رواية فارس بلا مأوي كامله وحصريه بقلم ولاء رفعت
تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ، فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية، فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات، بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب دماء الحزن والشجن.
+
_ آه يابا... آه يابا
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة
تفتكر الي من دمك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النار
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار
آه يابا... آه يابا
+
يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية، فصاح فيمن يُغني:
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو، مش ناجصين ولوله وعويل عاد.
+
صمت الذي يغني وقال له بتهكم:
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.
+
حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال:
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي! .
+
أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري يصيح فيهما:
_ چري أي منك ليه؟ ، جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا.
+
أجاب الشخص الأول:
_ دماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة.
+
_ واه! ، ما خُلصنا يا جنيدي، وخليك في حالك.
+
عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر، فوقف بجواره وقال:
_ أنت يا أبو عمو، شايفك عتبحلج من الشُباك و واجف أكتر من ساعة، شكل حكايتك واعرة جوي.
+
ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.
+
تنهد وأستدار له قائلاً بسخرية:
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.
+
تعجب الآخر وقال:
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي .
+
أرتفعت شفتيه بسأم وقال:
_ مليش في الدخان.
+
رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال:
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.
+
أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:
_ مبحبش السچاير.
+
لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة:
_ مجولتليش إسمك أي؟.
+
زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب:
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ.....
+
قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة:
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.
+
جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته:
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف:
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.
+
_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.
+
رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه:
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.
+
ضحك الآخر قائلاً:
_ الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.
+
نظر له منتظراً فأردف:
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4
توقفت الشاحنة فجاءة بعد أن أعطي الضابط أمر صارم للسائق بأن يتوقف حيث توقفت سيارة نقل أمامهم و علي مقربة، وبداخل الشاحنة كثرت الثرثرة بين السجناء وأرتفعت الأصوات متسائلين عن سبب الوقوف فصاح بهم الأمين بأن يلزموا الصمت.
+
وبالعودة إلي مقدمة الشاحنة، ترجل الضابط وبرفقته المساعد، فقال:
_ أنت يا سطا الي موقفك بعرض الطريق؟.
+
لم يجيب عليه سائق السيارة الأخري، فكرر سؤاله ولا رد، فأثار ضيق الضابط وقرر الذهاب إليه ويريه كيف يتجاهل سؤاله، و عند إقترابه كانت الصاعقة، أرتمي الغطاء الذي كان بصندوق السيارة وظهر من أسفله رجال ملثمون ذوي بنية جسدية قوية، يحملون أسلحة قامو بإطلاق ذخيرتها للتو، لم يمهلو الضابط ومن معه فرصة الدفاع.
+
صاح بهم قائدهم بصوته الغليظ:
_ يلا بينا يارجالة عشان نطلع المعلم من المخروبة دي.
+
قتلو أي فرد من الشرطة وقامو بكسر وخلع الباب الحديدي عبر إطلاق الرصاصات وبعد أن حذرو من بالداخل، صرخ السجناء ورفعو أيديهم إلي أعلي بإستسلام سوي سجين واحد ذو ملامح صارمة و نظرات أعين مخيفة، أرتسمت إبتسامة إنتصار علي ثغره حينما رأي رجاله.
قام إحدهم بفك أصفاده وقال له بثناء مبجل:
_ حمدالله علي سلامتك يا معلم.
+
