رواية فارس بلا مأوي الفصل الاربعون 40 بقلم ولاء رفعت
يقف في مكان خالي من المارة آسير دموع قلبه الذي ينزف منذ رؤيتها،يتذكر عندما جاءت إليه في المخفر تطلب منه مسامحتها، فكان لا يدرك حينها إنها مُرغمة علي الزواج من شخص آخر، و ليس بأي شخص، لم ينس تلك النظرة السوداء المظلمة في عيون هذا السليم، نظرة كفيلة بـ سبر أغوار قلبه و خوفه عليها!
هبط علي عقبيه و أمسك بقطعة حجر و قذفها بكل قوته في مياه النيل التي أمامه،فـ بدأت ذاكرته تستعيد صورتها و ملامحها الذي يكسوها الحزن و الإنكسار،و بدون أن يشعر أنسدلت دمعة علي خده فقال:
- أني خابر إنه مكنش بيدك لكن ما جدرتش أمنع عن جلبي نار الشوق و الغيرة، حالي كان أصعب من حالك، ويلي من النار اللي ولعت في چتتي لما الراچل اللي أتچوزتيه ماسك فيكي و كأنه بيجولي دي ملكي أنا، و لا ويلي من شهد اللي القدر حكم عليا و أتچوزتها و نصيبها تكون ويا واحد ما يملكش جلبه، جلبه اللي ما خابرش معني الحب غير علي يدك، خابره أني كنت رايد أسوي أي أول ما تشوفك عيني.
أطبق شفتيه ليمنع نفسه من البكاء ثم استطرد:
- كنت رايد أخدك في حضني و أنسي كل لحظة قسوة عشتها، حضنك المطرح الوحيد اللي بحس فيه بأمان و دفا، دلوق بجيت كيف الضايع من غيرك، ماليش أهل و لا مطرح، بجيت فارس بلا مأوي.
و في خضم تلك الأحزان هناك من يساوره القلق، و يجوب الأرض ذهاباً و إياباً في ذلك الممر الطويل،يقف بجواره هذا الذي وصل منذ قليل:
-أهدي يا باشا هي إن شاء الله هاتكون بخير، ممكن يكون سبب الإغماء ما أكلتش أو تكون تعبانة شويه.
و ما أن فُتح الباب و ظهر الطبيب ركض عليه بلهفة يسأله:
-هي عاملة أي يا دكتور.
نظر إليه بابتسامة و أخبره لعله يطمئن:
-الحمدلله مدام زينب بخير، هي فاقت و بقت أحسن علقنا لها محلول و أديتلها حقنة فيتامين،شويه كده و تقدر تقوم و تتحرك عادي، بس ياريت تتغذي كويس و تحافظ علي صحتها عشانها و عشان الجنين.
توقف الزمن في تلك اللحظة حين أدرك ما نطق به الطبيب و يتأكد من مسامعه عندما سأل صلاح الطبيب:
-هي حامل يا دكتور؟
أومأ له الطبيب و أجاب:
-اه ألف مبروك.
عانق صديقه بفرح و سعادة:
-ألف مبروك يا سليم.
+
+
كان سليم يبادله العناق و لم يصدق نفسه من فرط ما يشعر به من السعادة، فها هو قد أصبح أب، أبتعد عن صديقه و ولج إلي الداخل وجدها تجلس في حالة سكون لم يرف لها هدب واحد و كأن الطير يأكل من فوق رأسها من الخبر الذي علمت به من الطبيب، فهذا أخر ما كان ينقصها، تحمل في أحشائها نبتة ذلك الشيطان الآثم و التي تود التخلص منه اليوم قبل الغد!
+
+
-ألف مبروك يا بيبي،أخيراً هيجي ولي العهد اللي هايشيل إسمي و يكمل مسيرة العقبي، مش قادر أوصفلك أنا فرحان قد أي، أنا من كتر الفرحة عايز أصرخ و أقول أنا بقيت بابا.
+
كان ينطق كلماته بسعادة بالغة، يعانقها و هي كالجماد الساكن لم تبادله حتي المباركة، وجهها أصابه الجمود لاتدري ماذا عليها أن تفعل، تريد البكاء و غير قادرة،أو إطلاق صرخة تخرج بها ما تحمله في صدرها من الألم لكن حتي هذا التعبير عاجزة عن فعله و كأنها أصابها شلل كُلي!
8
+
ــــــــــــــــــــــ
+
تطلي شفتيها بقلم الحُمرة و تنظر إلي هيئتها بسعادة، فـ منذ أن عادت من الخارج معه تركها و أخبرها أن لديه أمر هام، تعلم أن ما حدث اليوم ليس بالهين لكن ما توصلت إليه جعل قلبها يتراقص، مالكة قلب زوجها متزوجة، و ها هي الساحة أصبحت خالية لها فقط.
+
نهضت و تلقي نظرة أخيرة علي عباءتها ذات اللون الزُمردي و المطرزة بخيوط الذهب تشبه ثوب ملكة من القرن الثالث عشر، تاركة خصلاتها بانسيابية علي ظهرها، أطلقت صفيراً بإعجاب علي مظهرها الجذاب قائلة:
+
-الله عليكي يا شاهي مُزة في كل حالاتك،دلوقتي لما يشوفك هاينسي زينب و أهلها و ينسي نفسه كمان، ما هو خلاص ما بقاش ليه حد غيري، لما أروح أولع الشمع.
1
+
ذهبت إلي غرفة المائدة التي يعلوها أطباق من الطعام الشهي و أبريق مُليء بالعصير و كؤوس شاغرة و أطباق حلوي قد أشترتها عبر خدمة الطلبات المنزلية.
+
+
قامت بتشغيل إحدى الأغاني الرومانسية علي هاتفها و أخذت تتمايل عليها بفرح و تردد كلماتها:
+
- خليني جمبك في حضن قلبك، خليك معايا ديماً قريب، مستحيل أتخلي عنك، مستحيـ...
+
+
قاطع غنائها صوت فتح باب الشقة، ركضت بلهفة و سعادة لاستقباله، ليتها ما رأته في تلك اللحظة، ذو وجه عابس و متجهم، عينيه و كأن بداخلها ألسنة مُندلعة من نيران أضرمت منذ آلاف السنين.
+
اقتربت منه و تبتلع لعابها من القلق و التوجس، سألته بحذر:
+
-أحضرلك الحمام تاخدلك دش، أنا محضرة لك عشا هتاكل صوابعك وراه.
+
