رواية جنون المطر الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 بقلم برد المشاعر
حاولت الاختباء بجسد الواقف أمامها تنظر حولها وليست تفهم
أين اختفى شقيقها ؟ بل وتلك المرأة معه ! لم تعد تسمع شيئا
مما يقوله المقابل لها يتحدث دون توقف عن إنجازات شركته
السياحية الصغيرة تلك محدقا بوجهها لم ينتبه ولا لما يجري
خلف ظهره ، كانت تتأمل أن لا يكون من دخل من هناك بذاك
اللباس الذي تراه عليه لأول مرة وهي البذلة السوداء الأنيقة
قد رآها في خضم ذاك الضجيج الذي أعقب دخولهما فليس
ينقصها اتهام ورسائل تهديد فقد انتقم منها بسبب فعلتها تلك شر
انتقام وعاقبها نيابة عن الجميع ، لكن ذلك الأمل مات في مهده
وهي ترى ذاك الحذاء اللآمع قربها لترتفع نظراتها المتوجسة
صعودا لتلك الساقين الطويلتان فالصدر والأكتاف العريضة
وانحبست أنفاسها فور أن وصلت لوجهه ولعينيه بل ولحدقتيه
المحدقة بعينها تحديدا ، هربت بنظرها منه للواقف أمامها
وابتسمت له فستتبع نصائح رعد وإن كانت لا تجزم بمقدرتها
على ذلك فقلبها يكاد يتوقف تماما من انفعاله بسبب وجوده قربها ،
قالت للواقف أمامها وكأنها منتبهة أساسا لما كان يقول
" رائع أنتم تقومون بعمل جيد فعلا "
اتسعت حدقتاه البنيتان وقال باستغراب
" نحن !! أخبرتك أن الشركة ملكي وطورتها بمجهودي ! "
ابتسمت له مجددا ممررة طرف سبابتها على حاجبها تشعر بأنها
وقعت في مأزق لا تجد طريقة للخروج منه بل لم يترك لها الواقف
بجانبها أي فرص للتفكير وهو يمسك بمعصمها ويسحبها من
هناك هامسا ببرود للذي مر مجتازا له
" عذرا هذا الشيء لم يعد لك "
فعلمت حينها أي مأزق ستأخذها له تلك النصائح المجنونة ،
لم تتصور أن ثمة ما قد ينقذها تلك اللحظة وأن نهايتها المحتمة
حانت لا محالة حتى شعرت باليد الأخرى التي أمسكت بيدها الحرة
موقفة لهما كليهما فالتفتت للذي كان يحاول النظر خلفه ولما
يجري هناك قبل أن ينظر لها قائلا
" أين تنوين الذهاب يا حمقاء فيبدوا أنه ثمة ما يحدث هناك "
شعرت بأصابع الواقف خلفها تشتد على أناملها فها هي المصائب
تتقاذف على رأسها ولم يتأخر باقيها كثير وقد غمز الكاسر بعينه
قبل أن يقول لها مبتسما
" هل ظننت أنك ستتخلصين مني لتتنقلي بين ... "
أشارت له بإصبعها على شفتيها ليصمت لكنه تابع دون أن يكترث
لها ولا أن ينتبه للواقف خلفها
" لتتنقلي بين الشبان ... لا فأنا لك بالمرصاد ورعد معه حق في أن
لا يثق بك "
ضربت بكفها على عينيها المغمضتان لا تفهم لما تتقاذف عليها
المصائب دائما حين تكون المصيبة الأساسية الواقفة خلفها الآن
موجودة ؟ انتبه حينها الواقف أمامها أنه ثمة من يمسك بيدها
وموجود ضمن مجالهما ويسمع كل ما قال ، نظر له عاقدا حاجبيه
لبعض الوقت قبل أن ينتبه للواقفة أمامه تشير له بسبابتها بتكرار
كي لا يرتكب جريمة أخرى والضحية سمعتها بالتأكيد وكادت تبكي
لا تعلم من ماذا تحديدا حين أشار له بسبابته قائلا
" أنت ... أنت ... "
وفرقع بإصبعيه عدة مرات قبل أن يشير له مجددا قائلا بابتسامة
" أجل تذكرتك لقد رأيتك في التلفاز برفقة .... "
والتفت خلفه مجددا حين أدرك عقله من سيكون ذاك الذي سيحيط
به كل ذلك الحشد هناك وغادر من هناك قائلا بحماس
" مطر شاهين ! لا أصدق بأني سأراه أخيرا "
وابتعد بين الأجساد الواقفة هناك تنظر له نظرة من فقد طوق نجاته
الأخير قبل أن تقرر اللحاق به فورا قائلة
" كاسر انتظر أ.... "
لكن اليد التي شدتها للخلف منعتها تماما مما كانت تفكر فيه فأنساقت
خلفه مجبرة وهو يجتاز بها الطاولات المصفوفة لا خيار آخر أمامها
فمع هذا الرجل إما الموت أو الموت خياران لا ثالث لهما ، وصلا جدار
القاعة الخلفي وأدارها أمامه موقفا لها عليه وسند يده بجانب
رأسها والأخرى في جيب بنطلونه ينظر لتلك الملامح الجميلة ..
للعينان الزرقاء الواسعة بشكل ملفت للنظر .. أنف صغير وشفاه
بلون ذاك الحجاب الحريري الأحمر الغامق محيطا بذاك الوجه
الدائري شديد بياض البشرة ، فستان قرنفلي اللون طويل مخصر
وبأكمام طويلة ضيقة وتنساب على قماشة أزهار مطرزة بحرفية
تنزل من كتفها الأيمن بنصف موجة حتى مقدمة حذائها الأيسر
وبلون حجابها الأحمر الغامق ... هذه كفيلة بجلب أي رجل
لمصيدتها ..
جميلة فاتنة نظرتها الطفولية البريئة تستطيع إفقاد أي شخص
لصوابه فكيف إن اجتمع معها نسبها فستصبح قذيفة متحركة
وليس فتاة في الرابعة عشرة من عمرها .
نظر لعينيها المحدقتان فيه بتوجس وقال بضيق
" متى ستتوقفين عن العبث ؟ "
زمت شفتيها تمنع نفسها من التبرير والدفاع فستتبع نصيحة رعد
وإن لم تقتنع بها فهو كما قال رجل ويفهم الرجال كيف يفكرون
وستصدق اعتقاده بأن الواقف أمامها الآن يعاقبها كلما تألم بسببها ،
وبما أنه من سيحمي سرها فلا بأس في خوض التجربة ، قالت
بضيق تحرك شفتيها بطريقة جعلته لحظتها يتمنى أنها
زوجته لا سواه
" وما علاقتك أنت بي ؟ "
ارتدت للخلف لا إراديا ما أن قال بحدة ناظرا لها بغضب
" ما سيكون موقف والدك الذي يبحث لك عن زوج لا وجود له
على كوكب الأرض ليستحق ابنته إن علم بما فعلته وتفعلينه؟ "
نظرت له بصدمة ليس من غضبه الا مبرر ولا من اتهامه الصريح
لها بالعبث مجددا بل من حديثه عن أن والدها يبحث لها عن زوج !!
والدها هي .. !
مطر شاهين يذلها بهذه الطريقة .. !
لا تصدق ذلك أبدا ، تحولت نظرتها للشك سريعا ولم يفت ذلك
الواقف أمامها والذي همس مبتسما بسخرية
" تحدث عن ذلك أمامي واسألي خالي صقر إن كنت تشكين
بصدق حديثي "
شدت قبضتيها بقوة ورسمت ملامح باردة بعد صراع مضني مع
قلبها ومشاعرها وألمها من كلماته وإهاناته الدائمة وقالت بجمود
" وإن يكن والدي ويريد لي الأفضل "
كادت تقفز صارخة بضحكة انتصار حين لاحظت الصدمة على
ملامحه قبل يخفيها خلف بروده المستفز قائلا
" حقا لا تهتمين ؟ "
قالت فورا ودون تراجع
" إن أمرني بالقفز في النار لفعلت فورا ، سأتزوج من سيختاره لي
وإن كان في عمر جدي دجى وأنا راضية تماما "
*
*
*
لم يفهم ما يجري حينها سوى تحول الواقفة أمامه لتمثال حجري
لا شيء فيها يتحرك سوى خصلات شعرها المتراقصة مع الريح
واحمرار جفنيها ليس يعلم بسبب بكائها السابق أم بسبب انحباس
طوفان آخر من الدموع ؟ لكن ما يعلمه جيدا بأن هذا ما يعرف
بسكون ما قبل الانفجار وهدوء ما قبل العاصفة ، يعترف بأنه
يجهل تماما أساليب احتواء غضب امرأة سوى بتجاهلها وهذا
ما فعله مع تلك الانجليزية كما أنه يجهل أساليب احتواء حزنها
وهذا ما فعله معها هي مرارا فكان كل ما استطاع فعله في كل مرة
أن أمرها بالتوقف عن البكاء وهددها بضربها وإبكائها أكثر فتعامله
مع الجنس الآخر توقف تماما منذ سافر وافترق عنها .. منذ تركته
والدته وتركها هي ورحل لعالم لا وجود فيه ولا لتلك الطفلة التي
ترقص وتغني له وتملأ ضحكاتها الرقية عالمه الكئيب ، فإن لم يكن
يستطيع احتواء حزنها وبكائها حينها فكيف بالآن !!
لكنه لن يتراجع عما فعله ولن يندم عليه أبدا رغم أن هذا ما كان
ليعجب مطر شاهين وقد خالف أوامره فيه فهو يرفض أن يعلم أحد
بحقيقة علاقته بتلك الفتاة ولا المقربون منه لكنه لن يكون نسخة
عنه ولا عن شاهر كنعان .. سيرضى بأن تكرهه بشدة وهي تعلم
الحقيقة أفضل من أن يقف موقفهما يوما ما يقدم تبريرات لامرأة
قد تكون توارت تحت التراب كوالدته أو تحولت لكتلة من الألم
المدفون داخلها كغسق دجى الحالك .
" خدني للمنزل "
بالكاد استطاع سماع همسها الحازم ذاك ويجزم بأن شفتيها لم
تتحركا من مكانهما ، رفع يديه وأمسك بذراعيها الباردتان كالجليد
وقال بجدية ونظره على عينيها المعلقتان في الفراغ
" ماريا عليا شرح كل هذا أولا ثم آخذك حيث تريدين "
أبعدت يديه عنها بقوة وصرخت في وجهه وكأن لحظة الانفجار
قد حانت بالفعل
" خدني للمنزل لا أريد سماع أي شيء بل أعدني لوطني ولعمي
قيس فهو أرحم منك "
شد أسنانه بقوة وقال من بينها
" ماريا لا تشبهيني يوما بذاك الرجل وتوقفي عن استفزازي
واتركينا نتحدث بروية "
كانت أنفاسها تخرج بقوة وازت الهواء حولهما يرتفع معها
صدرها ويهبط بشدة وكأنها تفقد الحياة تدريجيا ، يصعب عليها
تصديق ذلك أو استيعابه لتستطيع فهمه ! كيف يريد منها أن تتخيل
ذلك مجرد تخيل ليطلب منها أن تتصرف وكأنه أمر عادي ؟ كمزحة
سخيفة يضحكان عليها وانتهى الأمر !
ألا يعلم بأنه ثمة قلب يوجد بين أضلعها تعلق به ولأعوام طويلة
تعلق الإنسان بكل ما يبقيه على قيد الحياة ؟
ألا يفهم بأنها لا تستحمل فكرة أن ينظر لأخرى ... أن يبتسم لها
وإن مجاملا ليختار قتلها وبهذه الطريقة ؟
وبعد ماذا ...؟
بعد أن عرت مشاعرها أمامه وبعد أن أعلمته مكانته لديها بكل
حمق وغباء بل وسذاجة طفلة لم تخرج من شوارع وأحياء بلدة
حجور حتى اليوم واللحظة ، ارتجف جسدها من كل ذاك الغضب
المكبوت داخلها وصرخت فيه مجددا
" لا أريد سماعك فخذني من هنا أو أنا من سأخلصك مني وأرمي
بنفسي في هذا النهر ليأخذني حيث يريد ... وللجحيم نهاية الأمر "
شد قبضته أمام وجهها وهذا ما يعرفه جيدا عن نفسه سيفقد
أعصابه بسهولة أمامها وهذا ما بات يحدث دائما مقابل غضبها
وما حدث حينها وهو يصرخ بها أيضا
" ماريا ستستمعين لي ورغما عنك ، تلك الفتاة مجرد وسيلة
للوصول لوالدها إنها مهمة ... مجرد مهمة يا حمقاء "
دفعته من صدره بقوة وتحركت من هناك قائلة
" أجل أصدق هذا ودوري سيكمن في أن أقف وأتفرج وكأن
الأمر لايعنيني "
تبعها فورا وأوقفها ممسكا لذراعها وأدارها جهته بقوة
وقال بحدة
" ماريا توقفي عن الجنون فما أخبرتك بذلك إلا لتعلمي حقيقته
ومني أنا "
استلت ذراعها منه وصرخت بحرقة تكابد دموعها كي لا تنزل
من أجله وأمامه مجددا
" أنت لا تخبرني بذلك لأعلم منك يا تيم بل لكي لا أفسد الأمر عليك ...
لكي أراها في حضنك وفي منزلك وحياتك دون أن أتحدث أو أكشفك
أمامها ، إن كنت تضن بأني أجهل معنى العلاقة بفتيات من هذه
البلاد فأنت مخطئ ... مخطئ تماما "
أنهت عبارتها تلك وأدارت ظهرها له وغادرت فلحقها مسرعا
وأمسك بيدها وأدارها جهته مجددا دون أن يتركها وقال بحزم
مشيرا بإصبع يده الأخرى حيث المكان خلف ذاك النهر
" أنتي زوجتي ماريا وأنا أريدك الآن "
ساد الصمت بينهما للحظة لا يكسره سوى أنفاسه الغاضبة
والمتلاحقة وتحديقها به وكأنها عادت لاقتناص دور ذاك التمثال
الروماني مجددا حتى أن أصابعها في يده تصلبت تماما فإن جهل
هو فهي تعلم جيدا بأنها السبب في ذلك وبأنها من أشعل رجولته
لكن ما تجهله تماما بأنه يبحث فقط عن وسيلة للتواصل معها
فمهما كان جاهلا فيما يخص النساء فهو يعلم بأن المرأة أضعف
ما يكون وهي في حضن رجل تحبه ، لكن الأمر لن ينجح الآن ..
ليس كما تمنته وحلمت به .. امتلأت عيناها بالدموع وهمست
بجمود ونظرها معلق بعينيه
" إن كان يرضيك أن تنام مع امرأة جسد بلا روح فلن أطلب منك
سوى أن تسطر ذلك في تاريخك الآن لأنه لن يتكرر مع
امرأة أخرى "
أشاح بوجهه جانبا ومرر أصابع يده الأخرى في شعره الكث
للخلف ليرجع للتكدس أعلى جبينه وسار بها في اتجاه الممشى
الحجري خارجان من ذاك المكان كما دخلاه بل ليس كذلك تماما
فالقلب الذي دخله مفعما بالمشاعر خرج وهو محطم وبشكل
نهائي والمرأة التي سارت فوق أحجاره البيضاء تتبع ابتسامتها
خطواتها عليه خرجت تنعي تلك الابتسامة وهي تسير فوقه
جثة بلا روح ... حتى الدموع التي كان ذرفها أسهل ما تجود به
عيناها في وجوده تحجرت داخل تلك الأحداق تلسعهما كالسعير .
*
*
*
لم تنظر لتلك الجهة مطلقا تكاد تشعر بلحم كفيها يتمزق وأظافرها
المقصوصة تخترقة من كثرة شدها لقبضتيها فها هو عرف كيف
يفسد حفلها وعن جدارة وختم الأمر بدخوله كنجوم السينما ليحول
الأمر لحفل استقبال له بل لمهرجان سخيف وكل ذاك الجمع تحلق
حوله وكل واحد منهم يصافحه على حده ممسكا بيده بكلتا يديه
لوقت وسيل الترحيب لا ينقطع والبعض قد تذكر حتى بأن يرحب
به على أرض وطنه ولعودته لهم ، لم تكن ترى شيئا سوى الأرضية
الرخامية تحتها وهي تشيح بوجهها جانبا لم تعد تهتم ولا بالواقف
قربها لم يغادر مكانه ولم يتحرك لتلك الجهة فهو قد حضى بشرف
رؤيته وجها لوجه بسبب رتبته العسكرية ومكانته في جيش البلاد
ويفهم أي نظرة تلك التي يخصه بها في كل مرة ولولا يقينه من أنه
رجل لا تتحكم الأمور الشخصية في قيادته للبلاد لكان فقد رتبته
العسكرية منذ حديثه ذاك وأمامه عن خطبته للواقفة قربه الآن ،
كان يعلم بأن تلك النظرة الصقرية لن تخطئه أبدا وذلك ما حدث
فمن بين كل تلك الرؤوس المتحركة كان ثمة مجال لتشتبك نظراتهما
ولتبدأ تلك الحرب الصامتة رغم أنه فقد فريسته منذ قليل ما أن رأى
ذاك الخاتم في أصبعها ولا يستبعد أن يكون خصمه فقد المعركة أيضا
إلا إن كانت غسق شراع صنوان وليس دجى الحالك باتت أضعف من
أن تنتصر على رجل سرق ماضيها وتركها للتكهنات والأقاويل بل
وقتل أمومتها بأبشع صورة كانت .
لم يزح نظره عن عينيه وهو يجتاز ذاك التجمع حوله رافعا كفه
كاعتذار على انسحابه وقد تكفل حرسه بالمهمة وهم يقفون حاجزا
بينه وبين من تركهم خلفه مجبرين الجميع على العودة لطاولاتهم
وأماكنهم بينما تحرك هو بخطوات واسعة رشيقة يده اليمنى في
جيب بنطلون بذلته الرمادية الفاخرة والتي تفجر معها جسده
القوي أناقة ورجولة ويده الأخرى لازال يمسك فيها الأوراق التي
دخل بها مجتازا المسؤلات هناك عن تنظيم ما فقدن زمام الأمور
فيه ما أن دخل هذا الرجل وكل واحدة منهن تتبعه بنظرها ما أن
يجتازها مثلما تتصيد تلك الكاميرات حركته فاتحا المجال أمامهم
ولأول مرة لتوثيق حدث مشابه تواجدت فيه مديرة جمعية تلك
المملكة التي حرصت دائما أن لا يكون لها أي ظهور اعلامي
من أي نوع كان عدى اللقاءات الصحفية النادرة جدا ، وصل
عندهما واختار أن يستقر بجانب الواقفة أمام من لم تتركه
نظراته بل من لم يترك هو نظراته تخطئه حتى وقف ملاصقا للتي
لازالت تختار الأرضية الرخاميه عن كليهما .
تحولت نظرات الواقف أمامهما وبسرعة جهة خصرها النحيل
المحاط بسترة سوداء بقماش فاخر ترسم حدوده ومعالمه بحرفية ...
بل لليد التي التفت حوله وللخاتم الفضي الرجولي في أصبع يده
تلك ليتضح له النصف المفقود من الصورة بل وللجميع وهو يؤكد
ما بدأ يشاع بين الناس وبعضهم صدقه والآخر استنكره .. فها
هو مطر شاهين عاد ليس ليسترجع حق البلاد الذي بدأ يسلب
منها فقط بل وما كان حق له وحده وبقي ولازال .
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة وهو يراقب نظراته التي
ارتفعت من يده المطوقة لخصرها لوجهها .. لوجه التي كانت
تغمض عينيها ورأسها للأسفل وذاك حالها منذ رأت أيضا ما فعله
الذي لو كان بيده حينها لاقتلع تلك العينين المحدقة بوجهها
وكأنه ينتظر أن تنكر ذلك ، فليعلم الجميع إذا بأنها له وملكه ولن
يسمح لأي كان بالاقتراب منها وأولهم هذا الذي كان أجرأ من
غيره وهو يطلبها من نفسها ثم من عمها وأمامه ، عادت نظراته
له وتبادلا تلك النظرة الطويلة التي لا يفهمها في ذاك المكان غيرهما
قبل أن يستدير موليا ظهره لهما ويغادر في صمت لحظة أن اقترب
منهما أحد من لا سلطة لحرسه عليه لمكانته في البلاد ومن قال
مبتسما
" يمكننا مناقشة أمور الجمعية الآن ، أتختارين المنصة أم إحدى
الطاولات سيد.... "
" شكرا لكن باب التبرعات والإعانة اغلق "
قالتها بجمود محدقة بعينيه .. أليس هذا من أكثر من كانوا يعولون
عليهم في هذا الحفل ؟ أليس هو من قال منذ قليل متشدقا بأن سياسة
جمعيتهم ليست حيادية أبدا !
ألم يغير من أرائه ما أن علم بوجود ذاك الخاتم في أصبعها فما
جعله يتنازل الآن ؟
رفع كفيه باسطا لهما وقال مبتسما
" أردنا المساندة لكن لا بأس "
قال مطر حينها
" هذه المملكة ليست بحاجة لداعمين بعد اليوم "
أشار بيده مبتسما وقال يأخذ كأس عصير من التي وقفت لإشارته
" هي كانت مساعدة رمزية فقط وبما أن السلطة العليا في البلاد
في صفكم فلن تحتاجوها "
أخفضت رأسها ورفعت يدها تمسد بأطراف أناملها على جبينها فقد
بدأت تشعر بالصداع يجتاح تلك الجهة تحديدا فشد بذراعه على
خصرها أكثر وكأنه يذكرها بما لم تنساه اليوم أبدا .. بأنه لا حليف
لها في عالم المال وأن المرأة الحسناء لا صديق لها سوى جمالها
كما أنه عدوها أكثر من غيره .
" أبي "
التفت برأسه للواقفة خلفه قبل أن يبتعد مبعدا يده عن ذاك الخصر
النحيل ودار بكامل جسده للتي ارتمت في حضنه هامسة
" اشتقت لك "
طوقها بذراعيه وقد انتقل نظره للواقف هناك عند الجدار يتكئ
بظهره عليه مكتفا ذراعه لصدره ونظره مركز على المرتميه في
حضنه فابتسم وهو يبعدها عنه ونظر لعينيها وقال ماسحا بإبهامه
على خدها
" كيف حالك يا تيما ؟ "
أومأت له برأسها هامسة بابتسامة
" بخير "
لامس جانب وجهها بيده وقبل خدها ثم استدار للجهة الأخرى
وحيث التي لازالت تختار النظر لكل شيء عداه أمسك وجهها
بيديه ورفعه له ناظرا لتلك الأحداق السوداء الواسعة وقبل جبينها
قبلة عميقة طويلة ثم تركها وصعد المنصة على صوت التصفيق
الذي بدأ يرتفع تدريجيا بحماس قبل أن يهدأ كل ذلك بمجرد أن
أمسك بالميكرفون ورفع درجة الصوت فيه مما نجم عنه صوت
صرير مرتفع جعل جميع الجالسين حول تلك الطاولات ينتبهون
في صمت لذاك الصوت الجهوري المبحوح وذاك الجسد والوقفة
الرجولية الواثقة والملامح الجذابة الجادة وكأن الزمن عاد بالجميع
للوراء لذاك الخطاب الذي ألقاه في ذاك الاجتماع العربي وفضح فيه
جميع الجرائم البشعة ضد شعبه ، تنقل بنظره بينهم ليثبت على سيدات
تلك الجمعية تحديدا حين قال
" قبل أربعة عشر عاما كانت هذه المدينة مجرد أشجار وجبال
وطبيعة لا يستفيد منها سوى الصيادين ، مطمع لكل زعيم حرب
لأنها تقع في قلب البلاد وتربط شرقه بغربه وبجنوبه ، سلمتها
لمديرة جمعيتكم على العهد بأن لا تقام فيها أي منشأة عسكرية
وكانت عند وعدها تماما بل وحولتها لقلب ينبض بالحياة ، دافعت
عن أسمى قضية وهي المرأة ... الأم الشقيقة الزوجة والإبنة ، من
إن صلحت صلح مجتمعنا بأكمله لأنها من تربي الأجيال ... تضحي
بكل شيء من أجل من تحبهم وهم بحاجة لها "
رفع يده مظهرا الأوراق التي يمسكها وقال ناظرا للجميع
" بدأنا بتغيير القوانين الوضعية للبلاد وهنا في هذه الأوراق تكمن
البنود التي تخص المرأة والقضايا التي تم تقديمها للقضاء من جمعية
الغسق وتم رفضها بتكرار والآن تم تحقيق أغلبها وسنناقش البقية
بما يرضيكن ، وابتداءا من الغد ستتولى خزينة الدولة دعمكم وإتمام
مشاريع الجمعية المتوقفة"
علا التصفيق والصرخات الحماسية للحاضرات ممن دعمتهم تلك
الجمعية ودافعت عن حقوقهن ومن قدن تلك المملكة بجد وتفاني
وإخلاص لأعوام طويلة .
نقل نظره للتي كانت تصفق له بحماس وتمسح دموعها بين الحين
والآخر مبتسمة بحب وفخر قبل أن يستقر على الواقفة بجانبها تنظر
للفراغ أمامها حيث باقات الأزهار التي تزين المكان أسفل تلك المنصة
بملامح جامدة خالية من أي تعبير رغم هدوئها وسكونها قبل أن
ترفعه له ببطء بارتفاع رأسها مع نظرها حين قال بهدوء ونظره
لازال معلقا بملامحها
" جميعنا لم نعلم قيمة المرأة في حياتنا ... جميعنا جرحنا احداهن
يوما ما وبعنف ... وأنا أولكم "
تحولت الانظار حينها وبصدمة جهة الواقفة في الأسفل أمامه
مباشرة ونظراتها لازالت معلقة به تتفس بقوة فشد قبضته على
الميكرفون مسدلا جفنيه على تلك الأحداق السوداء مخفيا صورة
تلك الفاتنة عنه كي لا يضعف فيما يريد قوله وتنفس بعمق وقد
رفع نظره للبعيد قبل أن يتابع بابتسامة ساخرة
" بسبب عبث رجولي ونزوة سخيفة "
تعالت شهقات الاستنكار والصدمة والجميع يحاول التقاط ردة فعل
التي امتلأت حدقتاها السوداء بالدموع ولازالت لم تفارق ملامحه
رغم أنها تمسكت بأصابع يد ابنتها كي لا تفقد توازنها .. صغيرتها
التي لم تفق من صدمتها بعد تمسك فمها بيدها والدموع تسقي تلك
الأنامل تنظر للواقف في الأعلى ... طيش رجولي و.... نزوة !
يعترف وأمام الجميع بل وأمام شاشات التلفاز !
لكن كيف ومتى وهي من عاشت معه هناك وعرفته أكثر من غيرها ؟
تبعته بنظرها وهو ينزل السلالم الآخر للمنصة ويغادر ورجاله خلفه
آخذا كل شيء معه .. أجل تشعر به أخذ كل ما في الواقفة بجانبها
ورحل به ، نظرت لها بعينان دامعة وهي تنزل بنظرها للأسفل تكاد
تلك الدمعة أن تفارق رموشها فأدارتها جهتها فورا وانساقت هي
لها وكأنها جماد لم تعد تشعر بشيء حولها فأخفت بحركتها تلك
وجهها عن كل التلك الكاميرات المترصدة لردة فعلها ومسحت
دمعتها سريعها هامسة
" أمي أقسم لك أنه و..... "
" اصمتي يا تيما "
أوقفها صوتها الأجوف رغم نبرته الحازمة الآمرة وقد تابعت وهي
تبتعد مجتازة لها
" لتعلمي فقط من أي نوع الرجال يكون والدك "
فنزلت دموعها مجددا ولم تستطع هذه المرة كتم شهقاتها الباكية
وهي تراها تغادر أيضا ومن باب آخر وفي اتجاه آخر وكأنها تثبت
لها أكثر بأن طرقهما لا تجتمع أبدا .
نظرت بذهول للأشخاص الذين هرعوا جهتها من يمسك جهاز
تسجيل في يده يمده نحوها ومن يمسك ميكرفون لقناة ما ومنهم
من يمسك بهاتفه المحمول والأسئلة من كثرتها لم يعد يمكنها
فهمها وكل واحد يريد معرفة الأمر من وجهة نظرها وبطريقته
بحكم أنها من عاشت مع ذاك الرجل سنوات اغترابه تلك جميعها ،
كانت تتراجع للخلف مما يزيدهم اقترابا منها ونظراتها الدامعة
التائهة لازالت تحدق فيهم بضياع إلى أن شعرت بجسدها اصطدم
بشيء ما خلفها ويدان أمسكتا بكتفيها فاستدارت فورا نحو صاحب
ذاك العطر الذي لا تخطئه أبدا ونزلت دموعها مجددا ما أن وقع
نظرها على عينيه فأمسك وجهها بيديه ومسح بإبهاميه وجنتيها
ثم أمسك يدها وخرج بها من هناك يجتاز بها كل ذاك الحشد يطوق
كتفيها بذراعه يبعد من يعترض طريقهما بيده الأخرى يردد ذات الكلمة
" معذرة منكم "
حتى وصل بها للخارج وسارا عبر الطريق مسرعين
صوت ضجيج المحرك القوي وحده ما كان يسمع في تلك السيارة
المسرعة على الطرقات الخارجية للندن ... قبضتاه تكادا تتمزقان
من الشد على ذاك المقود لا تعبر إلا عن غضب مكبوت لصاحبها
ليس من نفسه ومن كل من كانوا السبب في كل هذا فقط بل ومن
صمت الجالسة بجواره وإشاحتها بوجهها جهة نافذتها وإن أنكر
ذلك أو جهله رغم أنه كان يعلم جيدا ما يخفيه ذاك الصمت من
انقباض أناملها البيضاء على قماش ذاك الفستان حيث ترتاح يدها
على فخذها لترخيهم لبرهة ثم سرعان ما تعود وتشدهم عليه وكأنه
أشواك لن ترتاح إلا إن نزعته عنها ، لم يتوقع منها كل هذا الصمت
كما لم يتوقع موقفها العدائي منه وهو من اختار أقصر طريق على
نفسه لتعلم بالأمر ! لم يكن يستطيع رفض تلك المهمة فعلى عاتقه
يقع مهمة تحرير بلاده ونهائيا ممن يتسببون في عرقلة كل ما يفعله
مطر ورجاله هناك .
ضرب براحة يده المقود شاتما بهمس ومرر أصابعه في شعره
يشده للخلف بقوة ، أما كان عليها تفهم موقفه ؟ لما النساء غريبات
أطوار هكذا ! أليست من كانت قبل ذلك بقليل انثى تسلب لب أي
رجل وقد ترك لها حرية تحريكه بين أناملها كيف تشاء وكأنه
مكعب لعب ؟
أوقف السيارة بقوة أمام المنزل وكأنه كان يتوقع طريقا أطول
وظهر أمامهما فجأة ، أمسك بيدها المجاورة له ما أن فتحت
بالأخرى الباب وقال بجدية ناظر لنصف وجهها الذي بالكاد
يظهر له
" ماريا فكري جيدا فيما تحدثت عنه وسأنسى أنا حديثك أنتي "
وكان جوابها أن سحبت يدها منه ونزلت مغلقة الباب خلفها بقوة
ودخلت من الباب الخارجي بخطوات سريعة لا يسمع سوى صرير
الباب خلفها وسارت بخطوات بالكاد تحمل جسدها وهي تكاد تهوي
للأرض ودموعها تسقي ترابها الرطب تحتها وبالكاد وصلت باب
المنزل ودخلت منه راكضة جهة غرفتها وارتمت على سريرها تدفن
وجهها في وسائده وأطلقت العنان لتلك العبرات والبكاء الموجع الذي
تحجر داخلها منذ نطق بتلك الكلمات وكأنه قتل كل شيء فيها وليس
قلبها فقط ، هي الحمقاء والمغفلة ضنت أنه إن أهداها كل تلك الأشياء
التي يجلبها المال في أي وقت وأخذها لذاك المكان الذي اعترف بنفسه
أنه لم يكن باختياره سيكون يبادلها المشاعر الغبية التي حملتها له
منذ كانت طفلة وأن ذاك الرجل البارد القاسي قد يحمل قلبا وسط
أضلعه سيشعر بها وبمشاعرها .
كان بكائها يزداد أنينا وألما وحرقة كلما تذكرت تلك اللحظات اليتيمة
وكأنها جميعها تبكي معها بل وكأن كل شيء حولها ينوح لنواحها لم
تعد تشعر بشيء ولا بالتي دخلت راكضة وجلست بجوارها على السرير
تحاول إجلاسها قائلة بجزع
" ماريه ما بك ؟ ماريه ستموتين بسبب هذا توقفي هيا "
لكن ذلك لم يؤثر بها شيئا وكأنها لا تسمعها منفصلة عما حولها
تماما لا تستجيب ولا لضربها لها بقبضتها على كتفها دموعها تنزل
مع مشهدها ذاك صارخة بحدة
" ما الذي فعله بك ذاك المتعجرف ؟ ماريه لن تقف حياتك عليه ...
ماريه توقفي عن البكاء هكذا أرجوك "
لكن كلماتها تلك كانت تتلاشى مع تلاشي عبراتها في الهواء فحضنتها
وهي ما تزال نائمة على حالتها تلك تبكي معها بصمت رغم أنها لم تكن
تفهم شيئا مما حدث لكن ذاك البكاء لم يكن يعبر سوى عن أنثى
مجروحة حد الوجع والألم .
لم ترضى بأن تتركها ولا للحظة ولا حتى لتخبر والدها الغير موجود
حاليا في المنزل ليجد حلا لابن ابنة شقيقه ذاك ، كانت تجلس بجانبها
تمسح على شعرها تستمع لأنينها الباكي تشعر بغضب مدمر من ذاك
الرجل بل ومن الرجال جميعهم فمن يبكي جميلة مثل هذه تزينت
له واستقبلته أفضل استقبال إن لم يكن متحجرا قاسيا ولن
تستغرب ذلك من هازاني أبدا .
ما أن خف بكائها وجلست تبعد خصلات شعرها العالقة في وجهها
بسبب كل تلك الدموع أمسكت بكتفها وأدارتها جهتها قائلة
" ماريه ما الذي حدث أخبريني الآن وفورا "
لكنها لم تنطق بحرف بل نزلت من السرير وتوجهت للخزانة فتحت
بابها بقوة وأخرجت حقيبة سفر صغيرة رمتها على الأرض وفتحتها
وبدأت بوضع بعض الثياب فيها فقفزت ساندرين نحوها مسرعة
وأمسكت بيدها وأخذت البنطلون منها ورمته داخل الخزانة صارخة
" ماريه ما الذي تفكرين في فعله بحق الله "
قالت ببحة بسبب بكائها الطويل وقد عادت لإخراج ذاك البنطلون
ورميه فيها
" سأعود لبلادي بل سأذهب حيث لن أعرف أحد
ولن يجدني أحد أيضا "
أمسكت بمعصم يدها بقوة وأدارتها نحوها قائلة بغضب
" غاضبة منه .. لا تريدي رؤيته ؟ حسنا تلك مشكلتك لكن أن
تختفي حيث لا يعلم مكانك أحد وتتركي والدي هائم على وجهه
يبحث عنك فلا تفكري بها أبدا ، ثم أنتي هنا في منزل عم والدك
لست في منزله هو ونحن لم نستقبلك لأنه أراد هذا أو طلبه بل
لأننا نريدك هنا معنا أتفهمين ذلك ؟ "
حاولت سحب يدها منها قائلة ببكاء
" بل لأنه أحضرني فأنا هناك من أعوام لما لم يحضرني والدك ؟
تعبت من الحياة كمخلوق طفيلي يعيش ويتغذى على غيره ومن دون
موافقته أيضا "
شدت على يدها بقوة أكبر فهي اكتسبت لياقة وقوة من تدربها منذ
صغرها على رياضة الدفاع عن النفس وسحبتها بعيدا عن تلك
الخزانة ووأوقفتها مقابلة لها وقالت بحدة
" ماريه ما الذي حدث ؟ غادرتما من هنا متفقان تماما فما تغير ؟ "
رفعت يديها لشعرها ورفعته للخلف بأصابعها وقالت ببكاء
" قال بأنه على علاقة بفتاة أخرى ساندي تصوري ؟ "
نظرت لها بصدمة بينما لوحت هي بيديها بغضب صارخة بنحيب
" ويريدني أن أتصرف وكأنه لا شيء بيننا بل وبينهما "
ثم مدت يديها فاردة كفيها أمامها وهمست ببكاء موجوع
" يجري هنا ساندرين .. إنه يسري مع الدماء في عروقي فكيف
سأستحمل ذلك أخبريني بالله عليك ؟ "
أمسكت وجهها وقالت بحزن
" اهدئي ماريه وسنجد حلا لكل شيء فقط اهدئي حسنا "
ثم تركتها وتوجهت جهة الخزانة أخرجت قميص نوم قطني
وعادت ناحيتها وسحبتها جهة الحمام قائلة
" المياه الساخنة ستجعلك تهدئي وتسترخي وسأحضر لك شرابا
منعشا ثم نتحدث عن كل ذلك فلن أسمح لك أبدا بأن تغادري البلاد
يا مجنونة "
أدخلتها الحمام وأغلقت الباب خلفها فوقفت عليه وتقاطرت دموعها
فور أن تذكرت كلماته مجددا وتلك النظرة المرتبكة في عينيه
( أنا على علاقة بفتاة انجليزية )
أمسكت فمها بيدها تمسك عبراتها ونزلت للأرض تبكي بوجع تتخيل
فقط أنه ثمة أخرى تقترب منه مهما كان المسمى لاقترابها ذاك .
*
*
*
ركن سيارته في الموقف المخصص في الأسفل وأخرج المفتاح
منها بقوة لينتبه حينها لحقيبتها الموجودة تحت الكرسي بسبب
لمعان ذاك المعدن في حوافها فمد يده لها ورفعها ، فتح إضاءة
سقف السيارة وفتحها فكان فيها هاتفها أخرجه ومجموعة تلك
المناديل الورقية معه فانتبه سريعا للكتابة الموجودة فيها وكانت
بكلمات انجليزية مرتبة لن تكون إلا لشخص تعلمها منذ نعومة
أظافره وكانت
( عليك بقلبه يا فاتنة )
شد قبضته عليها بقوة ونزل ضاربا الباب خلفه ودخل باب
المبنى السكني وصعد السلالم يدس الهاتف في جيب بنطلونه
الخلفي فبحكم أن المبنى لا يحوي سوى أربع شقق في طابقين فلم
يكن للمصعد أي داع ولم يكن يحب استخدامه ، فتح باب الشقة
ودخل مغلقا له خلفه ووقف مكانه ينظر للتي خرجت من جهة
باب المطبخ تمسك كوب قهوة في يدها ترتدي بنطلون جينز قصير
لم يتعدى طوله نصف فخذيها وقميص أبيض مربوط عند خصرها
لا شيء تحته سوى حمالة الصدر البيضاء وشعرها الأحمر القصير
منسدل على كتفيها .. لا يفهم هذه الفتاة وعقلها وأفكارها السخيفة
فتارة تظهر كإحدى النبلاء بالفعل وتارة تتصرف كفتاة ليل منحلة
بملابسها الوقحة كهذه ؟ اقتربت منه مبتسمة ترتشف من كوب
القهوة الكبير في يده ونظرها على عينيه وما أن وقفت أمامه
رفعت جسدها على رؤوس أصابعها وقبلت خده وابتعدت عنه قائلة
" آسفة بشأن ما حدث هنا تلك الليلة ، لقد أخطأت فعلا لأني لم
آخذ رأيك بالأمر "
أشاح بوجهه عنها وكأنه يبحث عن شيء ما حوله وتمتم ببرود
" لا بأس لوسي "
ضحكت برقة ومررت كفها على صدره وهمست ونظرها معلق
بملامحه
" لا تنسى بأنك طردتني وغفرت لك ثيموتي بل واعتذرت منك
فلم يفعلها أحد قبلك "
نظر لها وكان سيتحدث لولا أوقفته نظرتها المصدومة ليده تضم
شفتيها وكأنها ستنفخ بهما الهواء قبل أن تستل من يده تلك
الحقيبة الزرقاء ورفعتها بجانب وجهها وقالت محدقة بعينيه
" ما هذا تيموثي ؟ كنت برفقة امرأة ؟ "
أخذها منها ورماها على الكرسي قربه قائلا بجمود
" كوني مطمئنة فأمرها انتهى "
وغادر جهة باب غرفته قائلا
" سأستحم ونغادر "
وما أن دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه توجهت لتلك الحقيبة رفعتها
ونظرت لها باشمئزاز رغم يقينها من جودة ذاك التصميم والقماش ،
فتحتها بأطراف أصابعها ونظرت للمناديل الموجودة داخلها ثم
أغلقتها ورمتها على الكرسي وتوجهت جهة غرفته متمتمة بغرور
" بالطبع سينتهي أمرها أو أنا من سينهيه بنفسي "
أدارت مقبض الباب بقوة عدة مرات وتأففت بحنق حين وجدته
مغلقا من الداخل فتركت مقبضه بحركة عنيفة متمتمة بضيق
" ياله من قديس ؟ حتى أسلافه اليونانيين ليسوا هكذا ! "
توجهت ناحية صالون الاستقبال وارتمت على الأريكة الفاخرة الواسعة
تلعب بخصلة من شعرها ونظرها على ذاك الباب وتفكيرها منحصر
فقط في الموجود هناك تحت رذاذ المياه الساخنة جسده الرائع
مبلل بالكامل فعضت شفتها سخطا منه ومن معتقداته تلك ، إن كان
له فعلا حبيبة لكانت قتلتها فقط لأنه ثمة رجل يعشقها بكبرياء هكذا .
كان عليها أخذ نسخ لجميع المفاتيح هنا وليس الباب الخارجي فقط
بدلا من أن دفعت كل ذاك المال لعجوز حمقاء جلبت لها مفتاحا
واحدا لكانت عرفت الآن كيف تسحبه للسرير طوعا ، بينما ما كانت
تجهله تماما أن ما يوجد خلف ذاك الباب المغلق رجل ساجد فوق
الأرض يصلي ليدرك الوقت قبل أن يغادر الشفق الأبيض السماء .
*
*
*
ضمت يديها وسط حجرها تنظر لبساط الأرض الأخضر تحت قدميها
تحاول أن تكبت تلك الدموع التي ترفض الانصياع لها فهي لم تجتاز
صدمتها بعد ، كانت لتستوعب الأمر لو أنها رأت امرأة يوما معه
أو سمعته يتحدث مع احداهن في الهاتف أو وجدت شيئا يخص
امرأة في أغراضه أو حتى رائحة عطر نسائي في ثيابه ؟
لكنه اعترف بذلك بنفسه !
أكان الأمر قبل رحيله وانتهى !!
كيف يمكنها استيعاب أنه قد يفعلها فهي أكثر من يجزم بحبه لها !
لكن والدها لا يكذب تعرفه جيدا فهو كان يعاقبها هي وبشدة
ومنذ صغرها إن لجأت للكذب تحت أي ظرف أو سبب كان .
نظرت جانبا ومسحت دموعها سريعا حين لاحظت اقتراب الذي
تركها هنا منذ لحظات على ذاك الكرسي في الحديقة العامة القريبة
من مبنى الجمعية ، لم تشعر إلا بجلوسه بجانبها وقد مد لها قارورة
ماء صغيرة ووصلها صوته قائلا
" هيا حذي الماء وتوقفي عن البكاء "
وتابع بابتسامة مائلة
" لا يرونا شرطة مملكة والدتك واعتقل بتهمة ابكاء امرأة "
أخذتها منه تمسح دموعها مبتسمة بحزن على عبارته وفتحت
الغطاء وشربت منها ببطء تتابع نظراتها حركة الأطفال بعيدا
وابتسمت بحزن فلطالما تمنت في صغرها أن كان لها أشقاء كثر
تلعب معهم وليست وحيدة لكن ذاك الحلم لم يتحقق أبدا حتى
كبرت وفقد ذاك الشعور معناه بالنسبة لها ، نظرت للجالس بجانبها
يتكئ بمرفقيه على ركبتيه ينظر للأسفل ويمسك قارورة عصير
برتقال صغيرة قد شرب نصفها ، تنقلت نظراتها في ملامحه التي
أخذت من قبائل الحالك الكثير فإن كانت والدته ابنة عائلة الشاهين
فوالده من أحد قبائل أقصى الجنوب حيث سواد الشعر والعينان فاق
الليل حلكة ، نظر لها فجأة فأبعدت نظرها عنه ونظرت للقارورة في
يدها وقالت بابتسامة مازحة رغم لمحة الحزن فيها
" لما تعطيني الماء وتشرب أنت العصير ؟ كنت أحضرت لي
واحدا مثلك "
نظرت له حين وصلها صوته المبتسم فورا
" لأنك تحتاجين الماء بسبب ما فقدته منه "
وتابع وقد رفع القارورة أمامها
" أما أنا فأحتاج هذا بسبب الركض الذي بات أحد طقوسنا "
عبست ملامحها الجميلة وتمتمت بضيق
" وإن يكن أريد العصير "
لم يستطع إمساك الضحكة القصيرة التي تغلبت عليه فهذه الفاتنة
يبدوا أنها لم تكبر قبل أوانها في كل شيء ، مدها لها قائلا
" خذيها فلم أشرب سوى نصفها "
وضعت القارورة من يدها فورا على المساحة الفارغة من الكرسي
بينهما وأخذتها منه فضحك قائلا
" ظننتها مزحة ولن تأخذيها حقا وأنك ممن يكرهون الشرب
بعد أحد ! "
شعرت بقدر من الماء البارد سكب على رأسها وكاد يغمى عليها
من الإحراج فهربت بنظراتها منه فورا تكاد أصابعها تحطم زجاج
تلك القارورة من شدة قبضها عليها فهي لم تفكر في الأمر من
هذه الناحية وأن تشرب من حيث شرب هو ... يا إلهي ما بها
غبية لهذه الدرجة ؟ عضت شفتها بقوة تعدل بيدها الأخرى طرف
حجابها تخفي ابتسامتها وارتباكها عنه حين رفع قارورة الماء
وشرب منها فأغمضت عينيها تشعر بقلبها ينبض بقوة لكن
تلك الابتسامة سرعان ما تلاشت للعدم حين وصلها صوته قائلا
" ليس جميع الرجال يميزون بين تصرفات الفتاة العفوية
والمقصودة يا تيما فلا تنسي هذا "
نظرت له فورا نظرة ملأها أسى وخيبة أمل وكان ينظر للقارورة
في يده قبل أن يدخل يده في جيبه وأخرج منه شيئا ومده لها مبتسما
ابتسامة مائلة خفيفة فنقلت نظرها ليده ولقطعة الحلوى فيها تأخذ
شكل رأس دب مبتسم مثبتة بأنبوب أبيض طويل وملفوفة بغلاف
بلاستيكي شفاف مربوط بشريطة حمراء فتحولت نظرتها للحنق
سريعا وعادت بنظرها لعينيه وهمست بأسى
" لماذا تكرهني هكذا يا قاسم ؟ "
أغمض عينيه وفتح فمه وكأنه سيقول شيئا وتراجع في آخر لحظة
ثم نظر حيث الطفلة التي مرت قربهما تقفز ضاحكة بفستان قصير
وشعرها الأسود مربوط في جديلتين فأشار لها بالحلوة في يده
يحركها بعشوائية فركضت جهته فورا وأخذتها منه قائلة بابتسامة
" هي لي حقا ؟ "
أومأ لها بنعم مبتسما فقفزت بفرح ثم عانقته وقبلت خده شاكرة
له وغادرت راكضة فنقل نظره للجالسة بجانبه ورفع كتفيه قائلا
بابتسامة
" هي لم تعتبرها إهانة "
أشاحت بوجهها عنه وقالت بضيق
" هي طفلة ، ثم أكنت تتوقع أن أقفز فرحا مثلها ؟ عموما رسالتك
وصلت وبأقسى مما كنت تخطط له "
مد يده لوجهها وأمسك ذقنها وأداره جهته ونظر لعينيها الدامعة قائلا
" لاحظي أنك تحولت لسلبية جدا ناحيتي حتى باتت تصرفاتي جميعها
تفهم بشكل سيء ؟ "
أبعدت وجهها فابتعدت يده عن ذقنها ونظرت لقارورة العصير في
يدها وهمست بحزن
" لأنها الحقيقة "
تنهد بعمق وأعاد وجهها له مجددا وقال بهدوء
" حين اشتريت الماء والعصير البائع لم يكن لديه دراهم ليرجع
لي باقي المال فطلبت منه تركه لنفسه لكنه رفض وأعطاني
تلك الحلوى بدلا عنه "
وتابع مبتسما ينظر للدمعة التي تكاد تنزلق من رموشها الكثيفة
" ولأنك أخذت الماء والعصير كليهما كان عليك أخذها أيضا "
رفعت يدها ومسحت عينيها وزحفت حتى طرف الكرسي وأولته
ظهرها فخرجت منه ضحكة صغيرة وقال ناظرا لها
" حسنا ... أنا آسف "
مسحت دمعتها مجددا وابتسمت بحزن على حماقتها الجديدة وقالت
" بل أنا من عليها قول شيء ما والاعتذار أيضا "
عدل جلسته ولازال نظره عليها وقد تابعت بعبرة مكتومة تمسح
دموعها التي عادت للنزول مجددا
" بعد تلك الليلة تمنيت كثيرا أن رأيتك مجددا فقط لأشكرك وأعتذر
عما سببته لك فلم أكن أستطيع تصور ما كان سيحدث لي لو لم
تكن هناك حينها "
وازداد بكائها وضوحا وهي تقول
" لو أني اكتشفت بأنك مت تلك الليلة ما كنت لأسامح نفسي أبدا
ما حييت ، أنا كنت حمقاء وطفلة وغبية وأستحق ما قد يحدث لي
لكن ما ذنبك أنت ؟ "
تنفست بشهقة وتابعت تبكي بوجع
" تمنيت أن ألتقيك وأن أفعل أي شيء لأشكرك ولم أكن أتخيل أن
لقائنا سيكون أقسى من تلك الليلة وأنا أراك تكرهني بسبب ما حد... "
وقطعت عبراتها كلماتها فقبضت بيدها على ثوبها جهة فخذها بقوة
فوقف وتوجه نحوها وجلس أمامها مستندا بقدميه وأمسك بذراعيها
ينظر لوجهها الذي كانت تنزله للأسفل والدموع تنسكب من رموشها
الطويلة تسقي ذاك القماش الناعم وقال بجدية
" تيما عليك أن تعلمي بأني لا أكرهك ... أنا متأكد من أن ابنة مطر
شاهين ومن تربت على يديه لا تكون من ذاك النوع أبدا لكنك لم
تبرري موقفك ولم تدافعي عن نفسك أبدا وكأنك مدان لا دليل
براءة لديه ، ورغم كل ذلك فالمدان حقا سيختلق الكثير من
الأكاذيب ليبرئ نفسه لكنك لم تفعلي ذلك أبدا فأنتي تتسترين
على أحدهم دون شك فهل تستطيعين قول الحقيقة لي لننسى
ذاك الأمر نهائيا ؟ "
غطت شفتيها بظهر أصابعها ولم تزدد إلا بكاء تتذكر كلمات رعد
عن أنها قد تحتاج لأن تعترف يوما ما لأحدهم كي لا تمتد مأساتها
لأمد بعيد فهل كان يقصده هو ؟
هل عليها فعلا قول ذلك له ؟
لكنها لا تستطيع بسبب هوية عمتها غيسانة ووعدها لها وما قد
تكون النتائج إن علم والدها بما فعلت شقيقته وهي من راسلتها
اليوم وأخبرتها بأنها تمر بمشاكل وصعوبات كثيرة وما أن أخبرتها
عن أن سرهما قد يكشف حذرتها من ذلك وأخبرتها بأنها تعلق
أمالها المتبقية بشقيقها وأنه إن تخلى عنها نهائيا لا تتوقع ما قد
يحدث لها وجل ما كانت تخشاه أن يعلم السبب أيضا خلف إرسالها
لذاك الملهى والقرص الذي كان مع ذاك الرجل وما يحوي .
شعرت بأصابعه ترتخي عن ذراعيها حتى ابتعدتا ووقف على طوله
فرفعت رأسها له سريعا وقالت بحزن
" أنا آسفة "
قال همسا ببرود
" لا يهم "
شعرت بقلبها يتفتت ألما وبأنها تخسره فعلا فقالا معا
" حسنا من .... "
" هو كان .... "
فسكت ينظر لعينيها الزرقاء الدامعة وقد تابعت بعبرة
" هو شقيق امرأة تعمل في الجمعية ، كنت واقفة مع الكاسر حين
اقتربا منا وعرفتنا عليه ثم أخذت الكاسر وغادرت به ولست
أفهم كيف ولا أين ولم أستطع اللحاق بهما لأنه كان يتحدث معي
وبدأ يشرح عن عمله وشركته السياحية وأمور لا أفهمها ولا تعنيني "
وتابعت ببكاء محدقة بعينيه
" أقسم لست أنا من وقف معه فتوقف عن اتهامي دائما أرجوك
فنظرتك تلك تؤذيني كثيرا فأنا لم أعتد عليها أبدا "
نزل لمستواها مجددا وقال بهدوء يمسح دموعها بظهر أصابعه
" لم يكن هذا ما أود التحدث عنه يا تيما فهل لاحظت الآن أنك
أيضا تسيئين الظن بي ؟ جميعنا نخطئ يا ابنة مطر لكننا لا نهتم
إلا لأخطاء من لا نريدهم أن يخطئوا أبدا "
وقف بعدها مجددا وقال
" سننى الأمر نهائيا وما كنت أبدا لأؤذيك به تأكدي من ذلك لكن
جل ما أخشاه أن يفعلها الشخص الذي تدافعين عن سره وبشراسة
وإخلاص وليس ليؤذي علاقتك بوالديك فقط بل وبالشخص الذي
سيختاره والدك زوجا لك "
أنهى عبارته تلك وغادر مبتعدا تتبعه نظراتها الدامعة قبل أن تقف
وتتوجه حيث اختفى مسرعة حتى اجتازت الأشجار التي كانت تخفي
تلك الجهة عنها ونظرت حولها تبحث عنه ولا وجود له بين جميع
الموجودين هناك ، وما أن كانت ستتحرك من مكانها حتى رن هاتفها
فأخرجته من جيب الفستان الجانبي والمخفي بطرازه الواسع ،
نظرت لإسم المتصل ثم أجابت ونظرها لازال يبحث في المكان
" مرحبا كاسر "
وصلها صوته القلق فورا
" تيما أين أنتي يا حمقاء جبت مبنى الجمعية بجميع طوابقه
ولم أجدك ؟ "
مسحت عيناها وأنفها بطرف كمها وقالت بحزن
" أنا في الحديقة قرب الجمعية "
قال باستغراب
" الحديقة !! ما الذي أخذك هناك "
قالت من فورها
" هربت من رجال الصحافة بأعجوبة ووصلت هنا ، أين هي
والدتي هل رأيتها ؟ "
وصلها صوته فورا
" لا فأنا لم أستطع دخول المنزل وحدي كانت ستأكلني حيا إن لم
تكوني معي وسيكون عقابك أقسى طبعا "
تحركت من مكانها فورا قائلة
" سأخرج من هنا حالا ونلتقي فتعالى بسرعة "
وما أن تحركت من مكانها وقفت مجددا ولم تعرف أي اتجاه ستسلك
وأين سيكون المخرج تحديدا فهي لم تدخل هذا المكان سابقا وذاك
المعتوه ذهب وتركها هنا لوحدها بعد أن قال ما قاله وبكل برود
وبساطة وكأن الأمر لا يعنيه ، شعرت بحزن عميق يجتاح قلبها
ونظرت لقارورة العصير التي لم تستطع تركها هناك وبدأت ضربات
قلبها تصعد تدريجيا ما أن فكرت في رفعها لشفتيها والشرب منها
وكأنها سترتكب جريمة وتقبله أمام الناس وليس مجرد قارورة جففها
الهواء ! لكنها لن تستطيع تركها هنا ولا رميها ولو كان الأمر بيدها
لاحتفظت بها لباقي عمرها ، أغمضت عينيها وتنهدت بأسى .. هو
السبب .. أجل هو من أدخل الفكرة لرأسها فهي لم تفهم الأمر هكذا
ولم تتعمده .
ارتجف جسدها وشهقت بصمت والتفتت خلفها بسرعة حتى كادت
توقعها من يدها ونظرت بجزع للواقف أمامها وهمست
" أفزعتني يا غبي "
قال بضيق ممسكا خصره بيديه
" أنا الغبي أم التي تريد الخروج من الحديقة مغمضة العينين ؟ "
نظرت له بصدمة قبل أن تهمس بشك
" وكيف علمت وأنت كنت خلف ظهري ؟ "
اختطف القارورة من يدها ورفعها لشفتيه وشرب ما فيها دفعة
واحدة متجاهلا صرختها المحتجة ولكماتها لكتفه ، رمى القارورة
الفارغة في سلة القمامة الكبيرة قربهما وشدها من يدها وقال
يسحبها خلفه
" جيد أني شربتها قبل أن ترميها ، مختلفة ... فيها طعم
غريب ورائع "
لكمته بيدها الحرة من كتفه مجددا وقالت تنظر لقفاه بأسى
" ما كنت سأرميها لماذا شربتها أنت يا شره ؟ "
سحبها بقوة حتى سارت بجانبه قائلا
" سأعطيك ضعف حجمها في المنزل تحركي الآن قبل أن يشعر
الحراس الجدد بغيابنا "
انتظرتها حتى أنهت كوب العصير الذي أرغمتها على أن تشربه
بأكمله ثم أخدت منها الكوب الفارغ ووضعته على الطاولة بجانبها
ونظرت لوجهها .. عيناها متورمتان بشدة من البكاء وأنفها وخداها
محمران وبشرتها البيضاء باتت أقرب للشحوب وكأنها فقدت عائلتها
للتو ، تنهدت قائلة
" أنتي أفضل قليلا الآن فهل نتحدث ؟ "
نظرت ليديها في حجرها ولم تعلق فتابعت الجالسة أمامها على السرير
" أريد أن أفهم ماريه ماذا حدث وما هذا الذي أخبرك به ؟ "
رفعت نظرها لها وامتلأت عيناها بالدموع مجددا فأمسكت وجهها
وقالت بحزن
" حلفتك بالله يكفي بكاء ستمرضين وأقسم أن أتصل به حينها "
همست بعبرة مكتومة دموعها تتقاطر تباعا
" قتلني ساندي ودون رحمة ، كان عليا توقع ذلك منذ زارني
صباحا في الجامعة "
مسحت الدموع عن خدها وقالت
" هيا توقفي عن هذا واحكي لي كل ما حدث ولن أكون ساندرين
إن لم نعاقب ذاك الهازاني المتعجرف "
مسحت وجنتيها وأنفها بظهر كفها ودست خصلات غرتها الرطبة
خلف أذنيها وبدأت تسرد ما حدث منذ الصباح والدموع التي لم
تسكبها في كل ذاك البكاء انسابت لحظتها وكأنها تفرغ الألم
المكبوت داخلها لأعوام فذاك الرجل عنا لها أكثر من زوج التقته
من أشهر أو أيام قليلة فهو العائلة التي لم تعرفها يوما ووالداها
اللذان فقدتهما صغيرة ولا تذكرهما فأول ما فتحت عينيها عليه
كان وجهه فهو من كان يحملها ويجوب بها المنزل والفناء
لساعات لأن زوجة عمها لم تكن متفرغة لها كما تزعم لتتحول
لمهمة من مهامه هو أحب ذلك أم كره ، إن سقطت كانت يداه
من توقفها .. إن بكت لا أحد غيره يسكتها كبرت لا تعرف
عالما غيره ورغم صغر سنها وقت رحيله واختفائه إلا أنه
ترك فراغا عميقا في روحها لم يملئه أي شيء .
ما أن انتهت من سرد كل تلك الأحداث عبراتها تقطع كل كلمة
تقولها أخرجت لها مجموعة مناديل ومدتها لها قائلة
" تضنين حقا أن ما جعله يتراجع عن أخذك صباحا هو ما كان
يفكر في قوله ؟ قد يكون ثمة ما ضايقه حينها مارية "
نظرت لها باستغراب فقالت ملوحة بيدها
" حسنا اتركي هذا لي "
وتابعت بجدية تضم يديها في حجرها
" ماريه هو أخبرك أنها السبيل لوالدها وأنها مهمة لما لا يكون
كلامه حقيقة ؟ "
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بأسى
" أي مهمة تلك وهو يعمل في تلك المنظمة ؟ ابنة زعيم مافيا
أو تاجر سلاح مثلا ! هذا لا يصدقه أحد أبدا ، هو لم يقل بأنه
يخرج معها ولا يصادقها قال على علاقة بها تعلمين ما معنى
ذلك ساندي ؟ "
مدت يديها وامسكت بيديها الباردتان كقلبها وقالت
" أفهم ماريه وأعلم معنى ما مررت به ولو كنت مكانك لقتلته
بالتأكيد فتلك جريمة في حق أي امرأة "
نظرت بعيدا ودموعها عادت للانسكاب على وجهها هامسة بعبرة
" ليتني مت قبل أن أسمعها منه "
وتابعت وقد نظرت لها مجددا وأشارت لنفسها قائلة ببكاء
" أنا زوجته عليا أن أكون بعيدة عنه وأرى تلك الفتاة برفقته
لا أعترض ولا أمانع بينما لا يجد لي وقتا ولا مكانا في حياته
وعليا أن أنتظر لوقت هو نفسه لم يستطع تحديده "
رفعت الجالسة أمامها شعرها خلف أذنيها وقالت
" علينا معرفة تفاصيل ذلك أولا ماريه ، من تكون تلك الفتاة
وما صلتها بعمله ثم سنحدد ما علينا فعله "
همست تمسك عبرتها
" لن نفعل شيئا فأنا لم يعد يعنيني الأمر "
نظرت لها بشك قائلة
" من قلبك هذا الكلام ماريه ؟ "
قالت مباشرة ودمعتها تتدحرج من رموشها
" أجل "
مدت يدها ومسحتها لها قائلة
" وما تفعل هذه إذا ؟ "
أشاحت بوجهها جانبا وقالت بعبرة
" هو يعلم بأنه لن يكون بإمكاني اكتشاف الأمر بسهولة
ولم يقل ما قاله إلا وثمة ما يخفيه أعظم من ذلك بكثير فليس
تيم من يبرر أفعاله الخفية أبدا "
نظرت لها بتفكير قليلا ولم تستبعد ذلك فما سيجعله يخبرها
بذلك إن كان كشفها له مستبعدا وهي التي لا تخرج إلا لجامعتها
أو في نزهات معدودة لانشغالهما ؟ إن كانت هي التي عاشت حياتها
هنا لم تلتقيه إلا مرات قليلة تعد على الأصابع من ندرتها ولأسباب
منطقية وليس مصادفة فما الذي جعله يخمن أنها ستعلم ! تنهدت
بعمق وقالت
" ماريه اتركي الأمر لي وسأعلم بطريقتي ثم نقرر ولا تتهوري
بفعل أي شيء اتفقنا ؟ "
وقفت بعدها وأخرجت علبة الدواء من جيب بجامتها فتحتها
وأخرجت منها قرصا مستديرا قائلة
" هذا مهدئ ضعيف المفعول سيجعلك تنامين بشكل أفضل "
وتابعت وهي تسكب لها كوب ماء
" ستحتاجينه الليلة لأني أعلم بأنك لن تنامي ولن تتوقفي عن
البكاء وغدا يوم جديد صديقتي الجميلة "
أعطتها قرص المهدئ فأخذته منها فورا وبلعته بالماء ووضعت
الكوب بجانبها فهي تحتاجه فعلا بل لو كان الأمر بيدها لابتلعت
جميع الأقراص ، استلقت تلف جسدها بلحاف السرير تنظر للفراغ
بحزن فرفعت ساندرين كوب العصير الفارغ وعلبة الدواء ثم قبلت
خدها هامسة
" نامي ولا تفكري في شيء وسأوقظك وقت الفجر "
غادرت بعدها وبعدما أطفأت الأنوار وأغلقت الباب بهدوء تاركة تلك
الدموع تسقي الوسادة البيضاء تحتها ، انقلبت على وجهها ودسته
في تلك الوسائد وعادت للبكاء المتقطع الموجع حتى غفت على ذاك
الحال والوضع .
*
*
*
خرجت من المستشفى مسرعة وقبل انتهاء دوامها وموعد
خروجها المعتاد بنصف ساعة ولم تستطع فعلها إلا بصعوبة فقط
لأنه تم اختيارها كرئيسة لممرضات ذاك المشفى الريفي المتواضع
من مدة قريبة ، ذهبت أولا للمنزل المجاور لمنزلهم والذي اختارت
الوصول له من الجهة الخلفية وما أن وقفت أمام سوره رفعت
حجرين من الأرض ورمتهما فوقه وما هي إلا لحظات ووصلها
ذاك الصوت الأنثوي الرقيق من الشق الواسع في الجدار
" فجر ... "
اقتربت من الشق وظهر لها ذاك الجزء البسيط من وجهها وعينها
وحدقتها الخضراء الواسعة فأدخلت لها مرهم الحروق الصغير قائلة
" هذا آخر ما يمكنني جلبه لك يا مايرين "
مدت أصابعها من الشق وأمسكته بأطرافهم قائلة بحزن
" لكنه لم يشفى بعد ولست أفهم لما ؟ "
تنهدت فجر بضيق وقالت
" لأنه حرق بشع كوجهيهما ، استمري في دهنه بزيت الزيتون
دائما ولا تغطيه وسيشفى سريعا "
ثم نظرت حولها لمساحة المزارع الشبه خالية خلف حيهم ثم
عادت بنظرها لها وقالت
" ما هي الأمور لديك ؟ "
قالت بحزن ومرارة
" كما هي عليه وها قد بدأ جسار بنقل بعض أغراضهم الخفيفة
بالخفية فيبدوا أن مهلته لي ستتقلص لأقل مما كان "
تنهدت بعجز محركة رأسها بأسى ثم قالت
" علينا إذا التحرك قبله يا مايرين وأن ننفذ خطتنا قبل خطته "
نظرت لها بخوف وقالت
" فجر أبعدي تلك الفكرة من رأسك فلن نجد شابا ساذجا أبدا
ليصدق كذبتنا تلك "
قالت من فورها وبإصرار
" لن نجد شابا ساذجا بالتأكيد لكننا سنجد شخصا يخاف على
نفسه هنا أكثر من غيره .. رقيق قلب طيب لا يحمل الخبث والمكر
الموجودان في جينات أبناء الجنوب "
تنهدت بقلة حيلة هامسة
" أنا خائفة من حلك هذا يا فجر فليس ينقصني أقاويل "
قالت مغادرة لا يصلها إلا صوتها
" اتركي الأمر لي مايرين "
وتحركت من هناك بخطوات واسعة ودارت حول الجهة الأخرى من
المنزل ودخلت الأحياء مجددا واجتازت حيهم مسرعة تنظر خلفها
كل حين تخشى أن تظهر سيارة والدها في أي وقت ولن تستغرب
أن يصدمها بها إن وجدها تجوب الأحياء .
وصلت مكانها المقصود تلهث بتعب بسبب ركضها فما أن اجتازت
حيهم حتى تركت قدماها للريح فبما أنه وقت الذروة فالحركة في
البلدة تكون شبه معدومة والوقت يداهمها وعليها فعل ما تخطط له
قبل وقت عودتها للمنزل .
أمسكت بطرف باب محل البقالة تتلقف أنفاسها ودخلت فورا
فلا وقت أمامها ولا لتنظيمها ، وقفت أمام الذي قال مبتسما
" مرحبا بالفجر في وقت الظهر "
أمسكت أنفها وتنفست من فمها بقوة وما أن أبعدت أصابعها
حتى عطست بقوة درجة أن أدمعت عيناها وقالت بصعوبة تهف
بيدها على وجهها
" لست أفهم لما المبيد الحشري وأنت تبيع الأطعمة ؟ "
عطست مجددا وتابعت بضيق
" أين وزارة الصحة عنك ؟ على مطر شاهين أن يزور
الجنوب سريعا "
ضحك الجالس خلف الطاولة وقال
" ما أبيعه هنا مجرد معلبات وأطعمة مغلفة ففيما سيضرها المبيد
الحشري ؟ ثم أنا استخدمته بالأمس أنتي فقط من يستطيع
استنشاقه اليوم "
عطست للمرة الثالثة وحركت أنفها بأطراف أصابعها بقوة ثم
فتحت حقيبتها بسرعة وأخرجت منها منديلا وغطت به أنفها
وفمها وقالت ناظرة له
" أخبرني ما حدث معك بشأن ما طلبته منك ؟ "
قال مبتسما
" الأمر الأول تعني أم الآخر ؟ "
قالت من فورها
" هات الأول فإن لم يجدي سنستعين بالآخر "
حرك رأسه مبتسما وقال
" حسنا ... بشأن ذاك الرجل المدعو حازم عمار فقد تقصيت عنه
كما طلبت مني ، هو من غرب صنوان عائلته يعيشون هناك وتم
توضيفه هنا في المدرسة الثانوية القديمة حتى يتم بناء الأخرى
حسب أوامر الزعيم ابن شاهين هي والمستشفى الجد... "
قاطعته ملوحة له بيدها الحرة
" أجل .. أجل أعلم كل هذا فقل المفيد عنه بسرعة لا وقت لدي "
أومأ موافقا وقال
" ما لا يعلمه أحد عنه أن والده يريد تزويجه بابنة شقيقه مرغما
وهذا سبب موافقته على العمل هنا وهو تشاجر مع ابن عمه أيضا
وتم اعتقالهما لأسبوعين كاملين الشهر الماضي "
شدت قبضتها قائلة بضيق
" سحقا هذا لن يجدي ، ضننت أننا وجدناه أخيرا "
نظر لها باستغراب فتابعت مباشرة
" هات الأمر الآخر فلا مناص منه على ما يبدوا "
فتح درج الطاولة الخشبية وأخرج لها ورقة مدها لها قائلا
" هذا هو رقم هاتفه حصلت لك عليه بالأمس فقط "
أخذتها منه سريعا فقال ناظرا لها
" لست أعلم فيما تفكرين فعلا يا فجر لكني سأنصحك مجددا
بأن اللعب مع عائلة غيلوان ليس أمرا سهلا أبدا "
نظرت للورقة في يدها ثم له وقالت
" لكن أويس مختلف عنهم ثم هو محام ويعلم جيدا معنى
الظلم والاضطهاد "
رفع كتفيه قائلا
" يبقى ابن تلك العائلة وهم لا يغفرون الزلات أبدا ولا ينسون
حقدهم بسهولة ووضع مايرين بالنسبة له متأزم جدا كما تعلمي "
وتابع بجدية محدقا بعينيها السوداء الواسعة
" وها أنا أنصحك مجددا يا فجر ابتعدي عن مشاكل تلك الفتاة
كي لا تتأذي أيضا فأن تكوني إحدى ضحايا تلك العائلة معناه أن
تعاني وللأبد سواء كان المدعو أويس أو غيره "
قبضت أناملها على الورقة في يدها وهمست مغادرة من عنده
" لن أقف أتفرج عليها وإن دق شعيب غيلوان عنقي بقدمه "
*
*
*
حاولت النظر من فوق كتف الواقف أمامها وتأففت قبل أن
تقول بضيق
" ابتعد قليلا لأرى أين تكون محاضرات ذاك الجنوبي المغبر اليوم "
التفت لها الواقف أمامها ورفع كفه معتذرا بابتسامة ثم تنحى جانبا
وواصل حديثه مع الواقفين معه ونظرت هي لتلك الجهة من جدول
المحاضرات المعلق على الجدار تتبع بإصبعها اسم
( أويس عبد الجليل غيلوان )
وابتسمت ساخرة تتمتم وإصبعها على اسمه
" هه ... يومان في الأسبوع فقط ؟ حمدا لله لذلك لا أتشرف برؤيته
في الجامعة دائما .. عاش الجنوب الذي ينقذ البشرية منك "
" عذرا إن أنتهيت من تقفي أثري فابتعدي لأرى الجدول الجديد "
شعرت بأنها تحولت لتمثال فرعوني لا شيء يتحرك فيها سوى
حدقتيها البندقيتان اللتان مالتا جانبا ما أن سمعت ذاك الصوت
الرجولي الكسول الساخر خلفها والذي تميزه عن أميال ، ابتلعت
ريقها بصعوبة ولم يكن أمامها سوى مخرج واحد لتغادر منه
وهي الجهة اليمنى فعلى يسارها يقف مجموعة من الشبان وهو
يقف خلفها مباشرة فحركت قدمها ببطء لتتسلل من هناك فأوقفتها
اليد التي استندت على الجدار بجانبها وقد أصبحت محاصرة به
تماما تشعر بأنفاسه على شعرها الناعم القصير فأغمضت عينيها
متشهدة على نفسها وليست تفهم متى سيتركها هذا الرجل وشأنها
وما هذه الجريمة التي يعاقبها عليها هكذا ؟ إن كان المدعوا تيم
كنعان لوجدت له عذرا أما هذا فما علاقته بالأمر ؟ همست من بين
أسنانها ليسمعها وحده لانشغال الموجودين قربها بما يتحدثون عنه
عن التغيرات في جدول محاضراتهم
" أبعد يدك لأغادر "
همس من خلف أذنها تشعر بجسدها ارتجف بأكمله لتعمده
الاقتراب منها أكثر
" يمكنك المغادرة من تحتها من منعك ؟ "
زمت شفتيها بحنق وتصنمت مكانها ، لابد وأنه يخطط لأمر ما
ولن تعطيها له أبدا فليست تستبعد حتى أن يركلها بقدمه ما أن
تنحني للأسفل أو أن يسقطها انتقاما مما قالته ، أغمضت
عينيها لبرهة وكما اعتادت حين تتصرف بجنون ودون تفكير
في العواقب هدفها النتيجة فقط التفتت له بكامل جسدها وكاد
يغمى عليها حين أصبح ملتصقا بها تقريبا وعلمت حينها بأنه لا
تراجع أبدا عن جنونها ذاك خاصة وأن من يقفون قربها تحول
انتباههم لهما وهي تكاد تكون في حضنه فأغمضت عينيها بشدة
من هول موقفها تكاد تبكي وهمست
" ابتعد ... ابتعد يا وقح "
لكن الواقف أمامها لم يعر كلامها أي اهتمام وقد حرك رأسه
يحاول رؤية ما يخفيه رأسها أمامه فكادت تنهار على الأرض
فكيف نسيت بأنه ابن الجنوب وستنتهي مهمته هنا في أي وقت
ويغادر وللأبد أما هي فباقية في هذه المدينة بل والجامعة التي
هذا عامها الأول فيها وسيصبح هذا المشهد على سيرة كل لسان
ولن تستطيع إنكار الشائعات مهما حاولت .
همس في أذنها وكأنه يتعمد إظهار المشهد كلقاء غرامي حقيقي
وعلى العلن
" حاولي التحرك فقط وقسما أن أسحبك لحضني لتتعرفي على
الجنوبي المغبر عن قرب "
بدأ ارتجاف جسدها يزداد وضوحا فهي وإن كانت منذ طفولتها
معتادة على التصرف بشجاعة حد التهور إلا أنها لم تقف ملتصقة
بشاب هكذا من قبل فاحتكاكها حتى بزملائها كان عمليا جدا حتى
في المدرسة سابقا ولم تكن على علاقة بأحدهم يوما لأن أهم ما
لديها كان دائما أن لا تفقد ثقة والدها الذي رباها وهو كان ينبهها
بهذا الخصوص منذ مراهقتها فإن خسرته ستخسر كل ما يربطها
بالحياة لأنها تحبه وبجنون .
عاد للهمس في أذنها مجددا وبابتسامة
" إن كنت تري اللعب معي مسليا فعليك أن تغيري فكرتك تلك ...
أما بالنسبة لي فاللعب معك متعة لا نظير لها "
وما أن أنهى جملته تلك ابتعد محررا لها أخيرا وغادر وتركها
أكثر شحوبا من الجدار خلفها ، يهددها وعلانية ! سحقا له
سيرى ما هو الأ..... صرخت ما أن حاولت التحرك من هناك
تشعر بشيء ما شد شعرها للخلف بقوة آلمتها بشدة بسبب
تحركها السريع والمفاجئ ودمعت عيناها ليس من الألم وحده بل
ومن تلك الضحكات قربها ، أدارت يدها خلف رأسها تحاول فك
خصلة شعرها تلك مما علقت فيه فاكتشفت أنها ملفوفة حول
أحد المسامير الجانبية المعكوفة والتي تستخدم لتتبيث اللوح
على الجدار وكانت ملفوفة حوله في الاتجاهين مما يجعل فكها
مستحيلا ، سالت دمعتها على خدها وهي تحاول تخليص نفسها
ودون جدوى تستمع لتلك التعليقات الضاحكة وتشعر بأنها
باتت والأرض سواء
( كل هذا من تأثير اللقاء والحضن ؟ )
( أين هو ليخلص أميرته العالقة ؟ )
وارتفع الضحك والصخب حين قال أحدهم
( أثمة أمل في أن يطول شعرك قريبا وتبتعدي قليلا لنرى
اللوح خلفك )
وغادروا ضاحكين دون أن يهتموا لمساعدتها ، وما ستتوقعه
منهم فهم في النهاية يشبهون ذاك المتعجرف .. بل هي الحمقاء
أكان إحساسها ميت درجة أنها لم تشعر بأنه كان يلف
شعرها حوله ؟
مسحت دمعة جديدة سقطت من رموشها ورفعت حقيبتها لمستوى
وجهها وفتحتها تحاول النظر داخلها لتتمكن من إيجاد المقص
الصغير الذي تحتفظ به فيها وما أن وجدته رفعته خلف رأسها
وقصت به تلك الخصلة لتتحرر قبل أن يشهد عليها المزيد من
الطلبة ، التفتت للخلف وفكت شعرها من ذاك المسمار بحركة
عنيفة غاضبة ثم غادرت من هناك بخطوات غاضبة تشعر
بالأرض تشتعل تحتها حتى وصلت ممر المكاتب الطويل وعبرته
تفتش بنظراتها فيهم وحتى الأبواب المغلقة فتحتها ، وقفت عند
آخر مكتب في الممر وقبضت على خصلة الشعر في يدها لا
شعوريا وهي تنظر للجالس في الداخل وحده موليا الباب ظهره ،
تنفست بقوة وغضب ودخلت وما أن رفعت يدها وشعرها فيها
تصنمت مكانها وهي تنظر للهاتف في يده وللرقم الغير مسجل
لديه يتصل دون توقف قبل أن يرفع الهاتف لأذنه قائلا
" نعم من معي ؟ "
سكت قليلا ثم قال باستهجان
" من فجر ؟ "
رفعت حاجبها باستغراب وأنزلت يدها حين قال ببرود
" أجل يبدوا أني عرفتك ... ماذا تريدين ؟ "
ابتسمت بمكر ، جميل يبدوا لديه لائحة طويلة حتى أنه لا يذكر
أسمائهن ، أخرجت هاتفها بسرعة وخفة وسجلت الرقم قبل أن
تنساه فهي تحفظ أي رقم ما أن تراه لكنها لا تتذكره لفترة
طويلة ، نظرت لقفاه مجددا وبصدمة حين قال بضيق
" أنا لا أعرف واحدة اسمها مايرين تفهمين هذا ؟ "
ابتسمت بسخرية تراقب أصابعه التي مررها في شعره الأسود
الناعم ، رائع هذه واحدة أخرى وتبدوا أجنبية ! مستورد ممتاز
هذا الرجل الجنوبي .
ارتفع حاجباها بدهشة حين شد على نهاية شعره بأصابعه قائلا بحدة
" لا يعنيني سماع ما يحدث أو سيحدث معها ولتجد حلا لمشاكلها
بعيدا عني "
تراجعت خطوة للخلف حين فصل الخط ودس رأسه بين يديه
متكأ بمرفقيه على ركبتيه وابتسمت بسخرية ... هه يبدوا يحبها
أيضا ومتألم لما يحدث معها وإن كابر وأنكر ، وقعت بين يداي
يا ابن غيلوان .
خرجت من هناك تنظر لهاتفها مبتسمة بانتصار وما أن خرجت
لحديقة الجامعة اتخذت مكانا منعزلا واتصلت بذاك الرقم الذي
لم تجب صاحبته إلا بعد وقت حتى يئست أن تسمع صوتها ،
قالت من فورها وكأنها ما صدقت أن أجابت عليها
" مرحبا آسنة فجر "
وصلها صوتها المستغرب بعد برهة
" من أنتي ؟ "
تنحنحت قليلا وابتسمت بمكر قائلة
" أنا سكرتيرة السيد أويس عبد الجليل حجاج غيلوان وهو
من طلب مني الاتصال بك وكلفني أن أهتم بموضوع المدعوة
مايرين ... أعني كحلقة وصل بينكما "
ابتسمت بانتصار حين قالت من في الطرف الآخر وبسعادة
" حقا قال هذا ؟ كنت أعلم بأنه رجل نبيل وشهم ومختلف عن
عائلته ولن يرضى لها الذل والتشرد ، إنها فتاة مسكينة ولا يد
لها فيما حدث في الماضي "
انفتحت عيناها على اتساعها وقالت بحماس
" يمكنك شرح الأمر لي لنتناقش فيه ونرى الحل الذي يمكنني
مناقشته مع السيد أويس "
بدأت تلك بسرد القصة من بدايتها ومن دون طلب أو إلحاح
فكانت نظراتها تتسع بصدمة كلما تغلغلت في الحكاية أكثر تعض
شفتها بتوعد لانتقام يليق به وبما فعل بها ، تركتها تحدثت للنهاية
ثم قالت " آه ... امم ... أنا ... لا أعتقد أن الأمر هين ويسهل
إيجاد حل له .... أعني حقيقة الأمر أنا سمعت القصة ناقصة
منه وأردت المساعدة لذلك تحدثت معك لكني لم أكن أعلم بأنها
معقدة هكذا وفيها تهمة شرف ونسب مجهول لكني سأحاول
إقناعه مجددا "
قالت ما قالته لتضمن أنها لن تتصل به مستقبلا وتكشفها رغم
يقينها من أنه لن يكتشف أنها من اتصلت بها مهما فكر ولا أن
المعلومات وصلتها من خلالها .
وصلها صوتها قائلة بخيبة أمل
" أيمنكنك المساعدة حقا ؟ "
قالت من فورها
" سأحاول جهدي ... وداعا الآن عليا المغادرة "
أنهت الاتصال معها وضربت راحة يدها بطرف الهاتف وهمست
مبتسمة بمكر
" جهز نفسك للعقاب فلست وحدي التي ستكون علكة في أفواه
الطلبة هنا "
رفعت حقيبة اليد الخاصة بالفستان وخرجت من ملحقها ساحبة
الباب خلفها متنهدة بابتسامة ... وأخيرا عشاء عمل ، لم تصدق
أذناها حين قال لها ذلك فهذه الأمسيات هي الجنة بالنسبة لها
فليست تهتم فيها بما يناقشونه من أعمال ومشاريع بل تستمتع
بالأكل الفخم في جو مميز وأحاديث مسلية وضحك حين يبتعدون
عن مجال عملهم قليلا ، زفرت بكآبة وهي تغلق الباب .. يا الهي
هل باتت مدعاة للشفقة لهذه الدرجة ؟ هي من كانت تعيش كإحدى
الأثرياء رغم محاصرة شقيقها لها وحرمانها من الخروج ما أن
تسقط الشمس خلف الأفق وكأنها خفاش ! حاولت مرارا أن
تقنع نفسها بالتحدث معه لكن كبرياءها منعها فهو رماها هنا
وعلى هذا الرجل وغادر ولا تستبعد أن يهينها ويجرح كرامتها
أيضا كما فعل عمه حين اتصلت به ، ثم تلك الحمقاء ابنته أخبرتها
أن سرهما سيكشف ... غبية وطفلة كان عليها أن لا تعتمد عليها
وأن لا تثق بها فما سيكون رد فعل مطر إن علم ؟ يا إلهي لا
يمكنها تخيل ذلك خاصة بعد الإمساك بذاك الرجل ، هي تعلم بأن
تلك الفتاة جبانة أغلب الأحيان لكنها موقنة أيضا من أنها تحفظ
الأسرار جيدا وتفي بالوعود كما أنها لا تكذب مطلقا وهنا تكمن
المشكلة أي إن وضعت بين خياري الصدق والكذب أمام والدها
فستختار الأول سريعا ودون تراجع لأنه لن يرضى بخيار ثالث
ولا إن كان الصمت .
انتبهت من أفكارها على انفتاح باب الشقة قربها وخروجه منها
ينظر لقفل الباب الذي يغلقه بالمفتاح فلوت شفتيها .. هذا الرجل
يشبه شقيقها لا يكبر في العمر أبدا ، أحيانا تشعر بأنه بجانبها
يكاد يكون في ذات سنها وليس يكبرها بستة عشر عاما تقريبا
وأن له ابن في السادسة والعشرون ومتزوج أيضا ! لا تتمنى أن
تلتقي ذاك الابن أبدا كي لا تكتشف بأنها تظهر أمامه وكأنها والدته .
ابتسمت ببرود ما أن نظر ناحيتها وكما توقعت جال بنظره على
فستانها أولا وكان بدون أكمام طويل لكنه مفتوح حتى الفخذ ،
أدارت حدقتيها الخضراء جانبا وتنهدت بضيق ما أن قال ما
تتوقعه جيدا
" كم مرة سأعيد ما قلته يا غيسانة ؟ "
مطت شفتيها وقالت ببرود ولازالت تدير حدقتيها بعيدا عنه
" أجل فأنت تخرج بي للعشاء كل ليلة "
" غيساااانة "
أشعلتها نبرته الحادة فورا فنظرت له وقالت بضيق
" ملابسي جميعها هكذا فمن أين سأحضر غيره الآن وبماذا ؟
ثم لا تنسى بأنك السيد كروس وبأني جيسي وبأننا انجليزيان حاليا
فهل تريد أن أرافقك بجلابيبكم السوداء السخيفة تلك كالغراب "
صرخ فيها فورا رافعا سبابته مهددا
" هذه آخر مرة تتحدثي فيها عن أمر يخص الإسلام أمامي أو قسما
أنا من سيجعلك تكرهينه وبشكل أبشع ، ثم أتعجبك حياتكن كالحيوانات
ترتعن في الشوارع عاريات وكل امرأة فيكن ملك لجميع الرجال "
فتحت فمها لتتحدث وعادت وأغلقته سريعا وقد شعرت بألم تلك
الصفعة عليه وكأنها الآن وتعلم بأن ذاك ما سيكون مصيرها إن
فعلتها وتحدثت عن زوجته تلك ، زمت شفتيها بحنق حين قال بضيق
" أنا من سيشتري لك ملابسك وسترمي جميع ما لديك "
فتحت فمها لتتحدث فقال بحزم قبلها
" ووحدي ... "
ثم نزل السلالم وتركها فضربت الأرض بقدمها بحنق وتحركت
خلفه ولا يحق لها أن تعترض طبعا لأنها من وقع على تلك
البنود البائسة ، وصلت السيارة وركبت بجانبه ضاربة الباب
خلفها وانطلقا فورا فأشاحت بوجهها جهة نافذتها تتأفف كل
حين وليست تتخيل أن تسوء هذه الليلة أكثر من هذا ، لكن المفاجأة
كانت في انتظارها ما أن وقفا بالسيارة وقد نظرت بصدمة للمطعم
ذو الواجهة الخشبية قبل أن تنظر له قائلة باشمئزاز
" هنا سيكون اجتماع عشائكم ؟ "
نظر لها وقال ببرود
" أجل ألا يعجبك المكان ؟ ليس من أشهر مطاعم لندن طبعا لكنه
مطعم فخم بالنسبة للبسطاء و .... المعدومين "
شد على الكلمة الأخيرة متعمدا فزمت شفتيها تحاول كبت ألم إهانته
وهمست ببرود
" أنت المعدوم فأنا شقيقي رئيس بلاد بأكملها "
كانت تعلم بأنه سيسخر منها فهو أكثر من يعرف بأنه رماها
عليه وسافر لكنها حقيقة لا يمكنها نكرانها ، فتح باب السيارة
وقال بسخرية وهو ينزل منها
" أخشى أن هذا اللقب لن يدوم طويلا إلا إن كنت تجهلين من
يكون مطر شاهين "
فتحت بابها وتمتمت بحقد وهي تنزل
" أجل أعرفه يشبهك في كل شيء ... أحمقان وتافهان "
ضربت باب السيارة وسارت خلفه قائلة بضيق
" انتظر لندخل معا أتريدنا أن نكون سخرية للجميع هنا أيضا "
وقف والتفت لها وفاجأها حين لم يعلق أو يسخر منها بل ورفع
لها مرفقه فرفعت حاجبيها تنظر له باستغراب ثم تحركت ناحيته
وحضنت ذراعه بيدها ودخلا معا فلا بأس في هذا فهي ترى جيدا
نظرات النساء له ثم لها وهي تدخل خلفه ، كان المطعم كما أخبرها
عنه فخما من الداخل عكس مظهره الخارجي وعلمت أنها ليلة
حظها فالأطعمة ستكون رائعة بالتأكيد ، لكن سعادتها تلك ماتت
سريعا ولم تكن تتوقع أن تلك الليلة تحمل لها مصائب أكبر حتى
وقع نظرها على الجالسان عند إحدى الطاولات وكانا
( آرمان وباربرا )
فشعرت بأطرافها تجمدت فلم تخفى عليها أبدا تلك النظرة التي
رمقتها بها الفتاة ، نظرت للممسكة بذراعه بتوجس وتمنت لحظتها
أن لا يكون قد لاحظ وجودهما وستجد فيما بعد حلا لتلك الحمقاء
العاشقة ، لكن أملها مات سريعا حين وجدته ينظر لطاولتهما تحديدا
ثم سار بها هناك فشعرت بأن نهايتها المحتمة قد حانت وعليها
أن تتصرف ولا تتركه يطيل البقاء معهما ، وصلا عندهما فوقفا
لهما فورا وقال الواقف بجانبها مبتسما
" نعتذر على التأخير "
فنظرت له بصدمة كادت تفقد أنفاسها معها قبل أن تحرك حدقتيها
بتوجس جهة التي كانت تبتسم لها بسخرية فنظرت له مجددا وهمست
بعدم استيعاب
" أهذا هو عشاء العمل ؟ "
نظر لها وقال بملامح جامدة
" أجل هو عمل داخلي فقد اتفقت وآرمان اليوم أن ننهي العمل وقت
العشاء ولأني متفرغ الليلة عرضت عليه الأمر وحين علمت أنه
على موعد مع باربرا اعتذرت لكنه أصر "
زمت شفتيها ونظرت هذه المرة لذاك الأشقر الوسيم والذي أهداها
فورا ابتسامة ماكرة فأمسكت معدتها وقالت مغادرة
" لا أشعر أنني بخير وسأنتظرك في السيارة فلا تتأخر "
وغادرت المطعم من فورها تلعن آرمان وتلك البلهاء ونفسها أيضا ،
ليست تعلم لما لا تنجح مخططاتها أبدا وأي لعنة هذه التي تتبعها
حيثما ذهبت ؟
فتحت باب السيارة وجلست في كرسيها وأغلقته خلفها بقوة
ونظرها لم تزحه عن باب المطعم تقضم ظفرها وتحرك قدمها بتوتر ،
سيعلم منهما بالتأكيد ولن يتوانيا عن إخباره هذا إن لم يكن يعلم
أساسا ، شهقت بصدمة ما أن لامست تلك الفكرة عقلها فهل يكون
يعلم فعلا ومنذ التقى آرمان في مكتبه ولعب بها هذه اللعبة ؟ لا
لا لكان أخبرها وصرخ بها كالعادة فور عودتهما وما كان جلبها
هنا أساسا ! أمسكت رأسها بيدها متمتمة بأسى
" رباه كن معي أرجوك "
انتفضت في مكانها ما أن اغلق الباب بجانبها ونظرت بتوجس للذي
خرج من المطعم وفتح الباب وجلس ولم تشعر به ! راقبت ملامحه
المسترخية باستغراب فلا يبدوا أنه علم منهما لكن ما الذي أخرجه
سريعا ! بلعت ريقها وشعرت بارتياح نسبي ما أن تحرك بالسيارة
قائلا ببرود
" كيف هي معدتك الآن ؟ "
نظرت له بصدمة وتحكمت بها سريعا قائلة
" أفضل بقليل "
ورمشت بعينيها حين تابع طريقه دون أن يعلق أو أن ينظر
ناحيتها وابتسمت براحة فيبدوا أنهما أجبن من أن يخبراه أو أنهما
ظنا بأنه قد يصدقها ويكذبهما هما إن اختلقت أي حكاية غير الحقيقة .
وصلا لموقف السيارات ونزلت تتبعه في صمت لا تريد شيئا سوى
أن تصل لغرفتها فلم تعد ترغب بشيء ولا بالطعام ، ولم تسأله
حتى لماذا ألغى عشائه معهما رغم يقينها بأن مرضها المزعوم
لن يكون السبب ولا يملك هذا الرجل أي مشاعر ناحيتها ولا
حتى الشفقة .
لم تشعر بالراحة التامة إلا حين أصبحت في غرفتها فرمت حقيبتها
على السرير وضحكت بمرح ثم ارتمت عليه بجانبها تنظر
للسقف لتموت تلك الضحكة ما أن سمعت صوت رنين رسالة
وصلت هاتفها وخمنت فورا ممن ستكون فلا أحد غيره يملك
رقمها بل لا أحد لها غيره الآن بعدما جردوها من كل شيء ،
جلست وفتحت الحقيبة بتوتر وأخرجته منها ونظرت لرسالته
وعيناها تكادان تخرجان من مكانهما
( مخصوم من راتبك النصف ولثلاثة أشهر )
شهقت بصدمة وصرخت بغضب
" وفيما سيكفيني النصف ؟ "
وقفت مسرعة وبغضب وما أن تحركت من مكانها حتى رن هاتفها
معلنا وصول رسالة أخرى فرفعته بعنف وفتحتها وكان فيها
( أي اعتراض سيخصم نصف النصف الباقي )
رمت الهاتف على السرير بقوة شاتمة بحنق وتوجهت للحمام
تشتم فيه بكل ما استطاعت قوله
*
*
*
ضمت ذراعيها أكثر تتكئ بذقنها عليهما احتضنت مسند الأريكة
الجانبي تركيزها وانتباهها بعيدان جدا عما يعرض على شاشة
التلفاز أمامها والذي كان حوارا تلفزيونيا يضم مجموعة ناشطات
حقوقيات والنقاش محتد حول التغييرات الجديدة في القوانين الخاصة
بالمرأة ومحور الحديث هو الظهور الأخير لمطر شاهين في
ساعات الصباح الأولى مزلزلا الصحافة الداخلية والعربية بما أدلى
به بخصوص تلك القوانين والدعم الجديد والقوي لجمعية الغسق
والضربة الموفقة كما سمينها لصالح المرأة في البلاد والتي
ستشكل رعبا حقيقيا للرجل فأن يقف القانون معها وبهذا الشكل
القوي فيما يخص العديد من القضايا وأهمها العنف الأسري
والزواج القسري وصولا لعمليات الاغتصاب بل وحتى محاولة
فعلها فمعناه لا استهانة أبدا بقوة حقوق المرأة في القضاء مستقبلا ،
وها هو مطر شاهين يتوج بلقب جديد لن يكون الأخير بالتأكيد وهو
( مناصر المرأة القوي )
تنهدت بأسى ووقفت مغادرة من هناك وتوجهت لممر مكتب
والدتها فهي لم تخرج منه اليوم تقريبا ولم تتحدث مع أحد
منهم وانغمست في ذاك المكان بين اتصالات وأوراق وملفات ،
وحتى ابنة خالتها جليلة زارتها هنا مع امرأة أخرى ودخلتا لها
للمكتب فور وصولهما ولم تغادرا إلا بعد ساعات وليست تفهم
ما هذا الذي يعملون عليه هنا ولما لم تذهب للجمعية ولمكتبها هناك
بل نقلت العمل بأكمله هنا !! حتى وقت العشاء خرجت وجلست
معهم تأكل في صمت ولم يستطع أحد شدها لأي موضوع مما
تحدثوا فيه .
وقفت أمام باب المكتب وأغمضت عينيها متنهدة بحزن فإن كانت
هي لم تستطع تخطي الصدمة حتى الآن ولا أن ترسم ابتسامة
وإن مجاملة بعد ما حدث فكيف بها هي وإن كابرت وتجلدت بالصبر
بل وحتى إن كانت تعلم بذلك مسبقا فأن يشهر ذلك وعلى العلن
ومع مكانتهما في البلاد ووضعه الحساس تكون كارثة على
جميع الأصعدة وأولهم مشاعرها كأنثى .
شدت قبضتيها بقوة تنظر للأرض تحتها تشعر بقلبها يتفتت ألما
عليها فليس لها أن تتخيل أن تكون زوجة لرجل تحبه وبشغف
ثم تكتشف بأنه ثمة امرأة أخرى في حياته ... خيانة ! وجرح ..
وألم ، وبدلا من أن يبرر موقفه ويبرئ نفسه وإن كاذبا يعترف
وبكل بساطة وأمام الجميع !! مسحت دمعة عانقت رموشها
ورفعت قبضتها للباب وطرقته بخفوت فوصلها فورا صوتها
من الداخل
" لا يمكننا التحدث الآن يا تيما "
فضمت قبضتها لصدرها ونزلت دموعها تباعا ، كانت تعلم
بأنها سترفض الحديث عن الأمر لكن .... هو حقا لم يكن لديه
حبيبة هناك ، هي متأكدة من ذلك ..... لكنه اعترف بنفسه ! قد
يكون لأن الأمر حدث في الماضي لكن جرحها مايزال نازفا كما
فهمت منها تلك الليلة والأسوأ من ذلك أن يكون الأمر لازال
موجودا وتلك المرأة لم تختفي من حياته بعد والأعظم أن تكون
والدتها تعلم بذلك ، أغلقت فمها بيدها تمسك عبراتها وليست
تفهم إن كان يحبها فلما سيخونها مع أخرى ؟
غادرت من هناك راكضة وصعدت السلالم وتوجهت لغرفتها
ولسريرها فورا ... للشيء الوحيد الذي لن يرفض احتضان
دموعها وألمها بل ولن يطردها أو يأمرها بالصمت .
بكت كثيرا ونيابة عن الجميع بل هي منذ أصبحت هنا لم تتوقف
عن البكاء ... تنام كل ليلة تحلم بعائلة متماسكة وبوالدين سعيدين
يكونا كليهما آخر من تراه ليلا وأول من تبدأ نهارها به وليسا
غريبان هكذا متباعدان ومجروحان ... تعلم أن والدها يتألم أيضا
وإن كان يخفي ذلك خلف الصمت والكبرياء لكنها وحدها من كان
يستطيع قراءة نظرته تلك حين قال ما قاله وأمام الملأ وخروجه
السريع بعدها .
غادرت السرير تمسح دموعها ودخلت حمام الغرفة واستحمت
مطولا رغم أن آخر ما كانت قد تفكر فيه هو الاستحمام والنوم
في المياه الدافئة مغمضة العينين تحاول نسيان كل شيء وأن
لا تفكر في كل ما حدث ، كم تحتاج لجدها دجى الآن ... تشعر
بأنها حزينة وضائعة ووحيدة .. كان هو داعمها القوي دائما ..
كان يفهمها ويشعر بها دون أن تتحدث .. يمسح دموعها قبل أن
تنزل ويشعرها بأنه ثمة حلول لجميع مشاكلها مهما ازدادت تعقيدا .
خرجت من المياه الدافئة ولفت جسدها بمنشفة الحمام وخرجت
للغرفة لبست ملابس النوم وجففت شعرها سريعا واندست في
أغطية سريرها بعدما أطفأت جميع أضواء الغرفة لتسبح في ظلام
دامس ساكن جعل دمعتها تنزلق مجددا ، رفعت يدها ومسحتها
سريعا حين انفتح باب الغرفة ببطء وتسلل النور منه طويلا
مستقيما فأغمضت جفنيها مسدلة رموشها المبللة بالدموع
على تلك الأحداق الزرقاء الواسعة تشعر بضربات قلبها تئن
مع تلك الخطوات التي تقترب منها بهدوء حتى شعرت بتلك
الأصابع الباردة تمسح الدموع من رموشها ثم تلك الشفاه الناعمة
تقبل جبينها ببطء فانزلقت دموعها رغما عنها وهي تسمع
همسها الخافت
" سامحيني بنيتي "
قبضت أصابعها على قماش اللحاف الناعم وهي تشعر بيدها
تبتعد عن شعرها برفق ثم تلك الخطوات تغادر كما دخلت ففتحت
عينيها الدامعة تراقب ذاك النور الذي بدأ ينحصر في مجال ضيق
حتى اختفى نهائيا حين أغلقت الباب خلفها فحضنت الوسادة
ودست وجهها فيها تبكي بصمت ، كم تمنت أن فتحت عينيها
وجلست لتعلم بأنها مستيقظة وأن تحدثتا معا وتشاركتا الهموم لكن
ذلك مستحيل ... أجل هي تعلم بأنه مستحيل فكل واحدة منهما ترفض
إخراج ما في قلبها كي لا تجرح الأخرى وتصدمها وفهمت الآن
لما كانت ترفض أن تشرح لها سبب رفضها العودة لوالدها .
جلست مفزوعة بسبب صوت الرسالة التي وصلت لهاتفها
ووضعت يدها على قلبها فهذا الصوت بات يفزعها في أي وقت
وبسبب أو بدونه ، رفعته بتوجس وعضت طرف شفتها ما أن
فتحتها وقرأت ما فيها
( لازلت مستيقظة ؟ )
ترددت كثيرا قبل أن ترسل له
( أجل )
ولم تستطع كتم شهقتها حين ظهر رقمه على الشاشة فمررت
أصابع يدها الأخرى في غرتها للخلف لتتحرر متناثرة مجددا
على جبينها وأطراف وجهها ، أغمضت عينيها وتنفست بقوة
لتهدئ من ضربات قلبها المتلاحقة وكأنها خيل تعدوا مع الريح
ثم فتحت الخط ووضعته على أذنها فوصلها صوته الرجولي
العميق فورا
" ثمة خبر قد يعجبك "
زمت شفتيها وغضنت جبينها مقربة حاجبيها الرقيقان وقالت
ببحة وأسى
" إن كان بخصوص ذاك الرجل فلا تقله رجاء "
وصلها صوته المستغرب مباشرة
" ما به صوتك هكذا ! هل أنتي مريضة ؟ "
مررت أصابعها على نحرها نزولا لصدرها وهمست بإحراج
" لا ... أنا بخير "
ساد الصمت من طرفه للحظات قبل أن يقول
" أكنت تبكي يا تيما ؟ "
عضت شفتها ولم تستطع قول شيء لا الكذب ولا الاعتراف
بالحقيقة فوصلها صوته جادا هذه المرة
" لن يغير بكائك شيئا في واقعك ، أنتي تضرين نفسك فقط بهذا "
لم تستطع السيطرة على دموعها التي انسابت على وجنتيها ببطء
وقالت ببحة بكاء
" لماذا قال ذلك ؟ هو يحبها أقسم لك فلما فعل ما فعله ؟ كيف
يخون الرجل امرأة يحبها ؟ اشرحها لي ! "
وصلها صوته فورا
" لا أحد يملك جواب هذا السؤال غيره يا تيما ولا يمكننا الحكم
لا على أسبابه ولا أسباب والدتك فماضيهما وحدهما من يعرفانه "
غطت عينيها الباكية بكفها ولم تعلق فوصلها صوته قائلا
" هيا توقفي عن البكاء لتسمعي ما سأخبرك به "
رفعت رأسها وقالت بضيق من بين شهقاتها
" لا أريد أن أعرف عنه شيئا "
ضحك ضحكته قصيرة منخفضة وقال
" ضننت أننا اتفقنا أن لا نتحدث عن الأمر ؟ "
وتابع من فوره
" تيما لما لا تنظري للأمر من ناحيته الإيجابية بدلا من
البكاء هكذا ؟ "
حركت يدها قائلة بضيق
" أي ناحية إيجابية في انفصال والديك واتساع الفجوة بينهما ؟
أنت لن تشعر بما أشعر به أبدا "
أغلقت فمها بيدها مصدومة حين استفاقت لنفسها ولما قالت
فهمست بإحراج
" آسفة ... أنا حقا آسفة لا أعلم كيف قلت ذلك أ ..."
قاطعها بهدوء
" لا بأس لم أغضب منك فأنا لست أفكر في وضعي مثلك لأني
أنظر للأسوأ مني دائما "
أخفضت كتفيها قائلة بأسى
" آه قاسم بربك ما الأسوأ من فقدانك لوالديك ، لست أتخيل إن
فقدتهما أين سأجد الأسوأ مني ؟ "
قال مباشرة
" بلى إنه أقرب لك مما تتصورين "
همست بصوت مصدوم
" أقرب لي مما أتصور ! "
" أجل ... الكاسر "
قالها دفعة واحدة كصفعة قاسية ومباشرة فأمسكت قلبها وقالت
بضياع
" الكاسر شقيقي ؟ "
قال بجدية
" أجل فلما لا تنظري لوضعه أمامك ؟ هو فقد والديه من قبل
أن يراهما والآن إن تحقق ما تحلمين أنتي به فسيفقد من أخذت
مكانهما في حياته "
شعرت بقلبها انقبض بقوة وتقاطرت دموعها مجددا وقد همست بعبرة
" لا والدتي لن تتخلى عنه أبدا "
" بلى ذاك ما سيحدث فهل برأيك سيرضى بأن يعيش معها في
منزل والدك ؟ وماذا عن رماح ووضعه وماذا عن عمتهم ؟
منزل والدتك هو الذي يجمع أبناء شراع مهما تفرقوا يا تيما ؟ "
حركت رأسها برفض تغرس أسنانها في شفتها السفلى بقوة
تنظر للأعلى والدموع تتقاطر من جفنيها الواسعين تحاول كبت
عبراتها التي فقدت سيطرتها عليها سريعا وبدأت بالبكاء وقد
ارتمت على السرير وانزلق الهاتف من يدها وبعيدا عنها ،
هي لم تفكر هكذا ! لم تفكر فيهم أبدا وخصوصا شقيقها الكاسر
فهو بالفعل يرى فيها أبويه اللذان فقدهما رضيعا بل هي تعني
له أكثر من ذلك بكثر فحديثه عنها لا يتوقف أبدا ، ذكريات
طفولته جميعها مرتبطة بها كما أحلام مستقبله ، ورغم يقينه
من أن مطر شاهين الشخص الوحيد الذي قد يجعله يفقدها كان
متحمسا لرؤيته ويتحدث بفخر عن كل ما يفعله بل ويواسيها
ويمسح دموعها كلما تحدثت معه عنهما ويؤكد لها دائما بأن
والدتها سترجع له وبأنهم سيكونون عائلة مجددا ، كان في كل
مرة يواسي جرحها برش الملح على جرحه .. تبث له وجعها
متناسية أوجاعه الأقسى من أوجاعها .
قبضت على اللحاف تجمع ذراعيها فوق رأسها تدفن عبراتها
فيه ولم تعد تعلم أفصل الخط أم تحطم هاتفها على الأرض التي
انزلق من السرير إليها فلم تسمع رنينيه بعدها حتى نامت وهي
على حالتها تلك دموعها تسقي تلك الأغطية البيضاء .
*
*
*
جلست أمامها وقالت بضيق تمسح دموعها بالمنديل الذي تلطخ
بسواد كحل عينيها مرارا وتكرارا
" آستريا توقفي عن البكاء ، أنتي ستؤكدين ما قيل إن رآك
الجميع هكذا في الحفل "
أبعدت يدها عنها وقالت ببكاء
" لا أريد أن أتزوج .. لما يكون الأمر بالإكراه ؟ كيف نسيتم أن
والدي وعدني ومنذ صغري أن أختار أنا من أتزوجه ومتى
سأتزوج ولم يجبرني في حياته أبدا ولم يسألني حتى لما "
تنهدت الجالسة أمامها بقوة وقالت
" لأنه ليس في صالحك آستريا فلم تنسي بالتأكيد ما قاله ساجي
وهو سينفذ قسمه ويعاقبك بالصلب في ساحة البلدة حتى تموتي
جوعا فأنتي تعرفيه جيدا يفعلها دون تراجع "
ضربت بقبضتها على صدرها وقالت بنحيب
" راضية وقلتها له مرارا فليقتلني بالطريقة التي يشاء لكن لا
يزوجني به ، ثم أنا مسلمة ولا أتزوج من غير المسلم "
أغلقت لها فمها بيدها وقالت بحدة
" أصمتي يا غبية أتريدين أن يسمعك أحد ؟ لن تنجي من هذا
الزواج بهذه الطريقة ولا تعتقدي بأنه حلك للأمر "
دفنت وجهها في كفيها تبكي بألم وحسرة فشعرت بيدي شقيقتها
الوحيدة على كتفيها ووصلها صوتها الحزين قائلة
" ارحمي نفسك آستريا أرجوك فهو لا يستحق كل هذا وقد تزوج
ولم يفكر بك "
رفعت رأسها ونظرت لها وقالت ببكاء
" لا لن يفعلها .. اقسم لن يفعلها وهو سبق ووعدني "
قالت الجالسة أمامها بضيق
" ساجي خرج للعاصمة أي أنه علم بذلك وهي الحقيقة آستي
عليك تصديقها "
صرخت من فورها
" كاذب ... هو أخبرني بأنه سيعيش على أمل لقائنا حتى يموت ...
رعد لا يكذب أبدا بينما ساجي بلى "
أغلقت لها فمها مجددا قائلة بحدة
" اقسم أنك تحفرين قبرك بيديك يا حمقاء وإن سمعك أحد وعلم
دونسوا بما تقوليه فستعيشين حياة مأساوية معه "
أبعدت يدها عنها وقالت ببكاء
" لن أعيش معه ولا أريده لما لا يفهمون هذا ؟ "
وتابعت بعبرات تفتت الحجر وقد أمسكت بيديها برجاء
" أشعروا بي لما لا يرحمني أحد ؟ أنا أتعذب شقيقتي واقسم
بأني سأموت إن عشت مع رجل غيره ، لا حياة لي مع سواه
لما لا تفهمون هذا ؟"
ضمتها لحضنها فورا تنسكب دموعها مع عبراتها ولا حل في
يديها تقدمه لها ولا تريد أن يؤذيها شقيقها فهي تعرفه جيدا
فما أن علم بما يشاع عنها جن جنونه وكاد أن يقتلها لولا سنمار
منعه من ذلك ونقلها لمنزله منذ ذاك اليوم خوفا عليها من غضب
ساجي الذي كان يتوعدها طوال الوقت فقرر سنمار تزويجها
لينقذها من الموت على يدي ذاك المتهور فهو يعلم بأنه سيفعلها
ودون تردد ، ولم يخبروها بالأمر إلا اليوم وها هي منذ الصباح
على هذه الحالة ، كم تمنت سابقا رؤيتها هكذا عروس وبثوب
زفاف قبائل ثنان كما تمنت والدتهما ذلك قبلهما لكنها كانت
ترفض وتتهرب وكان والدها يساندها في ذلك كلما رفضت خاطبا
تقدم لها ووقف في وجه أبنائه الثلاثة مانعا إياهم من إجبارها
لكن والدهم اختفى الآن ولا أحد يمكنه ردعهم عنها .
مسحت على شعرها البني الطويل قائلة بحزن
" كان عليك أن لا تقطعي عهدا آستي فالنساء لا يمكنهن الوفاء
بالعهد كالرجال "
وحين لم تعلق على ما قالت وقفت مبتعدة عنها وغادرت المكان
الذي يخصصونه لتزيين العروس وتركتها مع دموعها وبكائها
تقبض يداها بقوة على قماش ذاك الفستان تنظر له على جسدها
وكأنه كفن موتها تتقاطر دموعها عليه تسقيه ألما وحسرة وقد
تدلت خصلات شعرها الطويل المموج تنزلق على بشرة ذراعيها
الثلجية وتداعب أزهاره الجميلة ترسم معهم لوحة فنية شديدة
الجمال لا يشوهها سوى تلك الدموع المتناثرة كحبات ألماس
تلمع في النور الخفيف تحكي مأساة حب ونهاية عشق وبداية
ألم قد لا ينتهي أبدا .
لم تندم يوما على اعتناقها الإسلام إلا الآن فقد تمنت لحظتها أنها
على ديانة ثنان لكانت قتلت نفسها دون تردد .. لاختارت الموت
على أن تكون لرجل غيره ، أمسكت فمها بيدها وازداد بكائها
وعبراتها وهي تتذكر كلماته ووعوده تلك وكأنها اليوم لم
تنساها لحظة
( لن تأخذ امرأة غيرك مكانك في قلبي آستريا فإما أن نكون
معا أو أعيش وحيدا ما حييت )
) إن تزوجت يوما مرغمة من غيري فلا تحاولي إخباري آستريا
لأني لن أكون لامرأة أخرى في جميع الأحوال)
( إذا آستريا لرعد يوما ما (
وقفت على طولها ونظرت حولها تمسح دموعها بعنف ،
عليها أن توقف هذا الزواج وبأي طريقة كانت ، هي تفضل
الموت على النوم في حضن رجل غيره وستفعل أي شيء
وإن قتلت نفسها ، توجهت لباب الخيمة وفتحته ثم سرعان
ما عادت وأغلقته مجددا وهي ترى الموجودات هناك ولن
يفارقن الباب حتى وقت خروجها بالتأكيد فتلك عاداتهم ، نظرت
حولها ورفعت السكين الذي كان قرب صينية الفاكهة التي
أحضرتها لها شقيقتها ورفعته أمام وجهها فها هو خلاصها
بين يديها ، ركضت للجهة الخلفية للخيمة وشقتها بالطول
بصعوبة بسبب سماكة القماش الذي يستخدم في صنعها ، أبعدت
طرفي الشق بيديها قليلا ونظرت للمكان فكان خال تماما رغم
أضواء الزينة فيه ، أغلقت الشق ونظرت خلفها ثم فتحته على
اتساعه وخرجت منه بصعوبة وغادرت الخيمة وركضت مسرعة
ترفع فستانها الطويل بيديها وكل ما تفعله هو الركض .. الركض
ودون توقف أو التفات رغم يقينها من أن الفرار من هناك مستحيل
لكن لا حل غيره أمامها فإما أن تنفذ بجلدها من ذاك الزواج أو
تقتل وتختفي من الوجود للأبد لذلك لم يكن أمامها سوى أن تركض
وتركض فقط مبتعدة عن كل ما تركته خلفها من ضجيج وموسيقى
غافلة عن العينين التي كانت تراقبها بصمت وتلك الابتسامة
الساخرة ممن أخلت لها المكان عمدا قبل أن تهمس بمكر
" رائع .. فعلتها كما توقعت آستي وستري ما سيكون حجم
خسارتك الآن "
وغادرت من هناك ضاحكة
اتكأت بجبينها على راحة يدها لينسدل ذاك الشعر البني
متدرجا على أصابعها ورسغها تنظر للأوراق تحتها تمسك قلما
باليد الأخرى ولم يعد يمكنها رؤية ولا استيعاب أي شيء مما
يقوله الواقف هناك يتحدث دون توقف ، تشعر برأسها سينفجر
من شدة الألم في صدغيه وبعينيها تؤلمانها بشدة بل وجسدها
بأكمله يوشك على الإنهيار فقرص المهدئ الذي أعطتها إياه
ساندرين البارحة لم يجعلها تنام سوى لساعة ونصف وامتدت
بعدها ليلتها طويلة كئيبة بائسة لم تستطع إبعاده عن أفكارها ولا
إيقاف دموعها حتى تسرب ضوء الفجر من نافذة غرفتها ، وبعد
إصرار قاتل من ساندرين وافقت أن تذهب للجامعة فكل ما كانت
تردده حانقة
( هل تريدي أن يعلم بأنك لم تذهبي لأنك مريضة
بسبب حبه وخذلانه لك ؟ )
ولأنها وجدت بأنه معها حق ركبت سيارتها وغادرت المنزل بل
ولندن بأكملها باتجاه كامبريدج وها هي تدفع الثمن الآن فيكاد
يغشى عليها في مكانها .
" ماري !! "
رفعت رأسها ونظرت للواقف أسفل المدرج .. صاحب الشعر
الأشقر الخفيف والجسد الطويل النحيل يمسك ورقة في يده والذي
قال ما أن نظرت له
" هل أنتي متعبة ؟ "
نظرت ليديها ما أن التفتت الرؤوس لها وهمست ببحة تعدل أوراقها
" قليلا "
" يمكنك المغادرة "
رفعت نظراتها المستغربة به ولم يكن ذاك حالها لوحدها بل جميع
من يجلسون معها هناك فهو لم يفعلها سابقا وكان صارما جدا
فيما يخص حضور محاضراته ويبدوا أن البحث الذي قدمته
الأسبوع الماضي شفع لها عنده فقد أمضى قرابة العشر دقائق
يمدحه ويثني عليه ، أو أن حالتها المزرية من وجهها الشاحب
وصولا لعيناها المجهدتان من البكاء والسهر وجفناها المحمران
حتى الآن جعلاه يشفق عليها في أول بادرة في تاريخه ...
أي أنها ستكون أبشع حالة مرت عليه !
وقفت وجمعت مذكراتها وأوراقها في صمت وغادرت فلن ترفض
هذه الشفقة أبدا لأنها باتت مدعاة لها بالفعل وهي حقا لا يمكنها
أن تتحمل الجلوس لساعة أخرى وليست تعلم أين ستكون
أفضل مثلا ؟
ليس ثمة مكان سيشعرها بالراحة ولا منزل عم والدتها
أو سريرها فالألم يفتك بقلبها ويحرق مشاعرها أينما كانت ،
قد تعتاد هذا بعد أيام أو أشهر أو حتى أعواما طويلة لكنها
ستعتاد الفكرة نهاية الأمر وتتعايش مع عالمها الخالي منه
بالتأكيد .. ستعتاد العيش دون أن تحلم به أو تنتظره كما تعايشت
سابقا مع مارية المشوهة في نظر الجميع .
مسحت دمعة تسللت من رموشها وتابعت سيرها في أروقة مبنى
الجامعة تحضن مذكراتها بقوة نظرها على خطواتها تحتها فلن
تبكي مجددا ولن تبكي أكثر من ذلك بل لن تبكيه أبدا .
" ماااريه "
نظرت حيث الصوت الرجولي الذي ناداها من بعيد جهة
صناديق الاقتراع الخاصة بالإنتخابات الطلابية فأشارت له بيدها
متابعة سيرها فلا يمكنها التحدث مع أحد الآن وخصوصا كين
فسيسألها عن سبب حالتها المزرية تلك ولن تستطيع التهرب منه
كالمرة الماضية ، غادرت من بوابة الجامعة تشعر بضجيج الطلبة
حولها وكأنه زلزال يضرب رأسها ولم تعد تحتمل سماع أي صوت
ولم تشعر ببعض الراحة حتى أصبحت في مواقف السيارات أو
هكذا خيل لها فالمفاجأة كانت في انتظارها هناك وعلمت حينها
بأن نهارها الطويل القاسي لم ينتهي بعد ما أن وقعت عيناها
على الواقف بعيدا يتكئ بظهره على سيارته الجاغوار البيضاء
مكتفا ذراعيه لصدره ينظر لها بصمت وتركيز نظرة جعلت قلبها
ينفعل بطريقة جنونية ، تبا له فما كان يجب أن يحدث حينها
هو أن يتفجر الألم القوي في أعماقها ما أن تقع عينيها عليه لا
أن ينفعل بحمق كالسابق .
كان بملابس سوداء تماما كلون سترتها القصيرة وبنطلونها
المصنوع من القماش الفاخر وكأنهما اتفقا على خوض معركة
موحدة هذه المرة وفي كل شيء .
أبعدت نظرها عنه وتحركت من هناك بخطوات سريعة جهة سيارتها
يتلاعب الهواء بسبب حركتها تلك بخصلات شعرها البني حول وجهها
وبغرتها الناعمة التي لم تهتم ولا بإبعادها عن مجال الرؤية أمامها
فليست تريد سوى الابتعاد عن هنا ولأي مكان وإن كان للماضي
المظلم الخالي منه ، لكن ذلك أيضا لم يكن لها السلطة المطلقة
لفعله فقد أوقفتها بسهولة أصابعه التي التفت حول ذراعها بقوة
وقد أدارها ناحيته فورا وجمدت نظراته على وجهها وعيناها ما
أن نظر لها عن قرب وقد اكتحل جفناهما باحمرار رسم عليهما
الألم وخيبة الأمل فبدأت أصابعه تشتد على ذراعها تدريجينا
ولازال محدقا بهما فأشاحت بوجهها عنه تكره أن يشهد على
تحطمها بسببه وعلى مخلفات تمزيقه لمشاعرها ، وكم تمنت
لحظتها أن عاندت ساندرين ولم تأتي هنا أبدا .
حاولت سحب ذراعها منه لتتابع طريقها لكن قوة سحبه لها كانت
أضعاف قوتها وهو يبتعد بها جانبا تسير خلفه مجبرة لإحكام
قبضته على ذراعها حتى ابتعد بها عن حركة الموجودين هناك
وإن قلت إلى أن وصلا لأحد الأرصفة خلف صفين متراصين
من السيارات وأدارها جهته وقال بلهجة فضة قاسية ينظر لعينيها
" ما هذا الذي تفعلينه بنفسك مارياا ؟ "
سحبت ذراعها منه بقوة وبحركة عنيفة حتى أفلتها وقالت بسخرية
تنظر له من بين خصلات غرتها التي عبثت بها الريح أمام عينيها
" ما الذي أفعله أنا بنفسي ؟! "
لوح بيده قائلا بحدة
" بلى أنتي فلا مبررات لما فعلته أبدا سوى بأنه حمق وقلة تفكير "
كان رد فعلها ابتسامة ساخرة أخرى اعتصرتها من أعماق قلبها
راجية أن تخفي الموت البطيئ الذي كانت تشعر به في أعماقها
وقالت محدقة بعينيه الغاضبة
" لن أصدق أنك قد تبحث لي عن مبررات كي لا تجدها ! ثم هلا
أخبرتني ما جاء بك إلى هنا ؟ ولا تقل من أجلي فلن أصدق بأنك
ستنتظر واقفا هناك لساعة حتى وقت مغادرتي "
ولم تستطع أن تخفي تكسر صوتها وهي تتابع متشدقة
" أم أن حبيبتك الانجليزية تدرس هنا ؟ "
قست عيناه السوداوان لتصبحا حجرين غاضبين فشعرت بأن
موقفها تحول للأسوأ لكنها لن تبالي ولن تصمت ككل مرة ما أن
يصرخ بها ويأمرها وكأنها ما تزال تلك الطفلة أمامه ، أمسك
بذراعيها بقوة وقال بغضب
" المرأة الذكية قد تجد حلا مع مراوغتها وحركاتها السخيفة
لكن ما الحل مع الحمقاوات منهن ماريا تكلمي ؟ "
أبعدت يديه عنها وقالت بغضب مماثل
" سأكون حمقاء فعلا إن قلت غير ذلك واجزم بأنك كسرت قلبي
وسخرت من مشاعري بالأمس ثم ذهبت لها "
ضربته بسبابتها على عضلة صدره صارخة بمرارة تنظر
لعينيه بانكسار
" أقسم لي الآن بأنك لم تكن معها البارحة ما أن تركتني أنا خلفك "
شعرت بتلك الكلمات خرجت كالأشواك من أوردتها وتنفست بقوة
علا معها صدرها وهبط عدة مرات وقد بدأت الدموع تسقي حواف
تلك الرموش الكثيفة ما أن طال صمته وتحديقه بعينيها تشعر بنار
الغيرة تشتعل بداخلها كالسعير فهمست بمرارة لم يعد يمكنها اخفائها
كما الدموع التي ترقرقت حارة في عينيها
" أتعلم ما المشكلة بي يا تيم ؟ "
وتابعت بسخرية امتزجت بالكثير من الألم تشير بسبابتها لنفسها
ولازالت تنظر لعينيه
" أني أستسلم دائما لأحلام تدفعني للإيمان بأنها واقعية "
تحولت نظرته للغموض فجأة ولم يعد يمكنها قراءة أفكاره
وساورها ارتباك مخيف فتحركت مجتازة له لا تريد سوى الابتعاد
عنه فلن تسمح له بأن يسيطر على مشاعرها أبدا ، لكن ذلك
لم يتحقق أيضا وقد أمسك بذراعها مجددا وسحبها جهة السياج
الحديدي وأوقفها عليه وأمسك وجهها بيديه ورفعه له ناظرا
لمقلتيها الذهبيتان السابحتان وسط بركة الدموع الرافضة أن
تفارق رموشها وقال بحزم
" هي لا تعنيني في شيء ماريا "
ابتلعت غصة مرارة أنهكت دواخلها وهذا ما كانت تتوقعه تماما
سيتحاول التلاعب بوتر مشاعرها ناحيته ، أغمضت عينيها ببطء
وقد قالت بخفوت
" اختر بيننا إذا "
أبعد يديه عن وجهها وقال بضيق
" ماريا سبق وقلت بأنها مجرد جسر للوصول لوالدها فلا تجعليني
أندم على إخبارك بذلك "
نظرت له بجمود وقد ارتفعت أنفاسها تدريجيا تكابد دموعها
وهمست بإصرار
" اختر بيني وبين مهمتك إذا "
أشاح بوجهه جانبا وخلل أصابعه في شعره يتنفس بقوة وعيناها
الدامعة معلقتان به فعليه أن يختار وإن كانت حقا مجرد مهمة
كما يقول فهي لن ترضى بأخرى تشاركها فيه وتحت أي مسمى
كان فليس ثمة أنثى تعشق بصدق ترضى بأن تناصفها إحداهن
من تحب فإما أن يكون لها لوحدها أو لا شيء مطلقا ، فستفضل
الموت بعيدا عنه على أن تقف وتصفق له وهي ترى غيرها في
حضنه وتأخذ مكانها في كل شيء فالحب لا يقبل القسمة أبدا ..
أناني .. متملك .. يريد كل شيء له أو لن يتنفس أبدا ولن يدوم .
انزلقت أول دمعة من رموشها لتحتضنها وجنتها المحتقنة بالدماء
تراقب نصف وجهه المقابل لها لازال يشد شعره بأصابعه للأعلى
وصمته لا يزيد وجعها إلا حدة ويعطب جرحها المفتوح لينزف
دون توقف وقد بدأت تفقد أملها الكسير شيئا فشيئا وهي تراه
يخرج أصابعه من شعره تاركا له حرية التنفس مع الريح وقد
حول نظره للأسفل وهو ينزل يده لجيب بنطلونه الخلفي وأخرج
منه هاتفها ، وضعه في يدها التي أمسكها وقال ببرود ناظرا له فيها
" سلمتك عنقي بالأمس إن أردت الانتقام مني "
وما أن أنهى جملته تلك تركها وغادر تتبعه دموعها التي انسابت
تباعا وهي تراقبه يتوجه لسيارته وقد ركبها وغادر فورا دون
حتى أن ينظر ناحيتها فنزلت للأرض تحضن مذكراتها تبكي
بمرارة تدفن وجهها ودموعها فيهم .
*
*
*
فتح الباب ودخل ملقيا التحية على الجالس خلف الطاولة والذي
وقف له فور دخوله فأغلقه وتوجه نحوه وقد خرج له من خلف
طاولته تلك وصافحه قائلا
" أعتذر على تركك تنتظر سيدي فالأمر كان خارجا عن إرادتي "
جلس على الكرسي قائلا
" لا بأس فأنا لم أنتظر طويلا "
جلس ذاك مكانه السابق وقال
" بما يمكنني خدمة النيابة العامة ؟ أنا تحت أمركم "
نظر للأسفل وتنهد بعمق ، هو لم يستخدم صلاحياته في السابق
من أجل أي أمر لم تصدره المحكمة أو مكتب المدعي العام لكن عليه
أن يعلم الحقيقة وإن جزء منها فقط قبل أن يفقد عقله تماما بسبب
التفكير في حل لغز لا يملك منه شيئا فهو لم يعد ينعم ولا بالنوم
والراحة وهذا هو سبيله الوحيد فهو لن يضر أحدا بهذا فقط بعض
المعلومات وانتهى كل شيء .
دس يده في جيب سترته وأخرج له صورتها ومدها له قائلا
" أريد معرفة كل ما يخص هذه الفتاة ، هي حالة كانت لديكم هنا "
أخذها منه ونظر لها لبرهة عاقدا حاجبيه وكأنه يحاول تذكرها
فهي كانت أصغر سنا حين دخلت هذا المصح لكنها قضت وقتا
لابأس به عندهم ولن يصعب عليه التعرف عليها بالتأكيد ، نظر
لها مطولا ثم مدها له قائلا
" اعذرني قد لا أستطيع إفادتك في هذا "
أخذ الصورة منه وقال
" ولما الرفض ؟ هي مجرد حالة سأطلع على ملفها وبسرية تامة "
حرك رأسه برفض قائلا
" اعذرني سيدي لا يمكنني خدمتك بشيء صدقني "
شد أصابعه على الصورة بقوة وقال
" اعتبره أمر من مكتب المدعي العام "
بسط كفيه قائلا من فوره
" لست أرى أي أوراق لديك "
تنفس بقوة وقال مخاطرا حتى بنزاهة عمله هذه المرة
" سأكتب لك ورقة إن كان هذا ما يرضيك "
جمع كفيه مشبكا أصابعه وقال بأسف
" حتى مركزي هنا لا يخولني بذلك فالنزيلة آنجي جاكس
لا معلومات مدونة في ملفها قد تفيد أي أحد في أي شيء ،
ولست أعلم لما إن كان هذا سؤالك التالي "
وقف حينها على طوله ولم يعلق وهذا ما توقعه فهي دخلت
هذا المكان بشخصية مزورة لذلك جلب الصورة معه ، إذا تخمينه
صحيح ولها يد في تلك الجريمة وإن قانونيا فقط ، وقف الجالس
خلف الطاولة وقال
" يمكنني أن أدلك على عنوان الطبيب الذي كان مشرفا على
حالتها فهو من قد يملك ما تبحث عنه فوحده من كان يحتك بها
بشكل مباشر ومن كان شفائها التام على يديه "
دس الصورة في جيبه قائلا
" جيد أعطني إياه "
فتش عن ورقة كتب فيها الإسم والعنوان ثم شقها ومدها له
وقال ما أن أخذها منه
" لا تخبر أحدا أني من أوصلك له أرجوك سيدي "
رفع نظره من الورقة التي كان يطويها وقال باستغراب
" ولما ؟ هذا مجرد عنوان طبيب ! "
قال من فوره
" الفتاة كان موصى بها بعناية كبيرة ولا أحد يسمح له ولا بالاقتراب
منها غير ذاك الطبيب والممرضتان اللتان دخلتا المصح بدخوله
وخرجتا وقت خروجه فقد أتورط في أمور ومشاكل تفقدني
عملي سيدي "
أومأ برأسه موافقا وهمس يفتح الورقة مجددا
" كن مطمئنا تماما "
وعقد حاجبيه فور أن قرأ اسم ذاك الطبيب فهو لم يهتم بداية
الأمر برؤيته ليكتشف الآن بأنه عربي !! لكن لما وما الهدف
وما الذي يخفونه !
دس الورقة في جيبه وصافح ذاك الرجل وشكره وغادر من هناك
وليس يفهم لما تتشابك خيوط حكايتها كلما قام بفكها أكثر فمن هذا
الذي وراءها ويدعمها بقوة وسرية هكذا ! بل ويطمس شخصيتها
الحقيقية أيضا وكأنه يحميها من أمر ما !! من سيكون يا ترى بما
أن مطر شاهين أنكر ذلك سابقا ! عليه أن يزور ذاك الطبيب
وفي أسرع وقت ممكن ليفهم منه فمؤكد يملك الكثير ليخبره عنه ،
هذا إن لم يتكتم كالجميع وحينها سيضطر للضغط عليه وسيتحدث
وإن بالتهديد .
*
*
*
وضعت كوب القهوة على الطاولة ونظرت لساعتها متنهدة بملل
لحظة أن انفتح باب المنزل فعقدت حاجبيها تنظر باستغراب للتي
دخلت وأغلقته خلفها تحمل مذكرات في يديها بملابس أنيقة
وجميلة زادها ذاك الجسد المتناسق روعة وشعر بني ناعم وصل
لنصف ظهرها ، لم تتبين شكلها جيدا لأنها لم تنظر ناحيتها بل
سارت يسارا مباشرة لحظة أن خرجت ساندرين من جهة أخرى
وتوجهت نحو السائرة هناك فوقفت فورا ونظرت لها فهي تنتظرها
هنا من ربع ساعة تقريبا ووالدتها أخبرتها بأنها أبلغتها بوجودها
واعتذرت منها لأنها كانت مضطرة للمغادرة من أجل موعدها مع
طبيب الأسنان ، وقفت في مكانها لم تتحرك منه تنظر للتي مرت
من أمامها متجاهلة لها وكأنها لا تراها وقد لحقت بالتي توجهت
هناك حتى أدركتها منتصف ممر غرفتها وأمسكت بذراعها قائلة
" ماريه انتظري ... لما عدت باكرا و ما.... "
شهقت بقوة حين وجدت أن حالتها ازدادت سوءا عن الصباح
وقالت بصدمة
" ماريه ما بك هل ..... "
قاطعتها هامسة بحزن
" أجل جاء للجامعة اليوم "
أدارتها جهتها جيدا حتى أصبحت مقابلة لها تماما وقالت بتوجس "
ماذا حدث ؟ هل ساءت الأمور بينكما أكثر ؟ "
حركت رأسها بالنفي ولم تعرف ما تقول وكيف تشرح عما حدث
تحديدا فمررت أصابعها في غرتها بعنف قبل أن تحررها مجددا
قائلة بضيق
" لا شيء لديه ليقوله سوى الصراخ والأوامر وحين خيرته بيننا
قال مجددا بأنها مجرد مهمة فخيرته بيني وبين مهمته تلك "
وضعت أناملها على شفتيها تنظر لها بصدمة هامسة
" خيرته بينكما ؟ وماذا كان جوابه "
أشاحت بوجهها جانبا وتقاطرت دموعها وقد قالت بسخرية
تنطق مرارة
" لم يقل أي شيئ طبعا فلا يمكنه أن يختارني أنا "
وتحركت من هناك فورا فشدت ساندرين على أسنانها هامسة
بغيظ تنظر لها وهي تدخل غرفتها ضاربة بابها خلفها
" ياله من بغيض "
قبل أن تلتفت للتي وقفت خلفها مباشرة فنظرت لها ببرود وتحركت
مجتازة لها فأمست بيدها وأوقفتها قائلة
" ساندي اتركينا نتحدث واستمعي لي مرة واحدة أرجوك "
استلت يدها منها وقالت بضيق
" اسمي ساندرين ولا حديث بيننا مفهوم ؟ "
تأففت في وجهها بضجر وقالت
" كثر من ينادونك ساندي ولا مشكلة لديك ! "
تكتفت وقالت ببرود
" أجل الذين أحبهم فقط أما الغاضبة منهم فلا وخاصة أنتي "
تنهدت كنانة بقلة حيلة قائلة
" اقسم لم أقصد ما حدث ساندي ، كنت فقط أريد ممازحتك
بالصورة ولم أتخيل أن يضعها في إعلان .. اقسم لك بذلك "
أشاحت بوجهها عنها وتمتمت بسخرية
" هه صدقتك فعلا "
أمسكت بيدها وقالت برجاء
" ساندي نحن صديقتا طفولة بل وشقيقتان وليس لإحدانا شقيقة
غير الأخرى فلما نترك أمرا كهذا يفرقنا ؟ "
أبعدت يدها قائلة بضيق
" حمدا لله بات لديا شقيقة أخرى أوفى منك فابحثي أنتي لنفسك
عن واحدة تشبهك "
قوست شفتيها وبدلت ملامحها للحزن قائلة
" حقا أصبحت تكرهينني ساندي ؟ "
أولتها ظهرها وكتفت ذراعيه مجددا وقالت كاذبة
" أجل وفوق ما تتصورين "
ضمتها من ظهرها واتكأت برأسها على كتفها قائلة بابتسامة
" كاذبة لو كان كلامك صحيحا لقلتها في وجهي ، هيا ساندي
سامحيني قسما لن أكررها مجددا "
ابتعدت عنها والتفتت لها وقالت بتهديد
" أبدا أبدا ... ؟ "
رفعت سبابتها لشفتيها وقبلتها قائلة
" قسما برب الكعبة لن أفعلها مجددا ولست أعرف شخصا اسمه
رواح ضرار بعد اليوم "
نظرت لها بشك فأنزلت كتفيها متمتمة بضيق
" هيا ساندي لقد أقسمت واعتذرت فما بقي أيضا ؟ "
لوت شفتيها قليلا ثم قالت
" حسنا سامحتك "
قفزت وحضنتها قائلة بضحكة
" وأخيرا .... ما أطول غضبك وما أسوده يا ابنة الحالك "
أبعدتها عنها قائلة بضيق
" لأنها الطريقة الوحيدة التي تجدي معكم أنتم "
أمسكتها من يدها وسحبتها معها قائلة
" تعالي لنحتفل إذا والغداء على حسابي هذه المرة "
وقفت موقفة لها وقالت
" انتظري فعليا رؤية ماريه أولا "
نظرت من خلف كتفها للباب الموجود آخر الممر وقالت
" تعني تلك الفتاة التي دخلت منذ قليل ؟ هي قريبتك أليس كذلك ؟
سمعتها تحدثك وتبكي ما بها ؟ "
ضمت أطراف أصابعها لبعضها ورفعت يدها وأدارتها فوق رأس
الواقفة أمامها قائلة
" كله من بركاتكم آل الهازان لا تدخلون حياة أحد إلا و توكونوا
سببا في دمارها "
أبعدت يدها عنها قائلة بضيق
" وما ذنبي أنا كلما حدثت مصيبة سببها هازاني حملتني
المسئولية ؟ "
قالت مغادرة
" لأنكم متشابهون طبعا ، انتظريني قرب سيارتي سآتي حالا "
وما أن وصلت باب الغرفة طرقته طرقتين متتاليتين ثم فتحته
لحظة أن انفتح باب الحمام وخرجت منه التي كانت تنشف وجهها
بمنشفة صغيرة فدخلت قائلة
" جيد أنك لم تغيري ثيابك بعد ، هيا اخرجي معنا "
رمت المنشفة من يدها وقالت تنزل أكمام سترتها
" لا رغبة لي في الخروج .. أريد أن أنام قليلا "
توجهت نحوها وأدارتها جهتها ونظرت لعينيها قائلة
" هيا ماريه لن تتوقف حياتك على بائس مثله ، أعرفك لن
تنامي فلنخرج ونتسلى ولتتعرفي على كنانة ، صحيح بأنها
غبية ومملة لكنها طيبة قلب ، ولتتعرفي أيضا على باقي عائلة
زوجك المنبوذين "
أنزلت نظرها للأسفل بحزن ولم تعلق فقالت بتوجس
" هل أخبرك من تكون تلك الفتاة ؟ "
أشاحت بوجهها جانبا وهمست بحزن
" لا "
تنهدت بأسى وأمسكت بيدها وضغطت عليها برفق هامسة برجاء
تنظر لنصف وجهها المقابل لها
" توقفي عن تعذيب نفسك من أجله ماريه ، أقسم أن يركض
خلفك مستجديا وستري بنفسك ، ثم هو قال أنها ... "
قاطعتها متوجهة جهة الخزانة
" لا يهم ما قال بل ما يفعل "
وتابعت ببكاء وقد اتكأت بجبينها على بابها الخشبي
" كان معها البارحة ساندي ..! مهمته لم يتأخر عنها أبدا ما أن
رماني هنا "
ملأت دموع الغضب عينيها وتوجهت ناحيتها وضمتها من ذراعها
واتكأت برأسها على رأسها وقالت برجاء
" حلفتك بالله ماريه يكفي بكاء عليه لأنه لا يستحق "
ثم قبلت خدها وقالت مغادرة جهة الباب الذي تركته مفتوحا
" سأنتظرك ولن نغادر حتى تأتي فغدا تبدأ عطلة الأسبوع
ولن نحصل على وجبة غداء من تلك الهازانية المقفرة دائما "
وخرجت مغلقة الباب خلفها فمسحت دموعها بقوة وتوجهت
جهة طاولة التزيين رفعت المشط وسرحت شعرها به فسيكون
خروجها أفضل من بقائها هنا بالتأكيد فعلى الأقل لن تفكر فيه
وفي كل ما حدث لبعض الوقت .
ضربت خاصرته بقدميها أكثر وأكثر ليعدوا بها شاقا ظلام الليل
الذي لا دليل لهما فيه سوى نقطة ألا عودة ولا رجوع تتجه حيث
ليست تعلم أي وجهة تكون تلك المهم أن تبتعد عن قراهم قدر
المستطاع قبل بزوغ الفجر كي لا يدركوها ، لم تغادر مدنهم
يوما ولم ترى باقي بلادها أبدا بعد تحريرها لا هي ولا أي أحد
منهم لأنهم وبكل بساطة اختاروا حريتهم مقابل العيش منفصلين
عن أغلب مظاهر الحياة والحضارة .. أن يتقهقروا للوراء بينما
يسير الجميع للأمام من أجل معتقدات سخيفة بأن الثناني لا عربي
يحكمه ويتحكم في مصيره أبدا فهم يغرسون كرههم وبغضهم لهم
في نفوس أطفالهم ما أن يولدوا ، ومنذ أن فقدوا صلتهم بمطر
شاهين أغلقوا أبوابهم في وجوه الجميع ولم تلح في الأفق تلك
الأحاديث عن دمجهم مع باقي مدن البلاد إلا بعد عودته لكنه لم
يأتي كما تأملت وانتظرت لأيام بل ولأعوام وأعوام مضت منذ أن
اختفى من الوجود فجأة ويبدوا بأنه لم يجد لهم وقتا حتى الآن
ولا يمكنها إلقاء اللوم عليه فثمة أمور أهم من التفكير في مدنهم
النائية المنفصلة عنهم تماما ، لكن قدومه بعد فجر اليوم لن يكون
له أي جدوى إن هي أصبحت زوجة لذاك الرجل فلن ينفعها ابن
شاهين في شيء بعدها ومهما قدم للثنانيين فإبنة الزعيم أو شقيقته
لا تطلق أبدا لديهم ولا تتحرر ولا بموت زوجها ولن يفصل رباطها
بذاك الرجل أحد ولا ابن شاهين نفسه ولن يشفع لها لديهم
ولا إسلامها لذلك لم يكن أمامها من خيار سوى الفرار من هناك
قبل أن تصبح زوجة له.
كانت تتذكر كلماته لها دوما حين نهاها عن التفكير في الهرب
معه وأن ذلك لن يجلب إلا الضرر لقبائلها ولقبائله ورضيت بالصبر
والانتظار كل تلك الأعوام لكن أن تكون لرجل آخر وأن تخلف
عهدها لقلبها قبله فلن يحدث أبدا .
ما هي موقنة منه تماما أنه ثمة من ساعدها على هذا .... ثمة
من كان يتوقع أن تفكر في الهرب وفتح السبيل أمامها لفعل ذلك
لما كانت وجدت المكان فارغا تماما وأحد الخيول مربوطا في غير
مكانهم المخصص بل موجود خلف خيمتها تلك بمسافة قصيرة
وسرجه فوق ظهره يوجد فيه حتى الماء وبعض الطعام ! ثم تلك
البوابة الحديدية المفتوحة والحراس منشغلون عنها تماما !! فلن
تجتمع جميع تلك المصادفات دفعة واحدة إلا وأحدهم قد رتب للأمر
وبدهاء لتخرج ، ليس يعنيها من يكون ذاك الشخص وما هدفه
من كل هذا فالمهم لديها أنها لن تتزوج بذاك الرجل أبدا ،
مسحت دموعها وتمسكت أكثر بحبل اللجام وطوق نجاتها الذي
لم ترهقه المسافاة التي قطعها دون توقف وهي ترى نور الفجر
الأبيض يزحف للسماء ببطء وكأنه يشعر فعلا بمعاناتها وبأنه
سبيلها الوحيد لتبتعد عن هناك فعليها أن تصل لإحدى المدن
سريعا وتختبئ فيها فالعراء لن يوفر لها الحماية أبدا فواصلت
الركض به دون توقف وما أن ارتفع قرص الشمس قليلا حتى
بدأت سرعة جوادها ذاك في التباطئ تدريجيا فعلمت بأن التعب
وصل أقصاه لديه ولن تستغرب ذلك فهو ركض بها لساعات
ودون توقف ، نزلت من على ظهره ما أن توقف تماما وأخرجت
قنينة ماء من سرجه فتحتها وحاولت أن تجعله يشرب منها وإن
كانت قد فقدت نصفها على الأرض ، أغلقتها وأعادتها للسرج
فارغة ومسحت على عنقه وشعره هامسة بابتسامة حزينة
" شكرا لك يا صديقي ، جل ما أتمناه أن لا يدركونا حتى نبتعد عنهم "
تصلبت يدها فجأة وشخصت عيناها في الفراغ وهي ترعي سمعها
للفراغ حولها وضربات قلبها تتصاعد تدريجيا تسمع صوتا لن
تخطئه أبدا ... إنه محرك سيارة ! التفتت خلفها سريعا وفي كل
اتجاه شعرها الطويل المموج يتناثر حولها ولم تعد تعلم تلك
الأصوات من أين تأتي تحديدا ! وهل هي سيارة واحدة أم أنها
مجموعة سيارات كما تتوقع ، شدت اللجام وامتطته مجددا وضربته
بقدميها بقوة لكنه لم يتحرك من مكانه وكل ما فعله أن رفع قائمتيه
الأماميتان عاليا وصهل بقوة فعلمت بأنه لن يتحرك خطوة أخرى
للأمام ومهما حاولت وها قد أعطاهم أول إشارة عن وجودها
إن كانوا قريبين من هنا فنزلت من على ظهره وركضت على
قدميها ترفع فستانها الطويل بيديها لم تعد ترى شيئا أمامها
بسبب الدموع التي ملأت وجهها وهي تسمع أصواتهم يقتربون
شيئا فشيئا
*
*
*
أدارت قرص العجين بين يديها وتأففت بحنق قائلة
" أمي لو أفهم لما رفضت وعاندت عمير في أمر الخادمة ؟
من هذا الذي يجلب التعب لنفسه ! "
تنهدت الجالسة على الطاولة تقطع ثمرة تفاح لحفيدتها الجالسة
بجانبها وتمتمت ببرود
" صباح الخير يا بلادي "
رمقتها بطرف عينها بضيق وقالت تقلب الخبز على النار
" أعلم أني لازلت في بلادي بل ومكاني وأنه لا خادمة لديك
سابقا لكنه من عرض ذلك ويريد راحتنا فلما الرفض ؟ "
وتابعت بذات ضيقها تشير حولها للمطبخ الفاخر المجهز تجهيزا
كاملا وحتى أرفف خزائنه تفتح بالأزرار
" هذا المكان يحتاج لمن ينظفه جيدا وباستمرار ليبقى كما هو
وأنتي لا يمكنك فعلها وأنا لديا طفلان ... "
ونظرت لها متابعة حديثها
" هذا غير باقي المنزل أم لا تري اتساعه وفخامته أمامك ؟ "
مدت قطعة تفاح مقشرة للجالسة قربها وقالت
" عمير قال أن المنزل تتكفل به شركة تنظيف من قبل أن نأتيه نحن
ثم الأحياء هنا كما تريها أمامك لا توجد بها ولا ذرة غبار شوارعها
مرصفة جميعها وأبنيتها كبيرة وعالية ، أما ما يحركه أحد ابنيك
من مكانه فأنتي المسئولة عنه ولن نعجز عن طبخ طعامنا وغسل
ثيابنا فلما نكلفه فوق تكاليف عيشنا هنا وطعامنا وكل ما أحضره
من أجل ابنيك "
رمت الخبز الناضج في الصحن بقوة وضيق وبدأت بإعداد غيره
فالتفتت لها قائلة
" هاتي الذي نضج أطعمه لابنتك بدلا من التفاح على معدة خاوية "
" جدتي أريد جبن "
مسحت على شعرها الأسود الناعم القصير تنظر لعيناها الواسعة
وقالت مبتسمة
" فقط جبن ؟ ستحضره والدتك حالا "
وضعت لهما الخبز فوق الطاولة متنهدة بضيق وتوجهت جهة
الثلاجة وفتحت بابيها تنظر للأطعمة المتراصة فيها حتى احتارت
أي أنواع تلك الأجبان تختار ! أغلقت باب الثلاجة بعدما اختارت
جبنا فرنسيا ونظرت للجالسة حول الطاولة ترفع يديها عاليا
مفرودتا الأصابع قائلة بصوتها الطفولي الرقيق
" عمي عمير أخبرني أنه يوجد جبن كثيييير هنا ... سآكل منه كله "
فاقتربت منهما قائلة بابتسامة
" إن تركك على هواك فستأكلين لحمه أيضا "
وضعت الجبن أمامهما وصحن وسكين ثم عادت لإنهاء الخبز
وقالت بعد قليل وبشيء من التردد توليهما ظهرها
" لما نعد الطعام ولا يأكل منه ! أليس من واجبنا أن نطبخ له
على الأقل "
وصلها صوت والدتها من خلفها فورا
" تلك رغبته هل سنجبره مثلا ؟ "
لوت شفتيها وقالت ببرود
" حسنا إن كان لا يريد الجلوس وتناوله معنا نأخذه له للأعلى
بدلا من أن يأكل في الخارج "
ثم وضعت آخر رغيف خبز وأطفأت الموقد ولم تتحرك من
مكانها فقد علمت أن والدتها وقفت من صوت سحبها للكرسي
وقد قالت ما توقعته تماما
" قال بأنه يخرج باكر ولن يرجع قبل الثانية عشرة ليلا فهل
ستأخذين له طعامه في مبنى جهاز المخابرات أم في
المركز التجاري ؟ "
ادعت الانشغال بترتيب المكان قائلة
" لكن اليوم جمعة أمي "
أنزلت تلك حفيدتها وقالت مغادرة بها
" إن أراد طعاما منا ما تردد في قولها "
التفتت لمكان خروجها مادة شفتيها بعبوس وتحركت من هناك
خلفهما وخرجت من المطبخ ، نظرت للسلالم قليلا قبل أن تنظر
حولها ثم عدلت وشاحها الخفيف على شعرها وصعدت بخطوات
خافتة سريعة فالفضول يدفعها بقوة لرؤية ذاك الطابق والمكان
الذي ينام فيه ، وصلت للأعلى ووقفت مبهورة ففوق جمال الطابق
الذي يعيشون فيه هذا أفخم منه بكثير ، نظرت حولها بحسرة
ففي أحلامها ما كانت لتتوقع أن تدخل مكانا مشابها لهذا
فحتى منزل زوجها السابق لم يصل لنصف جمال هذا المنزل ،
تحركت من هناك بخطوات بطيئة تنظر لكل شيء حولها ، يبدو
أن هذا الطابق لا يختلف عن طابقهم مجهز للنوم والاستقبال
عكس ما ظنت سابقا أنه للنوم فقط ! وصلت عند أول باب صادفها
ولم تتردد أبدا في مد يدها لمقبضه وفتحه فوقفت لبرهة تنظر
للمكان باستغراب ، ضنت أنه سيكون مقسما لأجنحة لكن هذه
غرفة نوم ويبدوا أنها غرفته !! اشتدت أناملها على المقبض
لا شعوريا وهي تنظر لتلك الغرفة .. إنها لا تشبه ولا غرفهم
في الأسفل رغم جمال وروعة تلك ! هذه ليست غرفة رجل
عازب عازف عن الزواج أبدا !! الأقمشة التي دمجت اللون
الأحمر والزهري مع أرضية واسعة باللون السكري ! الستائر
الناعمة من الشيفون الأحمر والزهري والقماش الذهبي السميك ..
ورق الجدران المذهب والمفعم بنقوش حمراء غامقة كخلفية
لذاك السرير الواسع وشاشة تلفاز مسطحة واسعة في الجهة
المقابلة له ! لم تكن مساحة الغرفة كبيرة لكنها أروع ما رأت
عيناها يطرب لها قلب أي أنثى حالمة فحتى السقف فوق ذاك
السرير مضاء بالرغم من تلك الثريا الذهبية المتدلية منه ...
هل يفكر عمير في الزواج حقا ! هل عزف عنه كل هذه الأعوام
ليس لأنه كرهه وكره النساء وينتظر فقط الفرصة المواتية مهما
طالت الأعوام ؟ ابتسمت بنشوة وتقدمت نحو الداخل تنظر حولها
فكان ثمة باب مغلق خمنت فورا بأنه سيكون حماما وثمة باب آخر
أيضا يفتح على الغرفة سيكون غرفة ملابس بالتأكيد فهي لم
تجد خزانات هنا .
تقدمت نحو الطاولة الزجاجية بأذرعها الذهبية قد فرشت
بمفرش أحمر بسيط ومميز رصعت نقوشه بالخرز والعقيق
فكان مع تلك الطاولة والكرسيان حولها بوسائدهم الحمراء
والسجادة الدائرية الحمراء أيضا قطعة فنية مكملة لجمال المكان ،
رفعت الجريدة الموضوعة فوق الطاولة والتي كانت الدليل
الوحيد على عيش أحدهم في هذه الغرفة فلازال كما كان في
الماضي رجل مرتب في كل شيء حتى في أدق التفاصيل ،
نظرت غاضنة جبينها لصورة المرأة في المقال الذي ترك الجريدة
مفتوحة عليه وكانت بحجاب بني شابه لون حدقتيها الواسعة تماما
تلفه بأناقة وتميز تقف أمام طاولة صغيرة ومرتفعة ومايكرفون
أسود رقيق متبث عليها ويبدوا أنها فوق منصة ما ! ملامح
بسيطة لكنها جذابة بل ملفتة للنظر فالابتسامة التي كان يفتر
عنها ثغرها المتناسق كانت تضاهي تلك العينان الواسعة جمالا
مما يجعلك لا تتوقف عن النظر لها ، شعرت بنغزة غيرة لم
تفهم سببها لكنها تضايقت فعلا من تركه لهذه الصفحة تحديدا ،
رفعت نظرها لعنوان المقالة الأسود العريض
( حفل جمعية الغسق والمزيد من المفاجأات )
عقدت حاجبيها باستغراب ونزلت بنظرها لأسطر تلك المقالة
علها تفهم أكثر وقرأتها بتأني
( اعلان خبر طلاق السيدة جليلة يونس من ابن الزعيم الراحل
رماح شراع صنوان كان من الأخبار التي هزت ذاك الحفل وبقوة
وهي تتحدث عن الأمر علانية متجاهلة نظرات الصدمة والاستنكار
تصرح وبكل شجاعة بأن رماح شراع يستحق امرأة أفضل منها
وأنها من خسرته في هذا الطلاق ولم تهتم ولا بنظرات الاستهجان
ورأي الشارع في تخليها هي عنه بسبب وضعه الجديد ... )
رمت الجريدة على الطاولة متمتمة ببرود
" معها حق فستكون حمقاء إن هي أفنت حياتها مع رجل مقعد "
انتفض جسدها بقوة والتفتت دون شعور منها حين انفتح باب
الحمام وشهقت بصدمة وهي تنظر للواقف أمامه لا يستر جسده
سوى المنشفة الملتفة حول خصره ينظر لها بصدمة لم يستطع
تخطيها بسهولة أيضا فأولته ظهرها سريعا تشعر بأنه يكاد يغمى
عليها من الإحراج وتلعثمت قائلة
" آسفة أققسم ما كنت أعلم أنك هنا ، كنننت أتفقد الغرفة لأخذ
ثيابك المتسخة وظننتك مغادرا منذ وقت "
أنهت جملتها تلك وأمسكت فمها بيدها فكيف نسيت أن اليوم جمعة ؟
وصلها همسه فورا
" لا بأس "
ثم صوت إغلاقه للباب مجددا فتحركت خارجة من هناك تشعر
بقلبها سيقع من مكانه وكأنها عذراء لم يسبق لها أن رأت ذاك
المشهد .. ! لا بالتأكيد فما كانت تراه لا يشبه هذا أبدا ، فلا أكتاف
وعضلات صدر زوجها السابق كهذه ولا ذاك البطن المسطح وهو
كرشه أكبر ما في جسده فكم كان يشعرها بالنفور منه وكم ألحت
عليه ليدخل النوادي الرياضية ويتبع حمية غذائية وإن لمدة قصيرة
لكنه كان يرفض باستمرار حتى يئست من تغييره ولولا طول
جسده لكان ككرة السلة بسبب ذاك الكرش فشتان بينهما بالتأكيد .
همست مستغفرة الله وهي تنزل السلالم تهف بطرف وشاحها
على وجهها وما أن وصلت للأسفل ودارت حول السلالم سالكة
ممر غرفهم تقابلت بابنها خارج من غرفته منتفخ العينين شعره
غير مرتب لاستيقاظه للتو وقد قال ما أن رآها
" اليوم الجمعة متى سيأتي والدي لأخذنا لنقضي الأسبوع لديه ؟ "
أمسكته من أذنه وسحبته جهة غرفته متجاهلة صرخته المتألمة
قائلة بحدة
" نفخت لي رأسي بالسؤال عنه طوال الأسبوع وقلنا الجمعة
يأتي لأخذكما وليس من نومك نأخذك إليه "
*
*
*
نزع أحد المفاتيح من علاقة مفاتيحه الشبابية الأنيقة ورماه
عبر الطاولة للجالس أمامه وسط ذاك المطعم الراقي الهادئ
بإنارته الخفيفة المميزة وقال ما أن التقطه ذاك
" تذكر فقط أني أعطيتها لك دون أن أسألك ماذا ستفعل بها "
شد هازار قبضته على المفتاح الذي التقطه في الهواء قائلا بضحكة "
كل ذاك التحقيق المطول ولم تسأل ! كدت تجردني من ثيابي لتفتش
إن كنت أخفي تحتها شيئا يا رجل "
شبك رواح أصابعه خلف رأسه متكئا به على راحتيه للخلف وقال
ناظرا له بمكر وهو يخرج علاقة مفاتيحه الخاصة ليثبت
المفتاح فيها
" خشيت فقط أن يكون ثمة امرأة في الموضوع فلم يعد يمكن
للمرء أن يثق بكم يا رجال المهام الصعبة "
وختم جملته وهو يرمق الجالس على يمينه بطرف عينيه والذي
لم ينطق بحرف منذ جلسوا هناك رغم أنهم لم يدخلوا المطعم
إلا من لحظات ، نظر له باستغراب حين وجده يتكئ بذقنه
على ظهر أصابع يده المقبوضة التي تخفي حتى شفتيه خلفها
متكئ بمرفقيه على الطاولة بينما نظراته مركزة على شيء
ما بعيدا ينظر له بتركيز وجمود ولم يكن منتبها لا لما يقولانه
ولا لنظراته تلك له ، نقل رواح نظراته المستغربة منه للجهة
التي كان ينظر لها ورفع حاجبيه بدهشة مبتسما ما أن وقع نظره
على الجالسات عند الطاولة في الزاوية هناك ، كانت اثنتان
منهما متقابلتان لا يظهر له إلا نصف وجه كل واحدة منهما
تتبادلان هواتفهما كما الأحاديث والضحكات عما يريان بعضهما
إياه بينما الثالثة تجلس في مواجهة طاولتهم تتكئ بجبينها على
راحة يدها قد تخللت أصابعها البيضاء الرقيقة خصلات غرتها
وشعرها البني الناعم تمسك بيدها الأخرى ملعقة صغيرة تضع
بها السكر في كوب قهوة أمامها وتحرك دون توقف تبدوا غير
مهتمة بما تتحدثان عنه بل ومزاجها سيء أيضا من طريقة
تحريكها للملعقة ، كما يبدوا أنه لم تنتبه أي واحدة منهن لوجودهم .
عاد بنظره له وكان على حالته تلك ينظر لتلك المسافرة مع همومها
وكأنه يريد اختراقها أو إحراقها نهائيا فضحك بصمت ونظر للجالس
أمامه والذي كان يدس مفاتيحه في جيبه .. غمز له مبتسما وأشار
بنظراته فقط جهة الجالس معهما ثم لتلك الجهة فنظر هازار هناك
فورا قبل أن ينظر له وانفجر ضاحكا ما أن وقع نظره على عيني
رواح فاستوى الجالس معهما في جلسته ينقل نظراته الباردة بينهما
فهف رواح بيده أمام وجهه قائلا بضحكة مكتومة
" الجو حار هنا أو يبدو أنه ثمة شيء ما يحترق "
فعاد هازار للضحك مجددا لحظة أن وقف تيم وأخرج محفظته
من جيبه وأخرج منها نقودا رماها على الطاولة وقال ببرود مغادرا
" هذا ثمن ما ستأكلانه "
وغادر بخطوات واسعة ثابتة يعيد محفظته لجيبه دون أن يلتفت
وراءه أبدا ، عاد رواح بنظره للجالس أمامه ما أن غادر ذاك باب
المطعم لأنه كان ملتفتا يتبعه بنظراته وقد قال هازار باستغراب
" مابه ؟ أليس هو من طلب أن نخرج معا في بادرة اولى ونادرة
في حياته وترك لنا حرية اختيار المكان وأن يدفع هو ثمن
ما سنطلبه ! "
رفع رواح النقود التي تركها لهم يعدها بالورقة وقال مبتسما بسخرية
" ألم تفهم السبب يا أحمق ؟ اقسم أني اشفق على حال تلك الفتاة
المسكينة معه "
نظر حينها هازار جهة تلك الطاولة مجددا وضحك فور أن اكتشف
هويتها فهي كانت هذه المرة تشرب من كوب القهوة فلم ينتبه سابقا
للجالستان معها وظن أن رواح كان يقصد بأنه ينظر لطاولة فتيات
مجهولات الهوية فقط فتلك الطباع لا تعرف عن تيم أبدا فهو أول
رجل يراه في حياته لا تلفت انتباهه ولا امرأة تعبر أمامه بملابس
السباحة ولا من باب الغريزة كرجل ولا حتى بطرف عينه ، نظر
لرواح مجددا حين دفع كرسيه واقفا وقال باستغراب
" ما بك هل ستلحق به أنت أيضا ؟ "
ضحك رواح وقال
" لا بالطبع فأنا لا يمكن لامرأة أن تطردني من مكان بل العكس "
وتابع غامزا جهة طاولتهم
" بل عليا تعكير مزاج إحداهن لأستمتع بطعام الغذاء أكثر "
حرك هازار رأسه بيأس منه بينما تحرك هو جهتهم يديه في
جيبي بنطلونه الجينز واجتاز العمود الخشبي المحاط بشجيرات
الزينة ليصبح حينها أمام طاولتهم مباشرة فانتبهن ثلاثتهن
لوجوده وبردود أفعال متفاوتة فبينما نظرت له كنانة بصدمة
وذعر من أن تضن الجالسة أمامها بأنها متفقة معه لجلبها إلى
هنا لأن المكان كان من اختيارها هي فقد نظرت له المقابلة له
من خلف الطاولة باستغراب من ظهوره فجأة كالمرة السابقة
ولن تتوقع إلا المزيد من الجنون من شخصية كشخصيته ، بينما
كانت نظرات الاشمئزاز والحنق من نصيب الشقراء التي كادت
أن تقتله بنظراتها تلك .. نظرة كفيلة بقتل أسد في ريعان شبابه
وقوته والتي كان يتجاهلها بكل برود كعادته وقد نظر للجالسة
يمينا قائلا
" مرحبا كنانة كيف أنتي ؟ "
فبلعت ريقها بصعوبة وقالت بابتسامة باردة
" عذرا من أنت ؟ "
لم يستطع إمساك نفسه عن الضحك وقال
" تنكرين ابن عمتك من أجل متحولة ستبيعك بسهولة ! "
نقلت ساندرين نظراتها الغاضبة منه للجالسة أمامها وقالت
بضيق غير مبالية لوجوده
" أنتي من أخبر هذا الدبور أننا هنا ؟ "
نظرت لها كنانة بصدمة ولوحت بيديها قائلة
" لا لست أنا أقسم لك "
ضحك رواح مجددا وقال ناظرا لها أيضا
" تخافين منها يا غبية ؟ أبعد ما تستطيع هذه الطفلة فعله
هو تغيير مظهرها كالحرباء "
وقفت حينها ساندرين على طولها ونظرت ناحيته قائلة بحدة
" اغرب من هنا فأنت غير مرحب بك "
نظر لها بصدمة مصطنعة وقال
" يا إلهي لم أكن أعلم بأن هذا المكان ملك لك ؟ "
حملت حقيبتها غاضبة لتغادر فقفزت كنانة واقفة لحظة أن وقفت
ماريه أيضا كي لا تذهب تلك المجنونة وتتركهما هنا لكن يد كنانة
كانت الأسبق لها وأمسكت بيدها بصعوبة من طرف الطاولة
المستديرة لأن حجمها لم يكن كبيرا جدا وقالت برجاء
" ساندي أنا لم أخبره بمكاننا اقسم لك "
نفضت يدها عنها وقالت تمسك خصرها بيديها
" من أخبره إذا ؟ "
قالت من فورها
" لست أعلم وها هو أمامك اسأليه "
نظرت له بكره فغمز لها وأشار بإبهامه جهة قلبه وقال يمسك ضحكته
" هذا يخبرني "
نظرت له بصدمة وحقد قبل أن تنقل نظراتها للتان كانتا تمسكان
ضحكتهما تحاولان إشغال نظراتهما بأي شيء ثم عادت بنظراتها
الغاضبة له والتي تجاهلها ككل مرة وقد نظر للتي تقف مقابلة له
خلف الطاولة قائلا بابتسامة
" مرحبا ماريه كيف أنتي ؟ "
نظرت له بصدمة تحولت للإحراج فورا وهمست
" بخير ... شكرا لك "
قال مبتسما
" لا يبدوا لي أنك كذلك أبدا ويمكنني تخمين السبب ، ورغم ذلك
أنا أهنئك حقا فقد أحدثت شقا صغيرا في حجر فرعوني عتيق "
نظرت له باستغراب وعدم فهم فقال ملوحا بكفه
" اتركينا من ذلك الآن ... مؤكد سيخبرك عمك عن الحفل المقام
في منزلنا مساء الغد وها أنا أدعوك بنفسي فلا تؤثر بك إحداهن
لأنها سترفض الذهاب بالتأكيد "
وختم جملته يرمق الواقفة يساره بطرف عينيه مبتسما والتي لازالت
ترميه بتلك النظرات الحارقة مكتفة ذراعيها لصدرها قبل أن ينقل نظره
لكنانة التي قالت مستغربة
" حفل ماذا ؟ "
قال مبتسما بسخرية
" لو أنك تزورين منزل عمتك باستمرار لعلمت يا قاطعة الأرحام "
وتابع ممررا أصابعه في شعره بغرور
" حفل من أجل ابنهم الذي نجح في أول مشروع لشركة الطيران
التي افتتحناها مؤخرا وسأستلم إدارتها ابتداء من الغد "
قالت بسعادة
" حقا !! مبارك لك "
قبل أن تموت ابتسامتها تلك ما أن نظرت للتي كانت ترمقها
بحدة فأخفضت كتفيها قائلة بسخط
" ساندي بربك لا تدخلاني في مشاكلكما فهو ابن عمتي وأنتي
صديقتي المقربة "
لم تعلق ساندرين لأنه ثمة من استلم ذلك عنها حين قال ناظرا
لكنانة ومبتسما
" حسنا أنا موافق ... وعليك الحظور أنتي أيضا فقد أبلغنا والدك
صباحا "
نظر بعدها لماريه وقال مبتسما
" وأنتي أيضا فها أنا أدعوك للمرة الثانية "
نظرت له بإحراج وهمست ترفع خصلات من غرتها خلف أذنها
" لست أعلم "
ضحك فورا وقال غامزا بعينه
" بل عليك المجيء ، ولا تخافي فذاك الكنعاني لم يحظر لنا حفلا
في حياته "
وتابع ملوحا بيده وهو يستدير مغادرا من هناك
" وحاولي إقناع قريبتك بالمجيء فسنوزع الهدايا في الحفل فلا
تأخذ هديتك منك فيما بعد "
وابتعد ضاحكا على نظرات ساندرين الغاضبة هامسة من بين أسنانها
" قذر ... "
بينما قالت كنانة بتوجس في محاولة لأن تلطف الجو قليلا
" رواح يحب المزاح كثيرا ولا يضايق إلا من يحبهم "
وانتفض جسدها حين نظرت لها تلك النظرة الكفيلة بإرسالها لمنزلها
جثة فقالت بتلعثم
" أ ... أقصد دعونا نجلس ونطلب الطعام "
نظرت ساندرين حولهم بضيق حتى وقع نظرها على الجالسان على
مسافة منهم خلف العمود وزمت شفتيها بحنق تنظر للذي يرفع كأس
العصير لها مبتسما فأشاحت بوجهها عنه فورا وقالت بضيق
" سنغادر لمطعم آخر أو للمنزل حالا "
رفعت كنانة حقيبتها متنهدة باستسلام قائلة
" لا بالطبع سنختار غيره وأمري لله فلن أجد شيئا في منزلنا
لآكله حين سأصل "
نظرت له بعبوس ثم تكتفت وقالت ببرود
" خرجت بي منذ الصباح الباكر لنتنزه أم لتأخذني حيث تريد
أنت وتدخل بي لأماكن تجلب الكآبة ؟ "
ضحك وقرص خدها بقوة متجاهلا تألمها ومحاولة إبعاد يده قائلا
" هذا أول مكان أدخل له ، ثم نحن بالكاد اجتزنا أول شارع بعد
المنزل يا كاذبة "
وتابع وهو يدخل محل بيع الأدوات المدرسية والقرطاسية
" سأخرج بسرعة ... خمس دقائق فقط "
تنهدت بقلة حيلة ووقفت أمام الواجهة الزجاجية العريضة للمحل
تنظر لبطاقات المعايدة المصفوفة خلفه مباشرة قبل أن يلفت
انتباهها رف المجلات والجرائد الموضوع أمامه أو بالأحرى الخبر
الذي احتل أغلب أغلفتها
( مطر شاهين يعترف وعلانية بأن سبب هجرانه لزوجته قبل أكثر
من عشرة أعوام هو امرأة أخرى ... !! )
كانت صورته تحتل أغلب الصحف إن لم يكن جميعها وهو يعتلي
تلك المنصة والخبر ذاته وإن اختلفت الصيغ حتى أنه قلة من
عنونوا بما قدمه من دعم للجمعية وتغيير للقوانين ، حتى أن
بعضها افتخرت بعرض صورة تلك الزوجة ولأول مرة في تاريخ
البلاد ، وليس أي صورة بل مشهدها وهي ترفع نظراتها وعيناها
السوداء الواسعة الدامعة به وهو يلقي تلك الفاجعة على مسمع
ومرأى من الجميع ، وها هي الصحافة بدأت بنهش لحمها من
جديد وهي التي لم تأخذ فترة استراحة منهم أبدا ، ابتعدت من
هناك تشعر بحجم كآبتها يتضاعف مجددا واختارت الجلوس على
حافة الرصيف المرتفع قليلا تحضن ركبتيها تراقب حركة المارة
في الجانب الآخر من الطريق أمام المراكز التجارية التي تفتح
أبوابها للتو قبل أن تسرح بنظرها للأرض تحتها فقد أصر الكاسر
اليوم على أن يخرجا للتنزه معا ولم يترك والدتهما حتى وافقت
شرط أن لا يركبا الدراجة النارية وأن لا يبتعدا فبعد تلك المرة
التي أوشى بهما الحراس فيها وبأنه كان يتخطى السرعة المسموح
بها في الطرقات حرمتها من ركوبها معه مجددا ومن أن يركبها
هو لشهر كامل كعقاب له فهي تعلم بأن حرمانه منها لأسبوع واحد
فقط يساوي لديه عاما كاملا ، لذلك اختار أن يتنزها على الأقدام
وهي لم ترفض ذلك أبدا فأجواء ذاك المنزل اليوم وإن تجنب كل
واحد منهم عند الفطور الحديث عما حدث بالأمس إلا أنها كانت
مشحونة بشكل متلف للأعصاب ولا شيء سوى النظرات الصامتة
التي تقاذفتها والكاسر تشعر بأنه ثمة أمر مريب حدث بين والدتها
وخالها رماح ويبدوا أن عمتهم على علم به أيضا وليست تعلم لما
تشعر بأنه ثمة شجار حاد دار بينهما قبل اجتماعهم على طاولة
الطعام لكنها لا تفهم ما يكون فيبدوا رماح مستاء للغاية !!
شعرت بالقدمان اللتان وقفتا قربها ولم ترفع رأسها له ولم تتحرك
من مكانها فجلس بجانبها يحمل في يده كيسا صغيرا ووصلها
صوته مازحا
" يبدوا اشتقت لأيام المدرسة الابتدائية والجلوس على الرصيف
منتصف الطريق "
ضمت ركبتيها أكثر وأرخت ذقنها على ذراعها هامسة
" الجو رائع اليوم "
قال مبتسما يحرك الكيس في يده
" أجل ففصل الربيع هنا هو الأجمل في البلاد بأكملها "
اتكأت بجانب وجهها على ذراعها ناظرة له وقالت
" يبدوا أنك تحب العمران كثيرا ؟ ماذا إن وجدت نفسك مضطرا
للرحيل منها يوما ما ؟ "
حرك كتفيه وقال ببساطة
" لا فرق عندي ... ولست أهتم حقا لذلك "
شقت ابتسامة طفيفة ملامحها الحزينة وقالت بتفاؤل
" تعني إن رحلت والدتي منها ستكون معها ؟ "
نظر لها وقال مبتسما
" تعني إن رجعت لوالدك ؟ "
أبعدت نظرها عنه فورا ونظرت لقدميها على الأرض وهمست
" لما تقول هذا ؟ أنا كنت أتحدث بشكل عام "
ضحك ضحكة صغيرة وقال
" كاذبة ... لم تكوني تسألي عن هذا سابقا فما ذكرك به الآن ؟ "
شدت ذراعيها حول ركبتيها وتمتمت بعبوس
" ذكرني به من لا يظهر إلا ليذكرني بالمأسي المخفية عني "
ساد الصمت من طرفه ولم يعلق فنظرت له فكان ينظر للبعيد
ويبدوا شارد الذهن وقد غاب مع أفكاره وحيدا فشعرت بتأنيب
الضمير فما كان عليها قول ذلك وجرح مشاعره .. لكنها كانت
تجرحها باستمرار سابقا وبقسوة ودون أن تعلم ، أبعدت نظرها
عنه تنظر حيث ينظر بعيدا للرجل الخارج من أحد المحلات التجارية
مع طفليه متوجهين لسيارتهم وهمست بحزن
" كنت أنانية دائما ولم أفكر سوى بنفسي فأنتم تحتاجون لها أكثر
مني وهي يبدوا تحتاجكم أكثر منا "
ومسحت دمعة تسربت من رموشها فحضن كتفيها بذراعه وقبل
رأسها قائلا
" تفكيرك خاطئ يا طفلة فهي لا تحتاجنا كما تحتاجكما أبدا ،
رماح سيجري العملية يوما ما بالتأكيد ويتزوج وكذلك رعد أما
عمتي فيمكنها العيش مع أي منهما لكن والدتك لن تجد السعادة
إلا معكما صدقيني "
نامت في حضنه وهمست ببحة بكاء
" وماذا عنك أنت ؟ فأنت لن تتزوج ولن يكون وجود أي منهم
في حياتك كوجودها وهي تعلم ذلك جيدا "
ضمها له أكثر قائلا
" وأنا سأسافر من أجل دراستي يوما ثم سأتزوج بالطبع كغيري
ونهاية الأمر ستبقى هي وحيدة بلا عائلة ولا أبناء آخرين ولا زوج
يحبها ويحتويها "
وتبدلت نبرته للحزن وهو يتابع
" لا انكر أنها تعني لي كل ما يربطني بهذه الحياة فهي والداي
اللذان لم أراهما يوما .. كبرت على يديها وكان كل واحد منا
طوق نجاة للآخر من وحدته وضياعه وهمومه ولست أتخيل أن
يمضي يوم دون أن أراها فيه لكني أيضا لن أسمح لنفسي أن
أسعد على حسابها وأن أسلب سعادتها لألون بها عالمي فوالدتك
عاشت حزينة مكسورة ومذبوحة من الوريد حتى الوريد طيلة
تلك الأعوام وإن كابرت وأخفت ذلك ولن أشعر أبدا بالراحة وهي
تعيسة وسعادتها بعيدا عني "
مسحت دموعها بظهر كفها وهمست ببحة
" يمكنك أيضا أن تكون معها حيث ستكون لأنها مؤكد لن ترضى
بغير ذلك "
ابتسم كعادته لا يظهر ولا ألمه المدفون وهو يقول بضحكة
" ألسنا نتحدث في أمر سابق لأوانه ياعدوة الفرح فها هو والدك
من يغلق السبل بينهما ... يا له من أحمق لقد بدأت أفقد إعجابي به "
ابتعدت عنه وقالت بضيق
" هييه لا تنعت والدي بالأحمق "
دفعها من جبينها بإصبعه قائلا بتملق
" وهو والدي أيضا أم نسيت هذا ؟ "
ابتسمت من بين ضيقها وكأنها اكتشفت شيئا عظيما للتو وقالت
بسعادة
" أجل كيف نسيت ذلك ! فبما أنها أرضعتك وهو زوجها فهو
والدك أيضا "
ضحك وشد سبابتها بإبهامه وضرب بطرفه جبينها بقوة آلمتها قائلا
" يا له من اكتشاف عظيم سمو الأميرة تيما "
دفعته وضربت رأسه بيدها قائلة بضيق
" أجل وستعيش معه رغما عنك فمن هذا الذي يرفض أن يكون
له والدان ؟ "
ساد الصمت بينهما فجأة وقد انتبها حينها فقط بأنه ثمة من يقف
وراءهما مباشرة فوقفت أولا التي حركت حواسها رائحة ذاك العطر
الرجالي المميز تنظر بصدمة وارتباك للواقف أعلى الرصيف يديه
في جيبي بنطلونه الجينز ترتفع سترته قليلا خلفهما ينظر لعينيها
بصمت ووقف الكاسر حينها ومد يده له قائلا بابتسامة
" مرحبا ... لم تتح لنا الفرصة بالأمس لنتعارف "
مد يده وصافحه قائلا بابتسامة مماثلة
" مرحبا بالكاسر ... كيف أنت ؟ "
ضحك ممررا أصابعه في شعره وقال يرمق الواقفة بجانبه
بطرف عينه
" أنا بخير حاليا لكن لن يدوم الأمر طبعا إن لم تبتعد قريبتك
عن حياتي "
وكزته بمرفقها ورمقته بحنق قبل أن تنظر للواقف أمامهما
قائلة بإحراج
" لم أكن أعلم أنك لم تغادر العمران ! "
قال بابتسامة جانبية
" بلى غادرت عصر الأمس لحوران "
نظرت له بصدمة بينما نقل الكاسر نظره بينهما مستغربا وقال
ما أن استقر نظره عليه
" ولما غادرت بالأمس إن كنت سترجع اليوم باكرا !
إنها ست ساعات ذهابا وإيابا !! "
رفع كتفيه مبتسما بمكر يرمق الواقفة بجانبه وقال
" كنت أتحدث مع أحدهم البارحة وأغلق الخط بل وهاتفه أيضا
ولم يشفق عليا بفتحه طوال الليل لأعلم ما أصابه "
نظر له الكاسر بصدمة رافعا حاجبيه قبل أن ينظر للواقفة بجانبه
ويمسك بها وهي تنظر للواقف أمامهما فوق الرصيف بتهديد
تعض شفتها السفلى فوكزها بمرفقه لقربها الشديد منه فكتمت
تنفسها من الإحراج متجنبة النظر له .. البائس الأحمق ها قد
انتقم منها بالفعل ، أخرج الكاسر هاتفه من جيبه مبتسما وقال
رافعا له
" يبدوا أنه عليا إجراء مكالمة ما "
وابتعد عنهما سريعا ونظرها يتبعه قبل أن تنظر للواقف أمامها
بعبوس فتكتف قائلا بابتسامة جانبية
" من منا سيلقي باللوم على الآخر فيما حدث ؟ "
عضت طرف لسانها في حركة طفولية وقالت محرجة
" آسفة الخطأ كان مني فعلا فهاتفي سقط على الأرض وانفصلت
البطارية عنه ولم أنتبه له إلا صباحا لأني نمت دون أن أشعر "
لاذ بالصمت ولم يعلق وقد علقت نظراته على ملامحها الفاتنة
طفولية القسمات في كل شيء حتى في طريقة حديثها وحركة
يديها وابتسامتها المحرجة ولا يفهم حقا معنى هذه المشاعر
المتضاربة التي تعبث به كلما كانت أمامه ، هربت من نظراته
للأرض وقالت تراقب حركة مقدمة حذائها على حافة الرصيف
" لم تخبرني ما هو الأمر الذي سيعجبني سماعه ؟ "
ورفعت نظرها به حين تقدم خطوة بسبب السيدتان اللتان عبرتا
الرصيف خلفه مفسحا لهما المجال وتراجعت هي خطوة للوراء
فقال مشيرا بإبهامه يسارا
" هل نسير معا ؟ "
نظرت له ببلاهة لبرهة قبل أن تستيقظ لنفسها ونقلت نظرها بينه
وبين الكاسر الواقف هناك هاتفه على أذنه موليا ظهره لهما
وتمتمت بتوتر وببعض التردد
" أ... اممم ... لكن الكاسر ... وهو إن عاد من دو.... "
قاطعها متراجعا خطوة للوراء ورافعا كفه
" لا بأس أفهم قصدك وآسف حقا "
وما أن كان سيستدير مغادرا قالت موقفة إياه
" انتظر يا أحمق "
وتحركت جهة الكاسر قائلة بضيق
" أنت لا حلول وسط لديك أبدا "
راقبها مبتسما وهي تتحرك جهة شقيقها .. كانت تلبس تنورة
جينز وقميص حريري قصير بأكمام مفتوحة تزين بعض الفصوص
حوافها وحجاب ناعم بلون عينيها تتحرك في تلك الملابس كالحورية
الصغيرة تأسر الناظر لها حتى في خطواتها فهل كانت تتخيل أن
يغادر هكذا ببساطة ؟ فمثلما ما كانت هي لترده خائبا وقد قطع
كل هذه المسافة ليطمئن عليها ما كان ليضيع هو فرصة وجودها
خارج أسوار منزل والدتها وكان سيبحث عن حلول وسطى بالتأكيد .
بينما وصلت هي للواقف هناك وعقدت حاجبيها باستغراب تسمع
حديثه الذي يفترض أنه مع شخص ما في الطرف الآخر
" الحمقاء المنحلة ستجعلني سخرية للمارة وسأريها فيما بعد "
ابتسمت تمسك ضحكتها وسحبت الهاتف من يده فالتفت لها فورا
عاقدا حاجبيه ونظرت هي لشاشة الهاتف وضحكت فسحبه منها
قائلا بضيق
" وقحة ... هل انتهى الموعد الغرامي سريعا هكذا ؟ كنتما
جلستما قليلا "
ضحكت مجددا وقالت بصوت منخفض
" ما رأيك لو تسبقني للمنزل "
انفتحت عيناه على اتساعها وقال
" انظروا للوقحة وتقولها علانية أيضا ودون خجل !! "
لكمته في كتفه وقالت محرجة
" لا يأخذك خيالك بعيدا فثمة ما سنتحدث فيه ويبدوا مهما ثم
هو قريبي إن نسيت "
أومأ برأسه قائلا بابتسامة جانبية
" آه أجل قريبك وموضوع مهم ؟ "
ثم غادر من حيث جاءا ملوحا بيده قائلا
" أخبريني فيما بعد عن هذا الموضوع المهم رجاء ؟ "
ابتسمت تراقبه مبتعدا ثم التفتت جهة الذي لازال يراقبهما من هناك
وسارت جهته متجنبة النظر له حتى وصلت عنده وقالت مبتسمة
تلمس شفتيها العليا بطرف سبابتها
" هل تشتري لي المثلجاث من عربة البائع هناك "
وأشارت له بسبابتها فابتسم ونظر حيث العربة الخضراء
المزينة على مسافة قريبة منهما وتحرك قائلا
" موافق "
فسارت بجانبه فورا قائلة بابتسامة
" رائع فالكاسر رفض مرارا أن ياخد لي منه متحججا بأنها عربة
جوالة وغير صحية "
حرك رأسه مبتسما فالكاسر المراهق رفض خوفا على صحتها
ووافق هو ما أن طلبت ذلك منه ! قال وقد وصلا لها
" إن أصابك شيء فلا علاقة لي بذلك "
وقفت أمام العربة تنظر للأحواض المغطاة بأغطية زجاجية
وقالت مبتسمة
" لا تخف لن أذكر اسمك أبدا "
قال العجوز الواقف خلفها ببشاشة
" أجمل أيسكريم هو ما يؤكل عند الصباح ...
فماذا ستختارين آنستي ؟ "
أشارت بإصبعها مبتسمة
" أريد الفراولة ... والفانيليا أيضا "
فتح الأحواض وقال مبتسما وهو يملأ لها الكوب الورقي الملون
" هل تعلمي بأن المرأة التي تحب أيسكريم الفراولة هي الرقيقة
دائما أما الفانيليا فهي التي تحب إسعاد من حولها ؟ "
نظرت للواقف بجانبها مبتسمة وكان ينظر لها بدوره راسما
ملامح هادئة على وجهه ثم عادت بنظرها للذي مد لها بكوب
الآيسكريم بعدما رش على سطحه الكثير من المكسرات وغرس
فيه ملعقة بلاستيكيه وقالت مبتسمة وهي تأخذه منه
" أكره نكهة الشيكولا والليمون أيضا "
قال ضاحكا وهو يمد لها منديلا ورقيا
" توقعت ذلك فذاك النوع هم المسيطرات وحادات الطباع "
ضحكت وشكرته هامسة فأخرج الواقف بجانبها نقودا من جيبه قائلا
" كم حسابك ؟ "
دفع له النقود وتحرك من هناك فلحقت به قائلة
" لم تأخذ واحدا لنفسك ؟ "
ولم تترك له مجالا ليجيب أو يعلق وهي تعود أدراجها وقد أخذت
ملعقة أخرى من البائع وعادت ناحيته وغرستها في الآيسكريم قائلة
" سنأكله معا فأنا أساسا لا يمكنني أكل كل هذا لوحدي "
قال وهما يبتعدان قليلا
" لو انتظرت قليلا لأخبرتك بأني لا أريد "
رفعت الكوب بينهما قائلة بإصرار
" وأنا لن آكل إن لم تأكل أنت ، أم أن هدنتنا صورية فقط ؟ "
تنهد مستسلما ورفع الملعقة وأكل ما فيها فأكلت ما في ملعتقها
متلذذة وقالت
" أم أنك تضن أن الأطفال فقط من يأكلون هذا ؟ "
خرجت منه ضحكة عميقة مكتومة وقصيرة وقال
" لو كان كذلك لكانت ردة فعلك مختلفة بالتأكيد "
ضحكت وغرفت من الأيسكريم مجددا قائلة
" أنت لا تنسى أبدا ، ثم هذا ليس كحلوى الدب تلك ولا يتناوله
الأطفال فقط "
نظرت بعدها لوجهه وقالت
" كم عمرك أنت ؟ "
نظر لها لبرهة ثم نظر لنهاية الشارع بعيدا حيث يتوجهان بخطوات
بطيئة وقال مبتسما
" ولما هذا السؤال ؟ "
رفعت كتفيها وقالت مبتسمة
" لا لشيء فقط مجرد سؤال ويمكنك أن لا تجيب عليه "
نظر لوجهها مجددا وقال
" أنا في السادسة والثلاثون "
ابتسمت من فورها قائلة
" لست كبيرا .. "
عاد بنظره للشارع وقال بابتسامة ساخرة
" أبلغ الأربعين مثلا لتريني كبيرا ؟ "
ضحكت وقالت تأكل من الأيسكريم
" ليس ذلك أقصد فرجال الحالك لا يمكن تقدير أعمارهم أبدا
وبشهادة الجميع ، ثم والدي كان في مثل عمرك حين تزوج بوالدتي "
نظر لها وقال
" وكم كان عمرها هي ؟ "
أخرجت الملعقة من فمها وقالت بتفكير
" في التاسعة عشرة أعتقد "
قال من فوره
" معلوماتك خاطئة فهما تزوجا وهو في الخامسة والعشرين بينما
كانت هي في العاشرة "
تأوهت قائلة
" لا هكذا سيظهر كبيرا جدا أمامها حين تزوجا ، ثم ذاك الزواج
كان صوريا فقط وقتها بل وسريا أيضا "
قال بعد صمت لحظة
" وما رأيك أنتي في فارق السن بين الزوجين ؟ "
حاولت إخفاء ارتباكها من سؤاله وقالت تنظر لمفترق الطرق الذي
وصلاه نهاية الشارع
" لم أفكر في ذلك من قبل "
ظنت أنهما سعبران الشارع لكنه فاجأها بأن وقف مسندا يده
بعمود الإنارة مقابلا لها وقال ناظرا لعينيها
" حقا لست تهتمي بأن يزوجك والدك بمن يكبرك بكثير ؟ "
عضت باطن شفتها ونظرت للكوب في يدها ولجزئها الذي أكلت
أغلبه بينما لم يأكل هو إلا القليل منه وأشارت بملعقتها قائلة
" أنت لم تأكل ! "
وصلها صوته مباشرة
" أعتبر نفسي أكلت كثيرا فهذه المرة الأولى التي أتذوقه فيها "
نظرت له بصدمة وقالت
" أول مرة تتذوقه ! "
حرك كتفيه قائلا
" لا أحبه ولم آكله يوما "
تأوهت من فورها ملوحة بيدها والملعقة ما تزال فيها وقالت
" لما أجبرت نفسك وأكلت إذا ؟ "
قال بابتسامة جانبية ناظرا لحدقتيها الزرقاء
" لأنك لن تأكلي إن لم آكل أم نسيت كلامك ؟ "
نظرت للكوب في يدها وشعرت بالدماء تلون خديها وقالت محرجة
" حسنا كيف وجدته "
قال بضحكة صغيرة
" سيء للغاية "
ضحكت ولم تعلق وعادت للأكل منه مجددا وكادت تغص
بالأيسكريم حين وصلها صوته قائلا
" حقا ستوافقين على الزواج ممن سيختاره والدك
وكان من يكون ؟ "
رفعت نظرها المصدوم لعينيه ولملامحه الرجولية الجذابة التي
اكتساها الجمود فجأة وعلقت نظراتهما بطريقة أربكتها كما
أخافتها نظرته تلك كثيرا وكانت تشعر وكأنه يبحث عن الجواب
في عينيها قبل كلماتها فهربت بهما منه لكوبها مجددا وهمست
" أجل "
علمت من حركت أصابع يده التي قبضها بقوة ثم وبسرعة خاطفة
فكهم مجددا بأن جوابها لم يرق له وشعرت بأن الجو بات مشحونا
جدا بينهما وليست تفهم كيف ولما لكنها استشعرت تلك الهالة
الغامضة التي أحاطت به ورفعت نظراتها المصدومة به حين
قال ببرود
" أيعجبك أن تكوني ضعيفة شخصية هكذا ؟ "
كان ينظر جانبا حيث حركة السيارات على الطريق مشيحا بوجهه
عنها وكأنه يهرب من النظر لما خلفه من ألم في ضحيته فقربت
حاجبيها الرقيقان تنظر له بأسى وهمست بعدم استيعاب
" ضعيفة شخصية ! "
تمنى الجزء الحالم فيها أن تكون أخطأت في سماع ما قال
أو أنه من أخطأ في قول ذلك وسيبدل كلامه وموقفه الآن لكن
شيئا من ذلك لم يحدث بل ولم يكتفي بذلك فقط وقد نظر لها
مجددا وقال بقسوة
" أجل وأرى الجميع يسيرونك وترضخين وإن كان في الأمر هلاكك "
شعرت بغصة في حلقها وامتلأت عيناها بالدموع وقالت بحنق
" ضننت أننا فعلا بدأنا ننسى ما حدث سابقا لكنك أبدا لم تفعل "
وما أن أنهت جملتها تلك أولته ظهرها وغادرت من هناك قائلة بضيق
" شكرا على المثلجات رغم أني لا أستحقها بكل تأكيد "
وتابعت طريقها بخطوات سريعة غاضبة تحاول أن لا تبكي كي
لا تمسح تلك الدموع ويعلم بها فهي لم تسمع خطواته يتبعها
وليست تعلم حتى إن كان ما يزال واقفا هناك أم غادر .
كتفت ذراعيها لصدرها وأشاحت بوجهها جانبا فقال الجالس في
كرسيه أمامها وبضيق
" غسق لم أعرفك سابقا صاحبة قرارات طائشة متهورة ! "
تمتمت ببرود ولم تنظر ناحيته
" ها قد علمت "
شد قبضة يده التي كان يريحها على مقبض الكرسي وقال بضيق
أشد من سابقه
" اقسم أنك جننت ! ما هذا العقل الذي تفكرين به يا غسق ؟
ابنتك ما كانت لتفكر بطريقتك هذه لتفعليها أنتي ! "
فكت ذراعيها ونظرت له وقالت بضيق مماثل
" فليعتبره الجميع ما أراد لكنه قراري ولن أتراجع عنه وأعتقد
أننا تحدثنا عن هذا سابقا وبما فيه الكفاية "
كان سيتحدث والغضب هذه المرة قد اكتسى ملامحه لولا أوقفه
باب المنزل وقد انفتح لحظتها ودخل منه الذي اتصل به منذ
ساعة تقريبا وطلب منه أن يقطع طريق رحلته جهة الجنوب
ويمر بالعمران أولا ليرى معه حلا لهذه العنيدة قبل أن تنفذ
جنونها الذي تفكر فيه ، اقترب رعد منهما ونظره على رماح
مستغربا ملامحه الغاضبة المشدودة قائلا
" ما بكما ؟ "
نظرت غسق لرماح وقالت بضيق قبل أن يتحدث
" لما طلبت منه المجيء ؟ "
نظر لها وقال بحدة
" ليوقف جنونك طبعا فهو على الأقل بساقيه ويمكنه رميك من
أعلى طابق في جمعيتك لتستفيقي لنفسك "
وتابع وقد نقل نظره لرعد غير مبال بنظرتها الغاضبة قائلا
بضيق ومشيرا لها
" تعالى وانظر ما تريد شقيقتك فعله ، قررت تسليم إدارة الجمعية
بل وجميع ما يخص هذه المدينة .. لا بل وتسعى الآن لتحويل
ملكية أراضيها وعـقـاراتها جميعها للدولة ... أي استقالت بالعامية "
نظر لها رعد بصدمة وهي تشيح بنظرها عنهما كليهما ترسم
على وجهها ملامح جامدة خالية من أي تعبير فتحرك نحوها
وأمسك بذراعها وأدارها ناحيته جيدا وقال
" صحيح هذا يا غسق ؟ "
لم تجبه ولم تنظر له ليس بسببها بل لأن رماح لم يترك لها
الفرصة وهو يجيبه نيابة عنها وبضيق وحنق
" بلى وناقشت مع نائبتيها ذلك بالأمس ولولا رسالة جليلة لي
والتي لم أراها سوى فجر اليوم ما علمنا بذلك حتى قرأناه في
الصحف كغيرنا "
رفع يديه ثم قبضهما وأنزلهما وكأنه لم يعد يعرف ما يفعل كرد
فعل على صدمته تلك ثم قال بحدة
" لا أصدق يا غسق أن تتخلي عن الحلم الذي بنيتيه لأعوام في
لحظة هكذا وبسبب ماذا ... ؟ رجل !!! "
نظرت له وخرجت من صمتها قائلة بحدة مماثلة
" بل من أجل كرامة غسق وعزة نفس غسق ، وقسما لو علمت
منذ البداية بأنه الداعم الأساسي لنا ما أسستها من أساسه
ليأتي ويتبجح الآن بأنه صاحب الفضل وبأني فاشلة في عالم المال
وأن وجهي هو سلعتي "
تبادل ورماح نظرات مستغربة قبل أن ينظر لها قائلا بجدية
" أثبتي له عكس ذلك إذا ... حاربيه كما عرفناك قوية وعنيدة
فمن بنت كل هذا بأفكارها وحدها قبل أمواله لن تعجز عن إثبات
ذلك له "
أشاحت بوجهها عنه مجددا تشعر بأنه أصاب قلبها في مقتل
وهي تتذكر نتائج حفلهم بالأمس وقالت بسخرية تنطق مرارة
" وهذا ما فعلته لكني فشلت وبكل بساطة ، وبعد أن أصبحت
الدولة الداعم الأساسي لها فلا حاجة لهم بي وستقودها أي
عجوز من الشارع "
حرك رأسه بعدم تصديق هامسا
" اقسم لو علم ابن شاهين لكان أول من سيصفعك الآن فنحن
لا نستطيع فعلها "
نظرت له وقالت بغضب
" لم يبقى له شيء سوى أن يمد يده علي لأكسرها له وبقانونه
الجديد الذي يتبجح به ، ثم هو يعلم إن كان هذا ما ستفكر في فعله
ما أن تخرج من هنا .. بل وموافق عليه أيضا "
رفع حاجبيه بصدمة وقال
" موافق !! "
شدت قبضتيها بجانب جسدها وقالت بجمود
" أجل وطلب أن يجتمعوا لترشيح من تأخذ مكاني "
قال رماح باستغراب
" من أخبره ! "
نظرت له وقالت بسخرية
" التي أخبرتك طبعا .. هل يوجد غيرها ؟ "
قال من فوره وبضيق
" معها حق تفعل كل ذلك وأكثر لتعذلك عن قرارك المجنون هذا "
قال رعد الذي يبدوا بأنه أفاق من صدمته لكلامها الأخير للتو
" وتوافقين أن يرحب هكذا بالفكرة ! تستسلمين أمامه
وبكل بساطة ! "
لوحت بيدها قائلة بحدة
" لا يعنيني ما يفكر فيه وما يريده ، مكان بنيته وأفنيت عمري
في تأسيسه ولم يكن سوى أكذوبة فليس يعنيني أبدا ولست
أتشرف بأن أحمل اسمه ولا أن يحمل هو اسمي "
تبادلا النظرات الصامتة كل واحد منهما يعجز عن استيعاب
ما سمعه للتو فكلاهما يعلمان ما تعنيه تلك المدينة بأكملها لها
وكم سهرت وتعبت وعملت بجد لتوصلها لما هي عليه الآن !
كان بإمكان كل واحد منهما قراءة الصدمة والانكسار في عينيها
السوداء الواسعة مهما أخفت ذلك فكلاهما يدرك بأن ما مرت به
في حفل الأمس لم يكن بالأمر الهين أبدا فإن كانت البلاد لم تتخطى
صدمتها بتصريحاته بعد فكيف بها هي ؟ لكنها كالعادة تتمسك بالصبر
والصمود تمسك الجسد بالحياة وهذه هي غسق التي أعادها لهم
ابن شاهين قبل رحيله لم يروا ولا دموعها من أعوام طويلة
إلى يوم رجوع رماح وهي تترك لها العنان وأمامهم فجأة فحتى
خبر وفاة والدهم تلقته بجمود عجزوا جميعهم عن تفسيره سوى
بتحولها لمومياء محنطة كان ينتظر كل واحد منهم أن تنهار للأرض
في أي لحظة لكنها خانت توقعاتهم جميعا وتلقت الخبر الذي كانت
هي تجزم بأن يكون سبب موتها إن وصلها يوما ما وكأنها قتلت
مشاعرها وللأبد ناحية أي شيء وأي شخص أو أن ما حدث تلك
الليلة وسرا عنها حتى هي كان السبب !!
كسر رعد ذاك الجو المشحون قائلا بهدوء
" غسق لا تتهوري باتخاذ قرار لن يفيد الندم عليه لاحقا "
" لن أندم مطلقا "
قالتها مباشرة وبكل تصميم وعناد يعرفانه جيدا قبلها وبأنها
لن تتراجع عنه ومهما حدث فلن يشعر أحد بما تشعر به
ويدمرها تماما ، لن يعلموا معنى أن تبني صرحا عظيما
لأعوام وأعوام ثم تكتشف بأنك لم تكن سوى واجهة مزخرفة
له وصورة وقشور واهية ، أن يصفق لك الجميع وأنت تنظر
لهم بكل فخر ثم تكتشف بأنهم لا يصفقون لك أنت بل للواقف
ورائك .. ! فلا أبشع من الحقيقة القاسية سوى لاعتراف بها
وليس أقسى من البشاعة الخفية سوى اكتشافها متأخرا .
علت أنفاسها القوية تدريجيا مما جعل التوجس يسكن قلبيهما
معا من أن ينفجر البركان الخامد ولأعوام تلك اللحظة لكنها
همست بعزم مهما أنهكته الفواجع المكبوتة
" لكن غسق شراع لن تنتهي كما يتخيل وستبني نفسها من جديد "
لم يعلق أي منهما على ما قالت لأن تلك الطرقات المتتالية على
باب المنزل لم تعطي لأي منهم المجال لقول المزيد وهم يتبادلون
نظرات الاستغراب فمن هذا الذي سيدخل ويطرق الباب دون أن
يعلمهم الحراس بوصوله ! رعد هنا والكاسر وتيما يملكان المفتاح
وغير هؤلاء لن يدخل الحراس أحدا دون أن يأخذوا الإذن من أحد
أفراد تلك العائلة ! وغفلوا فجأة عن أنه ثمة من سيملك الصلاحية
المطلقة لفعلها ليدخل دون استئذان ولم يكتشفوا ذلك إلا حين
فتحت الخادمة الباب الذي عاد الواقف في الخارج للطرق عليه
وبإصرار وكشف حينها عن الواقف أمامه ببنطلون أسود وقميص
ناصع البياض وربطة عنق رمادية وبدون سترة ، أكمام قميصه
مثنية لمرفقيه كما أن زره العلوي مفتوح مرخيا ربطة العنق
قليلا يبدوا التعب على ملامحه رغم تمسكها بالجمود والحدة
وكأنه قاد سيارته لأميال طويلة بل وكأنه قضى الليل فيها ولم
ينم لثانية واحدة ، وقد زادت النظرة المتجهمة والحاجبان
المعقودان ملامحه قسوة ، نظر تحديدا وفورا لرعد المحدق
به باستغراب وهو من اتصل به منذ قليل وسأله فقط عن مكان
وجوده دون أن يذكر السبب أو أي أمر آخر ! خطا للداخل خطوتين
وقال ناظرا لعينيه تحديدا " أين الفتاة الثنانية يا رعد ؟ "
كانت الصدمة أول رد فعل له شاركه فيها رماح الذي لطالما شك
بأمر شقيقه وإن جهل هوية تلك المرأة بينما نظرات الحيرة
والاستغراب كانت من نصيب الواقفة بجانبه وهي ترمق رعد
وكأنها تراه للمرة الأولى !! .
اقترب منه مطر وشد ياقة سترته وقال صارخا به
" أين هي يا رعد تكلم ؟ "
همس والصدمة لم تفارقه بعد
" ما بها آستريا ؟ "
ليتضح الأمر حينها للواقفة قربه وقد تبدلت نظراتها للصدمة
تغطي شفتيها بأطراف أناملها فهذا الاسم تعرفه جيدا كما تعلم
هي والجالس على كرسيه في الجانب الآخر بأنه احتجز في
الماضي لدى تلك القبائل لفترة ليست بقليلة .
شده مطر أكثر ينظر لعينيه بغضب وهزه بعنف صارخا
" تكلم أين هي يا رعد واتركنا ننهي الموضوع بأقل الخسائر
يا رجل ولا تجر نفسك وقبائلك للهلاك "
أبعد يده عنه بعنف قائلا بحدة
" ليست معي ولست أفهم عما تتحدث يا مطر ! "
أمسكه من ياقته مجددا وقال بذات غضبه
" كيف يا ابن شراع وثمة من رآها تهرب معك ؟
لم أعرفك تتصرف بجنون سابقا ! "
أبعد يده مجددا وصرخ هو هذه المرة
" لو أردت فعلها ما انتظرت كل هذه الأعوام وحرمت نفسي
منها ومن النوم والراحة فعن أي جنون تتحدث ؟ "
لوح بيده قائلا بحدة
" ليلة أمس هو حفل زواجها "
همس الواقف أمامه بصدمة
" ز.. ز.. زواجها ! "
صرخ فيه مجددا
" أجل زواجها مكرهة بعدما افتضح أمركما ، لقد انطلقت إلى
هناك فور أن علمت بذلك لأوقف الأمر لكني وجدت تلك المدن
تغلي كالبركان بسبب هروب ابنة زعيمهم السابق وشقيقة الحالي
والشهود يتهمونك أنت .. وشقيقها ساجي يتوعد بهدر دمك في
أقرب وقت ورجال قبائلهم يطالبون بالحرب على صنوان ، هل ثمة
مجنون يفعلها في وضع البلاد الحالي يا رعد ؟ هل جننت ! "
صرخ نافضا يديه
" لست أعلم عما تتكلم يا مطر وكنت البارحة في حميراء وثمة
شهود على أني لم أغادرها إلا فجرا ولست أعلم عما تتحدث عنه "
صرخ فيه مطر من فوره
" أين هي إذا وكيف اختفت هكذا ولا أحد يمكنه الخروج من هناك
بسهولة ؟ ولما قال البعض أنهم رأوك ؟ "
صرخ من فوره
" كذب ... كاذبون "
أمسك بعدها برأسه وقال بضياع ناظرا لعينيه
" أين هي يا مطر ؟ أريد أن أفهم حالا "
تحركت الواقفة بجانبه وأمسكت بكم سترته جهة ذراعه وأدارته
جهتها وقالت بحدة
" أنا من تريد أن تفهم والآن حالا ما علاقتك بآستريا
وما حكايتكما ؟ "
نظر لها بضياع قبل أن يضرب صدره قائلا بحسرة
" هي ما أدفنه هنا من خمسة عشر عاما مضت ... ما أضعت عمري
من أجله وانتظرته دون يئس .. تضيع مني هكذا قبل أن أصل لها ! "
نظرت له بصدمة لم تستطع اجتيازها بسهولة وهمست ما أن
وجدت صوتها
" كنتما.... ؟ تعني .... ؟ "
مرر أصابعه في شعره شادا له للخلف وهمس بتشتت
" بلى تعاهدنا وليتنا لم نفعل "
خرجت حينها من صدمتها وهدوئها ومن كل ما حملته معنى كلمة
تعقل في قواميسها ولكمته بقبضتها في صدره صارخة
" سحقا لك من رجل يا رعد "
ولكمته الأخرى صارخة
" سحقا لكم جميعا ألا تكتفون من قتل النساء ؟ ما هذا الذي
ستجنونه من تعذيبهن لأعوام ؟ "
أشارت بعدها جهة رماح ونظراتها الغاضبة لازالت على عيني
الواقف أمامها وقالت بحدة
" تلقي باللوم عليه فيما فعل مع جهينة وأنت أسوأ منه ؟
من هذا الذي أخبركم أن قلب الأنثى لعبة في أيديكم ؟ أترونها
رجولة هذه وأنتم تشيعون جثمان الواحدة تلو الأخرى ؟ "
أنزل نظره للأرض ولم يعلق يشعر بأنه رمي في متاهة من الألم
لا نهاية لها فلكمت صدره مجددا صارخة
" لماذا فعلت ذلك إن لم تكن ندا له ؟ لما تعلقها لأعوام إن لم يكن
بإمكانك الإيفاء بالوعود ؟ لما تقترب منها أساسا إن كنت أجبن من
أن تكون رجلا يستطيع أخذها معه وإن للجحيم ؟ "
شد قبضتيه بقوة وكأنه يعتصر ألمه فيهما ولازال نظره للأرض
بينما أشاح الواقف خلفه بوجهه جانبا ممررا أصابع يده في شعره
وتنفس بضيق فهي تقصده معه لا محالة بل وثلاثتهم معا فلكل
واحد منهم حكاية مشابهة للآخر ، ولم يتأخر دوره كثيرا وهو
يواجه نظراتها الملتهبة وقد صرخت مشيرة له بسبابتها
" أنت سبب كل هذا "
نظر لها باستهجان بينما تحولت نظرات رعد ورماح المصدومة
له حين تابعت بذات صراخها الغاضب وكأنها تحرر ذاك الوحش
المدفون داخلها لأعوام
" بل وجميع ما أصاب عائلة شراع صنوان بسببك أنت .. بسببك
عشت بلا هوية وعائلة ودخلت أراضيك ودخل رعد هناك وبسببك
مات الكاسر ودون حتى أن أراه ، بسبب صلتك بوالدي الأعوام
الأخيرة قتل وبسببك حدث ما حدث لرماح ، بسببك فقدت ابنتي وحلمي
الذي بنيته بتعبي لأعوام ، حتى هجران جبران لنا جميعا بسببك أيضا
يا رجل العدالة "
" غسققق "
صرخة رماح تلك بها لم تؤثر بها شيئا بل ولم تخترق سمعها المشوش
بسبب تراكمات الماضي و ألم الحاضر حتى أنها انفصلت عن جميع ما
حولها عداه وقد لوحت بيدها صارخة فيه بعنف أكبر
" أنت من دمر عائلتي بأكملها ودمرني قبلهم فاخرج من حياتنا لأنك
لم تبقي شيء آخر تمارس غطرستك عليه ... أخرج الآن "
كان يقابل كل اتهاماتها وصراخها ذاك بالصمت التام محدقا بعينيها
بجمود دون أن يدافع عن نفسه ولا حتى أن يوقفها فأشارت للباب
الذي تركه مفتوحا بعد دخوله وصرخت بغضب
" واخرج من منزلي فورا "
لم يستطيعا الموجودان خلفها أن يخفيا آثار الصدمة على وجهيهما
بينما اكتفى الواقف أمامها بالصمت محدقا بعينيها الغاضبة حد الألم
قبل أن يستدير مغادرا بخطوات واسعة وثابتة حتى اجتاز الباب
الذي دخل منه منذ قليل ضاربا بابه خلفه وهي تلحقه إلى هناك
بخطوات غاضبة وكأنه ما يزال موجودا صارخة دون توقف
" اخرج من حياتنا ... اخرج ... اخرج "
حتى وصلت لذاك الباب المغلق وضربته براحة يدها صارخة ببكاء
تحرر من أضلعها أخيرا
" اخرج من حياتي فورا ... اخرج ... اخرج الآن "
شد رعد قبضتيه بقوة وألم يراقبها وهي تلتصق بالباب وقد اتكأت
عليه بجبينها باكية وحال رماح لم يكن أفضل منها فها هي أخيرا
حررت ألم وبكاء أربعة عشرة عاما مضت ، ها قد أخرجت ألمها
المكبوت بسبب ذاك الرجل لأعوام فكلاهما كان يتوقع أن ما حدث
بالأمس لن تصمد بعده طويلا ، تحركا ناحيتها في وقت واحد وإن
كان أحدهما واقفا والآخر جالسا يقوده ذاك الكرسي فقط ، وما أن
وصلا عندها أمسك رعد بكتفيها وأدارها ناحيته ودفنها في حضنه ،
يعلم أن ما مرت به طوال فترة حياتها لم يكن بالهين أبدا .. معاملة
والدتهم القاسية لها منذ كانت طفلة ثم اكتشافها حقيقة أنها ليست
ابنتهم ونظرات الشك في عيني ممن حولها .. ضغط جبران عليها
لتتزوجه وهي لا تراه سوى شقيقا لها .. دخولها أراضي الحالك
ووقوعها أسيرة لدى ذاك الرجل وحياة عاشتها بينهم هناك لا يعلمون
ما مرت به فيها .. موت الكاسر المفاجئ ودون أن تراه ..
رحيل ذاك الرجل آخذا ابنتها معه .. موت والدها الذي رباها ثم
اكتشافها بأن تلك العائلة التي عاملتها كغريبة عنها لم تكن سوى
عائلتها الحقيقية ، من يستطيع تحمل كل ذلك ؟ بأي قلب تعيش حتى
الآن ؟ ليس يستغرب انهيارها تلك اللحظة بل أن يتأخر كل هذه الأعوام .
ابتعدت عنه ومسحت عيناها بعنف قبل أن تصرخ به
" ما الذي يبقيك واقف هنا حتى الآن ؟ اذهب وابحث عن الفتاة
قبل أن تفقد حياتها أو نفسها بسببك "
تحرك من فوره وكأنه استفاق لحظتها فقط لما حدث والذي لم
يستوعبه حتى اللحظة لكن يد رماح منعته وهو يمسك رسغه بقوة
موقفا له وقال بحزم رافعا رأسه للأعلى ومحدقا بعينه
" انتظر يا رعد ، ألم تسمع ما قاله وبأن شقيقها يريد قتلك ويبحث
عنك ؟ يمكنك البحث عنها من مكانك هنا فلا تتهور وكن تحت
الحراسة والحماية ولا تستهن بالثنانيين فهم منتشرون حولنا
دون أن نعلم ويتحولون لآكلي لحوم البشر إن تعلق الأمر
بمعتقداتهم وقوانينهم "
حدق فيه بضياع وكأن عقله توقف عن التفكير تماما درجة أن فقد
القدرة على اتخاذ أي قرار وبات الجميع يدفعه ويوقفه ! لكن ما نفع
بقائه أيضا ؟ وما يفعل مع الذي يئن وجعا وشوقا بين أضلعه الآن ؟
نقل نظراته التائهة منه للتي أمسكت برسغيهما وفكت يده منه
بالقوة قائلة بحدة
" اتركه يذهب فموته أشرف له ألف مرة من أن يحيا ويتركها تموت "
فتحرك حينها وكأنها أدارت مفتاح التشغيل في أطرافه وهو يتخيل فقط
فكرة موتها وتركه وحيدا بدون ولا أمل يعيش عليه ، فتح الباب وخرج
منه مسرعا فنظرت هي للجالس أمامها أنفاسها تتلاحق وتتصاعد بقوة
لازالت الدموع تسقي رموشها وتملأ محاجرها فقال ببعض الهدوء
محدقا بها
" غسق اهدئي و ... "
قاطعته بغضب مشيرة له بسبابتها
" وأنت متى ستتحرك يا أحمق ويتحرك ذاك الصوان الموجود وسط
أضلعك ؟ "
نظر لها بصدمة وقال
" غسق ما بك أ.... "
قاطعته صارخة مجددا
" متى ستقرر أن ترحم تلك المسكينة من جبروتك أيضا ؟ ألا يكفي
الأعوام التي ضيعتها منكما ومن عمرها ؟ متى ستشعر بها وهي
تسأل عنك طوال الوقت بلهفة بينما تكرر أنت عباراتك
البلهاء كالببغاء ؟ "
تراجع بكرسيه للخلف قليلا قائلا
" حسنا غسق اهدئي "
لوحت بيدها قائلة بغضب من حديثه معها وكأنها معلولة نفسيا
" لن أهدأ واعتبرني مجنونة إن أردت "
وتابعت رافعة سبابتها أمام وجهها بتهديد صريح
" قسما يا رماح لست شقيقتك ولن يخاطب لساني لسانك بعد اليوم
ما لم تجد حلا لوضعكما وسريعا "
نظر لها بصدمة لم تعرها أي اهتمام وهي تجتازه قائلة
" وشقيقك ذاك أيضا "
تبعها بنظراته المصدومة وهي تصعد السلالم قائلة بحنق
" لست أفهم لما يسكت القانون عنكم وعن أمثالكم ؟ يفترض أن
تسجنوا بعدد الأعوام التي تستنزفوها من أعمار النساء يا جلامدة "
وتابعت صعودها تشتم دون توقف فتنهد وتراجع بكرسيه متمتما
بضيق
" مطر شاهين ... هل سندفع ثمن أفعالك معها دائما "
*
*
*
وقفت أمام المرآة الطويلة في غرفة تبديل الملابس تدير جسدها
وتشد البدلة الضاغطة حوله بإحكام فعليها ارتدائها لوقت بعد
العمليات التي خضعت لها قبل أن تنتقل للجزء الآخر منها ،
لا تصدق أنها تخلصت من كل تلك الترهلات وإن كانت لم تخسر
الكثير من وزنها بعد فقد أجروا لها عملية ربط للمعدة من وقت
قريب وبدأت تلاحظ سرعة فقدانها لبعض الباوندات كما أن جسدها
كان بحاجة لعمليات شد الجلد التي اجريت لها بسبب مخلفات
الحميات الغدائية التي كانت تتبعها دون انتظام ولا مراقبة طبيب
أو ممارسة رياضة ، مررت كفيها على صدرها البارز قليلا من
السترة الخاصة وابتسمت بنشوة فلم تكن تتخيل أن يصبح ثدياها
مشدودان هكذا بعد الترهل المريب الذي أصابهما ! فجسدها
كمثري الشكل تتركز الدهون في الجزء السفلي منه ومع تلك
الحميات الفاشلة لم تنقص تلك الشحوم المتراكمة بشكل منتظم
بل اختفت قليلا من الجزء السفلي بينما نحف الجزء العلوي أكثر
وأصبحت بشعة من الأعلى والأسفل وتهدم ثدياها وترهلا بشكل
بشع وبعد العام الأول من زواجهما لم تلبس قميص نوم قط
بل تدهورت نفسيتها وكرهت النظر لجسدها حتى في المرآة وكانت
تصر على أن يناما في الظلام التام بينما كان يكره وقاص ذلك ،
وخلال السنة الأخير لم يعد يطلب العلاقة الجسدية معها أبدا ..
فقط إن هي تقربت منه وأرادت ذلك أما من ناحيته فباتت
والوسادة بجانبه سواء ، وهي السبب .. أجل لا تنكر بأنها السبب
في كل ذلك فهي دفعت علاقتهما للهاوية وباتت تعاقبه هو على
عيوبها النفسية قبل الجسدية تتخذ أسلوبا هجوميا مريضا كي
لا تكون هي ضحية هجومه لها فكانت تخشى أن تسمع عباراته
الساخرة من شكلها وجسدها وباتت تحاربها من قبل أن توجد بل
وتعترف بها وتتذمر منها أمامه كي لا تسمعها منه ، لم تفهم
وقاص يوما رغم أنه كان من أكثر الرجال وضوحا حتى أن لينه
ورقته وسلوكه الراقي معها كانا يشعرانها بالخوف من فقدانه ..
خوف تحول لهوس ثم لهجوم شرس ضده هو تحديدا ، يخال لها
أحيانا بأنه إن كان رجلا عصبيا حاد طباع لما كانت تصرفت معه
بذاك الأسلوب الفض ولكان علمها أن تخاف منه على الأقل ، لكن
ما ذنبها هي ؟ هي لم تختر لنفسها كل ذلك فسبق وأعلنت رفضها
له حين علمت كيف يكون ذاك الزوج من قبل أن تراه لكن أحدا لم
يعر رأيها بالا ، ثم وبعد أن أصبحت زوجته ورأته أمامها أعلنت
لعائلتها وعلنا بأن حياتها مع ذاك الرجل لن تنجح أبدا وبأنها تريد
الانفصال عنه بما أنها لم تتعلق به بعد لكن كلامها ذاك ووجه
ليس بالرفض فقط بل وبهجوم شرس ومن قبل الجميع وأولهم
والدها الصديق المقرب لضرار سلطان ومن لم يصدق أذناه حين
أخبره بأنه يريد أن يزوج حفيده الأكبر بل والمفضل من بين أحفاده
من ابنته فرموها جميعا في ذاك الجحيم وحيدة تعيش اهتزازا مريعا
في شخصيتها وثقتها في ذاتها فلم يعد الأمر يقتصر على جسد تخفيه
الملابس مثلما حين كانت فتاة بل أصبح ذاك الجسد ملك لشخص
آخر يراه كما تراه هي وهذه أكثر فكرة كانت تدمرها تماما ، فكانت
تتعذب نفسيا كلما رأته خارجا من الحمام وذاك الجسد والعضلات
المشدودة لا يلبس سوى بنطلون قصير يجفف شعره المبلل بمنشفته
الخاصة درجة أنها كرهت تلك العلاقة الحميمة بينهما وسببت له
النفور منها تدريجيا ، لكنها الآن تشعر بأنها بدأت تتحول لامرأة
أخرى وثقتها في نفسها ترتفع صعودا كلما تقدمت في هذا البرنامج
المتكامل ولن تتوقف حتى تصبح ما تريد هي وكما تمنت .
لبست ملابسها وخرجت للغرفة لحظة أن انفتح بابها ودخلت منه
شقيقتها جيهان فابتسمت لها بحبور فقالت تلك بابتسامة واسعة
تتقدم نحوها فاردة ذراعيها
" رائع ... أرى أنك بمزاج أفضل اليوم "
اقتربت منها وقبلتا خدا بعضهما وقالت جمانة بسعادة ناظرة
لعيني شقيقتها
" في كل يوم ينقص وزني أكثر ... كلما وقفت على جهاز قياس
الوزن واكتشفت بأن وزني نقص عن اليوم الذي سبقه أشعر
بالنشوة وسعادة لا توصف "
أمسكت يديها مبتسمة وقالت
" سبق وأخبرتك أن الأمر يحتاج لبعض الوقت فقط وستري النتيجة
كيف ستكون "
توجهت جهة مرآة التزيين جلست أمامها وفكت شعرها الأسود
الناعم لينسدل على كتفيها وقالت مبتسمة تمشطه بأصابعها
ونظرها على ملامحها
" الطبيب آندي أخبرني أنهم يجرون جراحات تجميلية للوجه أيضا
وتحسن من مظهر الملامح كثيرا وشرح لي الكثير عن ذلك "
نظرت لها الواقفة هناك بصدمة وقالت
" جراحة تجميلية للوجه !! "
قالت بسعادة تضم يديها لصدرها
" أجل قال بأنه يمكن أن تصبح شفتي العلوية بذات حجم السفلى
وأن أنفي سيصبح أفضل إن تم إزالة العظمه البارزة فيه قليلا
وأن حاجباي يمكن رفعهما فلا يصبحا مقوسان هكذا ... سيغيرني
ذلك تماما "
اقتربت منها التي لم تجتاز صدمتها بعد هامسة بعدم تصديق
" جمانة أتعي معنى أن تفعلي ذلك ؟ سيغضب زوجك أكثر ثم
والدي لن يوافق هذا "
التفتت لها وقالت بجدية
" أخبرتك أنتي فقط بذلك ولن يعلم أحد حتى اجري العملية فالطبيب
قال بأنه يمكن إجرائهم جميعا في مرة واحدة ، أما وقاص فهو
غاضب في جميع الأحوال وسأتفاهم معه بطريقتي فيما بعد فأنا
أعرفه قلبه طيب ولا يحقد أبدا "
حركت رأسها بيأس منها وقالت
" هل اشتريت فستانا من أجل الحفل ؟ "
وقفت وقالت
" لن أذهب .. قلت بأني لن أزور ذاك المنزل حتى أكون جمانة
التي أريدها أنا "
ثم توجهت جهة هاتفها الذي علا صوت رنينه ورفعته ونظرت
للرقم مبتسمة ثم أجابت من فورها تنظر لشقيقتها التي غادرت
الغرفة مغلقة الباب خلفها
" مرحبا جدي "
وصلها صوته الجاد فورا
" مرحبا جمانة كيف أنتي الآن ؟ "
اتسعت ابتسامتها وقالت فورا
" بأفضل حال .. كيف حالك أنت ؟ "
" بخير ... هل تحدث معك وقاص ؟ "
ماتت ابتسامتها فورا وجلست على السرير قائلة
" لا لم يتصل "
سمعت تنهيدته المتضايقة بوضوح فقالت ممررة أصابعها في شعرها
بتوتر حتى من سماع صوت هذا الرجل
" سيلين قلبه بالتأكيد ونسوي الأمور فيما بيننا فلا تتشاجر معه
بسببي جدي أرجوك "
كانت تعلم بأن تعقد علاقته مع جده بسببها لن يكون في صالحها
أبدا فيكفي ما حدث حتى الآن ، وصلها صوته الجاد مجددا
" اتصلت بوالدك من أجل حفل الغد وأردت أن أتصل بك خصيصا
لأدعوك لتكوني فيه "
عضت طرف شفتها ولم تعرف ما تقول فهي لم تتوقع أن يتصل
لدعوتها شخصيا بعدما أرسل دعوى عامة لهم واتصل بوالدها ،
حمحمت قليلا وقالت
" أشكر اهتمامك جدي لكني متعبة قليلا والطبيب طلب فترة راحة
بين العمليتين ، كنت سأكون سعيدة جدا للاحتفال مع رواح والعائلة
لو كانت الظروف أفضل "
وصلها صوته فورا
" حسنا كما تريدين ... عمت مساء "
أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت له باستغراب قبل أن ترميه بعيدا
متمتمة
" لم يكلف نفسه ولا عناء أن يلح عليا لأكون معهم "
سارت بذات خطواتها السريعة الغاضبة لم تتوقف ولم تلتفت خلفها
قط تشتم نفسها قبله كل حين ، هي الحمقاء أكان عليها أن تصدق
أنه فعلا نسي كل ما حدث وهو من طلب منها بالأمس أن تخبره
الحقيقة لينسى الأمر كلاهما وهي رفضت ؟ ليست تفهم لما يشوه
اللحظات الجميلة بينهما نهاية الأمر دائما ولما جاء إلى هنا إن
كان سيفسد الأمر هكذا ؟ ماذا كان يتوقع منها أن تقول مثلا ...
لا سأعصي والدي لأني أعرف مصلحة نفسي أكثر منه !
ثم هو غضب منها حين فعلت أمرا متهورا في السابق وخرجت
عن أوامره فلما يستاء الآن وهي تعلن الولاء والطاعة !!
لا تفهمه حقا وليست تعلم متى ستتغير فكرته السيئة عنها ؟
دخلت من بوابة المنزل الخارجية مجتازة الحرس الموجودين
هناك والسيارات السوداء الكثيرة التي لم تنتبه ولا لازدياد عددها
عن السابق وسارت على بلاط ممشى الحديقة الواسعة وكأنها
تخشى أن تحيد عنه ليست تعلم حتى كيف اتبعت مساره بدقة هكذا !
قفزت مفزوعة تضع يدها على صدرها وهمست منقطعة الأنفاس
تنظر للذي قطع طريقها فجأة
" أحمق ... لقد أفزعتني "
أمسك الواقف أمامها خصره بيديه وقال متشدقا
" ما كنت تريدين مني أن أفعل ؟ أن أناديك من بعيد
( بسم الله عليك آنسة تيما ؟ )
ثم لما عدت مبكرا هكذا ؟ كنتما لففتما العمران بأكملها يا عاشقان "
نظرت له باستهجان وقالت
" توقف عن تسريب الشائعات عنا ... أخبرتك أنه يريدني في أمر
وأنا لم أكذب أبدا "
حرك يده بسخرية قائلا
" جيد وما هو هذا الأمر ؟ "
لاذت بالصمت لبرهة قبل أن تهمس بإحباط
" لم يخبرني عنه "
انفجر ضاحكا من فوره فضربت كتفه قائلة بضيق
" قسما أنها الحقيقة "
استمر في الضحك متجاهلا نظراتها الغاضبة قبل أن تموت ضحكته
فجأة ونظر لها وقال بريبة
" والدك هنا "
نظرت له بصدمة وعدم تصديق وقد همست
" والدي !! "
أومأ برأسه بنعم وقال
" يبدوا لي ثمة أمور تحدث هنا فبعد وصولي دخلت سيارة رعد
مسرعة وبعدها بقليل رأيت غبار سيارة والدك المندفعة وكأنها
إعصار ، غادر رعد بعدها بوقت وبسرعة أضعاف التي دخل بها
أما والدك فلازال في الداخل على ما يبدوا "
شعرت أن قدماها تصلبتا من الخوف وأمسكت قلبها قائلة
" ماذا حدث ؟ ماذا بها والدتي ؟ "
تكتف وقال بضيق
" لست أعلم طبعا ولم أستطع ولا أن أقترب من المنزل وبقيت
متخف هنا بين الأشجار كالقرد كي لا تراني والدتك وأنتي لست
معي فترميني جثة أمام البوابة الخارجية "
تحركت من هناك بخطوات سريعة جهة المنزل والهواجس
تتلاعب بها ... المهم أن تكون والدتها بخير لا تريد شيئا آخر
تلك اللحظة ، أجل ورماح قد يكون ... أسرعت بخطواتها أكثر
تشعر بقلبها سيخرج من مكانه من شدة ما كانت خائفة على
الموجودين هناك فهي تعتبرهم عائلتها جميهم ولا تتخيل أن
يصيب أحدهم مكروه ، لم تكن تسمع خطوات الكاسر خلفها وليست
تعلم إن تبعها أم لا فهي كانت تسير شبه راكضة تريد الهرب من
أفكارها السوداء بالاقتراب من الحقيقة أكثر .
وقفت مكانها ما أن ظهر لها المنزل ورأت سيارة والدها المتوقفة
أمامه وهو يقف خارجها يسند ساعده ببابها المفتوح ينظر للأرض
ويمسك هاتفه بيده الأخرى يتحدث مع أحدهم ويبدوا مستاء
وغاضبا ... !
سارت نحوه فورا ما أن رفع نظره ناحيتها وقد أبعد هاتفه عن أذنه
وما أن وصلت عنده حتى قالت بنفس لاهث وقلق
" أمي ... هل هي بخير "
دس هاتفه في جيبه قائلا ببرود
" هي بخير لا تقلقي ، وهيا سنغادر من هنا "
نظرت له باستغراب وتردد فقال
" تحركي يا تيما لا وقت أمامي أم لا تريدين رؤية عمتك وجدك ؟ "
شهقت بصدمة وامتلأت عيناها الواسعة بالدموع فورا وقالت هامسة
" جدي !! "
قال وهو يجلس في كرسيه خلف المقود
" أجل فقاسم مسافر اليوم لتأمين وصوله بسرية وسيصلان غدا
فبسرعة أحضري أغراضك لأننا سنتناول الغداء في منزل عمتك
في الحميراء "
وأغلق باب السيارة ما أن أنهى كلامه وشغلها فتحركت من هناك
جهة باب المنزل ، إذا هذا هو الخبر الذي كان يريد إخبارها به
وكان يفسد الأمر في كل مرة ؟ ذاك الخبر كان سيكون رائعا بالفعل
وأفقد نفسه متعة زفه لها ذاك الأحمق متقلب المزاج ، دخلت من
باب المنزل المفتوح ووجدت رماح في بهوه يمسك هاتفه ويجلس
على كرسيه موليا ظهره لها فاقتربت من جهته وكان يحدث أحدهم
بتوتر وضيق قائلا
" لا تتهور يا رجل واترك رجال الشرطة والقوات الخاصة
يقومون بذلك ... لا نريد أن نخسرك أنت أيضا "
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تقترب منه أكثر وقد صرخ بحدة
" رعد ... إسمع ... "
ونظر بعدها للهاتف في يده متأففا بغضب ويبدوا أنه أغلق
الخط في وجهه ، وقفت خلفه مباشرة وقالت بريبة
" ماذا يجري هنا ؟ "
دار بكرسيه ناحيتها فورا وقال بامتعاض محدقا بعينيها
الزرقاء الدامعة
" تقصدي هنا أم هناك ؟ "
نظرت له باستغراب قبل أن تهمس بحيرة وضياع
" أين هي والدتي وما به خالي رعد ! ولما والدي هنا ؟ "
حرك رأسه بعجز وقال بضيق
" رعد فقد عقله تماما ويريد أن يرمي بنفسه للموت على أيدي
أولئك البربر ... والدتك صعدت للأعلى وستكون في غرفتها بالتأكيد
ولا أنصحك بالاقتراب منها حاليا ، أما والدك فلم أعد أعلم أهو
الحل لمشاكلنا أم أنه لا يزيدها إلا تأزما وتعقيدا "
نظرت له بتيه ولم تستوعب شيئا مما قال ! أي بربر ولما سيقتلون
رعد ؟ أيعني الثنانيين ؟ لكن لما سيقتلونه ! وما علاقة والدها ولما
والدتها غاضبة ؟ تحركت من هناك ما أن عاد رماح للانشغال مع
هاتفه وصعدك السلالم مسرعة ، ما فهمته أنه ثمة أمر حدث
بخصوص تلك الفتاة الثنانية ووالدها هنا وغاضب من أجل ذلك
فرعد سبق وأخبرها أن وضع علاقته بتلك الفتاة حساس جدا بسبب
قبائلها لكن ما تعجز عن فهمه لما والدتها غاضبة ونهاها رماح
عن الاقتراب منها !
وصلت باب غرفتها ووقفت أمامه مترددة لوقت قبل أن ترفع يدها
وتطرقه فوصلها صوتها الحانق وكما توقعت
" سنتحدث فيما بعد يا تيما "
فتنهدت بأسى واستسلام وقالت بعد برهة
" أمي سأغادر مع والدي ... هو هنا وقال بأنه سيأخذني معه "
ملأت دموعها عينيها ما أن خرج لها ذاك الصوت الرقيق الغاضب "
غادري فورا وإن كان سيحرمني من رؤيتك نهائيا فأخبريه بأني
لست أهتم "
غادرت من هناك تمسح الدموع التي بدأت تسقي وجنتيها تباعا
ودخلت غرفتها ، أخذت حقيبة يد مما اشترته لها والدتها فهي قد
ملأت خزانتها بالثياب والأحذية كي لا تضطر لنقل أغراضها كلما
جاءت هنا ، وضعت فيها هاتفها وبعض الأغراض البسيطة التي قد
تحتاجها ولازلت تمسح دموعها التي ترفض التوقف ، خرجت من
الغرفة ومرت بباب غرفتها المجاور لها ووقفت أمامه قليلا قبل أن
تغادر مسرعة ودموعها لا تزداد إلا انهمارا ، نزلت السلالم ومسحت
وجنتيها بطرف كمها بقوة ما أن لمحت الكاسر ورماح وعمته
جالسين هناك ويبدوا التجهم واضحا على ملامح الكاسر الذي يبدوا
أن رماح قد أخبره بما تجهله هي ولا وقت لديها لتعلمه منه ، نظروا
لها جميعهم وقال رماح باستياء ما أن رآى عيناها الدامعة
" أخبرتك أن لا تقتربي منها الآن لأنها ستكون غاضبة ومن
الجميع لكنك أعند من والدتك "
فركضت جهة باب المنزل تمسح دموعها التي عادت للنزول مجددا
وخرجت من هناك للخارج فورا لتجد والدها في مواجهة دموعها
هذه المرة ينظر لها من داخل السيارة عاقدا حاجبيه يتكئ بساعده
على المقود فأنزلت رأسها ونزلت عتبات الباب النصف دائرية تمسح
دموعها وفتحت الباب وركبت مغلقة له خلفها فتحرك بالسيارة فورا
ودون أن يعلق بأي حرف حتى اجتازا أسوار وبوابة ذاك المنزل
لتنطلق تلك السيارات السوداء المعتمة ورائهما مباشرة وقد
غادروا أسوار تلك المدينة المسيجة فورا ولا شيء يرتفع على
صوت هذير تلك السيارة داخلها سوى صوت شهقاتها التي كانت
تحاول كتمها بصعوبة وقد تشقق جفناها من كثرة ما كانت تمسح
دموعها كي لا تنزل تحاول منع نفسها من البكاء لكنها لم تستطع
وكلما حاولت فعل ذلك أكثر كلما ازداد وضعها سوءا .
" اتصلي بها "
نظرت له بصدمة من عبارته الجادة الآمرة تلك وكان ينظر للطريق
أمامه وقد أعاد بحزم
" اتصلي بها يا تيما "
تدحرجت دمعتها على وجنتها المحتقنة بشدة وهمست ببحة بكاء
" أبي أرجوك أ.... "
قاطعها قائلا بحدة
" قلت اتصلي بها "
أخرجت هاتفها من حقيبتها منصاعة دموعها تتقاطر فوقها وهي
تبحث عن الهاتف فيها ، لهذا كانت لا تريد أن تبكي لأنها تعلم بأنه
سيغضب لكنها لم تستطع والأمر كان فوق احتمالها وخارجا عن
إرادتها ، أخرجت الهاتف ما أن وجدته واتصلت بها لكنها لم تجب
حتى انقطع الاتصال وما أن رفعت نظرها له لتخبره بأنها لا تجيب
وجدت يده أمامها وقد قال بحزم
" أعطني الهاتف "
مدته له مكرهة لأنها لا تريد إغضابه أكثر لما كانت أعطته إياه
فهي تعلم ما ستكون نتائج كل هذا ، أخذه منها وبدأ يكرر الاتصال
بها المرة بعد الأخرى دون يأس أو توقف حتى انفتح الخط فأغمضت
عينيها لا شعوريا حين صرخ بغضب
" أهذا ما تفلحين فيه دائما إبكاء ابنتك التي لا علاقة لها بشيء ؟ "
كانت تنظر له باكية تمسك فمها بيدها تلعن نفسها لأنها السبب في كل
هذا وها هما سيتشاجرا بسببها ، لم تكن تسمع حديث من في الطرف
الآخر بسبب شهقاتها الباكية لكنها تعلم بأنها غاضبة أيضا ولن يزداد
الوضع إلا سوءا ، أمسكت بكم قميصه المثني جهة ذراعه حين صرخ
فيها مجددا ونظره على الطريق أمامه
" نوبات جنونك ابتعدي بها عن ابنتك ولا تحمليها نتائج أفعال غيرها
يا قدوة النساء في مملكتك ... ولعلك تقتنعي فقط بأنك لا تستحقين
الأبناء "
شدت كمه حتى انتبه لها فهمست باكية تنظر لعيناه الغاضبتان
" أبي أرجوك لا تتشاجرا أكثر بسببي .. حلفتك بالله "
أبعد الهاتف عن أذنه ممسكا المقود بيده تلك أيضا وهو فيها
وصرخ ناظرا لها ودون أن يقطع الاتصال
" اتركيها تعلم أي أم فاشلة تكون وهي تحملك مسئولية كل ما تعجز
عن إيجاد حل له أو الاعتراف بفشلها فيه "
أمسكت بذراعه بكلتا يديها هذه المرة وقالت ببكاء
" أبي أرجوك ... أنا لست غاضبة منها وهي لم تتحدث معي عن
شيء مما حدث أقسم لك "
تنفس حينها بغضب وقطع الاتصال هامسا من بين أسانه
" لا تتستري عليها يا تيما فأنا أعرفها أكثر منك لا تتوقف أبدا
عن تحميل غيرها نتائج فشلها المستمر "
مد لها بعدها بهاتفها وقد عاد بنظره للطريق تنفسه يخرج كالإعصار
من شده غضبه بينما نظرت هي جهة نافذتها تمسح دموعها التي
ترفض التوقف تشعر بقلبها يتفتت بألم وهي تراهما يصلان لطريق
مسدود تماما وجميع آمالها تلك تطير أدراج الرياح .
*
*
*
تمسكت بجذع الشجرة تتنفس بقوة ولم يعد يمكنها الركض
ولا لخطوة أخرى بعد فهي ركضت ما لم تتخيل في حياتها
أن تركضه واجتازت مسافة ليست بقليلة أبدا لم تجلس فيها
للراحة سوى لدقائق معدودة فلم تصدق نفسها حين وجدت أن
المكان الذي وصلته حيث توقف ذاك الجواد عن الركض والحركة
كان عبارة عن منحدر متوسط الارتفاع والمكان تحته عبارة عن
مساحات شاسعة من الأشجار العالية الكثيفة تحدها سلسلة جبال
بعيدة فنزلت منه دون تفكير ولا تراجع .. نصف المسافة اجتازتها
راكضة باندفاع نحو الأسفل والنصف الآخر متدحرجة لسقوطها
بسبب سرعتها التي لم تستطع التحكم بها بسبب الجاذبية الأرضية ،
ورغم الخدوش والكدمات في ذراعيها وساقيها إلا أنها وقفت
وتابعت الركض بين الأشجار التي وفرت لها حماية كبيرة ولم
تعد تركض مكشوفة في الفراغ واثقة من أن تلك السيارات لن
تستطيع نزول ذاك المنحدر خلفها وسيكون عليهم الالتفاف حول
المكان بأكمله ولن تستطيع سياراتهم تلك السير في كل مكان في
تلك الغابة الواسعة والفرصة أمامها مواتية لتبتعد أكثر ، وغاب
عنها تماما أن ذاك المنحدر لم يكن سوى الحدود الخارجية لمدنها
وأبعد نقطة يستطيع الثنانيين الوصول لها مكشوفي الهوية مثلما
أن باقي أبناء تلك البلاد لا يجتازون تلك الحدود أبدا .
اتكأت بظهرها على الجذع الضخم لتلك الشجرة ورفعت رأسها
عاليا تنظر للسماء الزرقاء من بين قمم الأشجار العالية تتلقف
أنفاسها بتسارع وصدرها الملطخ بالأتربة والدماء بسبب كل تلك
الخدوش يرتفع ويهبط بشدة ، أغمضت عيناها العسلية الواسعة
ببطء ترعي سمعها لكل شيء حولها كي تعلم إن كان ثمة سيارة
قريبة أو تلتقط أي أصوات غريبة لكن لا شيء سوى أصوات
الطيور وحفيف أوراق الأشجار مع الريح فبدأت أنفاسها تتباطئ
تدريجيا تشعر براحة غامرة وإن كانت مدججة بالخوف والتوجس ،
نزلت بجسدها على الجذع الخشن برفق وجلست تحضن ركبتيها
بذراعيها ودست وجهها فيهم تشعر بجسدها بأكمله يؤلمها كما
أنها تركت الماء والطعام في السرج فلم يكن بوسعها أن تركض
بحمل أكثر من جسدها ولكانت فقدتهم في جميع الأحوال وقت
سقوطها وهي تنزل للأسفل ، رفعت رأسها للأعلى واتكأت به
على الجذع خلفها تنظر للفراغ بحزن وضياع ، لا تريد أن تندم
على ما أقدمت على فعله فهي إن بقيت هناك لكانت زوجة لذاك
الرجل من ساعات ولضاع حلمها الذي عاشت من أجله ولفقدت
أملها في أن تجتمع بحبيبها ذاك وللأبد ، تعلم بأنها تصرفت بتهور
وهو أول من سيغضب منها إن علم بما فعلته لكنها ترفض أن
تضحي بقلبها من أجل أي أحد ولا البلاد بأكملها فسيعيش الجميع
سعداء لن يهتموا أبدا بمن دفنت قلبها ومشاعرها وعاشت تعيسة
للأبد فلن تكون ضحية لقوانين الثنانيين السخيفة ولا أفكارهم
المتحجرة تلك ، مسحت الدموع التي انسابت على خديها وأغمضت
عينيها برفق فظهرت أمامها فورا صورة الشاب التي احتفضت بها
في ذاكرتها وأعماقها طيلة تلك الأعوام تعيش وتغذي روحها عليها
لتستمر في الحياة ، انزلقت دمعة جديدة من عينيها المغمضتان
وهمست بحزن
" أين أنت يا رعد فأنا أحتاجك وبشدة ؟ "
قبل أن يسيطر عليها النوم ودون شعور منها من شدة التعب والإعياء .
*
*
*
وقف أمام باب المنزل الخشبي ذو اللون البني الداكن تفاصيله
محفورة بعناية شديدة وتصميمه يأ خذ شكل قوس علوي ليكمل
الشكل الكلاسيكي للواجهة يتوسط حائط حجري قد علق عليه
مصباحان ، نظر لساعته والتي كانت تشير للسادسة مساء قبل
أن يرفعه مجددا بباب ذاك المنزل القابع في أحد أهم شوارع
فولنهام إحدى ضواحي ومدن لندن الداخلية ، أكثر ما يخشاه
أن لا يجد الشخص المدون اسمه في تلك الورقة في هذا المنزل
وسيكون عليه حينها أن يلجأ للبحث الموسع في كامل انجلترا
وسيأخذ منه ذلك أشهرا قبل أن يجده وسيرجع لنقطة الصفر مجددا ،
مرر أصابعه في شعره متنهدا بعمق ثم وضع اصبعه على جرس
الباب وقرعه برفق مرتين منفصلتين وقصيرتين وما هي إلا لحظات
وانفتح الباب كاشفا عن رجل في منتصف الخمسين من عمره تقريبا ،
نظر له بتمعن وشعر بالارتياح لملامحه العربية فهذا هو هدفه
بالتأكيد ولم يبقى له إلا أن يتأكد من الاسم ، مد يده له وقال مبتسما
" الدكتور مختار هاشم بالتأكيد "
نظر ليده لبرهة قبل أن يمد يده ويصافحه قائلا
" وصلت ... لكن المعذرة .. من أنت ؟ "
شد على يده قائلا
" وقاص سلطان ضرار نائب مدعي عام محكمة
( أولد بيلي الجنائية " )
نظر له مفكرا لوقت قبل أن يقول
" أنت حفيد ضرار سلطان ضرار ؟ "
سحب يده وقال مبتسما
" أجل ... هل تعرفه ؟ "
فتح له الباب وأشار له بيده ليدخل قائلا
" سمعت عنه كثيرا ، ولست أعتقد أنه ثمة عربي في بريطانيا
لا يعرفه ... تفضل بالدخول "
دخل للداخل وألقى نظرة أولا على المكان حوله ، كان راق ومميز
بالفعل رغم صغر مساحة ذاك المنزل نسبيا ... الأرضية الخشبية
اللامعة والجدران البيضاء الناصعة والأثاث الكلاسيكي البسيط
والمميز .. المطبخ فرنسي الطراز والمفتوح على بهو المنزل
واللوحات والمنحوتات الخزفية السريالية الموزعة في الأرجاء
لتعبر عن النزعة الفكرية والميول النفسية لصاحب ذاك المكان
فهذا الفن يحمل المضامين الفكرية والانفعالية التي تحتاج إلى
ترجمة من الجمهور المتذوق كي يفهم مغزاها حسب خبراته
الماضية لتظهر ما خلف الحقيقة البصرية الظاهرة فهو يعتمد
على التعبير بالأشكال والألوان عن الأفكار ألا شعورية والإيمان
بالقدرة الهائلة للأحلام ، وقد استخدم هذا الفن حتى في
العلاجات النفسية خاصة خلال الحرب العالمية الأولى .
انتبه من شروده في ذاك التناغم حتى في ترتيب تلك الكنوز
الفنية للذي أشار له لصالون الجلوس قائلا
" هل تشرب القهوة ؟ "
توجه حيث أشار وجلس قائلا
" شكرا لك أود فقط أن نتحدث في أمر مهم وأغادر فالمسافة
من هنا لبريستول بعيدة بعض الشيء "
جلس في الكرسي المقابل له وقال مبتسما
" إذا بما يمكنني أن أخدم سيادة نائب المدعي العام ؟ "
أخرج الصورة من جيبه ومدها له قائلا
" آنجي جاكس أو زيزفون ، هذه الحالة كنت أنت المسئول
الوحيد والمباشر عنها "
وتجنب اخباره باسمها كاملا فهو متأكد من أنه يعرف فقط اسمها
الأول وأنها عربية بسبب طبيعة حالتها لكن اسم عائلتها فمستبعد
جدا أن يكون يعرفه خاصة مع الحماية والسرية التي كان يحيطها
بها ذاك الرجل مجهول الهوية ، نظر الجالس أمامه للصورة التي
أخذها منه قبل أن يعيدها له قائلا
" من أخبرك عن مكاني ؟ "
أخذ منه الصورة وأعادها لجيبه قائلا
" لا يمكنني حقا إخبارك "
وقف حينها وغادر من هناك قائلا
" انتظرني قليلا "
وغاب لبعض الوقت وليس يعلم لأين ولما ؟ وبدأ بالنظر لساعته
كل حين وقد تلاعبت به الهواجس بأن يكون لاذ بالفرار كي لا يجده ،
وما أن فكر بالوقوف والبحث عنه حتى سمع خطواته تقترب من
خلفه ووقف أمامه ومد له بمغلف ورقي أبيض اللون وقال
" في هذا يوجد الملف الخاص بها كاملا "
وقف وأخذه منه ينظر له باستغراب فقد كان مغلقا بإحكام ، رفع
نظره به وقال
" كانت مجرد أسئلة أريد أجوبة عنها فما سأفعله بملفها الطبي
إن لم يكن فيه ما أبحث عنه ؟ "
قال الواقف أمامه فورا
" ستجد فيه كل ما أستطيع تقديمه لك في كلا الحالتين ولا أخفيك
حديثا بأني أنا نفسي لست أعلم ما يحوي تحديدا "
نظر له بصدمة وقال
" لست تعلم !! بماذا إذ ... "
قاطعه قائلا
" لن تفكر أبدا في أن تستدرج طبيبا لكشف أسرار مرضاه ،
تلك الفتاة حالة أشرفت عليها بنفسي بطلب وتوصيات شديدة
من شخص أنا نفسي لست أعلم من يكون "
مرر أصابعه في شعر قفا عنقه متنهدا بضيق ينظر للفراغ بشرود ..
ليس يفهم حتى متى سيظهر له شبح ذاك الرجل ومن يكون هذا
الذي لا يعرفه أحد ! قطع الواقف أمامه أفكاره قائلا
" وما كنت لأسلم هذا المغلف لأي شخص رغم أني كنت أجهل
هوية من كان عليا تسليمه له "
رفع نظراته المصدومة به وقد تابع من فوره
" كان عليا فقط تسليمه للشخص الذي سيستطيع الوصول لمكاني
رغم السرية التامة لتلك المصحة النفسية وشرط أن يكون
محاميا وأرى تلك الشروط توفرت فيك جميعها فلم يطرق باب
منزلي شخص يسأل عنها قبلك وطيلة الأعوام الماضية "
كان ينظر له بحيرة وضياع أصابع يده تشتد على ذاك المغلف
ولم يعد يمكنه استيعاب كل ما يقول !!
قال مبتسما من نظراته له
" وأصبح بإمكاني التحرر من هذا المنزل أخيرا والعودة لموطني
وعائلتي فلست تتصور كم تأخرت في قدومك هذا "
قال باستغراب
" تسافر من هنا ! لكن ماذا إن احتجت لمعرفة شيء ليس موجودا
فيه ؟ أو اكتشفت بأنه مجرد أوراق بيضاء ؟ "
رفع كتفيه قائلا
" أخبرتك بأنه لا شيء سأنفعك به فحتى ورقة تقريري الجنائي
ضمن أوراقه "
نظر له بعدم استيعاب قبل أن ينقل نظراته منه لذاك المغلف في
يده فما يعني بالتقرير الجنائي ... جريمة !! ها هي رائحة
الجريمة تفوح مجددا .
تحرك جهة باب المنزل في صمت تام يشعر بأنه يحمل في يده
سرا سيعجز عن استيعابه واحتوائه لكنه يحتاج فعلا أن يكتشفه
قبل أن يفقد عقله بسبب التفكير فيه ، ما أن وصل باب المنزل
حتى أوقفه الذي قال من خلفه
" رجاء يا سيد وقاص إن لم يكن بإمكانك مساعدة تلك الفتاة فلا
تفتحه أبدا لأنك قد تكون السبب في عودتها لحالتها السابقة تلك
ولن يخرجها منها أحد بعدها أبدا ولا أشهر أطباء العالم النفسيين "
عقدت الخيط وعادت لخياطة القميص وقالت ونظرها عليه
" ما أسرع ما افتقدت الطفلين ! المنزل كئيب من دونهما "
تنهدت الجالسة أمامها بضجر واتكأت بخدها على راحة يدها
متمتمة بضيق
" لا أفهم ما يحبانه في والد حتى أصوات لعبهما وصراخهما
لم يكن يحبها "
قالت الجالسة أمامها بضيق مماثل
" والدهما ويحبانه بالتأكيد فها أنتي أيضا تصرخين بهما طوال
الوقت وتضربينهما إن أخطئا ويحبانك ؟ ثم إن كانا لا يحبانه
حقا ما كانا متلهفان لرؤيته وما ذهبا معه الآن "
استوت في جلستها وقالت بحنق
" لم يفكر يوما في مصلحتهما بل في نفسه فقط .. تزوج على أمل
إنجاب أبناء غيرهم ليرميهم نهائيا ، إن أنجبت زوجته ستري
كلامي هذا بأم عينك "
حركت رأسها بيأس منها تنظر للقميص الذي تخيطه وقالت
" لو كان كذلك ما كان ليطلب أن يكونا لديكما نفس المدة ولكان
طالب بالتنازل عن نفقتهما ليطلقك وهو يعلم بأن عمير مستعد
للتكفل التام بهما دون أن يدفع قرشا واحدا لكنه رفض وخصص
لهما راتبا شهريا وعمير من اختار تركه لهما للمستقبل "
وتابعت وقد رفعت نطهرها لها ترمقها بضيق
" ولن نتحدث طبعا عن الذي كان مستعدا للتضحية بهما "
نفضت يديها قائلة بضيق
" أمي لا تخطئي فهم ما أقول فأنا أيضا كان من حقي أن أعيش
حياتي وهو من تزوج وأراد سجني بتهديدي بأخذهم مني فلا
يبقى لنا ولا يتركني أتحرر منه وأرى نصيبا غيره "
وضعت والدتها القميص من يدها بعنف قائلة
" وما معنى هذا سوى أنك تفكرين بأنانية أيضا وليست مصلحة
أبنائك ما تعنيك ؟ "
قالت باستنكار
" أمي !! "
قالت بضيق متجاهلة لها
" وما معنى كلامك ذاك سوى أنك على استعداد لتركهم إن واتتك
فرصة زواج برجل يرفض وجودهم لديه "
قالت بضيق مماثل
" أمي أنا قلت بأنه من حقي أن أعيش حياتي مثله فأنا لازلت
صغيرة ... هذا ليس يعني بأني سأرمي أبنائي "
رفعت قميص حفيدها تنهي خياطة أزراره قائلة بحنق
" هذا حين لا تكونين ابنتي التي أعرفها جيدا ومنذ كانت طفلة "
زمت شفتيها بضيق وكتفت ذراعيها لصدرها مشيحة بوجهها جانبا ،
هذا ما يخطط له ذاك الرجل أن يبقيها مربية لأبنائه سواء كانت
زوجة له أو طلقها وهذا هو تفكير الرجال الأنانين مثله ، من حقها
أن تفكر في نفسها أيضا وقبل كل شيء كما فعل هو .
سرق نظرها سريعا الذي نزل السلالم بخطوات واسعة يلبس سترته
باستعجال يتحدث عبر سماعة في أذنه قائلا
" نريد أي معلومات عنها .. مكان الجواد الذي تركته خلفها بالتحديد
وصورة لها أو مواصفاتها بدقة وماذا كانت تلبس وسنبدأ بتحريك
جميع القوات والخلايا النائمة وسنجدها سريعا بالتأكيد إلا إن ... "
وغادر مغلقا الباب خلفه لينقطع حديثه عنهم ، غادر مسرعا دون
حتى أن ينظر ناحيتهما رغم أن مكان جلوسهما واضح له تماما ..
بل غادر ونظراتها اليائسة تتبعه بحسرة ...كم تغير ناحيتها ؟
أهذا هو عمير الذي كان ينظر لها بحب وشغف يظهر واضحا
في عينيه كلما كانت أمامه ! الذي كان يزعجها لتغضب ثم يعود
ويراضيها فورا ! من كان على استعداد لجلب كل ما تطلبه وتتمناه
كي لا يظلمها في حياتها معه ؟ لن تسامح نفسها أبدا على غبائها
حين رفضت انتظاره وتزوجت من غيره ليعلمها ذاك الزوج أن
الرجال ليسوا جميعهم متشابهون وليسوا جميعهم عمير .
" هل صعدت للطابق العلوي أو لغرفته ؟ "
نقلت نظراتها التي علقت في مكان خروجه للجالسة أمامها ونظرت
لها بصدمة وهمست بتوتر
" لغر ... لغرفته !! "
نظرت لعينيها وقالت من فورها
" أجل "
شعرت بالدماء جفت في عروقها وفقدت حتى القدرة على النطق ،
هل فعلها عمير وأخبر والدتها ؟ لا لا مستحيل إن كان عمير الذي
تعرفه فلن يفعلها أبدا ، إذا من أين علمت ؟ قالت بصعوبة
" مممن قال هذا ؟ "
نظرت لها بشك وقالت
" لا أحد أنا سألت فقط "
قالت بإنكار
" لا قطعا ... فإن صعدت للأعلى لرأيتني فنحن لا نفترق أبدا ،
ثم ما مناسبة هذا السؤال أمي ؟ "
وقفت وقالت ترفع القميص وعلبة عدة الخياطة
" عمير قال بأن لا نتعب أنفسنا بتنظيف غرفته أو أخذ ثيابه منها "
وتابعت مغادرة على نظراتها المصدومة
" فإن كنت فعلتها سابقا فلا تكرريها "
وغادرت جهة السلالم قاصدة ممر غرفهم الموجود خلفه ونظراتها
المصدومة تتبعها ليس بسبب ما قالت فقط بل وبسبب ما قال هو .
*
*
*
جمعت حاجياتها بسرعة واستعجال في حقيبة يدها وخرجت مسرعة
لتدركه ووقفت أمام المصعد تضغط زره بتكرار ليفتح فلن تسمح له
بفعلها هذه المرة أيضا يكفيه صباحا غادر وتركها تركب سيارة الأجرة
وحين اتصلت به قال وبكل برود ( محطة الباصات أمامك ، ولعلمك
فقط أي تغيب عن العمل سيخصم من راتبك (
وما الذي تركه في راتبها يخصمه وزاد عليه المواصلات ! لا هكذا
لن تجد ما تأكله باقي الشهر ، صعدت المصعد ما أن فتح لها ونزلت
للطابق الأول فورا وما أن انفتح الباب خرجت مسرعة تنظر للذان
يقفان عند طاولة الاستقبال وهدفها كان واحد منهما غير أنه تحرك
فجأة جهة باب الشركة فتبعته مسرعة لولا أوقفها فجأة الذي كان يقف
معه حين وقف أمامها تماما ولم يكن سوى آرمان الذي نظر لها مبتسما
بسخرية قبل أن تتوجه باربرا ناحيته تفتش في حقيبة يدها قائلة "
وجدته أخيرا ... يمكننا المغادرة الآن "
فابتسم رافعا ذراعه لها وقد تمسكت بها مبتسمة بسعادة وقال ناظرا
لعينيها المحدقة به ببرود
" شكرا على المصادفة التي جمعتنا بسببك "
رمت شعرها المموج للخلف وقالت بسخرية مغادرة و مجتازة لهما
" جيد ... فعلى الأقل سأعرف أين أجدك مستقبلا حين يطلب مني
مديرك البحث عنك "
وغادرت من باب الشركة الزجاجي الواسع قدماها تضربان الأرض
بغضب حتى وصلت موقف السيارات المخصص به وركضت مسرعة
تضرب بحقيبتها مؤخرة سيارته المغادرة أمامها صارخة
" توقف "
كانت تتوقع بأنه سيغادر ويتركها لكنه فاجأها بأن تراجع بالسيارة
للوراء حتى وقف أمامها وأنزل زجاج نافذته وقال
" نعم ... ما المشكلة ؟ "
أمسكت خصرها بيدها الحرة وقالت بضيق
" ليس ثمة مشكلة سوى أنه يكفيك نصف الراتب الذي خصمته
مني لتزيد عليه ثمن المواصلات "
اتكأ بساعده على إطار النافذة وقال ببرود
" تلك مشكلتك لوحدك .. أنتي من تجلبين كل ذلك لنفسك "
ضربت بقدمها الأرض قائلة بغضب
" كان يكفيني خصم الراتب كعقاب بل وإرسالي اليوم وبدوام كامل
لطابق التسويق فذاك وحده يساوي الموت البطيء "
تنفس بقوة وقال بجمود
" إذا ... ؟ "
نظرت له بعبوس مقربة حاجبيها البنيان الرقيقان ، هي لم تفعلها
سابقا ولم تكن تتخيل أن تضطر يوما للاعتراف بخطأ ارتكبته لتفكر
أساسا في الاعتذار عنه ، لكنها لن تستحمل هذا الوضع أكثر ..
لا يمكنها استحمال يوم آخر في ذاك القسم أو أن تركض خلف الباص
في المحطات كل يوم ذهابا وإيابا فسيارات الأجرة كلفتها مرتفعة ،
بل وأن لا تأكل سوى ساندوتشات البيض والجبن شهرا كاملا ،
قوست شفتيها وقالت وإن مكرهة
" أنا آسفة ولن يتكرر ذلك "
أغلق حينها نافذته وتحرك بالسيارة تنظر له بصدمة تشعر وكأنه
صدمها بها وداسها بعجلاتها .. بل لو كان فعلها لكان أهون مما فعله ،
لكنه فاجأها بأن دار بالسيارة حولها ووقف بها أمامها من الجانب
الآخر ففتحت الباب وجلست في الكرسي وأغلقته خلفها وتحرك
بالسيارة فورا وما أن اجتازا الشارع الرئيسي قالت بضيق
" لم يكن ذاك الفاشل يستحق أن اعاقب من أجله كل هذا العقاب "
قال الجالس بجانبها وببرود نظره على الطريق أمامه
" ليس من أجله بل من أجلك "
نظرت له بدهشة سرعان ما ضربها في الجدار حين تابع
" كي تتعلمي درسا في التفكير في العواقب قبل فعل أي شيء "
عبست ملامحها وتمتمت بضيق
" شكرا على المحاضرة التربوية "
لف بالمقود يمينا ونظر للساعة في معصمه ولم يعلق فلم يزدها
ذلك سوى اشتعالا ، لا تفهم هذا الرجل كيف يفكر تحديدا ؟ أحيانا
تراه بارودا ساخنا أبسط شرارة صغيرة تفجره محرقا كل شيء
وبعض الأحيان كثلة من جليد لن يكفيها عاما كاملا تحت الشمس
لتنصهر ! وما أن اقتربا من الحي الذي يعيشون فيه قالت ما لا
يمكنها الحديث عنه إلا هنا كي لا تستمع لمواعظه طوال الطريق
" وماذا بشأن الراتب فلن يكفي نصفه أبدا "
وقف بالسيارة أمام المبنى السكني وقال ببرود
" غيرك يعيشون بأقل من نصفه ، فلا تنسي بأنه يوازي رواتب
مديري الأقسام في الشركة "
فتحت باب السيارة ونزلت منها قائلة بضيق
" مسجل في بنود عقدك العقيم ذاك طبعا وإلا لما كنت أعطيتني
ولا ربعه "
وضربت باب السيارة بغضب فانطلق بها من فوره مغادرا من هناك .
*
*
*
طرقت الباب وفتحته وأدخلت رأسها منه ونظرت للجالسة
متربعة على سريرها والكتب ومذكراتها منتشرة حولها ترفع
شعرها بعشوائية تمسكه بمشبك فضي وفي يدها قلم حبر تكتب
في ورقة ما قبل أن ترفع نظرها بها فقالت مبتسمة
" ماذا تفعلين ؟ سؤال سخيف أليس كذلك ؟ "
وضحكت وهي تدخل مغلقة الباب خلفها ونظرها على التي
ابتسمت قائلة
" بل كنت أحتاج بالفعل لمن يقاطعني قليلا "
اقتربت منها وقفزت على السرير وجلست مقابلة لها وقالت بأسى
ناظرة لرموشها التي لازالت آثار بعض الدموع واضحة عليها
" ماريه اقسم أنه لا يستحق دمعة واحدة من عينيك الجميلتين "
نزلت بنظرها للأوراق في حجرها وعادت لتدوين الأرقام في الجدول
فيها هامسة بحزن
" بدأت أعتاد وسأتأقلم سريعا "
أخرجت ساندرين أحد الكتب من تحت ركبتها لجلوسها على طرفه
ورمته بعيدا عنها قائلة
" بربك مارية ستتأقلمين مع فكرة مهمته الكاذبة تلك أم مع وجودها
في حياته ؟ "
رفعت نظرها لها وقالت بغصة وقد ملأت الدموع عينيها
" بل مع فكرة أنه لم يعد له وجود في عالمي "
وتابعت ببرود وقد عادت بنظرها لأوراقها مجددا
" ساندي لنتوقف عن الحديث في كل هذا أرجوك "
سحبت الأوراق من يديها ووضعتهم جانبا قائلة
" إذا أخبريني ماذا ستلبسين من أجل حفل الغد ؟ "
ضمت يديها في حجرها ونزلت بنظرها لهما هامسة
" لن أذهب "
تنهدت ساندرين وقالت من فورها
" إن كان بسبب المدعو تيم فلا تخافي فهو لن يكون هناك
بالتأكيد ففوق أنه لم يحضر حفلاتهم سابقا لن يدخل مكانا يجتمعون
فيه أفراد عائلته جميعهم "
رفعت نظرها لها وقالت
" ليس لأجل ذلك بل لا أريد الذهاب بدونك فأنا لا أعرف أحدا هناك "
تمتمت الجالسة أمامها بعبوس
" ومن أخبرك بأني لن أذهب "
نظرت لها بصدمة هامسة
" ستذهبين حقا ! "
نفضت يديها قائلة بضيق
" وهل ترك لي والدي أي خيار ؟ كدت أتشاجر معه منذ قليل لولا
تدخلت والدتي وفي صفه طبعا .. قال ماذا ؟
( لن أسمح لك بأن تخجلينا معهم وهم يدعوننا جميعا وبالإسم ثم
نذهب بدونك )
اقسم أن ذاك الدبور وراء ذلك ويخطط لأمر ما لكنه جنا على نفسه
وأنا من ستنتقم منه "
حركت رأسها بحيرة وقالت
" وما سبب كل هذا العداء بينكما ؟ "
تأففت قائلة
" أكرهه وهو السبب .. هو من كان يسخر مني باستمرار منذ
كنت طفلة وحاله لم يتغير ولا بعد أن أصبح عجوزا .. زير النساء
القذر ذاك "
ابتسمت الجالسة أمامها وقالت متشهدة على نفسها ترفع يديها
أمام وجهها
" قد يكون في الأمر إعجاب ما ومن الطرفين أيضا "
وكما توقعت تماما كانت ردة فعل الجالسة أمامها أن قفزت ناحيتها
وسقطتا كليهما للخلف تحاول خنقها شاتمة بينما لم تستطع هي
التنفس من الضحك لحظة أن انفتح باب الغرفة فجلستا كليهما
ولازالت ساندرين ترمقها بنظرات حانقة متوعدة بينما كانت هي
ترتب شعرها مبتسمة وتمسح دموعها التي نزلت من كثرة الضحك
والصراخ مستنجدة فقالت الواقفة عند الباب مكتفة ذراعيها لصدرها
تنظر لابنتها تحديدا
" لا تدرسين ولا تتركين غيرك يدرس ؟ "
لوحت ساندرين بيدها أمام وجهها قائلة بتملق
" لا تبحثي لي عن الحجج فقط لأن زوجك الحبيب غاضب مني "
حركت رأسها بيأس منها ثم نظرت للجالسة معها على السرير قائلة
" ماريه ثمة زائر يريد رؤيتك "
نظرتا لبعضهما باستغراب قبل أن تنظر ساندرين لوالدتها تمسك
خصرها بيديها قائلة
" إن كان المدعو تيم فأخبريه بأنها ماتت "
نظرت لها بضيق وقالت
" أنا أتحدث معها وليس معك يا أم لسانين ، ثم زوجها ما كان
ليطلب من أحد جلبها له "
وتابعت مغادرة من هناك
" هذا والده يريد رؤيتك فلا تتأخري فهو ينتظرك في
غرفة الضيوف "
غضنت جبينها عاقدة حاجبيها بقوة قبل أن تفتح عينيها فجأة
وشهقت بصدمة وهي تنظر للواقفين فوقها بذعر حتى أنها لم تستطع
الوقوف بسبب سلاح الرشاش الذي كان يوجه أحدهم فوهته لرأسها
وشعرت بذعر لم تعرفه في حياتها وهي تنظر لوجوه أولئك الرجال
المخيفين المتحلقين حولها بلباس جيش ينظرون لها وكأنها وجبة
دسمة سقطت عليهم من السماء ، لا تعلم كيف تغلب عليها النعاس
ونامت دون أن تعلم وكم من الوقت قضته لا تعلم عما حولها شيئا
ويبدوا بأنه وقت طويل جدا حتى أن الشمس قد ارتفعت لكبد السماء
أي أن الوقت تعدى الظهيرة ، سندت نفسها بيديها على الأرض تنظر
لهم بخوف هامسة بخفوت بكل ما تحفظه من آيات تحصن نفسها
بثقتها في الله وحده وحدقتاها العسلية الدامعة محدقة بهم فوقها
بهلع وقد قال الذي نزل بفوهة سلاحه من جبينها لخدها المغطى
بالخدوش نزولا لذقنها ووشم العروس فيه قائلا بابتسامة ساخرة
" لا يبدوا أنها عربية "
قبل أن ينزل بنظراته لفستانها الذي لم يفقد معالمه الحقيقية وإن كان
ملطخا بالأثربة وصاح بضحكة
" ثنانية يا رجال "
فضحكوا جميعهم مما زاد ذعرها وارتجاف جسدها النحيل وكاد يغمى
عليها ودموعها بدأت بالانهمار من الصدمة حين قال أحدهم بضحكة
" أتصدقون .. ؟ ثنانية في أراضي صنوان !! "
*
*
*
وصل بريستول في وقت أطول مما توقع بكثير ففوق المسافة من
لندن حتى هنا علق في زحام أول المساء وهو يغادر فولنهام عائدا
فلم يصل المنزل حتى كانت الساعة العاشرة ، ركن سيارته قرب
سيارة رواح كالعادة رغم طريقته الفوضوية في ركن تلك البورش
السوداء .. لا يعلم السبب لكنه يشعر بأنه نوع من التقارب الروحي
بينهما فهو يفضل أن يخرج صباحا ويجدها بجانب سيارته هكذا ،
هو ورواح كانا منذ الصغر شخصيتان متناقضتان تماما فهو يراه
شخص مستهتر بعض الأحيان بينما رأي رواح فيه أن حياته رتيبة
ومملة وأنه يعطي للأمور قدرا أكبر من حجمها لكن ذلك لم يؤثر في
علاقتهما الأخوية أبدا فكانا يتفقان في أغلب الأمور مهما اختلفت
شخصياتهما ووجهات النظر حولها كما أن والدة رواح كانت السبب
الرئيسي في كل ذلك فهي كانت بمثابة الأم بالنسبة له ولم تعامل ابنها
بتميز عنه في أي شيء بل كانت تقف في صفه ضده أغلب الأحيان .
أغلق باب السيارة بعدما أنزل معه المغلف الذي كان رفيقا له طوال
ذاك الطريق الطويل لم يفتح حتى نوافذ السيارة خشية أن يفعلها
الهواء ويحمله معه بل أنه لم ينزل ولا ليتناول العشاء يخشى من
إنزاله معه ومن تركه في السيارة فعليه أن يعلم ما بداخله ..
هذا هو أهم ما سيكون عليه فعله حاليا .
صعد عتبات المنزل بخطوات واسعة وفتح الباب ودخل وكان في
استقباله الصمت والهدوء التام كالعادة فلا أطفال يتحركون فيه ولا
أشخاص تربطهم علاقات قوية قد يجلسون وسط بهوه يتبادلون
الأحاديث والضحكات فزوجات والده كل واحدة تنفر من الأخرى وإن
لم تكن كذلك فهي تتجنبها تجنبا لأي مشاكل ستتفاقم بسرعة البرق ،
رواح بعد أن أصبح يعمل في شركة الطيران الجديدة أصبح وجوده
يتقلص تدريجيا ، ضرار انضم لمدرسة داخلية تاركا مكانه الفارغ
أساسا شاغرا ووالده يبدوا رحلته أطول مما يتوقع ، أما العضو
الأخير والجديد في العائلة فهي تفضل مقابلة الجدران على أن تبقى
برفقة أحدهم وإن لدقائق معدودة ، فتحول المنزل لشبه خال من
ساكنيه لا ترى أحدا منهم إلا مصادفة وهو يبحث عن الآخر .
توجه جهة السلالم فورا ليوقفه صوت من لم يكن ضمن تلك
اللآئحة بأكملها وهو ... جده ، وقف والتفت له وهو يقترب ناحيته
قائلا بجدية
" ماذا حدث في موضوع شقيقك ؟ "
عقد حاجبيه قائلا بتفكير
" من منهم تعني ؟ "
وقف أمامه وقال بامتعاض
" نجيب أعني طبعا أم أنك نسيت تماما ما طلبته منك ؟ "
أشاح بوجهه متنهدا بعمق ليلفت حينها انتباهه التي وقفت عند
بداية الممر الشرقي تمسك شعرها الأشقر الطويل في جديلة جهة
كتفها الأيمن تلبس بيجامة نوم حريرية بيضاء بأكمام طويلة تنظر
لعينيه بصمت وهدوء مريب فهو بات يخشى هذه المرأة وفي جميع
حالاتها خاصة أنها يبدوا استمعت لحديثهما من بدايته ، كانت تمسك
دفتر الرسم في يدها ويبدوا بأنها كانت في تلك الغرفة التي ترفض
الخروج لسواها حتى في الليل ، انتزع نظراته من عينيها ونظر
للواقف أمامه ولا مناص من قول الحقيقة له رغم أنه تجنب ذكرها
طوال الفترة الماضية يتهرب حتى من الحديث عن أي موضوع
قد يؤدي للسؤال عنه ، قال ببرود
" في سوانزي من فترة "
انفتحت عينا الواقف أمامه على اتساعها ليس من الصدمة بل
بسبب الغضب المتفجر منهما فهو يدرك جيدا ما تكون تلك المدينة
ولما سيلجأ لمثيلاتها وهي من شهدت أكبر عدد من جرائم المخدرات
مؤخرا ، كما ويعلم بأن الواقف أمامه يدرك ذلك جيدا بحكم عمله في
مكتب المدعي العام وقبل ذلك لكونه محام يعلم جيدا ما تكون مدن
الجرائم في تلك البلاد ، شد قبضته على العصا في يده وقال بحدة
" من برايتون سابقا أصبحنا في سوانزي الآن ؟ يتنقل في مدن
الجرائم وكأنه زعيمهم !
أهذا رده على مواجهتي له بعيوبه وأخطائه ؟ "
أغمض وقاص عينيه لبرهة متنهدا بعمق قبل أن ينظر له مجددا قائلا
" جدي لست أرى أن معاقبته في كل مرة حلا له ، أنت لن .... "
قاطعته التي نزلت السلالم قائلة بغضب
" لو تبتعد أنت عن حياة ابني فسيكون بأفضل حال "
نقل نظراته الحانقة لها بينما استدار الواقف أمامه بنصف جسده
ما أن سمع صوتها وقد وصلت للأسفل ليصبحوا ليس ثلاثتهم فقط
في مواجهة بعضهم بل والتي كانت واقفة خلف ظهره تماما قبل
أن يستدير ، تابعت تلك حديثها مشيرة بسبابتها للواقف يمينا
" أنت السبب يا وقاص في أي أمر سيفعله ابني ، بسببك فقد ثقته
في الجميع لأنهم جميعا بسببك كان يراهم لا يثقون به "
تبدلت ملامحه للضيق وقال
" أجل فأنا شقيقه الأكبر منه وقدوته وجدني منحرفا منحلا قبله
وهو يقلدني "
شدت قبضتاها بجانبي جسدها وقالت بحدة
" بل أنت وجميعكم السبب "
وتابعت تنظر للذي كان ينظر لها بقسوة تنذر بإنفجاره الوشيك فيها
" وأنت أيضا يا عمي كنت تهمل المشاكل الصغيرة وحين عظمت
رميتموها عليه جميعها وكأنه ليس حفيدك مثل البقية ، لم تتركه
يدرس ما يريد ولا يعمل حيث وكيف يريد ، كانت أرائه مهمشة
دائما وقراراته مرفوضة دون سماع ومن الجميع حتى أشعرته
بالدونية وبأنه أقل حتى من شقيقاه الأصغر منه "
وتابعت وقد أشارت بحركة من رأسها جهة الواقفة هناك
" ونهاية الأمر زوجته بخرساء مجنونة وتعاملونه على أنه هو
المجنون وليس هي "
لم يعلق الواقف أمامها بحرف على ما قالت فلم يزدها ذاك إلا
اشتعالا فأشارت بإصبعها ناحيتها قائلة بغضب
" وطرد هو من المنزل بينما فرض علينا معاملة هذه المعلولة
الناقصة أفضل مما عومل هو طوال حياته "
كان جواب ضرار الصمت التام رغم أن نظراته لها لم تفقد قسوتها
وحدتها بينما تجنب وقاص أيضا التحدث محدقا بالتي كانت تنظر لها
بجمود ينتظر وبكل فضول ما الذي ستفعله فهو انتظر هذه المواجهة
طويلا فعليها أن تعلمهم جميعا بأنها أقوى من أن يسخروا من قدرتها
على الدفاع عن نفسها كما عرفها هو سابقا وجيدا أيضا ، ولم يتأخر
ما كان ينتظره طويلا وقد اقتربت الواقفة هناك بضع خطوات لتصبح
في مواجهتها وحركت رأسها بغرور ما كان ليليق بسواها حين قالت
" لما لا تتوقفي عن محاولة إلصاق فشلك في تربية ابنك المنحل
أخلاقيا بغيرك ؟ "
نظرت لها بصدمة لم تجاهد لإخفائها أبدا قبل أن تنقل نظراتها تلك
له وهو يكتف يديه لصدره ينظر لها ببرود ثم لجده الذي لازال على
صمته وجموده قبل أن تعود بنظرها لها وقد همست بعدم تصديق
" لا وكنت تدعين الخرس أيضا ! ما الذي تخفينه بعد يا كاذبة ؟ "
قالت من فورها وبسخرية
" هه .. الجنون والمرض وأن ابنك ضربني ... وماذا بعد ؟ آه أجل
نسيت ومدمنة على المخدرات والشرب وشاذة أيضا وأبحث عمن
أجعله شماعة لأفعالي "
صرخت فيها فورا ملوحة بيدها بانفعال
" ومن وجدت غيره يرضى بواحدة مثلك يا خائنة، يا حفيدة الخائنة "
كانت تلك العبارة ما أشعلت التي لم تنتظر أي ردة فعل من غيرها
وتلك الزرقة في عينيها تتحول لسحب رمادية داكنة من شدة
الغضب وقد رمت ذاك الدفتر الذي تمسكه بطول يدها ليضرب
مباشرة وجه التي لم تستطع تداركه لصدمتها وصرخت فيها بغضب
" فكري فقط بالتحدث عن جدتي بسوء مجددا وقسما أن اسجن
فيك هذه المرة "
نقل وقاص نظراته المصدومة من زوجة والده لها ليس بسبب
ما حدث وما قالت بل بسبب عبارتها تلك
( اسجن فيك هذه المرة ... اسجن فيك هذه المرة (
ضغط قبضته على ذاك المغلف لا شعوريا ونظراته المصدومة
لم تفارقها ... أي ثمة مرة سابقة ولم تسجن فيها !! كان يشعر
بالدماء تتدفق في شرايينه بقوة آلمته وكأنها ستنفجر في أي لحظة
حتى أن أطرافه عجزت عن الحركة وهو يفكر في أمر واحد فقط
( هي المدان في تلك الجريمة لا محالة ! )
كسر كل ذاك الصمت المشحون الصوت الغاضب للتي تقف بداية
السلالم تلمس أنفها بأطراف أصابعها بعدما كانت الصدمة الأقوى
من الطرف الصلب في ذاك الدفتر من نصيبه
" وأنكري أنك تخونين زوجك مع من يفتر... "
" أسماااااء "
كانت تلك الصرخة ممن انتظر وقاص أن يحسم هو الأمر تحديدا
ويتحدث ويحدد موقفه مع من سيكون لما كان ليسكت أبدا لتلك
المرأة ومنذ البداية ، أشاحت زيزفون بوجهها بعيدا على الفور
بينما صرخت تلك مبعدة يدها عن أنفها لتنكشف الكدمة الحمراء فيه
" تسكتني أنا وتراها أمامك تتطاول على زوجة عمها ووالدة زوجها
بل وتمد يدها عليها ؟ "
صرخ فيها مجددا مشيرا بعصاه ناحيتها
" أصمتا كلتيكما أو أنا من سيعرف كيف يسكتكما حالا "
رمته بنظرة حانقة قبل أن تصعد قائلة بغضب
" معك حق تقف في صفها فهي حفيدتك في كل الأحوال وأنا
الغريبة عنكم "
واختفت في الأعلى مخلفة صمتا مبهما لم يكسره سوى خطوات
التي تحركت مجتازة لهما وتوجهت جهة ممر غرفتها ليتبعها ذاك
الصوت الغاضب الآمر
" زيزفون توقفي "
لكنها لم تعره أي اهتمام وكأنها لا تسمعه وتابعت طريقها دون
أن تتوقف لحظة حتى اختفت عنهما فتحرك خلفها لتوقفه اليد التي
أمسكت بذراعه وامتد ذاك الساعد أمام صدره العريض فنظر فورا
وبغضب لعيني الذي قال بجدية
" أرجوك جدي ... أنت لن تحل المشكلة هكذا ، ثم زوجة والدي
هي من بدأ بل وتحدثت بالسوء عن جدتها وأنت أكثر من يعلم
ببراءة تلك المرأة "
أبعد يده عنه بقوة وتحرك في الاتجاه الآخر جهة السلالم أيضا ودون
أن يعلق بحرف فتنهد بضيق ممررا أصابعه في شعره قبل أن يتوجه
للدفتر المرمي أرضا ورفعه ودون أن يقاوم فضوله أبدا لفتحه يبحث
عن آخر ما رسمت ليجد ما شل أطرافه تماما ... كانت رسمة واحدة
جديدة ولنفس الذئب لكن هذه المرة الوضعية مختلفة تماما ، شعر
بجسده يتعرق وأطرافه تتصلب وهو ينظر للذي رسمته معه في
الورقة وكان .. أسد .. بتفاصيل دقيقة وكأنه صورة حقيقية أمامه
ينقض على عنق ذاك الحيوان الذي لم يستطع مقاومة قوته التي
فاقته بأضعاف فاتحا فمه وأنيابه بارزة من صرخة الموت التي
كانت تخرج حتى من عينيه .
رفع نظره من تلك الورقة ونظر جهة الممر الذي غادرت منه قبل
قليل .. يعجز عن فهم ما كان يجول في رأسها حين رسمت هذا ؟
بل ويعجز عن فهمها في جميع حالاتها !
من يكون الذي رمزت له بالأسد ... ؟
بل ومن ذاك الذئب الذي تحول في رسوماتها من مفترس لفريسة ؟!
نظر للمغلف في يده وتذكر فورا ما قاله ذاك الطبيب
( إن لم يكن بإمكانك مساعدة تلك الفتاة فلا تفتحه أبدا لأنك قد تكون
السبب في عودتها لحالتها السابقة تلك ولن يخرجها منها أحد بعدها
أبدا ولا أشهر أطباء العالم النفسيين )
شد قبضته عليه بقوة ثم صعد عتبات السلالم بخطوات واسعة
لا يمكنه أن ينتظر ولا دقيقة أخرى ليكتشف ما يخبئه بداخله .
وصل جناحه ودخل غرفة مكتبه هناك من فوره وأغلق بابها خلفه
بالمفتاح بعدما رمى بهواتفه خارجها فلا يريد أن يقاطعه شيء
ولا أحد عن معرفة كل ما يحويه من أوراق ، رمى بدفترها على
الطاولة لم يهتم ولا لانزلاقه مفتوحا على الأرض وجلس على الكرسي
الجلدي وفتح ذاك المغلف فورا يشعر بأن تلك الثواني التي تفصله عن
معرفة الحقيقة تمزقه كتمزيقه لطرفه برفق كي لا يخسر شيئا مما
يوجد فيه ، فتحه أخيرا وأخرج مجموعة الأوراق بداخله وبدأ يقلبها
بسرعة وصدمة فلم يكن يحتاج للكثير ليفهم ما تكون تلك ...
محاضر أقسام شرطة .. أرقام قضايا معلقة .. شهادات إدانة
وشهود و....
رماهم من فوره وأمسك رأسه ينظر بصدمة وضياع للطاولة التي
يتكئ عليها بمرفقيه وشعر حينها بمعنى الانهيار الحقيقي للرجال ...
هذه ليست تقارير طبية ولا جنائية ... إنه ملف قضايا يحمل اسمها
في كل ورقة فيه ....
( مقتل السيدة زهراء علي شعبان محترقة في منزلها )
( ومقتل زوجها السيد صفوان حسن العبار طعنا بحربة صيد )
جريمتان في ذات المكان وفي ذات الليلة والمتهم بذلك وبالأدلة
القاطعة ....
(زيزفون إسحاق ضرار السلطان)
أمسك صدغيه بقوة يشعر بأنهما سينفجران ووقعت نظراته الضائعة
المصدومة على دفترها المرمي أرضا مفتوحا تحديدا على رسمة ذاك
الشاب الذي لم تختلف ملامحه عن ضرار سلطان سوى في لون العينين
الفاتح ومن لم يكن سوى لغزا من ألغازها التي تكاد ترسله بها للجنون
*
*
*
رفع نظره وحدقتيه الزرقاء المستديرة من على العلب التي كان
يصفها في الصندوق الكرتوني أمامه وانتقل تركيزه وانتباهه لما
يجري هناك والواقف فوق الجالسين على المجلس الأرضي الواسع
والذي دخل للتو يرمي بجريدة ما أمام الجالسين هناك قائلا
" ابن شاهين نفى جميع شكوكك مجددا يا شعيب وها قد أرسلتني
كل تلك المسافة عبثا "
كانت تلك اليد المجعدة والتي رن حول معصمها ثلاث أساور من
الذهب يحفها كم الفستان المطرز والواسع هي من سبقت لتلك
الجريدة ورفعتها تحدق عيناها السوداء التي لم تستطع تلك التجاعيد
إخفاء اتساعها وحدتها ممعنة النظر بتلك الصورة وملامح
الموجود فيها قبل أن تمدها للجالس على يمينها قائلة
" اقرأ يا عيسى "
أخذها منها فورا ونظر للخبر أولا قبل أن يرفع نظره بالجالس في
الطرف الآخر والمقابل له يحدق به بصمت يلف عمامة بيضاء حول
رأسه كعادته التي عرفوها عنه لأعوام طويلة مبرزة ملامحه الجنوبية
الحادة ، ورغم بلوغه الستين من عمره إلا أن ذاك الشعر الذي لامس
كتفيه ينزل ناعما ومموجا من أطراف عمامته لازال يحمل من السواد
الكثير كحال باقي أبناء تلك القبائل التي لم يحمل أفرادها لقب الحالك
عبثا ، ابتسم بسخرية أمام نظرته الجامدة تلك ورماها جهته قائلا
" إقرأها أنت يا شعيب لتسمعها والدتك منك تحديدا "
امتدت أصابعه السمراء الطويلة التي لوحتها الشمس وأقست
بشرتها تلك الطبيعة الزراعية الخشنة لتك الجريدة ورفعها بعدما
رماه بنظرة متوعدة فهو يعلم بأنه لم يقصد بذلك سوى إيصال رسالة
واضحة لهم بأن الجالسة بينهما ليست تثق بأحد غيره ، انتقلت حدقتاه
السوداء في أسطر تلك المقالة وخطوط ملامحه البدوية لا تزداد إلا حدة
قبل أن يرميها حيث كانت ونظره عليها فقالت التي ضربت بعكازها
الأرض
" ماذا هناك ؟ لما لا يتحدث أحدكم بما يوجد في هذه الخرقة "
قال من أحضرها تحديدا والواقف مكتفا ذراعيه لصدره
" فيها أن ابن شاهين يعترف وأمام الصحافة والإعلام بأنه ترك
ابنة شراع قبل أربعة عشرة عاما من أجل امرأة أخرى "
رفعت نظراتها المصدومة به قبل أن تنزل بها للجالس على يسارها
نظراته القاسية لازالت جامدة على تلك الصورة وقالت باستغراب
" إذا ظنونك لم تكن في محلها يا شعيب ! "
لم يعلق بكلمة لازال نظره على صاحب تلك النظرات القوية الواثقة
في الصورة وكأنه يبادله إياها ويراه أمامه فعلا بينما قال الجالس
مقابلا له
" إذا ما شاع عن أنها ما تزال زوجته إما أنه غير حقيقي أو أنه
حدث حديثا "
عقب الواقف خلفه مباشرة
" إن انتزعت منها ملكية العمران وإدارة تلك الجمعية وهذا
ما سننتظر إعلانه في الصحف القادمة فستكون شكوك مجرد
أوهام يا شعيب ولن تكون ابنة دجى الحالك أبدا وليس من داع
لأن نفتش عن الحقيقة في أفراد ومدن قبائل غزير وستنتهي
مهمتي عند ذلك "
قال نوح متشدقا كعادته ونظره على المقابل له يفرقع أصابعه
بإبهام ذات اليد ونظره لم يفارق تلك الجريدة والصورة
" بالطبع ستنتهي كما انتهت سابقتها قبل خمسة عشر عاما حين
تزوجها وما أن كنا سنصل لسلالة دجى الحالك العريقة حتى ضرب
ذاك الرجل وجوهنا في الجدار وهو يسافر بابنته تاركا إياها
مطلقة وراءه بعدما رماها لوالدها شراع "
عاد الجالس بعيدا عنهم لما كان يفعله ما أن رمقته تلك العينان
التي حفت حاجباها غرة تكاد تغطيها من كثافتها وطولها قد صبغت
بالحناء والكتم وكأنها ليست لذاك الوجه الذي تجاوزت صاحبته
الثمانين من عمرها وقد قالت بأمر
" ظننتك أوصلته للمخزن ولست جالسا هنا حتى الآن ؟ "
وضع آخر علبتين فيه ورفعه مغادرا من هناك من فوره وفي صمته
المعتاد ووقف ما أن اجتاز الباب الخشبي لتلك الصالة الواسعة لازال
يصله صوت الموجودين في الداخل ونوح تحديدا
" أمي عليك أن لا تثقي في ذاك الفتى كثيرا ، صحيح أنه أخرس
لكنه يسمع جيدا وأراه لا يفارقك تقريبا "
علا صوتها الرقيق المرتفع فورا
" الفتى تربى بيننا منذ كان صغيرا وأنا لا أعتبره إلا فردا من
عائلة غيلوان فيكفيه أنه يتيم ووحيد "
قال نوح مجددا
" هه .. ثمة فرق كبير بين كلمة يتيم ولقيط ، وفي جميع الأحوال
علينا أن لا نثق به كثيرا "
قالت من فورها
" من برأيك سنجد لخدمتنا جميعا ؟ النساء ممنوعات هنا وفتية
لن ترضوا بأحد من الجنوب وهو يعمل دون مقابل منذ صغره "
قال عيسى ببرود
" يكفيه المأوى والمأكل والملبس "
قاطع شعيب حديثهم ذاك قائلا
" ذاك الفتى ليس موضوعنا الأساسي الآن فاتركونا فيما نحن فيه
وما كتب في هذه الجريدة "
قال نوح
" ما كتب فيها كتب في جميع الصحف غيرها والخبر لا يحتاج لتأكيد
وقد أعادنا ذاك الرجل لنقطة الصفر مجددا "
وما أن انتقل حديثهم لأراضيهم ومشاكلها وضع الصندوق من يديه
على الطاولة الخشبية بجانب الباب والتي تحوي رفين لوضع
الأحذية فيها ثم نظر من حوله قبل أن يرفع طرف قميصه وأخرج
الهاتف الذي يثبته في الجزء الداخلي من حزام بنطلونه وكتب
أحرف تلك الرسالة سريعا وأرسلها وكان فيها
( نجحت الخطة )
وأعاده بالسرعة التي أخرجه بها وبالخفة التي حرك بها أصابعه
على أزراره ورفع الصندوق مجددا وما أن تحرك من مكانه حتى
أوقفه ذاك الصوت المنادي من خلفه
" إسحاق "
فالتفت من فوره للواقفة في الجانب الآخر لذاك الباب .. ذات الضفائر
السوداء التي تجاوز طولها فخذيها وعينان واسعة فاقتها سوادا
ورغم أنها أصبحت في السابعة والثلاثين من عمرها إلا أن من
يراها يضنها أصغر من ذلك بعشر سنين ، ابتسمت له بود كعادتها
وكأنها ليست شقيقة أولئك الثلاثة الموجودين في الداخل ولا ابنة تلك
العجوز وقالت
" هل تساعدني في شد حبل الساقية ؟ أخشى أن يسقط الدلو مني
مجددا وأنال من لسان والدتي ما لا أحب "
ابتسم ورفع الصندوق قليلا في إشارة بأنه سيوصله أولا فتوجهت
نحوه وقالت تساعده في حمله
" حسنا سنتشارك في هذا فهو ثقيل عليك يا إسحاق "
