها المميزة حين قالت

" رائعة ... لو فقط تتخلصي من هذه النظرة الحزينة وتستبدليها

بابتسامة رائعة من ابتساماتك البريئة المميزة كي لا تفسدي

كل هذا الجمال "

أسدلت جفنيها للأسفل ولم تعلق فقالت التي ضمتها أكثر

" ماريه لا تهتمي لأمره واتركيه هكذا حتى يجد لنفسه حلا لما

أقحمك معه فيه وكوني أنانية مثله "

رفعت نظرها لعينيها مجددا وهمست بحزن

" هل يمكنك انتزاع أوردتك من قلبك ساندي ؟ "

وتابعت مبتسمة بألم وقد رفعت نظرها للأعلى

" لكني سأعتاد وسأنساه يوما مهما كان بعيدا "

ابتعدت عنها وقالت تنظر لها في المرأة وهي تمسح دمعة يتيمة

ترفض أن تفارق جفنها

" أعلم بأنك لن تستطيعي أن تكرهيه ماريه لكن التنازلات تحطم

المرأة صدقيني ، فلا تنسي ذلك أبدا ولا تنسي أيضا بأن الرجل

أناني ولن تسيطر عليه إلا واحدة مثله تشعره دائما بأنها

الأهم لدى نفسها من أي شيء آخر حتى هو نفسه لأنه إن شعر

بضعفها في أي لحظة داس على كرامتها ، هم لا يعترفون

سوى بمسمي واحد للحب وهو موت أحد الطرفين ليعيش

الآخر وإن قتل المرأة التي يحبها كي لا تصاب كبريائه "

حضنت نفسها تنظر للأسفل بحزن وشعرت بملمس يدي الواقفة

خلفها على ذراعيها العاريان ووصلها صوتها هادئا هذه المرة

" لذلك أردت أن تفتحي رقم هاتفك وأن لا تجيبي على اتصالاته

ولا تختاري إغلاقه نهائيا لأن الأولى قوة بينما الأخرى

ضعف ماريه "

التفتت لها بكامل جسدها وقالت بحزن والدموع الدافئة

تملأ عينيها

" يمكنني تحمل أي شيء وأن أدعي القوة أمامه في أي وقت

ومكان إلا إن رأيت تلك المرأة برفقته "

وتكسر صوتها وقد تابعت ببحة بكاء ودمعتها تتدلى من رموشها

" اقسم أن أموت حينها ولن تجدي مواعظ الأرض جميعها معي "

أمسكت وجهها وقالت ناظرة لعينيها

" أنتي مريضة بحبه ماريه وعليك أن تشفي منه بنفسك

لا أن يساعدك هو على ذلك "

أبعدت نظرها عنها وهمست بحزن

" لما لا نتوقف عن التحدث عنه ساندي ؟ "

تنهدت الواقفة أمامها بعمق وأبعدت يديها قائلة

" أنا فقط أخشى أن يكون هناك ماريه وأن يحاول تغيير

رأيك وقرارك "

أشاحت بوجهها جانبا وقالت

" لن يكون هناك فهو يرفضهم وحفلاتهم فما سيأتي به الآن ؟ "

أمسكتها من ذراعيها مجددا وقالت بجدية ناظرة لوجهها

الذي كانت تشيحه عنها

" قلبي يخبرني بأنه سيأتي للحفل فأريدك أن تستمري على

موقفك ولا تسمحي له بخداعك بكلمة ( تفَهّمي موقفي وظروفي

وانتظري وما إلى ذلك ) أنتي الأحق به من عمله ومن مهامه

ومن كل شيء إن كنت فعلا تعنين له وإن شيئا بسيطا "

انفتح باب الغرفة فجأة قاطعا حديثهما ذاك فرفعت ساندرين

نظرها للسقف فورا وقد وصلها صوت والدتها الحانق

" فعلتها إذا ساندي؟ "

أبعدت يديها عن ذراعي الواقفة أمامها وأغمضت عينيها

متمتمة ببرود

" رحماك ربي "

قالت والدتها من خلفها وبحدة

" أعيدي فلم أسمعك ؟ "

دارت ناحيتها وقالت بضيق فاردة ذراعيها

" انظري أمي ها هو أمامك لم يتعدى طوله ركبتاي بل يكاد

يصل لنصف ساقاي ... هذا ليس قصيرا أبدا وأكمامه حتى

مرفقاي ، هل تريدين أن ألبس معه بنطالا أيضا ؟ "

غادرت تلك من فورها متمتمة بحنق

" اللهم ألهمني الصبر عليها "

فتأففت من تركتها خلفها ودارت ناحية من أصبحت مقابلة لها

مجددا هامسة بضيق

" ها قد نزعت باقي المزاج ولم تترك لزير النساء ذاك شيئا "

ابتسمت الواقفة أمامها تمسك ضحكتها فقالت مبتسمة بحماس

" رائع هكذا أنتي أجمل "

ثم سحبتها من يدها جهة الباب قائلة

" بسرعة فالمسافة حتى بريستول مقربة الساعتين "

وتابعت بضحكة وهما تغادران ممر غرفتها

" ولم اخبرك أيضا أني وجدت شبيه الفستان الذي أحضره لك

ذاك الهازاني سابقا في أحد متاجر بوند ستريت وكاد يغمى علي

حين سألت البائعة عن سعره ... لا ولا يوجد منه سوى قطعتين

فقط في انجلترا بأكملها ! أتساءل أحيانا كيف يفكر ذاك الشاب ؟ "


*
*
*

وقف أمام المرآة وأغلق زر السترة السوداء الفاخرة تحتضن

ذاك الصدر العريض والقميص الأبيض الناصع تزينه ربطة

عنق رمادية غامقة أعطته مظهرا مميزا ومختلفا تماما عما يعرف

عنه فهو يكره هذه الملابس المعقدة المقيدة كما يكره الحفلات

ويتجنبهما منذ كبر هنا ولا يعجبه شيء مما يحدث فيها ، رفع

المشط وسرح به شعره للخلف مجددا لكن الأمر لم ينجح هذه

المرة أيضا فتأفف بحنق ورماه على الطاولة وفتح الدرج بحركة

عنيفة يفتش في الأغراض المكومة فيه ، كثافة شعره ونعومته

لا تساعده أبدا في التحكم به ويكره أن يكون ملزما بمظهر

مرتب وكأنه دمية عرض ، أخرج علبة معينة وسكب منها في

راحة يده ورماها في الدرج مجددا ووزع ذاك السائل بين يديها

ثم مرر أصابعه بين خصلات شعره للأعلى بالتتابع فهذا أمر

آخر يكرهه وأكثر من سابقاته لكنه مضطر لوضع القليل منه

ليتحكم في تصفيف هذا الشعر المزعج كي لا يتحرك مع حركته

وحركة الهواء ، مرر المشط خلاله مجددا ونجح الأمر هذه المرة

فرماه وتوجه جهة هاتفه الذي ارتفع رنينه مجددا ورفعه

وأجاب قائلا

" مرحبا لوسي "

وصله صوتها الرقيق فورا

" تيموثي لا تتأخر حبيبي والدي في انتظارك "

تنهد بعمق وقال بجمود

" حسنا أنا قادم فما يزال المساء في أوله "

قالت مبتسمة

" أجل .. أنا فقط لا أريدك أن تنسى أو تتأخر ... وداعا حبي "

رمى الهاتف حيث كان وعاد جهة مرآة التزيين ولبس ساعته

مستغفرا الله بهمس ، عليه أن يتأقلم مع هذا الدور السخيف

بما أنه لا مفر له منه قبل أن يرتكب جرما في أحدهم وتلك المدللة

طبعا على رأس القائمة ، مرر أصابعه على فكه وصولا لقفا عنقه

وتنفس بقوة مغمضا عينيه قبل أن يرجع للهاتف مجددا ، رفعه

وأجرى اتصالا لم يدم طويلا وهو يستمع لصوت المرأة التي

تخبره بأن الرقم الذي يطلبه مقفلا ، ضغط زر إنهاء الاتصال

بقوة هامسا من بين أسنانه

" ماريااا ... ماريا يا حمقاء "

ثم رماه مجددا حيث كان ووقف مواجها للنافذة ورفع يديه

مكبرا قبل أن يضمهما جهة صدره فلم يكن يريد المغادرة

قبل وقت صلاة العشاء فأولئك الأثرياء الهامشيين قد لا يكون

ثمة حدود لساعات سهرهم ليلا ولن يترك صلاته لما بعد

منتصف الليل متهاونا أبدا .

وقف بعدها ودس هاتفه في جيبه وغادر الغرفة من فوره بل

وشقته والمبنى السكني بأكمله ، ركب سيارته ونظر لساعته

لبرهة قبل أن يدير المفتاح ويشغلها وغادر من هناك فورا .


*
*
*

اندست تحت اللحاف أكثر تتمسك به بقوة تدس وجهها فيه

وجسدها بأكمله يرتجف كضربات قلبها المتتالية فلم تعرف

حياتها شعورا مماثلا لهذا ولم يقترب منها رجل بذاك الشكل

من قبل درجة أن تصبح تتنفس أنفاسه الساخنة وترى تفاصيل

حدقتيه بدقة فحتى حين احتضنها سابقا في تلك الليلة التي

أنقذها فيها لم يكن شعورها مماثلا لهذا رغم فضاعته آنذاك ،

لو تفهم فقط ما يريده منها !

أليست ساذجة ذات ماض متسخ ؟

وشخصية مهزورة ؟

ألا يريد الزواج بواحدة بماض نضيف ؟

إذا ما يريد بالذي ستتزوجه يسأل عنه ؟
متى سيتوقف عن إيذائها وإهانتها بهذا الشكل ؟

ألا يعلم بأن عمره فوق ضعف عمرها ؟

ألا يفكر في أنها أضعف من أن تكون في مواجهته ومن أن تجاريه ؟

لماذا لا يتركها وشأنها ؟

ألا يكفيها أن تراه أمامها هكذا ينفر منها ويكرهها ويحكم عليها

بالسوء وهي أبرأ من أن تكون كذلك ؟

شدت أسنانها على قماش اللحاف مغمضة عينيها بقوة

ما أن طرق أحدهم باب غرفتها ومن حماقتها نسيت أن تغلقه

بالمفتاح .. قد يكون جدها أو والدها أو حتى عمها صقر

وكل واحد منهم سيفتح الباب بالتأكيد إن طرق أكثر من مرة

ولم تجب أما الخادمات تم صرفهن جميعا قبل وصول جدها

حتى يتم استبدالهن بأخريات من خارج البلاد ، لكن قد يكون

شخصا آخر لن يدخل إلا إن أذنت له أو فتحت الباب بنفسها

وهنا ستكون أوقعت نفسها في قبضته مجددا لذلك ليس

بإمكانها أن تسمح للطارق بالدخول الآن وكائن من يكون

ولا أن تفتح له الباب .

جلست مبعدة اللحاف عنها ما أن غادر الواقف في الخارج

وتنفست بارتياح تضع يدها على صدرها فها قد ذهب وكائن

من يكون ، مدت جسدها وأخذت هاتفها من على طاولة

السرير واستوت جالسة مجددا تبعد غرتها عن وجهها وكتبت

رسالة وأرسلتها لرعد فورا وكان فيها ( سألني من يكون ولم اجب )

هو متفرغ هذه الفترة تماما وسيقرأ رسالتها سريعا بالتأكيد وهو

من سيساعدها في أن تقرر ما تفعل لأنها تخشى أن تفعل أمرا

تندم عليه فيما بعد ويوبخها هو أيضا لأنها لم تأخذ رأيه ، وصلها

رده سريعا كما توقعت ( ألم اخبرك بذلك ... جيد ابقي على

موقفك وسيحدث ما قلته حرفيا وستري بعينيك )

أنزلت الهاتف لحجرها متنهدة بيأس ... يعتذر منها !!

هي ترى أن رعد يأمل فيه كثيرا وكأنها لم تحكي له ما حدث

بالتفصيل ! بل هو لم يرى تصرفاته لما كان وثقا من نفسه هكذا .

وصلتها رسالة أخرى منه ففتحتها وكان فيها ( تذكري يا تيما

أنك قد تحتاجين لقول الحقيقة له يوما ما وأنتي فقط من سيكون

بإمكانه تحديد متى يكون ذلك )

أغمضت عينيها متنهدة بعمق تشد أناملها على الهاتف فيها بقوة

قبل أن تفتحهما محدقة في الفراغ بحزن ، ليست تفهم ما يقصد

فعلا ولما يكرر هذا دائما ؟ أي وقت هذا الذي ستكون فيه مجبرة

على قول الحقيقة له كي لا تعاني طوال حياتها !

رمت الهاتف من يدها ومعه جميع تلك الأفكار وغادرت السرير

فعليها رؤية جدها فسيكون غاضبا منها بالتأكيد وهذا ما لا تريده ،

سحبت حجابها من العلاقة الخشبية بجانب الباب وفتحته لتخرج

فقفزت مكانها بشهقة فزع ووضعت يدها على قلبها هامسة

بنفس متقطع

" لقد أفزعتني "

نظر لها الواقف أمامها باستغراب وقال

" ولما أفزعتك ! ممن أنتي خائفة ؟ "

نظرت له بصدمة وقالت

" أ.... لا أنا فقط كنت شاردة الذهن و... كنت أود الذهاب لجدي "

أمسكها من يدها وقال مغادرا بها

" جدك نائم الآن .. تعالي ثمة أمر مهم علينا فعله ولا داع

للبس الحجاب فقاسم غادر منذ قليل وقال لن يرجع قبل المساء "

وضحك متابعا

" ثم هو حفظ شكلك هكذا فما الداعي لتغطية شعرت ؟ "

عبست ملامحها وتمتمت ببرود

" لم أكن أعلم بأني سأجده هناك ... ظننته نائما "

قال مبتسما وسالكا بها بهو المنزل الواسع

" هذا طبيعي طالما هو مقيم هنا وما أن يغادر لن تقيدي نفسك هكذا "

رطبت شفتيها بطرف لسانها وقالت بعد تردد تجاري خطواته

" متى قال سيغادر ؟ "

قال وهما خارجان من باب المنزل

" لا أعلم فهو لم يحدد وقتا معينا لكنه قال سيشتري قريبا

منزلا هنا في حوران "

تنهدت بصمت ولم تعلق وليست تعلم أسعدها هذا الخبر أم لا ؟

مؤكد ستتخلص من ملاحقته لها باتهاماته وعباراته الجارحة

وليست تعلم لما تشعر بشيء ما يحزنها في هذا وفي أن لا تراه

هنا دائما رغم أنها هربت لمنزل والدتها المدة الماضية فقط كي

لا تراه وتواجهه بعد لقائهما الأول فإن هو غادر لمنزل مستقل

لن يأتي هنا أبدا إلا إن أراد زيارة جدها ومؤكد سيدخل من

باب غرفته الذي يفتح على الخارج ، هذا إن لم يتزوج فلما

سيشتري منزلا ليعيش فيه وحيدا ويترك منازل عائلتي

والده ووالدته ؟ شعرت بالتعاسة للفكرة فقط فكيف إن كانت

واقعا أمامها ؟ حركت رأسها برفض هامسة

" حمقاء توقفي عن هذا هيا "

وقف بها صقر حيث حديقة المنزل الواسعة ونظر لها

وقال مبتسما

" من تكون هذه الحمقاء وعما عليها أن تتوقف ؟ "

نظرت له بصدمة فضحك وقال مشيرا للمكان خلفه بإبهامه

" هنا توجد شجرة لكل فرد من العائلة غرسها بيديه وها قد

حان دورك "

نظرت للمكان أمامها وللأشجار المثمرة العالية فيه وقالت بدهشة

" كل واحد لديه شجرة هنا ! "

قال مبتسما

" أجل وكل واحد شجرته تشبهه فشجرة الدراق تلك لوالدتك

وهي آخر من غرس واحدة هنا أما البرتقال فلجدك ، المشمش

لنصيرة رحمها الله والزيتون لابنها قاسم أما والدك فاختار

شجرة السنديان وأصر عليها منذ صغره رغم أنها ليست مثمرة

وأصبحت كما هي عليه الآن عملاقة تضلل كل تلك الأشجار تحتها "

نظرت لها مبتسمة بحب فهي مثله بالفعل يحيط الجميع برعايته

واهتمامه ... وقوي وصامد وعنيد ، نظرت له وقالت مبتسمة

" وعمتي جوزاء وأبنائها ؟ "

أشار بإصبعه وقال

" جوزاء شجرتها التفاح هناك أما أبنائها فلم يعيشوا هنا

وزاروها مرتين فقط هذا بالنسبة لغيهم وأبان أما الفتاتان فلم تزورا

هذا المنزل حتى الآن "

وتابع ضاحكا يشير لشجرة موز بعيدة

" تلك شجرة جدك شاهين كان كابنه عنيدا على مخالفة غيره

وأصر عليها وهي لا تثمر هنا وهذا ليس مكانها وبقيت صغيرة

الحجم هكذا بالمقارنة بباقي الأشجار "

لم تستطع امساك ضحكتها ونظرت لتلك الأشجار قائلة بفضول

" وفيما يشبه كل واحد شجرته "

قال من فوره وبذات ابتسامته

" والدتك كالدراق تماما ناعمة وحلوة إن كانت كما أذكرها فهي

كذلك تماما جميلة بنعومة الحرير حلوة في كل شيء في حديثها

في طريقة كلامها .. صوتها نظراتها ابتسامتها ضحكتها وكل شيء

أما جوزاء في وقت طفولتها كانتا وجنتاها مستديرتان وممتلئتان

وحمراوتان بشدة كالتفاحتين تماما وها هي مثله أيضا إن ضربك

أحد بثمرة منه على رأسك فقدت الذاكرة بسبب صلابتها "

لم تستطع امساك ضحكتها وقالت

" بل أراها رائعة "

قال مبتسما

" بلى فداخلها أيضا مثل لب التفاح ، أما نصيرة رحمها الله

فكانت كالمشمش بالفعل طرية لينة وعطبها سهل أيضا ، وابنها

قاسم كالزيتون تماما تستفاد منه في جميع حالاته وفي كل شيء

كما حبة الزيتون مفيدة وهي هكذا وإن عصرناها أو طحناها أو

خللناها وحتى نتاج عصرها يستفاد منه ولا يرمى منها شيء وهو

كذلك رجل يستفاد منه في كل حال ووقت وموقن بأنه سينجح حيث

سيكون كرجل كصديق كزوج وكأب "

نظرت ليديها تسحب بأصابعها كميها الطويلان وابتسمت بحزن

وتابع هو بضحكة مشيرا بعينيه جهة شجرة الموز

" أما والدك ووالده فاختارا أشجارهما بنفسيهما فليفسرا بنفسهما
علاقتهما بها "

ضحكت ونظرت تبحث بحدقتيها بين الأشجار قائلة

" وماذا عن شجرتك أنت "


أشار بإصبعه وقال مبتسما

" إنها تلك هناك شجرة الإجاص مثلي تماما طرية من الداخل

والخارج تأكلها بقشورها "


ضحكت وقالت ناظرة للشتلة قربه

" وماذا اخترت لي يشبهني ؟ "

رفعها من ساقها الطويل وقال مبتسما

" شجرة اللوز "

ماتت ابتسامتها وقالت

" ولما اللوز ! هل أنا أشبه قشرة حبة اللوز "

ضحك كثيرا وقال

" لا بالطبع لكنك مثل شجرتها خضراء زاهية في الربيع

والصيف وأغصانها مغطاة بالأزهار الجميلة شتاء ... أي

لا تتعرى أغصانها أبدا "

قالت بتذمر

" والزيتون والسنديان لا تسقط أوراقهم أيضا "

أمسك خصره بيديه وقال

" هل ثمة من يكره النظر لشجرة اللوز في الشتاء ؟ إنها الشجرة

الوحيدة الرائعة الجمال في ذاك الموسم وأنتي مثلها فلما يضايقك

وصفك بأنك جميلة دائما ؟ ثم أنا لا أتراجع في اختياراتي ، كان عليا

أن أتوقع ذلك فوالدك وجدك أيضا اعترضا واختارا بنفسيهما وأمامك

النتائج فلا تعانديني كي لا تخسري وتصبحي سخرية للأجيال القادمة "

مدت شفتيها بعبوس فضحك وقال

" لا مفر لك منها وفي الشتاء القادم ستكونين الأسعد بهذا "

انحنت ورفعت المعول بحركة غاضبة متمتمة بضيق

" قل بعد عشر سنين حتى تكبر هذه الشتلة الهزيلة "


ضحك ورفع هو الفأس قائلا

" وقد يكون ابنك يركض حولها حينها "


*
*
*


دخلت الغرفة تحمل كوب الحليب الدافئ في يدها وقالت متوجهة

ناحية الجالسة على السرير تربط رأسها وتمسكه بيدها تئن بتألم

" هذا سيفيدك كثيرا فعليك شربه بأكمله "

أمسكت رأسها بكلتا يديها قائلة بصوت متعب

" هل غسلت الكأس جيدا ؟ "

ابتسمت ووصلت عندها قائلة

" أجل ومرتين أيضا "

أخذته منها وشربته دفعة واحدة ثم وضعته على الطاولة بجانبها

فجلست قربها ووضعت يدها على جبينها قائلة بقلق

" حرارتك لم تنخفض أمي ! "

دفعت يدها عنها ووضعت المنديل على فمها وأنفها قائلة بضيق "

ابتعدي عني يا كنانة أتريدين أن تصيبك العدوى ؟ وغادري السرير

بسرعة فهو مليء بالجراثيم والفيروسات "

وقفت وقالت مبتسمة

" هل سأبتعد عن المرض هكذا ؟ ثم أنا الزكام لا يأتيني مثلك بهذا
الشكل ولا خوف علي "

عادت لإمساك رأسها تهز جسدها بأنين متألم ولم تعلق لحظة أن

دخل شخص آخر للغرفة واقترب منهما قائلا

" كيف أنتي الآن؟ "

قالت التي لا زالت تحرك جسدها متألمة

" لست بخير ... لست بخير ، غادرا بسرعة لا أريد سماع أصوات

أو التحدث أرجوكم رأسي سينفجر "

نظرت كنانة لوالدها بحزن فحرك كتفيه بقلة حيلة وخرج وهي

خلفه وما أن كانا في الخارج قالت بأسى

" نحن في فصل الربيع الآن فلما تصاب بالزكام ! ومتى ستمرض
كغيرها من البشر ؟ "

حرك رأسه بعجز قائلا

" تعلمين حيدا ما قال الاطباء يا كنانة فهوس والدتك بنظافتها

ومحاربتها لجميع أنواع المخلوقات المجهرية ضارة كانت أم نافعة

لم يعزز مناعة جسدها في مقاومة المخلوقات الغريبة التي تدخله

فلم تعد مناعتها الطبيعية تقاوم أي مرض بل وحتى الأدوية لم تعد

تجدي معها ولا شيء في يدنا نفعله سوى البقاء قربها حتى تتخطى

حالتها المرضية كالعادة "

تحركت من هناك قائلة

" إذا سأعد لها شايا بالزنجبيل فقد يفيدها "

أمسكها من يدها موقفا لها وأدارها ناحيته قائلا

" شربت كأس الحليب الآن يكفيها سوائل ثم أليس ثمة حفل في

منزل عمتك ببريستول عليك أن تكوني فيه ؟ "

فتحت فمها وأغلقلته أكثر من مرة قبل أن تقول

" وأترك والدتي وهي بهذه الحالة ؟ يمكنك أنت الذهاب نيابة

عنا أو اتصل بعمتي واعتذر منها "

قال من فوره

" بل عليك الذهاب وأنا سأبقى مع والدتك "

كانت ستتحدث فسبقها قائلا بإصرار

" كنانة وجودك هناك أهم من وجودي فعليك أن تلتقي بالشاب

الذي سترتبطين به ولا أريد أن تضيعي الفرصة وتتزوجيه

دون أن تري ولا شكله أو تقيمي طريقة تفكيره ما أن

يتحدث أمامك "

أحنت كتفيها بقلة حيلة ولم تستطع أن تقول بأنها قابلته صباحا

لكنها حاولت مجددا ودون يأس

" لا داع لذلك أبي أنا موافقة من دون أن أراه ... أؤكد لك ذلك "

حرك رأسه بالنفي قائلا

" وما سيكون موقفنا أمامه وموقف والدتك أمام والدته إن ذهب

ولم يجدك وتحت أي سبب كان ؟ لن تظهري تربيتنا لك بذاك الشكل

السيء ولن نعطيهم انطباعا سيئا عنا يا كنانة فإن كنت أنت

المريضة ما كانت تلك حجة وسيظنون أننا نكذب أو أنك تدعين

ذلك كي لا تري ابنهم ، سأتصل بشقيقك ليأتي لأخذك هناك فلن

تركبي سيارة أجرى حتى بريستول وحدك "

أومأت برأسها موافقة وابتسمت له بحنان فوالدها كان دائما هكذا

بعقل كبير يزن كل الأمور ويكره ترك أي شيء للصدف وهي

ما كانت لتفعلها وتتغيب عن الحفل دون أن يكون لذاك الشاب

علم مسبق بذلك بل وكانت ستخبره من تكون ولا تضع نفسها

وعائلتها في موقف سيء أمام تلك العائلة ، أمسك وجهها بيديه

وابتسم قائلا

" لا نريد أن تضيعي زوجا مثل ابن تلك العائلة فأقل ما قد يمنحه

لك أن تكوني في بلادك وتحققي حلم طفولتك وحياتك "

ابتسمت ودموعها تملأ عينيها وأمسكت يده وقبلت بطن كفه

فقال ماسحا على شعرها

" هيا اذهبي وجهزي نفسك بالكاد سيكفيك الوقت فالمسافة بعيدة

بعض الشيء وستصلين متأخرة "

أومأت بحسنا وغادرت من أمامه فأوقفها صوته مناديا لها

فالتفتت له فقال بجدية

" أنا أثق بك يا كنانة فلا تنفردا وحدكما أو يطلب منك الخروج

من هناك وتوافقي ، لا تشوهي تربيتنا لك وإن كان الثمن أن

لا يكون ثمة زواج بينكما فأنتي أهم عندنا من رجال الأرض

جميعهم "

عادت ناحيته وحضنته بقوة قبل أن تغادر مجددا جهة غرفتها

ودخلت وحملت الفستان الذي ظنت بأنها لن تلبسه الليلة أبدا ولن

تراه ولا يراها به ، صحيح أنه بسيط جدا أمام ما سيلبسنه النساء

هناك لكنها لا تهتم ولا بكونه ابن تلك العائلة الثرية وتأمل بأن نظرتها

فيه لن تخيب وفي أنه ليس ممن ينظرون للناس بدونية لأنهم أقل منهم

ومؤكد يشبه والدته التي اختارتها له دون أن تهتم بالفروق الاجتماعية

بينهم .

دخلت الحمام مسرعة لتستحم سريعا وتجهز نفسها في أقصر وقت

ممكن فهي تشعر بحماس يكاد يقتلها لرويته مجددا ومعرفة رد
فعله ما أن يعرف من تكون .
نظر لساعته مجددا ثم للباب قبل أن ينقل نظره بين الحضور

في الأرجاء ، لم يتم دعوة سوى المقربين وبعض رجال الأعمال

وشخصيات سياسية معينة إلا أن غرفة الاحتفالات الواسعة تلك

باتت شبه ممتلئة رغم أنها تأخذ أغلب مساحة الطابق الأرضي
ورواح السبب الرئيسي في ذلك بالطبع ، نظر جهته وتنهد بضيق ..

لا يفهم ما سبب دعوته لكل أولئك الفتيات لا وشقراوات جميعهن ؟

هو لا يتصرف بغرابة هكذا إلا والمدعوة ساندرين في الموضوع

ومؤكد يخطط لأمر ما ولن يستبعد حربا طاحنة هذه المرة فقلبه

يخبره بأن هذه الليلة لن تسلم من الأعاصير المدمرة ، ومن الجيد

أن جده يرفض وجود الصحافة رغم أهمية ذلك بالنسبة لعملهم

فإن سلمت الحفلة من رواح وتلك الفتاة لن تسلم من البقية خاصة

زيزفون ووالدة زوجها أو في مواجهة أي كان فتلك الفتاة ظهر أنها

تنافس حبيبة رواح بأضعاف رغم صمتها الدائم ، نظر لساعته

مجددا وتحرك من مكانه مغادرا من هناك فلن يضمن أبدا أن لا

تحظر رغم يقينه من أنها لن تخلف بوعدها لوالدة رواح لكن

مزاجها المشتعل الذي عادت به للمنزل بعد خروجهما لن يستبعد

معه أن ترفض الحضور رغم أنها لم تتحدث طوال طريق عودتهما

لكن رفضها ولا النظر جهته كان كافيا ولم يستطع هو قول شيء

ولا مناقشة الأمر معها لأنها ستجعله مذنبا وبكل بساطة خاصة

بعد العرض السخيف الذي قدمته إيلينا أمامها والذي هو موقن من

أن وجود زيزفون معه كان السبب فيه ، هو لا يريد أن يجعل من

نفسه عدوا لها وعليه أن يتحلى بضعف صبره السابق معها لأنه

ومهما بحث وتقصى ستبقى هي حلقة الوصل الأقوى بحقائق

ماضيها ولن يكتشف كل شيء ويصل للحقيقة كاملة إلا من خلالها

خاصة أن ذاك الطبيب غادر إنجلترا بجواز سفر ونزل بلاده بآخر

وليس يفهم كيف فعل ذلك ولا تفسير للأمر سوى بأن تلك اليد

القوية والسلطة العليا المجهولة وراء الأمر ! لا زال لا يفهم لما

لم يقم ذاك الشخص بفك خيوط القضية حتى الآن ! ما الذي

يمنعه فمؤكد هو لن يتوانى عن تقديم أي شيء من أجلها

والثمان سنوات الماضية تشهد له بذلك ! أويس أيضا لم يحصل

حتى الآن إلا على القليل لكنه لن يبعد ذاك المدعو بشير عن حلقة

الاتهام أبدا حتى تثبت براءته أمامه هو وقاص وليس قضاء أي

بلاد ، وما سيقومون به الآن هو مراقبته وسيكتشف جميع خباياه

وإن بعد حين خاصة أنه وشقيقتاه لكل واحد منهم والدا لكن

والدتهم واحدة وجميعهم من الحالك بينما والدتهم من الهازان

وهم والدة زيزفون والمدعو بشير وأخرى متوفاة كانت متزوجه

من خماصي وتركت بعدها ابن وإبنة ، وزيجاتها الثلاث كانت

سرية غير موثقة ونسبت أبنائها الثلاثة لعائلتها وليس لآبائهم

لذلك وافقت والدة زيزفون الزواج من والدها إسحاق فمصيرها

يشبهه ابن نسب لوالدته وعائلتها أما شقيقتها والمدعوة سلافة

فقد تزوجها قريبها من والدتها الخماصية وتزوج بعد وفاتها من

امرأة من الحالك .. إلا المدعو بشير ثمة غموض كبير حوله من

اختفائه صغيرا حتى ضنوا أنه ميت ثم ظهوره مجددا واقتحامه

حياة شقيقته والدة زيفون خصيصا حتى أنه لم يهتم ولا لإبني

شقيقته الثالثة المتوفاة فكل هذا يثير الشكوك حوله ولن يتجاهله

أبدا ومن الغباء تجاهل غموض ذاك الرجل .

ما أن وصل ممر غرفتها وقف مكانه ينظر لباب الغرفة الذي

انفتح ببطء وللتي خرجت منه ووقفت مقابلة له تنظر له بصمت ...

من وضعته في مأزق معها قبل نفسه وكأنها تريد اختبار سيطرته

على مشاعره وانفعالاته وكيف بالله عليها ستتوقع غير النظرة

التي رأتها في عينيه وصعب عليه السيطرة عليها وهو ينظر

لذاك المشهد أمامه ... الثوب الأخضر الربيعي الحريري

المنساب بنعومة على جسدها النحيل مظهرا تفاصيله حتى وركيها

لينزل بعدها بانسيابية وصولا للأرض مع ذيل خفيف خلفها ،

أحد كتفيه ووصولا لوركها عبارة عن قماش شفافي مبطن بطبقة

قماش تحته بلون الجلد وقد تم وبحرفية تثبيت أزهار قماشية

صغيرة تمسكها حبة لؤلؤ صغيرة حقيقية في منتصف كل

واحدة منها في تجمعات أنيقة باللون الأخضر الغامق وأوراق

بشكل زخرفة تم تطريزها يدويا بالعقيق الأبيض والفضي تحد

حوافها وبالعقيق الأخضر داخلها .. كانت تلك النقوش تغطي

جانب الفستان الأيمن بالكامل وتمر حواف نهاية تلك الزخارف

المطرزة بخصرها حتى منتصفه وللأسفل حتى الفخذ ويمتد

القماش لكفها في كم وأحد شفاف ومزين بذات الورود والعقيق ،

أماكتف الفستان الآخر كان كباقي الفستان من القماش الحريري

ولا كم له يخفيه شعرها الطويل الذي كانت تجمعه عند ذاك

الكتف تاركة لغرتها الخفيفة الطويلة حرية الانسياب معه

في ذاك الجانب ليظهر القرط الزمردي اللامع في أذنها اليمنى

والسلسال الفضي الذي يزين عنقها ينتهي بزمردة خضراء أيضا

تظهر بأناقة من ياقة الفستان المثلثة الشكل ، كانت وبكل

بساطة حورية فاتنة ومبهرة تحار ما الرائع فيها أكثر من غيره !

حتى الرسم الأسود الخفيف لعينيها الواسعة وأحمر الشفاه بلون

التوت البري الذي يزين شفتيها وهو ذاته لون طلاء أظافرها

الذي أبرزها في تلك الأصابع البيضاء ... هذه حورية من الجنة

بلا شك ! .

" إن كان سيئا فعليا عودة أدراجي لأني لم أشتري غيره "

رفع نظره لعينيها ما أن وصلته كلماتها الامبالية تلك فحرك

رأسه مبتسما واقترب منها قائلا

" إن كنت تودين تمريني على الكذب الليلة فساقول بأنه ليس

جميلا ولست رائعة "

وما أن وصل عندها رفع ذراعه لها فرفعت يدها له وألتفت

أصابعها حول مرفقه وسار بها قائلا بابتسامة

" لا تنسي بأنك مرافقتي الليلة والمرافقة لا تترك رفيقها وتحت أي

سبب كان "

رفعت نظرها له وقالت بابتسامة جانبية

" ولا في وجود حبيبتك تلك ولا ربيكا ولا آندريا ولا إيما ؟ "

ضحك رافعا رأسه للأعلى ثم نظر لها وقال

" إيلينا بت تعلمين جيدا أنها ليست حبيبتي ، ثم لم أكن أعلم

بأنك كنت منتبهة لمكالماتي مع موظفات مكتبي هكذا ؟ "

أبعدت نظرها لطريقهما خلال الممر ذو الأرضية الرخامية والمغطى

ببساط أحمر فاخر وقالت ببرود

" المهم أن لا تكون إحدى نسائك السبب وتلقي عليا باللوم حينها "

قال مبتسما

" لن تكون أيا منهن هنا فلا تغادري أنتي بسبب والدة زوجك

فهي لم تنسى ثأرها منك بعد "

شعر بأصابعها تشتد على مرفقه قبل أن تسحبها بعنف ووقفت

مكانها حيث كانا قرب الباب الخشبي الواسع المرتفع والمفتوح

على مصراعيه فوقف والتفت لها وقد قالت بضيق محدقة بعينيه

" لا تقل زوجك مجددا ، إن كنت أنت راض عن المرأة التي

اختارها لك جدك فأنا لا ولم يأخذ أحد برأيي أيضا "

تنفس بعمق وبطء فها هي تحتج ولأول مرة على واقع لم تكن

تبالي به ، رفع ذراعه لها مجددا وقال بهدوء

" حسنا آسف خطأ ولن يتكرر ومعك حق ذاك الرجل ليس

زوجك ولن يستمر ذلك .. وسنقول والدة نجيب "

قالت بحنق

" لا تذكر اسمه أمامي "

ضحك وشدها من يدها قائلا

" حسنا زوجة والدي هل يرضيك هذا ؟ "

لم تعلق على ما قال ودخلا المكان الذي اختلطت فيه الفخامة

بالإنارة الخفيفة المميزة ورائحة العطور الفاخرة برائحة التبغ

الفرنسي المميز نظراتها تتنقل بين الموجودين ببطء كي لا

تظهر بمظهر سخيف ، لكن ذلك كان خارجا عن إرادتها فهي

عاشت منعزلة ولم تشفى من الرهاب الاجتماعي إلا من عامين

ونصف تقريبا حتى أنها في تلك المتاجر صباحا لم تفضل البقاء

فيها طويلا ، آخر ما قال لها طبيبها بأنه عليها أن تؤمن بأنها شفيت

أو لن تتغلب على وهم المرض أبدا رغم شفائها منه فعليها

اليوم مواجهة ذلك بالرغم من أنها تكره أن تستمد ذاك الأمان

من السائر قربها الآن ورفضها خوض التجربة وحيدة في مكان

لا تعرف فيه أحدا تقريبا لكنها خشيت للحظة أن تفشل فاختارته

على الفشل ، وهذا ما كان يشعر به هو جيدا واستشفه من

حركة أصابعها التي كانت تقبض على طرف كم سترته وتحرره

كل حين ما أن دخلا واستطاع ترجمة بعض مما يحدث داخلها

وإن كان لا يظهر عليها ذلك أبدا ولن يستغربه فلا يبدوا أن

ما مرت به هين ، ليته فقط أدرك ذاك الطبيب قبل أن يغادر كان

سيستعلم منه عن أمر واحد فقط وسيفعل المستحيل ليعرفه وهي

مسألة الاغتصاب في ملفها ولما تم سحبها من القضية بالسرعة

التي ظهرت بها ! شعر بقلبه انقبض لا شعوريا من مجرد الفكرة

التي يهرب حتى من التفكير فيها ويحاول استبعادها قدر الامكان

وهذا ما فعله لحظتها أيضا وقد سار بها يمينا مجتازا بعض

الضيوف وطبعا لأن أغلبهم انجليز فمن عاداتهم أن لا يستقبلوا

الضيف من دخوله الباب رغم أن الأنظار أغلبها كانت مسلطة

عليهما ولن يستغرب ذلك في ظهورها الأول والفريد من نوعه

هكذا ، قال يسحبها من يدها

" تعالي ثمة من أريد أن اعرفك عليه أولا "

ومقصده كان شخصا عند نهاية المكان من الجهة الأخرى لولا

قطعت طريقهما التي قالت ضاحكة

" أووه لا تقل بأنك وكاص ؟ "

وقف ونظر لها ، كانت امرأة في منتصف الأربعين من عمرها

لكن اهتمامها بمظهرها وجمالها يظهرانها أصغر من ذلك بكثير ،

لم يتعرف عليها من شكلها بل من طريقة نطقها لاسمه فقال

بابتسامة جانبية

" مرحبا سيدة شيرل"
ضحكت بصوت مرتفع كعادتها التي يبدوا أن السنين لم تغيرها وقالت

" تذكرني إذا أيها المحتال ؟ ألم يكن ثمة اتفاق أن تتزوجني حين

تصبح شابا ؟ "

قال بابتسامة جانبية

" وأذكر أن الشرط لم يتحقق "

ضحكت مجددا وقالت تبعد خصلات شعرها القصير خلف كتفها

" يالك من مخادع فمشروبك كان به سكر لذلك لم يمتزج مع

مشروبي واحتلت علي "

وتابعت ونظرها ينتقل للواقفة بجانبه

" سمعت أنك تزوجت .... اوه اوه اوه لديك ذوق فريد من نوعه

لذلك خنت العهد معي إذا ؟ "

ابتسم قائلا

" هذه ليست زوجتي هي ابنة عمي واسمها زيزفون "

حركت كفها بعشوائية قائلة

" لما أسماءكم غريبة وصعبة هكذا ؟ "

وتابعت مبتعدة من هناك وملوحة بيدها

" حسنا نلتقي فيما بعد عليا البحث عن سبب هذه الحفلة فمؤكد

لم يتزوج حتى الآن "

وغادرت ضاحكة ونظراته تتبعها قبل أن ينقلها للتي همست بسخرية

" يبدوا أنك تجمع الأعمار جميعها "

ضحك وسحبها من هناك سائرا بها وقال

" تلك المرأة لم أرها منذ كنت في الرابعة عشرة وتوقفي عن

مهاجمتي "

" مرحبا سيد "

التفت لهما الذي كان يقف عند الطاولة الطويلة المليئة بالأطعمة

يقضم قطعة كعك محلى يمسكها بأصابعه وكان رجلا تجاوز الستين

من عمره بشعر رمادي وصل طوله لكتفيه غير مرتب ولكنه جميل

ذات الوقت بسبب تموجه الناعم .. سترته السوداء مفتوحة كما

زري قميصه العلويين ولم يكن يلبس ربطة عنق ، ما أن نظر له

حتى فرد ذراعيه له قائلا

" أوه سيادة وكيل النيابة الوسيم "

ضحك له وتعانقا وقال ذاك مربتا على ظهره

" ظننتك ستزورني في منزلي ما أن تعلم بخبر عودتي يا محتال "

ابتعد عنه وقال مبتسما

" لو أني وجدت وقتا لفعلتها "

ضرب على صدره بقبضة يده التي لازال يمسك فيها قطعة الكعك قائلا

" أجل أجل تعذر بحجج سخيفة "

نظر بعدها للواقفة بجانبه وقال باستغراب

" هذه ليست زوجتك ؟ لا أذكر أنها كانت هكذا حين سافرت "

نظر لها وقال

" لا هذه ابنة عمي زيزفون "

صفر من فوره قائلا

" الجمال الصامت تعني ؟ أخبرني جدك عنها سابقا "

نظر له بعدها وحرك يديه قائلا بضحكة

" كان على ضرار استبدال قطع الشطرنج فعلا "

ولكمه على صدره مجددا قائلا بابتسامة

" هذه كان يجب أن تقف بجانب الملك "

ابتسم له ونظر للتي كانت تنظر له وقد أدارت حدقتيها مبتسمة

ابتسامة جانبية فضحك ضحكة صغيرة ونظر للواقف أمامهما وقال

" هذا يا زيزفون السيد إنه أحد الرسامين المعروفين هنا وهو

صديق قديم للعائلة "

نظرت له وقالت بابتسامة صغيرة مجاملة

" سررت بمعرفتك "

فكاد يغص باللقمة في فمه والتفت للطاولة خلفه فورا ورفع

كأس العصير وشربه بأكمله قبل أن يلتفت لهما مجددا قائلا بصدمة

" ليست خرساء ! "

قال وقاص مبتسما

" لا هي كانت تعاني فقط مشاكل في النطق بسبب الأكياس المائية

في دماغها وزال السبب بزوال مسببه وانتهى "

وتابع وقد أراح يده على كتفها

" وهي صاحبة لوحة النصف المفقود "

نظر لها الواقف أمامها بصدمة ووضع ما في يده أولا قبل ينظر

لها مجددا قائلا

" أنتي من أنهى تلك اللوحة الناقصة لجوش سبنسر ؟ "


نظرت للواقف بجانبها والذي كان ينظرا لها مبتسما ثم عادت بنظرها

له وقالت هامسة بابتسامة خفيفة

" أجل "

تأوه من فوره وأبعد يد وقاص عنها وأمسكها من ذراعيها ودون

أن تفهم ما يجري أو تدرك ذلك سحبها نحوه وقبل خدها بخفة

وسرعة وابتعد عنها قائلا " يا الهي لا أصدق إن تلك اللوحة

تحولت لتحفة فنية بسببك رغم أن عائلة سبينسر لم يعرضوها

سوى ليوم واحد لكني كنت محظوظا برؤيتها "

كانت متصلبة مكانها لم تفق من صدمتها بعد مما فعل فأمال

الواقف بجانبها رأسه وهمس في أذنها مبتسما

" ها قد ظهر أنه لك حبيب أيضا "

زمت شفتيها بحنق وضربته بمرفقها فضحك ولم يعلق وانطلق

الواقف أمامهما يتحدث دون توقف عن مزايا تلك اللوحة وما تثيرة

في نفس الشخص ما أن يراها وعن أسرار وكنوز وأمور تخص

الموضوع ولا تخصه ، توقف فجأة ونظر لها وقال

" ماذا رسمت أيضا ؟ "

أبعدت نظرها عنه وهمست ببرود

" لا شيء ... أعني لا شيء مهم "

نظر لها باستغراب وقال

" لا لوحات لديك ؟ "

حركت رأسها نفيا فتأوه ونظر للواقف بجانبها قائلا

" ألا يوجد مرسم لها هنا ؟ ما هذه الجريمة الشنعاء ! "

كان سيتحدث لولا قاطعته التي اقتربت منهما وكانت في السابعة

عشرة تقريبا بفستان أسود قصير وشعر يوازيه طولا ولونا

وسحبته معها قائلة

" تعالى جدي وتوقف عن تناول السكريات هيا ... معذرة منك وقاص "

وغادرت به تسحبه مرغما لا تهتم بما يقوله وابتعدت به عنهما

فرفع وقاص كأسي عصير توت وقدم لها واحد فأخذته منه تنظر

حولها بصمت تتجنب نظراتها شخصين محددين وهما ضرار

سلطان وزوجة ابنه تلك فكل واحد منهما كان يخصهما بنظرة

الا تعجبها أبدا .. نظرة رفض وعدم رضى يرميهما بها ذاك العجوز

من حين لآخر ولم تزدها إلا إصرارا على البقاء بقرب حفيده

المفضل ، ونظرة حاقدة لم تفارقهما تقريبا من عيني تلك الكريهة

كابنها .

" تلك اللوحة تم سحبها بالفعل بعد يوم واحد من عرضها فيبدوا

أن اكتشاف هوية صاحبتها لم يكن صعبا على الجميع "

أخرجها صوته الهادئ من أفكارها تلك فرفعت كأس العصير لشفتيها

وشطفت منه ببطء ولم تعلق نظرها لازال على المدعوة أسماء

وكأنها تتحداها عمدا الند بالند وتابع الواقف قربها

" أتعلمي بأن تلك المرأة في اللوحة باتت تغير من مظهرها قدر

الامكان بسببها ؟ "

أنزلت الكأس وسرق نظرها هذه المرة وقد رفعته له رغم أنه كان

ينظر للبعيد وقالت

" ألازالت حرة طليقة ؟ "

نظر لها وقال

" لا يمكن إدانتها يا زيزفون فالحجة ستكون ضعيفة بل

وسيرفضها القضاء "

اشتدت قبضتها على الكأس بين أصابعها حتى كادت تحطمه

وتحولت نظراتها للغضب فجأة وقالت بضيق

" أفهمت الآن ما عنيت سابقا ؟ من سيدين أمثالها ومن سيخرج

ضحاياهم من السجون إن كنت أنت نائب المدعي العام تقول هذا

يا وقاص ؟ "

تنقلت نظراته بين حدقتيها اللتان تلونتا بتلك الغيوم الرمادية الغاضبة

فتابعت بحدة ملوحة بيدها حتى كاد ينسكب العصير من الكأس فيها

" لما لا يحاسب القانون من يحرض غيره على ارتكاب الجريمة

أو يدفعه لها بينما يدين فاعلها ؟ من سيأخذ بحق ذاك الشاب

من تلك الحية وغيره وأمثاله الكثيرين ؟ "

شد على أصابعها بقوة وقال بجدية ناظرا لعينيها

" سيحدث ذلك يا زيزفون فليس ثمة مذنب يهرب من العدالة الإلاهية

في الأرض طويلا ، ولن يضيع حق لم يهمله صاحبه "

أبعدت نظرها عنها وسحبت يدها من يده ومررتها في شعرها

بحركة متوترة ولم تعلق فمرر هو أيضا أصابعه في شعره

المصفف بعناية للخلف وتنفس بعمق مغمضا عينيه ، أيعقل أن

يكون هذا هو السر وراء جريمة ماضيها ! أثمة من حرض غيره

على ارتكابها أو دفعه لفعلها لذلك لم يثبت عليه القضاء أي شيء !

لكن من يكون ؟ ومن الذي اختاره ليرتكب جريمته عنه ؟

هي أم شخص آخر وهو من تصمت تماما عنه بل وتتحمل الجريمة

من أجل حمايته !! .

نظر للذي دخل من الباب للتو ثم لها ومن تحريكها للكأس في

يدها بعشوائية علم بأنها غاضبة وبأن مزاجها انحدر للسوء

فوضع كأسه وأخذ كأسها منها ووضعه أيضا وأمسك بيدها وتحرك

بها من هناك قائلا

" تعالي لأعرفك بخال رواح ووالد زوج ماريه التي التقيناها اليوم "


وسار بها ناحيته فعلى ذاك الجو المشحون أن يتبدد قليلا ، وصلا

عنده ولامست يده كتفه فالتفت له لأنه كان يتحدث مع أحدهم

وقال مبتسما ما أن وقع نظره عليه

" مرحبا بنائب المدعي العام "

قال بضحكة حفيفة

" متى سأتخلص من هذه الألقاب ؟ "

ضحك الواقف أمامه وقال

" بل عليك أن تفخر بهذا "


قبل أن ينقل نظره للواقفة بجانبه قائلا بابتسامة

" ومن تكون هذه الجميلة ؟ "

ابتسم ونظر لها قائلا

" هذه زيزفون ابنة عمي إسحاق "

قاطعهم الصوت الحانق من خلفه

" فعلتها إذا ولم تحضرها معك ؟ "

التفتت للتي كانت تنظر له بخيبة أمل وقال

" أخبرتك بأنه ليس وقته يا رقية "

وتابع باحثا بنظره في الموجودين

" ألم يحظر تيم ؟ "

تنهدت بضيق قائلة

" لا إن كان هذا سبب عدم جلبها معك "

قال متجاهلا ما قالت

" أين صاحب كل هذا الحفل ؟ "


وضحك ما أن وقع نظره على الواقف بعيدا بين أربع انجليزيات

شقراوات لا يتوقف عن الضحك والحديث معهن ومنشغل بهن تماما

وقال مبتسما

" ابنك يحتفل بنفسه بطريقة غريبة "

نظرت جهته وقالت بضيق

" وهل يتعبني شخص في الوجود مثله هو وغرابة أطواره ؟

أشك دائما بأني من ربى وقاص معه صغيرين "

ضحك وقال مغادرا ناحيته

" يبدوا كان عليك تسليمه لضرارا فيما بعد أيضا كوقاص "

تمتمت بضيق " وهل أنا من اختار كل ذلك ؟ "

ثم التفتت لهما مجددا وقالت مبتسمة

" زيزفون أنتي رائعة اليوم وبشكل لا يصدق وكثير يسألون

من تكون هذه الفاتنة "

همست بابتسامة مجاملة مغصوبة

" شكرا لك "

فضحكت ونظرت للواقف بجانبها قائلة

" لم يدعوا وقاص أحدا من زميلاته ولا أصدقائه لما تركوه لك أبدا "

وما أن أنهت عبارتها تلك نظرت جهة من دخلوا للتو وقالت مغادرة

" عذرا منكما "

وابتعدت عنهما ونظره يتبعها ونظرت الواقفة بجانبه لرسغ كم

فستانها المطرز وقالت

" تبدوا وحدها من تتقبل وجودنا معا الليلة "

نظر لها وقال

" لا تشغلي نفسك بذلك فأمثالها ممن يتفهمون وضعنا كقريبين كثر

يا زيزفون وهي بالفعل امرأة رائعة مختلفة تماما عن زوجتا

والدي الأخريتين "

قالت ببرود ونظرها على الواقف بعيدا مع مجموعة من رجال الأعمال

" لا أفهم كيف فكر جدك بغباء هكذا ؟

وتابعت بسخرية

" وأراه سيكرر هذا معكم ويزوج كل واحد بأربعة لتمتلئ مملكته

بالأحفاد طبعا "

رفع رأسه ضاحكا ثم نظر لها قائلا

" ومن سيرضى بذلك ؟ أنا لا أحب التعدد وطفل واحد يكفيني "

نظرت له قائلة بابتسامة ساخرة

" ومؤكد كمحام لا تحب الطلاق أي أن زوجتك ضمنت مكانها وللأبد "

ارتسمت ابتسامة جانبية على طرف شفتيه وقال ناظرا لعينيها

" المرأة تضمن مكانها بعقلها وشخصيتها يا زيزفون لا بأفكار

الزوج ومعتقداته فالحمقاء فقط من تفكر كذلك "

وماتت ابتسامته تلك واكتسى ملامحه الجمود وهو يرفع نظره

بالواقفة قريبا منهما بقليل تنظر ليس له بل للواقفة بجانبه نظرة

غاضبة حاقدة قبل أن ترفع نظرها له ولم تكن سوى جيهان شقيقة

جمانة فيبدوا بأنها وعائلتها وصلوا منذ لحظات ، اقتربت منهما من

فورها وكما توقع ويعرفها جيدا لن تتوانى عن فعلها فشخصيتها

مناقضة لشقيقتها التوأم في كل شيء كما مظهرها الخارجي ،

وصلت عندهما وقالت ونظراتها الباردة لازالت موجهة لزيزفون

" مرحبا وقاص "

ورفعت نظرها له حين قال ببرود مماثل

" مرحبا "


وتابع يعرفهما ببعضهما

" هذه جيهان شقيقة زوجتي جمانة يا زيزفون "

وتابع ناظرا للواقفة أمامه

" وزيزفون مؤكد سمعت عنها سابقا "

نظرت لها وقالت بابتسامة ساخرة

" آه أجل الخرساء المجنو... "

قاطعها بضيق قبل أن تنهي حديثها

" لو كانت خرساء ما عرفتها بك وأظنك رأيتنا نتحدث منذ قليل ،

وإن كانت مجنونة ما كانت هنا فهي أعقل من غيرها بكثير "

زمت شفتيها بحنق لفهمها مقصده وقالت ناظرة لعينيه

" وهذا يفترض أن يكون مكان زوجتك لاابنة عمك "

نظر لها نظرة كادت تهرب بسببها فسبق وحذرتها شقيقتها من

أن السخرية من طبعه المسالم أكبر خطأ قد يقع فيه من لا يعرفه

جيدا لكنها فقدت أعصابها ما أن رأت هذه الفاتنة ملتصقة به أو

بالأحرى يبدوا هو الملتصق بها ولا يتوقف عن الضحك والابتسام

وهو يحدثها ، قال بكلمات مشدودة تعلم بأنه لم يخرج بها كامل غضبه

" ألأجل هذا جئت هنا ؟ "

زمت شفتيها بحنق وتجنبت محاربته مجددا قائلة بشيء من الهدوء

" بل جئت أود التحدث معك قليلا ... ووحدنا "

أمسك يد الواقفة بجانبه وسحبها معه قائلا

" عذرا فلا شيء نتحدث عنه "

وابتعد بها حامدا الله أنها التزمت الصمت فهو يعرفها جيدا إن قررت

الدفاع عن نفسها دمرت نفسية الواقف في مواجهتها تماما ولا يستبعد

أن مزاجها السيء بسبب حديثهم ذاك عن القانون والقضاء السبب

لكانت ستقتص لنفسها منها بالتأكيد ولهذا ابتعد بها فلا يريدها أن

تغادر المكان بسببها .


قال مبتسما ونظره على من دخلوا للتو وكانت والدة رواح في

استقبالهم عند الباب

" ها هي رفيقة تسوقك اليوم قد وصلت هي وعائلتها "



*
*
*

رفعت سماعة الهاتف ونظرها على باب المنزل وهمست قائلة

" ماذا تريد ؟ "

وصلها فورا ذاك الصوت الرجولي الهامس كفحيح أفعى برية

" ماذا حدث معك ؟ "

دارت بمقلتيها في الأرجاء تراقب الأبواب المغلقة هامسة

" كل شيء يسير حسب الاتفاق "

عاد ذاك الهمس المبحوح مجددا

" اتفاق ماذا والأمور تبتعد من بين يديك يا سار..."

قاطعته هامسة بضيق

" كل ما فعلته سابقا لم يكفيك ؟ لقد جعلته يحرم الفتاة الدراسة

والخروج وجميع ما قد يربطها بالحياة وعاشت بائسة معقدة وحطم

حلم ابنه وبقي رأسه في تراب الأرض هنا كالنعامة وتقول لم أفعل

شيئا ؟ "

وصلها ذاك الفحيح الهامس غاضبا هذه المرة

" والفتاة ستتزوج من ابن شقيقة مطر شاهين وستنتشل بالتالي

شقيقها معها يا بلهاء ، تعلمين جيدا ما سيكون عقابك إن حدث ذلك "


ارتجف جسدها بأكمله وهمست من فورها

" لن يحدث ذلك ... أخبرتك بأني سأمنع حدوثه نهائيا وقد بدأت

في التنفيذ فتوقف عن الاتصال بي هنا "

وما أن أغلقت الخط أجفلت مفزوعة ونظرت خلفها للخادمة التي

كانت تنظر لها باستغراب فصرخت فيها فورا

" ماذا تفعلين هنا ؟ ألهذا أرسلتك سيدتك لتكوني جاسوسة لها ؟ "

نظرت لها ببرود كعادتها فصرخت فيها بقوة

" تحركي من هنا "

فانتفضت في مكانها وغادرت مسرعة لحظة أن انفتح باب المنزل

ودخل منه صاحب ذاك الوجه القاسي المتجهم وكحاله في مثل

هذا اليوم من كل أسبوع بعد عودته من سوق الخضراوات في

غرير لأنه خسر بضاعته ولم يشتريها أحد بسبب إتلافها لها

بالمياه الساخنة البارحة وهي في الشاحنة فابتسمت بمكر قبل أن

تركض نحوه وأمسكت يده قائلة بجزع

" مصيبة يا إبراهيم مصيبة "

نفض يده عنها وصرخ فيها

" ماذا حدث أيضا ؟ يكفيني مصائبي "


ضربت خديها قائلة

" مخزن الأعلاف احترق بالكامل "

نظر لها بصدمة قبل أن يصرخ فيها بغضب

" ماذا ؟ متى حدث ذلك ؟ "


قالت كاذبة

" اليوم "


نظر حوله وكأنه يستوعب أين هو قبل أن ينظر لها صارخا

" مستحيل كيف يحترق وحتى أسلاك إنارة لا توجد فيه ؟ "

قالت ببكاء تمثيلي

" لا أعلم وأنت تعلم جيدا أني لا أقترب من تلك الجهة "

تحرك من مكانه خطواته تضرب الأرض بغضب فقد كلفته تلك

الأعلاف ثمن بيعهم لمحصول أرضهم نصف عام كامل لارتفاع

أسعارها كما أن الأغنام لم تحمل أو تلد ولا يفهم لما .. ! أي أنها

تأكل دون نفع من أكثر من عامين ، توجه جهة الجدار المحاذي

للمطبخ واستل سوط الأحصنة المعلق فيه بقوة ، لا خيول لديه

لكنه يحتفض به منذ أعوام لأغراضه الخاصة فقط وليعلم كل

مذنب ما سيكون عقابه من قبل أن يفكر في ارتكابه ، وقف

منتصف صالة المنزل وصرخ بأعلى صوته

" يمااااامة "

وحين لم يسمع ردا لندائه صرخ بقوة أكبر

" يماااااااااااامة "

فانفتح باب الغرفة المقابلة له في الجانب الآخر وخرجت منه

التي قالت وجسدها يرتجف ذعرا

" نعععم أبي "

ضرب به على الأرض وقال بغضب

" تعالي هنا "

جمعت كفاها عند شفتيها وبدأت بالبكاء وتقطعت كلماتها قائلة

" لم ... لست أنا أأبي أقسم لك "

توجه نحوها وجرها من كتف قميصها بقوة ساحبا لها على

الأرض وصرخ بغضب وذاك الوحش الأسود ينزل على جسدها

الصغير النحيل بقوة

" من إذا ووحدك من يطعم الأغنام ؟

من وأنتي أصبحت طوال اليوم هناك ؟ من تكلمي ؟ "

لكن ما نفع جوابها أو كلماته من بين صراخها المتألم وبكائها

العالي ترتجف وتتلوى على الأرض تحت ضربات ذاك السوط

الذي لا يرحم من جسدها شيئا صفيره يسمع من فوق صراخها

الباكي لا أحد يمكنه منع ذلك عنها ولا إيقافه ومن سيفعلها مثلا ... ؟

الخادمة المرعوبة ترتجف عند أحد الزوايا باكية تعلم جيدا

كما سبق وحذرتها من أن من يحاول منع والدها عن ضرب

أحدهم معناه أن يضرب معه أم شقيقاها التوأمان الصغيران

اللذان لم يستطيعا اجتياز باب غرفتهما لا يشاركانها سوى في

البكاء أم الواقفة خلفه مبتسمة بانتصار لنجاح النصف الأول

من خطتها ؟ من سيشعر بذاك الجسد البريء إن لم يكن القطعة

منه والواقف فوقه يضربه بكل قوة رجل حقول تربت يداه على

الحرث والحفر ورفع الأوزان الثقيلة ؟ من سيكون بعدما فقدت

الوحيدة التي كانت ستشعر بها وستضع نفسها تحت رحمته

من أجلها ؟ فلم تترك لها الحياة سوى شقيق لا حول له ولا قوة

مع غطرسة ذاك الوالد المستبد فبدأت تناديه من بين صراخها

الباكي رغم يقينها بقلة حيلته لا تحاول سوى إخفاء وجهها

بذراعها عن ضربات ذاك السوط الذي لم يهتم صاحبه

أين سيترك علاماته وإن أفقدها إحدى عينيها .

انفتح باب المنزل بقوة ودخل منه راكضا الذي وصله صوت

صراخها من قبل أن يعبر نصف أرضهم الواسعة وندائها بإسمه

من بين بكائها وصراخها شعر بأنه سكين غرس في قلبه

وشقه لنصفين ، ولأنه أعلم من غيره بأنه لن يستطيع إيقافه

ولا أخذ ذاك السوط منه رغم أن طوله يفوق طوله فهو سبق

وفعلها ومنعه عن ضربها حين نسيت باب الحضيرة مفتوحا

وهربت بعض الأغنام فكانت النتيجة أن تضاعف عقابها وتكرر

كعقاب له هو معها فما كان أمامه الآن سوى أن ينزل عندها

للأرض وينحني فوقها حاضنا لجسدها المرتجف الباكي يتلقى

عنها باقي العقاب الذي يجهل سببه ، أن ينقذها على الأقل من

الموت تحت يديه فلا أحد له في هذه الحياة غيرها يتحمل كل ما

يعانيه من أجلها فقط .. فلن يسمح بفقدان الشيء الوحيد الذي

تركته له والدته ويربطه بذكراها
ضغطت زر الطباعة وراقبت نظراتها المنتصرة الورقة التي بدأت

تخرج ببطء من الطابعة هامسة بابتسامة انتصار

" ها قد حانت ساعتك يا أويس عبدالجليل غيلوان "

فها هو مجهودها ستبدأ باقتطاف ثماره أخيرا فهي عملت لأيام على

جمع كل هذه المعلومات والتأكد منها جيدا لأن عمتها والتي تكون

شقيقة والدها تسكن الجنوب لزواجها من قريبها من والدتها

فجدتها والدة والدها جنوبية فاستعانت بابنة عمتها لجلب

بعض المعلومات لها فهم يعيشون في بلدة قريبة لبلدته هناك

وساعدها ذاك كثيرا .

سحبت الورقة من الطابعة ونظرت لها بانتصار تقرأ أسطرها

وكأنها لم تكتبها وترتبها بنفسها وتقرأها مرارا على شاشة

حاسوبها ، ستنتقم منه الآن انتقاما يليق بما فعله بها وآخره

ادراج اسمها اليوم على رأس القائمة للطلبة المجدين الملتزمين

بحضور محاضراته والجميع يعلم بأنه العكس ليوسع دائرة

التهمة حولها ونطاق الشائعات حولهما لكنها الآن وجدت

ما سيلتهون به عنها ولوقت طويل جدا ، بقي الآن أن تطبع

لها نسخا بعدد طلبة تلك الجامعة وسترى بعدها كيف سيدخلها

مجددا . وقفت وغادرت غرفتها بعدما أخذت حقيبتها معها

ونزلت السلالم مسرعة ومرت من خلف زوج والدتها الذي كان

يحدث أحدهم في الهاتف قائلا بضحكة

" كنت واثقا من قدرات ذاك الجنوبي لقد أنقذنا بذكائه من ضياع

تعبنا لأعوام "

كشرت باشمئزاز سائرة نحو باب المنزل فقد كرهت كلمة جنوبي

بل وأهل الجنوب جميعهم بسبب ذاك الرجل الوقح .


*
*
*


اقترب منها وأمسك ذراعيها وقبل خدها فالتفتت له فورا

فهي لم تشعر بدخوله ولا باقترابه ! قال وهو يفتح أزرار

سترته مبتسما " ما بها ابنة شاهين الحالك مستاءة هكذا ؟ "

قالت بضيق مشيرة بالهاتف في يدها

" زوجة والد يمامة لا تجيب ومنذ أيام أتصل بها لأذهب وأزور

يمامة وفي كل مرة تتحجج بحجة جديدة ولست أفهم لما يكونون

خارج المنزل كلما اتصلت بها وتعطيها الهاتف فقط لتحدثني

وبكلمات مختصرة ؟ حتى الخادمة قالت أن هاتفها وقع في الماء !

كنت أود الذهاب لرؤيتها وأخذ بعض الأغراض لها ولم أعد أصدق

كل تلك الحجج "

قال الذي بدأ بفتح أزرار قميصه

" هو شهر واحد فقط وستكون هنا وأنتي من حدد هذا الموعد

يا جوزاء "

قالت بذات ضيقها
" بل ثلاثة أسابيع ، ثم ما في الأمر إن زرناها كل فترة والأخرى

وهي خطيبة ابننا ؟ اتصل بوالدها وأخبره بزيارتنا فهو لن تنطلي

عليه حيل زوجته بالتأكيد "

رمى القميص وقال

" جوزاء أبعدي فكرة أن أكلمه أو أراه من رأسك فأنا لا أستحمل

ذاك الرجل إلا من أجلك وإن كان الأمر بيدي ما جلست معه دقيقة

واحدة ولولا رغبتك ما زوجت ابني بابنته "

نظرت له بضيق قائلة

" وقلت من البداية أنك لا تريدها زوجة له ؟ كنت سأبحث لها

عن غيره وإن كان عمي صقر "

لم يستطع امساك ضحكته واقترب منها وأمسك وجهها وقال

ناظرا لعينيها

" أي ستزوجينها لا محالة ؟ "

لم تعلق تنطر له بأسى حزين فقبل جبينها ثم أنفها وقال

" حسنا فقط لا تغضبي مني سأتحدث معه لكن ابنك من سيأخذك

ويرجع بك اتفقنا ؟ "

أومأت برأسها موافقة دون أن تتحدث فابتعد عنها ورفع هاتفه

وتوجه جهة الشرفة ونظراتها تتبعه وهو يعيد الاتصال مرارا

ويبدوا بأنه لا يجيب عليه وهذا حال زوجته تتصل بها من أكثر

من عشر دقائق ولم تجب ! كانت تخشى أن يمل ويقلع عن الفكرة

ولم تشعر بالارتياح إلا عندما أجاب عليه وتحدث معه ومن حديثه

فهمت ما دار بينهما وفقدت الأمل تماما .

ما أن أنهى الاتصال معه عاد جهتها قائلا

" قال بأنهم في خماصة ولن يرجعوا قبل أيام "

حركت يدها وهاتفها لازال فيها قائلة بضيق

" يكذب أيضا "

فرد كفيه قائلا

" اتصال واتصلت به ماذا سنفعل غير ذلك ؟ نذهب لمنزلهم

دون علمهم ! "

تحركت جهة باب الغرفة قائلة

" بل على أبان أن يتأكد من صديقه "


*
*
*

شعرت بالاختلاف الواضح في العالم الذي دخلته للتو عن كل

ما عرفته سابقا وحتى عن جامعتها في كمبردج ، وبقدر فخامة

قصر تلك العائلة كانت غرفة الاحتفالات تلك التي يجدر تسميتها

بقاعة أجمل من كل ما رأته في الخارج .

كان عدد الحظور أكبر مما تخيلت وحد علمها أن المقربين فقط

من العائلة سيكونون هنا ويبدوا أن تلك الدائرة أوسع من حدود

مخيلتها رغم أن اتساع ذاك المكان لم يظهرهم بعددهم الحقيقي

حقا ، وما كان مطمئنا بالنسبة لها أن إحدى سيدات المنزل كانت

في استقبالهم عند الباب وما فهمته سابقا أنه ثمة علاقة قوية

تربط العائلتين فزوجها أيضا انضم لها للترحيب بهم ومن

نزلت طائرته اليوم فقط لينضم للاحتفال بنجاح ابنه الأول والمميز ،

لم تفهم رابط القرابة بين العائلتين إلا بطريقتها هي وهو أن

هذه السيدة الأنيقة تكون عمة تيم وحيث أن والد ساندرين

هو عم والدته أصبحوا أقارب بشكل غير مباشر أي كما سبق

وقالت ساندرين بأن تيم هو الرابط بين العائلتين .

لا تعلم هل الناس هنا مختلفون عن بلادها أم أن السبب يكمن فيها

هي فلم تلحظ في أعينهم تلك النظرات الفضولية التي تلحق الشخص

ما أن يدخل مكان ما وحيث الموجودين هناك في تجمعات

لا يلهيهم شيء عن أحاديثهم وضحكاتهم كان الباب الذي

دخلوا منه جزء غير مهم من ليلتهم تلك وتقريبا لا يلتفتون

له أبدا ولا تفهم أيضا هل الانجليز المختلفون في طباعهم

أم أن السبب كان دائما فيها هي حيث كان ينظر الجميع للمشوهة

ما أن تدخل لأي مكان حتى كرهت حضور أي مناسبة تكثر فيها

الأعين والأحاديث ، أما هنا فحتى العرب لا يخصونها بتلك السمة

المميزة والنظرات والأسئلة القاتلة .

شعرت بأحدهم يمسك يدها ويسحبها للأمام فانتبهت حينها للتي

أصبحت تدفعها للسير خلفها قائلة

" تعالي ننظر لتلك الفاتنة عن قرب "

واكتشفت حينها فقط بأن حديثهم كان عن الواقفة قرب المدعو

وقاص واللذان التقيا بهما نهارا في اكسفورد ، وصلتا عندهما

على صوت تأوه ساندرين وقد ضمت أطراف أصابعها وحركتهم

فوق رأس الواقفة أمامها بشكل دائري تتمتم بكلمات ضاحكة

لتحصنها من الأعين وما أن ابتسمت لها تلك الجميلة الصامتة

حضنتها وقبلت خدها ، شخصية ساندرين تراها رائعة جدا يمكنها

الانسجام مع أي شخص وكيفما كانت شخصيته بل وتنشر المرح

اينما كانت بضحكاتها وممازحتها ، حتى أنها لا ترى أحدا يغضب

من صراحتها في انتقادها لأشخاص مقربين منهم ويعتبرونها

جزء من شخصيتها المرحة الجميلة فقط ، وهي نفسها لا تنكر

ذلك فلم تغضب يوما من انتقادها لتيم أمامها لأنها بعض الأحيان

تراها متحمسة معهما بل وتثني على هداياه وشخصيته وتناديه

بالوسيم رغم سيل عباراتها الشاتمة له ، وحتى تلك السيدة التي

استقبلتهم عند الباب قالت لها ومن دون تردد ( أنا هنا من أجلك

فقط أما ابنك فكنت أود جلب المكنسة اللكهربائية لأرميه بها بعيدا )

وهي استقبلت الأمر بكل رحابة ضاحكة .


قالت غامزة للواقفة أمامها

" أجمل امرأة هنا وبلا منازع والواقف بجانبك يريد فقط أن يلفت

انتباه الفتيات له بوجودك بقربه "

ضحك وقاص وقال

" تساءلت أنا اليوم لما جميع الرجال ينظرون لي "

ضحكت ساندرين صارخة وقالت تمسك خديها

" أين زوجته يا بشر لتسمعه ؟ "

فضحك من فوره ولم يعلق فأشارت له بإبهامها وغمزت قائلة

" وأنت الرجل الأكثر وسامة هنا فقط لا تخبرها "


قال مبتسما

" ها هي خلفك "

تصلبت مكانها حينها مقلتاها الزرقاء فقط تتحركان جانبا ولم

يفضح اللعبة سوى ضحكة ماريه التي لم تستطع إمساكها أكثر

وابتسامة الواقفة بجانبه فنظرت له بضيق وقالت

" أتعلم بأني كنت أكذب وأنك لست الشاب الأجمل هنا "


قال مبتسما

" أجل معك حق فثمة واحد آخر "


قالت بصدمة

" ابن كنعان هنا ؟ "

ضحك وقاص بينما أنزلت الواقفة بجانبها رأسها للأسفل تشد

قبضتيها بقوة ولم تتنفس بارتياح إلا حين قال مبتسما

" لا بل شخص آخر خلف ظهرك هناك سرق اهتمام جميع

الفتيات الليلة "

نظرت خلفها فورا وبحثت بنظرها حتى وقع على الواقف

مع أربع انجليزيات منشغلات بالضحك والأحاديث والذي كان

ينظر لها بدوره وقد رفع الكأس في يده مبتسما فكشرت في وجهه

باشمئزاز وعادت بنظرها للواقف أمامها وقالت بملامح مشمئزة

" ذاك أكثر وسامة منك ! أشك حقا في أن يكون شقيقك "

ضحك وقال

" عليك الاعتراف بذلك "


لوحت بيدها مكشرة وشعرت حينها بيد أحدهم على كتفيها وما أن

نظرت له قبل خدها قائلا بابتسامة

" مرحبا بشقيقتي الوحيدة "

نظرت له باستغراب وقالت

" كين ! ماذا تفعل هنا ؟ "

اتكأ بساعده على كتفها وقال مبتسما

" الذي تفعلينه أنتي بالطبع إلا أني هنئت صاحب هذا الاحتفال

على نجاحه عكسك تماما توجهت رأسا لشقيقه "


أبعدت يده عنها وقالت ببرود

" أنا لم آتي لأهنئه وليس يعنيني نجح أم فشل ولولا زوج

والدتك ما أتيت "


ضحك وقال

" وحده من يتغلب عليك دائما ... مرحبا ماريه كيف أنتي ؟ "


مدت التي نظر لها يدها ليده مصافحة وقالت مبتسمة

" بخير ما أخبارك أنت ؟ "

صافحها فورا ولم يترك له الذي لف ذراعه حول عنقه مستندا

به في وقوفه مجالا ليتحدث وقد قال مبتسما

" مرحبا بالجميلتان "


كان رد فعل إحداهما ابتسامة خفيفة بينما الأخرى أدارت مقلتيها

للأعلى بضجر وقالت ماريه بحياء

" مبارك نجاح شركتك ، آسفة كان عليا المباركة لك أولا لكن

ساندي أرادت أن نلقي التحية على زيزفون "


قال مبتسما يرمق الواقفة بجانبها بطرف عينه

" لا بأس المهم حظورك فهو أكبر دليل على اهتمامك بي "


نظرت له تلك بغضب فغمز لها بعينه مبتسما فنظرت للواقف

أمامها وقالت بضيق

" وقاص أخبر شقيقك يتركني وشأني "

قال مبتسما

" رواح اتركها وشأنها "

مرر أصابعه في شعره وضحك وقال

" حسنا فقط لأني خفت منك "

ورن حينها هاتفه فأخرجه ونظر للاسم فيه ثم التفت فورا

جهة الباب ونظر للواقفة هناك في الخارج وقد أشارت له بيدها

فغادر من عندهم بعدما انضم هازار لهم أيضا وهو الشخص الآخر

الذي تكرهه تلك العربية الشقراء كما يعلم وفقط لأنه صديقه ،

توجه نحو الباب فورا وخرج حيث الواقفة على بعد خطوات

منه ترتدي فستانا طويلا باللون القرمزي قائلا

" مرحبا كنانة .. هيا ادخلي "


قالت مبتسمة

" شكرا لك رواح أنا آسفة فوالدتي متعبة ولا يمكنني البقاء "

قال وهو يدس الهاتف في جيب سترته

" اتصل خالي وقال أنها ليست بخير هل هي متعبة كثيرا ؟ "


قالت من فورها " مجرد نزلة برد لكنها تمرض بسببها كثيرا

وستحتاجني فوالدي لن يستطيع العناية بها مثلي ، هي تحتاج

لشخص صبور أكثر من اللازم "


أشار بيده قائلا " حسنا ادخلي ولو قليلا "


قالت بتوتر خالطه الحياء رغم علمه كما الجميع بما كان مخططا

له من أجلها في هذا الحفل " أنا فقط ... أردت أن .... حسنا هل

هو هنا ؟ "


نظر خلفه حيث الموجودين في الداخل ثم لها وقال

" لا لم يأتي "

نظرت له بصدمة لم تستطع أن تخفيها ولا أن تجتازها بسهولة

فهي أرادت التحدث مع رواح أولا هنا وإخباره بما حدث صباحا

في المطار ليساعدها في مهمة لقائه وإخباره بهويتها وما لم

تتخيله أبدا أن لا يكون هنا ، همست بصوت بالكاد يسمع

" لم يأتي ! "

مرر أصابعه في شعره وتنهد قائلا

" أرسلت له سائق الشركة وقال بأنه متعب ولم ينزل له أساسا

فقد اتصلوا به من الاستعلامات وهو اعتذر ، اتصلت به كثيرا

ولم يجب "

نظرت للأسفل قبل أن تبعد حدقتيها عن عينيه جانبا فلم يعد يمكنها

النظر لعينيه خاصة أن تلك الأحداق السوداء امتلأت بالدموع تشعر

بإهانة لا حجم لها أبدا فهل تفعل كل هذا لكي تأتي بينما يتهرب

هو وبكل دم بارد ؟ أي موقف هذا الذي وضعها فيه أمام الجميع

وأولهم والداها ! ألم يستطع القدوم ثم ليتحجج بأي حجة ويتخلص

منها وإن بمصارحتها وستضع هي اللوم على نفسها حينها وتعفيه

من كل هذا .


" كنانة هو الخاسر .. لو أنه جاء ورآك لما كان هذا موقفه فلا

تحزني على شخص لا يستحق "

مسحت عيناها بظهر كفها بقوة وهمست ببحة تتجنب النظر لعينيه

" لا تخبر أحدا بأنه رفض المجيء ، قل فقط أننا التقينا في وجودك

في الحديقة "

تنهد قائلا

" حسنا كوني مطمئنة فأنا كنت أيضا سأقترح أمرا مشابها "

كانت ستغادر لكنها عادت ونظرت له قائلة

" هل تعطيني رقم هاتفه ؟ "

نظر لها باستغراب فقالت قبل أن يعلق

" لن أتحدث معه أنا فقط أريده أن يفهم بأن ما فعله مناف

لأخلاق الرجال "

تنهد بقلة حيلة فهو فهم تقريبا ما تنوي فعله ، قال وهو يخرج هاتفه

" كنانة لن أتدخل في أمورك الخاصة لكني أنصحك بنسيان الأمر

وعدم الاهتمام به فأنتي لا تعرفينه على أي حال "

امتلأت عيناها الواسعة بالدموع مجددا وهمست بحزن

" الأمر مختلف تماما يا رواح ولا يمكنني شرحه لك "

نظر لها بشك وعلمت سريعا بأنه لم يصعب عليه أن يرتب الأحداث

في دماغه وأن يفهم بسهولة سبب حالتها تلك وكأنها تلقت صدمة

من شخص أحبته كل حياتها ، وما توقعته حدث فعلا وقد قال

باستغراب " هل التقيتما في المطار ؟ "

نظرت لحقيبة الفستان في يديها وقالت بصوت منخفض

" أجل ولا يعلم بأنها أنا "

وصلها صوته الجاد فورا " كان عليك إخباره يا كنانة ، بل عليك

فعلها الآن بما أنه لا يعلم "

رفعت نظراتها له وقالت بضيق

" المشكلة ليست في معرفته من عدمها بل في تصرفه فهو لم يهتم

ولا بموقفه ووالدته بل وبموقفي أيضا أمام عائلتي ومعه حق لما

سيهتم بمشاعر أو كرامة أناس بسطاء مثلنا وأقل من أن يعيرهم

اهتماما "

وغادرت ما أن أنهت كلامها ذاك وسارت في الممر الرخامي الواسع

بخطوات شبه راكضة تراقبها نظرات الذي تركته خلفها قبل أن يتنهد

بضيق هازا رأسه وقد عاد للداخل بعد أن أرسل لها رقم هاتفه كما

طلبت .


*
*
*

بالكاد استطاع الوقف مستندا بالمغسلة الرخامية الواسعة

ولم يعد في معدته شيء يخرجه حتى بات يشعر بأحشائه

ستخرج جميعها ويتخلص جسده منها ، فتح صنبور المياه

على قواه وأنزل رأسه تحته يشعر بالمياه الباردة تجمد

أوردته وبدأت تدريجيا تحجب أنفاسه فرفع رأسه يسحب الهواء

من فمه بقوة عدة مرات والمياه تنزل من وجهه وشعره وبالكاد

يصل لرئتيه القليل من كل ذاك الهواء المندفع مع أنفاسه القوية

ليستطيع العيش به مزيدا من الوقت .

خرج من الحمام بالكاد يستطيع السير وارتمى على السرير يدفن

وجهه في الوسائد الكثيرة الناعمة وهذا حاله منذ ساعات بل يراها

تزداد سوءا بمرور الوقت ولم يعرف هذه الحالة في حياته سابقا

فبعد ساعتين من نومه بعدما استحم وتناول الطعام استفاق على

ألآم حادة كالسكاكين في معدته ورغم استفراغه المتكرر حتى

خرج ما فيها بالكامل إلا أن تلك الحالة لم تزول كما أن جسده

بأكمله بات يؤلمه ولا يفهم ما سبب كل هذا ففندق كهذا لن

يقدموا طعاما فاسدا بالتأكيد لتكون حالة تسمم وليست هذه بحالة

تسمم مطلقا فقد سبق وجرب ذلك في كلية الطيران ذات مرة

وهذا أسوء وأشد منه أضعاف المرات بل ويشعر بأنه بدأ يفقد

قدرته على الشعور بجسده شيئا فشيئا وإن استمر هكذا فسيموت

لا محالة .
رفع يده بقوة خائرة وأسقطتها على الهاتف فوق الطاولة بجانب

سريره وضغط أحد الأزرار فيه ولم ينتبه حتى بمن في ذاك الفندق

سيوصله تحديدا المهم أن يأتي أحدهم ليجدوا له حلا قبل أن يلفظ

نفسه الأخير


*
*
*

وقفت سيارة الأجرى أمام المنزل مباشرة فنزلت منها وأعطت

سائقها ثمن إيصاله لها وما أن غادر نظرت لها مكشرة فهذه

الطريق البعيدة كلفتها الكثير وهي من باتت بنصف راتب فقط ،

نظرت حولها ولم يكن يوجد أي سيارة في الخارج وذاك متوقع

فمع حديقة واسعة كالموجودة خلف أسوار ذاك المنزل لن يركن

ضيوفهم سياراتهم في الخارج بالتأكيد ، نظرت لساعتها ثم رتبت

شعرها وفستانها النيلي الطويل والذي كان بدون أكمام وبفتحة

طويلة لنصف الفخذ فقد لبسته عمدا وهو أحد فساتينها القديمة

ولم تلبس ما جلبه لها مؤخرا بدلا عنهم فالليلة ليلتها هي

وستسجل فيها انتصارها التاريخي عليه خاصة بعد المكالمة

الأخرى التي تلقاها في مكتبه صباحا فهي بعدما سمعت مكالمته

الأولى تلك جعلت من أولوياتها مراقبته والاهتمام بأي مكالمة

يجريها عكس السابق ، لم تكن تعلم عن هوية المتصل لأنه

لم يذكر اسمه أبدا لكنها استطاعت ربطها باتصال تلك المرأة

حيث كان الحديث عن نفس الشخص وهو المدعو تيم لكن

هذه المرة انكشف لها أمر جديد ومهم حين سمعته يقول لمن

في الطرف الآخر ( لو كنت قتلت والدته فعلا ما كان ليكرهني

بهذا الشكل ، وإن كان حجرا للان قلبه بمرور كل هذه الأعوام )

( تيم لن يفهم أبدا أسبابي وحتى زوجته أراها في صفه وقالتها

وإن بطريقة مهذبة عكسه موتك أرحم من تركها تموت هكذا ،

أنا أتفهم موقفه لكن عليه هو أيضا أن يحاول فهم ظروفي وقتها ،

هي أرادت أن يعيش له أحدنا لكني أراه قتلني معها وأنا أكره

فعلا كل هذا الجفاء بيننا )

( تيم ابني وقد جعل من نفسه حسرة في قلبي حتى أموت )


ابتسمت بانتصار متوجهة لبوابة ذاك المنزل وكل ما فعله بها

سابقا يمر أمام عينيها كالشريط المسجل فلحظة الانتصار ها قد

حانت ومثلما حرمها من كل ما كان لديها ستحرمه ابنه وللأبد ،

فإن كان مقصده من إبعادها عن هنا مراعاة لمشاعر ذاك الابن

فهي من ستدمر تلك التضحية وللأبد وإن كان أمر خطبته لها

سرا يخفيه عنه فها قد حان وقت معرفته له .

ما أن وصلت البوابة كان الحرس في استقبالها وياله من استقبال

مميز فهي لم تتوقع هذا البتة وظنت أنه بما أن الحفل في المنزل

فالأمر أقل تعقيدا من النظام الأمني في الفنادق لكن ما ظهر لها

العكس وقد قال لها ذاك الضخم المخيف فورا

" أرني هويتك أولا لأعلم إن كان اسمك ضمن المسموح لهم

بالدخول هنا "


قالت من فورها وبضيق

" لست إرهابية ولا أملك سلاحا ولست أعتقد بأن رئيس وزراء

البلاد في الداخل لأقتله "


لم يغير الواقف أمامها وقفته ولا نظرته لعينيها ولم يكلف نفسه

ولا بالرد عليها فقالت بضيق أكبر

" اتصل فورا بسيدة هذا المنزل وسأخبرها من أكون وتدخلني "

والنتيجة ذاتها فشتمته وتحركت مبتعدة عن هناك ، ستدخل

ومهما كلفها الأمر فهي لم تصل إلى هنا لتغادر ، حتى أنها

صرفت صاحب التكسي فمن سيرجعها لمنزلها ؟

سارت بمحاذاة السياج الحديدي تنظر له عاليا حتى ابتعدت

عن بوابة المنزل قليلا ثم وضعت حقيبة فستانها فإن نجحت

خطتها وكانت في الداخل فستدخلها عبر فتحة السياج ، نظرت

حولها وللسيارة السوداء التي وصلت ويبدوا بأنهم سمحوا لها

بالدخول فورا وكشرت هامسة

" أثرياء حمقى مغرورين "

نزعت حذائها أيضا ثم ربطت منديلها حول كف يدها الأيمن

ورفعت فستانها وربطته بما أن فتحته طويلة ثم تمسكت بحديد

السياج البارد وبدأت بتسلقه فهم لا يعرفون ما كانت تفعله

وقت طفولتها ومراهقتها وكم مرة خرجت متسللة من سجن

شقيقها لها وأنها قادرة على فعل المستحيل .

ضحكت بانتصار ما أن أصبحت في الداخل تنفض يديها من التراب

العالق بهما ثم أنزلت فستانها ومررت يدها من فتحات السياج

وأدخلت حقيبتها وحذائها فها هي لا تحتاج لبوابتهم التعيسة تلك

*
*
*


ابتسمت له تستمع بانتباه لما كان يقوله فكين شخصية لا تراها

مختلفة كثيرا عن شقيقته .. شاب مرح مبتسم دائما وشخصية

ليست معقدة أبدا فهو لم يتوقف عن التحدث معها عن نشاطهم

الطلابي الجديد ولازال يحاول اقناعها دون يأس بأن تشارك فيه

والمدعو هازار انسجم معهما سريعا كما رواح بينما اكتفت الواقفة

ملاصقة لها بالصمت والتأفف كل حين بسبب مناوشات ذاك الشاب

الغير مباشرة لها فيبدوا أنها وعلى غير العادة قررت الصمت بدلا

من مجاراته في حربه وهذا لا يعد أمرا طبيعيا فيها أبدا وكانت لتشك

بسلامة لسانها أو عقلها لولا أنها رأت ذاك الميكرفون الذي وضعته

في حقيبتها بل وجلبت حقيبة مع الفستان من أجله فقط وهذا

ما هي متأكدة من أنه سبب صمتها عنه فهي تخطط لشيء بالتأكيد !

أما ذاك الطويل الوسيم المدعو وقاص فكانت تلحظ اهتمامه الواضح

بأن تفهم الواقفة قربه شديدة الصمت كما الحسن عن كل ما يتحدثون

عنه حتى أنه كان يشرح لها بعض الأمور في غمرة أحاديثهم تلك

وتراه لا يهتم أبدا بأن ينظر له أحدهم باستهجان أو أن يفهم تصرفه

بشكل خاطئ بسبب كل ما يوليه لها من اهتمام واضح فهو متزوج

وهي كذلك ومن يراهما يضن بأنهما الزوجان بينما الشخصان

الحقيقيان لا وجود لأي منهما في الصورة ! .

شعرت بضغط قبضة أصابع الواقفة بجانبها على رسغها وقد همست

لها بخفوت وصدمة " يا الهي ماريه إنه تيم "

تصلب جسدها وبدأ قلبها يخفق بقوة درجة أن أشعرتها بالمرض

وتحركت حدقتاها لا شعوريا جهة الباب فلم تجد هناك أحد فتنفست

بصعوبة هامسة بضيق " مزحة سخيفة ساندي "

فالتفتت خلفها مجددا تنظر لصاحب تلك البذلة السوداء الأنيقة يده

في جيب بنطلونه ينظر للمكان باحثا عن شخص ما وقالت بذات

همسها

" ها هو هناك جهة الشرفة لقد دخل من هناك "

كانت ساندرين ما تزال محدقة به وما أن وقع نظره عليها توجه

نحوهم مباشرة فالتفتت سريعا هامسة

" لا تنظري خلفك ها هو قادم ، الأحمق لقد كان يبحث عنك "

وشدت على يدها أكثر متابعة بانبهار شديد

" لا أنصحك بالنظر له أبدا ماريه كي لا تخونك قوتك ، يا الهي

ما أشد وسامته بهذه الملابس "

فسحبت نفسها بصعوبة وشعرت بقلبها توقف تماما عن الخفقان

وكأنه ينقصها أن تخيفها من مقابلته هكذا ؟ لا هي ليست على استعداد

أبدا لمواجهته ولا لرؤيته الآن فلازالت جراحها طرية كما لازال شوقها

قويا ولم تشفى بعد لا من حبه ولا من جراحه فلازال صوت تلك الفتاة

يمزق بذكراه قلبها قبل مشاعرها كما ذكرى لقائهما الأخير في جامعتها

، إنها أضعف من أن يستحمل قلبها مزيدا من الضغوط ومن أن تستطيع

نسيان ما حدث .

نظرت للأسفل وأغمضت عينيها بقوة ما أن شعرت بوقوفه بجانبها

وذاك القلب المتوقف تماما عاد للخفقان بسرعة لدرجة شعرت

معها أنه يسحق في داخلها ولم تعد تعي أو تفهم شيئا مما يقال

حولها وهي تشعر بتلك الأصابع الباردة تلامس باطن كفها متسللة

داخله ببطء عبث بحواسها كما أنفاسها حتى كادت تفقدها وللأبد

وهبت عاصفة من المشاعر المتناقضة في داخلها مزقتها إربا

وبدأتا رئتيها تبحثان عن الهواء تسحبه بنهم وأضلع صدرها تتحرك

بقوة صعودا ونزولا وتلك الأصابع الطويلة الباردة تجد لها طريقا

بين أصابعها مررا إياها بينها وشد على كفها بقوة وقد استدار

ساعده حول ساعدها ودمر ما تبقى من دفاعاتها فرفعت يدها

الأخرى لوجهها ومررت أطراف أصابعها على حاجبيها تحاول

إخفاء ملامحها وغرسها القوي لأسنانها في طرف شفتها ، ولم

يخرجها من كل تلك الحالة سوى مرفق الواقفة بحانبها حين

وكزتها به بقوة فرفعت رأسها ونظرت لها فلم تستطع تلك ولا

الإيماء لها بشيء وقد نظرت للملاصق لها وابتسمت ببرود قبل

أن تبعد نظرها عنه ففهمت فورا أنه كان ينظر لها لذلك لم تستطع

فعل أكثر مما فعلته .

" اوه جيد أنه ثمة من جعلك تتحفنا بزيارتك الفريدة من نوعها "

قال رواح عبارته تلك مبتسما بمكر ونظره على الواقفة بحانبه

والتي ارتجف جسدها بضعف ما أن وصلها الصوت البارد للذي

اشتدت أصابعه على كفها أكثر وقد قال موجها حديثه له

" لما لا تنظر لما يخصك فقط قبل أن افقدك البصر "

فضحك رواح وأدار مقلتيه جهة التي صرخت لحظتها بضيق

" لا تنظر لي "

فضحك مجددا ولم يبعد نظره عنها بل و غمز لها مبتسما فتأففت

مشيحة بوجهها بعيدا بينما قال وقاص مبتسما

" ها قد جائت من ستقتص لك منه "

وقفت والدته حينها معهم وقالت بضيق ناظرة له

" أنا أيضا أحتاج لمن يقتص لي منه "

تأوه رواح وكأنه صدم لرأيها فقالت بضيق مجددا

" ألم تكن ملتصقا بصديقاتك هناك ؟ ما الذي جعلك تبتعد عنهن ؟

اترك الفتاة وشأنها يكفي أنها قاطعت منزلنا بسببك "


وضع يده على قلبه وقال

" إن حظر الماء بطل هنا التيمم طبعا ثم والدتي أنتي أم والدتها ؟ "

تجاهلته ناظرة لمن اقتربت منهم من أجله فقط ومن لم تصدق

عيناها حين رأته وقالت ناظرة لنصف وجهه المقابل لها مبتسمة

بسعادة وحنان

" مرحبا بك تيم بني كم أسعدني تلبيتك لدعوتنا "

لكن الذي كان ينظر للفراغ بملامح جامدة كالصخر لم يعر ما قالت

بالا ولم يعلق عليه وكأنها لا تتحدث معه أو عنه فنقلت نظراتها

الحزينة المحبطة منه للواقف بجانبه تنظر له وقد نقلت نظرها لها

قبل أن تنزل به للأرض تشد قبضة يدها الحرة بقوة هربا من نظراتها

لها ، لا تفهم لما يعلقون آمالهم عليها هي ؟ من أخبرهم أنها تملك

عصا سحرية تحركه بها كيف تشاء ! فمهما كان موقعها في حياته

وبعيدا عن كل ما يحدث بينهما الآن لا يمكنها الاقتراب من جدار

ماضيه بسهولة .. إنه الحيز الذي سيرفض بالتأكيد أن يقترب منه

أي شخص وحتى هي ، بل وبأي حق يريدون أن يغفر لهم أو أن تفكر

هي في إقناعه بذلك ؟ أيريدون أن ينسى طفولته القاسية وعيشه

منبوذا من الجميع ؟ أم عمله صغيرا ليوفر الدواء لوالدته التي

سرقها منه المرض والإهمال لا أحد غيره يعتني بها رغم صغر سنه ؟

ما هذا الذي ستفكر أساسا في قوله له لتقنعه وهي ليست مقتنعة أيضا

به ؟

شعرت به يشدها من يدها لتدرك حينها بأنه تحرك من هناك مغادرا

وآخذا لها معه

بالكاد تستطيع مجاراة خطواته الواسعة لم يفكر حتى في معرفة

رأيها وإن كانت تريد المغادرة أم لا ، بل وكادت تصطدم به ما أن

توقف فجأة فنظرت بصدمة لسبب وقوفه المفاجئ ذاك والذي وقف

أمامه ينظر لعينيه مباشرة ومن استطاعت التعرف عليه بسهولة

فهو زارها من وقت قريب جدا .


كانت نظرته له لا تشبه نظرة شقيقته الحنونة الراجية تلك بل

كانت نظرة هادئة مركزة على عينيه فقط وكأنه ينتظر رد فعله

أولا بل وكأنهم لا يعلمون بأن ما دفنته فيه قسوة حياته الماضية

أعمق من أن يستطيعوا محوه بسهولة فإن نسي كل ما قاساه هو كيف

سينسى موت والدته أمامه وبالبطيء ؟ كيف سينسى سهره بجانبها

ليال طويلة يبكي بصمت عاجز عن فعل أي شيء من أجلها وهي

لا تستطيع سحب أنفاسها لصدرها غائبة عما حولها تماما ؟ .

رفعت نظرها له وكما توقعت كانت نظرته له قاسية عدائية وملامحه

متصلبة تماما فيبدوا بأنهما لم يجتمعا منذ وقت طويل وأن والده يفكر

في انتهاز الفرصة ليوضح له الكثير .. رغم ألمها بسبب ما قاساه

تتمنى فعلا أن تتغير نظرته لأفراد عائلته وأن يساعدوه على التخلص

من عوالق ماضيه ، ارتجف قلبها لا شعوريا ما أن انحرف نظره

عنه قليلا لشيء ما خلفه وأرعبتها تلك النظرة الغاضبة في عينيه

فنظرت حيث نظر وعقدت حاجبيها باستغراب تنظر للمرأة التي اقتربت

من الواقف أمامهما بخطوات متشابكة تشبه سير عارضة أزياء على

المسرح ساقها وفخذها ناصعان البياض ينكشفان من فتحة فستانها

كلما تقدمت قدمها اليمنى وشعرها المموج الطويل قد غطى كتفيها

العاريان ولم تتوقف حتى كانت بجانب الذي تمسكت بذراعه ومن لم

ينتبه أي منهما لنظراته المصدومة لها والتي لم تعرها بالا متجاهلة

لها وهي تجد فريستها أمامها مباشرة ومن استطاعت التعرف عليه

فورا ليس لشبه بينهما فهذا الوسيم الطويل أجمل من والده بسنوات

ضوئية بعيدة رغم جاذبية ووسامة ذاك بل بسبب النظرة التي

كان يوجهها لعينيه وتقديرها لسنه وإمساكه بيد تلك الفتاة بنية

الشعر ذات الملامح الجميلة الهادئة والعينان الذهبية الواسعة فستكون
زوجته بالتأكيد أي أن ضحيتها وهدفها اجتمعا معا وساعة حظها

قد توافقت تماما في سابقة لم تعرفها في حياتها .

رفعت رأسها بكبرياء تنظر لعينيه متجاهلة تلك النظرة القاتلة التي

كان يرمقها بها وقالت بابتسامة ساخرة

" هذا إذا ابنك الذي أخبرتني عنه ؟ لا أراه يناسب المرأة القروية

البدائية الجاهلة التي تحدثت عنها "

نفض الواقف بجانبها يدها عنه بقوة ينظر لها بصدمة لكن ذلك لم

ينقده من المصيدة التي أوقعته فيها فالواقف أمامه لم يكن يرى

سواها في ذاك المكان بأكمله وقد تابعت بذات ابتسامتها تلك

" يبدوا لي بأنك بالغت في وصفك لها عزيزي "

ولم تكن تعلم بأنها حاكت شباكها حول نفسها قبله حتى تركت يد

الواقف أمامهما تلك اليد التي كان يمسكها بقوة وتملك لتمتد تلك

الأصابع الطويلة القوية مع خطوته الواسعة لعنقها النحيل فورا

وغرسهم فيها بقوة جعلتها تصرخ بهلع قبل أن تفقد قدرتها على نطق

أي شيء ولا حتى الصراخ لانقطاع أنفاسها بسبب خنقه القوي لها

أسنانه تكاد تتحطم من شده لها مكشرا عنها ينظر لها بحقد لم يعرف

في عيني إنسان سابقا حتى أن جفناه شابهما احمرار واضح وقد

جمعت صرختها تلك الجميع حولهم بالتتابع ، وما أن امتدت له

يده عمته التي ركضت جزعة ناحيته صرخ فيها بعنف محركا رأسه

" ابتعدييييييي "

فارتدت يدها لا شعوريا تمسك بها فمها وقد رفع بيده الأخرى طرف

سترته السوداء وأخرج مسدسه المرخص الذي لا يتحرك من دونه

ورفعه في مستوى كتفه ليفهم الجميع ما ستكون نتيجة اقترابهم منه أو

محاولة إنقاذ التي بدأت حركتها في مقاومته تتراخى تدريجيا وصوت

شخير أنفاسها يسمع بوضوح فوق كل تلك الهمسات المصدومة تحاول

بيدها بوهن أن تمسك الواقف قربها مستنجدة والذي كان متصنما مكانه

ينظر لابنه .. للوحش الذي نبشت عنه بنفسها وحررته وكأنه قرر

تركها تتحمل عواقب ما أوقعت فيه نفسها بل ومن هذا الذي قد يفكر

في إيقافه وهم يرون نظرته السوداء الغاضبة المشتعلة كالجحيم

وينظرون لجسده الذي لم تستطع تلك الملابس إخفاء عضلاته

القوية تبرزها أنفاسه الغاضبة بوضوح فقد شلت الصدمة مع غضبه

الجميع عن محاولة فعل أي شيء لأجلها أو الاقتراب منه من علم

السبب منهم ومن جهله وحتى الواقفة قربه والتي شهدت كل ما حدث

منذ قليل وكأنها رميت مع ثلاثتهم في تلك الدوامة السحيقة والتي لم

يخرجها منها سوى صوت ساندرين الجزع المستجدي من بعيد

" ماريه افعلي شيئا سيقتلها لا محالة "


مسحت حينها بقوة الدموع التي لم تنتبه ولا لنزولها المتتابع فمعها

حق ستموت إن استمر في شده لعنقها هكذا لدقائق أخرى ولن ينجوا

من عقاب القانون حينها وسيدمر مستقبله نهائيا وتعرفه لن يهتم

أبدا لكن ماذا عنها هي ؟ ليكن بخير وإن كان بعيدا عنها فلا يمكنها

احتمال فكرة انتظاره لأعوام أخرى .. لن تستطيع فعلها مجددا .

مسحت دموعها التي عادت للنزول وامتدت أصابعها ببطئ لكتفه

وما أن لامست أطرافها سترته أغلقت أذنيها صارخة وذاك كان

حال جميع النساء في ذاك المكان ما أن انطلقت تلك الرصاصة

من مسدسه عاليا وتساقطت القطع الكريستالية من الثريا الضخمة

المعلقة في الأعلى مصدرة رنينا متناغما على الأرضية الرخامية

تحتها وقد وجه فوهة المسدس هذه المرة لذاك الوجه المحمر بسبب

اختناق صاحبته متجاهلا الصراخ الجزع من الجميع فتحركت الواقفة
بقربه مبعدة يد عمته التي أمسكتها باكية لتمنعها فهو لم يهتم

لاقترابها السابق وقد يؤذيها أيضا لكنها وحدها من تعرف تيم

أكثر من الجميع وترى ما لا يراه أي أحد منهم في داخله كما تعلم

عن ماضيه الكثير بل وهي الرابط الوحيد الذي يجمعه به .

وقفت أمامه وأمسكت بيده أولا ليكون مسدسه بعيدا عنها وما

أن نقل نظراته الغاضبة لها رفعت يديها المرتجفتان لوجهه

وأمسكته بهما وقالت برجاء ناظرة لعينيه ودموعها قد عادت

للتكدس في مقلتيها

" تيم والدتك في قلبك لا أحد يمكنه تشويه صورتها هناك إنك تحتفظ

بها رائعة فيه وللأبد ، تيم أرجوك لا تخسر مستقبلك وتجعلني أخسرك
مجددا بسبب هذه المرأة .. أرجوك "

لم تلحظ أي لين في ملامحه ولم تترك أصابعه عنق تلك المرأة التي

بدأت تحتضر بالفعل لكنه على الأقل لم يطلق رصاصة أخرى من

مسدسه فقالت مجددا ودون يئس يداها تتحركان ببطء على فكيه

ودموعها عادت لمفارقة رموشها مجددا

" لا تجعلها هي أيضا تخسرك .. لقد أرادت دائما أن تصبح رجلا

وأن تفخر بك ... تيم أرجوك فكر بي أنا على الأقل "

وتقطعت عبراتها في حلقها ما أن بدأت أصابعه ترتخي تدريجيا

عن ذاك العنق تاركا ذاك الجسد خلفها يتهاوى للأرض وقد فقدت

صاحبته وعيها تماما فدست وجهها وبكائها في صدره مطوقة
لجسده بذراعيها بقوة وشد هو رأسها له يغرس أصابعه في

شعرها البني الناعم ورفع مسدسه هذه المرة في وجه الواقف أمامه

لم يتحرك من مكانه ولا لمساعدة المرتمية تحت قدميه واسعافها مع

شقيقته وضرتها وقال هامسا بحقد

" علم حثالة نسائك احترام ذكرى والدتي أو أن العقاب سيكون

من نصيبك أنت في المرة القادمة "

وما أن أنهى عبارته تلك غادر من فوره ساحبا التي كانت في

حضنه من يدها مجددا ووجهته باب الشرفة الذي دخل منه قبل قليل .


‏*‏
‏*‏
‏*‏

ضم رأسه بين يديه وقد انغرست أصابعه في ذاك الشعر الكثيف

الناعم جالسا على طرف السرير ينظر للأرض بضياع وحزن ،

لا يفهم لما عليه الجلوس هكذا عاجزا عن فعل أي شيء ينتظر أن

يجدها غيره له ؟ لما ليس هو من يلبس درع المحارب ويقتحم تلك

الأراضي والغابات ويخرج حبيبته بنفسه حتى لو كان الثمن موته

فهو أشرف له من فقدانها وعيش باقي حياته وحيدا بعدها .


( قد تراني صغيرة وغبية ومتهورة لكني قسما أحبك يا رعد )


( متأكدة من أنك سترجع يا رعد وسأنتظرك طوال عمري )

( إذا رعد لأستريا يوما ما )

مسح وجهه بكفيه مستغفرا الله ومبعدا تلك الأفكار من دماغه

قبل أن تنهيه ومسحت أنامله الدموع التي بللت رموشه لحظة

أن طرق أحدهم باب غرفته طرقات خفيفة منخفضة فاستوى

في جلوسه قائلا

" ادخلي يا غسق "

انفتح الباب حينها وظهرت التي نظرت له بصمت فعاد للاتكاء

على مرفقيه ناظرا للأرض وقال بهدوء

" إن كنت لازلت غاضبة فعليك أن تقتنعي بأنه لا حيلة لي في

شيء ويكفيك لوما لي يا غسق فما في القلب لا يعلمه إلا الله "

دخلت مغلقة الباب خلفها وتوجهت نحوه وجلست بجانبه ووضعت

يدها على يديه اللتان يشبكهما ببعضهما وقالت ناظرة لنصف

وجهه المقابل لها

" أنا لست ألقي باللوم عليك فيما حدث الآن يا رعد بل في تركك

لها معلقة تنتظرك كل تلك الأعوام ، في أن تربطها بك وأنت

لست تضمن عودتك لها "

رفع يديه واتكئ بجبينه على قبضتيه وقال بحزن

" هل قلب العاشق يستمع لعقله يا عسق ؟ هل كنت أستطيع

وأد مشاعرنا معا والمغادرة دون أن أرحم قلبها الصغير المعلق بي ؟

هل كان حالنا سيكون أفضل حينها ! "

قالت بلوم

" لكن ذلك قاس جدا يا رعد ويحطم قلب المرأة بل ويقتلها

وبالبطيء ... أنتم الرجال لا تعرفون معنى هذا الشعور أبدا "

نظر لها ولعينيها الممتلئة بالدموع وقال بهدوء

" كل له أسابه يا غسق وهو له أسبابه بالتأكيد "

ضربت بقبضتها على فخذه قائلة بضيق

" أنا لا أتحدث عن نفسي بل عن تلك الفتاة ولا عن ذاك الرجل

فوضعكما مختلف تماما وليس ثمة أسباب تشفع له "

وتابعت بحدة وقد قررت أن تشمله بغضبه

ا" بل ولا أسباب تشفع لك أيضا وكان عليها أن تتزوج منذ أعوام

بدلا من انتظارك "

قال بذات هدوئه ولازال ناظرا لها

" أكنت لتفعليها أنتي ؟ "

قالت من فورها

" أجل "

ابتسم بسخرية قائلا

" وستعيشين سعيدة حينها يا غسق ؟ "

وقفت على طولها وقالت بضيق

" أنا هنا لأواسيك لا لتعكر لي مزاجي يا رعد لكنك لا تستحق "

خرجت منه ضحكة صغيرة تغلبت على حزنه وتجهم ملامحه

وقال ناظرا لعينيها

" لما تتهربين من الإجابة بالهجوم عليا يا ابنة دجى الحالك "

كانت ستتحدث وغضبها لا يزداد إلا اشتعالا لولا قاطعها

باب الغرفة الذي انفتح بقوة وصوت الكاسر قائلا بلهاث

" مطر شا......... "

وبلع باقي كلماته مع ريقه بصعوبة حين استوعب وجود

شخص آخر معه وليس أي شخص فأزاح نظره عنها له

وتابع بصوت منخفض

" إنه هنا ومعه امرأة وطلب رؤيتك أنت تحديدا "

فقفز رعد حينها وركض من فوره جهة الباب وكلاهما خلفه

حتى كانوا في بهو المنزل ووقف مكانه ينظر للتي كانت مع ذاك

الرجل بالفعل تمسك يده برسغها لازالت بفستان زواج الثنانين

الممزق والملطخ بالدماء كحال ذراعيها ووجها تنظر له تلك

العنان الواسعة الدامعة بشوق .. بحزن .. بأسى وبالكثير الكثير

من الألم ، نظرة حطمت قلبه فوق تحطمه وأفقدته حتى القدرة

على الحركة من مكانه ، فقط حدقتاه تحركتا جهة الذي رفع

رسغها ناظرا لهم حيث كان رماح وعمتهم هناك أيضا وقال

بجدية وحزم

" أول ما عليا قوله بأن تنسوا من الآن وصاعدا بأنه لشراع

صنوان ابنا اسمه جبران "

ضربتهم كلماته كالرصاص مخرسة الجميع من صدمتهم وتابع

بذات جديته وقد انتقل نظره للواقف هناك تحديدا

" هذه هي آستريا رعد ... زوجتك وبموافقة أشقائها ، أنا كنت

وكيلك والشهود من رجالي أحضرتها هنا من اليرموك مباشرة

ولم أسألها ولا ما حدث معها هناك وأنت تفهمني جيدا فإما أن تقبل

بها ومهما كان ما حدث لها أو أن تطلقها الآن وستغادر معي ..

منزلي منزلها وعائلتي عائلتها والقرار لك "



المخرج ~

بقلم امومه الحلو

من تيم لأبيه
نَسَجَ الخيال لفقدكَ قصةً ، قد فاقت الأدراك والأبصارَ ،،،
كم ندبةٍ كم صفعةٍ كم حرقةٍ ، تلك التي قد ذقتها لِلمرّ جفاكَ ..
هي وحدها.. هي وحدها من عانت مرّ الحياة لفقدكَ باكراً ، لا بل هي وحدها
من حملت ثِقلَ الحياة جُزَافَ ..
ويوم اعترفت بنبض قلبك حيّاً يُرزقا ، كان لي الموت المرير بعد حياةَ.
يا أبتِ ويا لها من حُرقةٍ ،، قول الأبِ على لسانِ من عاناها ..
قلبي الصغير ما زال نبضه في داخلي.. قلبٌ جريحٌ لصفعةِ الآفاكَ ..
لا تلتمس من حنايا خافقي عذراً لكَ ،، هي وحدها من يُنشدُ عندها الأعذارَ..
فإن استطعت لقاء من تركت روحاً لها ،، في خافقي ألماً عميقاً قد أثخنته جراحا
أخبرني حينها أنك لي أباً ، وأن بفقدها فقدت روحا حنت دائمآ للقاكَ..


من شاهر لتيم

يا نسمةً يا زهرةً يا نبض قلبي الذي يهواكَ .. طفلي لا بل شبلي؛ قل أسدِ الجسور
بِتُ أراكَ ..
رحلتُ عنك وأنت قطعةً من روحي التي قد وادعتُاهَ ، مُرًّ مريراً ذاك يوم وداعَ ..
رحلتُ تاركً خلفي الحياة بأمها ، فهل لميتٍ الحياة بعد مماتَ ؟!

عذرا ومالي عذراً سوى قلباً غلوبٌ قد حدَّ عنائهُ ، ترك الحياة كي تعيش حياةَ..
بنيّ ؛ لم أنشُدَ العيش الرغيد لفقدكم ،، لا بل حملتُ ثقلَ موطنٍ يُنشدُ عندهُ الآمالَ..

حبُ الوطن يا طفلي الصغير من فضلتهُ ،، وهل لي حياةً إن كان مثخن بجراحَ ..
أنت شبلهُ بل أنت حاملَ ثقله ،، هل ترضَ يوماً
أن يُستباح ويُداسَ ؟؟!
عذراً بني فلا عذر لي ،إن كنت إبناً تنشد الأمان تحت أباكَ ..
لكن بُنيّ إني ابن موطنٍ ، ضحى بروحه لتعش ذاك الأمان زمانا...


السادس عشر من هنا 
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close