رواية فارس بلا مأوي الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم ولاء رفعت
تمكث في الغرفة بمفردها منذ أن عادا من الخارج، لم يستغرق وجودهما في حفل الزفاف سوي مجرد دقائق مرت كمرور الدهر علي قلب احدهم و بمثابة خنجر متوهج يخترق قلوب آخرين بلا رحمة.
+
نهضت من فوق السرير بعد تفكير دام لأكثر من ساعة، ذهبت لتبحث عنه في الردهة، وصل إلي أنفها رائحة سيجارته المشتعلة من الشرفة، سارت إليه و وقفت خلفه بتوجس حيث إنها تدرك جيداً حالته النفسية الآن، فهو لا يلجأ لتدخين السجائر إلا عندما يكون في قمة غضبه لاسيما تري من جانب وجهه إحتدام عظام فكه البارزة و انتفاخ أوداجه النافرة.
+
ترددت في التحدث إليه، لكن في النهاية وجدت لا مجال للهروب عليها المواجهة، ساعة من المواجهة وتلقي الصدمات أكثر هواناً من العيش لساعات و ربما لأيام في خوف و آسر ذهنك في براثن الأفكار المُظلمة.
+
- أكرم.
+
تظاهر و كأنه لا يسمع ندائها علي غرار ما بداخله من وقع صوتها علي فؤاده الذي يتوسل إليه بأن يغفر لها، لكن الآن العقل هو المسيطر، طالما عقله يرشده إلي الثواب والمسار إلي الدرب الصحيح.
+
أطلق زفرة نفث بها دخاناً كثيفاً من أنفه و فاهه، و صمته كان الرد الجلي إليها، اقتربت منه وضعت أناملها المُرتجفة علي عضده و كأن قد سري في جسده تيار كهربائي، ألتفت إليها بنظرة لو كانت نيراناً لجعلتها رماداً لتوها.
+
أجفلها بصوت أرجف قلبها:
+
- عايزة أي؟
+
ابتلعت غصتها بتردد و أجابت:
+
- ممكن نتكلم شوية؟
+
سحب نفساً عميقاً من سيجارته ثم أطلقه في زفرة عبئت الأجواء من حولهما بالدخان الكثيف، تخلص من ما تبقي بين أصبعيه بإلقائها من الشرفة ليخبرها:
+
- الكلام ما بينا أنتهي.
+
لم تتحمل كلماته القاسية و نظراته الأشد قساوة، انفجرت في نوبة بكاء و كأن الجميع تكالب عليها اليوم:
+
- حرام عليك بقي كفاية، أنا ما بقتش أستحمل، بقي أبسط حاجة عندك تذل وتبيع فيا كأني مش مراتك و أم بنتك.
+
ها هي قلبت الأدوار علي رأسه، فأصبح هو الجاني و هي الضحية المجني عليها، ما كان منه أن يشعر سوي بالغضب العارم، قبض علي رسغها دافعاً إياها إلي الداخل ومن بين أسنانه يلقي عليها وابل من رصاصات الكلمات القاتلة:
+
- و أنا مكنتش خطيبك وحبيبك وقت لما روحتي أترميتي في حضنه!، أنا خدتك للفرح عشان أشوف النظرة اللي شوفتها في عينيكي، إحساسي عمره ما خاني و الليلة دي أتأكدت بنفسي من كل شكوكي، و كفاية كذب و خداع، أنا مش عارف إزاي أنتي كدة!، خلتيني أحس بأوسخ إحساس أي راجل عنده كرامة و نخوة إستحالة يقبله علي نفسه.
+
تريث قليلاً ثم أردف و نظراته مليئة بالقسوة و الكراهية:
+
- تعرفي اللي زيك تتوصف بأيه!
+
قربها منه و نظر صوب عينيها و كأن كل ما به يتحدث و ليس فمه فقط:
+
- خاينة.
+
هبطت أسفل قدميه تبكي بتوسل و نفي اتهامه لها:
+
- أنا مش خاينة، و الله بحبك أنت،بعترف أن غلطت و ندمانة و دفعت تمن غلطي، قسوتك و كلامك اللي زي السكينة دبحني، برغم كل ده أستحملت و هاستحمل، كل ده عشان بحبك.
+
هبط لمستواها و أمسكها من عضديها يُعنفها:
+
- بطلي كذب بقي يا شيخة، أنتي ما بتحبيش غير نفسك و بس.
+
كانت ترتجف بين يديه و تهز رأسها يميناً و يساراً، لم تصدق عينيها ما وصل إليه، أصبح أمامها كالوحش الضاري، مهما بررت أو توسلت لم يرحمها، فأسرع و أسهل حل لديها الآن هو الهروب من أمامه و الاستسلام لفقدان الوعي الذي بدأ يداهمها بالفعل.
+
زاغت عينيها ثم أسبلت جفونها في صمت، لم يتبق سوي صوت أنفاسه المتهدجة و هو يراها ساكنة بين يديه.
+
❀ـــــــــــــــــــــــــــ❀
+
تسير في الطريق المُظلم بعدما انتهت من زيارة إحدى صديقاتها، فكان الشرود رفيق دربها و الذي أنتشلها منه احدهم، جذبتها يد غليظة و كانت علي وشك الوصول إلي منزلها، شهقت بفزع عندما أفجعها بنظراته القاتلة و صوته الأجش الذي دب الرعب في فؤادها، يسألها:
+
- معاودة منين؟
+
رمقته في صمت لثواني حتي عادت الدماء إلي أوردتها مُجدداً، و لبست قناع الجمود و أجابت ببرود:
+
- ملكش صالح بيا عاد.
+
دفعها إلي أقرب جدار، فأرتطم ظهرها به، قلبها يخفق وجلاً غرار ما تظهر له قوة واهية علي ملامح وجهها، أمسك برسغيها بقبضة من حديد:
+
-من هنا و رايح رچلك ما تخطيش عتبة الدار.
+
رفعت إحدى حاجبيها بتمرد أنثي لا تنحني يوماً سوي إلا لخالقها قائلة:
+
-و ده من ميتي إن شاء الله يا سبع الرچال، إيش تكون أنت لأچل تحكم و تشخط فيا عاد!
+
أقترب أكثر منها، و من يراهما من بعيد يحسب إنهما متلاصقان، هدر من بين أسنانه:
+
-أنا أبجي راچلك،و چوزك بعد ما نكتبو الكتاب بكرة، و بعدها بأسبوع هاتكون دُخلتي عليكي يا بطتي.
+
ازدردت لعابها لتُبدد توترها المُنبلج من نظرات عينيها، تخبره بتهكم:
+
- بعينك يا واد خالي.
+
شبح ابتسامة غزي أسفل شاربه قائلاً:
+
- لاء يا جلب واد خالك، هاتبجي بصدري الي هاتدفي فيه و أنتي في حضني، و بجلبي الي هاتسمعيه و أنتي راسك علي صدري و شعرك الچميل مفرود عليه، أجولك أي كمان.
+
